← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

(١٧) باب الأمر بتحسين الصلاة، والنهي عن مسابقة الإمام [٣٣٤]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَومًا ثُمَّ انصَرَفَ، فَقَالَ: يَا فُلانُ، أَلا تُحسِنُ صَلاتَكَ؟ أَلا يَنظُرُ المُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفسِهِ، إِنِّي وَاللهِ لأبصِرُ مِن وَرَائِي كَمَا أُبصِرُ مِن بَينِ يَدَيَّ. رواه مسلم (٤٢٣)، والنسائي (٢/ ١١٩). [٣٣٥]- وَعَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: هَل تَرَونَ قِبلَتِي هَا هُنَا؟ فَوَاللهِ مَا يَخفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُم وَلا سُجُودُكُم، إِنِّي لأَرَاكُم مِن وَرَاءَ ظَهرِي. رواه أحمد (٢/ ٣٦٥)، والبخاري (٤١٨)، ومسلم (٤٢٤). ــ (١٧) ومن باب: الأمر بتحسين الصلاة قوله إني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يدي، مذهب أهل السنة من الأشعرية وغيرهم أن هذا الإبصار يجوز أن يكون إدراكًا خاصًا بالنبي ﷺ محققًا انخرقت له فيه العادة وخلق له وراءه، أو يكون الإدراك العيني انخرقت له العادة (١)، فكان يرى به من غير مقابلة؛ فإن أهل السنة لا يشترطون في الرؤية عقلا بِنيَةً مخصوصة ولا مقابلة ولا قربًا ولا شيئًا مما يشترطه المعتزلة وأهل البدع، وأن تلك الأمور إنما هي شروط عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة مع إحالة تلك الأمور كلها، ولما ذهب أهل البدع إلى أن تلك الشروط عقلية استحال عندهم رؤية الله تعالى فأنكروها وخالفوا قواطع الشريعة التي وردت بإثبات الرؤية، وخالفوا ما أجمع

стр. 667

[٣٣٦]- وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِي الله ﷺ قَالَ: أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاكُم مِن بَعدِ ظَهرِي إِذَا مَا رَكَعتُم وَإِذَا مَا سَجَدتُم. رواه أحمد (٣/ ١٧٠ و ٢٧٩)، والبخاري (٧٤٢)، ومسلم (٤٢٥) (١١١)، والنسائي (٢/ ١٩٣ - ١٩٤). [٣٣٧]- وَعَنهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ أَقبَلَ عَلَينَا بِوَجهِهِ، فَقَالَ ﷺ : أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنِّي إِمَامُكُم، فَلا تَسبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلا بِالسُّجُودِ وَلا بِالقِيَامِ وَلا بِالانصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُم أَمَامِي وَمِن ــ عليه الصحابة والتابعون، ويؤيد هذا قول عائشة ﵂: في هذا زيادة زاده الله إياها في حُجَّته. وقال بقي بن مخلد: كان ﵊ يرى في الظلام كما يرى في الضوء. وقال مجاهد: كان ﵊ يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله إني لأبصر من وراَئي راجع إلى العلم، وأن معناه إني لأعلم، وهذا تأويل لا حاجة إليه، بل حمل ذلك على ظاهره أولى، ويكون ذلك زيادة في كرامات النبي ﷺ وفي فضائله؛ لأن ذلك جارٍ على أصول أهل الحق كما قدمناه، والله تعالى أعلم. وقوله مِن بعد ظهري أو من بعدي؛ أي: من خلفي كما تقدم. وقوله فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف، اختُلف إذا سابق المأموم إمامه، هل تفسد صلاته أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنها لا تفسد، وذهب ابن عمر وأهل الظاهر إلى أنها تفسد، ومذهب مالك فيه تفصيل يطول ذكره في هذا الكتاب، وهو مذكور في كتب الفقه، وقد تقدم بعضه. وأما نهيه ﵊ عن سبقهم إياه بالانصراف فقد ذهب الحسن والزهري إلى أن حق المأموم ألا ينصرف حتى ينصرف الإمام أخذًا

стр. 668

خَلفِي. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَو رَأَيتُم مَا رَأَيتُ لَضَحِكتُم قَلِيلا وَلَبَكَيتُم كَثِيرًا! قَالُوا: وما رأيت يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: رَأَيتُ الجَنَّةَ وَالنَّارَ. رواه أحمد (٣/ ١٠٢ و ١٢٦)، ومسلم (٤٢٦) (١١٢)، والنسائي (٣/ ٨٣). * * * (١٨) باب النهي عن رفع الرأس قبل الإمام، وعن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، والأمر بالسكون فيها [٣٣٨]- عَن أبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَا يَخشَى الَّذِي يَرفَعُ رَأسَهُ قَبلَ الإِمَامِ أَن يُحَوِّلَ اللهُ رَأسَهُ رَأسَ حِمَارٍ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: صُورَتَهُ صُورَةِ حِمَارٍ. وَفِي أُخرَى: وَجهَهُ وَجهَ حِمَارٍ. ــ بظاهر هذا الحديث، والجمهور على خلافهما؛ لأن الاقتداء بالإمام قد تم بالسلام من الصلاة، ورأوا أن ذلك كان خاصًّا بالنبي ﷺ وأن ذلك من باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمرٍ جَامِعٍ لَم يَذهَبُوا حَتَّى يَستَأذِنُوهُ﴾ فإنه قد كان يحتاج إلى مكالمتهم في أمور الدين ومراعاة المصالح والآراء، والله أعلم. ويحتمل أن يريد بالانصراف المذكور التسليم؛ فإنه يقال: انصرف من الصلاة أي سلّم منها، والله أعلم. (١٨) ومن باب: النهي عن رفع الرأس قبل الإمام قوله أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله صورته صورة حمار - أو وَجهه أو رأسه، هذه الروايات متقاربة إذا أريد بالصورة الوجه.

стр. 669

رواه أحمد (٢/ ٤٥٦)، والبخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧) (١١٤ و ١١٥)، وأبو داود (٦٢٣)، والترمذي (٥٨٢)، والنسائي (٢/ ٩٦). [٣٣٩]- وَعَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَيَنتَهِيَنَّ أَقوَامٌ عَن رَفعِهِم أَبصَارَهُم عِندَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلاةِ إِلَى السَّمَاءِ أَو لَتُخطَفَنَّ أَبصَارُهُم. رواه أحمد (٢/ ٣٦٧)، ومسلم (٤٢٩)، والنسائي (٣/ ٣٩). ــ فإن أريد بها الصفة انصرفت إلى الصفة الباطنة من البلادة، ومقصود هذا الحديث الوعيد بمسخ الصورة الظاهرة أو الباطنة على مسابقة الإمام بالرفع، وهذا يدل على أن الرفع من الركوع والسجود مقصود لنفسه وأنه ركن مستقل كالركوع والسجود. وقوله في الحديث الآخر فإنما ناصيته بيد شيطان؛ يعني أنه قد تمكّن منه بجهله، فهو يُصرِّفه كيف يشاء كما تفعل بمن مُلكت ناصيته. وقوله لينتَهِيَنَّ أقوام عن رفعهم أبصارهم. . . الحديث، وهذا أيضًا وعيد بإعماء من رفع رأسه إلى السماء في الصلاة، ولا فرق بين أن يكون عند الدعاء أو عند غيره؛ لأن الوعيد إنما تعلق به من حيث إنه إذا رفع بصره إلى السماء أعرض عن القبلة وخرج عن سَمتِها وعن هيئة الصلاة، وقد نقل بعض العلماء الإجماع على النهي عن ذلك في الصلاة. وحكى الطبري كراهية رفع البصر في الدعاء إلى السماء في غير الصلاة، وحُكي عن شريح أنه قال لمن رآه يفعله: اكفف يديك، واخفض بصرك؛ فإنك لن تراه (١) ولن تناله. وأجازها الأكثر؛ لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة. وقد رفع رسول الله ﷺ وجهه ويديه إلى السماء عند الدعاء، فلا ينكر ذلك.

стр. 670

[٣٤٠]- وَعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُم رَافِعِي أَيدِيكُم كَأَنَّهَا أَذنَابُ خَيلٍ شُمسٍ؟ اسكُنُوا فِي الصَّلاةِ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَينَا فَرَآنَا حِلَقًا، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُم عِزِينَ! قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَينَا فَقَالَ: أَلا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا! فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟ قَالَ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ. رواه أحمد (٥/ ١٠٨)، ومسلم (٤٣٠)، وأبو داود (٩١٢)، وابن ماجه (١٠٤٥). [٣٤١]- وَعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّينَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قُلنَا: السَّلامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ، السَّلامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الجَانِبَينِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَلامَ تُومِئُونَ بِأَيدِيكُم كَأَنَّهَا أَذنَابُ خَيلٍ شُمسٍ؟ إِنَّمَا يَكفِي أَحَدَكُم أَن يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مَن عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ مَا شَأنُكُم تُشِيرُونَ بِأَيدِيكُم كَأَنَّهَا أَذنَابُ خَيلٍ شُمسٍ، إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُم فَليَلتَفِت إِلَى صَاحِبِهِ وَلا يُومِئ بِيَدِهِ. ــ وقوله حين رآهم يشيرون بأيديهم إذا سلموا من الصلاة ما لي أراكم. . . الحديث، كانوا يشيرون عند السلام من الصلاة بأيديهم يمينًا وشمالا، وتشبيه أيديهم بأذناب الخيل الشُّمس تشبيه واقع؛ فإنها تحرِّك أذنابها يمينًا وشمالا، فلما رآهم على تلك الحالة أمرهم بالسكون في الصلاة، وهذا دليل على أبي حنيفة في أن حكم الصلاة باقٍ على المصلي إلى أن يسلِّم، ويلزم منه أنه إن أحدث في تلك الحالة - أعني في حالة الجلوس الأخير للسلام - أعاد الصلاة.

стр. 671

رواه أحمد (٥/ ١٠٧)، ومسلم (٤٣١)، وأبو داود (١٠٠٠)، والنسائي (٥٥٢) في الكبرى. * * * (١٩) باب الأمر بتسوية الصفوف، ومن يلي الإمام [٣٤٢]- عَن أَبِي مَسعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلاةِ وَيَقُولُ: استَوُوا، وَلا تَختَلِفُوا فَتَختَلِفَ قُلُوبُكُم، لِيَلِنِي مِنكُم أُولُو الأَحلامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم. قَالَ أَبُو مَسعُودٍ: فَأَنتُمُ اليَومَ أَشَدُّ اختِلافًا. ــ وقوله ما لي أراكم عزين؛ جماعات في تفرقة، والواحدة عِزَةٌ - مخففة الزاي، أمرهم بالائتلاف والاجتماع والاصطفاف كصفوف الملائكة، وهذا يدل على استحباب تسوية الصفوف، وقد أمر النبي ﷺ بذلك، وقال: إنه من تمام الصلاة؛ كما يأتي إن شاء الله (١). (١٩) ومن باب: الأمر بتسوية الصفوف قوله ليَلِنِي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، الأحلام والنُّهى بمعنى واحد وهي العقول، واحدها نُهيَةٌ؛ لأنه ينهى صاحبه عن الرذائل، وإنما خص ﷺ هذا النوع بالتقدُّيم لأنه الذي يتأتى منهم التبليغ وأن يستخلف منهم إن احتاج إليهم، وفي التنبيه على سهو إن طرأ، ولأنهم أحق بالتقدم ممن سواهم لفضيلة العلم والعقل.

стр. 672

رواه أحمد (٤/ ١٢٢)، ومسلم (٤٣٢)، وأبو داود (٦٧٤)، والنسائي (٢/ ٩٠). [٣٤٣] زَادَ مِن حَديثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ: وَإِيَّاكُم وَهَيشَاتِ الأَسوَاقِ. رواه أحمد (١/ ٤٥٧)، ومسلم (٤٣٢)، وأبو داود (٦٧٥)، والترمذي (٢٢٨). [٣٤٤]- وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سَوُّوا صُفُوفَكُم، فَإِنَّ تَسوِيَةَ الصَّفِّ مِن تَمَامِ الصَّلاةِ. رواه أحمد (٣/ ١٧٧ و ٢٥٤)، والبخاري (٧١٩)، ومسلم (٤٣٣)، وأبو داود (٦٦٧ - ٦٧١)، والنسائي (٢/ ٩١)، وابن ماجه (٩٩٣). ــ وقوله وإياكم وهَيشات الأسواق، قال أبو عبيد (١): هَوشَات، والهوشة: الفتنة والهيج والاختلاط (٢)، يقال هوش القوم إذا اختلطوا. ومنه: من أصاب مالا من نَهَاوِش أذهبه الله في نَهَابِر (٣). قال أبو عبيد: هو كل مال أخذ من غير حِلِّه، وهو شبيه بما ذكرنا من الهوشات. وقال بعض أهل العلم: الصواب من تهاوش بالتاء؛ أي من تخاليط.

стр. 673

[٣٤٥]- ومِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: مِن حُسنِ الصَّلاةِ. رواه اْحمد (٢/ ٣١٤)، ومسلم (٤٣٥). [٣٤٦]- وَعَنِ النُّعمَانَ بنَ بَشِيرٍ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَد عَقَلنَا عَنهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَومًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلا بَادِيًا صَدرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: عِبَادَ اللهِ، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُم أَو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَينَ وُجُوهِكُم. رواه أحمد (٤/ ٢٧١ و ٢٧٢)، والبخاري (٧١٧)، ومسلم (٤٣٦) (١٢٨)، وأبو داود (٦٦٢ و ٦٦٣)، والترمذي (٢٢٧)، والنسائي (٢/ ٨٩). [٣٤٧]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَو يَعلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَم يَجِدُوا إِلا أَن يَستَهِمُوا عَلَيهِ لاستَهَمُوا عَلَيهِ، ــ والقداح: السهام حين تُنحَت وتُبرى، واحدها قِدح. وقوله حتى كاد يكبر، فرأى رجلا باديًا صدره من الصف، فقال: عباد الله، لتسَوُّن صفوفكم. . . الحديث - دليل على مذهب الجماعة في الكلام بين الإقامة والصلاة للإمام، أو لحاجة تنزل به من أمر الصلاة وغيرها بعد تمام الإقامة (١)، خلافًا لأبي حنيفة في أنه يجب عليه التكبير إذا قال قد قامت الصلاة، وقد اختلف العلماء في جواز الكلام حينئذٍ وكراهته. وقوله لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، النداء: الأذان بالصلاة، والصف الأول اختلف فيه هل هو الذي يلي الإمام أو هو المبكر؟ والصحيح أنه الذي يلي الإمام، فإن كان بين الإمام وبين الناس حجب حائلة كما استحدث من مقاصير الجوامع فالصف الأول هو الذي يلي المقصورة. وقوله لاستهموا عليه فيه إثبات القرعة مع تساوي الحقوق، وأما

стр. 674

وَلَو يَعلَمُونَ مَا فِي التَّهجِيرِ لاستَبَقُوا إِلَيهِ، وَلَو يَعلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبحِ لأَتَوهُمَا وَلَو حَبوًا. رواه أحمد (٢/ ٢٣٦ و ٢٧١)، والبخاري (٦١٥)، ومسلم (٤٣٧)، والنسائي (١/ ٢٦٩). ــ تشاحُّهم في النداء مع جواز أذان الجماعة في زمان واحد فيمكن أن يكون أراد أن يؤذِّن واحد بعد آخر لئلا يخفى صوتُ أحدهم. قال الشيخ ﵀: ويمكن التشاحُّ في أذان المغرب إذا قلنا بضيق وقتها، فإنه لا يؤذِّن لها إذ ذاك إلا مؤذن واحد. وقد نحا الداودي إلى أن هذا الاستِهام في أذان الجمعة؛ أي: لو علموا ما فيه لتسابقوا إليه ولاقترعوا عليه أيهم يؤذِّنه، وهذا الضمير الذي في عليه اختلف فيه على ماذا يعود؟ فقال أبو عمر بن عبد البر: إنه يعود على الصف الأول، وهو أقرب مذكور. قال: وهذا وجه الكلام. وقيل: إنه يعود على معنى الكلام المتقدم؛ فإنه مذكور ومَقُول، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا﴾؛ أي: ومن يفعل المذكور، وقيل - وهذا أولى من الأول؛ لأنه إن رجع إلى الصف بقي النداء ضائعًا لا فائدة له. وقوله لاستهموا عليه؛ أي لتقارعوا، والتهجير: التبكير للصلوات - قاله الهروي. وقيل: المراد هنا به المحافظة على الجمعة والظهر؛ فإنها التي تفعل في وقت الهاجرة وهي شدة الحرّ نصف النهار. ويقال: هجرّ القوم وأهجروا - صاروا في الهاجرة. وعتمة الليل: ظلمته. وكانت الأعراب تحلب عند شدة الظلمة حَلبَةً وتسميها العَتَمَة، فكأنّ لفظ العتمة صار مشتركًا بين خسيس وهي الحَلبَة وبين نفيس وهي الصلاة، فنهى عن إطلاق لفظ العتمة على الصلاة ليرفع الاشتراك، وحيث أمن الاشتراك جاز الإطلاق. وقيل: إنما نهى عن ذلك ليُتَأَدَّب في الإطلاق، وليقتدي بما في كتاب الله تعالى من ذلك، وليجتنب إطلاق الأعراب فإنهم عدلوا عَمَّا في كتاب الله

стр. 675

[٣٤٨]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى فِي أَصحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ لَهُم: تَقَدَّمُوا فَائتَمُّوا بِي، وَليَأتَمَّ بِكُم مَن بَعدَكُم، لا يَزَالُ قَومٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ. رواه أحمد (٣/ ٣٤ و ٥٤)، ومسلم (٤٣٨)، وأبو داود (٦٨٠)، والنسائي (٢/ ٨٣)، وابن ماجه (٩٧٨). * * * ــ تعالى من ذلك، ومثل ذلك يمكن أن يقال في قوله ﵊: لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، وتقول الأعراب هي العشاء (١). قال الشيخ: ويمكن أن يقال إن النهي المذكور ليس عن إطلاق ذلك اللفظ لأجل ذلك، بل لأجل غلبة ما يطلقه الأعراب من ذلك؛ لأنه إذا غلب إطلاقهم واقتُدي بهم في ذلك الإطلاق ترك ما في كتاب الله وما في سنة رسوله ﷺ من تسميته العشاء والمغرب، وعلى هذا فلا يمتنع إطلاق لفظ العتمة والمغرب عليهما إذا لم يكن غلبة، والله أعلم. وقوله: تقدموا وائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم تمسك بظاهره الشعبي على قوله: إن كل صف منهم إمام لمن وراءه، وعامة الفقهاء لا يقولون بهذا؛ لأن ذلك الكلام مجمل لأنه محتمل لأن يراد به الاقتداء في فعل الصلاة ولأن يراد به في نقل أفعاله وأقواله وسُنَته كي يبلغوها غيرهم، والشعبي دفَعَ دعوى الإجمال، والتمسك بالظاهر منه. وقوله لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله، قيل هذا في المنافقين، ويحتمل أن يراد به أن الله يؤخرهم عن رتبة العلماء المأخوذ عنهم أَو عن رتبة السابقين.

стр. 676

(٢٠) باب في صفوف النساء وخروجهن إلى المساجد [٣٤٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : خَيرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا. رواه مسلم (٤٤٠)، وأبو داود (٦٧٨)، والترمذي (٢٢٤)، والنسائي (٢/ ٩٣)، وابن ماجه (١٠٠٠). ــ (٢٠) ومن باب: صفوف النساء قوله خير صفوف الرجال أولها؛ يعني أكثرها أجرًا، وعلى ذلك فقوله وشرها آخرها يعني أقلها أجرًا؛ لأن ذلك ذمٌّ لآخرها، فإنه يلزم أن تحرم الصلاة فيه، وليس كذلك بالاتفاق، وكذلك القول في صفوف النساء. وإنما كان ذلك لأن الصف الأول من صفوف الرجال يستحق بكمال الأوصاف، ويختص بكمال الضبط على الإمام والاقتداء والتبليغ، وكل ذلك معدوم في النساء، فاقتضى ذلك تأخيرهن، وقد استدل بهذا الحديث بعض العلماء على أن المرأة لا تكون إمامًا لا للنساء ولا للرجال، وقد تقدم ذلك. فأما الصف الأول من صفوف النساء فإنما كان شرًّا من آخرها لما فيه من مقاربة أنفاس (١) الرجال للنساء، فقد يُخاف أن تشوِّش المرأة على الرجل والرجل على المرأة.

стр. 677

[٣٥٠]- وَعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ قَالَ: لَقَد رَأَيتُ الرِّجَالَ عَاقِدِي أُزُرِهِم فِي أَعنَاقِهِم مِثلَ الصِّبيَانِ مِن ضِيقِ الأُزُرِ خَلفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا مَعشَرَ النِّسَاءِ، لا تَرفَعنَ رُؤوسَكُنَّ حَتَّى يَرفَعَ الرِّجَالُ. رواه أحمد (٣/ ٤٢٣)، ومسلم (٤٤١). [٣٥١]- وَعَن عَبدِ اللهِ بنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لا تَمنَعُوا نِسَاءَكُمُ المَسَاجِدَ إِذَا استَأذَنَّكُم إِلَيهَا. قَالَ: فَقَالَ بِلالُ بنُ عَبدِ اللهِ: وَاللهِ لَنَمنَعُهُنَّ! قَالَ: فَأَقبَلَ عَلَيهِ عَبدُ اللهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعتُهُ سَبَّهُ مِثلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخبِرُكَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاللهِ لَنَمنَعُهُنَّ! ــ وقوله في الأم (١): إن ابن عبد الله بن عمر قال له: لا تدعهن يخرجن (٢) فيتخذنه دَغَلا - أي: خداعًا. وأصل الدَّغَل: الشجر المُلتَفّ الذي يكون فيه أهل الفساد، قال الليث: يقال أَدغلتُ في الأمر إذا أدخلت فيه ما يُخالفه. قال: وإذا دخل الرجل مدخلا مريبًا قيل دغل فيه. وقوله فزبره ابن عمر معناه: انتهره. وقال صاحب الأفعال: زبرت الكتاب كتبتُه، والشيء: قطعتُه، والرجلَ: انتهرتُه، والبئرَ: طويتُها بالحجارة. وانتهار ابن عمر وضربه (٣) تأديب للمعترض على السنن وعلى العالم، وجاء في الأم (٤) مَرَّة أن الذي قابل ابن عمر بالمنع بلال، ومَرَّة واقد، وكلاهما صحيح؛ كان لابن عمر ابنان: بلال وواقد، وكلاهما قابله بالمنع، وكلاهما أدّبه ابن عمر.

стр. 678

وَفِي رِوَايَةٍ: لا تَمنَعُوا النِّسَاءَ مِنَ الخُرُوجِ إِلَى المَسَاجِدِ بِاللَّيلِ. رواه أحمد (٢/ ٤٣ و ٧٦)، والبخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢) (١٣٥ و ١٣٨)، وأبو داود (٥٦٦ - ٥٦٨)، والترمذي (٥٧٠)، وابن ماجه (١٦). [٣٥٢]- وَعَن زَينَبَ الثَّقَفِيَّةِ - امرَأَةِ عَبدِ اللهِ - عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا شَهِدَت إِحدَاكُنَّ العِشَاءَ فَلا تَطَيَّب تِلكَ اللَّيلَةَ. وَفِي لَفظٍ آخَر: إِذَا شَهِدَت إِحدَاكُنَّ المَسجِدَ فَلا تَمَسَّ طِيبًا. رواه أحمد (١/ ٣٦٣)، ومسلم (٤٤٣)، والنسائي (٨/ ١٥٤). [٣٥٣]- وَمِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرفُوعًا: أَيُّمَا امرَأَةٍ أَصَابَت بَخُورًا فَلا تَشهَد مَعَنَا العِشَاءَ الآخِرَةَ. رواه أحمد (٢/ ٣٠٤)، ومسلم (٤٤٤)، وأبو داود (٤١٧٥)، والنسائي (٨/ ١٥٤). [٣٥٤]- وَعَن عَائِشَةِ قَالَت: لَو أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى مَا أَحدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ المَسجِدَ كَمَا مُنِعَت نِسَاءُ بَنِي إِسرَائِيلَ. رواه أحمد (٦/ ٩١)، ومسلم (٤٤٥). * * * ــ وقول عائشة ﵂ لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء. . . الحديث - تريد ما اتخذن من حسن الملابس والطيب والزينة، وإنما كان النساء يخرجن في المروط والشِّمَال (١).

стр. 679

(٢١) باب في قوله تعالى: ﴿وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِت بِهَا﴾ [٣٥٥]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ فِي قَولِهِ تَعَالَّى: ﴿وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِت بِهَا﴾ قَالَ: نَزَلَت وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصحَابِهِ رَفَعَ صَوتَهُ بِالقُرآنِ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ المُشرِكُونَ سَبُّوا القُرآنَ وَمَن أَنزَلَهُ وَمَن جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ﴾ فَيَسمَعَ المُشرِكُونَ قِرَاءَتَكَ، ﴿وَلا تُخَافِت بِهَا﴾ عَن أَصحَابِكَ، أَسمِعهُمُ القُرآنَ وَلا تَجهَر ذَلِكَ الجَهرَ، ﴿وَابتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾؛ قَالَ: يَقُول بَينَ الجَهرِ وَالمُخَافَتَةِ. رواه البخاري (٤٧٢٢)، ومسلم (٤٤٦)، والترمذي (٣١٤٤)، والنسائي (٢/ ١٧٧ - ١٧٨). * * * ــ (٢١) ومن باب: قوله تعالى ﴿وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ﴾ اختلف في سبب نزول هذه الآية؛ فقال ابن عباس ما نصَّهُ مسلم وأن الصلاة هي الصلاة الشرعية، وقالت عائشة ما ذكره أيضًا مسلم: إنها نزلت في الدعاء؛ أي لا تجهر بالدعاء ولا تخفض به - وإليه مال الطبري. وقيل: نزلت في أبي بكر وعمر؛ إذ كان أبو بكر يُسِرُّ بالقراءة ويقول: أناجي ربي! وعمر يجهر ويقول: أطرد الشيطان، وأوقظ الوَسنَان، وأرضي الرحمن! فنزلت الآية، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: ارفع شيئًا! ولعمر: اخفض شيئًا! (١)

стр. 680

(٢٢) باب القراءة في الظهر والعصر [٣٥٦]- عَن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا فَيَقرَأُ فِي الظُّهرِ وَالعَصرِ فِي الرَّكعَتَينِ الأُولَيَينِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَينِ، وَيُسمِعُنَا الآيَةَ أَحيَانًا، وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكعَةَ الأُولَى مِنَ الظُّهرِ وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّبحِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَيَقرَأُ فِي الرَّكعَتَينِ الأُخرَيَينِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ. رواه أحمد (٤/ ٣٨٣)، والبخاري (٧٧٦)، ومسلم (٤٥١)، وأبو داود (٧٩٨ - ٨٠٠)، والنسائي (٢/ ١٦٤ - ١٦٥). [٣٥٧]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقرَأُ فِي صَلاةِ ــ (٢٢ و ٢٣) ومن باب: القراءة في الظهر والعصر (١) حديث أبي قتادة حجة لمالك على صحة مذهبه في اشتراط قراءة الفاتحة في كل ركعة وعلى قراءة سورتين مع الفاتحة في الركعتين الأوليين، وأن ما بقي من الصلاة لا يقرأ فيه إلا بالفاتحة خاصة. وقد تمسك الشافعي في أنه يقرأ فيما بقي بسورة مع الفاتحة بحديث أبي سعيد الآتي بعد هذا، ووجه تمسكه قوله: إنه قرأ في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك، والفاتحة إنما هي سبع آيات لا خمس عشرة، فكان يزيد سورة، وهذا لا حجة فيه؛ فإنه تقدير وتخمين من أبي سعيد. ولعله ﷺ كان يمدّ في قراءة الفاتحة حتى يُقَدَّر

стр. 681

الظُّهرِ فِي الرَّكعَتَينِ الأُولَيَينِ فِي كُلِّ رَكعَةٍ قَدرَ ثَلاثِينَ آيَةً، وَفِي الأُخرَيَينِ قَدرَ خَمسَ عَشرَةَ آيَةً - أَو قَالَ: نِصفَ ذَلِكَ. وَفِي العَصرِ فِي الرَّكعَتَينِ الأُولَيَينِ فِي كُلِّ رَكعَةٍ قَدرَ قِرَاءَةِ خَمسَ عَشرَةَ آيَةً، وَفِي الأُخرَيَينِ قَدرَ نِصفِ ذَلِكَ. رواه أحمد (٣/ ٢)، ومسلم (٤٥٢) (١٥٧)، وأبو داود (٨٠٤)، والترمذي (٣٠٧)، وابن ماجه (٨٢٨). [٣٥٨]- وَعَنهُ: لَقَد كَانَت صَلاةُ الظُّهرِ تُقَامُ، فَيَذهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى البَقِيعِ فَيَقضِي حَاجَتَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأتِي ورَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الرَّكعَةِ الأُولَى مِمَّا يُطَوِّلُهَا. رواه أحمد (٣/ ٣٥)، ومسلم (٤٥٤) (١٦١)، والنسائي (٢/ ١٦٤)، وابن ماجه (٨٢٥). * * * ــ بذلك، وهذا الاحتمال غير مدفوع. وقد جاء عنه ﷺ أنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول مِن أطوَل منها (١)، وهذا يشهد بصحة هذا التأويل، وحديث أبي قتادة نصّ، فهو أولى. وما ورد في كتاب مسلم وغيره من الإطالة فيما استقر فيه التقصير أو من التقصير فيما استقرت فيه الإطالة، كقراءته في الفجر بالمعوذتين، كما رواه النسائي (٢)، وكقراءة الأعراف والمرسلات في المغرب - فمتروك (٣). أما التطويل فبإنكاره على معاذ وبأمره الأئمة بالتخفيف، ولعل ذلك منه ﷺ حيث لم يكن خلفه من يشق عليه القيام وعلم ذلك، أو كان منه ذلك متقدمًا حتى خفف

стр. 682

(٢٣) باب القراءة في الصبح [٣٥٩]- عَن عَبدِ اللهِ بنِ السَّائِبِ قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ الصُّبحَ بِمَكَّةَ، فَاستَفتَحَ سُورَةَ المُؤمِنِينَ، حَتَّى جَاءَ ذِكرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَخَذَتِ النَّبِيَّ ﷺ سَعلَةٌ فَرَكَعَ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَحَذَفَ، فَرَكَعَ. رواه البخاري تعليقًا (٢/ ٢٥٥)، ومسلم (٤٥٥)، وأبو داود (٦٤٨ - ٦٤٩)، والنسائي (٢/ ١٧٦)، وابن ماجه (٨٢٠). ــ وأمر الأئمة بالتخفيف، كما قال جابر بن سمرة: وكان صلاته بعدُ تخفيفًا، ويحتمل أن يكون فعل ذلك في أوقات ليبيّن جواز ذلك، أو يكون ذلك بحسب اختلاف الأوقات من السعة والضيق. وقد استقر عمل أهل المدينة على إطالة القراءة في الصبح قدرًا لا يضر من خلفه بقراءتها بطوال المفصّل، ويليها في ذلك الظهر والجمعة، وتخفيف القراءة في المغرب، وتوسيطها في العصر والعشاء. وقد قيل في العصر: إنها تُخفّف كالمغرب. وتطويله ﷺ في الركعة الأولى إنما كان ليدرك الناس الركعة الأولى (١)، رواه أبو داود عن أبي قتادة. وعن ابن أبي أوفى أنه ﵊ كان يقوم في الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم (٢)؛ يعني: حتى يتكامل الناس ويجتمعوا، وعلى هذا

стр. 683

[٣٦٠]- وَعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ أِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقرَأُ فِي الفَجرِ ﴿ق وَالقُرآنِ المَجِيدِ﴾ وَكَانَ صَلاتُهُ بَعدُ تَخفِيفًا. رواه أحمد (٥/ ١٠٣)، ومسلم (٤٥٨) (١٦٨). [٣٦١]- وَعَنهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقرَأُ فِي الظُّهرِ بِـ ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغشَى﴾ وَفِي العَصرِ نَحوَ ذَلِكَ، وَفِي الصُّبحِ أَطوَلَ مِن ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يَقرَأُ فِي الظُّهرِ بـ ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ وَفِي الصُّبحِ بِأَطوَلَ مِن ذَلِكَ. رواه أحمد (٥/ ١٠٨)، ومسلم (٤٥٩) و (٤٦٠)، وأبو داود (٨٠٦)، والنسائي (٢/ ١٦٦). [٣٦٢]- وَعَن أَبِي بَرزَةَ الأَسلَمِي قَالَ: كَانَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقرَأُ فِي الفَجر مَا بَينَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ. رواه أحمد (٤/ ٤١٩)، ومسلم (٤٦١)، والنسائي (١/ ٢٤٦)، وابن ماجه (٨١٨). * * * ــ يحمل حديث أبي سعيد أنه كان يطول الركعة الأولى من الظهر بحيث يذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي النبي ﷺ وهو فيها، وذلك - والله أعلم - لتوالي دخول الناس، ولا حجة للشافعي في هذا الحديث على تطويل الإمام لأجل الداخل؛ لأن ما ذكر ليس تعليلا لتطويل الأولى، وإنما هي حكمته، ولا يعلل بالحكمة لخفائها أو لعدم انضباطها. وأيضًا فلم يكن يدخل في الصلاة مريدًا تقصير تلك الركعة ثم يطولها لأجل الداخل، وإنما كان يدخل فيها ليفعل الصلاة على هيئتها من تطويل الأولى، فافترق الأصل والفرع فامتنع الإلحاق.

стр. 684

(٢٤) باب القراءة في المغرب والعشاء [٣٦٣]- عَن أُمَّ الفَضلِ بِنتَ الحَارِثِ أَنَها سَمِعَت ابنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَقرَأُ ﴿وَالمُرسَلاتِ عُرفًا﴾ فَقَالَت: يَا بُنَيَّ، لَقَد ذَكَّرتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقرَأُ بِهَا فِي المَغرِبِ. وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ مَا صَلَّى بَعدُ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ . رواه البخاري (٧٦٣)، ومسلم (٤٦٢)، وأبو داود (٨١٠)، والترمذي (٣٠٨)، والنسائي (٢/ ١٦٨)، وابن ماجه (٨٣١). [٣٦٤]- وَعَن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقرَأُ بِالطُّورِ فِي المَغرِبِ. رواه أحمد (٤/ ٨٤)، والبخاري (٨٦٤)، ومسلم (٤٦٣)، وأبو داود (٨١١)، والنسائي (٢/ ١٦٩)، وابن ماجه (٨٣٢). [٣٦٥]- وَعَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قَالَ: سَمعتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَرَأَ فِي العِشَاءَ بِالتِّينِ وَالزَّيتُونِ، فَمَا سَمِعتُ أَحَدًا أَحسَنَ صَوتًا مِنهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ ﵊ كَانَ فِي سَفَرٍ. رواه أحمد (٤/ ٢٩١)، والبخاري (٧٦٩)، ومسلم (٤٦٤) (١٧٥ و ١٧٧)، وأبو داود (١٢٢١)، والترمذي (٣١٠)، والنسائي (٢/ ١٧٣)، وابن ماجه (٨٣٤). [٣٦٦]- وَعَن جَابِرٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَأتِي فَيَؤُمُّ قَومَهُ، فَصَلَّى لَيلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَومَهُ فَأَمَّهُم - وفِي ــ (٢٤) ومن باب: القراءة في المغرب والعشاء قوله في حديث جابر كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ثم يأتي فيؤمّ قومه،

стр. 685

رِوَايَةٍ: فَصَلَّى بِهِم تِلكَ الصَلاة - فَافتَتَحَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَانحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى وَحدَهُ وَانصَرَفَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقتَ يَا فُلانُ؟ فَقَالَ: لا وَاللهِ، وَلآتِيَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَلأُخبِرَنَّهُ! فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ــ وفي رواية فيصلي بهم تلك الصلاة، تمسَّك الشافعي وأحمد في صلاة المفترض خلف المتنفِّل بهذا الحديث، وخالفهما مالك وربيعة والكوفيون، ورأوا أنه لا حجة لهما فيه لوجهين؛ أحدهما: أنه يحتمل أن يكون معاذ اعتقد في صلاته خلف النبي ﷺ الفضيلة وبصلاته لقومه الفريضة، وليس هذا الاحتمال بأولى مِمَّا صاروا إليه، فلحق بالمجملات، فلا يكون فيه حجة. والثاني: أن في مسند البزار عن عمرو بن يحيى المازني عن معاذ بن رفاعة (١) عن رجل من بني سليم يقال له سلم أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نَظَلُّ في أعمالنا، فنأتي حين نمسي، فيأتي معاذ فيطوِّل علينا! فقال رسول الله ﷺ : يا معاذ، لا تكن فتانًا، إما أن تُخفِّف بقومك أو تجعل صلاتك معي (٢). وظاهر هذا يدلّ على أنه كان يصلي الفريضة مع قومه، ومتمسّك المانعين قوله ﵊: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه (٣). ولا اختلاف أعظم من اختلاف النيات، والله تعالى أعلم. وأما قطع الرجل الصلاة فلعذرٍ صَحَّ له، وهو أنه ضَعُف عن صلاة معاذ لما لحقه من شدة ألم العمل، ولأجل ذلك أنكر النبي ﷺ على معاذ حتى نسبه إلى

стр. 686

يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا أَصحَابُ نَوَاضِحَ نَعمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ العِشَاءَ ثُمَّ أَتَى فَافتَتَحَ سُورَةِ البَقَرَةِ! فَأَقبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنتَ؟ ! اقرَأ ﴿وَالشَّمسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغشَى﴾ و ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ وَنَحوَ هَذَا. رواه أحمد (٣/ ٢٩٩ و ٣٠٨)، والبخاري (٧٠١)، ومسلم (٤٦٥) (١٧٨)، وأبو داود (٧٩٠ - ٧٠٣)، والنسائي (٢/ ٩٧ - ٩٨)، وابن ماجه (٩٨٦). * * * ــ الفتنة. ولا حجة للشافعي في هذا الحديث على جواز الخروج عن إمامة الإمام ابتداء من غير عذر؛ لأن هذا كان عن عذر، وأما صلاة هذا الرجل وحده ومعاذ في صلاته فيستدل به على جواز ذلك لعذر، وأما لغير عذر فممنوع بدليل قوله ﵊: أصلاتان معًا؟ (١) منكرًا على من فعل ذلك. وقوله أفتان أنت يا معاذ! ؛ أي: أتفتن الناس وتصرفهم عن دينهم؟ ! وقد تقدم أصل الفتنة، ويحتمل أن يكون معناه: تعذب الناس يا معاذ بالتطويل؟ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ﴾؛ أي: عذبوهم - في قول المفسرين. والنواضح: الإبل التي يستقى عليها، والله الموفق للصواب (٢). * * *

стр. 687

(٢٥) باب أمر الأئمة بالتخفيف في تمام [٣٦٧]- عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَن صَلاةِ الصُّبحِ مِن أَجلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا! قَالَ: فَمَا رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ فِي مَوعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَومَئِذٍ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنكُم مُنَفِّرِينَ! فَأَيُّكُم أَمَّ النَّاسَ فَليُوجِز، فَإِنَّ مِن وَرَائِهِ الكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ. رواه أحمد (٥/ ٢٧٣)، والبخاري (٧٠٤)، ومسلم (٤٦٦)، وابن ماجه (٩٨٤). [٣٦٨]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَليُخَفِّف، فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَالمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحدَهُ فَليُصَلِّ كَيفَ شَاءَ. رواه أحمد (٢/ ٤٨٦)، والبخاري (٧٠٣)، ومسلم (٤٦٧) (١٨٣)، وأبو داود (٧٩٤ و ٧٩٥)، والترمذي (٢٣٦)، والنسائي (٢/ ٩٤). [٣٦٩]- وَعَن عُثمَانَ بنُ أَبِي العَاصِ الثَّقَفِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: أُمَّ ــ (٢٥) ومن باب: أمر الأئمة بالتخفيف قوله ﷺ في حديث أبي مسعود غضب، وحكم في حال غضبه - لا يعارضه قوله ﵊: لا يقضي القاضي وهو غضبان (١)؛ لأنه ﵊ معصوم في حال الغضب والرضا، بخلاف غيره.

стр. 688

قَومَكَ! قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفسِي شَيئًا! قَالَ: ادنُه. فَجَلَّسَنِي بَينَ يَدَيهِ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدرِي بَينَ ثَديَيَّ، ثُمَّ قَالَ: تَحَوَّل - فَوَضَعَهَا فِي ظَهرِي بَينَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ: أُمَّ قَومَكَ، فَمَن أَمَّ قَومًا فَليُخَفِّف، فَإِنَّ فِيهِمُ الكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِم ذَا الحَاجَةِ، وإِذَا صَلَّى أَحَدُكُم وَحدَهُ فَليُصَلِّ كَيفَ شَاءَ. رواه أحمد (٤/ ٢١)، ومسلم (٤٦٨) (١٨٦)، وأبو داود (٥٣١)، والنسائي (٢/ ٢٣)، وابن ماجه (٩٨٨). [٣٧٠]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا صَلَّيتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ وَلا أَتَمَّ صَلاةً مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ . رواه أحمد (٣/ ٢٦٢ و ٢٨٢)، ومسلم (٤٦٩)، وابن ماجه (٩٨٥). [٣٧١]- وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنِّي لأَدخُلُ فِي الصَّلاةِ أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأُخَفِّفُ مِن شِدَّةِ وَجدِ أُمِّهِ بِهِ. ــ وقول عثمان بن أبي العاص إني أجد في نفسي حين قال له أُمَّ قومك يحتمل أن يكون خشي على نفسه كبرًا أو عُجبًا حيث قُدِّم على قومه، ويحتمل أن يكون ذلك خجلا وضعفًا عن القيام بذلك، ففعل النبي ﷺ به ذلك ببركة يد رسول الله ﷺ . وقوله وأخفف من شدّة وَجدِ أمِّه به؛ يعني حزنها (١) وشفقتها عليه، وفيه دليل على جواز الإسراع في الصلاة وإن كان قد شرع في تطويلها لأجل حاجة المأموم، ولا حجة فيه للشافعي على جواز انتظار الإمام من سمع حِسَّه داخلا؛ لأن هذه الزيادة عمل في الصلاة بخلاف الحديث.

стр. 689

رواه أحمد (٤/ ٢٩٤)، والبخاري (٨٠١)، ومسلم (٤٧١)، (١٩٢)، والترمذي (٢٣٧)، والنسائي (٢/ ٩٤ - ٩٥). * * * (٢٦) باب في اعتدال الصلاة وتقارب أركانها [٣٧٢]- عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ، قَالَ: رَمَقتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدتُ قِيَامَهُ فَرَكعَتَهُ، فَاعتِدَالَهُ بَعدَ رُكُوعِهِ، فَسَجدَتَهُ، فَجَلسَتَهُ بَينَ السَّجدَتَينِ، فَسَجدتَهُ، فجَلسَتَهُ مَا بَينَ التَّسلِيمِ وَالانصِرَافِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. رواه أحمد (٤/ ٢٩٤)، والبخاري (٨٠١)، ومسلم (٤٧١)، وأبو داود (٨٥٢)، والترمذي (٢٧٩)، والنسائي (٢/ ١٩٧ - ١٩٨). ــ (٢٦) ومن باب: اعتدال أركان الصلاة قوله في حديث البراء: قريبًا من السواء؛ يدل على أن بعض تلك الأركان أطول من بعض، إلا أنها غير متباعدة، وهذا واضح في كل الأركان، إلا في القيام؛ فإنه قد ثبت أنه كان يطوِّله، ويقرأ فيه بالستين إلى المائة، ويذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثم يرجع فيجده قائمًا في الركعة الأولى (١)، فيحتمل أن يكون ذلك الطول كان في أوّل أمره، ثم كان التخفيف بعدُ؛ كما قال جابر بن سمرة: ثم كانت صلاته بعد تخفيفًا (٢). وقد قيل: إن هذه الرواية

стр. 690

[٣٧٣]- وَعَن أَنَسٍ، قَالَ: مَا صَلَّيتُ خَلفَ أَحَدٍ أَوجَزَ صَلاةً مِن صلاة رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي تَمَامٍ. كَانَت صَلاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُتَقَارِبَةً، وَكَانَت صَلاةُ أَبِي بَكرٍ مُتَقَارِبَةً، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مَدَّ فِي صَلاةِ الفَجرِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَد أَوهَمَ. ثُمَّ يَسجُدُ، وَيَقعُدُ بَينَ السَّجدَتَينِ: حَتَّى نَقُولَ: قَد أَوهَمَ. رواه أحمد (٣/ ٢٤٧)، والبخاري (٨٢١)، ومسلم (٤٧٣)، وأبو داود (٨٥٣). * * * ــ التي وقع فيها ذكر القيام وهمٌ، وأن الصحيح إسقاطه كما رواه البخاري ومسلم (١) أيضًا في رواية أخرى من حديث البراء، ولم يذكر فيها القيام، وزاد البخاري فيه: ما خلا القيام والقعود، والطريقة الأولى أحسن وأسلم. وقوله في حديث أنس: حتى نقول قد أَوهَم، كذا صوابه بفتح الهمزة والهاء، فعل ماض مبني للفاعل، ومعناه: ترك. قال ثعلب: يقال: أوهمت الشيء: إذا تركته كله، أُوهِمُ، وَوَهِمتُ في الحساب وغيره: إذا غلطت. أَوهِمُ، ووهمت إلى الشيء؛ إذا ذهب وهَمُكَ إليه وأنت تريدُ غيره، أَهِم وَهمًا. * * *

стр. 691

(٢٧) باب اتباع الإمام والعمل بعده [٣٧٤]- عَنِ البَرَاءِ، أَنَّهم كَانُوا يُصَلُّونَ خَلفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ لَم أَرَ أَحَدًا يَحنِي ظَهرَهُ حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَبهَتَهُ عَلَى الأَرضِ، ثُمَّ يَخِرُّ مَن وَرَاءَهُ سُجَّدًا. وَفِي لَفظٍ آخَر: كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ. لَم نَزَل قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَد وَضَعَ وَجهَهُ فِي الأَرضِ، ثُمَّ نَتَّبِعُهُ. رواه أحمد (٤/ ٣٠٠ و ٣٠٤)، والبخاري (٦٩٠)، ومسلم (٤٧٤) (١٩٧ و ١٩٩)، وأبو داود (٦٢١)، والترمذي (٢٨١). * * * ــ (٢٧ (١) و ٢٨) ومن باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع قوله في حديث أبي سعيد: ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء. قال الخطابي: هو تمثيل وتقريب، والمراد تكثير العدد، حتى لو قُدِّر ذلك أجسامًا ملأ ذلك كله. وقال غيره: المراد بذلك: التعظيم؛ كما يقال: هذه الكلمة تملأ طباق الأرض. وقيل: المراد بذلك: أجرها وثوابها، والله أعلم.

стр. 692

(٢٨) باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع [٣٧٥]- عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: رَبَّنَا لَكَ الحَمدُ، مِلءُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، وَمِلءُ مَا شِئتَ مِن شَيءٍ بَعدُ، أَهلَ الثَّنَاءِ وَالمَجدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ العَبدُ، وَكُلُّنَا لَكَ ــ وبعد: ظرف قُطِع عن الإضافة مع إرادة المضاف، وهو السماوات والأرض، فبني على الضَّمِّ؛ لأنه أشبه حرف الغاية؛ الذي هو منذ. والمراد بقوله: من شيء: العرش، والكرسي ونحوهما، مما في مقدور الله تعالى، والله أعلم. وقوله: أهل الثناء والمجد؛ أي: يا أهلَ الثناء، فهو منادى مضاف؛ حُذِف حرفُ ندائه. ورواية الجمهور: المجد - بالميم والجيم -، إلا ابن ماهان فإنه رواها: الحمد. . فأما المجد؛ فهو نهاية الشرف وكثرته، والماجد: هو الذي يعِدّدُ لنفسه آباء أشرافًا، ومآثر حسنةً كثيرة، ومنه قالت العرب: في كل شجر نار، واستَمجَدَ المَرخ والعَفَار؛ أي: كثر في هذين النوعين من الشجر. وقد تقدّم معنى الحمد في أول الكتاب. وقوله: أحقّ ما قال العبد؛ أي: أوجب وأثبت وأولى. وهو مرفوع بالابتداء، وخبره: [اللهم لا مانع لما أعطيت. . إلى آخره: وكلنا لك عبد معترض بين المبتدأ والخبر] (١). والعبد: جنس العباد العارفين بالله تعالى، فكأنه قال: أولى ما يقول العباد العارفون بالله تعالى هذه الكلمات؛ لما تضمنته من تحقيق التوحيد وتمام التفويض، وصحة التبرّي من الحول والقوة.

стр. 693

عَبدٌ، اللهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعطَيتَ، وَلا مُعطِيَ لِمَا مَنَعتَ، وَلا يَنفَعُ ذَا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ. رواه مسلم (٤٧٧)، وأبو داود (٨٤٧)، والنسائي (٢/ ١٩٨ - ١٩٩)، وابن ماجه (٨٧٧). [٣٧٦]- وَعَن عَبدِ اللهِ بنَ أَبِي أَوفَى؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللهُمَّ لَكَ الحَمدُ، مِلءُ السَّمَاواتِ وَمِلءُ الأَرضِ، وَمِلءُ مَا شِئتَ مِن شَيءٍ بَعدُ، اللهُمَّ طَهِّرنِي بِالثَّلجِ وَالبَرَدِ، وَمَاءِ البَارِدِ، اللهُمَّ طَهِّرنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الوَسَخِ. ــ وقوله: لا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدّ، رواه الجمهور بفتح الجيم في اللفظين، وهو هنا بمعنى: البخت والحظ. ولفظ الجد ينطلق على البخت، والغنى، والعظمة، والسلطان، وأب الأب. ومعناه: لا ينفع من رُزِق مالا وولدًا أَو جاهًا دنيويًا شيء من ذلك عندك، وهذا كما قال تعالى: ﴿يَومَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾ إِلَّا مَن أَتَى اللَّهَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ. وحُكي عن الشيباني في الحرفين: كسر الجيم، وقال: معناه: لا ينفع ذا الاجتهاد والعمل منك اجتهاده وعمله. قال الطبري: وهذا خلاف ما عرفه أهل النقل، ولا نُعلم من قاله غيره، وضعفه. قال غيره: والمعنى الذي أشار إليه الشيباني صحيح، ومراده: أن العمل لا ينجي صاحبه. وإنما النجاة بفضل الله ورحمته؛ كما جاء في الحديث: لن ينجي أحدًا منكم عمله (١). . الحديث. وقوله في حديث ابن أبي أوفى: اللهم طهرني بالثلج والبرد وماء البارد: استعارة للمبالغة في التنظُّيف من الذنوب، وماء البارد: من باب إضافة الشيء إلى صفته، وقد تقدم ذكرها.

стр. 694

رواه أحمد (٤/ ٣٥٤ و ٣٥٦)، ومسلم (٤٧٦) (٢٠٤)، وأبو داود (٨٧٦)، والترمذي (٣٥٤١)، وابن ماجه (٨٧٨). * * * (٢٩) باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود [٣٧٧]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السِّتَارَةَ، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلفَ أَبِي بَكرٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَم يَبقَ مِن مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلا الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسلِمُ أَو تُرَى لَهُ، أَلا وَإِنِّي نُهِيتُ أَن أَقرَأَ القُرآنَ رَاكِعًا أَو سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، ــ (٢٩) [ومن باب: النهي عن القراءة في الركوع والسجود] (١) قوله: أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء. مذهب الجمهور: كراهة القراءة والدعاء في الركوع، وقال الشافعي والكوفيون: يقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى؛ اتّباعًا لحديث عقبة (٢)، وكلهم على استحباب ذلك. وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الركوع والسجود، وذهب إسحاق وأهل الظاهر إلى وجوب الذكر فيهما دون تعيين، وأنه يعيد الصلاة من تركه. وفي المبسوط عن يحيى بن يحيى، وعيسى بن دينار من أئمتنا، فيمن لم يذكر الله في ركوعه ولا سجوده:

стр. 695

فَقَمِنٌ أَن يُستَجَابَ لَكُم. وَفِي رِوَايَةٍ: كَشَفَ السِّترَ وَرَأسُهُ مَعصُوبٌ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، قَالَ: اللهُمَّ هَل بَلَّغتُ. ثَلاثَ مَرَّاتٍ: إِنَّهُ لَم يَبقَ مِن مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلا الرُّؤيَا يَرَاهَا العَبدُ الصَّالِحُ، أَو تُرَى لَهُ. رواه أحمد (١/ ٢١٩)، ومسلم (٤٧٩)، وأبو داود (٨٧٦)، والنسائي (٢/ ١٨٩)، وابن ماجه (٣٨٩٩). [٣٧٨]- وَعَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ القِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلا أَقُولُ: نَهَاكُم. ــ أنه يعيد الصلاة أبدًا. وقد تأوّل المتأخرون من أصحابنا ذلك عليهما تأويلات بعيدة. وقوله: فَقَمَنٌ - بفتح القاف والميم -؛ ومعناه: حقيق وجدير، ويقال: قَمِنٌ بكسر الميم، وقَمن بالفتح: مصدر، وغيره نَعتٌ؛ يُثنّى ويجمع. ومبشرات النبوة: أول ما يبدو منها، مأخوذ من تباشير الصبح وبشائره، وهو أول ما يبدو منه. وهذا كما تقدم من قول عائشة: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم (١). وقول علي ﵁: نهاني رسول الله ﷺ . . . .، ولا أقول نهاكم: لا يدل على خصوصيته بهذا الحكم، وإنما أخبر بكيفية توجُّه صيغة النهي الذي سمعه، فكأن صيغة النهي التي سمع: لا تقرأ القرآن في الركوع، فحافظ حالة التبليغ على

стр. 696

رواه أحمد (١/ ٨١)، ومسلم (٤٨٠) (٢١١)، وأبو داود (٤٠٤٤ - ٤٠٤٦)، والنسائي (٢/ ١٨٨ - ١٨٩). * * * (٣٠) باب ما يقال في الركوع والسجود (٤٨٤) (٢١٧) [٣٧٩]- عَن عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكثِرُ أَن يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمدِكَ، اللهُمَّ اغفِر لِي ــ كيفية ما سمع حالة التحمل، وهذا من باب نقل الحديث بلفظه كما سمع. ولا شك أن مثل هذا اللفظ مقصور على المخاطب من حيث اللغة، ولا يُعَدَّى إلى غيره إلا بدليل من خارج؛ إما عام كقوله ﵊ حكمي على الواحد كحكمي على الجميع (١)؛ أو خاص في ذلك الحكم؛ كقوله: نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا (٢). (٣٠) [ومن باب: ما يقال في الركوع والسجود] (٣) قوله: سبحانك اللهم وبحمدك؛ سبحانك: اسم علم لمصدر سَبَّح، وقع موقعه، فنصب نصبه، وهو لا ينصرف؛ للتعريف والألف والنون الزائدتين كعثمان، ومعناه: البراءة لله من كل نقص وسوء. وهو في الغالب مما لا ينفصل عن الإضافة، وقد جاء منفصلا عنها في قول الأعشى شاذًّا: أقول لَمَّا جاءني فخرُه ... سبحان مِن عَلقَمَة الفاخِرِ!

стр. 697

يَتَأَوَّلُ القُرآنَ. رواه أحمد (٦/ ٤٩)، والبخاري (٧٩٤)، ومسلم (٤٨٤) (٢١٧)، وأبو داود (٨٧٧)، والنسائي (٢/ ٢١٩)، وابن ماجه (٨٨٩). [٣٨٠] وَعَنهَا، قَالَتِ: افتَقَدتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ، فَظَنَنتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعضِ نِسَائِهِ، فَتَحَسَّستُ، ثُمَّ رَجَعتُ، فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ أَو سَاجِدٌ ــ وقد أشربه في هذا البيت معنى التعجب؛ فكأنه قال تعجبًا: مِن علقمة! هذا قول حذاق النحويين وأئمتهم. وقد ذهب بعضهم إلى أن سبحان جمع سِبَاحٍ، من: سَبَح يَسبَحُ في الأرض: إذا ذهب فيها سَبحًا وسُبحانًا. وهذا كَحِسابٍ وحُسبَان. وقيل: جمع سَبِيحٍ للمبالغة من التسبيح؛ مثل: خبير، وعليم، ويجمع: سبحان؛ كقضيب، وقضبان. وهذان القولان باطلان؛ بدليل عدم صرفه كما ذكرناه من بيت الأعشى. وقوله: وبحمدك؛ متعلق بفعل محذوف دلّ عليه التسبيح؛ أي: بحمدك سبَّحتُكَ؛ أي: بتفضلك وهدايتك. هذا قولهم، وكأنهم لاحظوا أن الحمد هنا بمعنى الشكر. قال الشيخ ﵀: ويظهر لي وجه آخر، وهو إبقاء معنى الحمد على أصله كما قررناه أوّل الكتاب، ويكون إثباتا للسبب، ويكون معناه: بسبب أنك موصوف بصفات الكمال والجلال؛ سبَّحَكَ المسبِّحون، وعَظَّمَكَ المعظِّمون، والله تعالى أعلم [بغيبه وأحكم] (١). وقوله: يتأوَّل القرآن؛ معناه: يَمتثل ما آل إليه معنى القرآن في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالفَتحُ﴾ وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.

стр. 698

يَقُولُ: سُبحَانَكَ وَبِحَمدِكَ. لا إِلهَ إِلا أَنتَ، فَقُلتُ: بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي! إِنِّي لَفِي شَأنٍ، وَإِنَّكَ لَفِي آخَرَ. رواه أحمد (٦/ ١٩٠)، ومسلم (٤٨٥)، والترمذي (٣٤٩١)، والنسائي (٢/ ٢٢٣ و ٢٢٥). [٣٨١]- وَعَنهَا، قَالَت: فَقَدتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيلَةً مِنَ الفِرَاشِ، فَالتَمَستُهُ، فَوَقَعَت يَدِي عَلَى بَطنِ قَدَمِيهِ وَهُوَ فِي المَسجِدِ وَهُمَا مَنصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللهُمَّ إني أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِن سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، ــ وقولها: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أي: بأبي أنت وأمي تُفدى من المكاره، وهو كلام يستعملونه في محل المَحبة والمبالغة في الإكرام والاحترام، وقد صرَّحوا بذلك المعنى المقدر، فقالوا: فداك أبي وأمي، وجعلني الله فداك، ويقولونه بكسر الفاء والمدّ والهمز، وبفتح الفاء، والقصر. وقوله: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك ... الحديث. اللهم هي: الله، زيدت عليها الميم عوضًا من حرف النداء، ولذلك لا يجمع بينهما إلا في الشاذّ؛ في قوله: وما عليك أن تقولي كُلَّما ... سبَّحتِ أو هَلَّلتِ: يا اللهما هذا قول جمهور النحويين. وقد قيل: معنى اللهم: يا الله! آمِنا بخير، فأبدل من همزة آمِنا ميما، وأدغمت في ميم آمِنا، وهذا الحكم لا يشهد له دليل ولا صحيح تعليل. قال القاضي ﵀: وسخطه، ومُعافاتُه، وعقوبته من صفات أفعاله، فاستعاذ من المكروه منهما إلى المَحبوب، ومن الشر إلى الخير. قال الشيخ ﵀: ثم ترقّى عن الأفعال إلى مُنشِئ الأفعال، فقال: وبك منك

стр. 699

وَأَعُوذُ بِكَ مِنكَ، لا أُحصِي ثَنَاءً عَلَيكَ، أَنتَ كَمَا أَثنَيتَ عَلَى نَفسِكَ. رواه أحمد (٦/ ٢٠١)، ومسلم (٤٨٦)، وأبو داود (٨٧٩)، وابن ماجه (٣٨٤١). [٣٨٢]- وَعَنهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلائِكَةِ وَالرُّوحِ. ــ مشاهدة للحق، وغيبة عن الخلق. وهذا محض المعرفة الذي لا يُعَبَّر عنه قول، ولا تضبطه صفة. وقوله: لا أحصي ثناء عليك؛ أي: لا أطيقه؛ أي: لا أنتهي إلى غايته، ولا أحيط بمعرفته؛ كما قال ﷺ مخبرًا عن حاله في المقام المحمود حين يخرُّ تحت العرش للسجود، قال: فأحمده بمحامد لا أقدر عليها، إلا أن يُلهِمنِيهَا الله (١). وروي عن مالك: لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء عليك، وإن اجتهدت في ذلك. والأول أولى لما ذكرناه؛ ولما جاء في نص الحديث نفسه: أنت كما أثنيت على نفسك. ومعنى ذلك: اعتراف بالعجز عن أداء وفهم ما يريده الله من الثناء على نفسه وبيان صَمَدِيَّتِه، وقُدُّوسِيَّته، وعظمته، وكبريائه، وجبروته ما لا يُنتَهَى إلى عَدِّه، ولا يوصل إلى حدِّه، ولا يحصِّله عقل، ولا يحيط به فكر. وعند الانتهاء إلى هذا المقام انتهت معرفة الأنام؛ ولذلك قال الصديق الأكبر: العجز عن درك الإدراك إدراك. وقال (٢) بعض العارفين في تسبيحه: سبحان من رضي في معرفته بالعجز عن معرفته. وقوله: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، يقال: سُبُّوح قُدُّوس - بضم

стр. 700

رواه أحمد (٦/ ٣٥ و ٩٤)، ومسلم (٤٨٧) (٢٢٣)، وأبو داود (٨٧٢)، والنسائي (٢/ ٢٢٤). [٣٨٣]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أَقرَبُ مَا يَكُونُ العَبدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكثِرُوا الدُّعَاءَ. رواه أحمد (٢/ ٤٢١)، ومسلم (٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥)، والنسائي (٢/ ٢٢٦). (٤٨٣) [٣٨٤]- وَعَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللهُمَّ اغفِر لِي ذَنبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَّهُ. ــ السين والقاف وفتحهما -، مرفوعان على خبر المبتدأ المضمر، تقديره: أنت سُبُّوح قدُّوس، وقد قيلا بالنصب فيهما على إضمار فعل؛ أي: أَعظِم، أو: أذكُر، أو: أعبُد، وعُدِلا عن التسبيح، والتقديس للمبالغة. وقد تقدّم معنى: سبحان، وأما القُدُّوس [فهو من القُدُس] (١)؛ وهي الطهارة. والقَدَسُ: السَّطلُ الذي يُستقى به، ومنه: البيت المُقَدَّس؛ أي: المُطَهَّر. ورَبُّ الملائكة؛ أي: مالكهم وخالقهم ورازقهم؛ أي: مصلح أحوالهم، وقد تقدم الكلام في الملائكة. والرُّوح هنا: جبريل ﵇؛ كما قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ عَلَى قَلبِكَ، وخَصَّه بالذكر وإن كان من الملائكة تشريفًا وتخصيصًا؛ كما قال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ فخصَّهما بالذكر تشريفًا لهما. وقوله: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد: هذا قرب بالرتبة والكرامة، لا بالمسافة والمساحة؛ إذ هو مُنَزَّهٌ عن المكان والزمان. وقوله: اللهم اغفر لي ذنبي كله ... الحديث. فيه دليل على نسبة الذنوب

стр. 701

رواه مسلم (٤٨٣)، وأبو داود (٨٧٨). * * * (٣١) باب الترغيب في كثرة السجود، وعلى كم يسجد؟ وفيمن صلى معقوص الشعر [٣٨٥]- عَن مَعدَانُ بنُ أَبِي طَلحَةَ اليَعمَرِيُّ، قَالَ: لَقِيتُ ثَوبَانَ مَولَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلتُ: أَخبِرنِي بِعَمَلٍ أَعمَلُهُ يُدخِلُنِي اللهُ بِهِ الجَنَّةَ، أَو قَالَ: قُلتُ: بِأَحَبِّ الأَعمَالِ إِلَى اللهِ. فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلتُهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: سَأَلتُ عَن ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَال: عَلَيكَ بِكَثرَةِ السُّجُودِ، فَإِنَّكَ ــ إليه. وقد اختلف الناس في ذلك، فمنهم من يقول: الأنبياء كلهم معصومون من الكبائر والصغائر. وذهبت شرذمة من الروافض إلى تجويز كل ذلك عليهم إلا ما يناقض مدلول المعجزة؛ كالكذب والكفر. وذهب المقتصدون: إلى أنهم معصومون عن الكبائر إجماعًا سابقًا خلاف الروافض، ولا يُعتَدّ بخلافهم؛ إذ قد حكم بكفرهم كثير من العلماء. وللكلام في هذه المسألة تصانيف قد دُوِّنت فيها. [(٣١) ومن باب: الترغيب في كثرة السجود وعلى كم يسجد] (١) قوله في حديث ثوبان - وقد سئل عن أحب الأعمال إلى الله؟ فقال: عليك بكثرة السجود. الحديث دليل على أن السجود أفضل من طول القيام، وهي مسألة اختلف العلماء فيها. فذهبت طائفة إلى ظاهر هذا الحديث، وذهبت طائفة أخرى إلى أن طول القيام أفضل؛ متمسكين بقوله ﵊: أفضل

стр. 702

لا تَسجُدُ لِلَّهِ سَجدَةً إِلا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنكَ بِهَا خَطِيئَةً. قَالَ مَعدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّردَاءِ فَسَأَلتُهُ، فَقَالَ: لِي مِثلَ مَا قَالَ لي ثَوبَانُ. رواه أحمد (٥/ ٢٧٦)، ومسلم (٤٨٨)، والترمذي (٣٨٨)، والنسائي (٢/ ٢٢٨). [٣٨٦]- وَعَن رَبِيعَةَ بنِ كَعبٍ الأَسلَمِيِّ؛ قَال: كُنتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فأتيته بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: سَل فَقُلتُ: أَسأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ. قَالَ: أَو غَيرَ ذَلِكَ؟ قُلتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفسِكَ بِكَثرَةِ السُّجُودِ. رواه أحمد (٤/ ٥٧ و ٥٨)، ومسلم (٤٨٩)، وأبو داود (١٣٢٠)، والنسائي (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨). ــ الصلاة القنوت (١)، وفسّروا القنوت بالقيام كما قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ذكر هذه المسألة والخلاف فيها الترمذي، والصحيح من فعل النبي ﷺ أنه كان يطوِّل في قيام صلاة الليل، وداوم على ذلك إلى حين موته، فدلّ على أن طول القيام أفضل. ويحتمل أن يُقال: إن ذلك يرجع إلى حال المصلي؛ فرب مصلٍّ يحصل له في حال القيام من الحضور والتدبر والخشوع ما لا يحصل له في السجود، ورب مصلٍّ يحصل له في السجود من ذلك ما لا يحصل له في القيام، فيكون الأفضل في حقه: الحال التي حصل له فيها ذلك المعنى؛ الذي هو روح الصلاة، والله تعالى أعلم. وقوله في حديث ربيعة: أَو غَيرَ ذلك؛ رويناه بإسكان الواو من أَو، ونصب غيرَ؛ أي: أو: سل غير ذلك؛ كأنه حَضَّه على سؤال شيء آخر غير مرافقته؛

стр. 703

[٣٨٧]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أُمِرتُ أَن أَسجُدَ عَلَى سَبعَةِ أَعظُمٍ: الجَبهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ على أَنفِهِ - وَاليَدَينِ، وَالرِّجلَينِ، وَأَطرَافِ القَدَمَينِ، وَلا نَكفِتَ الثِّيَابَ وَلا الشَّعرَ. ــ لأنه فهم منه أن يطلب المساواة معه في درجته، وذلك مما لا ينبغي لغيره. فلمّا قال الرجل: هو ذاك؛ قال له: أعِنِّي على نفسك بكثرة السجود؛ أي: الصلاة؛ ليزداد من القرب ورفعة الدرجات، حتى يقرب من منزلته، وإن لم يُساوِهِ فيها. ولا يعترض هذا بقول النبي ﷺ فيما رواه حذيفة ليلة الأحزاب: ألا رجل يأتيني بخبر القوم؛ جعله الله معي يوم القيامة (١)؛ لأن هذا مثل قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم﴾ الآية؛ لأن هذه المَعِيَّة هي النجاة من النار، والفوز بالجنة، إلا أن أهل الجنة على مراتبهم ومنازلهم بحسب أعمالهم وأحوالهم. وقد دلّ على هذا أيضا قوله ﵊: المرء مع من أحب، وله ما اكتسب (٢). وقوله: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة - وأشار بيده على أنفه -؛ هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود، وأن الأنف تبع. وقد اختلف العلماء فيمن اقتصر على أحدهما دون الآخر على ثلاثة أقوال: الإجزاء، ونَفيُهُ، والتفرقة؛ فإن اقتصر على الجبهة أجزأه، وإن اقتصر على الأنف لم يُجزئِه، وهو مشهور مذهبنا. وقد سَوَّى في هذا الحديث في الأمر بكيفية السجود بين الوجه واليدين والركبتين والقدمين، فدلّ هذا الظاهر: على أن من أخَلَّ بعضو من تلك الأعضاء مع تمكُّنِه من ذلك لم يفعل المأمور به. وقوله: ولا نكفتَ الشعر ولا الثياب: الكَفتُ: الضَّمُّ، وكذلك الكَفُّ

стр. 704

رواه أحمد (١/ ٢٩٢ و ٣٠٥)، والبخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠) (٢٣٠)، وأبو داود (٨٨٩)، والترمذي (٢٧٣)، والنسائي (٢/ ٢٠٨). [٣٨٨]- وَعَنهُ، أَنَّه رَأَى عَبدَ اللهِ بنَ الحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأسُهُ مَعقُوصٌ مِن وَرَائِه، فَقَامَ فَجَعَلَ يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انصَرَفَ أَقبَلَ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَرَأسِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكتُوفٌ. رواه أحمد (١/ ٣٠٤)، ومسلم (٤٩٢)، وأبو داود (٦٤٧)، والنسائي (٢/ ٢١٦). * * * ــ أيضًا، ومنه: ﴿أَلَم نَجعَلِ الأَرضَ كِفَاتًا﴾ وظاهر هذا الحديث يقتضي: أن الكَفتَ المنهيَّ عنه إنما هو في حال الصلاة، وذلك لأنه شغل في الصلاة لم تدع إليه حاجة، أو لأنه يرفع شعره وثوبه من مباشرة الأرض في السجود فيكون كبرًا. وذهب الداودي: إلى أن ذلك لمن فعله في الصلاة. قال عياض: ودليل الآثار وفعل الصحابة يخالفه. والشعر المَعقُوص: هو المضفور المربوط، وحلُّ عبد الله بن عباس عَقِيصَةَ (١) عبد الله بن الحارث في الصلاة دليل على تغليظ المنع من ذلك. ولم يأمره بالإعادة، وهو مجمع عليه؛ على ما حكاه الطبري. وقد حكى ابن المنذر فيه الإعادة عن الحسن البصري وحده، وذلك - والله أعلم - لما جاء: أن الشعر يسجد معه، ولهذا مَثَّلَهُ بالذي يصلي وهو مكتوف. * * *

стр. 705

(٣٢) باب كيفية السجود [٣٨٩]- عَن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اعتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلا يَبسُط أَحَدُكُم ذِرَاعَيهِ انبِسَاطَ الكَلبِ. رواه أحمد (٣/ ١١٥ و ١٧٧)، والبخاري (٥٣٢)، ومسلم (٤٩٣)، وأبو داود (٨٩٧)، والترمذي (٢٧٦)، والنسائي (٢/ ٢١١ - ٢١٢)، وابن ماجه (٨٩٢). [٣٩٠]- وَعَنِ البَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ إذا سَجَدتَ فَضَع كَفَّيكَ، وَارفَع مِرفَقَيكَ. رواه أحمد (٤/ ٢٨٣ و ٢٩٤)، ومسلم (٤٩٤)، والترمذي (٢٧١). ــ (٣٢) ومن باب: كيفية السجود قوله في حديث أنس: ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب؛ انبساط: مصدر - على غير مصَدرِ - يَبسُطُ، لكن لما كان انبَسَطَ من بَسَطَ؛ جاء المصدر عليه؛ كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِنَ الأَرضِ نَبَاتًا﴾ كأنه قال: أنبتكم، فَنَبَتُّم نباتًا. ومثل هذا الحديث نهيه ﵊ أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُعِ، ولا شك في كراهية هذه الهيئة، ولا في استحباب نقيضها، وهي التَّجنيح المذكور في الأحاديث بعد هذا من فعله ﵊، وهو التَّفرِيج والتَّخوِيَة. والحكمة في كراهية تلك واستحباب هذه: أنه إذا جَنَّح كان اعتماده على يديه فيخفّ اعتماده على وجهه، ولا يتأثر أنفه، ولا جبينه، ولا يتأذَّى بملاقاة الأرض، فلا يَتَشَوَّش هو في الصلاة، بخلاف ما إذا بسط يديه فإنه يكون اعتماده على وجهه، وحينئذٍ يتأذى، ويُخاف عليه التشويش. ووقع في رواية السمرقندي:
следующие страницы →