← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

(٦) باب التكبير في الصلاة [٣٠٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَركَعُ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ حِينَ يَرفَعُ صُلبَهُ مِنَ الرَّكوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ــ (٦) ومن باب: التكبير في الصلاة قوله يكبر حجة في وجوب التكبير للإحرام وتعيينه، وقد قال ﵊ للذي علمه الصلاة: إذا قمت إلى الصلاة فكبر (١). واختلف في حكم التحريم؛ فعامة أهل العلم على وجوبه إلا ما روي عن الزهري وابن المسيب والحسن والحكم والأوزاعي وقتادة أنه سنة وأنه يجزئ الدخول في الصلاة بالنية، وعامة أهل العلم على أنه لا يجزئ إلا بلفظ التكبير، إلا أبا حنيفة وأصحابه فإنهم يجيزون الدخول بكل لفظ فيه تعظيم لله، وأجاز الشافعي: الله الأكبر، وأجاز أبو يوسف: الله الكبير، ومالك لا يجيز إلا اللفظ المعيّن: الله أكبر - المعهود في عرف اللغة والشرع لا سواه. والأولى ما صار إليه مالك ﵀ لما صحّ عن النبي ﷺ من حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم (٢). والألف واللام في التكبير والتسليم حوالة على معهود تكبيره ﷺ وتسليمه، ولم يرو عنه قط أنه قال في التكبير ولا في التسليم غير لفظين معينين وهما: الله أكبر، والسلام عليكم.

стр. 632

حِينَ يَهوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرفَعُ رَأسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرفَعُ رَأسَهُ، ثُمَّ يَفعَلُ مِثلَ ذَلِكَ فِي الصَّلاةِ كُلِّهَا. وَعَنهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلي لَهم فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمَّا انصَرَفَ قَالَ: وَاللهِ إِنِّي لأَشبَهُكُم صَلاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ . ــ وقوله يكبر كلما خفض ورفع وأن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك؛ هذا هو الأمر الثابت من فعله والذي استقرّ عليه عمل المسلمين، وقد كان بعض السلف يرى أنه لا تكبير في الصلاة غير تكبيرة الإحرام. وقال بعضهم: ليس بسنة إلا للجماعة؛ ليُشعر الإمام بحركاته مَن وراءه. ومذهب أحمد بن حنبل: وجوب جميع التكبير في الصلاة، وعامة العلماء على أنه سنة بدليل قوله للذي علمه الصلاة: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة، ثم كبر (١) - ولم يذكر له إلا فرائض الصلاة. وفي قوله كلما خفض ورفع ما يدل على مقارنة التكبير للفعل، وعليه يدل قوله سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، وقوله ثم يكبر حين يهوي ساجدًا وهو قول أهل العلم، واستثنى مالك من ذلك التكبير بعد القيام من اثنتين فلا يكبر حتى يستوي قائمًا، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، قال مالك: وإن كبر هنا في نهوضه فهو في سعة. وقوله يَهوِي هو بفتح الياء وكسر الواو، وماضيه هَوَى بفتح الواو، ومعناه: يسقط إلى الأرض ساجدًا. وأما أَهوَى الرباعي فمضارعه يُهوِي بضم الياء وكسر الواو فمعناه: أقبل على الشيء ليأخذه بيده، يقال أهويت للشيء إذا أردت أخذه بيدك. وأما هَوِي بفتح الهاء وكسر الواو فمعناه أحَبّ، ومضارعه يَهوَى بفتح الياء والواو، وذكره الجوهري في الصحاح.

стр. 633

رواه أحمد (٢/ ٤٥٤ و ٤٧٠)، والبخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢) (٢٧ و ٢٨)، وأبو داود (٨٣٦)، والنسائي (٢/ ٢٣٢). * * * (٧) باب ما جاء في القراءة في الصلاة وبيان أركانها [٣١٠]- عَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لا صَلاةَ لِمَن لَم يَقرَأ بِأُمِّ القُرآنِ. ــ (٧) ومن باب: القراءة في الصلاة قوله لا صلاة ظاهره نفي الإجزاء في كل صلاة لا يُقرأ فيها بأم القرآن، وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور، ورأى أبو حنيفة أنها لا تتعين وأن غيرها من آي القرآن وسُوَرِهِ يجزئ، فيتعين عليه حمل لا صلاة على نفي الكمال أو على الإجمال بينهما، كما صار القاضي إليه. ومذهب الجمهور هو الصحيح؛ لأن نفي الإجزاء هو السابق للفهم، كما تقول العرب: لا رجل في الدار - فإنه يقتضي هذا نفي أصل الجنس الكامل والناقص، ولا يصار لنفي الوصف إلا بدليل من خارج. واختلف العلماء في القراءة في الصلاة؛ فذهب جمهورهم إلى وجوب قراءة أم القرآن للإمام والفذِّ في كل ركعة، وهو مشهور قول مالك، وعنه أيضًا أنها واجبة في جُلّ الصلاة، وهو قول إسحاق، وعنه أنها تجب في ركعة واحدة، وقاله المغيرة والحسن. وعنه أن القراءة لا تجب في شيء من الصلاة، وهو أشذ الروايات، وحُكي عنه أنها تجب في نصف الصلاة، وإليه ذهب الأوزاعي،

стр. 634

زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَصَاعِدًا. رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) (٣٦)، وأبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٢٤٧)، والنسائي (٢/ ١٣٧ - ١٣٨). [٣١١]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن صَلَّى صَلاةً لَم يَقرَأ فِيهَا بِأُمِّ القُرآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلاثًا، غَيرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لأَبِي هُرَيرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ! فَقَالَ: اقرَأ بِهَا فِي نَفسِكَ، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ــ وذهب الأوزاعي أيضا وأبو أيوب وغيرهما إلى أنها تجب على الإمام والفذّ والمأموم على كل حال، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى. وقوله فصاعدًا معناه: فزائدًا، ويلزم من ظاهر هذا اللفظ أن تكون الزيادة على أم القرآن - التي هي السورة - واجبة، ولا قائل أعلمه يقول بوجوب قراءة السورة زيادة على أم القرآن، وإنما الخلاف في وجوب أم القرآن خاصة. وقد أجمعوا على أن لا صلاة إلا بقراءةٍ في الركعتين الأوليَين، إلا ما قاله الشافعي فيمن نسي القراءة في الصلاة كلها أنها تجزئه لعذر النسيان، وهذا شاذ، وقد رجع عنه، وإلا ما شذ من قول مالك. وقوله من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، قال الهروي: الخداج النقصان؛ يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق. وأخدجته: إذا ولدته ناقصًا وإن كان لتمام الولادة. فقوله خداج أي: ذات خداج، فحذف ذات وأقام الخداج مقامه، وهذا مذهب الخليل في الخداج وأبي حاتم والأصمعي، وأما الأخفش فعكس وجعل الإخداج قبل الوقت وإن كان تام الخلق. وسميت الفاتحة أم الكتاب لأنها أصله؛ أي: هي محيطة بجميع علومه،

стр. 635

يَقُولُ: قَالَ اللهُ : قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبَينَ عَبدِي نِصفَينِ، وَلِعَبدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ العَبدُ ﴿الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ قَالَ اللهُ تعالى: حَمِدَنِي عَبدِي. وَإِذَا قَالَ ﴿الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللهُ تعالى: ــ فهي منها وراجعة إليها، ومنها سميت الأم أُمًّا؛ لأنها أصل النَّسل، والأرض أُمًّا في قوله: فالأرض معقلنا وكانت أُمَّنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد ومنه: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ و: ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ﴾ ولا معنى لكراهية من كره تسميتها بأم القرآن مع وجود ذلك في الحديث. وقوله قسمت الصلاة يعني أم القرآن، سماها صلاة؛ لأن الصلاة لا تتم - أو لا تصح - إلا بها، ومعنى القسمة هنا من جهة المعاني؛ لأن نصفها الأول في حمد الله وتمجيده والثناء عليه وتوحيده، والنصف الثاني في اعتراف العبد بعجزه وحاجته إليه وسؤاله في تثبيته لهدايته ومعونته على ذلك، وهذا التقسيم حجة على أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست من الفاتحة خلافًا للشافعي، وسيأتي قوله. وقوله تعالى حمدني عبدي؛ أي: أثنى عليّ بصفات كمالي وجلالي. ومجّدني شرّفني؛ أي: اعتقد شرفي ونطق به، والمجد: نهاية الشرف، وهو الكثيرُ صفاتِ الكمالِ، والمجد: الكثرة، ومنه قوله: في كل شجر نار واستَمجَدَ المَرخُ والعَفَار (١)

стр. 636

أَثنَى عَلَيَّ عَبدِي. وَإِذَا قَالَ ﴿مَالِكِ يَومِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبدِي - وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَينِي وَبَينَ عَبدِي، وَلِعَبدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبدِي، وَلِعَبدِي مَا سَأَلَ. رواه أحمد (٢/ ٢٥٠ و ٢٨٥)، ومسلم (٣٩٥) (٣٨)، وأبو داود (٨١٩ و ٨٢٠)، والترمذي (٢٩٥٤ و ٢٩٥٥)، والنسائي (٢/ ١٣٥ - ١٣٦). ــ أي: كثر نارهما. وقوله وربما قال: فوّض إليّ عبدي؛ أي: يقول هذا ويقول هذا، غير أن فوض أقل ما يقوله، وليس شكا، وهو مطابق لقوله: مَالِكِ يَومِ الدِّينِ - لأنه تعالى هو المنفرد في ذلك اليوم بالملك، إذ لا تبقى دعوى لمدّع. والدين: الجزاء، والحساب، والطاعة، والعبادة، والملك. وقوله نعبد؛ أي: نخضع ونتذلل. ونستعين نسألك العون، اهدنا أرشدنا وثبتنا على الهداية، والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه؛ والمنعم عليهم هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. والمغضوب عليهم اليهود، والضلاّل النصارى، كذا روي عن رسول الله ﷺ (١). وإنما قال الله تعالى هنا هذا بيني وبين عبدي لأنها تضمّنت تذلل العبد لله وطلبه الاستعانة منه، وذلك يتضمّن تعظيم الله تعالى وقدرته على ما طُلب منه. وقوله فيما بقي من السورة هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل؛ لأن العبد دعا لنفسه، وقال مالك في قوله فهؤلاء لعبدي: هي إشارة إلى أنها ثلاث آيات

стр. 637

[٣١٢]- وَعَنهُ قَالَ: فِي كُلِّ صَّلاةٍ قِرَاءَةٌ، فَمَا أَسمَعَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَسمَعنَاكُم، وَمَا أَخفَى مِنَّا أَخفَينَا مِنكُم. مَن قَرَأَ بِأُمِّ الكتاب فَقَد أَجزَأَت عَنهُ، وَمَن زَادَ فَهُوَ أَفضَلُ. رواه أحمد (٢/ ٣٤٨)، ومسلم (٣٩٦) (٤٤)، والنسائي (٢/ ١٦٣). ــ لا آيتان؛ وذلك أن المسلمين قد اتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات، فإذا كانت ثلاث آيات عند قوله ﴿مَالِكِ يَومِ الدِّينِ﴾ بقيت أربع آيات: ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ﴾ تبقى ثلاث آيات، فتصحّ الإشارة إليها بهؤلاء. وقد عدّ البصريون والشاميون والمدنيون ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم﴾ آية، وعليه تصح القسمة والإشارة، والله أعلم. وقوله اقرأ بها في نفسك، اختلف العلماء في قراءة المأموم خلف الإمام؛ فذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن المأموم لا يترك قراءة أم القرآن على حال، وإليه ذهب الشافعي تمسكًا بقول أبي هريرة وبعموم قوله لا صلاة، وذهب مالك وابن المسيب في جماعة من التابعين وغيرهم وفقهاء أهل الحجاز والشام إلى أنه لا يقرأ معه فيما جهر به وإن لم يسمعه، ويقرأ معه ما أسر فيه الإمام تمسكًا بقوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ القُرآنُ فَاستَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا، وبقول أبي هريرة: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ ، وبقوله ﵊: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (١). وذهب أكثر هؤلاء إلى أن القراءة فيما يُسِرّ فيه الإمام غير واجبة، إلا داود وأحمد بن حنبل وأصحاب الحديث فإنهم أوجبوا قراءة الفاتحة إذا أسرّ الإمام، وذهب الكوفيون إلى ترك قراءة المأموم خلف الإمام على كل حال.

стр. 638

[٣١٣]- وَعَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ المَسجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ السَّلامَ، فَقَالَ: ارجِع فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَم تُصَلِّ! فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَعَلَيكَ السَّلامُ، ثُمَّ قَالَ: ارجِع فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَم تُصَلِّ! حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحسِنُ غَيرَ هَذَا، فعَلِّمنِي! قَالَ: إِذَا قُمتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبِّر، ثُمَّ اقرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرآنِ، ثُمَّ اركَع حَتَّى تَطمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارفَع حَتَّى تَعتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسجُد حَتَّى تَطمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارفَع ــ وقوله في حديث أبي هريرة للذي علمه الصلاة إذا قمت إلى الصلاة فكبر، هذا الحديث ومساقه يدل على أنه ﵊ قصد إلى ذكر فرائض الصلاة لا غير؛ لأن جميع ما ذكره فيه فرض، وما لم يذكره ليس من فرائضها، هذا قول كافة أصحابنا وغيرهم، وهذا ينتقض عليهم بالنية والسلام إذ لم يذكرهما. وقوله ما تيسر معك من القرآن متمَسَّك أبي حنيفة، فإنه يأخذ بعمومه، ويقال له: إن ما تيسر هو الفاتحة؛ لأن الله تعالى قد يسَّرها على ألسنة الناس صغارهم وكبارهم، ذكورهم وإناثهم، أحرارهم وعبيدهم، ويتأيد هذا التأويل بقوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (١). وقوله ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، وقال في السجود كذلك، واختلف أصحابنا في وجوب الطمأنينة، والأصل المتقدم يرفع هذا الخلاف، بل ينبغي عليه أن تكون واجبة على كل حال، وهذا يدل على اختلافهم في ذلك الأصل.

стр. 639

حَتَّى تَطمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افعَل ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا. زَادَ فِي رِوَايَةٍ: إِذَا قُمتَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَسبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ استَقبِلِ القِبلَةَ فَكَبِّر. رواه أحمد (٢/ ٤٣٧)، والبخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧)، وأبو داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٣)، والنسائي (٢/ ١٢٥). [٣١٤]- وَعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الظُّهرَ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقرَأُ خَلفَهُ بِسَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى، فَلَمَّا انصَرَفَ قَالَ: أَيُّكُم قَرَأَ؟ أَو: أَيُّكُمُ القَارِئُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا! فَقَالَ: قَد ظَنَنتُ أَنَّ بَعضَكُم خَالَجَنِيهَا! ــ وقوله ثم افعل ذلك في صلاتك كلها يدل على وجوب القراءة في كل ركعة، وهو المشهور (١) على ما تقدم. وقوله ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، يريد بين السجدتين. وفي رواية ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا، وهذا يدل على وجوب الفصل بين السجدتين، وهل يجب لذاته فلا بد منه أو للفصل فيحصل الفصل بأقل ما يحصل منه ويكون تمامه سنة؟ اختُلف فيه. وقوله قد علمت أن بعضكم خالجنيها؛ أي خالطنيها، ويروى نازعنيها؛ أي كأنه نزع ذلك من لسانه، وهو مثل حديثه الآخر: ما لي أنازع القرآن! (٢) ولا حجة فيه لمنكري القراءة؛ لأن النبي ﵊ إنما أنكر المخالجة لا القراءة.

стр. 640

رواه أحمد (٤/ ٤٣١)، ومسلم (٣٩٨) (٤٨)، وأبو داود (٨٢٨ و ٨٢٩)، والنسائي (٢/ ١٤٠). * * * (٨) باب ترك قراءة بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ في الصلاة [٣١٥]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّيتُ خَلفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكرٍ ــ (٨) ومن باب: ترك قراءة بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ في الصلاة اختلف الفقهاء في ذلك؛ فمن قال هي من الفاتحة كالشافعي وأصحاب الرأي قرأها فيها، ومن لم ير ذلك كالجمهور فهل تُقرأ في الصلاة أو لا؟ وإذا قُرئت فهل يُجهر بها مع الحمد أو يُسرّ؟ فمشهور مذهب مالك أنه لا يقرؤها في الفرائض ويجوز له أن يقرأها في النوافل تمسكا بالحديث، وعنه رواية أخرى أنها تُقرأ أول السورة في النوافل ولا تُقرأ أول أم القرآن. وروى عنه ابن نافع ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل، ولا تترك بحال. وأما هل يجهر بها؟ فالشافعي يجهر بها مع الجهر، وأما الكوفيون فيسرُّونها على كل حال، والصحيح أن البسملة ليست آية من القرآن إلا في النمل خاصة فإنها آية هناك مع ما قبلها بلا خلاف، وأما في أوائل السور وفي أول الفاتحة فليست كذلك لعدم القطع بذلك، ومن ادّعى القطع في ذلك عُورض بنقيض دعواه، وقد اتفقت (١) الأمة على أنه لا يُكَفَّر نافي ذلك ولا مثبته، والمسألة مستوفاة في الأصول والخلاف.

стр. 641

وَعُمَرَ وَعُثمَانَ، وكَانُوا يَستَفتِحُونَ بِـ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ؛ لا يَذكُرُونَ بِسم اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلا فِي آخِرِهَا. رواه أحمد (٣/ ٢٢٣)، والبخاري (٧٤٣)، ومسلم (٣٩٩) (٥٢)، وأبو داود (٧٨٢)، والترمذي (٢٤٦)، والنسائي (٢/ ١٣٣ و ١٣٥). * * * (٩) باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة [٣١٦]- عَن أَنَسٍ قَالَ: بَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ بَينَ أَظهُرِنَا إِذ أَغفَى إِغفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلنَا: مَا أَضحَكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ــ وقوله لا يذكرون يعني رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر، وهذا يدل على اعتنائه وشدة فهمه بها. ولا يذكرون: لا يقرؤونها بحال، وإلى هذا استند مالك في مشهور قوله، وإلى العمل المتصل عندهم بالصلاة وأحوالها (١). (٩) ومن باب: حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة (٢) من حديث أنس أيضًا: قوله أغفى إغفاءة؛ أي: أخذته سِنَةٌ، وهي النوم الذي في العين، وهذه الحالة التي كان يُوحَى إليه ﷺ فيها غالبًا.

стр. 642

قَالَ: أُنزِلَت عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ: بِسم اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعطَينَاكَ الكَوثَرَ﴾، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانحَر﴾، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبتَرُ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَتَدرُونَ مَا الكَوثَرُ؟ فَقُلنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ نَهرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي ، عَلَيهِ خَيرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوضٌ تَرِدُ عَلَيهِ أُمَّتِي يَومَ القِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُختَلَجُ العَبدُ مِنهُم، فَأَقُولُ: رَبِّ إِنَّهُ مِن أُمَّتِي! فَيَقُولُ: مَا تَدرِي مَا أَحدَثَت بَعدَكَ. زَادَ فِي رِوَايَةٍ: بَينَ أَظهُرِنَا فِي المَسجِدِ. وَفِيها: مَا أَحدَثَ بَعدَكَ. رواه البخاري (٤٩٩٤) ومسلم (٤٠٠) (٥٣)، وأبو داود (٤٧٤٧ و ٤٧٤٨)، والترمذي (٣٣٥٧)، والنسائي (١/ ١٣٣ - ١٣٤). * * * ــ وقوله آنفًا أي الساعة. وقوله الكوثر جاء تفسيره هنا: نهر في الجنة، وفي غير هذا الحديث: هو الخير الكثير (١)، قال: وذلك النهر منه. وقوله يختلج العبد منهم؛ أي يستخرج وينتزع. * * *

стр. 643

(١٠) باب التَّشَهُّد في الصلاة [٣١٧]- عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلاةِ خَلفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : السَّلامُ عَلَى اللهِ، السَّلامُ عَلَى فُلانٍ! فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ: إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُم فِي الصَّلاةِ فَليَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحمَةُ اللهِ ــ (١٠) ومن باب: التشهد في الصلاة اختار جمهور الفقهاء وأصحاب الحديث تشهد ابن مسعود (١)، واختار الشافعي تشهد ابن عباس الآتي، واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب لكونه علَّمه الناس على منبر رسول الله ﷺ بحضرة الصحابة والناس ولم يُنكَر ذلك فصار إجماعًا منهم على أصل مالك في هذا الباب. وقوله ﵊ إن الله هو السلام، والسلام من أسمائه تعالى الحسنى، وهو السالم من النقائص وسِمَاتِ الحَدَث. وقيل: المسلِّم عباده. وقيل: المسلِّم عليهم في الجنة، كما قال: ﴿سَلامٌ عَلَيكُم طِبتُم﴾ وقيل: معناه في قوله السلام عليك أيها النبي، وفي سلام الصلاة السلامة والنجاة، فيكون مصدرًا كاللذاذ واللذاذة، كما قال تعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أَصحَابِ اليَمِينِ﴾ وقيل: السلام عليك؛ أي الانقياد لك والتسليم لك، قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿تَسلِيمًا﴾ وقد سبق القول في التحيات والطيبات وأنها الأقوال الصالحة كالأذكار والدعوات وما شاكل ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وقوله لله في هذا الموضع تنبيه على الإخلاص في العبادات؛ أي:

стр. 644

وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَينَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَت كُلَّ عَبدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرضِ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ المَسأَلَةِ مَا شَاءَ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ كَفِّي بَينَ كَفَّيهِ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرآنِ. وَذَكَرَ مِثلَهُ. ــ ذلك كله من الصلوات والأعمال لا تفعل إلا لله تعالى، ويجوز أن يراد به الاعتراف بأن مَلكَ ذلك كله لله تعالى. وقوله على عباد الله الصالحين فيه دليل على أن جمع التكثير للعموم وعلى صحة القول بالعموم من غير توقف ولا تأخير، وقد نبّه النبي ﷺ على ذلك حيث قال: أصابت كل عبد صالح - فأدخل فيه الكُلَّ حتى الملائكة. وقوله ثم ليتخيّر بعدُ من المسألة ما شاء حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول: لا تدعو في الصلاة إلا بما جاء في القرآن، وحجة على الشافعي حيث أوجب الصلاة على النبي ﷺ في كل صلاة بعد التشهد الأخير. والصحيح عند الجمهور أن الصلاة على النبي ﷺ واجبة في الجملة، مندوب إليها في الصلاة وغيرها، متأكِّدة النَّدبِيَّة في الصلاة، حتى إن بعض أصحابنا يطلقون عليها أنها سنة لقوله ﵊ للرجل الذي علمه الصلاة: فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، ولم يذكر فيه الصلاة على النبي ﷺ على ما تقدم. واختلف العلماء في حكم التشهدين؛ فهما غير واجبين عند مالك والجمهور بل مندوبان، وذهب فقهاء أصحاب الحديث إلى وجوبهما، وذهب الشافعي إلى وجوبه في الآخرة، وروي عن مالك مثله، والصحيح الأول على الطريقة المتقدمة منه. وسُمي التشهد تشهدًا لأنه مأخوذ من لفظ الشهادتين بالوحدانية لله وبالرسالة لرسوله ﷺ .

стр. 645

رواه أحمد (١/ ٤١٣)، والبخاري (٦٣٢٨)، ومسلم (٤٠٢) (٥٥ و ٥٩)، وأبو داود (٩٦٨ و ٩٦٩)، والترمذي (٢٨٩)، والنسائي (٢/ ٢٣٧). [٣١٨]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَينَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. رواه أحمد (١/ ٢٩٢)، ومسلم (٤٠٣)، وأبو داود (٩٧٤)، والترمذي (٢٩٠)، والنسائي (٢/ ٢٤٢ و ٢٤٣). [٣١٩]- وَعَن حِطَّانَ بنِ عَبدِ اللهِ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ صَلاةً، فَلَمَّا كَانَ عِندَ القَعدَةِ قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: أُقِرَّتِ الصَّلاةُ بِالبِرِّ وَالزَّكَاةِ؟ فَلَمَّا قَضَى أَبُو مُوسَى الصَّلاةَ وَسَلَّمَ انصَرَفَ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ القَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: فَأَرَمَّ القَومُ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمُ القَائِلُ كَلِمَةَ ــ وقوله في حديث حطَّان أقِرَّت الصلاة بالبر والزكاة؛ أي قُرِنَت، والباء بمعنى مع؛ أي: قُرِنَت مع البر والزكاة فصارت معهما مستوية في أحكامهما وتأكيدهما. ويحتمل أن يراد بالبر هنا المبَّرة، وبالزكاة الطهارة، ويكون المعنى أن من داوم على الصلاة بَرّ وتطهر من الآثام، والله أعلم. وقوله فأرَمَّ القوم بفتح الراء وتشديد الميم، وهو المعروف، ويروى فَأزَمَ القوم بالزاي المنقوطة، ومعناهما واحد وهو السكوت؛ أي: لم ينطقوا بشيء ولا حرَّكوا مَرَمّاتهم وهي شفاههم، والشفةُ: هي المِرَمَّة والمِقمَّة، وبالزاي من الزَّمّ؛ أي: لم يفتحها بكلمة.

стр. 646

كذا وكذا؟ فأرم القوم. فَقَالَ: لَعَلَّكَ يَا حِطَّانُ قُلتَهَا؟ قَالَ: مَا قُلتُهَا، وَلَقَد رَهِبتُ أَن تَبكَعَنِي بِهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: أَنَا قُلتُهَا، وَلَم أُرِد بِهَا إِلا الخَيرَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أمَا تَعلَمُونَ كَيفَ تَقُولُونَ فِي صَلاتِكُم! إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَنَا فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا وَعَلَّمَنَا صَلاتَنَا، فَقَالَ: إِذَا صَلَّيتُم فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُم، ثُمَّ ليَؤُمَّكُم أَحَدُكُم، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذا قَالَ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا آمِينَ يُجِبكُمُ اللهُ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَاركَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَركَعُ قَبلَكُم وَيَرفَعُ قَبلَكُم. فَقَالَ ــ وقوله لقد رهبت أن تَبكَعَني بها، قال: معناه خفتُ أن تستقبلني بها، يقال بَكَعت الرجل بَكعًا إذا استقبلته بما يكره، وهو نحو التبكيت. ورهبت: خفت. والرهب: الخوف. وقوله أما تعلمون كيف تقولون! ظاهره النفي، ويحتمل الاستفتاح، وحُذِفَت الهمزة تخفيفًا كما تحذف مع الاستفهام. وقوله فأقيموا صفوفكم أَمرٌ بإقامة الصفوف، وهو من سنن الصلاة بلا خلاف؛ لقوله ﷺ في الحديث الآخر: فإن تسوية الصف من تمام الصلاة (١). وقوله فإذا كبر فكبروا يقتضي أن تكبير المأموم لا يكون إلا بعد تكبير الإمام؛ لأنه جاء بفاء التعقيب، وهذا مذهب كافة العلماء. ولا خلاف أن المأموم لا يسبقه بالتكبير والسلام إلا عند الشافعي ومن لا يرى ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، والحديث حجة عليهم. واختلفوا إذا ساواه في التكبير أو السلام؛ فلأصحابنا فيه قولان: الإجزاء وعدمه. واتفقوا على أنه لا يجوز أن يسابقه بكل أفعاله وسائر أقواله ولا يقارنه فيها، وأن السنة اتباعه فيها.

стр. 647

رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَتِلكَ بِتِلكَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ - يَسمَعُ اللهُ لَكُم، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ : سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ. وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسجُدُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسجُدُ قَبلَكُم وَيَرفَعُ قَبلَكُم. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَتِلكَ بِتِلكَ. وَإِذَا ــ وقوله فتلك بتلك، هذا إشارة إلى أن حق الإمام السبق، فإذا فرغ تلاه المأموم معقبًا. والباء في تلك للإلصاق والتعقيب، وقد قيل: ليس عليه أن ينتظره حتى يفرغ، بل يكفي شروع الإمام في أول الفعل، والصحيح الأول للحديث. وقد روي عن مالك قول ثالث أنه فرّق فقال: يجوز مُشاركةُ المأموم الإمام إلا في القيام من الركعتين، فلا يقوم حتى يستوي الإمام قائمًا ويكبر. وعلى القول الآخر: له أن يقوم بقيامه. وقيل في تلك بتلك أن معناه أن الحالة من صلاتكم وأعمالكم إنما تصح بتلك الحالة من اقتدائكم به. وقوله يسمع الله لكم؛ أي يستجيب. وقول النبي ﷺ سمع الله لمن حمده خبر عن الله تعالى باستجابة من حَمِدَه ودعاه، ويجوز أن يراد به الدعاء، فيكون معناه: اللهم استجب، كما نقول: صلى الله على محمد. وقوله ربنا ولك الحمد اختلفت روايات الحديث في إثبات الواو وحذفها، واختلف اختيار العلماء فيها؛ فمرة اختار مالك إثبات الواو لأن قوله ربنا إجابةُ قوله سمع الله لمن حمده؛ أي: ربَّنا استجب دعاءَنا واسمع حمدَنا، ولك الحمد على هذا. وأيضًا فإن الواو زيادة حرف، ولكل حرف حَظٌّ من الثواب. واختار مرّة حذف الواو إذ الحمد هو المقصود، قال الشيخ ﵀: والظاهر أن الموجب للاختلاف في الاختيار الاختلاف في ترجيح الآثار.

стр. 648

كَانَ عِندَ القَعدَةِ فَليَكُن مِن أَوَّلِ قَولِ أَحَدِكُمُ: التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَينَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِذَا قَرَأَ فَأَنصِتُوا. رواه أحمد (٤/ ٣٩٩)، ومسلم (٤٠٤) (٦٢ و ٦٣)، وأبو داود (٩٧٢ و ٩٧٣)، والنسائي (٢/ ٩٦ - ٩٧). * * * ــ وقوله وإذا قرأ فأنصتوا حجة لمالك ومن قال بقوله: إن المأموم لا يقرأ مع الإمام إذا جهر. قال الدارقطني: هذه اللفظة لم يتابع سليمان التَّيمي فيها عن قتادة، وخالفه الحُفَّاظ. قال: وإجماعهم على مخالفته يدل على وهمه. قال الشيخ ﵀: وقد أشار مسلم في كتابه إلى تصحيح هذه الزيادة، وهي ثابتة في الأصل في رواية الجُلودي عن إبراهيم بن سفيان. وقد تقدم في أوَّل كتابنا قول إبراهيم بن سفيان لمسلم: لِمَ لَم تخرج في كتابك وإذا قرأ فأنصتوا؟ أليست بصحيحة؟ فقال: ليس كل الصحيح خرَّجت هنا، وإنما خرَّجت ما أجمعوا عليه! فهذا تصريح بصحتها، إلا أنها ليست عنده مما أجمعوا على صحته. وقوله وإذا قال: ولا الضالين - فقولوا: آمين؛ يجبكم الله، آمين: اسم من أسماء الأفعال، ومعناها هنا: اللهم استجب، وهي مبنيَّة على السكون، وفيها لغتان: المدّ، والقصر. * * *

стр. 649

(١١) باب الصلاة على النبي ﷺ [٣٢٠]- عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحنُ فِي مَجلِسِ سَعدِ بنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بنُ سَعدٍ: أَمَرَنَا اللهُ تعالى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيكَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَكَيفَ نُصَلِّي عَلَيكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى تَمَنَّينَا أَنَّهُ لَم يَسأَلهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ، ــ (١١) ومن باب: الصلاة على النبي ﷺ قوله أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله! فكيف نصلي عليك؟ ، هذا سؤال من أشكل عليه كيفية ما فُهم جملته، وذلك أنه عرف الصلاة وتحققها من لسانه إلا أنه لم يعرف كيفيتها، فأجيب بذلك. وفي قوله أمرنا دليل على أن المندوب يدخل تحت الأمر، وقد تقدم اشتقاق الصلاة، وهي مِنَّا دعاء ومن الله تعالى رحمة ومن الملائكة ثناء، وقد قيل: إن صلاة الله على نبيه هي ثناؤه عليه عند ملائكته. وقوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، اختلف في آله من هم؟ فقيل أتباعه، وقيل أمَّته، وقيل آل بيته، وقيل أتباعه من رهطه وعشيرته، وقيل آل الرجل نفسه؛ ولهذا كان الحسن يقول: اللهم صل على آل محمد. واختلف النحويون: هل يضاف الآل إلى المُضمَر أم لا يضاف إلا إلى الظاهر؟ فذهب النَّحَّاس والزبيدي والكسائي إلى أنه لا يقال إلا: اللهم صلّ على محمد وآل محمد، ولا يقال: وآله. قالوا: والصواب وأهله. وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك يقال - منهم ابن السَّيِّد، وهو الصواب؛ لأن السماع الصحيح يعضده، فإنه قد جاء في قول عبد المطلب:

стр. 650

وَبَارِك عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، ــ لاهم إن العبد يمـ ... نع رحله فامنع حِلالك وانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك (١) وقال قدامة: أنا الفارس الحامي حقيقة والدي ... وآلي كما تحمي حقيقة آلكا (٢) وغير ذلك من كلام العرب، وهو كثير. وقوله وبارك من البركة، وهي هنا الزيادة من الخير والكرامة، وأصلها من البروك وهو الثبوت على الشيء، ومنه: بركت الإبل. ويجوز أن تكون البركة هنا بمعنى التطهير والتزكية؛ كما قال تعالى: ﴿رَحمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُم أَهلَ البَيتِ﴾ ثم اختلف أرباب المعاني في فائدة قوله كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم على تأويلات كثيرة، أظهرها: أن النبي ﷺ سأل ذلك لنفسه وأهل بيته لتتمَّ النعمة عليهم والبركة، كما أتَمَّها على إبراهيم وآله. وقيل: بل سأل ذلك لأُمَّته ليثابوا على ذلك، وقيل: ليبقى له ذلك دائمًا إلى يوم الدين، ويجعل له به لسان صدق في الآخِرين؛ كما جعله لإبراهيم. وقيل: كان ذلك قبل أن يعرف ﵊ بأنه أفضل ولد آدم. وقيل: بل سأل أن يصلي عليه صلاةً يتخذه بها خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا (٣)، وقد أجابه الله واتّخذه خليلا؛ كما جاء في الصحيح: لو كنت متخذًا خليلا لاتخذت أبا بكر

стр. 651

وَالسَّلامُ كَمَا قَد عَلِمتُم. ــ خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن (١). وقد جاء أنه حبيب الرحمن - ذكره الترمذي (٢)، فهو الخليل وهو الحبيب. وقد اختلف العلماء أيّهما أشرف؟ أَو هما سواء؟ واختلف هل يُدعى للنبي ﷺ بغير الصلاة والسلام، فيقال مثلا: اللهم ارحم محمدًا أو اغفر لمحمد؟ أَو لا يقال ذلك؟ فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى منع ذلك. وأجاز ذلك أبو محمد بن أبي زيد، والصحيح جوازه، فقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة. واختُلف: هل يُصلَّى على غير الأنبياء، فيقال: اللهم صلّ على فلان؟ فكره ذلك مالك؛ لأنه لم يكن مِن عمل مَن مضى، بل ذُكر عن مالك رواية شاذّة أنه لا يُصَلَّى على أحدٍ من الأنبياء سوى محمد ﷺ ، وهي مُتَأَوَّلة عليه بأنا لم نُتَعبد بالصلاة على غيره من الأنبياء. وذهبت طائفة إلى جواز ذلك على المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُم﴾ وقوله ﵊: اللهم صلّ على آل أبي أَوفَى (٣). وانفصل الفريق الآخر بأن هذا صدر من الله ورسوله، ولهما أن يقولا ما أرادا بخلاف غيرهما الذي هو محكوم عليه. والذي أراه ما صار إليه مالك؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَجعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُم كَدُعَاءِ بَعضِكُم بَعضًا﴾ وينضاف إلى ذلك أن أهل البدع قد اتخذوا ذلك شعارًا في الدعاء لأئمتهم وأمرائهم، ولا يجوز التشبّه بأهل البدع، والله تعالى أعلم. وقوله والسلام كما قد علمتم رويناه مبنيًا للفاعل وللمفعول، فالفاعل: هم العالمون، وللمفعول هم المُعَلَّمون من جهته ﷺ بالتشهد وغيره، ويعني بذلك: قوله في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

стр. 652

رواه أحمد (٤/ ٤١٨) و (٥/ ٢٧٤)، ومسلم (٤٠٥) (٦٥)، وأبو داود (٩٨٠ - ٩٨١)، والترمذي (٣٢١٨)، والنسائي (٣/ ٤٥ - ٤٦). [٣٢١]- وَعَن ابنَ أَبِي لَيلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعبُ بنُ عُجرَةَ، قَالَ: أَلا أُهدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلنَا: قَد عَرَفنَا كَيفَ نُسَلِّمُ عَلَيكَ، فَكَيفَ نُصَلِّي عَلَيكَ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِك عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. رواه أحمد (٤/ ٢٤١ و ٢٤٤)، والبخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦) (٦٦)، وأبو داود (٩٧٦)، والترمذي (٤٨٣)، والنسائي (٣/ ٤٧)، وابن ماجه (٩٠٤). [٣٢٢]- وَعَن أَبِي حُمَيدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُم قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيفَ نُصَلِّي عَلَيكَ؟ قَالَ: قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ، وَبَارِك عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكتَ عَلَى آلِ إِبرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. رواه البخاري (٣٣٦٩)، ومسلم (٤٠٧)، وأبو داود (٩٧٩)، والنسائي (٣/ ٤٩)، وابن ماجه (٩٠٥). [٣٢٣]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَن صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيهِ عَشرًا. رواه أحمد (٢/ ٣٧٢ و ٤٨٥)، ومسلم (٤٠٨)، وأبو داود (١٥٣٠)، والترمذي (٤٨٥)، والنسائي (٣/ ٥٠). * * *

стр. 653

(١٢) باب التَّحمِيد والتَّأمِين [٣٢٤]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهم رَبَّنَا لَكَ الحَمدُ، فَإِنَّهُ مَن وَافَقَ قَولُهُ قَولَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ. رواه البخاري (٧٩٦)، ومسلم (٤٠٩)، وأبو داود (٨٤٨)، والترمذي (٢٦٧)، والنسائي (٢/ ١٩٦). ــ (١٢) ومن باب: التحميد والتأمين قوله إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد ظاهر هذا الحديث يقتضي أن الإمام لا يقول ربنا ولك الحمد، وهو مشهور مذهب مالك. وذهب الجمهور ومالك في رواية ثانية إلى أن الإمام يقولها، وكذلك الخلاف في التأمين. وقد تمسك الجمهور في التأمين بقوله إذا أمن الإمام فأمِّنوا وما في معنى هذا، وقد اتفقوا على أن الفَذَّ يُؤَمِّن مطلقًا، والإمام والمأموم فيما يُسِرَّان فيه يؤمِّنان سرا، وحيث قلنا: إن الإمام يؤمن، فهل يؤمن سرًّا أو جهرًا؟ فذهب الشافعي وفقهاء الحديث إلى الجهر بها، وذهب مالك والكوفيون إلى الإسرار بها. وقوله من وافق قوله قول الملائكة؛ يعني في وقت تأمينهم ومشاركتهم في التأمين، ويَعضُدُه قوله وقالت الملائكة في السماء آمين، وقيل: من وافق الملائكة في الصفة من الإخلاص والخشوع، وهذا بعيد. وقيل: من وافق الملائكة في استجابة الدعاء غفر له. وقيل: في الدعاء؛ أي: في لفظ الدعاء. والوجه الأول

стр. 654

[٣٢٥]- وَعَنهُ، عَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَن وَافَقَ تَأمِينُهُ تَأمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا قَالَ أَحَدُكُم آمِينَ وَالمَلائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ، فَوَافَقَت إِحدَاهُمَا الأُخرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ. وَفِي أُخرَى: إِذَا قَالَ القَارِئُ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَقَالَ مَن خَلفَهُ: آمِينَ، فَوَافَقَ قَولُهُ قَولَ أَهلِ السَّمَاءِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ. رواه أحمد (٢/ ٤٥٩)، والبخاري (٦٤٠٢ و ٧٨٠)، ومسلم (٤١٠) (٧٢ و ٧٥ و ٧٦)، وأبو داود (٩٣٤ - ٩٣٦)، والترمذي (٢٥٠)، والنسائي (٢/ ١٤٣ - ١٤٤)، وابن ماجه (٨٥١). * * * ــ أظهر، ثم هؤلاء الملائكة؛ هل هم الحَفَظَةُ أو غيرُهم؟ اختُلف فيه، والثاني أولى؛ لقوله قالت الملائكة في السماء: آمين. وقوله إذا قال الإمام ولا الضالين، فقولوا: آمين دليل على تعيين قراءة الفاتحة للإمام، وعلى أن المأموم ليس عليه أن يقرأها فيما جهر به إمامه. * * *

стр. 655

(١٣) باب إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤتَمَّ به [٣٢٦]- عَن أَنَسِ بنَ مَالِكٍ قَالَ: سَقَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَن فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيمَنُ، فَدَخَلنَا عَلَيهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا، فَصَلَّينَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّوا قُعُودًا أَجمَعُونَ. رواه أحمد (٣/ ١٦٢)، والبخاري (٣٨٩)، ومسلم (٤١١) (٧٧)، وأبو داود (٦٠٣ و ٦٠٤)، والنسائي (٢/ ١٤١ - ١٤٢). ــ (١٣) ومن باب: إنما جُعل الإمامُ ليؤتمّ به قوله فجُحِشَ شقُّه الأيمن، الجَحش الخدش، وقيل فوقه، والشِّقّ: الجانب. وقوله فصلى جالسًا، وصلينا وراءه جلوسًا، وفي الحديث الآخر إنهم صلوا قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا؛ وجه الجمع أنه كان منهم من صلى جالسًا فأَخبَرَ عنه أنس، وكان فيهم من صلى قائمًا فأخبرت عنه عائشة. واختُلف: هل كان في صلاة الفرض أو النفل؟ والظاهر أنه كان في صلاة الفرض؛ لقوله فحضرت الصلاة، وهي للعهد ظاهرًا، ولِمَا تقرر من عادتهم أنهم ما كانوا يجتمعون للنوافل، وقد أشار ابن القاسم إلى أن ذلك كان في النافلة. ثم اختلف العلماء في الاقتداء بالإمام الجالس على ثلاثة أقوال؛

стр. 656

[٣٢٧]- وَعَن عَائِشَةَ نَحوَهُ، إلا أنَّ فِيهِ: إنَهَم صَلَّوا بِصَلاتِهِ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيهِم أَنِ اجلِسُوا فَجَلَسُوا، فَلَمَّا انصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا. . . وَذَكَرَهُ. رواه أحمد (٦/ ٥١/ ١٤٨)، والبخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢) (٨٢)، وأبو داود (٦٠٥)، وابن ماجه (١٢٣٧). [٣٢٨]- وَعَن جَابِرٍ قَالَ: اشتَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّينَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَأَبُو بَكرٍ يُسمِعُ النَّاسَ تَكبِيرَهُ، قَالَ: فَالتَفَتَ إِلَينَا فَرَآنَا قِيَامًا، فَأَشَارَ ــ أولها: قول أحمد بن حنبل ومن تابعه، وهو أنه يجوز صلاة الصحيح جالسًا خلف المريض جالسًا متمسكًا بهذا الحديث. وثانيها: قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف وزُفر والأوزاعي وأبي ثور وداود؛ وهو أنه يجوز أن يقتدي القائم بالقاعد في الفريضة وغيرها، وقد رواها الوليد بن مسلم عن مالك متمسكين بحديث عائشة الآتي، وبأن النبي ﷺ كان الإمام، وأن حديث أنس متقدِّم، وهو منسوخ بصلاة النبي ﷺ في مرضه الذي توفي فيه، وبأن كل واحدٍ عليه أن يصلي كما يقدر عليه. وثالثها: قول مالك في المشهور عنه وعن أصحابه أنه لا يجوز أن يؤمّ أحد جالسًا - وإن كان مريضًا - بقومٍ أصحّاء قيام ولا قعود، وإليه ذهب محمد بن الحسن، متمسِّكين بقول النبي ﷺ : لا يؤمَّن أحد بعدي قاعدًا (١). وهذا الحديث ذكره الدارقطني من حديث جابر بن يزيد الجُعفي وهو متروك، عن الشَّعبي أن رسول الله ﷺ قال ذلك، وهو مرسل، وقد رواه مُجَاِلد عن الشَّعبي، ومجالد ضعيف. وفي حديث أنس دليل لمالك وعامة الفقهاء على ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له في نيّة أو غيرها، وسيأتي.

стр. 657

إِلَينَا فَقَعَدنَا، فَصَلَّينَا بِصَلاتِهِ قُعُودًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: إِن كِدتُم آنِفًا تَفعَلُونَ فِعلَ فَارِسَ وَالرُّومِ؛ يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِم وَهُم قُعُودٌ! فَلا تَفعَلُوا، ائتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُم؛ إِن صَلَّى قَائِمًا فَصَلَّوا قِيَامًا، وَإِن صَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّوا قُعُودًا. رواه أحمد (٣/ ٣٣٤)، ومسلم (٤١٣)، وأبو داود (٦٠٢)، والنسائي (٣/ ٩). [٣٢٩]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا، يَقُولُ: لا تُبَادِرُوا الإِمَامَ؛ إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا آمِينَ، وَإِذَا رَكَعَ فَاركَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ فَقُولُوا اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمدُ. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَلا تَرفَعُوا قَبلَهُ. رواه مسلم (٤١٥). * * * ــ وقوله إن كدتم آنفًا تفعلون فعل فارس والروم؛ يقومون على ملوكهم وهم قعود، تنبيهٌ على أن تعليل مَنعِ القيامِ لما يؤدي إليه من التشبُّه بأفعال المتكبِّرين، فمنع على هذا التعليل أن يقوم الرجال أو المماليك على رؤوس الملوك أو الأمراء أو الرؤساء أو العلماء لما يؤدي إليه. * * *

стр. 658

(١٤) باب استخلاف الإمام إذا مرض، وجواز ائتمام القائم بالقاعد [٣٣٠]- عَن عَائِشَةِ قَالَت: ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلنَا: لا، وَهُم يَنتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخضَبِ. فَفَعَلنَا، فَاغتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغمِيَ عَلَيهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، قَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلنَا: لا، وَهُم يَنتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخضَبِ. فَفَعَلنَا، فَاغتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، فَأُغمِيَ عَلَيهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، قَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلنَا: لا، وَهُم يَنتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخضَبِ. فَفَعَلنَا، فَاغتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغمِيَ عَلَيهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ فَقُلنَا: لا، وَهُم يَنتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَت: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي المَسجِدِ يَنتَظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِصَلاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ. قَالَت: فَأَرسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكرٍ أَن يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأمُرُكَ أَن تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ! فَقَالَ أَبُو بَكرٍ وَكَانَ رَجُلا رَقِيقًا: ــ (١٤) ومن باب: استخلاف الإمام المِخضَب: مثل الإجَّانة والمِركَن (١)، وهي القصريَّة. ولِيَنُوء: ليقوم وينهض. وعُكُوفٌ: ملتزمون المسجد مجتمعون. واستدعاء الماء بعد الإغماء يدل على أن الإغماء ينقض الطهارة كما هو متفق عليه، وهذا على أن يكون الغسل هنا يراد به الوضوء، والله أعلم. وقوله وكان أبو بكر رجلا رقيقًا؛ أي رقيق القلب كثير الخشية

стр. 659

يَا عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ! قَالَ: فَقَالَ أَنتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ! قَالَت: فَصَلَّى بِهِم أَبُو بَكرٍ تِلكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَجَدَ مِن نَفسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَينَ رَجُلَينِ - أَحَدُهُمَا العَبَّاسُ - لِصَلاةِ الظُّهرِ، وَأَبُو بَكرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَومَأَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ أَن لا يَتَأَخَّرَ، وَقَالَ لَهُمَا: أَجلِسَانِي إِلَى جَنبِهِ - فَأَجلَسَاهُ إِلَى جَنبِ أَبِي بَكرٍ، وكَانَ أَبُو بَكرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالنَّاسُ يصلون بِصَلاةِ أَبِي بَكرٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَاعِدٌ. قَالَ ابنِ عَبَّاسٍ: الرَّجُلَ الَّذِي لَم تُسمِهِ هُوَ عَلِيٌّ ﵁. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَت: أَوَّلُ مَا اشتَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيتِ مَيمُونَةَ، فَاستَأذَنَ أَزوَاجَهُ أَن يُمَرَّضَ فِي بَيتِهَا - يَعني بَيت عَائشَة - فَأَذِنَّ لَهُ. قَالَت: فَخَرَجَ وَيَدٌ لَهُ عَلَى الفَضلِ بنِ العَبَّاسٍ وَيَدٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ، وَهُوَ يَخُطُّ بِرِجلَيهِ فِي الأَرضِ. وعنها قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس! قالت: فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر! قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس! فقلت لحفصة: قولي إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر! فقالت له، فقال ــ سريع الدَّمعة، وهو الأَسِيف أيضًا في الحديث الآخر؛ فإن الأسف الحزن، وحالة الحزين غالبًا الرِّقَّة، والأَسيف في غير هذا: العبد، والأَسِيف أيضًا: الغضبان. وقول أبي بكر لعمر صلّ بالناس بعد أن أمره النبي ﷺ بالصلاة دليل على أن للمًستَخلَف أن يَستَخلِف.

стр. 660

رسول الله ﷺ : إنكن لأنتن صواحب يوسف! مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: فأمروا أبا بكر فصلى بالناس. قالت: فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة، قالت: فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه ــ وقوله يُهادى بين رجلين، التَّهَادِي: هو المشي الثقيل مع التمايل يمينًا وشمالا. واختلف العلماء فيمن كان الإمام؛ هل النبي ﷺ أو أبو بكر؟ وسببه اختلاف الأحاديث المرويَّة في ذلك؛ ففي حديث عائشة ما ينص على أن النبي ﷺ كان الإمام وأن أبا بكر كان يقتدي بصلاة رسول الله ﷺ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر. وروى الترمذي عن جابر أن آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ في ثوب واحد مُتَوشِّحًا به خلف أبي بكر (١)، وصححه. وكذلك اختلفت الروايات؛ هل قعد النبي ﷺ عن يسار أبي بكر أو عن يمينه؟ وليس في الصحيح ذكر لأحدهما، وقد ذهب بعض المتأخرين إلى الجمع بين الحديثين بأن ذلك كان في صلاتين كان النبي ﷺ إمامًا في إحداهما مأمومًا في الأخرى، وهو محتمل لو كان هناك نقل يعضُده. وحديث سهل بن سعد حُجَّة في الاستخلاف وجوازه، وهو أصل في الباب، وهو دليل على داود والشافعي في منعه الاستخلاف، وعلى أن الصلاة تصح بإمامين بغير عذر، وأجازها الطبري والبخاري وبعض الشافعية استدلالا بهذا الحديث. واستئذانه ﷺ نساءَه أن يُمَرَّضَ في بيت عائشة تطييب لنفوسهن، واختلف في الزوج المريض إذا لم يقدر على الدوران على نسائه؛ هل اختصاصه بكونه عند واحدة منهن راجع إلى اختياره أو هو حق لهن فيقرع بينهن في ذلك؟ فيه خلاف. وقوله إنكن لأنتن صواحب (٢) يوسف؛ يعني في تردادهن وتظاهرهن

стр. 661

تخطان في الأرض. قالت: فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ أقم مكانك، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، قالت: فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائما، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر. وفي رواية قالت: فقلت يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق؛ إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبي بكر! قالت: والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم مقام رسول الله ﷺ . رواه أحمد (٦/ ٢٥٠)، والبخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨) (٩٠ و ٩١ و ٩٥)، والترمذي (٣٦٧٨)، والنسائي (٢/ ٩٨ - ١٠٠)، وابن ماجه (١٢٣٢). * * * ــ بالإغواء والإلحاح حتى يصلن إلى أغراضهن، كتظاهر امرأة العزيز ونسائها على يوسف ليصرفنه عن رأيه في الاستعصام. وصواحبات: جمع صواحب، وهو جمع شاذ (١). * * *

стр. 662

(١٥) باب العمل القليل في الصلاة لا يضرها [٣٣١]- عَن أَنَسٍ بنُ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُم فِي وَجَعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَومُ الاثنَينِ وَهُم صُفُوفٌ فِي الصَّلاةِ كَشَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سِترَ الحُجرَةِ، فَنَظَرَ إِلَينَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجهَهُ وَرَقَةُ مُصحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ضَاحِكًا. قَالَ: فَبُهِتنَا وَنَحنُ فِي الصَّلاةِ مِن فَرَحٍ بِخُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَنَكَصَ أَبُو بَكرٍ عَلَى عَقِبَيهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَارِجٌ لِلصَّلاةِ، فَأَشَارَ إِلَيهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ أَن أَتِمُّوا صَلاتَكُم. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَرخَى السِّترَ. قَالَ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن يَومِهِ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا وَضَحَ لَنَا وَجهُ نَبِيِّ اللهِ ﷺ مَا نَظَرنَا مَنظَرًا قَطُّ كَانَ أَعجَبَ إِلَينَا مِن وَجهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ وَضَحَ لَنَا. ــ (١٥) ومن باب: العمل القليل في الصلاة لا يضرها قوله وكأن وجهه ورقة مصحف، هذه عبارة عما راعهم من جماله وحسن بشرته ومائِيَّة وجهه، كما قال في الحديث الآخر كأن وجهه مُذهَبة (١). وقوله فلما وضح لنا وجهه؛ أي: ظهر.

стр. 663

رواه أحمد (٣/ ٢١١)، والبخاري (٦٨١)، ومسلم (٤١٩) (٩٨ و ١٠٠)، والنسائي (٤/ ٧). * * * ــ وقوله فهممنا نَفتَتِنَ في صلاتنا (١)؛ أي نذهل فيها من الفرح بما ظهر من استقلاله (٢) وبروزه لهم، كما قال أبو طلحة: لقد أصابتني في مالي فتنة (٣) - حين شغله النظر عن الصلاة حتى سها فيها. وقوله فتبسم رسول الله ﷺ فرحًا بما رآه من اجتماعهم في مغيبه على إمامهم وإقامة شريعتهم، ويحتمل أن يكون ضحك تأنيسًا لهم وحسن عشرة، والله أعلم. وقوله ونكص أبو بكر على عقبيه؛ أي تأخر، كما في الحديث الآخر: رجع القهقرى. * * *

стр. 664

(١٦) باب إذا نَابَ الإمامَ شيءٌ فَليُسَبِّح الرجالُ وَليُصَفِّق النساءُ [٣٣٢]- عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمرِو بنِ عَوفٍ لِيُصلِحَ بَينَهُم، فَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ المُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكرٍ فَقَالَ: أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأُقِيمُ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَصَلَّى أَبُو بَكرٍ. قَالَ: فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكرٍ لا يَلتَفِتُ فِي الصَّلاةِ، فَلَمَّا أَكثَرَ النَّاسُ التَّصفِيقَ التَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِ امكُث مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكرٍ يَدَيهِ فَحَمِدَ اللهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ استَأخَرَ أَبُو بَكرٍ حَتَّى استَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فصَلَّى ثُمَّ انصَرَفَ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكرٍ، مَا مَنَعَكَ أَن تَثبُتَ إِذ أَمَرتُكَ؟ قَالَ أَبُو بَكرٍ: مَا كَانَ لابنِ أَبِي قُحَافَةَ أَن يتقدم بَينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ﷺ ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا لِي رَأَيتُكُم أَكثَرتُمُ التَّصفِيقَ؟ مَن نَابَهُ شَيءٌ فِي صَلاتِهِ فَليُسَبِّح، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيهِ، وَإِنَّمَا التَّصفِيحُ لِلنِّسَاءِ. ــ (١٦) ومن باب: من نابه شيء في الصلاة قوله ﵊ إنما التصفيق للنساء، ويروى التصفيح، وهما بمعنى واحد. قاله أبو علي البغدادي، وهو أن يضرب بأصبعين من اليد اليمنى في باطن الكف اليسرى وهو صفحها، وصفح كل شيء جانبه. وصفحتا السيف: جانباه. وقيل: التصفيح الضرب بظاهر إحداهما على الأخرى. والتصفيق: الضرب بباطن إحداهما على باطن الأخرى. وقيل: التصفيح بأصبعين للتنبيه، وبالقاف:

стр. 665

وَفِي رِوَايَةٍ: فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَرَقَ الصُّفُوفَ حَتَّى قَامَ عِندَ الصَّفِّ المُقَدَّمِ، وأَنَّ أَبَا بَكرٍ رَجَعَ القَهقَرَى. رواه أحمد (٥/ ٣٣١)، والبخاري (١٢٠٤)، ومسلم (٤٢١) (١٠٢ و ١٠٤)، وابن ماجه (١٠٣٥). [٣٣٣]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : التَّسبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصفِيقُ لِلنِّسَاءِ - فِي الصَلاةِ. رواه أحمد (٢/ ٢٤١ و ٣١٧)، والبخاري (١٢٠٣)، ومسلم (٤٢٢) (١٠٦)، وأبو داود (٩٣٩)، والترمذي (٣٦٩)، والنسائي (٣/ ١١ - ١٢)، وابن ماجه (١٠٣٤). * * * ــ بالجميع للهو واللعب. واختلف في حكمه في الصلاة؛ فقيل: لا يجوز أن يفعله في الصلاة لا الرجال ولا النساء، وإنما هو التسبيح للجميع لقوله ﵊: من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه. وهذا مشهور مذهب مالك وأصحابه. وتأوّلوا أن قوله ﵊ إنما التصفيق للنساء أن ذلك ذمّ للتصفيق، ومعناه أنه من شأن النساء لا الرجال. وقيل: هو جائز للنساء دون الرجال تمسُّكًا بظاهر الحديث، ولحديث أبي هريرة. وهو مذهب الشافعي والأوزاعي، وحُكي عن مالك أيضًا. وعللوا اختصاص النساء بالتصفيق لأن أصواتهن عورة (١)، ولذلك منعن من الأذان ومن الجهر بالإقامة والقراءة، وهو معنى مناسب شهد الشرع له بالاعتبار. وهذا القول الثاني هو الصحيح نظرًا وخبرًا، وفي هذه الأحاديث أبواب كثيرة من الفقه لا تخفى على متأمل فطن.

стр. 666

(١٧) باب الأمر بتحسين الصلاة، والنهي عن مسابقة الإمام [٣٣٤]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَومًا ثُمَّ انصَرَفَ، فَقَالَ: يَا فُلانُ، أَلا تُحسِنُ صَلاتَكَ؟ أَلا يَنظُرُ المُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفسِهِ، إِنِّي وَاللهِ لأبصِرُ مِن وَرَائِي كَمَا أُبصِرُ مِن بَينِ يَدَيَّ. رواه مسلم (٤٢٣)، والنسائي (٢/ ١١٩). [٣٣٥]- وَعَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: هَل تَرَونَ قِبلَتِي هَا هُنَا؟ فَوَاللهِ مَا يَخفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُم وَلا سُجُودُكُم، إِنِّي لأَرَاكُم مِن وَرَاءَ ظَهرِي. رواه أحمد (٢/ ٣٦٥)، والبخاري (٤١٨)، ومسلم (٤٢٤). ــ (١٧) ومن باب: الأمر بتحسين الصلاة قوله إني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يدي، مذهب أهل السنة من الأشعرية وغيرهم أن هذا الإبصار يجوز أن يكون إدراكًا خاصًا بالنبي ﷺ محققًا انخرقت له فيه العادة وخلق له وراءه، أو يكون الإدراك العيني انخرقت له العادة (١)، فكان يرى به من غير مقابلة؛ فإن أهل السنة لا يشترطون في الرؤية عقلا بِنيَةً مخصوصة ولا مقابلة ولا قربًا ولا شيئًا مما يشترطه المعتزلة وأهل البدع، وأن تلك الأمور إنما هي شروط عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة مع إحالة تلك الأمور كلها، ولما ذهب أهل البدع إلى أن تلك الشروط عقلية استحال عندهم رؤية الله تعالى فأنكروها وخالفوا قواطع الشريعة التي وردت بإثبات الرؤية، وخالفوا ما أجمع

стр. 667

[٣٣٦]- وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِي الله ﷺ قَالَ: أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاكُم مِن بَعدِ ظَهرِي إِذَا مَا رَكَعتُم وَإِذَا مَا سَجَدتُم. رواه أحمد (٣/ ١٧٠ و ٢٧٩)، والبخاري (٧٤٢)، ومسلم (٤٢٥) (١١١)، والنسائي (٢/ ١٩٣ - ١٩٤). [٣٣٧]- وَعَنهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ أَقبَلَ عَلَينَا بِوَجهِهِ، فَقَالَ ﷺ : أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنِّي إِمَامُكُم، فَلا تَسبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلا بِالسُّجُودِ وَلا بِالقِيَامِ وَلا بِالانصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُم أَمَامِي وَمِن ــ عليه الصحابة والتابعون، ويؤيد هذا قول عائشة ﵂: في هذا زيادة زاده الله إياها في حُجَّته. وقال بقي بن مخلد: كان ﵊ يرى في الظلام كما يرى في الضوء. وقال مجاهد: كان ﵊ يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله إني لأبصر من وراَئي راجع إلى العلم، وأن معناه إني لأعلم، وهذا تأويل لا حاجة إليه، بل حمل ذلك على ظاهره أولى، ويكون ذلك زيادة في كرامات النبي ﷺ وفي فضائله؛ لأن ذلك جارٍ على أصول أهل الحق كما قدمناه، والله تعالى أعلم. وقوله مِن بعد ظهري أو من بعدي؛ أي: من خلفي كما تقدم. وقوله فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف، اختُلف إذا سابق المأموم إمامه، هل تفسد صلاته أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنها لا تفسد، وذهب ابن عمر وأهل الظاهر إلى أنها تفسد، ومذهب مالك فيه تفصيل يطول ذكره في هذا الكتاب، وهو مذكور في كتب الفقه، وقد تقدم بعضه. وأما نهيه ﵊ عن سبقهم إياه بالانصراف فقد ذهب الحسن والزهري إلى أن حق المأموم ألا ينصرف حتى ينصرف الإمام أخذًا

стр. 668

خَلفِي. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَو رَأَيتُم مَا رَأَيتُ لَضَحِكتُم قَلِيلا وَلَبَكَيتُم كَثِيرًا! قَالُوا: وما رأيت يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: رَأَيتُ الجَنَّةَ وَالنَّارَ. رواه أحمد (٣/ ١٠٢ و ١٢٦)، ومسلم (٤٢٦) (١١٢)، والنسائي (٣/ ٨٣). * * * (١٨) باب النهي عن رفع الرأس قبل الإمام، وعن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، والأمر بالسكون فيها [٣٣٨]- عَن أبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَا يَخشَى الَّذِي يَرفَعُ رَأسَهُ قَبلَ الإِمَامِ أَن يُحَوِّلَ اللهُ رَأسَهُ رَأسَ حِمَارٍ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: صُورَتَهُ صُورَةِ حِمَارٍ. وَفِي أُخرَى: وَجهَهُ وَجهَ حِمَارٍ. ــ بظاهر هذا الحديث، والجمهور على خلافهما؛ لأن الاقتداء بالإمام قد تم بالسلام من الصلاة، ورأوا أن ذلك كان خاصًّا بالنبي ﷺ وأن ذلك من باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمرٍ جَامِعٍ لَم يَذهَبُوا حَتَّى يَستَأذِنُوهُ﴾ فإنه قد كان يحتاج إلى مكالمتهم في أمور الدين ومراعاة المصالح والآراء، والله أعلم. ويحتمل أن يريد بالانصراف المذكور التسليم؛ فإنه يقال: انصرف من الصلاة أي سلّم منها، والله أعلم. (١٨) ومن باب: النهي عن رفع الرأس قبل الإمام قوله أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله صورته صورة حمار - أو وَجهه أو رأسه، هذه الروايات متقاربة إذا أريد بالصورة الوجه.

стр. 669

رواه أحمد (٢/ ٤٥٦)، والبخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧) (١١٤ و ١١٥)، وأبو داود (٦٢٣)، والترمذي (٥٨٢)، والنسائي (٢/ ٩٦). [٣٣٩]- وَعَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَيَنتَهِيَنَّ أَقوَامٌ عَن رَفعِهِم أَبصَارَهُم عِندَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلاةِ إِلَى السَّمَاءِ أَو لَتُخطَفَنَّ أَبصَارُهُم. رواه أحمد (٢/ ٣٦٧)، ومسلم (٤٢٩)، والنسائي (٣/ ٣٩). ــ فإن أريد بها الصفة انصرفت إلى الصفة الباطنة من البلادة، ومقصود هذا الحديث الوعيد بمسخ الصورة الظاهرة أو الباطنة على مسابقة الإمام بالرفع، وهذا يدل على أن الرفع من الركوع والسجود مقصود لنفسه وأنه ركن مستقل كالركوع والسجود. وقوله في الحديث الآخر فإنما ناصيته بيد شيطان؛ يعني أنه قد تمكّن منه بجهله، فهو يُصرِّفه كيف يشاء كما تفعل بمن مُلكت ناصيته. وقوله لينتَهِيَنَّ أقوام عن رفعهم أبصارهم. . . الحديث، وهذا أيضًا وعيد بإعماء من رفع رأسه إلى السماء في الصلاة، ولا فرق بين أن يكون عند الدعاء أو عند غيره؛ لأن الوعيد إنما تعلق به من حيث إنه إذا رفع بصره إلى السماء أعرض عن القبلة وخرج عن سَمتِها وعن هيئة الصلاة، وقد نقل بعض العلماء الإجماع على النهي عن ذلك في الصلاة. وحكى الطبري كراهية رفع البصر في الدعاء إلى السماء في غير الصلاة، وحُكي عن شريح أنه قال لمن رآه يفعله: اكفف يديك، واخفض بصرك؛ فإنك لن تراه (١) ولن تناله. وأجازها الأكثر؛ لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة. وقد رفع رسول الله ﷺ وجهه ويديه إلى السماء عند الدعاء، فلا ينكر ذلك.

стр. 670

[٣٤٠]- وَعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُم رَافِعِي أَيدِيكُم كَأَنَّهَا أَذنَابُ خَيلٍ شُمسٍ؟ اسكُنُوا فِي الصَّلاةِ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَينَا فَرَآنَا حِلَقًا، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُم عِزِينَ! قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَينَا فَقَالَ: أَلا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا! فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟ قَالَ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ. رواه أحمد (٥/ ١٠٨)، ومسلم (٤٣٠)، وأبو داود (٩١٢)، وابن ماجه (١٠٤٥). [٣٤١]- وَعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّينَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قُلنَا: السَّلامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ، السَّلامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الجَانِبَينِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَلامَ تُومِئُونَ بِأَيدِيكُم كَأَنَّهَا أَذنَابُ خَيلٍ شُمسٍ؟ إِنَّمَا يَكفِي أَحَدَكُم أَن يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مَن عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ مَا شَأنُكُم تُشِيرُونَ بِأَيدِيكُم كَأَنَّهَا أَذنَابُ خَيلٍ شُمسٍ، إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُم فَليَلتَفِت إِلَى صَاحِبِهِ وَلا يُومِئ بِيَدِهِ. ــ وقوله حين رآهم يشيرون بأيديهم إذا سلموا من الصلاة ما لي أراكم. . . الحديث، كانوا يشيرون عند السلام من الصلاة بأيديهم يمينًا وشمالا، وتشبيه أيديهم بأذناب الخيل الشُّمس تشبيه واقع؛ فإنها تحرِّك أذنابها يمينًا وشمالا، فلما رآهم على تلك الحالة أمرهم بالسكون في الصلاة، وهذا دليل على أبي حنيفة في أن حكم الصلاة باقٍ على المصلي إلى أن يسلِّم، ويلزم منه أنه إن أحدث في تلك الحالة - أعني في حالة الجلوس الأخير للسلام - أعاد الصلاة.
следующие страницы →