رواه مسلم (٤٨٣)، وأبو داود (٨٧٨).
* * *
(٣١) باب الترغيب في كثرة السجود، وعلى كم يسجد؟ وفيمن صلى معقوص الشعر
[٣٨٥]- عَن مَعدَانُ بنُ أَبِي طَلحَةَ اليَعمَرِيُّ، قَالَ: لَقِيتُ ثَوبَانَ مَولَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلتُ: أَخبِرنِي بِعَمَلٍ أَعمَلُهُ يُدخِلُنِي اللهُ بِهِ الجَنَّةَ، أَو قَالَ: قُلتُ: بِأَحَبِّ الأَعمَالِ إِلَى اللهِ. فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلتُهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: سَأَلتُ عَن ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَال: عَلَيكَ بِكَثرَةِ السُّجُودِ، فَإِنَّكَ
ــ
إليه. وقد اختلف الناس في ذلك، فمنهم من يقول: الأنبياء كلهم معصومون من الكبائر والصغائر. وذهبت شرذمة من الروافض إلى تجويز كل ذلك عليهم إلا ما يناقض مدلول المعجزة؛ كالكذب والكفر. وذهب المقتصدون: إلى أنهم معصومون عن الكبائر إجماعًا سابقًا خلاف الروافض، ولا يُعتَدّ بخلافهم؛ إذ قد حكم بكفرهم كثير من العلماء. وللكلام في هذه المسألة تصانيف قد دُوِّنت فيها.
[(٣١) ومن باب: الترغيب في كثرة السجود وعلى كم يسجد] (١)
قوله في حديث ثوبان - وقد سئل عن أحب الأعمال إلى الله؟ فقال: عليك بكثرة السجود. الحديث دليل على أن السجود أفضل من طول القيام، وهي مسألة اختلف العلماء فيها. فذهبت طائفة إلى ظاهر هذا الحديث، وذهبت طائفة أخرى إلى أن طول القيام أفضل؛ متمسكين بقوله ﵊: أفضل
стр. 702
لا تَسجُدُ لِلَّهِ سَجدَةً إِلا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنكَ بِهَا خَطِيئَةً. قَالَ مَعدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّردَاءِ فَسَأَلتُهُ، فَقَالَ: لِي مِثلَ مَا قَالَ لي ثَوبَانُ.
رواه أحمد (٥/ ٢٧٦)، ومسلم (٤٨٨)، والترمذي (٣٨٨)، والنسائي (٢/ ٢٢٨).
[٣٨٦]- وَعَن رَبِيعَةَ بنِ كَعبٍ الأَسلَمِيِّ؛ قَال: كُنتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فأتيته بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: سَل فَقُلتُ: أَسأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ. قَالَ: أَو غَيرَ ذَلِكَ؟ قُلتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفسِكَ بِكَثرَةِ السُّجُودِ.
رواه أحمد (٤/ ٥٧ و ٥٨)، ومسلم (٤٨٩)، وأبو داود (١٣٢٠)، والنسائي (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨).
ــ
الصلاة القنوت (١)، وفسّروا القنوت بالقيام كما قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ذكر هذه المسألة والخلاف فيها الترمذي، والصحيح من فعل النبي ﷺ أنه كان يطوِّل في قيام صلاة الليل، وداوم على ذلك إلى حين موته، فدلّ على أن طول القيام أفضل. ويحتمل أن يُقال: إن ذلك يرجع إلى حال المصلي؛ فرب مصلٍّ يحصل له في حال القيام من الحضور والتدبر والخشوع ما لا يحصل له في السجود، ورب مصلٍّ يحصل له في السجود من ذلك ما لا يحصل له في القيام، فيكون الأفضل في حقه: الحال التي حصل له فيها ذلك المعنى؛ الذي هو روح الصلاة، والله تعالى أعلم.
وقوله في حديث ربيعة: أَو غَيرَ ذلك؛ رويناه بإسكان الواو من أَو، ونصب غيرَ؛ أي: أو: سل غير ذلك؛ كأنه حَضَّه على سؤال شيء آخر غير مرافقته؛
стр. 703
[٣٨٧]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أُمِرتُ أَن أَسجُدَ عَلَى سَبعَةِ أَعظُمٍ: الجَبهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ على أَنفِهِ - وَاليَدَينِ، وَالرِّجلَينِ، وَأَطرَافِ القَدَمَينِ، وَلا نَكفِتَ الثِّيَابَ وَلا الشَّعرَ.
ــ
لأنه فهم منه أن يطلب المساواة معه في درجته، وذلك مما لا ينبغي لغيره. فلمّا قال الرجل: هو ذاك؛ قال له: أعِنِّي على نفسك بكثرة السجود؛ أي: الصلاة؛ ليزداد من القرب ورفعة الدرجات، حتى يقرب من منزلته، وإن لم يُساوِهِ فيها. ولا يعترض هذا بقول النبي ﷺ فيما رواه حذيفة ليلة الأحزاب: ألا رجل يأتيني بخبر القوم؛ جعله الله معي يوم القيامة (١)؛ لأن هذا مثل قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم﴾ الآية؛ لأن هذه المَعِيَّة هي النجاة من النار، والفوز بالجنة، إلا أن أهل الجنة على مراتبهم ومنازلهم بحسب أعمالهم وأحوالهم. وقد دلّ على هذا أيضا قوله ﵊: المرء مع من أحب، وله ما اكتسب (٢).
وقوله: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة - وأشار بيده على أنفه -؛ هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود، وأن الأنف تبع. وقد اختلف العلماء فيمن اقتصر على أحدهما دون الآخر على ثلاثة أقوال: الإجزاء، ونَفيُهُ، والتفرقة؛ فإن اقتصر على الجبهة أجزأه، وإن اقتصر على الأنف لم يُجزئِه، وهو مشهور مذهبنا. وقد سَوَّى في هذا الحديث في الأمر بكيفية السجود بين الوجه واليدين والركبتين والقدمين، فدلّ هذا الظاهر: على أن من أخَلَّ بعضو من تلك الأعضاء مع تمكُّنِه من ذلك لم يفعل المأمور به.
وقوله: ولا نكفتَ الشعر ولا الثياب: الكَفتُ: الضَّمُّ، وكذلك الكَفُّ
стр. 704
رواه أحمد (١/ ٢٩٢ و ٣٠٥)، والبخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠)(٢٣٠)، وأبو داود (٨٨٩)، والترمذي (٢٧٣)، والنسائي (٢/ ٢٠٨).
[٣٨٨]- وَعَنهُ، أَنَّه رَأَى عَبدَ اللهِ بنَ الحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأسُهُ مَعقُوصٌ مِن وَرَائِه، فَقَامَ فَجَعَلَ يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انصَرَفَ أَقبَلَ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَرَأسِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكتُوفٌ.
رواه أحمد (١/ ٣٠٤)، ومسلم (٤٩٢)، وأبو داود (٦٤٧)، والنسائي (٢/ ٢١٦).
* * *
ــ
أيضًا، ومنه: ﴿أَلَم نَجعَلِ الأَرضَ كِفَاتًا﴾ وظاهر هذا الحديث يقتضي: أن الكَفتَ المنهيَّ عنه إنما هو في حال الصلاة، وذلك لأنه شغل في الصلاة لم تدع إليه حاجة، أو لأنه يرفع شعره وثوبه من مباشرة الأرض في السجود فيكون كبرًا. وذهب الداودي: إلى أن ذلك لمن فعله في الصلاة. قال عياض: ودليل الآثار وفعل الصحابة يخالفه.
والشعر المَعقُوص: هو المضفور المربوط، وحلُّ عبد الله بن عباس عَقِيصَةَ (١) عبد الله بن الحارث في الصلاة دليل على تغليظ المنع من ذلك. ولم يأمره بالإعادة، وهو مجمع عليه؛ على ما حكاه الطبري. وقد حكى ابن المنذر فيه الإعادة عن الحسن البصري وحده، وذلك - والله أعلم - لما جاء: أن الشعر يسجد معه، ولهذا مَثَّلَهُ بالذي يصلي وهو مكتوف.
* * *
стр. 705
(٣٢) باب كيفية السجود
[٣٨٩]- عَن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اعتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلا يَبسُط أَحَدُكُم ذِرَاعَيهِ انبِسَاطَ الكَلبِ.
رواه أحمد (٣/ ١١٥ و ١٧٧)، والبخاري (٥٣٢)، ومسلم (٤٩٣)، وأبو داود (٨٩٧)، والترمذي (٢٧٦)، والنسائي (٢/ ٢١١ - ٢١٢)، وابن ماجه (٨٩٢).
[٣٩٠]- وَعَنِ البَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ إذا سَجَدتَ فَضَع كَفَّيكَ، وَارفَع مِرفَقَيكَ.
رواه أحمد (٤/ ٢٨٣ و ٢٩٤)، ومسلم (٤٩٤)، والترمذي (٢٧١).
ــ
(٣٢) ومن باب: كيفية السجود
قوله في حديث أنس: ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب؛ انبساط: مصدر - على غير مصَدرِ - يَبسُطُ، لكن لما كان انبَسَطَ من بَسَطَ؛ جاء المصدر عليه؛ كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِنَ الأَرضِ نَبَاتًا﴾ كأنه قال: أنبتكم، فَنَبَتُّم نباتًا. ومثل هذا الحديث نهيه ﵊ أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُعِ، ولا شك في كراهية هذه الهيئة، ولا في استحباب نقيضها، وهي التَّجنيح المذكور في الأحاديث بعد هذا من فعله ﵊، وهو التَّفرِيج والتَّخوِيَة. والحكمة في كراهية تلك واستحباب هذه: أنه إذا جَنَّح كان اعتماده على يديه فيخفّ اعتماده على وجهه، ولا يتأثر أنفه، ولا جبينه، ولا يتأذَّى بملاقاة الأرض، فلا يَتَشَوَّش هو في الصلاة، بخلاف ما إذا بسط يديه فإنه يكون اعتماده على وجهه، وحينئذٍ يتأذى، ويُخاف عليه التشويش. ووقع في رواية السمرقندي:
стр. 706
[٣٩١]- وَعَن عَمرِو بنِ الحَارِثِ؛ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ يُجَنِّحُ فِي سُجُودِهِ حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبطَيهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إذا سَجَدَ فَرَّجَ يَدَيهِ عَن إبِطَيهِ، حَتى إنِي لأرَى بَيَاضَ إبِطَيهِ.
رواه أحمد (٥/ ٣٤٥)، ومسلم (٤٩٥)(٢٣٦).
[٣٩٢]- وَعَن مَيمُونَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيهِ - تَعنِي جَنَّحَ - حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبطَيهِ مِن وَرَائِهِ. وَإِذَا قَعَدَ اطمَأَنَّ عَلَى فَخِذِهِ اليُسرَى.
ــ
يَجنَحُ، مُخَفَّفًا، ولا معنى له، بل الصواب التشديد.
ووضح الإبطين: بياضهما. وهذا إنما كان يُبصَرُ منه ذلك إذا كان في ثوب يلتحف به، ويعقد طرفيه خلفه، فإذا سجد جافى عضديه عن إبطيه فيرى وضحهما. ويحتمل أن يريد الراوي: موضع وضحهما لو لم يكن عليه ثوب. والله تعالى أعلم.
وقول ميمونة: كان ﵊ إذا سجد لو شاءت بَهمَة أن تمرّ بين يديه، وكذا صحَّت الرواية محذوف جواب لو للعلم به. فكأنه قال: لَمَرَّت. والبهمة: من أولاد الضأن (١)، يقال ذلك للذكر والأنثى، وجمعه: بَهم، قاله أبو عبيد في غريبه. وقال ابن خالويه: وجمع البهم بِهَام.
وهذا الحديث يدل على شدة رفع بطنه عن الأرض وتجنيحه. وهذا كله حكم الرجال. فأما النساء، فحكمهن عند مالك حكم الرجال، إلا أنه يستحب لهن
стр. 707
قَالَ وَكِيعٌ في وَضَحُ الإِبطَينِ: يَعنِي بَيَاضَهُمَا.
رواه أحمد (٦/ ٣٣٣)، ومسلم (٤٩٧)، وأبو داود (٨٩٨)، والنسائي (٢/ ٢١٣).
[٣٩٣] وعَن مَيمُونَةَ، قَالَتِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ لَو شَاءَت بَهمَةٌ أَن تَمُرَّ بَينَ يَدَيهِ.
رواه أحمد (٦/ ٣٣٢ و ٣٣٥)، ومسلم (٤٩٦).
* * *
(٣٣) باب تحريمُ الصلاةِ التكبيرُ، وتحليلُها التسليمُ
[٣٩٤]- عَن عَائِشَةِ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَستَفتِحُ الصَّلاةَ
ــ
الانضمام والاجتماع، وخيَّرهن الكوفي (١) في الانفراج والانضمام. وذهب بعض السلف إلى أن سُنَّتهن التربُّع. وحكم الفرائض والنوافل في هذا سواء.
(٣٣) ومن باب: تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم
هذه الترجمة هي نصُّ حديث عليّ الصحيح الذي خرّجه أبو داود (٢)، وحديث عائشة موافق له بالفعل. وفي هذه الترجمة ردٌّ على أبي حنيفة حيث لا يشترط في الدخول في الصلاة التكبير. وفيه أيضًا ردٌّ على الشافعي ﵀ حيث يرى أن
стр. 708
بِالتَّكبِيرِ، وَالقِرَاءَةَ بـ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ. وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَم يُشخِص رَأسَهُ وَلَم يُصَوِّبهُ، وَلَكِن بَينَ ذَلِكَ. وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَم يَسجُد حَتَّى يَستَوِيَ قَائِمًا. وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ السَّجدَةِ لَم يَسجُد حَتَّى يَستَوِيَ جالسا. وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكعَتَينِ التَّحِيَّةَ. وَكَانَ يَفرِشُ رِجلَهُ اليُسرَى وَيَنصِبُ رِجلَهُ اليُمنَى. وَكَانَ يَنهَى عَن عُقبَةِ الشَّيطَانِ، وَيَنهَى أَن
ــ
البسملة من الفاتحة، وأنها لا بدّ من قراءتها في الصلاة في أول الفاتحة؛ لأن عائشة قالت: كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وهذا إنما يتضح إذا خفضنا القراءة عطفًا على التكبير، كما (١) اختاره بعض من لقيناه. وقد قيدته بالنصب عطفًا على الصلاة عن غيره، ويكون فيه أيضًا حجّة على الشافعي، إلا أن الوجه الأول أوضح، فتأمّله.
وقولها: لم يُشخِص رأسه ولم يصوِّبه؛ تعني: لم يرفع رأسه بحيث يُرى أنه شخص ولم ينزله. وهو من: صَابَ يصوب؛ إذا نزل. وفيه حجّة لمالك ﵀ على مختاره من كيفية الجلوس في الصلاة، وفيه حجة على من لم يوجب الاعتدال في الرفع من السجود، وفيه دليل على مشروعية التشهدين في الصلاة. وجمهور الفقهاء على أنهما سنّتان، وليستا بواجبتين، إلا أحمد بن حنبل وطائفة من أصحاب الحديث. وقد روي عن الشافعي: أن التشهد الأخير واجب. وروى أبو مصعب نحوَ ذلك عن مالك. ومستند الجمهور: كون النبي ﷺ سها عن الجلوس والتشهد، فاجتزأ عنه بسجود السهو.
وقولها: وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وفي رواية: عن عقب الشيطان. قال الهروي، عن أبي عبيد: عقب الشيطان: هو أن يضع أليَتَيه على عقبيه بين السجدتين، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء، وسيأتي في حديث ابن عباس.
стр. 709
يَفتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيهِ افتِرَاشَ السَّبُعِ. وَكَانَ يَختِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسلِيمِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يَنهَى عَن عَقِبِ الشَّيطَانِ.
رواه أحمد (٦/ ١١٠)، ومسلم (٤٩٨)، وأبو داود (٧٨٣)، وابن ماجه (٨١٢).
* * *
(٣٤) باب في سترة المصلي وأحكامها
[٣٩٥]- عن مُوسَى بنِ طَلحَةَ، عَن أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي وَالدَّوَابُّ تَمُرُّ بَينَ أَيدِينَا، فَذَكَروا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: مِثلُ مُؤخِرَةِ الرَّحلِ تَكُونُ بَينَ يَدَي أَحَدِكُم، ثُمَّ لا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَينَ يَدَيهِ.
ــ
وروي عن الطبري: عُقَب بضم العين وفتح القاف، وهو جمع عُقبَة، كغرفة وغرف، والمُحدثون يقولون: عَقِب بفتح العين، وكسر القاف.
وقولها: وكان يختم الصلاة بالتسليم: حجّة على أبي حنيفة ﵀ والأوزاعي والثوري؛ حيث لم يشترطوا في الخروج من الصلاة التسليم، وحديث جَلِيٌّ في المسألة كما قدمناه.
(٣٤) ومن باب: سترة المصلي
قوله: مِثلُ مُؤخِرَةِ الرَّحلِ؛ هو العود الذي يكون في آخر الرحل؛ بضم الميم، وكسر الخاء، قاله أبو عبيد. وحكى ثابت فيه فتح الخاء، وأنكره ابن قتيبة،
стр. 710
وَفِي رِوَايَةٍ: مَن مَرَّ بَينَ يَدَيهِ.
رواه أحمد (١/ ١٦١ و ١٦٢)، ومسلم (٤٩٩)(٢٤٢)، وأبو داود (٦٨٥)، والترمذي (٣٣٥)، وابن ماجه (٩٤٠).
[٣٩٦]- وَعَن عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ فِي غَزوَةِ تَبُوكَ عَن سُترَةِ المُصَلِّي فَقَال: كَمُؤخِرَةِ الرَّحلِ.
رواه مسلم (٥٠٠)(٢٤٤)، والنسائي (٢/ ٦٢).
[٣٩٧]- وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَومَ العِيدِ أَمَرَ بِالحَربَةِ فَتُوضَعُ بَينَ يَدَيهِ، فَيُصَلِّي إِلَيهَا، وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ. وَكَانَ يَفعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ. فَمِن ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ.
رواه أحمد (٢/ ١٣)، والبخاري (٤٩٨)، ومسلم (٥٠١)(٢٤٥)، وأبو داود (٦٨٧)، والنسائي (٢/ ٦٢)، وابن ماجه (٩٤١).
ــ
وأنكر ابن مَكِّي أن يقال: مُقدِم أو مُؤخِر بالكسر إلا في العين خاصة، وغيره بالفتح. ورواه بعض الرواة: مؤَخّرة بفتح الواو وشدّ الخاء. وقدر السترة عند مالك: الذراع في غلظ الرمح التفاتًا لهذا الحديث، وإلى صلاته ﷺ إلى العنزة. وهي من فضائل الصلاة ومستحباتها عند مالك. وحكمتها: كَفّ البصر والخاطر عما وراءها بذلك. ثم فيها كَفٌّ عن دُنُوِّ ما يشغله من خاطر، ومنصرف مشوِّش. وانفرد أحمد بن حنبل بإجزاء الخط سترة؛ لحديث رواه لم يصحّ عند غيره. وكونه ﷺ يعرض راحلته ويصلي إليها دليل على جواز التستِّر بما يثبت من الحيوان، وأنها ليست بنجسة البول ولا الرَّوث. ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء واستيطانها، وإذ ذاك تكره الصلاة فيها، إما لشدّة زفورتها ونَتَنِها، وإما لأنهم كانوا يتخلّون بينها متسترين بها.
стр. 711
[٣٩٨]- وَعَنهُ، قال: كَانَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَعرِضُ رَاحِلَتَهُ وَهو يُصَلِّي إِلَيهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ: أنهُ ﵊ صَلَّى إِلَى بَعِيرٍ.
رواه أحمد (٤/ ٣٠٦)، والبخاري (٥٨٥٩)، ومسلم (٥٠٢)، وأبو داود (٦٨٨)، والنسائي (١/ ٨٧).
[٣٩٩]- وَعَن عَون بن أَبِي جُحَيفَةَ عَن أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ وَهُوَ بالأَبطَحِ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمرَاءَ مِن أَدَمٍ. قَالَ: فَخَرَجَ بِلالٌ بِوَضُوئِهِ، فَمِن نَائِلٍ وَنَاضِحٍ. قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيهِ حُلَّةٌ حَمرَاءُ، كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيهِ. قَالَ: فَتَوَضَّأَ. وَأَذَّنَ بِلالٌ. قَالَ: فَجَعَلتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالا. يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاحِ. قَالَ: ثُمَّ رُكِزَت لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى الظُّهرَ رَكعَتَينِ، يَمُرُّ بَينَ
ــ
وقوله في حديث أبي جُحَيفَةَ: بالأبطح؛ هو موضع خارج مكة، قريبًا منها. والأَدَمُ: الجِلدُ. والوَضَوء - بالفتح -: الماء الذي يُتَوضَّأَ به، وبالضَّمِّ: الفعل. وقد قيل. هما لغتان فيهما. والنَّائِل: الآخذ، والنَّاضِح: المُتمسِّح بالماء؛ كما قال في الرواية الأخرى مفسَّرًا به.
وقوله: فجعلت أتتبع فاه يمينًا وشمالا؛ يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح؛ حجّة على جواز المؤذِّن للإسماع، كما هو مذهب مالك. غير أن الشافعي ﵀ يمنع من الاستدارة بجميع جسده، واختار ملازمة المؤذِّن القبلة، فإن استدار، فبوجهه كما جاء في ظاهر هذا الحديث. والعَنَزَةُ: الحَربَةُ. والحَلَّةُ: كل ثوبين لم يكونا لفقين؛ كقميص ورداء، أو إزار ورداء.
стр. 712
يَدَيهِ الحِمَارُ وَالكَلبُ، لا يُمنَعُ. ثُمَّ صَلَّى العَصرَ رَكعَتَينِ، ثُمَّ لَم يَزَل يُصَلِّي رَكعَتَينِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَرَأَيتُ النَّاسَ يَبتَدِرُونَ ذَلِكَ الوَضُوءَ، فَمَن أَصَابَ مِنهُ شَيئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَن لَم يُصِب مِنهُ أَخَذَ مِن بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ. ثُمَّ رَأَيتُ بِلالا أَخرَجَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمرَاءَ مُشَمِّرًا فَصَلَّى إِلَى العَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكعَتَينِ، وَرَأَيتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَينَ يَدَيِ العَنَزَةِ.
رواه أحمد (٤/ ٣٠٨)، والبخاري (٦٣٤)، ومسلم (٥٠٣) (٢٤٩ و ٢٥٠)، والترمذي (١٩٧)، والنسائي (٢/ ٧٣).
[٤٠٠]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقبَلتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ، وَأَنَا يَومَئِذٍ قَد نَاهَزتُ الاحتِلامَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى. فَمَرَرتُ بَينَ يَدَيِ
ــ
وقوله: بين يديه؛ يفسِّره ما جاء في الرواية الأخرى: بين يدي العَنَزة؛ يريد: أمامها. وفي رواية: يَمُرّ من ورائها المرأة والحمار، لا يمنع؛ يعني: أمامها. ووراء من الأضداد؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ﴾؛ أي: أَمَامَهم. واختُلف هل سترة الإمام نفسها سترة لمن خلفه؟ أو هي سترة له خاصة، والإمام سترتهم؟ وسيأتي الكلام على ما يقطع الصلاة. والأَتَان في حديث ابن عباس: أنثى الحمر، ويقال: حمار على الذكر والأنثى؛ كما يقال: فرس على للذكر والأنثى.
وقوله: ناهزت الاحتلام؛ يعني: قاربت. وهذا يصحح قول الواقدي: إن النبي ﷺ توفي وابن عباس ابن ثلاث عشرة سنة. وقال الزبير بن بكار: إنه ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين. وقد روى سعيد بن جبير أن ابن عباس قال: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة. قال ابن حنبل: وهذا هو
стр. 713
الصَّفِّ، فَنَزَلتُ فَأَرسَلتُ الأَتَانَ تَرتَعُ، وَدَخَلتُ فِي الصَّفِّ، فَلَم يُنكِر ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ: بِمِنًى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، يُصَلِّي باِلنَّاسِ، قَالَ: فَسَارَ الحِمَارُ بَينَ يَدَي بَعضِ الصَّفِّ، ثُمَّ نَزَلَ عَنهُ، فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ.
رواه أحمد (١/ ٣٤٢)، والبخاري (٤٩٣)، ومسلم (٥٠٤) (٢٥٤ و ٢٥٥)، وأبو داود (٧٠٣ - ٧١٧)، والترمذي (٣٣٧)، والنسائي (٢/ ٦٤ - ٦٥)، وابن ماجه (٩٤٧).
* * *
(٣٥) باب مَنع المصلي مَن مَرَّ بين يديه، والتَّغليِظ في المرور بين يدي المصلي
[٤٠١]- عَن أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانُ، قَالَ: بَينَمَا أَنَا مَعَ أَبِي سَعِيدٍ يُصَلِّي يَومَ الجُمُعَةِ إِلَى شَيءٍ يَستُرُهُ مِنَ النَّاسِ، إِذ جَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ مِن بَنِي أَبِي مُعَيطٍ، أَرَادَ أَن يَجتَازَ بَينَ يَدَيهِ، فَدَفَعَ فِي نَحرِهِ، فَنَظَرَ فَلَم يَرَ مَسَاغًا إِلا بَينَ
ــ
الصواب. وهذا يردّ رواية من روى عنه: توفي النبي ﷺ وأنا ابن (١) عشر سنين.
وقوله: تَرتَع؛ أي: ترعى، يقال: رتعت الإبل: إذا رَعَت.
(٣٥) ومن باب: منع المصلي من مرّ بين يديه (٢)
قوله في حديث أبي سعيد: فإن أَبَى فليدفع في نحره؛ أي: بالإشارة
стр. 714
يَدَي أَبِي سَعِيدٍ، فَعَادَ فَدَفَعَ فِي نَحرِهِ أَشَدَّ مِنَ الدَّفعَةِ الأُولَى، فَمَثَلَ قَائِمًا، فَنَالَ مِن أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ زَاحَمَ النَّاسَ، فَخَرَجَ، فَدَخَلَ عَلَى مَروَانَ فَشَكَا إِلَيهِ مَا لَقِيَ، قَالَ: وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى مَروَانَ فَقَالَ لَهُ مَروَانُ: مَا لَكَ وَلابنِ أَخِيكَ؟ جَاءَ يَشكُوكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُم إِلَى شَيءٍ يَستُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَن يَجتَازَ بَينَ يَدَيهِ فَليَدفَع فِي نَحرِهِ، فَإِن أَبَى فَليُقَاتِلهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيطَانٌ.
رواه أحمد (٣/ ٦٣)، والبخاري (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥)(٢٥٩)، وأبو داود (٦٩٧ و ٧٠٠)، والنسائي (٢/ ٦٦)، وابن ماجه (٩٥٤).
[٤٠٢]- وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا كَانَ أَحَدُكُم يُصَلِّي فَلا يَدَع أَحَدًا يَمُرُّ بَينَ يَدَيهِ، فَإِن أَبَى فَليُقَاتِلهُ، فَإِنَّ مَعَهُ القَرِينَ.
رواه أحمد (٢/ ٨٦)، ومسلم (٥٠٦)، وابن ماجه (٩٥٥).
ــ
ولطيف المنع، فإن أَبَى فليقاتله؛ معناه: يزيد في دفعه الثاني، ويشتدّ في مدافعته، ويغلظ له؛ كما فعل أبو سعيد. وأجمعوا: على أنه لا يلزمه (١) مقاتلته بالسلاح؛ لأن ذلك مخالف لما عُلم من قاعدة الإقبال على الصلاة، والاشتغال بها والسكون فيها؛ ولما عُلم من تحريم دم المسلم وعظم حرمته، ولا يُلتَفَتُ لقول أخرق متأخِّر، لم يفهم سرًّا من أسرار الشريعة، ولا قاعدة من قواعدها
وقوله: فإنما هو شيطان؛ أي: فعله فعل الشيطان إذا أَبَى إلا التشويش على المصلي. ويحتمل أن يكون معناه: أن الحامل على ذلك الفعل هو الشيطان. ويدلّ عليه قوله في حديث ابن عمر: فإن معه القرين.
стр. 715
[٤٠٣]- وَعَنِ أَبِي جُهَيمٍ الأَنصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَو يَعلَمُ المَارُّ بَينَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيهِ، لَكَانَ أَن يَقِفَ أَربَعِينَ خَيرًا لَهُ مِن أَن يَمُرَّ بَينَ يَدَيهِ.
قَالَ أَبُو النَّضرِ: لا أَدرِي، قَالَ: أَربَعِينَ يَومًا أَو شَهرًا أَو سَنَةً.
رواه أحمد (٤/ ١٦٩)، والبخاري (٥١٠)، ومسلم (٥٠٧)، وأبو داود (٧٠١)، والترمذي (٣٣٦)، والنسائي (٢/ ٦٦)، وابن ماجه (٩٤٥).
* * *
ــ
وقوله في حديث أبي جُهَيم: لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه؛ يعني: من الإثم والتَّبِعَة لكان أن يقف أربعين، وفي مسند البزار: أربعين خريفًا (١). ورواه ابن أبي شيبة: لكان أن يقف مائة عام خير له (٢). وكل هذا تغليظ يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي، فإن كان بين يدي المصلي سترة، اختصّ المار بالإثم. وإن لم يكن المصلي في موضع لا يأمن من المرور عليه، اشتركا في الإثم، وهذا قول أصحابنا.
* * *
стр. 716
(٣٦) باب دنو المصلي من سترته وما جاء فيما يقطع الصلاة
[٤٠٤]- عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: كَانَ بَينَ مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَينَ الجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ.
رواه البخاري (٤٩٦)، ومسلم (٥٠٨)، وأبو داود (٦٩٦).
[٤٠٥]- وَعَن سَلَمَةَ وَهُوَ ابنُ الأَكوَعِ، أَنَّه كَانَ يَتَحَرَّى مَوضِعَ مَكَانِ المُصحَفِ يُسَبِّحُ فِيهِ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَحَرَّى ذَلِكَ المَكَانَ، وَكَانَ بَينَ المِنبَرِ وَالقِبلَةِ قَدرُ مَمَرِّ الشَّاةِ.
ــ
(٣٦) ومن باب: دنو المصلي من سترته (١)
قوله: كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار مَمَرُّ الشاة: هذا يدل على استحباب القرب من السترة، كما قد جاء عنه نصًّا: إذا صلى أحدكم إلى سترة، فَليَدنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته (٢). ذكره أبو داود. ولا يُعارَضُ حديثُ مَمَرِّ الشاة بحديث صلاة النبي ﷺ ؛ إذ جعل النبي ﷺ بينه وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع؛ إذ قد حمل بعض شيوخنا حديث ممرّ الشاة على ما إذا كان قائمًا، وحديث ثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد، ولم يحدّ مالك في ذلك حدًّا، إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع من مرّ بين يديه. وقد قدّره بعض الناس بقدر الشبر، وآخرون بثلاثة أذرع، وآخرون بقدر ستة أذرع، وكل ذلك تحكمات.
وقوله في حديث ابن الأكوع: كان يتحرَّى الصلاة عند الأُسطُوانة (٣).
стр. 717
رواه أحمد (٤/ ٥٤)، ومسلم (٥٠٩)(٢٦٣).
[٤٠٦] وَعَن أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا قَامَ أَحَدُكُم يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَستُرُهُ إِذَا كَانَ بَينَ يَدَيهِ مِثلُ آخِرَةِ الرَّحلِ، فَإِذَا لَم يَكُن بَينَ يَدَيهِ مِثلُ آخِرَةِ الرَّحلِ فَإِنَّهُ يَقطَعُ صَلاتَهُ الحِمَارُ وَالمَرأَةُ وَالكَلبُ الأَسوَدُ، قُلتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ! مَا بَالُ الكَلبِ الأَسوَدِ مِنَ الكَلبِ الأَحمَرِ مِنَ الكَلبِ الأَصفَرِ؟ قَالَ: يَا ابنَ أَخِي سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا سَأَلتَنِي، فَقَالَ: الكَلبُ الأَسوَدُ شَيطَانٌ.
رواه أحمد (٥/ ١٥١)، ومسلم (٥١٠)، وأبو داود (٧٠٢)، والترمذي (٣٣٨)، والنسائي (٢/ ٦٣)، وابن ماجه (٩٥٢).
ــ
يتحرَّى: يقصد ويتعمد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَن أَسلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوا رَشَدًا﴾؛ أي: قصدوا. والأُسطُوانة: السارية. ولا خلاف في جواز الصلاة إليها، إلا أنه يجعلها في حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد إليها صمدًا، وكذلك قال النبي ﷺ ، وكذلك كان يفعل، على ما رواه أبو داود، ولعل هذا كان أول الإسلام؛ لقرب العهد بإِلفِ عبادة الحجارة والأصنام، حتى تظهر المخالفة في استقبال السترة؛ لما كانوا عليه من استقبالهم تلك المعبودات، فأما الصلاة بين الأساطين، فاختلف العلماء ومالك في إجازته وكراهيته إلا عند الضرورة. وعلة المنع: أن الصفوف منقطعة بالأساطين؛ ولأنه رُوي أنه مصلى الجن المؤمنين.
وقوله: يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود. تمسّك بظاهر هذا طائفة من أهل العلم، وقال ابن حنبل: يقطع الصلاة الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء. وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع الصلاة مرور شيء بين يدي المصلي؛ لا هذه المذكورات ولا غيرها، متمسِّكين بقوله ﵊:
стр. 718
[٤٠٧]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَقطَعُ الصَّلاةَ المَرأَةُ وَالحِمَارُ وَالكَلبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثلُ مُؤخِرَةِ الرَّحلِ.
رواه أحمد (٢/ ٤٢٥)، ومسلم (٥١١)، وابن ماجه (٩٥١).
* * *
ــ
لا يقطع الصلاة شيء (١)، وهذا معين لتخصصه: بأن النبي ﷺ قد صلى وبينه وبين القبلة عائشة (٢)، وبمرور حمار ابن عباس بين يدي بعض الصف، فلم ينكر ذلك عليه أحد، وبأنه ﵊ لَمّا صلى بمنى ورُكزت له العنزة، كان الحمار والكلب يمرّان بين يديه لا يُمنعان، وظاهر هذا بينه وبين العنزة. وفي هذه المعارضة نظر طويل، إذا حُقِّق ظهر به: أنه لا يصلح شيء من هذه الأحاديث لمعارضة الحديث الأول.
وقوله: الكلب الأسود شيطان؛ حمله بعض العلماء على ظاهره، وقال: إن الشيطان يتصور بصورة الكلاب السود، ولأجل ذلك قال ﵊: اقتلوا منها كل أسود بهيم (٣). وقيل: لما كان الكلب الأسود أشدَّ ضررًا من غيره وأشدّ ترويعًا، كان المُصَلِّي إذا رآه اشتغل عن صلاته؛ فانقطعت عليه لذلك، وكذا تأوَّل الجمهور قوله: يقطع الصلاة المرأة والحمار؛ فإن ذلك مبالغة في الخوف على قطعها وإفسادها بالشغل بهذه المذكورات؛ وذلك أن المرأة تفتن، والحمار ينهق، والكلب يروِّع فيتشوَّش المُتفَكّر في ذلك حتى تنقطع عليه الصلاة وتفسد، فلما كانت هذه الأمور تفيد آيلة إلى القطع، جعلها قاطعة؛ كما قال للمادح: قطعت عنق أخيك (٤)؛ أي: فعلت به فعلا يخاف هلاكه فيه؛ كمن قطع عنقه. وقد ذهب
стр. 719
(٣٧) باب اعتراض المرأة بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة
[٤٠٨]- عَن عُروهَ، قَالَ: قَالَت عَائِشَةُ: مَا يَقطَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: فَقُلنَا: المَرأَةُ والحِمَارُ. فَقَالَت: إِنَّ المَرأَةَ لَدَابَّةُ سَوءٍ! لَقَد رَأَيتُنِي بَينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ﷺ مُعتَرِضَةً، كَاعتِرَاضِ الجِنَازَةِ، وَهُوَ يُصَلِّي.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَت عَائِشَةُ: قد شَبَّهتُمُونَا بِالحَمِيرِ وَالكِلابِ، وَاللهِ لَقَد رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وإني عَلَى السَّرِيرِ بَينَهُ وَبَينَ القِبلَةِ مُضطَجِعَةً، فَتَبدُو لِيَ الحَاجَةُ فَأَكرَهُ أَن أَجلِسَ، فَأُوذِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَنسَلُّ مِن عِندِ رِجلَيهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أخرى: لَقَد رَأَيتُنِي مُضطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ، فَيُصَلِّي، فَأَكرَهُ أَن أَسنَحَهُ، فَأَنسَلُّ مِن قِبَلِ رِجلَيِ السَّرِيرِ، حَتَّى أَنسَلَّ مِن لِحَافِي.
ــ
ابن عباس وعطاء إلى أن المرأة التي تقطع الصلاة إنما هي الحائض؛ لما تستصحبه من النجاسة (١).
(٣٧) ومن باب: اعتراض المرأة بين يدي المصلي (٢)
قول عائشة: فأكره أن أَسنَحَهُ؛ أي: أظهر له؛ كما جاء في الرواية
стр. 720
وَفِي أُخرَى: قَالَت: كُنتُ أَنَامُ بَينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجلايَ فِي قِبلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضتُ رِجلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطتُهُمَا. قَالَت: وَالبُيُوتُ يَومَئِذٍ لَيسَ فِيهَا مَصَابِيحُ.
رواه أحمد (٦/ ١٤٨ و ٢٢٥)، والبخاري (٣٨٢ و ٥١٣)، ومسلم (٥١٢) (٢٦٩ و ٢٧٠ و ٢٧١ و ٢٧٢)، وأبو داود (٧١١ - ٧١٤)، والنسائي (١/ ١٠١ - ١٠٢)، وابن ماجه (٩٥٦).
* * *
(٣٨) باب الصلاة بالثوب الواحد على الحصير
[٤٠٩]- عن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ سَائِلا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ فِي الثَّوبِ الوَاحِدِ؟ فَقَال: أَوَ لِكُلِّكُم ثَوبَانِ؟ .
رواه أحمد (٢/ ٢٣٩ و ٢٦٦)، والبخاري (٣٥٨)، ومسلم (٥١٥)(٢٧٥)، وأبو داود (٦٢٥)، والنسائي (٢/ ٦٩ - ٧٠)، وابن ماجه (١٠٤٧).
ــ
الأخرى: فأكره أن أجلس فأوذيه، يقال: سَنَحَ لي الشيء: إذا اعترض لي، ومنه: السَّانح من الطير في عيافة العرب.
وقولها: فإذا سجد غمزني؛ تعني: عَضَّنِي بيده؛ وذلك لعدم المصابيح، كما قالت، ولو كان هناك مصباح لرأت سجوده وقيامه، ولَمَا كان يحتاج إلى غمزها.
(٣٨) ومن باب: الصلاة في الثوب الواحد
قوله: أَوَ لِكُلِّكم ثوبان؟ لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه: التقرير والإخبار عن معهود حالهم، ويتضمن جواز الصلاة في الثوب الواحد، ولا خلاف فيه إلا
стр. 721
[٤١٠]- وعنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لا يُصَلِّ أَحَدُكُم فِي الثَّوبِ الوَاحِدِ لَيسَ عَلَى عَاتِقَه مِنهُ شَيءٌ.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاري (٣٥٩)، ومسلم (٥١٦)، وأبو داود (٦٢٦)، والنسائي (٢/ ٧١).
[٤١١]- وَعَن عُمَرَ بنَ أَبِي سَلَمَة، قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ، مُشتَمِلا بِهِ، فِي بَيتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيهِ عَلَى عَاتِقَيهِ.
وفى رواية: مُلتَحِفًا، مُخَالِفًا بَينَ طَرَفَيهِ.
رواه أحمد (٤/ ٢٧)، والبخاري (٣٥٦)، ومسلم (٥١٧) (٢٧٨ و ٢٨٠)، وأبو داود (٦٢٨)، والترمذي (٣٣٩)، والنسائي (٢/ ٧٠)، وابن ماجه (١٠٤٩).
ــ
شيء روي عن ابن مسعود، كما أنه لا خلاف أن الصلاة في الثوبين أو الثياب أفضل.
وقوله: لا يُصَلِّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، هذا لئلا يسقط فتنكشف عورته، إذا لم يتوشَّح به؛ فيضع طرفيه على عاتقيه، كما كان يفعل النبي ﷺ ، وإن تكلَّف ضبطه بيديه شغلهما بذلك، واشتغل به عن صلاته، وأيضًا فإذا لم يجعل على عاتقيه شيئًا من الثوب، بقي بعض جسده عريًّا، وذلك يباعد الزينة المأمور بها في الصلاة. وكذلك كرهت الصلاة في السراويل وحدها، أو المِئزَرِ مع وجود غيرهما. وقد روي عن بعض السلف أنه قال: لا تجزئ صلاة من صلى في ثوب واحد متزرًا به ليس على عاتقه منه شيء؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث.
وكذلك اختلفوا في السَّدلِ في الصلاة، وهو إرسال ثوبه عليه من كتفيه إذا
стр. 722
[٤١٢]- وعَن أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيُّ، أَنَّه دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَرَأَيتُهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ يَسجُدُ عَلَيهِ. قَالَ: وَرَأَيتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ.
وَفِى رِوَايَةٍ: وَاضِعًا طَرَفَيهِ عَلَى عَاتِقَيهِ.
رواه مسلم (٥١٩)، والترمذي (٣٣٢)، وابن ماجه (١٠٤٨).
* * *
ــ
كان عليه مِئزر، ولم يكن عليه قميص، وانكشف بطنه؛ فأجازه عبد الله بن الحسن، ومالك وأصحابه، وكرهه النخعي وآخرون، إلا أن يكون عليه قميص يستر جسده. وقد نحا إلى هذا أبو الفرج من أصحابنا، فقال: إنّ سَتر جميع الجسد في الصلاة لازم.
وكذلك اختلف في صلاة الرجل محلول الإزار وليس عليه إزار؛ فمنعه أحمد والشافعي لعلة النظر لعورته، وأجاز ذلك مالك وأبو حنيفة والثوري، وكافة أصحاب الرأي، ولو تكلّف ذلك ورؤيتَه لعورته من أسفل الإزار.
والتوشح: قال ابن السِّكيت: هو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره.
* * *
стр. 723
(٣٩) باب أول مسجد وضع في الأرض، وما جاء أن الأرض كلها مسجد
[٤١٣]- عَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن أَوَّلِ مَسجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرضِ؟ قَالَ: المَسجِدُ الحَرَامُ، قُلتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: المَسجِدُ الأَقصَى، قُلتُ: كَم بَينَهُمَا؟ قَالَ: أَربَعُونَ عَامًا، ثُمَّ الأَرضُ لَكَ مَسجِدٌ، فَحَيثُمَا أَدرَكَتكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ.
ــ
(٣٩) ومن باب: أول مسجد وضع في الأرض
قوله: وقد سأله أبو ذر عن أول مسجد وضع في الأرض: المسجد الحرام؛ وهو مسجد مكة. والمسجد الأقصى: هو مسجد بيت المقدس، وسمي بالأقصى؛ لبعده عن الحجاز، أو لبعده عن الأقذار والخبائث، فإنه مُقَدَّس، والمُقَدَّس: المُطَّهر، ومنه: القَدس: السَّطل الذي يستقى به الماء.
وقوله: أربعون عامًا - وقد سُئل عن مدة ما بينهما - فيه إشكال؛ وذلك أن مسجد مكة بناه إبراهيم بنصّ القرآن؛ إذ قال: ﴿وَإِذ يَرفَعُ إِبرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيتِ وَإِسمَاعِيلُ﴾ الآية. والمسجد الأقصى بناه سليمان ﵇ كما خرَّجه النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : أن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثة: سأل الله تعالى حكمًا يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله تعالى ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله تعالى حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا يَنهَزُه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه (١). وبين إبراهيم وسليمان آماد طويلة؛
стр. 724
رواه أحمد (٥/ ١٠٥ و ١٥٦)، والبخاري (٣١٦٦)، ومسلم (٥٢٠)(٢)، والنسائي (٢/ ٣٢)، وابن ماجه (٧٥٣).
[٤١٤]- وَعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ الأَنصَارِي، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُعطِيتُ خَمسًا لَم يُعطَهُنَّ أَحَدٌ قَبلِي: كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبعَثُ إِلَى قَومِهِ خَاصَّةً
ــ
قال أهل التاريخ: أكثر من ألف سنة. ويرتفع الإشكال بأن يقال: الآية والحديث لا يدلان على أن بناء إبراهيم وسليمان لما بنيا ابتداء وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لما كان أسسه غيرهما وبدأه، وقد رُوي أن من بنى البيت آدم ﵇. فعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس بعده بأربعين عامًا، والله تعالى أعلم.
وفي الأم (١) قول إبراهيم التَّيمي: كنت أقرأ على أبي القرآن في السُّدَّة، فإذا قرأت السجدة سجد، فقلت: يا أبت! أتسجد في الطريق؟ ... ، الحديث) كذا صحَّ: السُّدَّة. ورواه النسائي: في السِّكَّة، وفي بعض السِّكَك، وهذا هو المطابق لقوله: أتسجد على الطريق؟ لكن السُّدَّة هنا إنما عنى بها سُدَّة الجامع، وهي الظلال التي حوله، ومنه سُمِّي إسماعيل السُّدِّي؛ لأن كان يبيع الخُمُر (٢) في سُدَّة الجامع، وكان التيمي يجلس فيها ويقرأ القرآن، فإذا جاءت السجدة سجد (٣).
وقوله في حديث جابر: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، وفي حديث أبي هريرة: ستًّا، وفي حديث حذيفة: ثلاثًا، لا يظن القاصد أن هذا تعارض، وإنما يظن هذا مَن توهَّم أن ذكر الأعداد يدل على الحصر، وأنها لها
стр. 725
وَبُعِثتُ إِلَى كُلِّ أَحمَرَ وَأَسوَدَ، وَأُحِلَّت لِيَ الغَنَائِمُ وَلَم تُحَلَّ لأَحَدٍ قَبلِي، وَجُعِلَت لِيَ الأَرضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدرَكَتهُ الصَّلاةُ صَلَّى حَيثُ كَانَ، وَنُصِرتُ بِالرُّعبِ بَينَ يَدَي مَسِيرَةِ شَهرٍ، وَأُعطِيتُ الشَّفَاعَةَ.
رواه أحمد (٣/ ٣٠٤)، والبخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)، والنسائي (١/ ٢١٠ - ٢١١).
ــ
دليل خطاب، وكل ذلك باطل؛ فإن القائل: عندي خمسة دنانير - مثلا - لا يدل هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول تارة أخرى: عندي عشرون، وتارة أخرى: عندي ثلاثون؛ فإن من عنده ثلاثون صدق عليه أن عنده عشرين، وعشرة، فلا تناقض، ولا تعارض. ويجوز أن يكون النبي ﷺ أُعلِمَ في وقت بالثلاث، وفي وقت بالخمس، وفي وقت بالست، والله تعالى أعلم.
وقوله: وبعثت إلى الأحمر والأسود؛ يعني: كافة الخلق؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ والحُمرَانُ: عَنَى بهم البيض، وهم العجم، والسودان: العرب؛ لغلبة الأَدَمَةِ عليهم، وغيرُهم لسوادهم.
وقوله: وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا؛ يعني: في التيمم، كما قد بيّنه في الحديث الآخر، وهو حجة لمالك في التيمم بجميع أنواع الأرض؛ فإن اسم الأرض يشملها. وكما أباح الصلاة على جميع أجزاء الأرض، كذلك يجوز التيمم على جميع أجزائها؛ لأن الأرض في هذا الحديث بالنسبة إلى الصلاة والتيمم واحدة. فكما تجوز الصلاة على جميع أجزائها، كذلك يجوز التيمم على جميع أجزائها. ولا يظن أن قوله في حديث حذيفة: وجعلت تربتها لنا طهورًا؛ أن ذلك مخصَّصٌ له، فإن ذلك ذهول من قائله؛ فإن التخصيص إخراج ما تناوله العموم على الحكم، ولم يخرج هذا الخبر شيئًا، وإنما عيّن هذا الحديث واحدًا مما تناوله الاسم الأول، مع موافقته في الحكم، وصار بمثابة قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخلٌ
стр. 726
[٤١٥]- وَعَن حُذَيفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فُضِّلنَا عَلَى النَّاسِ
ــ
وَرُمَّانٌ﴾ وقوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ فعيّن بعض ما تناوله اللفظ الأول، مع الموافقة في المعنى على جهة التشريف. وكذلك ذكر التراب في حديث حذيفة، وإنما عيّنه لكونه أمكن وأغلب. فإن قيل: بل عيّنه ليبيّن أنه لا يجوز التيمم بغيره، قلنا: لا نسلِّم ذلك، بل هو أول المسألة، ولئن سلمنا أنه يحتمل ذلك، فيحتمل أيضًا ما ذكرناه، وليس أحد الاحتمالين أولى من الآخر، فليلحق اللفظ بالمجملات، فلا يكون لكم فيه حجة، ويبقى مالك متمسكًا باسم الصعيد، واسم الأرض. وأيضًا فإنا نقول بموجبه؛ فإن تراب كل شيء بحسبه، فيقال: تراب الزرنيخ، وتراب السِّبَاخ.
وقوله: طهورًا؛ هذه البنية من أبنية المبالغة؛ كقتول وضروب، وكذلك قال في الماء. فقد سوَّى بين الأرض والماء في ذلك، ويلزم منه أن التيمم يرفع الحدث، وهو أحد القولين عن مالك، وليس بالمشهور.
وطيبة: طاهرة. وكذلك قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؛ أي: طاهرًا. وعلى هذا فلا يفهم من قوله: طهورًا عين التطهير لغيرها؛ إذ قد وصفها الله بالطهارة في نفسها، ثم جعلها مُطَهِّرة لغيرها، وهذا كما قال ﵊. وقد قيل له: أنتوضأ بماء البحر؟ فقال -: هو الطهور ماؤه (١)؛ أي: الذي يطهركم من الحدث.
وقوله: ومسجدًا؛ أي: للصلاة. وهذا مما خص الله به نبيه ﵊، وكانت الأنبياء قبله إنما أبيح لهم الصلاة في مواضع مخصوصة كالبِيَع والكنائس.
стр. 727
بِثَلاثٍ: جُعِلَت صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ، وَجُعِلَت لَنَا الأَرضُ كُلُّهَا مَسجِدًا، وَجُعِلَت تُربَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَم نَجِدِ المَاءَ. وَذَكَرَ خَصلَةً أُخرَى.
رواه مسلم (٥٢٢).
ــ
وقوله: وأحلت لي الغنائم: هذا من خصائصه ﵊، وإنما كانت الغنائم قبله تجمع ثم تأتي نار من السماء فتأكلها. والرعب: الفزع. والشفاعة: الخاصة بالنبي ﷺ : هي الشفاعة لأهل الموقف؛ كما تقدم.
وقوله: وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا؛ هذا العموم وإن كان مؤكدًا، فهو مخصص بنهيه ﷺ عن الصلاة في معاطن الإبل؛ كما جاء في الصحيح، وبما جاء في كتاب الترمذي من حديث ابن عمر -: أن رسول الله ﷺ نهى أن يُصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، والمقبرة، وفي الحمّام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله تعالى (١). وقد كره مالك الصلاة في هذه المواضع، وأباحها فيها غيره، ولم يصح هذا الحديث عنده. واعتضد قائل الإباحة: بأن فضائل النبي ﷺ لا ينقص منها شيء؛ ذلك أن من فضائله وخصائصه أن جعل الأرض كلها مسجدًا، فلو خُصِّص منها شيء لكان نقصًا في فضيلته وما خصص به. قاله أبو عمر بن عبد البر. والصحيح ما صار إليه مالك، من كراهة الصلاة في تلك المواضع، لا تمسُّكًا بالحديث، فإنه ضعيف؛ لكن تمسَّكًا بالمعنى. وقد ذُكرت علل الكراهية في كتب أصحابه، فلتنظر هناك.
ويحتج على أبي عمر بالنهي عن الصلاة في معاطن الإبل وفي القبور؛ فإن الحديث في ذلك صحيح. وتمنع الصلاة في المواضع النجسة، فإن قال: ذلك
стр. 728
[٤١٦]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فُضِّلتُ عَلَى الأَنبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرتُ بِالرُّعبِ، وَأُحِلَّت لِيَ الغَنَائِمُ، وَجُعِلَت لِيَ الأَرضُ طَهُورًا وَمَسجِدًا، وَأُرسِلتُ إِلَى الخَلقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ.
رواه مسلم (٥٢٣)(٥).
[٤١٧]- وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بُعِثتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ، وَنُصِرتُ بِالرُّعبِ، وَبَينَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرضِ فَوُضِعَت فِيَ يَدَيَّ.
ــ
للنجاسة العارضة؛ قلنا: وكذلك كراهة الصلاة في تلك المواضع لعلل عارضة، والله أعلم.
وقوله: وذكر خصلة أخرى؛ ظاهره أنه ذكر ثلاث خصال، وإنما هما اثنتان، كما ذكر؛ لأن قضية الأرض كلَّها خصلة واحدة، والثالثة التي لم يذكرها بيّنها النسائي من رواية مالك (١) بسنده، فقال: وأوتيت هذه الآيات: خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن أحد قبلي، ولا يعطاهن أحد بعدي (٢).
وقوله: أعطيت جوامع الكلم، قال الهروي: يعني القرآن؛ جمع الله في الألفاظ اليسيرة منه معانيَ كثيرة، وكذلك كان ﷺ يتكلم بألفاظ يسيرة تحتوي على معانٍ كثيرة.
وقوله: وبينما أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي؛ هذه الرؤيا أوحى الله تعالى فيها لنبيه ﵊ أن أمته ستملك الأرض،
стр. 729
قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنتُم تَنتَثِلُونَهَا.
رواه أحمد (٢/ ٢٦٤ و ٤٥٥)، والبخاري (٦٩٩٨)، ومسلم (٥٢٣)(٦)، والترمذي (١٥٥٣)، والنسائي (٦/ ٣ - ٤).
* * *
(٤٠) باب ابتناء مسجد النبي ﷺ -
(٥٢٤)(٩) [٤١٨]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ فَنَزَلَ فِي عُلوِ المَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُم: بَنُو عَمرِو بنِ عَوفٍ، فَأَقَامَ فِيهِم أَربَعَ عَشرَةَ لَيلَةً، ثُمَّ إِنَّهُ أَرسَلَ إِلَى مَلأ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاؤوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِم
ــ
ويتسع سلطانها، ويظهر دينها، ثم إنه وقع ذلك كذلك، فملكت أمته من الأرض ما لم تملكه أمة من الأمم فيما علمناه، فكان هذا الحديث من أدلة نبوته ﷺ . ووجه مناسبة هذه الرؤيا: أن من ملك مفتاح المغلق فقد تمكّن من فتحه، ومن الاستيلاء على ما فيه.
وقوله: وأنتم تنتثلونها؛ أي: تستخرجون ما فيها من الكنوز والمنافع؛ من قولهم: نثل كنانته: إذا استخرج ما فيها من السهام، والله أعلم.
(٤٠) ومن باب: ابتناء مسجد النبي ﷺ
الملأ: أشراف القوم وساداتهم. سُمّوا بذلك؛ لأنهم أَملِيَاء بالرأي والغِنَى. وبنو النجار ق يلة من الأنصار، وهم أخوال النبي ﷺ ، وذلك: أن هاشِمًا تزوج امرأة من بني النجار تُسَمَّى: سلمى بنت عمرو بن زيد بن عدي بن النّجار، فولدت له عبد المطلب بن هاشم، فمن هنا كانوا أخوال النبي ﷺ .
стр. 730
قَالَ: فَكَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكرٍ رِدفُهُ، وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ حَولَهُ حَتَّى أَلقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي حَيثُ أَدرَكَتهُ الصَّلاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالمَسجِدِ، قَالَ: فَأَرسَلَ إِلَى مَلأ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاؤوا، فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ! ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُم هَذَا، قَالُوا: لا وَاللَّهِ! لا نَطلُبُ ثَمَنَهُ إِلَاّ إِلَى اللَّهِ . قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ، كَانَ فِيهِ نَخلٌ وَقُبُورُ المُشرِكِينَ وَخِرَبٌ. فَأَمَرَ
ــ
وقوله: ثامنوني بحائطكم؛ أي: اطلبوا ثمنه، وبايعوني به. والحائط: بستان النخل.
فقالوا: لا والله ما نطلب ثمنه إلا لله ، وهذا ينص على أنهم لم يأخذوا منه ثمنًا، وإنما وهبوه للنبي ﷺ . وقد ذكر محمد بن سعد في تاريخه الكبير عن الواقدي: أن النبي ﷺ اشتراه من بني عَفراء (١) بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر الصديق (٢)، فإن صحّ هذا فلم يقبله النبي ﷺ إلا بالثمن؛ لأنه كان ليتيمين، وفي هذا دليل على لزوم بناء المساجد في القرى التي يُستوطن بها؛ لأجل الجمعة، ولإظهار شعائر الإسلام.
وقوله: وكانت فيه نخل وقبور المشركين وخِرَب، رُوي بفتح الخاء وكسر الراء: جمع خَرِبة؛ مثل: كَلِمَة وكَلِم، وبكسر الخاء وفتح الراء: جمع خِربة بسكون الراء، لغتان فيما يخرب من البناء، والثانية لتميم، هذا هو الصحيح في الرواية والمعنى. وقد فسَّره حيث قال: وبالخِرَب فسُوِّيت. وقد استبعد الخطابي ذلك المعنى، وأخذ يقدِّر اللفظ تقديرات، فقال: لعل الصواب: خُرَب: جمع خُربة؛ وهي الخروق في الأرض، أو لعلَّها: جرف جمع: جِرَفَةٍ، وهي جمع
стр. 731
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّخلِ فَقُطِعَ، وَبِقُبُورِ المُشرِكِينَ فَنُبِشَت، وَبِالخِرَبِ فَسُوِّيَت.
ــ
جرف. قال: وأبينُ منه إن ساعدت الرواية -: حَدَبٌ جمع حَدَبَةٌ؛ وهي ما ارتفع من الأرض. وهذا منه تكلّف لا يحتاج إليه مع صحة الرواية والمعنى كما قدّمناه، وفيه دليل على جواز قطع المثمر من الشجر إذا احتيج إليه؛ من نكاية في عدو، وإزالة ضرر، أو ما يخاف منه.
وقوله: وبقبور المشركين فنبشت؛ إنما نبش قبورهم؛ لأنهم لا حرمة لهم. فإن قيل: كيف جاز نبشهم وإخراجهم من قبورهم، والقبر مختص بمن دفن فيه، مُحَتبس عليه، قد حازه الميت، فلا يجوز بيعه، ولا نقله عنه؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن تلك القبور لم تكن أملاكًا لمن دفن فيها، بل لعلها غصب، ولذلك باعها مُلَاّكُها.
الثاني: على تسليم أنها حُبست، فذلك إنما يلزم في تحبيس المسلمين، أما تحبيس الكفار فلا؛ إذ لا يصح منهم التقرب إلى الله تعالى، لا يقال: فهذا العتق يلزمهم إذا رفعوا أيديهم عن المعتق، لأنا نقول في العتق: إنه أمر عظيم يتشوّف الشرع إليه ما لم يتشوّف للحبس ولا لغيره، ولأنه تعلق به حقٌّ لآدمي، فجرى ذلك مجرى هِباتهم وأعطياتهم اللازمة.
ويمكن أن يقال: دعت الحاجة والضرورة إلى النبش فجاز. وقد اختلف في نبش قبور الكفار لطلب مال، فكرهه مالك؛ لأنها مواضع سخط وعذاب؛ فلا تدخل، وقد قال ﵊: لا تدخلوا بيوت هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم (١). فمن دخلها لطلب الدنيا كان بضد ذلك. وأجازه جماعة من أصحاب مالك محتجِّين بأن الصحابة نَبَشَت قبر أبي رِغَال،
стр. 732
قَالَ: فَصَفُّوا النَّخلَ قِبلَةً لَهُ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيهِ حِجَارَةً، قَالَ: فَكَانُوا يَرتَجِزُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُم، وَهُم يَقُولُونَ:
ــ
واستخرجت منه قضيب الذهب الذي أعلمهم النبي ﷺ أنه مدفون معه. واتخاذ النبي ﷺ مسجده في تلك البقعة دليل على أن القبور إذا لم يبق منها ولا من الموتى فيها بقية (١) جازت الصلاة فيها.
واختلف العلماء في جواز الصلاة في المقابر جملة؛ فأجازه مالك وأكثر أصحابه - وإن كان القبر بين يديه -، وهو مذهب الحسن البصري والشافعي وآخرين. وروي أيضا عن مالك الكراهة، وبه قال أحمد، وإسحاق، وجماعة من السلف. وحكى العراقيون عن المذهب: كراهية الصلاة في القديمة دون الجديدة. وقد كره العلماء الصلاة في مقابر المشركين بكل حال، وعليه تأوّل أكثرهم النهي عن الصلاة في المقبرة؛ قالوا: لأنها حفرة من حفر النار، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في الجنائز.
وفي بنائه ﷺ مسجده بالجذوع والجريد دليل على ترك الزخرفة في المساجد والتأنق فيها، والإسراف. بل قد ورد عنه ﷺ ما يقتضي النهي عن زخرفتها وتشييدها، فقال: ما أُمِرتُ بتشييد المساجد، قال: لتزخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى (٢).
وقوله: فكانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم؛ اختلف أصحاب العَروض وعلم الشعر في أعاريض الرَّجَز هل هي من الشعر؟ والصحيح أنه من الشعر؛ لأن الشعر هو كلام موزون تُلتَزَم فيه قوافٍ، والرَّجَزُ كذلك. وأيضًا: فإن قريشًا لما اجتمعوا وتراؤوا فيما يقولون للناس عن النبي ﷺ ، فقال قائل: نقول: هو شاعر، فقالوا: والله لتكذبنّكم العربُ؛ قد عرفنا الشعر كلّه، هزجه، ورجزه، ومقبوضه، ومبسوطه، فذكروا الرجز من جملة أنواع الشعر، وإنما أخرجه من جنس الشعر من
стр. 733
اللَّهُمَّ إِنَّهُ لا خَيرَ إِلا خَيرُ الآخِرَه ... فَانصُرِ الأَنصَارَ وَالمُهَاجِرَه
رواه أحمد (٣/ ١١٨ و ١٢٣)، والبخاري (١٨٦٨)، ومسلم (٥٢٤)(٩)، وأبو داود (٤٥٣)، والنسائي (٢/ ٤٠)، وابن ماجه (٧٤٢).
* * *
ــ
أشكل عليه إنشاد النبي ﷺ إياه، فقال: لو كان شعرًا لما علمه النبي ﷺ ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا عَلَّمنَاهُ الشِّعرَ﴾ وهذا ليس بشيء؛ لأن من أنشد القليل من الشعر، أو قاله، أو تمثل به على الندور، لم يستحق به اسم الشاعر، ولا يقال فيه: إنه تعلم الشعر، ولا ينسب إليه، ولو كان ذلك للزم أن يقال على الناس كلهم: شعراء، ويعلمون الشعر؛ لأنهم لا يَخلَونَ أن يعرفوا كلامًا موزونًا مرتبطًا على أعاريض الشعر.
ثم قوله: كانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم، ليس فيه دليل راجح على أن النبي ﷺ كان المنشد، بل الظاهر منهم أنهم هم كانوا المرتجزين، وبحضرة النبي ﷺ ، فإن الواو للحال، ورسول: مبتدأ، ومعهم: الخبر. والجملة في موضع الحال، هذا الظاهر، ويحتمل أن يكون معطوفًا على المضمر في: يرتجزون، والله تعالى أعلم.
وهذا الحديث وشِبهُهُ يُستدلّ به على جواز إنشاد الشعر، والاستعانة بذلك على الأعمال والتنشيط.
ومن هنا أخذت الصوفية إباحة السماع، غير أنهم اليوم أفرطوا في ذلك، وتعدَّوا فيه الوجه الجائز، وتذرّعوا بذلك إلى استباحة المحرمات من أصناف الملاهي؛ كالشبابات، والطارات، والرقص، وغير ذلك. وهذه أفعال المُجَّان أهل البطالة والفسوق المُدخِلين في الشريعة ما ليس منها، أعاذنا الله من ذلك بمنه.
وقوله: كان يصلي في مرابض الغنم؛ حجة لمالك على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه، وقد قدّمنا ذلك.
стр. 734
(٤١) باب تحويل القبلة من الشام إلى الكعبة، والنهي عن بناء المساجد على القبور وعن التصاوير فيها
[٤١٩]- عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ النبي ﷺ إِلَى بَيتِ المَقدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهرًا - وفي رواية: أو سبعة عشر شهرا -، حَتَّى نَزَلَتِ
ــ
(٤١) ومن باب: تحويل القبلة
قد تقدّم القول في: الشطر في الطهارة. وأحاديث تحويل القبلة من الشام - من بيت المقدس - فيها مسائل أصولية:
المسألة الأولى: نسخ السنة بالقرآن، أجازه الجمهور، ومنعه الشافعي، وهذه الأحاديث حجّة عليه. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلا تَرجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ﴾؛ نسخ لما قرّره رسول الله ﷺ من العهد والصلح على ردّ كل من أسلم من الرجال والنساء من أهل مكة، وغير ذلك.
المسألة الثانية: رفع القاطع بخبر الواحد؛ وذلك أن استقبال بيت المقدس كان مقطوعًا به من الشريعة عندهم، ثم إن أهل قباء لما أتاهم الآتي فأخبرهم أن القبلة قد حُوِّلت إلى المسجد الحرام قبلوا قوله، واستداروا نحو الكعبة، فتركوا التواتر بخبر الواحد، وهو مظنون. وقد اختلف العلماء في جوازه عقلا ووقوعه؛ قال أبو حامد: والمختار: جواز ذلك عقلا لو تعبّدنا الشرع به، ووقوعه في زمن رسول الله ﷺ بدليل قصة قباء، وبدليل أنه كان ﵊ يُنفِذ آحاد الولاة إلى الأطراف، وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ جميعًا، لكن ذلك ممنوع بعد وفاته ﷺ بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن المتواتر المعلوم لا يرتفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف والخلف، وبسط ذلك في الأصول.
стр. 735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسألة الثالثة: وهي أن النسخ إذا وجد من الشارع، فهل يكون نسخًا في حق من لم يبلغه الناسخ؟ أو لا يكون نسخًا في حقه حتى يبلغه؟ اختلف فيه على قولين، وفائدة الخلاف في هذه المسألة في عبادات فُعلت بعد النسخ، وقبل البلاغ: هل تعاد أو لا؟ فإن قلنا بالأول، أعادها؛ إذ لم تكن عبادة في نفسها، وقد نسخت. وإن تنزَّلنا على الثاني لم يُعد؛ إذ هو مخاطب بفعل ما قد تقرر الأمر به، وهو الأولى. وقد ردّ إلى هذه المسألة مسألة الوكيل إذا تصرف بعد العزل وقبل العلم به، فهل يمضي تصرفه أو لا؟ قولان. وقد فرّق القاضي عياض بين مسألة النسخ ومسألة الوكيل: بأن مسألة الوكيل تعلق بها حق الغير على الموكّل، فلهذا توجه الخلاف فيها. ولم يختلف المذهب عندنا في أحكام من أعتق ولم يعلم بعتقه: أنها أحكامُ حرٍّ فيما بينه وبين الناس، فأما ما بينه وبين الله فجائزة. ولم يختلفوا في المُعتَقَةِ أنها لا تعيد ما صلت - بعد عِتقِها وقبل علمها بغير ستر. وإنما اختلفوا فيمن يطرأ عليه موجب يغيِّر حكم عبادة وهو فيها؛ بناء على هذه المسألة.
المسألة الرابعة: خبر الواحد، وهو مجمع عليه من السلف، معلوم بالتواتر من عادة النبي ﷺ في توجهه ولاته ورسله آحادًا للآفاق ليعلِّموا الناس دينهم، ويبلِّغوهم سنة رسولهم؛ من الأوامر والنواهي، والمخالف في ذلك معاند، أو ناقص الفطرة.
وقول البراء: صليت مع رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا - أو سبعة عشر شهرًا-. الصحيح: سبعة عشر؛ من غير شك. وهو قول مالك وابن المسيب وابن إسحاق. ويروى (١): ثمانية عشر شهرًا. وبعد سنتين. وبعد تسعة أشهر، أو عشرة أشهر، والصحيح ما ذكرناه أوّلا.
[٤٢٢]- وَعَنهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَم يَقُم مِنهُ: لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ.
قَالَت: فلَولا ذَلِكَ أُبرِزَ قَبرُهُ، غَيرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَن يُتَّخَذَ مَسجِدًا.
رواه أحمد (٦/ ٣٤ و ٨٠)، والبخاري (١٣٣٠)، ومسلم (٥٢٩)، والنسائي (٢/ ٤٠ - ٤١).
ــ
تعالى عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم إنهم خلف من بعدهم خلف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان: أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فعبدوها، فحذّر النبي ﷺ عن مثل ذلك، وشدّد النكير والوعيد على فعل ذلك، وسَدَّ الذرائع المؤدية إلى ذلك، فقال: اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد (١)، أي: أنهاكم عن ذلك. وقال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد (٢)، وقال: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد (٣)، ولهذا بالغ المسلمون في سدّ الذريعة في قبر رسول الله ﷺ ، فأَعلُوا حيطان تربته، وسَدُّوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره ﷺ ، ثم خافوا أن يُتخذ موضع قبره قبلة - إذ كان مستقبل المصلين -، فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره (٤)، ولهذا الذي ذكرناه كله قالت عائشة: ولولا ذلك لأُبرز قبره.
стр. 738
[٤٢٣]- وَعَنهَا وَعَن عبد الله بنِ عَبَّاسٍ قَالا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجهِهِ، فَإِذَا اغتَمَّ كَشَفَهَا عَن وَجهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ. يُحَذِّرُ مِثلَ مَا صَنَعُوا.
رواه أحمد (٦/ ٢٧٥ و ٢٩٩)، والبخاري (٣٤٥٣ و ٣٤٥٤)، ومسلم (٥٣١)، والنسائي (٢/ ٤٠).
[٤٢٤]- وَعَن جُندَبِ، قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبلَ أَن يَمُوتَ بِخَمسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنِّي أَبرَأُ إِلَى اللَّهِ أَن يَكُونَ لِي مِنكُم خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي
ــ
تنبيه: وفي هذه الأحاديث ما يَستَدِلّ به مالك - على صحة القول بسد الذرائع - على الشافعي وغيره من المانعين لذلك، وهي مستوفاة في الأصول.
وقوله: لما نُزِلَ برسول الله ﷺ ؛ يعني: نزل به الموت. وطَفِقَ: أخذ وجعل، وهي من أفعال المقَارَبَة، وهي لا بدّ لها من اسم وخبر، إلا أن خبرها يلزم فيه أن يكون فعلا مجردًا عن أن، وقد قدّمنا القول في عسى، ويوشك.
والخميصة: كساءٌ له أعلام.
وقوله في حديث جندب: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ أي: أبعد عن هذا وأنقطع عنه. وإنما كان ذلك؛ لأن قلبه ﷺ قد امتلأ بما تخلله من محبة الله تعالى وتعظيمه، فلا يتسع لمخالّة غيره، أو لأنه ﷺ قد انقطع بحاجاته كلها إلى الله، ولجأ إليه في سدِّ خلاّته، فكفاه ووقاه، فلا يحتاج إلى أحد من المخلوقين، وقد تقدم القول في الخلّة والخليل.
стр. 739
خَلِيلا كَمَا اتَّخَذَ إِبرَاهِيمَ خَلِيلا، وَلَو كُنتُ مُتَّخِذًا مِن أُمَّتِي خَلِيلا لاتَّخَذتُ أَبَا بَكرٍ خَلِيلا، أَلا وَإِنَّ مَن كَانَ قَبلَكُم كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنبِيَائِهِم وَصَالِحِيهِم مَسَاجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنهَاكُم عَن ذَلِكَ.
رواه مسلم (٥٣٢).
* * *
(٤٢) باب ثواب من بَنَى للهِ مسجدًا
[٤٢٥]- عَن مَحمُودِ بنِ لَبِيدٍ؛ أَنَّ عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ أَرَادَ بِنَاءَ المَسجِدِ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ، وأَحَبُّوا أَن يَدَعَهُ عَلَى هَيئَتِهِ، فَقَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن بَنَى مَسجِدًا لِلَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيتًا فِي الجَنَّةِ مِثلَهُ.
ــ
وقوله: لو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا؛ هذا يدل على أن أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، وأنه مخصوص من منح الله، ومن كريم مواهبه، ومن محبة رسول الله ﷺ له؛ بما ليس لأحد من بعده، وهذا مذهب أهل السنة أجمعين؛ من السلف الماضين والخلف اللاحقين.
(٤٢) ومن باب: ثواب من بنى لله مسجدًا
قوله: من بنى لله مسجدًا؛ أي: مخلصًا في بنائه لله تعالى، كما قال في الرواية الأخرى: يبتغي به وجه الله. وقوله: بنى الله له في الجنة مثله: هذه المثلية ليست على ظاهرها، ولا من كل الوجوه، وإنما يعني أنه بنى له بثوابه بناء
стр. 740
وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ عُثمَانَ: إِنَّكُم قَد أَكثَرتُم، وَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن بَنَى مَسجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى - قَالَ بُكَيرٌ: حَسِبتُ أَنَّهُ قَالَ يَبتَغِي بِهِ وَجهَ اللَّهِ -، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيتًا فِي الجَنَّةِ.
رواه أحمد (١/ ٦١ - ٧٠)، والبخاري (٤٥٠)، ومسلم (٥٣٣)، والترمذي (٣١٨)، وابن ماجه (٧٣٦).
* * *
ــ
أشرف وأعظم وأرفع، وكذلك في الرواية الأخرى: بنى الله له بيتًا في الجنة (١)، ولم يسمه مسجدًا. وهذا البيت هو - والله أعلم - مثل بيت خديجة الذي قال فيه: إنه من قَصَب، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب (٢)؛ يريد: من قصب الزمرَّد والياقوت، ويعتضد هذا بأن أجور الأعمال مضاعفة، وأن الحسنة بعشر أمثالها، وهذا كما قال في المتصدُّق بالثمرة: إنها تُربَّى حتى تصير مثل الجبل (٣)، ولكن هذا التضعيف هو بحسب ما يقترن بالفعل من الإخلاص والإتقان والإحسان، ولَمّا فهم عثمان هذا المعنى؛ تأنَّق في بناء المسجد وحسَّنه وأتقنه، وأخلص لله فيه؛ رجاء أن يبنى له في الجنة قصر متقن مشرف مرفّع، وقد فعل الله تعالى له ذلك وزيادة، ﵁.
* * *