← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الآيَةُ الَّتِي فِي البَقَرَةِ: ﴿وَحَيثُ مَا كُنتُم فَوَلُّوا وُجُوهَكُم شَطرَهُ﴾ فَنَزَلَت بَعدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ، فَانطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ، فَمَرَّ بِنَاسٍ مِنَ الأَنصَارِ وَهُم يُصَلُّونَ، فَحَدَّثَهُم فَوَلَّوا وُجُوهَهُم قِبَلَ البَيتِ. رواه أحمد (٤/ ٢٨٨)، والبخاري (٤٠)، ومسلم (٥٢٥) (١١)، والترمذي (٢٩٦٦)، والنسائي (١/ ٢٤٣)، وابن ماجه (١٠١٠). [٤٢٠]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: بَينَمَا النَّاسُ فِي صَلاةِ الصُّبحِ بِقُبَاءٍ، إِذ جَاءَهُم آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد أُنزِلَ عَلَيهِ اللَّيلَةَ، وَقَد أُمِرَ أَن يَستَقبِلَ الكَعبَةَ، فَاستَقبَلُوهَا وَكَانَت وُجُوهُهُم إِلَى الشَّامِ، فَاستَدَارُوا إِلَى الكَعبَةِ. البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦) (١٣)، والترمذي (٣٤١)، والنسائي (٢/ ٦١). [٤٢١]- وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَينَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوا عَلَى قَبرِهِ مَسجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلقِ عِندَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ. رواه أحمد (٦/ ٥١)، والبخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨) (١٦)، والنسائي (٢/ ٤٢). ــ وقوله: فاستقبلوها روي بفتح الباء على الخبر، وبكسرها على الأمر، وكلاهما صحيح. وقوله: أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا تلك الصور، قال الشيخ: إنما فعل ذلك أوائلهم ليتأنّسوا برؤية تلك الصورة، ويتذكروا بها أحوالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله

стр. 737

[٤٢٢]- وَعَنهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَم يَقُم مِنهُ: لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ. قَالَت: فلَولا ذَلِكَ أُبرِزَ قَبرُهُ، غَيرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَن يُتَّخَذَ مَسجِدًا. رواه أحمد (٦/ ٣٤ و ٨٠)، والبخاري (١٣٣٠)، ومسلم (٥٢٩)، والنسائي (٢/ ٤٠ - ٤١). ــ تعالى عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم إنهم خلف من بعدهم خلف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان: أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فعبدوها، فحذّر النبي ﷺ عن مثل ذلك، وشدّد النكير والوعيد على فعل ذلك، وسَدَّ الذرائع المؤدية إلى ذلك، فقال: اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد (١)، أي: أنهاكم عن ذلك. وقال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد (٢)، وقال: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد (٣)، ولهذا بالغ المسلمون في سدّ الذريعة في قبر رسول الله ﷺ ، فأَعلُوا حيطان تربته، وسَدُّوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره ﷺ ، ثم خافوا أن يُتخذ موضع قبره قبلة - إذ كان مستقبل المصلين -، فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره (٤)، ولهذا الذي ذكرناه كله قالت عائشة: ولولا ذلك لأُبرز قبره.

стр. 738

[٤٢٣]- وَعَنهَا وَعَن عبد الله بنِ عَبَّاسٍ قَالا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجهِهِ، فَإِذَا اغتَمَّ كَشَفَهَا عَن وَجهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ. يُحَذِّرُ مِثلَ مَا صَنَعُوا. رواه أحمد (٦/ ٢٧٥ و ٢٩٩)، والبخاري (٣٤٥٣ و ٣٤٥٤)، ومسلم (٥٣١)، والنسائي (٢/ ٤٠). [٤٢٤]- وَعَن جُندَبِ، قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبلَ أَن يَمُوتَ بِخَمسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنِّي أَبرَأُ إِلَى اللَّهِ أَن يَكُونَ لِي مِنكُم خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي ــ تنبيه: وفي هذه الأحاديث ما يَستَدِلّ به مالك - على صحة القول بسد الذرائع - على الشافعي وغيره من المانعين لذلك، وهي مستوفاة في الأصول. وقوله: لما نُزِلَ برسول الله ﷺ ؛ يعني: نزل به الموت. وطَفِقَ: أخذ وجعل، وهي من أفعال المقَارَبَة، وهي لا بدّ لها من اسم وخبر، إلا أن خبرها يلزم فيه أن يكون فعلا مجردًا عن أن، وقد قدّمنا القول في عسى، ويوشك. والخميصة: كساءٌ له أعلام. وقوله في حديث جندب: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ أي: أبعد عن هذا وأنقطع عنه. وإنما كان ذلك؛ لأن قلبه ﷺ قد امتلأ بما تخلله من محبة الله تعالى وتعظيمه، فلا يتسع لمخالّة غيره، أو لأنه ﷺ قد انقطع بحاجاته كلها إلى الله، ولجأ إليه في سدِّ خلاّته، فكفاه ووقاه، فلا يحتاج إلى أحد من المخلوقين، وقد تقدم القول في الخلّة والخليل.

стр. 739

خَلِيلا كَمَا اتَّخَذَ إِبرَاهِيمَ خَلِيلا، وَلَو كُنتُ مُتَّخِذًا مِن أُمَّتِي خَلِيلا لاتَّخَذتُ أَبَا بَكرٍ خَلِيلا، أَلا وَإِنَّ مَن كَانَ قَبلَكُم كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنبِيَائِهِم وَصَالِحِيهِم مَسَاجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنهَاكُم عَن ذَلِكَ. رواه مسلم (٥٣٢). * * * (٤٢) باب ثواب من بَنَى للهِ مسجدًا [٤٢٥]- عَن مَحمُودِ بنِ لَبِيدٍ؛ أَنَّ عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ أَرَادَ بِنَاءَ المَسجِدِ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ، وأَحَبُّوا أَن يَدَعَهُ عَلَى هَيئَتِهِ، فَقَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن بَنَى مَسجِدًا لِلَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيتًا فِي الجَنَّةِ مِثلَهُ. ــ وقوله: لو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا؛ هذا يدل على أن أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، وأنه مخصوص من منح الله، ومن كريم مواهبه، ومن محبة رسول الله ﷺ له؛ بما ليس لأحد من بعده، وهذا مذهب أهل السنة أجمعين؛ من السلف الماضين والخلف اللاحقين. (٤٢) ومن باب: ثواب من بنى لله مسجدًا قوله: من بنى لله مسجدًا؛ أي: مخلصًا في بنائه لله تعالى، كما قال في الرواية الأخرى: يبتغي به وجه الله. وقوله: بنى الله له في الجنة مثله: هذه المثلية ليست على ظاهرها، ولا من كل الوجوه، وإنما يعني أنه بنى له بثوابه بناء

стр. 740

وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ عُثمَانَ: إِنَّكُم قَد أَكثَرتُم، وَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن بَنَى مَسجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى - قَالَ بُكَيرٌ: حَسِبتُ أَنَّهُ قَالَ يَبتَغِي بِهِ وَجهَ اللَّهِ -، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيتًا فِي الجَنَّةِ. رواه أحمد (١/ ٦١ - ٧٠)، والبخاري (٤٥٠)، ومسلم (٥٣٣)، والترمذي (٣١٨)، وابن ماجه (٧٣٦). * * * ــ أشرف وأعظم وأرفع، وكذلك في الرواية الأخرى: بنى الله له بيتًا في الجنة (١)، ولم يسمه مسجدًا. وهذا البيت هو - والله أعلم - مثل بيت خديجة الذي قال فيه: إنه من قَصَب، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب (٢)؛ يريد: من قصب الزمرَّد والياقوت، ويعتضد هذا بأن أجور الأعمال مضاعفة، وأن الحسنة بعشر أمثالها، وهذا كما قال في المتصدُّق بالثمرة: إنها تُربَّى حتى تصير مثل الجبل (٣)، ولكن هذا التضعيف هو بحسب ما يقترن بالفعل من الإخلاص والإتقان والإحسان، ولَمّا فهم عثمان هذا المعنى؛ تأنَّق في بناء المسجد وحسَّنه وأتقنه، وأخلص لله فيه؛ رجاء أن يبنى له في الجنة قصر متقن مشرف مرفّع، وقد فعل الله تعالى له ذلك وزيادة، ﵁. * * *

стр. 741

(٤٣) باب التطبيق في الركوع وما ثبت من نسخه [٤٢٦]- عَنِ الأَسوَدِ وَعَلقَمَةَ، قَالا: أَتَينَا عبد الله بنَ مَسعُودٍ فِي دَارِهِ فَقَالَ: أَصَلَّى هَؤُلاءِ خَلفَكُم؟ فَقُلنَا: لا. قَالَ: فَقُومُوا فَصَلُّوا، فَلَم يَأمُرنَا بِأَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ. قَالَ: وَذَهَبنَا لِنَقُومَ خَلفَهُ فَأَخَذَ بِأَيدِينَا، فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَن يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَن شِمَالِهِ، قَالَ: فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعنَا أَيدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا قَالَ: فَضَرَبَ ــ (٤٣) ومن باب: التطبيق قوله: أصلى هؤلاء خلفكم؟ هذه الإشارة إلى الأمراء؛ عاب عليهم تأخيرها عن وقتها المستحب، ويدل عليه آخر الحديث. وخلفكم: إشارة إلى موضعهم، فكأنه قال: الذين خلفكم، ولم يرد به أنهم أئمتهم؛ إذ قد صلى بهم عبد الله ﵁. وقوله: فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة: اختلف في صلاة الرجل وحده أو في بيته، فذهب بعض السلف من أصحاب ابن مسعود وغيرهم إلى أنه تجزئه إقامة أهل المصر وأذانهم. وذهب عامة فقهاء الأمصار إلى أنه لا بدّ له من إقامة الصلاة، ولا تجزئه إقامة أهل المصر، ولا يؤذن. واستحب ابن المنذر أن يؤذن ويقيم. وقوله: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا، فجعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله؛ هذه الكيفية هي مذهب ابن مسعود، والجمهور: على أنهما يقومان خلفه، وسيأتي حديث ابن عباس حيث أقامه النبي ﷺ وجابر بن عبد الله

стр. 742

أَيدِيَنَا، وَطَبَّقَ بَينَ كَفَّيهِ، ثُمَّ أَدخَلَهُمَا بَينَ فَخِذَيهِ، قال: فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: إِنَّهُ سَتَكُونُ عَلَيكُم أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَن مِيقَاتِهَا، وَيَخنُقُونَهَا إِلَى شَرَقِ المَوتَى، ــ خلفه (١)، ولا خلاف أنهم إذا كانوا ثلاثة قاموا خلفه، فإن كان واحدًا قام عن يمينه على مذهب كافة العلماء، وحكي عن ابن المسيب أنه يقوم عن شماله؛ بحديث صلاة النبي ﷺ وأبي بكر في مرضه، على ما تقدم. وما ذكر من تشبيك اليدين وتطبيقهما بين الفخذين هو مذهب ابن مسعود وأصحابه خاصة، وهو صحيح من فعل النبي ﷺ ، إلا أنه منسوخ كما ذكر في حديث سعد بن أبي وقاص، ولم يبلغ ابن مسعود نسخه، والله أعلم. وعلى نسخ التطبيق كافة العلماء غير من ذكر. وقوله: سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة: هذا وقع في بني أمية. وكذلك أخّر عمر بن عبد العزيز العصر، فدخل عليه عروة بن الزبير، فأنكر عليه، وهذا الحديث من أدلة نبوة النبي ﷺ ؛ إذ قد أخبر عن شيء من الغيب، فوقع على نحو ما أخبر، وكأن بني أمية كانوا قد ذهبوا إلى أن تأخير الصلاة إلى آخر وقت توسعتها أفضل، كما هو قياس قول أبي حنيفة حيث قال: إن آخر الوقت هو وقت الوجوب (٢). وقوله: يخنقونها إلى شرق الموتى؛ أي: يضيِّقون وقتها، ويتركون أداءها إلى ذلك الحين، يقال: هم في خناق من كذا؛ أي: في ضيق منه. قال

стр. 743

فَإِذَا رَأَيتُمُوهُم قَد فَعَلُوا ذَلِكَ فَصَلُّوا الصَّلاةَ لِمِيقَاتِهَا، وَاجعَلُوا صَلاتَكُم مَعَهُم سُبحَةً، وَإِذَا كُنتُم ثَلاثَةً فَصَلُّوا جَمِيعًا، وَإِذَا كُنتُم أَكثَرَ مِن ذَلِكَ فَليَؤُمَّكُم أَحَدُكُم، وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُم فَليُفرِش ذِرَاعَيهِ على فَخِذَيهِ، وَليَحنِ وَليُطَبِّق بَينَ كَفَّيهِ. فَكَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى اختِلافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَفي رِوَايَةٍ: وَهُوَ رَاكِعٌ فَأَرَاهُم. وَفِي أُخرى: فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه مسلم (٥٣٤)، والنسائي (٢/ ١٨٤). [٤٢٧]- وَعَن مُصعَبِ بنِ سَعدٍ، قَالَ: صَلَّيتُ إِلَى جَنبِ أَبِي، قَالَ: وَجَعَلتُ يَدَيَّ بَينَ رُكبَتَيَّ. فَقَالَ لِي أَبِي: اضرِب بِكَفَّيكَ عَلَى رُكبَتَيكَ. ــ أبو عبيد: سأل الحسن بن محمد ابن الحنفية عن هذا الحديث؟ فقال: ألم تر إلى الشمس إذا ارتفعت عن الحيطان، وصارت بين القبور وكأنها لُجَّة، فذلك شرق الموتى. وقال الهروي في تفسير شرق الموتى: قال ابن الأعرابي: فيه معنيان: أحدهما: أن الشمس في ذلك الوقت إنما تثبت ساعة، ثم تغيب، فشبّه قلّة ما بقي من الوقت ببقاء تلك الساعة. والثاني: شرق الميت بريقه، فشبّه قلّة ما بقي من الوقت بما بقي من حياة من شرق بريقه، حتى تخرج روحه، وقيل: شرق الموتى: إذا ارتفعت الشمس، وقيل: هو اصفرار الشمس قبل غروبها. وقوله: واجعلوا صلاتكم معهم سبحة؛ أي: نافلة. وهذا لما يُخشى من أذاهم، ومن المخالفة عليهم. وقوله: وَليَحنُ رواية العذري بضم النون، من: حَنَوتُ العود؛ إذا عطفته. ورواية أكثر الشيوخ: وليحنِ بكسر النون، من: حَنَيتُ العود، وهما

стр. 744

قَالَ: ثُمَّ فَعَلتُ ذَلِكَ مَرَّةً أُخرَى، فَضَرَبَ يَدَيَّ وَقَالَ: إِنَّا نُهِينَا عَن هَذَا وَأُمِرنَا أَن نَضرِبَ بِالأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ. وَفي رِوَايةٍ: فَقُلتُ بَيَدِيَّ هَكَذَا، يَعنِي طَبَقَ بهما وَوَضَعهُمَا بَينَ فَخذَيهِ، فَقَالَ أَبِي: قَد كُنَّا نَفعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرنَا بالرُّكَبِ. وَفِي أُخرَى: ثُمَّ أُمِرنَا أَن نَرفَعَ إِلَى الرُّكَبِ. رواه مسلم (٥٣٥)، والنسائي (٢/ ١٨٥). * * * ــ لغتان. وعند الطبري: فَليَجنَأ بالجيم، وفتح النون، وبهمز آخره، وكلها صحيح. والمراد به الانحناء في الركوع؛ وهو تَعَقُّفُ الصُّلب، يقال: حنا على الشيء يحنو حُنُوًا بالحاء، وجَنَأَ يَجنَأُ جناء وجُنُوءًا بالجيم والهمز: إذا فعل ذلك. وأصل الركوع في لغة العرب: الخضوع والذِّلَّة؛ قال شاعرهم: لا تعادِ الفقيرَ علّك أن ... تركع يومًا والدهر قد رفعه ثم هو في الشرع: عبارة عن التذلل بالانحناء، وأقلُّه عندنا تمكين وضع اليدين على الركبتين منحنيًا، وهو الواجب. وهل الطمأنينة واجبة، أو ليست بواجبة؟ قولان، وعند أبي حنيفة: الواجب منه أقلّ ما يطلق عليه اسم المنحني. والحديث الصحيح يردّ عليه، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 745

(٤٤) باب [جواز الإقعاء على العقبين] [٤٢٨]- عَن طاوس قَالَ: قُلنَا لابنِ عَبَّاسٍ فِي الإِقعَاءِ عَلَى القَدَمَينِ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ. ــ (٤٤) ومن باب: جواز الإقعاء على العقبين (١) قول ابن عباس في الإقعاء: هي السنة، قال أبو عبيد: الإقعاء: هو أن يلصق الرجل أَليَتَيهِ بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض كما يفعل الكلب. قال: وفي تفسير الفقهاء: أن يضع أَليَتَيهِ على عقبيه بين السّجدتين نظر. وقال ابن شُمَيل: الإقعاء: أن يجلس على وَركَيه، وهو الاحتِفاز، والاستِيفاز. وحكي عن الثعالبي أنه قال - في أشكال الجلوس عن الأئمة -: أن الإنسان إذا ألصق عقبيه بأَليَتَيه قيل: إقعاء. وإذا استوفز في جلوسه كأنه يريد أن يثور للقيام قيل: احتَفَزَ، واقعَنفَزَ، وقعد القُعفُزَاء. فإذا ألصق أَلَيتَيه بالأرض، وتوسَّد ساقيه قيل: قرطش، كذا وقع، وصوابه: فَرشَطَ بالفاء، وتقديم الشين المعجمة، والطاء المهملة، وقد ذكره أبو عبيد في المصنف. قال القاضي عياض: والأشبه عندي - في تأويل الإقعاء الذي قال فيه ابن عباس أنه من السُّنة - الذي فسَّره به الفقهاء من وضع الأَليَتَين على العقبين بين السجدتين، وكذا جاء مفسَّرًا عن ابن عباس: من السنة أن تُمِسَّ عقبيك أليتيك. وقد روي عن جماعة من السلف والصحابة: أنهم كانوا يفعلونه، ولم يقل بذلك عامة فقهاء الأمصار، وسَمَّوه: إقعاء. ووافق الشافعي مالكًا في كراهية ذلك بين السجدتين، وخالفه في استعمال ذلك عند الرفع من السجدة الثانية للقيام، فأجازه، وقال: ليس ذلك بإقعاء، وإلى ذلك ذهب جماعة من أصحاب الحديث؛ متمسكين بحديث مالك بن الحويرث: أنه ﵊ كان إذا كان في وتر

стр. 746

فَقُلنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ. فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: بَل هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ . رواه أحمد (١/ ٣١٣)، ومسلم (٥٣٦)، وأبو داود (٨٤٥)، والترمذي (٢٨٣). * * * (٤٥) باب نسخ الكلام في الصلاة [٤٢٩]- عَن مُعَاوِيَةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: بَينَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ فَقُلتُ: يَرحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي القَومُ بِأَبصَارِهِم فَقُلتُ: وَاثُكلَ أُمَّياه! مَا شَأنُكُم تَنظُرُونَ إِلَيَّ؟ ــ من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا. ومنع ذلك كافة الفقهاء، ولعلهم رأوه من الإقعاء المكروه، وحديث مالك بن الحويرث لعله لعذر أوجب ذلك، أو ليبيِّن: أنه ليس بحرام. وقوله: إنا لنراه جفاء بالرَّجُل؛ كذا صحت الرواية منه - بفتح الراء، وضم الجيم -، وقيَّده أبو عمر بن عبد البر: بكسر الراء وسكون الجيم، وكان يقول: من قال: بالرَّجُل فقد صحَّف، ولا معنى له. قال القاضي: والأوجه عندي رواية الجماعة، ويدلّ عليه: إضافة الجفاء إليه في جلسته المكروهة عند العلماء، وأما الرِّجل فلا وجه له. (٤٥) ومن باب: نسخ الكلام في الصلاة قوله: واثكل أمياه! الثكل: الحُزن لفقد الولد. والمرأة الثكلى: الفاقدة لولدها، الحزينة عليه. وأمياه مضاف إلى ثكل، وكلاهما منادى مندوب؛ كما

стр. 747

فَجَعَلُوا يَضرِبُونَ بِأَيدِيهِم عَلَى أَفخَاذِهِم، فَلَمَّا رَأَيتُهُم يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبلَهُ وَلا بَعدَهُ أَحسَنَ تَعلِيمًا مِنهُ. وَاللَّهِ ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. ــ قالوا: واأمير المؤمنيناه! وأمياه أصله: أمي زيدت عليها الألف لمدّ الصوت، وأردفت بِهَاءِ السَّكت الثابتة في الوقف، المحذوفة في الوصل. وقوله: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم؛ يعني: يُسَكِّتونه. يحتمل أن يكون هذا الفعل منهم قبل نهي النبي ﷺ عن التصفيق، والأمر بالتسبيح. قال المؤلف ﵀: ويحتمل أن يقال: إنهم فهموا أن التصفيق المنهي عنه إنما هو ضرب الكَفّ على الكَفّ، أو الأصابع على الكف، ويبعد أن يُسَمّى من ضرب على فخذه وعليها ثوبه مُصَفِّقًا - والله أعلم -؛ ولذلك قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. ولو كان سمى هذا تصفيقا، لكان الأقرب في لفظه أن يقول: يصفِّقون لا غير. وقوله: فما كَهَرَني؛ أي: فما انتهرني. والكَهرُ: الانتهار. قاله أبو عبيد. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: فأما اليتيم فلا تكهر (١)، وقيل: الكَهرُ: العبوس في وجه من تلقاه. وقوله: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس؛ يدل على منع الكلام في الصلاة، وعلى منع تشميت العاطس فيها، وهو مُتَمَسَّكٌ عند من (٢)

стр. 748

أو كمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي حَدِيثُ عَهدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَد جَاءَ اللَّهُ بِالإِسلامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالا يَأتُونَ الكُهَّانَ، قَالَ: فَلا ــ منع الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن كما قدّمناه، ويعتضد بقوله: إنما هي التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن؛ لأن إنما للحصر، وينفصل عنه بما ثبت من تخصيص هذا الحديث بدعائه ﷺ في الصلاة على أقوام بأعيانهم كما سيأتي، وقد كان الكلام مباحًا في الصلاة حتى تقرر نسخه كما جاء في حديث زيد بن أرقم. ولا يختلف في أن الكلام العمد الذي لا يقصد به إصلاح الصلاة، ولا صَدَرَ من جاهلٍ بمنعه يفسد الصلاة. واختُلف فيه سهوًا، وعمدًا للإصلاح، وجهلا؛ فقال الكوفيون: تفسد الصلاة بالكلام كيفما وقع، والجمهور على خلافهم. وسبب الخلاف: هل الامتناع من الكلام شرط مطلقًا، أو هو شرط في بعض الأحوال دون بعض؟ والصحيح مذهب الجمهور؛ بدليل ما روي في هذا الحديث: من أن معاوية تكلم في الصلاة جاهلا بحكم ذلك، ثم لما فرغ أعلمه النبي ﷺ بتحريم الكلام، ولم يأمره بالإعادة. وإذا كان ذلك في الجاهل، فالناسي أولى بذلك؛ إذ هو غير مقصِّر ولا ملوم. وأما الكلام لإصلاح الصلاة، فقد صحَّت فيه الأحاديث على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وأما تشميت العاطس، فهو كلام مع مخاطب عمدًا فيفسد الصلاة، وأما تحميده هو بنفسه، فروي عن ابن عمر والشعبي وأحمد أنه يحمد الله ويجهر به، ومذهب مالك والشافعي: أنه يحمد الله تعالى، ولكن سرًّا في نفسه. وقوله: ومنا رجال يأتون الكُهَّان، الكُهَّان: جمع كاهن؛ ككاتب وكُتَّاب. والكاهن: الذي يتعاطى علم ما غاب عنه. وكانت الكهانة في الجاهلية في كثير من الناس شائعة فاشية، وكان أهل الجاهلية يترافعون إلى الكهان في وقائعهم وأحكامهم، ويرجعون إلى أقوالهم، كما فعل عبد المطلب حيث أراد ذبح ابنه عبد الله في نذر كان نذره، فمنعته عشيرته من ذلك، وَسَرى أَمرُهُم حتى

стр. 749

تَأتِهِم قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ، ــ ترافعوا إلى كاهن معروف عندهم (١)، فحكم بينهم بأن يفدوه بمائة من الإبل، على ترتيبٍ ذُكِر في السيرة، وإنما كان الكاهن يتمكن من التكهن بواسطة تَابِعِه من الجن، وذلك أن الجني كان يسترق السمع، فيخطف الكلمة من الملائكة، فيخبر بها وليَّه، فيتحدث بها (٢)، ويزيد معها مائة كذبة، كما قال رسول الله ﷺ (٣). فلما بعث الله رسوله ﷺ أُرسلت الشهب على الجن، فلم يتمكنوا مما كانوا يتمكنون منه قبل ذلك، فانقطعت الكهانة؛ لئلا يجرّ ذلك إلى تغيير الشرع ولبس (٤) الحق بالباطل، لكنها وإن كانت قد انقطعت فقد بقي في الوجود قوم يتشبهون بأولئك الكهان، فنهى رسول الله ﷺ عن اتباعهم؛ لأنهم كَذَبة مُمَخرِقون (٥) مبطلون ضالون مضلون، فيحرم إتيانهم والسماع منهم، وقد كثر هذا النوع في كثير من (٦) نساء الأندلس، وكثير من رجال غير الأندلس، فليحذر الإتيان إليهم والسماع منهم. وقوله: ومنّا رجال يتطيرون؛ الطيرة: مصدر طار يطير طِيَرَةً وطيرانًا، وأصلها: أن العرب كانوا إذا خرج الواحد منهم في حاجة نظر إلى أول طائر يراه، فإن طار عن يمينه تشاءم به، وامتنع من المُضِيّ في تلك الحاجة، وإن طار عن يساره تيمّن به ومضى في حاجته. وأصل هذا: أن الرامي للطير، إنما

стр. 750

قَالَ: ذَلِكَ شَيءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِم فَلا يَصُدَّنَّهُم - وَقَالَ ابنُ الصَّبَّاحِ: فَلا يَصُدَّنَّكُم، قَالَ: قُلتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنبِيَاءِ يَخُطُّ، ــ يصيب ما كان عن يساره، ويخيبه ما كان عن يمينه، فسُمِّي التشاؤم تطيرًا بذلك. وقوله: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يَصُدّهم - وفي رواية: فلا يضرهم؛ ومعنى ذلك: أن الإنسان بحكم العادة يجد من نفسه نفرة وكراهة مما يتطير به، فينبغي له: ألا يلتفت إلى تلك النفرة، ولا لتلك الكراهة، ويمضي لوجهه الذي خرج إليه، فإن تلك الطيرة لا تضر، وإذا لم تضر فلا تصدّ الإنسان عن حاجته. وأَشَاَر بِه إلى أن الأمور كلها بيد الله تعالى، فينبغي أن يُعوّلَ عليه، وتُفَوَّضَ جميع الحوائج إليه. ويفهم منه: أن هذا الوجدان لتلك النفرة لا يلام واجدها عليها شرعًا؛ لأنه لا يقدر على الانفكاك عنها، وإنما يلام الإنسان أو يمدح على ما كان داخلا تحت استطاعته. وقوله: ومنا رجال يَخُطُّون: قال ابن عباس في تفسير هذا الحديث: هو الخط الذى يخطّه الحَازِي، فيعطيه حُلوانًا، فيقول: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي (١) غلام معه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخط الأستاذ خطوطًا بعجلة لِئَلَاّ يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو على مهل خطين خطين، فإن بقي خطّان فهي علامة النَّجاحِ، وإن بقي خط فهي علامة الخيبة، والعرب تسميه: الأَسحَم (٢)، وهو مشؤوم عندهم. وقوله: كان نبي من الأنبياء يخط، حكى مَكِّي (٣) في تفسيره: أنه روي أن

стр. 751

فَمَن وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ. قَالَ: وَكَانَت لِي جَارِيَةٌ تَرعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعتُ ذَاتَ يَومٍ فَإِذَا الذِّئبُ قَد ذَهَبَ بِشَاةٍ مِن غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِن بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأسَفُونَ. لَكِنِّي صَكَكتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلا أُعتِقُهَا؟ قَالَ: ائتِنِي بِهَا، فَأَتَيتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: أَينَ اللَّهُ؟ قَالَت: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: مَن أَنَا؟ قَالَت: أَنتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ــ هذا النبي كان يخط بأصبعيه السبابة والوسطى في الرمل، ثم (١) يزجر. وقوله: فمن وافق خطَّه فذاك؛ قال الخطابي: هذا يحتمل الزجر؛ إِذ كان ذلك عَلَمًا لنبوّته، وقد انقطعت، فنهينا عن التعاطي؛ لذلك قال القاضي عياض: الأظهر من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خط من يوافق خطه، لكن من أين نعلم الموافقة؟ والشرع منع من التخرص وادعاء الغيب جملة، وإنما معناه: أن من (٢) وافق خطه فذلك الذي تجدون إصابته، لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله، على ما تأوّله بعضهم. والجَوَّانِيَة: بفتح الجيم، وتشديد (٣) الواو، وتخفيف الياء، وقُيِّد عن الخُشَني: بتشديد الياء، وكذا ذكرها أبو عبيد البكري، قال: كأنها نسبت إلى جوّان، والجوانية: أرض من عمل الفُرُع من جهة المدينة. وقوله: آسف كما يأسفون؛ أي: أغضب كما يغضبون، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ وصَكَكتُها: لَطَمتُها في وجهها. وقوله ﷺ للجارية: أين الله؟ هذا السؤال من النبي ﷺ تَنَزُّلٌ مع الجارية

стр. 752

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على قدر فهمها؛ إذ أراد أن يظهر منها ما يدل على أنها ليست ممن يعبد الأصنام ولا الحجارة التي في الأرض، فأجابت بذلك، وكأنها قالت: إن الله ليس من جنس ما يكون في الأرض. وأين: ظرف يُسأل به عن المكان، كما أن متى ظرف يُسأل به عن الزمان، وهو مبني لما تضمّنه من حرف الاستفهام، وحُرِّك لالتقاء الساكنين، وخُصَّ بالفتح تخفيفًا، وهو خبر المبتدأ الواقع بعده، وهو لا يصح (١) إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة؛ إذ الله تعالى منزّه عن المكان، كما هو منزّه عن الزمان، بل هو خالق الزمان والمكان، ولم يزل موجودًا، ولا زمانَ ولا مكانَ، وهو الآن على ما عليه كان، ولو كان قابلا للمكان لكان مختصًّا به، ويحتاج إلى مخصِّص، ولكان فيه إما متحركًا وإما ساكنًا، وهما أمران حادثان، وما يتّصف بالحوادث حادث، على ما يبسط القول فيه في علم الكلام، ولما صَدَق قوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾؛ إذ كانت تماثله الكائنات في أحكامها، والممكنات في إمكانها، وإذا ثبت ذلك، ثبت أن النبي ﷺ إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم، الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم، فأراد النبي ﷺ أن يتعرّف منها: هل هي ممن يعتقد أن معبوده في بيت الأصنام، أم لا؟ فقال لها: أين الله؟ فقالت: في السماء، فقنع منها بذلك، وحكم بإيمانها؛ إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك. وإذ نزَّهت الله تعالى عن أن يكون من قبيل معبوداتهم وأصنامهم، ورفعته عن أن يكون في مثل أمكنتهم، وحملها على ذلك: أنها رأت المسلمين يرفعون أبصارهم (٢) وأيديهم إلى السماء عند الدعاء، فتُركت على ذلك في تلك الحال لقصور فهمها، إلى أن يتمكن فهمها وينشرح صدرها؛ إذ لو قيل لها في تلك الحالة: الله تعالى يستحيل عليه المكان

стр. 753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والزمان، لخيف عليها أن تعتقد النفي المَحض والتعطيل؛ إذ ليس كل عقل يقبل هذا، ويعقله على وجهه، بل إنما يعقله العالمون الذين شرح الله صدورهم لهدايته، ونوّر قلوبهم بنور معرفته، وأمدّهم بتوفيقه ومعونته، وأكثر الخلق تغلب عليهم الأوهام (١)، وتَكِلّ منهم الأفهام. وقيل في تأويل هذا الحديث: أن النبي ﷺ إنما سألها بأين عن الرتبة المعنوية التي هي راجعة إلى جلاله تعالى وعظمته التي بها بَايَنَ كلّ من نُسبت إليه الإلهية، وهذا كما يقال: أين الثُّريّا من الثَّرَى؟ ! والبصرُ من العَمَى؟ ! أي: بَعُدَ ما بينهما، واختصت الثريا والبصر بالشرف والرفعة. وعلى هذا يكون قولها: في السماء؛ أي: في غاية العلوّ والرفعة، وهذا كما يقال: فلان (٢) في السماء ومناط الثريا، كما قال: وإن بني عوف كما قد علمتم ... مناط الثريا قد تعالت نجومُها أقول هذا، والله ورسوله أعلم، والتسليم أسلم. تنبيه: ثم اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين قاطبة، محدثهم، وفقيههم، ومتكلمهم، ومقلِّدهم، ونُظَّارهم: أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء (٣)؛ كقوله: ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ﴾ ليست على ظاهرها، وأنها متأوَّلة عند جميعهم. أما من قال منهم بالجهة، فتلك الجهة عنده هي جهة الفوق التي عبر عنها بالعرش وهي فوق السماوات، كما جاء في الأحاديث فلا بدّ أن يُتَأَوَّل كونه في السماء، وقد تأَوّلوا تأويلات، وأشبه ما فيه: أن في بمعنى: على،

стр. 754

قَالَ: أَعتِقهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَةٌ. رواه أحمد (٥/ ٤٤٧ - ٤٤٨)، ومسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠ و ٩٣١)، والنسائي (٣/ ١٤ - ١٨). ــ كما قال: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُم فِي جُذُوعِ النَّخلِ﴾؛ أي: على جذوع النخل، ويكون العلوّ بمعنى الغلبة، وأما من يعتقد نفي الجهة في حق الله تعالى، فهو أحق بإزالة ذلك الظاهر، وإجلال الله تعالى عنه، وأَولى الفرق بالتأويل. وقد حصل من هذا الأصل المحقق أن قول الجارية: في السماء ليس على ظاهره باتفاق المسلمين، فيتعيّن أن يعتقد فيه أنه مُعَرَّض لتأويل المتأوِّلين، وأن مَن حمله على ظاهره فهو ضال من الضالين (١). وقوله: أعتقها فإنها مؤمنة؛ فيه دليل على أن عتق المؤمن أفضل، ولا خلاف في جواز عتق الكافر في التطوع، وأنه لا يجزئ في كفارة القتل؛ لنص الله تعالى على المؤمنة. واختلف في كفارة اليمين والظهار وتعمد الوطء في رمضان، فمالك والشافعي وعامتهم: لا يجيزون في ذلك كله إلا مؤمنة؛ حملا لمطلق هذه الكفارات على مقيد كفارة القتل. وذهب الكوفيون إلى أن ذلك ليس شرطًا في هذه الكفارات، ومنعوا حمل المطلق على المقيد، وتحقيق ذلك في الأصول. وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل فَطِن؛ ومن أهمها: أنه لا يشترط في الدخول في الإيمان التلفظ بألفاظ مخصوصة؛ كالشهادتين، بل يكفي كل لفظ يدل على صحة الدخول في الدين، وأنه يُكتفى بالاعتقاد الصحيح،

стр. 755

[٤٣٠]- وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النبي ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ فَيَرُدُّ عَلَينَا، فَلَمَّا رَجَعنَا مِن عِندِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمنَا عَلَيهِ فَلَم يَرُدَّ عَلَينَا، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيكَ فِي الصَّلاةِ فَتَرُدُّ عَلَينَا، قَالَ: إِنَّ فِي الصَّلاةِ شُغلا. رواه أحمد (١/ ٣٧٦)، والبخاري (١١٩٩)، ومسلم (٥٣٨)، وأبو داود (٩٢٣ و ٩٢٤)، والنسائي (٣/ ١٩). ــ ولا يشترط أن يكون عن برهان نظري، إذ لم يسألها النبي ﷺ عن طريق علم ذلك، ولا كانت أيضًا ممن يصلح لفهم تلك البراهين والاستدلالات، كما بينّا في التأويل الأول. وقول عبد الله بن مسعود: كنا نسلم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة فيردّ علينا: هذا كان منه ﷺ إِذ كان الكلام مباحًا في الصلاة في أول الأمر، كما قال زيد بن أرقم، ثم لما نُسخ ذلك امتنع رد السلام نطقًا من المصلي، وغير ذلك من أنواع الكلام مع الغير. وهذا الحديث حجة على من أجاز للمصلي أن يرد السلام نطقًا، وهم: أبو هريرة وجابر والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة وإسحاق. ثم إذا قلنا: لا يرد نطقًا، فهل يرد إشارة، أم لا؟ وبالأول قال مالك وأصحابه، وهو مذهب ابن عمر وجماعة من العلماء. وبالثاني قال أبو حنيفة، فمنع الردّ إشارة ونطقًا، وبه قال الثوري وعطاء والنخعي. ثم اختلف من لم يردّه: هل يرد إذا سلم أم لا؟ وبالأول قال الثوري وعطاء والنخعي، وبالثاني قال أبو حنيفة. وقال بعض أهل العلم: يردّ المصلي في نفسه. هذا حكمه في الردّ. وأما ابتداء السلام على المصلي، فاختَلف فيه العلماء. فعن مالك فيه الجواز، وقد رويت عنه الكراهة. وقوله: إن في الصلاة شغلا: اكتفى بذكر الموصوف عن الصفة، فكأنه

стр. 756

[٤٣١]- وَعَن زَيدِ بنِ أَرقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنبِهِ فِي الصَّلاةِ حَتَّى نَزَلَت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الكَلامِ. رواه أحمد (١/ ٤٦٣)، والبخاري (٤٥٣٥)، ومسلم (٥٣٩)، وأبو داود (٩٤٩)، والترمذي (٤٥٥)، والنسائي (٣/ ١٨). * * * ــ قال: شغلا كافيًا، أو مانعًا من الكلام وغيره. ويفهم منه التفرغ للصلاة من جميع الأشغال، ومن جميع المشوِّشات، والإقبال على الصلاة بظاهره وباطنه. وقوله: حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ القنوت ينصرف في الشرع واللغة على أنحاء مختلفة، يأتي بمعنى الطاعة، وبمعنى السكوت، وبمعنى طول القيام، وبمعنى الخشوع، وبمعنى الدعاء، وبمعنى الإقرار بالمعبود، وبمعنى الإخلاص. وقيل: أصله الدوام على الشيء؛ ومنه الحديث: قنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو على قبائل من العرب (١)؛ أي: أدام الدعاء والقيام له. واللائق بالآية من هذه المعاني: السكوت والخشوع. وقوله: ونهينا عن الكلام: هذا هو الناسخ لإباحة الكلام في الصلاة، وقد قدّمنا في حديث معاوية القول على أنواع الكلام الواقع في الصلاة. * * *

стр. 757

(٤٦) باب جواز الإشارة بالسلام في الصلاة، ولعن الشيطان [٤٣٢]- عَن جَابِرٍ قَالَ: أَرسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُنطَلِقٌ إِلَى بَنِي المُصطَلِقِ، فَأَتَيتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى بَعِيرِهِ، فَكَلَّمتُهُ، فَقَالَ لِي بِيَدِهِ هَكَذَا - وَأَومَأَ زُهَيرٌ بِيَدِهِ -، ثُمَّ كَلَّمتُهُ، فَقَالَ لِي هَكَذَا - فَأَومَأَ زُهَيرٌ أَيضًا بِيَدِهِ نَحوَ الأَرضِ -، وَأَنَا أَسمَعُهُ يَقرَأُ، يُومِئُ بِرَأسِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: مَا فَعَلتَ فِي الَّذِي أَرسَلتُكَ لَهُ؟ فَإِنَّهُ لَم يَمنَعنِي أَن أُكَلِّمَكَ إِلا أَنِّي كُنتُ أُصَلِّي. وَفي روَاية: وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَوَجهُهُ عَلَى غَيرِ القِبلَةِ. وَفِي أُخرَى: فَسَلَّمتُ عَلَيهِ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي، فَقَالَ: إِنَّكَ سَلَّمتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي، وَهُوَ مُوَجِّهٌ حِينَئِذٍ قِبَلَ المَشرِقِ. رواه أحمد (٣/ ٣١٢)، ومسلم (٥٤٠)، والنسائي (٣/ ٦)، وابن ماجه (١٠١٨). [٤٣٣]- وعَن أَبِي الدَّردَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعنَاهُ يَقُولُ: ــ (٤٦) ومن باب: جواز الإشارة بالسلام في الصلاة حديث جابر هذا حجة لمالك ولمن قال بقوله على جواز ردّ المصلي السلام بالإشارة، وعلى جواز ابتداء السلام على المصلي، وعلى أن العمل القليل في الصلاة لا يفسدها، وعلى منع الكلام في الصلاة، وفيه دليل على جواز التنفل على الراحلة، لكن في السفر، وعلى أنه يصلي النفل عليها حيث توجهت به. وسيأتي كل ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 758

أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ، ثُمَّ قَالَ: أَلعَنُكَ بِلَعنَة اللَّهِ. ثَلاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَد سَمِعنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلاةِ شَيئًا لَم نَسمَعكَ تَقُولُهُ قَبلَ ذَلِكَ، وَرَأَينَاكَ بَسَطتَ يَدَكَ. قَالَ: إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِن نَارٍ لِيَجعَلَهُ فِي وَجهِي، فَقُلتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ -، ثُمَّ قُلتُ: أَلعَنُكَ بِلَعنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، فَلَم يَستَأخِر ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدتُ أخُذَهُ، وَاللَّهِ لَولا دَعوَةُ أَخِينَا سُلَيمَانَ لأَصبَحَ مُوثَقًا يَلعَبُ بِهِ وِلدَانُ المَدِينَةِ. رواه مسلم (٥٤٢)، والنسائي (٢/ ١٣). ــ وقوله ﷺ : أعوذ بالله منك؛ أي: أَستَتِرُ وألتجئ في كفايته إياي منك. ومنه سُمِّي العود الذي يَلجَأ إليه الغُثَاء في السيل: عَوذا؛ لأن الغثاء يلجأ إليه. وقوله: ألعنك بلعنة الله التامة، أصل اللعن: الطرد والبعد، ومعناه: أسأل الله أن يلعنه بلعنته. والتامَّة يحتمل وجهين: أحدهما: أنها الكاملة التي لا ينقصُ منها شيء. والثاني: المستحقّة الواجبة، كما قال: ﴿وَتَمَّت كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدقًا وَعَدلا﴾؛ أي: حَقَّت ووجبت، ولم يقصد مخاطبة الشيطان؛ لأنه كان يكون متكلمًا في الصلاة، وإنما كان متعوذًا بالله؛ كما قال: أعوذ بالله منك. قوله: ولولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان المدينة (١). يدل على أن مُلكَ الجن والتصرُّفَ فيهم بالقهر مما خصّ به سليمان، وسبب خصوصيته: دعوته التي استجيبت له، حيث قال: ﴿وَهَب لِي مُلكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ

стр. 759

[٤٣٤]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ عِفرِيتًا مِنَ الجِنِّ جَعَلَ يَفتِكُ عَلَيَّ البَارِحَةَ لِيَقطَعَ عَلَيَّ الصَّلاةَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمكَنَنِي مِنهُ، ــ مِن بَعدِي إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ﴾ ولما تحقق النبي ﷺ الخصوصية، امتنع من تعاطي ما هَمَّ به من أخذ الجني وربطه. فإن قيل: كيف يتأَتَى ربطه وأخذه واللعب به، مع كون الجن أجسامًا لطيفة روحانية؟ قلنا: كما تَأَتَى ذلك لسليمان ﵇؛ حيث جعل الله له منهم ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصفَادِ﴾ ولا شك أن الله تعالى أوجدهم على صورٍ تَخُصُّهم، ثم مكّنهم من التشكل في صور مختلفة، فيتمثلون في أي صورة شاؤوا، أو شاء الله، وكذلك فعل الله بالملائكة كما قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ وقال ﷺ : . وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني (١)، فيجوز أن يُمَكِّن الله نبيه محمدًا ﷺ من هذا الجنِّي، مع بقاء الجنِّي على صورته التي خُلق عليها، فيوثقه كما كان سليمان ﵇ يوثقهم، ويرفع الموانع عن أبصار الناس، فيرونه موثقًا حتى يلعب به الغلمان. ويجوز أن يشكِّله الله تعالى في صورة جسميِّةٍ محسوسة، فيربطه ويُلعب به، ثم يمنعه من الزوال عن تلك الصورة التي تشكّل فيها، حتى يفعل الله ما همّ به النبي ﷺ . وفي هذا دليل على رؤية بني آدم الجن. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُم هُوَ وَقَبِيلُهُ مِن حَيثُ لا تَرَونَهُم﴾؛ إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم، والله تعالى أعلم. وقوله: إن عفريتًا جعل يفتك عليّ البارحة؛ العفريت: المارد من الجن الشديد، ومنه: رجل عِفرِيت؛ أي: شديد الدَّهاء والمكر والحيلة. هكذا صحّ في كتاب مسلم: يَفتِك؛ ومعناه: يغفله عن الصلاة ويشغله. وأصل الفَتك: القتل على غفلة وغِرَّة، ومنه: قوله ﷺ : الإيمان قَيَّد الفَتك (٢). وهكذا مجيء الشيطان

стр. 760

فَذَعَتُّهُ، فَلَقَد هَمَمتُ أَن أَربِطَهُ إِلَى جَنبِ سَارِيَةٍ مِن سَوَارِي المَسجِدِ حَتَّى تُصبِحُوا تَنظُرُون إِلَيهِ أَجمَعُونَ (أَو كُلُّكُم)، ثُمَّ ذَكَرتُ قَولَ أَخِي سُلَيمَانَ: ﴿رَبِّ اغفِر لِي وَهَب لِي مُلكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِن بَعدِي﴾ فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَدَعَتُّهُ. رواه أحمد (٢/ ٢٩٨)، والبخاري (٤٦١)، ومسلم (٥٤١). * * * ــ للمصلي على غفلة وغرَّة، وذكره البخاري. وقال: تَفَلَّت عليّ البارحة (١)، وهو أيضًا صحيح؛ أي: جاءني على غفلة وفلتة وغرة (٢) وفُجأَةٍ، ومنه: قيل: افتلتت نفسه؛ أي: مات على فجأةٍ. والفَلتَةُ: الأمرُ يُؤتى على غير رَوِيَّة. وقوله: فَذَعَتُّهُ بالذال المعجمة؛ أي: خنقته. قال الهروي: وفي رواية ابن أبي شيبة بالدال المهملة، وهما بمعنى واحد، وأنكره الخطابي، وقال: لأن أصله يكون: دَعَتُه، ولا يصح إدغام العين في التاء. قال ابن دريد: ذَعَتَه، يَذعَتُه، ذعتًا: غَمَزَهُ غمزًا شديدًا. والدَّعَتُ مهملا: الدفع الشديد، ويقال بالذال المعجمة. وقوله: لقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد. يحتمل أن يقال: إن هذا الذي همَّ به كان يكون شغلا يسيرًا، ويحتمل أن يكون يربطه بعد تمام الصلاة. وقوله: فردّه الله خاسئًا؛ أي: ذليلا مدحورًا؛ من خَسَأت الكلب: إذا زَجَرته وطَرَدته.

стр. 761

(٤٧) باب جواز حمل الصغير في الصلاة، وجواز التقدم والتأخر، ومن صلى على موضع أرفع من موضع المأموم [٤٣٥]- عَن أَبِي قَتَادَةَ الأَنصَارِيِّ، قال: رأيت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يؤم الناس وَأُمَامَةُ بِنتُ أَبِي العَاصِ - وَهِيَ ابنة زَينَبَ بِنتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: بَينَا نَحنُ فِي المَسجِدِ جُلُوسٌ خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ... ، بِنَحوِ ما تَقَدَّم. رواه أحمد (٥/ ٢٩٥ و ٣٠٣)، والبخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣) (٤٢ و ٤٣)، وأبو داود (٩١٧)، والنسائي (٣/ ١٠). ــ (٤٧) ومن باب: حمل الصغير في الصلاة اختلف العلماء في تأويل حمل النبي ﷺ لأمامة في الصلاة، والذي أحوجهم لتأويله: أنه شغلٌ كثير. فروى ابن القاسم عن مالك: أنه كان في النافلة، وهذا تأويل بعيد؛ فإن ظاهر الحديث الذي ذكره أبو داود يدل على أنه في الفريضة؛ لقوله: بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر، خرج علينا حاملا أمامة على كتفه (١)، وذكر الحديث. ومعلوم: أنه كان ﷺ إنما كان يتنفل في بيته، ثم يخرج لصلاة الفريضة، فإذا رآه بلال خارجًا أقام الصلاة. وأيضًا ففي هذا الحديث قال أبو قتادة: رأيت رسول الله ﷺ يؤم الناس، وغالب عادته، أنه إنما كان يؤم الناس في المسجد في الفريضة. وروى عنه أشهب، وابن نافع: أن هذا للضرورة، وإذا لم يجد من يكفيه، وأما لحب الولد فلا. وظاهر هذا إجازته في الفريضة والنافلة.

стр. 762

[٤٣٦]- وعَن أَبِي حَازِمٍ: أَنَّ نَفَرًا جَاؤوا إِلَى سَهلِ بنِ سَعدٍ، قَد تَمَارَوا فِي المِنبَرِ: مِن أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعرِفُ مِن أَيِّ عُودٍ هُوَ، وَمَن عَمِلَهُ، وَرَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ يَومٍ جَلَسَ عَلَيهِ. قَالَ: فَقُلتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ! فَحَدِّثنَا. قَالَ: أَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى امرَأَةٍ (قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّهُ لَيُسَمِّيهَا يَومَئِذٍ) انظُرِي غُلامَكِ النَّجَّارَ يَعمَل لِي أَعوَادًا أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيهَا، فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلاثَ دَرَجَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ وروى عنه التِّنِّيسي: أن الحديث منسوخ، قال أبو عمر بن عبد البر: لعل هذا نُسخ بتحريم العمل والاشتغال في الصلاة بغيرها. وقال الخطابي: يشبه أن هذا كان منه ﷺ على غير قصد وتعمد، لكن الصبية تعلّقت به لطول إِلفِهَا لَهُ، وهذا باطل؛ لقوله في الحديث: خرج علينا حاملا أمامة على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رأسه من السجود أعادها (١). والأشبه: أنه كان لضرورة لم يقدر على أن ينفكّ عنها، أو هو منسوخ. والله تعالى أعلم. وفيه من الفقه: جواز إدخال الصغار المساجد، إذا علم من عادة الصبي أنه لا يبول، وأن ثيابه محمولة على الطهارة، وأن لمس النساء ليس بحَدَث، وأن حكم من لا تشتهى من النساء بخلاف حكم من يُشتهى منهن. وفيه: تواضع رسول الله ﷺ وشفقته، وجواز حمل ما لا يشغل في الصلاة شغلا كثيرًا. وقوله: انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أكلم الناس عليها. فيه دليل: على أن اتخاذ المنبر مسنون في الجمعة للخطبة، وفائدته: الإبلاغ والإسماع. وقد استدل أحمد بن حنبل بصلاة النبي ﷺ على المنبر على جواز

стр. 763

فَوُضِعَت هَذَا المَوضِعَ، فَهِيَ مِن طَرفَاءِ الغَابَةِ، وَلَقَد رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَيهِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ، فرَجَعَ فَنَزَلَ القَهقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصلِ المِنبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِن آخِرِ صَلاتِهِ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي صَنَعتُ هَذَا لِتَأتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلاتِي. رواه أحمد (٥/ ٣٣٩)، والبخاري (٤٤٨)، ومسلم (٥٤٤) (٤٤)، وأبو داود (١٠٨٠)، والنسائي (٢/ ٥٧)، وابن ماجه (١٤١٦). * * * ــ صلاة الإمام على موضع أرفع من موضع المأموم، ومالك يمنع ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير، وعلَّل المنع: بخوف الكِبر على الإمام. واعتذر بعض أصحابه عن الحديث: بأن النبي ﷺ معصوم عن الكِبر، ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيرًا. وقوله: فرجع القهقرى حتى سجد في أصل المنبر؛ يعني: رجع خلفه؛ من تقهقر الرجل في مشيته: إذا رجع من حيث جاء، وهذا إنما فعله ليُرِيَ الناسَ كيفية صلاته، ففعل على المنبر ما يتمكّن من فعله عليه، وهو القيام والركوع، وفعل في الأرض ما لا يتمكن من فعله عليه، وهو السجود والجلوس، وهذا القدر عمل يسير لا يُخِلّ بمقصود الصلاة ولا بهيئتها. وقوله: لتأتموا بي؛ لتقتدوا بي. ولتعَلموا صلاتي، رويناه بفتح العين وتشديد اللام؛ أي: لتتعلموا، وهذا الأمر على الوجوب. * * *

стр. 764

(٤٨) باب النهي عن الاختصار في الصلاة، وما يجوز من مس الحصى فيها، وما جاء في البصاق في المسجد [٤٣٧]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُختَصِرًا. رواه أحمد (٢/ ٣٩٩)، والبخاري (١٢١٩ و ١٢٢٠)، ومسلم (٥٤٥)، وأبو داود (٩٤٧)، والترمذي (٣٨٣)، والنسائي (٢/ ١٢٧). ــ (٤٨) ومن باب: النهي عن الاختصار في الصلاة قوله: نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل مختصرًا: اختُلف في تأويله على أقوال: أحدها: أن يأخذ بيده عصًا يتوكأ عليها. قاله الهروي. وثانيها: أن يقرأ من آخر السورة آية أو اثنتين في فرضه، ولا يكملها. قاله أبو هريرة. وثالثها: هو أن يضع يده على خَصره في الصلاة؛ لأنه مِن فعل أهل الكِبر. وقيل: لأنه من فعل اليهود؛ كما قال ﷺ : الاختصار راحة أهل النار (١)؛ يعني اليهود والمتكبرين؛ لا أنّ لهم في النار راحة. ورابعها: هو حذف الصلاة، بحيث لا يتم ركوعها، ولا سجودها، ولا حدودها.

стр. 765

[٤٣٨]- وَعَن مُعَيقِيبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيثُ يَسجُدُ، قَالَ: إِن كُنتَ فَاعِلا فَوَاحِدَةً. رواه أحمد (٣/ ٤٢٦)، والبخاري (١٢٠٧)، ومسلم (٥٤٦)، وأبو داود (٩٤٦)، والترمذي (٣٨٠)، والنسائي (٣/ ٧)، وابن ماجه (١٠٢٦). ــ وقول معيقيب: إنهم سألوا رسول الله ﷺ عن المسح في الصلاة؛ يعني: مسح التراب حيث يسجد؛ لئلا يتأذّى به في سجوده. وقد جاء مفسرًا في الرواية الأخرى، وأُبيح له مرة واحدة استخفافًا لأمرها، وليدفع ما يتأذى به منها، ومُنع فيما زاد عليها؛ لئلا يكثر الشغل، ويقع التشويش في الصلاة. هذا مذهب الجمهور، وحكى الخطابي عن مالك جواز مسح الحصى مرة وثانية في الصلاة. والمعروف عنه ما عليه الجمهور، وقيل: بل عنى مسح الغبار عن وجهه، ويشهد له حديث النسائي عن أبي ذر، قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه (١)، زاد في مسند سفيان بن عيينة: فلا يمسح إلا مرة. وقد كره السلف مسح الجبهة في الصلاة وقبل الانصراف مما يعلق بها من الأرض؛ لكثرة الأجر في تَترِيب الوجه، والتواضع لله، والإقبال على صلاته بجميعه. وقوله: إن كنت فاعلا فواحدة، رويناه بنصب واحدة، ورفعه. فنصبه بإضمار فعل تقديره: فامسح واحدة، أو يكون نعتًا لمصدر محذوف. ورفعه على الابتداء وإضمار الخبر، تقديره: فواحدة تكفيه، أو كافيته، ويجوز أن يكون المبتدأ هو المحذوف، وتكون واحدة: الخبر، تقديره: فالمشروع - أو الجائز - واحدة، وما أشبهه.

стр. 766

[٤٣٩]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبلَةِ المَسجِدِ، فَأَقبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِكُم يَقُومُ مُستَقبِلَ رَبِّهِ، فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ؟ أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَن يُستَقبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُم فَليَتَنَخَّع عَن يَسَارِهِ، تَحتَ قَدَمِهِ، فَإِن لَم يَجِد فَليَقُل هَكَذَا، وَوَصَفَ القَاسِمُ: فَتَفَلَ فِي ثَوبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعضَهُ عَلَى بَعضٍ. رواه أحمد (٢/ ٢٥٠)، والبخاري (٤١٦)، ومسلم (٥٥٠)، وأبو داود (٤٧٧)، والنسائي (١/ ١٦٣)، وابن ماجه (١٠٢٢). [٤٤٠]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبلَةِ ــ وقوله: رأى نخامة في قبلة المسجد، النُّخامَة، والنُّخاعَة: ما يخرج من الصدر؛ يقال: تَنَخَّم وتنخع بمعنى واحد، والبصاق بالصاد والزاي: ما يخرج من الفم. والمخاط: ما يخرج من الأنف. ويقال: بصق الرجل يبصق، وبزق كذلك. وتَفَل بفتح العين يتفِل بكسرها، وبالتاء باثنتين لا غير. ونَفَثَ ينفث. قال ابن مكي في تثقيف اللسان: التَّفَل بفتح الفاء: نفخ لا بصاق معه، والنفث لا بد أن يكون معه شيء من الريق. قاله أبو عبيد. وقال الثعالبي: المَجُّ: الرمي بالريق، والتفل أقل منه، والنفث أقل منه. وقوله: ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه؛ هذا محمول على تعظيم حرمة هذه الجهة وتشريفها؛ كما قال: الحجر الأسود يمين الله في الأرض (١)؛ أي: بمنزلة يمين الله. ولما كان المصلي يتوجه بوجهه وقصده وكليته إلى هذه الجهة، نَزَّلها في حقه منزلة وجود الله تعالى، فيكون هذا من باب الاستعارة، وقد يجوز أن يكون من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، فكأنه قال: مستقبل قبلة ربه،

стр. 767

المَسجِدِ فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نَهَى أَن يَبزُقَ الرَّجُلُ عَن يَمِينِهِ أَو أَمَامَهُ، وَلَكِن يَبزُق عَن يَسَارِهِ أَو تَحتَ قَدَمِهِ اليُسرَى. رواه أحمد (٣/ ٥٨ و ٩٣)، والبخاري (٤٠٩)، ومسلم (٥٤٨)، وأبو داود (٤٨٠)، والنسائي (٢/ ٥١ - ٥٢). ــ أو رحمة ربه؛ كما قال في الحديث الآخر: فلا يبصق قبل القبلة، فإن الرحمة تواجهه. وقوله: فحكّها بحصاة. زاد أبو داود فيه: ثم أقبل على الناس مغضبًا، وهذا يدل على تحريم البصاق في جدار القبلة، وعلى أنه لا يتكفر بدفنه، ولا بحكّه، كما قال في حلة المسجد: البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها، فلو يكفر البزاق في القبلة بالحك لما غضب؛ إذ قد كان تكفي الكفارة في ذلك - وهي الحك -، كما اكتفى بها في حديث الأعرابي الذي وطئ في نهار رمضان، ولم يذمه ولا غضب عليه. وقد ظهرت خصوصية جهة القبلة حيث نزلها منزلة الرب تعالى، كما تقرر، وظهر أيضًا التخفيف في ساحة المسجد؛ كما قد ضرب رسول الله ﷺ فيه خيمة لسعد بن معاذ بعدما رمي في أكحله، فكان الدم يسيل من خيمته إلى جهة الغفاريين، هذا مع ما قيل: إن هذا كان لضرورة داعية إلى ذلك. وقد ذكر مسلم في حديث جابر الطويل (١): أن النبي ﷺ جعل مكان النُّخَامَة عنبرًا. وروى النسائي الحديث الأول من طريق أنس (٢)، فقال: غضب حتى احمرّ وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكّتها، وجعلت مكانها خلوقًا، فقال رسول الله ﷺ : ما أحسن هذا! . ويصحّ الجمع بين هذه الأحاديث بأن يقال: كان ذلك في أوقات مختلفة: ففي وقت حكّها ﷺ وطيّبها بيده، ومرة أخرى فعلت هذه المرأة ما ذُكر. ويمكن أن يقال: نسب الحكّ والطيب للنبي ﷺ من حيثُ الأمرُ به، والمرأة من حيث المباشرة.

стр. 768

[٤٤١]- وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كَانَ أَحَدُكُم فِي الصَّلاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلا يَبزُقَنَّ بَينَ يَدَيهِ وَلا عَن يَمِينِهِ، وَلَكِن عَن شِمَالِهِ تَحتَ قَدَمِهِ. رواه البخاري (٤٠٥ و ٤١٧)، ومسلم (٥٥١)، والنسائي (١/ ١٦٣ و ٢/ ٥٢ - ٥٣)، وابن ماجه (١٠٢٤). ــ وفي هذا الحديث: استحباب أو جواز تطييب المساجد بالطيب، وتنظيفها؛ كما نص عليه أبو داود من حديث عائشة: أمر ببناء المساجد في الدور، أن تُطيَّب وتُنَظَّف (١). ومن حديث سمرة: ونصلحُ صَنعَتها (٢). ونهيه عن البصاق عن يمينه دليل: على احترام تلك الجهة، وقد ظهر منه تأثير ذلك، حيث كان يحب التيمن في شأنه كله، وحيث كان يبدأ بالميامن في الوضوء والأعمال الدينية، وحيث كان يعدّ يمينه لحوائجه، وشماله لما كان من أذى. وقد علل ذلك في حديث أبي داود حيث قال: والمَلَك عن يمينه (٣)، بل وفي البخاري: عن يمينه ملَكًا (٤). ويقال على هذا: إن صحّ هذا التعليل لزم عليه أن لا يبصق عن يساره؛ فإن عليه أيضًا ملَكًا؛ بدليل قوله تعالى: ﴿عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾ والجواب بعد تسليم أن على شماله ملكًا: أن ملك اليمين أعلى وأفضل، فاحتُرم بما لم يحترم غيره من نوعه، والله تعالى أعلم. وهذا النهي مع التمكن من البصاق في غير جهة اليمين، فلو اضطر إلى ذلك جاز. وقوله: أو تحت قدمه بإثبات أو، وفي الآخر: عن شماله تحت قدمه

стр. 769

[٤٤٢]- وَعَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : البُزَاقُ فِي المَسجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفنُهَا. رواه أحمد (٣/ ٢٣٢)، والبخاري (٤١٥)، ومسلم (٥٥٢) (٥٥)، وأبو داود (٤٧٤ - ٤٧٦)، والترمذي (٥٧٢)، والنسائي (٢/ ٥١ - ٥٢). [٤٤٣]- وَعَن أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: عُرِضَت عَلَيَّ أَعمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدتُ فِي مَحَاسِنِ أَعمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدتُ فِي مَسَاوِئ أَعمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي المَسجِدِ لا تُدفَنُ. رواه أحمد (٥/ ١٨٠)، ومسلم (٥٥٣). ــ بغير أو، هكذا الرواية. وظاهر: أو: الإباحة والتخيير، ففي أيهما بصق لم يكن به بأس، وإليه يرجع معنى قوله: عن شماله تحت قدمه، فقد سمعنا من بعض مشايخنا: أن ذلك إنما يجوز إذا لم يكن في المسجد إلا التراب أو الرمل، كما كانت مساجدهم في الصدر الأول، فأما إذا كان في المسجد بُسُطٌ، وما له بالٌ من الحُصُر مما يفسده البصاق ويُقَذِّره، فلا يجوز احترامًا للماليَّة، والله تعالى أعلم. وقوله: البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها، قال ابن مكي: إنما تكون خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه؛ لأنه يقذّر المسجد، ويتأذى به من تعلق به، أو رآه؛ كما جاء في الحديث الآخر: لئلا يصيب جلد مؤمن أو ثوبه فيؤذيه. فأمّا من اضطرّ إلى ذلك فدفن، وفعل ما أمر به، فلم يأت خطيئة. وأصل التكفير: التغطية، فكان دَفنها غطاء ما يتصور عليه من الذمّ والإثم لو لم يفعل. وهذا كما سُمِّيت تَحِلَّةُ اليمين: كفارة، وليست اليمين بمأثم فتكفره، ولكن لما جعلها الشرع فسحة لعباده في حلّ ما عقدوه من أيمانهم ورفعها لحكمها سمّاها كفارة، ولهذا جاز إخراجها قبل الحِنث، وسقوط حكم اليمين بها على الأصح من القولين.

стр. 770

[٤٤٤]- وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَأيتُهُ تَنَخَّعَ فَدَلَكَهَا بِنَعلِهِ اليُسرَى. رواه مسلم (٥٥٤)، وأبو داود (٤٨٢)، والنسائي (٢/ ٥٢). * * * (٤٩) باب الصلاة في النعلين والثوب المعلم وبحضرة الطعام [٤٤٥]- عَن سَعِيدِ بنِ يَزِيدَ، قَالَ: قُلتُ لأَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي النَّعلَينِ؟ قَالَ: نَعَم. رواه أحمد (٣/ ١٠٠)، والبخاري (٥٨٥٠)، ومسلم (٥٥٥)، والترمذي (٤/ ١٠٠)، والنسائي (٢/ ٧٤). ــ قلت: وقد دلّ على صحة هذا التأويل: قوله ﷺ في حديث أبي ذر: ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن، فلم يثبت لها حكم السِّيِّئة لمجرد إيقاعها في المسجد، بل بذلك وببقائها غير مدفونة. والأذى: هو (١) كل ما يُتَأذّى به من عظم، أو حجر، أو نجاسة، أو قذر، أو غير ذلك. ويُمَاطُ: يُزَال، ويُنَحَّى. (٤٩) ومن باب: الصلاة في النعلين والثوب المعلم قول أنس: كان النبي ﷺ يصلي في النعلين: هذا يدل على جواز الصلاة فيهما، وهو أمر لم يُختلف فيه إذا كانت النعل طاهرة من ذَكِيّ، فإن تحقق فيها

стр. 771

[٤٤٦]- وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي خَمِيصَةٍ ذَاتِ أَعلامٍ، فَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: اذهَبُوا بِهَذِهِ الخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهمِ بنِ حُذَيفَةَ وَائتُونِي بِأَنبِجَانِيَّةِ، فَإِنَّهَا أَلهَتنِي آنِفًا فِي صَلاتِي. رواه أحمد (٦/ ١٩٩)، والبخاري (٣٧٣)، ومسلم (٥٥٦) (٦٢)، وأبو داود (٩١٤)، والنسائي (٢/ ٧٢). ــ نجاسة مجمع على تنجيسها: كالدم، والعَذِرة من بول بني آدم، لم يطهرها إلا الغسل بالماء عندنا وعند كافة العلماء، وإن كانت النجاسة مختلفًا فيها: كبول الدواب، وأرواثها الرطبة، فهل يطهرها المسح بالتراب من النعل والخف، أو لا؟ قولان عندنا، وأطلق الإجزاء بمسح ذلك بالتراب من غير تفصيل الأوزاعي وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: يزيله - إذا يبس - الحكُّ والفرك، ولا يزيل رطبه إلا الغسل ما عدا البول، فلا يجزئ عنده فيه إلا الغسل. وقال الشافعي: لا يطهر شيئًا من ذلك كله إلا الماء. والصحيح: قول من قال بأن المسح يطهره من الخف والنعل، بدليل قول النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري: إذا جاء أحدكم المسجد، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه، وليصلّ فيهما (١)، أخرجه أبو داود، وهو صحيح. فأمّا لو كانت النعل أو الخف جلد ميتة، فإن كان غير مدبوغ، فهو نجس باتفاق، ومختلف فيه إذا دُبغ: هل يطهر طهارة مطلقة، أو إنما ينتفع به في اليابسات؟ روايتان عن مالك. والخميصة - بفتح الخاء -: كساء مُرَبع من صوف، قال الإمام أبو عبد الله: مصبوغٌ عَلَمُه حريرٌ. والأنبجَاني: كساء غليظ لا علم له، وروي بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء وكسرها، وبالوجهين ذكره ثعلب، وروي بتشديد الياء

стр. 772

[٤٤٧]- وَعَن أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قُرِّبَ العَشَاءُ وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَابدَؤوا بِهِ قَبلَ أَن تُصَلُّوا صَلاةَ المَغرِبِ، وَلا تَعجَلُوا عَن عَشَائِكُم. رواه أحمد (٣/ ١٦١)، والبخاري (٦٧٢)، ومسلم (٥٥٧)، والترمذي (٣٥٣)، والنسائي (٢/ ١١١). ــ وتخفيفها في غير مسلم. وقال ابن قتيبة: إنما هو مَنبَجانِي - ولا يقال: أنبجاني -، منسوب إلى مَنبِج، وفتحت الياء في النسب؛ لأنه خرج مخرج مَخبَرَانِي. وفي هذا الحديث: جواز الثياب ذوات الأعلام. وفيه: التحفظ من كُلِّ ما يُشغل عن الصلاة النظرُ إليه. ويستفاد منه: كراهة التزاويق والنقوش في المساجد. وفيه: أن الذهول اليسير في الصلاة لا يضرها، ألا ترى إلى قوله: فإنها ألهتني عن صلاتي؛ أي: شغلتني وصرفتني. وفيه: سدّ الذرائع (١)، والانتزاع عما يشغل الإنسان عن واجبات دينه. وفيه: الهدايا من الأصحاب، واستدعاؤه ﷺ أنبجاني أبي جهم بن حذيفة تطييب لقلبه ومُبَاسَطَةٌ معه، وهذا مع من يعلم طيب نفسه وصفاء وُدِّه جائز. وآنفًا: الساعة. ولم يبعث الخميصة لأبي جهم ليصلي فيها، بل لينتفع بها في غير الصلاة، والله تعالى أعلم. وقوله: إذا قُرِّب العشاء وحضرت الصلاة فابدؤوا به: هذا الحديث محمول على من كان محتاجًّا للطعام من صائم أو نحوه. وقد دلّ على صحة هذا التأويل: ما زاده الدارقطني في هذا الحديث من طرق صَحيحَة؛ وذلك قوله: إذا حضر العشاء وأحدكم صائم فابدؤوا به قبل أن تُصَلّوا (٢). ولو لم تصح هذه

стр. 773

[٤٤٨]- وَمن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: إِذَا حَضَرَ عَشَاءُ أَحَدِكُم وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَابدَؤوا بِالعَشَاءِ. رواه أحمد (٢/ ٢٠)، والبخاري (٦٧٣)، ومسلم (٥٥٩)، وأبو داود (٣٧٥٧ و ٣٧٥٩)، والترمذي (٣٥٤). [٤٤٩]- وَعَنِ ابنِ أَبِي عَتِيقٍ قَالَ: تَحَدَّثتُ أَنَا وَالقَاسِمُ عِندَ عَائِشَةَ حَدِيثًا، وَكَانَ القَاسِمُ رَجُلا لَحَّانَةً، وَكَانَ لأُمِّ وَلَدٍ، فَقَالَت لَهُ عَائِشَةُ: مَا لَكَ ــ الزيادة لكان ذلك معلومًا من قاعدة الأمر بحضور القلب في الصلاة، والإقبال عليها، والنهي عما يشغل المصلي في صلاته ويشوشها عليه، ولا تشويش أعظم من تشويش الجائع عند حضرة الطعام. وإلى الابتداء بالطعام على الصلاة ذهب الشافعي، وابن حبيب من أصحابنا، والثوري، وإسحاق، وأحمد، وأهل الظاهر، وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وأبي الدرداء. وحكى ابن المنذر عن مالك: أنه يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون الطعام خفيفًا. وفي هذا الحديث ما يدل على أن وقت المغرب موسع، وهي إحدى الروايتين عن مالك، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وقوله في حديث ابن عمر: إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة؛ فابدؤوا بالعشاء (١) دليل على أن شهود الصلاة في الجماعة ليس بواجب؛ لأن ظاهر هذا: أنه إذا سمع الإقامة وهو في بيته وقد حضر طعامه أنه يبدأ بالطعام، وإن فاتته الصلاة في الجماعة. وابن أبي عتيق: هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، والقاسم هذا: هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، وكانت أمه أُمَّ ولدٍ. وقوله: وكان القاسم رجلا لَحَّانة، كذا للسمرقندي، وهو للمبالغة؛ كما يقال: علَاّمة، ونسَّابة، ووقع للعذري: لُحنة، بسكون الحاء وضم اللام، ومعناه: أنه يلحن في كلامه، ويُلَحِّنُه الناس؛ كَخُدعَة للذي يُخدع، وهُزأة: للذي يُهزأ به، فأما فُعَلَة بفتح العين: فهو للذي يفعل ذلك بغيره؛ كما يقال: صُرعة للذي

стр. 774

لا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحَدَّثُ ابنُ أَخِي هَذَا؟ أَمَا إِنِّي قَد عَلِمتُ مِن أَينَ أُتِيتَ، هَذَا أَدَّبَتهُ أُمُّهُ، وَأَنتَ أَدَّبَتكَ أُمُّكَ. قَالَ: فَغَضِبَ القَاسِمُ وَأَضَبَّ عَلَيهَا، فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَد أُتِيَ بِهَا قَامَ، قَالَت: أَينَ؟ قَالَ: أُصَلِّي. قَالَتِ: اجلِس. قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي. قَالَتِ: اجلِس غُدَرُ! إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لا صَلاةَ بِحَضرَةِ الطَّعَامِ، وَلا وهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخبَثَانِ. رواه مسلم (٥٦٠)، وأبو داود (٨٩). * * * ــ يصرع الناس، وهُزَأة للذي يهزأ بهم، وخُدَعة: للذي يخدعهم. وقوله: وأضبّ عليها، يعني: حقد، والضَّب: الحقد؛ من كتاب القزاز. وقولها له: اجلس غُدَرُ، معناه: يا غادر. وعُدِلَ به عنه لزيادة معنى التكثير، ونسبته للغدر لِما أظهر من أنه إنما ترك طعامها من أجل الصلاة، وما صدر من عائشة للقاسم إنما كان منها لإِنهاض هِمَّتِه، وليحرص على التعلُّم، وعلى تثقيف لسانه. وقوله ﷺ : لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان ظاهر هذا نفي الصحة والإجزاء، وإليه ذهب أهل الظاهر في الطعام، فتأول بعض أصحابنا حديث مدافعة الأخبثين على أنه شغله حتى لا يدري كيف صلّى، فهو الذي يعيد قبل وبعد. وأما إن شغله شغلا لا يمنعه من إقامة حدودها، وصلّى ضَامًّا ما بين وَركَيه فهذا يعيد في الوقت، وهو ظاهر قول مالك في هذا. وذهب الشافعي والحنفي في مثل هذا: إلى أنه لا إعادة عليه. قال القاضي أبو الفضل: وكلهم مجمعون على أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حدودها: أنها لا تجزئه، ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها. والأخبثان: الغائط والبول. قاله الهروي وغيره.

стр. 775

(٥٠) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل، وإخراج من وُجد منه ريحها من المسجد [٤٥٠]- عَنِ ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي غَزوَةِ خَيبَرَ: مَن أَكَلَ مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعنِي: الثُّومَ - فَلا يَأتِيَنَّ المَسَاجِدَ. رواه أحمد (٢/ ١٣ و ٢٠)، والبخاري (٨٥٣)، ومسلم (٥٦١)، وأبو داود (٣٨٢٥)، وابن ماجه (١٠١٦). [٤٥١]- وَمِن حَدِيثِ أَنَسٌ: فَلا يَقرَبنا ولا يصلي معنا. رواه أحمد (٣/ ١٨٦)، والبخاري (٥٤٥١)، ومسلم (٥٦٢) (٦٨). ــ (٥٠) ومن باب: النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم قوله: فلا يأتين المساجد، حجة على من قال: إن ذلك النهي مخصوص (١) بمسجد النبي ﷺ . وقوله: فلا يقربنّا ولا يصلّي معنا: يدل على أن مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها؛ كمجالس (٢) العلم والولائم وما أشبهها، لا يقربها من أكل الثوم وما في معناه؛ مما له رائحة كريهة تؤذي الناس، ولذلك جمع بين الثوم والبصل والكراث في حديث جابر. وتسمية الثوم: شجرة، على خلاف الأصل، فإنها من البقول، وقد سمّاها النبي ﷺ في الرواية الأخرى: بقلة. والشجر في كلام العرب: ما كان على ساق يحمل أغصانه، وما ليس كذلك
следующие страницы →