[٤٤٦]- وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي خَمِيصَةٍ ذَاتِ أَعلامٍ، فَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: اذهَبُوا بِهَذِهِ الخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهمِ بنِ حُذَيفَةَ وَائتُونِي بِأَنبِجَانِيَّةِ، فَإِنَّهَا أَلهَتنِي آنِفًا فِي صَلاتِي.
رواه أحمد (٦/ ١٩٩)، والبخاري (٣٧٣)، ومسلم (٥٥٦)(٦٢)، وأبو داود (٩١٤)، والنسائي (٢/ ٧٢).
ــ
نجاسة مجمع على تنجيسها: كالدم، والعَذِرة من بول بني آدم، لم يطهرها إلا الغسل بالماء عندنا وعند كافة العلماء، وإن كانت النجاسة مختلفًا فيها: كبول الدواب، وأرواثها الرطبة، فهل يطهرها المسح بالتراب من النعل والخف، أو لا؟ قولان عندنا، وأطلق الإجزاء بمسح ذلك بالتراب من غير تفصيل الأوزاعي وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: يزيله - إذا يبس - الحكُّ والفرك، ولا يزيل رطبه إلا الغسل ما عدا البول، فلا يجزئ عنده فيه إلا الغسل. وقال الشافعي: لا يطهر شيئًا من ذلك كله إلا الماء. والصحيح: قول من قال بأن المسح يطهره من الخف والنعل، بدليل قول النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري: إذا جاء أحدكم المسجد، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه، وليصلّ فيهما (١)، أخرجه أبو داود، وهو صحيح. فأمّا لو كانت النعل أو الخف جلد ميتة، فإن كان غير مدبوغ، فهو نجس باتفاق، ومختلف فيه إذا دُبغ: هل يطهر طهارة مطلقة، أو إنما ينتفع به في اليابسات؟ روايتان عن مالك.
والخميصة - بفتح الخاء -: كساء مُرَبع من صوف، قال الإمام أبو عبد الله: مصبوغٌ عَلَمُه حريرٌ. والأنبجَاني: كساء غليظ لا علم له، وروي بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء وكسرها، وبالوجهين ذكره ثعلب، وروي بتشديد الياء
стр. 772
[٤٤٧]- وَعَن أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قُرِّبَ العَشَاءُ وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَابدَؤوا بِهِ قَبلَ أَن تُصَلُّوا صَلاةَ المَغرِبِ، وَلا تَعجَلُوا عَن عَشَائِكُم.
رواه أحمد (٣/ ١٦١)، والبخاري (٦٧٢)، ومسلم (٥٥٧)، والترمذي (٣٥٣)، والنسائي (٢/ ١١١).
ــ
وتخفيفها في غير مسلم. وقال ابن قتيبة: إنما هو مَنبَجانِي - ولا يقال: أنبجاني -، منسوب إلى مَنبِج، وفتحت الياء في النسب؛ لأنه خرج مخرج مَخبَرَانِي.
وفي هذا الحديث: جواز الثياب ذوات الأعلام. وفيه: التحفظ من كُلِّ ما يُشغل عن الصلاة النظرُ إليه.
ويستفاد منه: كراهة التزاويق والنقوش في المساجد. وفيه: أن الذهول اليسير في الصلاة لا يضرها، ألا ترى إلى قوله: فإنها ألهتني عن صلاتي؛ أي: شغلتني وصرفتني.
وفيه: سدّ الذرائع (١)، والانتزاع عما يشغل الإنسان عن واجبات دينه.
وفيه: الهدايا من الأصحاب، واستدعاؤه ﷺ أنبجاني أبي جهم بن حذيفة تطييب لقلبه ومُبَاسَطَةٌ معه، وهذا مع من يعلم طيب نفسه وصفاء وُدِّه جائز.
وآنفًا: الساعة. ولم يبعث الخميصة لأبي جهم ليصلي فيها، بل لينتفع بها في غير الصلاة، والله تعالى أعلم.
وقوله: إذا قُرِّب العشاء وحضرت الصلاة فابدؤوا به: هذا الحديث محمول على من كان محتاجًّا للطعام من صائم أو نحوه. وقد دلّ على صحة هذا التأويل: ما زاده الدارقطني في هذا الحديث من طرق صَحيحَة؛ وذلك قوله: إذا حضر العشاء وأحدكم صائم فابدؤوا به قبل أن تُصَلّوا (٢). ولو لم تصح هذه
стр. 773
[٤٤٨]- وَمن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: إِذَا حَضَرَ عَشَاءُ أَحَدِكُم وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَابدَؤوا بِالعَشَاءِ.
رواه أحمد (٢/ ٢٠)، والبخاري (٦٧٣)، ومسلم (٥٥٩)، وأبو داود (٣٧٥٧ و ٣٧٥٩)، والترمذي (٣٥٤).
[٤٤٩]- وَعَنِ ابنِ أَبِي عَتِيقٍ قَالَ: تَحَدَّثتُ أَنَا وَالقَاسِمُ عِندَ عَائِشَةَ حَدِيثًا، وَكَانَ القَاسِمُ رَجُلا لَحَّانَةً، وَكَانَ لأُمِّ وَلَدٍ، فَقَالَت لَهُ عَائِشَةُ: مَا لَكَ
ــ
الزيادة لكان ذلك معلومًا من قاعدة الأمر بحضور القلب في الصلاة، والإقبال عليها، والنهي عما يشغل المصلي في صلاته ويشوشها عليه، ولا تشويش أعظم من تشويش الجائع عند حضرة الطعام.
وإلى الابتداء بالطعام على الصلاة ذهب الشافعي، وابن حبيب من أصحابنا، والثوري، وإسحاق، وأحمد، وأهل الظاهر، وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وأبي الدرداء. وحكى ابن المنذر عن مالك: أنه يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون الطعام خفيفًا.
وفي هذا الحديث ما يدل على أن وقت المغرب موسع، وهي إحدى الروايتين عن مالك، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وقوله في حديث ابن عمر: إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة؛ فابدؤوا بالعشاء (١) دليل على أن شهود الصلاة في الجماعة ليس بواجب؛ لأن ظاهر هذا: أنه إذا سمع الإقامة وهو في بيته وقد حضر طعامه أنه يبدأ بالطعام، وإن فاتته الصلاة في الجماعة.
وابن أبي عتيق: هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، والقاسم هذا: هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، وكانت أمه أُمَّ ولدٍ.
وقوله: وكان القاسم رجلا لَحَّانة، كذا للسمرقندي، وهو للمبالغة؛ كما يقال: علَاّمة، ونسَّابة، ووقع للعذري: لُحنة، بسكون الحاء وضم اللام، ومعناه: أنه يلحن في كلامه، ويُلَحِّنُه الناس؛ كَخُدعَة للذي يُخدع، وهُزأة: للذي يُهزأ به، فأما فُعَلَة بفتح العين: فهو للذي يفعل ذلك بغيره؛ كما يقال: صُرعة للذي
стр. 774
لا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحَدَّثُ ابنُ أَخِي هَذَا؟ أَمَا إِنِّي قَد عَلِمتُ مِن أَينَ أُتِيتَ، هَذَا أَدَّبَتهُ أُمُّهُ، وَأَنتَ أَدَّبَتكَ أُمُّكَ. قَالَ: فَغَضِبَ القَاسِمُ وَأَضَبَّ عَلَيهَا، فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَد أُتِيَ بِهَا قَامَ، قَالَت: أَينَ؟ قَالَ: أُصَلِّي. قَالَتِ: اجلِس. قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي. قَالَتِ: اجلِس غُدَرُ! إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لا صَلاةَ بِحَضرَةِ الطَّعَامِ، وَلا وهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخبَثَانِ.
رواه مسلم (٥٦٠)، وأبو داود (٨٩).
* * *
ــ
يصرع الناس، وهُزَأة للذي يهزأ بهم، وخُدَعة: للذي يخدعهم.
وقوله: وأضبّ عليها، يعني: حقد، والضَّب: الحقد؛ من كتاب القزاز.
وقولها له: اجلس غُدَرُ، معناه: يا غادر. وعُدِلَ به عنه لزيادة معنى التكثير، ونسبته للغدر لِما أظهر من أنه إنما ترك طعامها من أجل الصلاة، وما صدر من عائشة للقاسم إنما كان منها لإِنهاض هِمَّتِه، وليحرص على التعلُّم، وعلى تثقيف لسانه.
وقوله ﷺ : لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان ظاهر هذا نفي الصحة والإجزاء، وإليه ذهب أهل الظاهر في الطعام، فتأول بعض أصحابنا حديث مدافعة الأخبثين على أنه شغله حتى لا يدري كيف صلّى، فهو الذي يعيد قبل وبعد. وأما إن شغله شغلا لا يمنعه من إقامة حدودها، وصلّى ضَامًّا ما بين وَركَيه فهذا يعيد في الوقت، وهو ظاهر قول مالك في هذا. وذهب الشافعي والحنفي في مثل هذا: إلى أنه لا إعادة عليه. قال القاضي أبو الفضل: وكلهم مجمعون على أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حدودها: أنها لا تجزئه، ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها. والأخبثان: الغائط والبول. قاله الهروي وغيره.
стр. 775
(٥٠) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل، وإخراج من وُجد منه ريحها من المسجد
[٤٥٠]- عَنِ ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي غَزوَةِ خَيبَرَ: مَن أَكَلَ مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعنِي: الثُّومَ - فَلا يَأتِيَنَّ المَسَاجِدَ.
رواه أحمد (٢/ ١٣ و ٢٠)، والبخاري (٨٥٣)، ومسلم (٥٦١)، وأبو داود (٣٨٢٥)، وابن ماجه (١٠١٦).
[٤٥١]- وَمِن حَدِيثِ أَنَسٌ: فَلا يَقرَبنا ولا يصلي معنا.
رواه أحمد (٣/ ١٨٦)، والبخاري (٥٤٥١)، ومسلم (٥٦٢)(٦٨).
ــ
(٥٠) ومن باب: النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم
قوله: فلا يأتين المساجد، حجة على من قال: إن ذلك النهي مخصوص (١) بمسجد النبي ﷺ .
وقوله: فلا يقربنّا ولا يصلّي معنا: يدل على أن مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها؛ كمجالس (٢) العلم والولائم وما أشبهها، لا يقربها من أكل الثوم وما في معناه؛ مما له رائحة كريهة تؤذي الناس، ولذلك جمع بين الثوم والبصل والكراث في حديث جابر. وتسمية الثوم: شجرة، على خلاف الأصل، فإنها من البقول، وقد سمّاها النبي ﷺ في الرواية الأخرى: بقلة.
والشجر في كلام العرب: ما كان على ساق يحمل أغصانه، وما ليس كذلك
стр. 776
[٤٥٢]- وَمِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: فَلا يَقرَبَنَّ مَسجِدَنَا، وَلا يُؤذِنَا بِرِيحِ الثُّومِ.
رواه أحمد (٢/ ٢٦٤ و ٢٦٦)، ومسلم (٥٦٣)، وابن ماجه (١٠١٥).
[٤٥٣]- وَعَن جَابِرِ بنِ عبد الله، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن أَكَلَ مِن هَذِهِ البَقلَةِ الثُّومِ - وقَالَ مَرَّةً -: مَن أَكَلَ البَصَلَ وَالثُّومَ وَالكُرَّاثَ - فَلا يَقرَبَنَّ مَسجِدَنَا، فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنهُ بَنُو آدَمَ.
وَفِي رِوَايَةٍ، قال: مَن أَكَلَ ثُومًا أَو بَصَلا فَليَعتَزِلنَا، أَو لِيَعتَزِل مَسجِدَنَا، وَليَقعُد فِي بَيتِهِ. وَإِنَّهُ أُتِيَ بِبدرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِن بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ فَأُخبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ البُقُولِ، فَقَالَ: قَرِّبُوهَا، إِلَى بَعضِ أَصحَابِهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكلَهَا، قَالَ: كُل، فَإِنِّي أُنَاجِي مَن لا تُنَاجِي.
ــ
فهو نجم، وهو قول الهروي وغيره من اللغويين، وهو المروي عن ابن عباس وابن جبير في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجمُ وَالشَّجَرُ يَسجُدَانِ﴾ وهذا كله ما دامت هذه البقول غير مطبوخة، فأما لو طبخت، فكما قال عمر ﵁: فمن أكلهما فليمتهما طبخًا.
وقوله: وأنه أُتي بِبَدرٍ فيه خَضِرَاتٌ من بقول: وقعت هذه اللفظة ببدر، بالباء بواحدة من أسفل، وهو الطبق، سُمِّي بذلك لاستدارته. وقد وقع لبعض الرواة: بِقِدرٍ، بالقاف. واستُدلّ به: على كراهة ما له ريح من البقول وإن طبخ، وهذا ليس بصحيح. قالوا: وهو تصحيف، وصوابه: بِبَدر. وقد ورد في كتاب أبي داود: أُتي بِبَدر. ولو سُلِّم أنه: بقدر، فيكون معناه: أنها لم تمتِ بالطبخ تلك الرائحة منها، فبقي المعنى المكروه، فكأنّها نيِّئة.
وقوله: فإني أناجي من لا تناجي: يشعر بأن هذا الحكم خاص به؛ إذ هو
стр. 777
رواه أحمد (٣/ ٤٠٠)، والبخاري (٨٥٨)، ومسلم (٥٦٤) (٧٣ و ٧٤)، وأبو داود (٣٨٢٢)، والترمذي (١٨٠٧)، والنسائي (٢/ ٤٣).
[٤٥٤]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قَالَ: لَم نَعدُ أَن فُتِحَت خَيبَرُ، فَوَقَعنَا - أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تِلكَ البَقلَةِ - الثُّومِ -، وَالنَّاسُ جِيَاعٌ، فَأَكَلنَا مِنهَا أَكلا شَدِيدًا، ثُمَّ رُحنَا إِلَى المَسجِدِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرِّيحَ، فَقَالَ: مَن أَكَلَ مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ شَيئًا فَلا يَقرَبَنَّا فِي المَسجِدِ، فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَت، حُرِّمَت. فَبَلَغَ ذَلكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَيسَ بِي تَحرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِي، وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكرَهُ رِيحَهَا.
رواه أحمد (٣/ ٦٠ - ٦١)، ومسلم (٥٦٥)، وأبو داود (٣٨٣٣).
ــ
المخصوص بمناجاة المَلَكِ، ولكن قد عَلَّلَ هذا الحكم في أول الحديث بما يقتضي التسوية بينه وبين غيره في هذا الحكم؛ حيث قال: فإن الملائكة تتأذّى مما يتأذّى منه بنو آدم، وقوله: ولا تؤذينّا بريح الثوم.
وقوله: من هذه الشجرة الخبيثة، أي: المستكرهة المنتنة. ولما سمع الصحابة هذا الذم ظنوا أنها قد حرمت، فصرَّحوا به، وكأنهم فهموا هذا من إطلاق الخبيثة عليها مع ما قد سمعوا من قول الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبَائِثَ﴾ فيبيَّن لهم النبي ﷺ : أن إطلاق الخبيث لا يلزم منه التحريم؛ إذ قد يراد به ما لا يوافق عادة واستعمالا، وعند هذا لا يصح للشافعي الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الخَبَائِثَ﴾ على تحريم ما يُستخبث عادة كالحشرات وغيرها؛ إذ الخبائث منقسمة إلى مستخبث عادة، وإلى مستخبث شرعًا. ومراده تعالى في الآية: المستخبثات الشرعية؛ إذ قد أباح البصل والثوم مع أنها مستخبثة، وحرّم الخمر والخنزير وإن كان قد يستطاب، والله أعلم.
стр. 778
[٤٥٥]- وَعَن مَعدَانَ بنِ أَبِي طَلحَةَ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ خَطَبَ يَومَ الجُمُعَةِ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، وَذَكَرَ أَبَا بَكرٍ، قَالَ: إِنِّي رَأَيتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِي ثَلاثَ نَقَرَاتٍ، وَإِنِّي لا أُرَاهُ إِلا حُضُورَ أَجَلِي، وَإِنَّ أَقوَاما يَأمُرُونَنِي أَن أَستَخلِفَ،
ــ
وقوله: إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي؛ يرد قول أهل الظاهر بتحريم أكل الثوم؛ لأجل منعه من حضور الجماعة التي يعتقدون فرضها على الأعيان، وكافة العلماء على خلافهم.
وقول عمر: إني رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات: هذا الديك الذي أُريه عمر مثال للعلج الذي قتله، وهو أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان مجوسيا، وكان نجارًا حدّادًا نقاشًا، وكان من شأنه ما ذكره البخاري (١) وغيره، وهو أنه وثب على عمر وهو في صلاة الصبح - بعد أن دخل عمر فيها -، فطعنه ثلاث طعنات، فصاح عمر: قتلني - أو أكلني - الكلب، ظانًّا أنه كلب عضّه، فتناول عمر عبد الرحمن بن عوف، فكمّل الصلاة بالناس. ثم إن العلج وثب وفي يده سكين ذات طرفين، لا يمرّ على أحد يمينًا ولا شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم تسعة، - وقيل: سبعة -، فطرح عليه رجل خميصة كانت عليه، فلما رأى العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وحزّ عبد الرحمن بن عوف رأسه، وهو الذي كان طرح عليه الخميصة.
وقوله: إن أقوامًا يأمرونني أن أستخلف، معنى الأمر هنا: العرض، والتَّحضِيض، أو الفتيا: بأنه يجب عليه أن يستخلف، وأنه مأمور بذلك من جهة الله تعالى. وظاهر هذا الأمر أنه إنما كان من هؤلاء الأقوام لما سمعوا من عمر تأويله لمنامه بحضور أجله، وهذا قبل وقوع طعنه، ويحتمل أن يكون هذا بعد أن
стр. 779
وَإِنَّ اللَّهَ لَم يَكُن لِيُضَيِّعَ دِينَهُ وَلا خِلافَتَهُ، وَلا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ، فَإِن عَجِلَ بِي أَمرٌ فَالخِلافَةُ شُورَى بَينَ هَؤُلاءِ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنهُم رَاضٍ، وَإِنِّي قَد عَلِمتُ أَنَّ أَقوَامًا يَطعَنُونَ فِي هَذَا الأَمرِ، أَنَا ضَرَبت هُم بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الإِسلامِ، فَإِن فَعَلُوا ذَلِكَ فَأُولَئِكَ أَعدَاءُ
ــ
طعن، ويكون بعض الرواة ضمّ أحد الخبرين إلى الآخر، وعلى هذا يدل مساق هذا الخبر.
وقوله: وإن الله لم يكن لِيُضَيِّع دينه، ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه ﷺ ؛ إنما قال ذلك عمر ﵁؛ لأنه قد علم مما قد فهمه من كتاب الله، وسمعه من رسول الله ﷺ : أن الله يستخلف المؤمنين في الأرض، ويمكن لهم دينهم، ويظهره على الدين كله، فقال ذلك ثقة بوعد الله، وتوكّلا عليه.
والخلافة هنا: القيام بأمر أمة محمد ﷺ على نحو ما قام به محمد ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄.
وقوله: وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر؛ إشارة إلى جعله الأمر شورى بين الستة الذين هم: عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، ﵃.
وقوله: فإن فعلوا ذلك؛ أي: إن أفشوا الطعن، وعملوا على الخلاف في ذلك والمشاقّة، ولم يرضوا بالذين اخترتهم، فأولئك عند الله الكفرة الضلَاّل، وظاهر هذا: أنه حكم بكفرهم، وكأنه علم أنهم منافقون، وعلى هذا يدل قوله: أنا ضربتهم بيدي على الإسلام؛ يعني: أنهم إنما دخلوا في الإسلام على تلك الحال، لم تنشرح صدورهم للإسلام، وإنما تستّروا بالإسلام، وذلك حال المنافقين. ويحتمل أنهم لما فعلوا فعل الكفار من الخلاف، وموافقة أهل الأهواء، ومشاقّة المسلمين، أُطلق عليهم ما يطلق على الكفار. وعلى هذا فيكون هذا الكفر من باب كفران النعم والحقوق.
стр. 780
اللَّهِ الكَفَرَةُ الضُّلالُ، ثُمَّ إِنِّي لا أَدَعُ بَعدِي شَيئًا أَهَمَّ عِندِي مِنَ الكَلالَةِ، مَا رَاجَعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي شَيءٍ مَا رَاجَعتُهُ فِي الكَلالَةِ، وَمَا أَغلَظَ لِي فِي شَيءٍ مَا أَغلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصبَعِهِ فِي صَدرِي، وقَالَ: يَا عُمَرُ! أَلا
ــ
وقوله: ثم إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة. تَهَمُّمُ عمر بالكلالة؛ لأنها أشكلت عليه؛ وذلك أنها نزلت فيها آيتان:
إحداهما: قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امرَأَةٌ﴾ وفيها إشكال من جهات، ولذلك اختلف في الكلالة ما هي؟ ففيها أربعة أقوال:
أحدها: أنها ما دون الوالد والولد؛ قاله أبو بكر الصديق، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، في خلق كثير.
والثاني: أنها من لا ولد له، وروي عن عمر أيضًا، وهو قول طاووس.
والثالث: أنها ما عدا الوالد؛ قاله الحكم بنُ عيينَة.
والرابع: أنها بنو العمّ الأباعد؛ قاله ابن الأعرابي.
واختلف أيضًا فيما يقع عليه الكلالة، على ثلاثة أقوال:
أحدها: على الحي الوارث؛ قاله ابن عمر.
والثاني: على الميت؛ قاله السُّدّي.
الثالث: على المال؛ قاله عطاء.
واختُلف أيضًا فيما أُخِذت الكلالة منه على قولين:
أحدهما: أنها مأخوذة من الإكليل المحيط بالرأس، فكأنها تكللت؛ أي: أحاطت بالميت من كلا طرفيه؛ ولذلك قال (١):
ورثتم قناة الملك لا عن كلالة ... عن ابني مناف عبد شمسٍ وهاشمِ
стр. 781
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال آخر:
وإِنَّ أَبَا المَرءِ أحمَى له ... ومولَى الكَلالَةِ لا يَغضَبُ
والثاني: أنها مأخوذة من الكلال، وهو الإعياء، فكأنه يصل الميراث بالوارث بها عن بُعدٍ وإعياء، فكأن الرحم كلّت عن وارث قريب؛ قال الأعشى:
فآليت لا أرثي لها عن كلالة ... ولا من وَجىً حتى تلاقي محمدًا
ثم مقتضى هذه الآية الأولى: أن كل واحد من الأخوين له السدس، سواء كان أحدهما ذكرًا أو أنثى، فإن كانوا أكثر اشتركوا في الثلث، ومقتضى الآية الثانية: أن للأخت النصف، وللاثنتين الثلثين، ولم يبين في واحدة من الآيتين الأخوة، هل هي لأم، أو لأب، أو لهما، ثم إذا تنزّلنا على أن الأخوة من الأولى للأم، وفي الثانية للأب، أو أشقاء، فهل ذلك فرضهم إذا انفردوا؟ أو يكون ذلك فرضهم وإن كان معهم بعض الورثة؟ كل ذلك أمور مطلوبة، والوصول إلى تحقيق تلك المطالب عسير، وسنبيّن الصحيح من ذلك كله، في الفرائض إن شاء الله تعالى.
فلما استشكلت على عمر هذه الوجوه تَشَوَّف إلى معرفتها بطريق يزيح له الإشكال، فألَحّ على النبي ﷺ بالسؤال عن ذلك، حتى ضرب النبي ﷺ على صدره، وأغلظ عليه في ذلك ردعًا له عن الإلحاح؛ إِذ كان قد نَهَى عن كثرة السؤال، وتنبيهًا له على الاكتفاء بالبحث عمَّا في الكتاب من ذلك، وعلى أن الكتاب يبين بعضه بعضًا. وقال الخطابي: يشبه أن يكون لم يُفتِه، ووكل الأمر إلى بيان الآية اعتمادًا على علمه وفهمه؛ ليتوصل إلى معرفتها بالاجتهاد. ولو كان السائل ممن لا فهم له، لبيّن له البيان الشافي. قال: وإن الله أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول سورة النساء، وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يَبِينُ المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية التي في آخر النساء في الصيف، وفيها زيادة بيان.
стр. 782
تكفِيكَ آيَةُ الصَّيفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟ ، وَإِنِّي إِن أَعِش أَقضِي فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقضِي بِهَا مَن يَقرَأُ القُرآنَ وَمَن لا يَقرَأُ القُرآنَ.
ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الأَمصَارِ، فَإِنِّي إِنَّمَا بَعَثتُهُم عَلَيهِم لِيَعدِلُوا عَلَيهِم، وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُم وَسُنَّةَ نَبِيِّهِم ﷺ ، وَيَقسِمُوا فِيهِم فَيئَهُم، وَيَرفَعُوا إِلَيَّ مَا أَشكَلَ عَلَيهِم مِن أَمرِهِم. ثُمَّ إِنَّكُم أَيُّهَا النَّاسُ! تَأكُلُونَ شَجَرَتَينِ لا أَرَاهُمَا إِلا خَبِيثَتَينِ: هَذَا البَصَلَ وَالثُّومَ، لَقَد رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي المَسجِدِ أَمَرَ بِهِ، فَأُخرِجَ إِلَى البَقِيعِ، فَمَن أَكَلَهُمَا فَليُمِتهُمَا طَبخًا.
رواه أحمد (١/ ٢٨ و ٤٨)، ومسلم (٥٦٧)، وابن ماجه (٢٧٢٦).
* * *
ــ
وقوله: وإني إن أعش أقض فيها بقضيّة يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ. هذا يدل على أنه كان اتضح له وجه الصواب فيها، وأنه كان قد استعمل فكره فيها، حتى فهم ذلك، وأنه أراد أن يوضِّح ذلك على غاية الإيضاح، ولم يتمكن من ذلك في ذلك الوقت الحاضر؛ للعوائق والموانع، ثم فاجأته المنيّة ﵁، ولم يُروَ عنه فيها شيء من ذلك، لكن قد اهتدى علماء السلف لفهم الآيتين، وأوضحوا ذلك، فتبيّن الصبح لذي عينين، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقوله: فليمتهما طبخًا؛ أي: ليذهب رائحتهما، ويكسرهما بالطبخ. وكسر قوة كل شيء إماتته وقتله، ومنه قولهم: قَتَلتُ الخمر: إذا مزجتها بالماء وكسرتها. وقد تقدم القول في الخبيث، وفي الشجر.
стр. 783
(٥١) باب النهي عن أن تنشد الضالَّة في المسجد
[٤٥٦]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن سَمِعَ رَجُلا يَنشُدُ ضَالَّةً فِي المَسجِدِ فَليَقُل: لا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيكَ، فَإِنَّ المَسَاجِدَ لَم تُبنَ لِهَذَا.
رواه أحمد (٢/ ٣٤٩)، ومسلم (٥٦٨)، وأبو داود (٤٧٣)، والترمذي (١٣٢١)، وابن ماجه (٧٦٧).
[٤٥٧]- وَعَن سُلَيمَانَ بنِ بُرَيدَةَ عَن أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلا نَشَدَ فِي المَسجِدِ،
ــ
(٥١) ومن باب: النهي عن أن تنشد الضالّة في المسجد
نشدت الضالة بمعنى: طلبتها. وأنشدتها: عرّفتها. قاله يعقوب وغيره، ومنه قول الشاعر:
إِصَاخَةَ الناشدِ للمُنشِدِ
والإصاخة: الاستماع.
وقوله: فليقل: لا ردها الله عليك: دعاء على الناشد في المسجد بعدم الوجدان، فهو معاقبة له في ماله على نقيض مقصوده، فليلحق به ما في معناه؛ فمن رفع صوته فيه بما يقتضي مصلحة ترجع إلى الرافع صوته، دُعِيَ عليه على نقيض مقصوده ذلك؛ بسبب جريمة رفع الصوت في المسجد، وإليه ذهب مالك في جماعة، حتى كرهوا رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره. وأجاز أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت فيه في الخصومة والعلم. قالوا: لأنهم لا بُدَّ لهم من ذلك، وهذا مخالف لظاهر الحديث. وقولهم: لا بدّ لهم من ذلك ممنوع، بل لهم بُدٌّ من ذلك بوجهين:
стр. 784
فَقَالَ: مَن دَعَا إِلَى الجَمَلِ الأَحمَرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لا وَجَدتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَت لَهُ.
وَفِي رِوَايَة: جَاءَ أَعرَابِيٌّ بَعدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاةَ الفَجرِ، فَأَدخَلَ رَأسَهُ مِن بَابِ المَسجِدِ. . .، وَذَكَرَ مِثلَهُ.
رواه أحمد (٥/ ٣٦١)، ومسلم (٥٦٩).
* * *
ــ
أحدهما: ملازمة الوقار والحرمة، وبإخطار ذلك بالبال والتحرز من نقيضه، ومن خاف ما يقع فيه تحرّز منه.
والثاني: أنه إذا لم يتمكن من ذلك فليتخذ لذلك موضعًا يخصه، كما فعل عمر، وقال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعرًا فليخرج من المسجد.
وقوله: إنما بنيت المساجد لما بنيت له: يدل على أن الأصل ألا يُعمل في المسجد غير الصلوات، والأذكار، وقراءة القرآن؛ ولذلك قال ﷺ : إذا رأيتم من يبيع في المسجد أو يبتاع فقولوا: لا أربح الله تجارتك (١). وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، ورأى أنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة، فلو كان بغير أجرة لمنع أيضًا، من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا يتحرّزون عن القذر والوسخ، فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد، وقد أمر رسول الله ﷺ بتنظيفها وتطييبها، وقال: جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وسل سيوفكم، وإقامة حدودكم (٢).
وقوله: فأدخل رأسه من باب المسجد؛ دليل على أن حكم هذا الداخل
стр. 785
(٥٢) باب الأمر بسجود السهو، وما جاء فيمن سها عن الجلسة الوسطى
[٤٥٨]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُم إِذَا قَامَ
ــ
في المسجد، ولو لم يكن كذلك لما منع، ألا ترى أنه لو رفع صوته خارج المسجد لم يعاقب بذلك، وبدليل قوله: إن المساجد لم تُبن لهذا. ويقتبس من هذا: أن الحالف ألا يدخل دارًا، فأدخل رأسه فيها، أنه يحنث بذلك. قال بعض علمائنا: وكذلك لو أدخل رجله؛ لأن الاعتماد في الدخول على الرجل، ولهذا فرق بعض أصحابنا بين أن يكون اعتماده عليها أم لا.
(٥٢) ومن باب: السهو في الصلاة
قال الإمام أبو عبد الله: أحاديث السهو كثيرة مشهورة (١)، والثابت منها عن رسول الله ﷺ خمسة أحاديث: حديث أبي هريرة الذي ذكر فيه أنه سجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما. وحديث أبي سعيد الخدري (٢)، وهما جميعًا فيمن شكّ كم صلّى. وحديث ابن مسعود (٣)، وذكر فيه: أنه قام إلى خامسة، والسجود بعد السلام. وحديث ابن بحينة وفيه: القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام. وحديث ذي اليدين (٤)، وفيه السلام من اثنتين والسجود بعد السلام.
стр. 786
يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيطَانُ، فَلَبَسَ عَلَيهِ، حَتَّى لا يَدرِيَ كَم صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ
ــ
قلت: وقد أغفل الإمام حديث عمران بن حصين (١)، وهو أنّه سلم في ثلاث، ثم صلى ركعة ثم سلّم، ثم سجد سجدتين، لكن لم يذكره؛ لأنه رأى أنه في معنى حديث ذي اليدين. ويلزمه على هذا ألا يُعَدَّ حديث أبي هريرة؛ لأنه عنده في معنى حديث أبي سعيد، والصحيح في عدد الأحاديث الصحيحة في السهو أنها ستة حسب ما نبّهنا عليه.
قال الإمام: وقد اختلف الناس في طريق الأخذ بهذه الأحاديث، فأما داود فلم يقس عليها، وقال: إنما يستعمل ذلك فيما ورد فيه من الصلوات، على حسب الترتيب في مواضع السجود المذكورة، وقال ابن حنبل كقول داود في هذه الصلوات خاصة، وخالفه في غيرها، وقال: ما فيها من سهو فإن السجود كله قبل السلام. واختَلَف مَن قاس عليها من الفقهاء، فبعضهم قال: إنما تُفيد هذه الأحاديث التخيير، وللمكلف أن يفعل أي ذلك شاء من السجود قبل أو بعد في نقص أو زيادة، وهو قول مالك في المجموعة. وقال أبو حنيفة: الأصل ما فيه السجود بعد السلام، وردَّ بقيّة الأحاديث إليه. وقال الشافعي: الأصل ما فيه السجود قبل السلام، وردّ بقيّة الأحاديث إليه. ورأى مالك: أن ما فيه النقص السجود فيه قبل السلام، وأن ما فيه الزيادة يكون فيه السجود بعد، وهل هذا الترتيب هو الواجب أو هو الأولى؟ قولان للأصحاب. وسيأتي بيان متمسك كل فريق إن شاء الله تعالى.
وقوله: جاءه الشيطان فَلَبَس عليه، يُروَى مخفف الباء ومشدّدها، وهي مفتوحة في الماضي، مكسورة في المستقبل، على كل حال معناه: خَلَطَ، يقال:
стр. 787
أَحَدُكُم فَليَسجُد سَجدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ: جَاءَ الشَّيطَانُ فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ
رواه أحمد (٢/ ٣٣٠)، والبخاري (١٢٣٢)، ومسلم (٣٨٩) في المساجد (٨٢)، وأبو داود (١٠٣٠)، والترمذي (٣٩٧)، والنسائي (٣/ ٣١)، وابن ماجه (١٢١٦).
ــ
لَبَستُ عليه الأمر، ألبِسُهُ؛ أي: خلطته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسنَا عَلَيهِم مَا يَلبِسُونَ﴾ فأما بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المستقبل، فهو من لباس الثوب، ومنه: ﴿وَيَلبَسُونَ ثِيَابًا خُضرًا مِن سُندُسٍ وَإِستَبرَقٍ﴾
وقوله: فليسجد سجدتين وهو جالس، هذا الحديث مقصوده الأمر بالسجود عند السهو، وهل ذلك بعد السلام، أو قبل؟ لم يتعرض له فيه، وقد رُوي (١) عن مالك والليث: أنهما حملا هذا الحديث على المُستَنكِح (٢)، وليس في الحديث ما يدل عليه، وما قالاه ادعاء تخصيص، ولا بد من دليله، على أنه قد اختلف قول مالك في المستنكح، هل عليه سجود أم لا؟ بل نقول: إن في الحديث ما يدل على نقيض ما قالاه، وهو قوله: فإذا وجد ذلك أحدكم، وهذا خطاب لعموم المخاطبين، وعمومهم السلامة من الاستنكاح، فإنه نادر الوقوع، وقد ذهب الحسن في طائفة من السلف، إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فقالوا: ليس على من لم يَدرِ كَم صلى، ولا يدري هل زاد أو نقص غير سجدتين وهو جالس. وذُكر عن الشعبي والأوزاعي وجماعة كثيرة من السلف: أن من لم يدر كم صلى أعاد أبدًا حتى يتيقن، والذي ذهب إليه الأكثر: أن يحمل حديث أبي هريرة على مفصَّل حديث أبي سعيد الآتي بعد هذا، ويُرَدّ إليه، لا سيما وقد زاد أبو داود في حديث
стр. 788
[٤٥٩]- وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ بُحَينَةَ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكعَتَينِ مِن بَعضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ فَلَم يَجلِس، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ وَنَظَرنَا تَسلِيمَهُ، كَبَّرَ فَسَجَدَ سَجدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبلَ التَّسلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ.
زاد فِي رِوَايَةٍ: وسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلُوسِ.
رواه البخاري (١٢٣٠)، ومسلم (٥٧٠)(٨٥)، وأبو داود (١٠٣٤ و ١٠٣٥)، والترمذي (٣٩١)، والنسائي (٣/ ١٩ - ٢٠)، وابن ماجه (١٢٠٦) و (١٢٠٧).
* * *
ــ
أبي هريرة من طريق صحيحة: وهو جالس قبل أن يسلم، فيكون مساويًا لحديث أبي سعيد، فهو هو، والله أعلم.
ثم هذا الأمر بالسجود لمن سها؛ على جهة الوجوب، أو فيه تفصيل؟ فيه خلاف، فمن أصحابنا من قال: هو محمول على الندب، أما في الزيادة فواضح؛ لأنه ترغيم للشيطان، وأما في النقصان فهو جبر للنقص، وأرفع درجات الجبر أن يتنزل منزلة الأصل، والأصل مندوب إليه، فيكون الجبر مندوبًا إليه؛ لأن سجود السهو إنما يكون في إسقاط السنن - على ما يأتي -، وعلى هذا لا يعيد من ترك السجود، وقال بعض أصحابنا: السجود للنقص واجب، وللزيادة فضيلة، ثم اختلفوا: هل ذلك في كل نقص، أو يختص بالوجوب؟ إذا كان المسقط فعلا ولم يكن قولا؟ روايتان.
* * *
стр. 789
(٥٣) باب فيمن لم يّدرِ كم صلى ؟
[٤٦٠]- عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُم فِي صَلاتِهِ فَلَم يَدرِ كَم صَلَّى ثَلاثًا أَم أَربَعًا، فَليَطرَحِ الشَّكَّ، وَليَبنِ عَلَى مَا استَيقَنَ، ثُمَّ يَسجُدُ سَجدَتَينِ قَبلَ أَن يُسَلِّمَ،
ــ
(٥٣) ومن باب: فيمن لم يَدرِ كم صلى (١)
قوله في حديث أبي سعيد: إذا شك أحدكم في صلاته، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن: تمسك بظاهره جمهور أهل العلم في إلغاء المشكوك فيه، والعمل على المتيقن، وألحقوا المظنون بالمشكوك في الإلغاء، وردّوا قوله ﷺ في حديث ابن مسعود: فليتحرّ الصواب من ذلك إلى حديث أبي سعيد هذا، ورأوا أن هذا التحري هو القصد إلى طرح الشك، والعمل على المتيقن. وقال أهل الرأي من أهل الكوفة وغيرهم: إن التحري هنا هو البناء على غلبة الظن. وأما أبو حنيفة فقال: ذلك لمن اعتراه ذلك مرة بعد مرة، فأما لأَوَّل ما ينوبه، فليبن على اليقين، وكأن أبا حنيفة جمع بين الحديثين باعتبار حالين للشاكّ.
وقوله: ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم: احتج بظاهره الشافعي لأصل مذهبه على أن سجود السهو كله قبل السلام. وقال الداودي: اختلف قول مالك في الذي لا يدري ثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فقال: يسجد قبل السلام، وقال: بعد السلام، والصحيح من مذهبه في هذه الصورة: السجود بعد السلام. وقد اعتلَّ أصحابنا لهذا الحديث بأوجه:
أحدها: أنه يعارضه حديث ذي اليدين؛ حيث زاد النبي ﷺ ، ثم سجد بعد
стр. 790
فَإِن كَانَ صَلَّى خَمسًا شَفَعنَ لَهُ صَلاتَهُ،
ــ
السلام، وهو حديث لا علّة له، وحديث أبي سعيد أرسله مالك عن عطاء، وأسنده غيره، فكان هذا اضطرابًا فيه، والتسلِيم عن ذلك أرجح.
وثانيها: أن قوله: قبل أن يسلم؛ يحتمل أن يريد به السلام على النبي ﷺ الذي في التشهد، وهو قوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله. فكأنه سجد ولم يستوف التشهد.
وثالثها: أنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ سها عن إيقاعه بعد السلام، فأوقعه قبله واكتفى به؛ إذ قد فعله، ولا يتكرر سجود السهو، ولا يعاد.
ورابعها: يحتمل أن يكون شك في قراءة السورة، في إحدى الأوليين، فيكون معه زيادة الركعة ونقصان قراءة السورة، فَغُلِّبَ النقصان.
وخامسها: أن السجود في هذه الصورة قبل السلام؛ لأن الزيادة متوهمة مقدورة، بخلاف الزيادة المحققة؛ كما في حديث ذي اليدين؛ فإنه لما تحققت الزيادة سجد بعد السلام، وهذا إنما يتمشَّى على ما رواه الداوُدي عن مالك على ما تقدم، وعليه حمله ابن لبابة.
وسادسها: أن حديث أبي سعيد محمول على أن النبي ﷺ قصد بذلك بيان جواز سجود ما بعدُ و [ما] (١) قبلُ، وهذا إنما يتمشى على رواية من روى أن الترتيب في سجود السهو إنما هو من باب الأولى على ما تقدم، وهذا أشبهها، فإنه جمعٌ بين الأحاديث على وجه حسن، وعلى مذهب الطبري وغيره - ممن قال بالتخيير، فيسجد للنقص والزيادة قبل أو بعد، أيَّ ذلك شاء فعل، وفي المجموعة عن مالك نحوه، والله تعالى أعلم.
وقوله: فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته؛ يعني: أنه لما شك هل
стр. 791
وَإِن كَانَ صَلَّى إِتمَامًا لأَربَعٍ كَانَتَا تَرغِيمًا لِلشَّيطَانِ.
رواه أحمد (٣/ ٨٧)، ومسلم (٥٧١)، وأبو داود (١٠٢٤ و ١٠٢٦ و ١٠٢٧ و ١٠٢٩)، والترمذي (٣٩٦)، والنسائي (٣/ ٢٧)، وابن ماجه (١٢١٠).
ــ
صلى ثلاثًا أو أربعًا، وبنى على الثلاث، فقد اطّرح الرابعة، مع إمكان أن يكون فعلها، فإن كان قد فعلها فهي خمس، وموضوع تلك الصلاة شفع، فلو لم يسجد لكانت الخامسة لا تناسب أصل المشروعية، فلما سجد سجدتي السهو ارتفعت الوتريَّة، وجاءت الشفعيَّة المناسبة للأصل، والله أعلم.
والنون في شفعن هي نون جماعة المؤنث، وعادت على معنى فعلات السجدتين، مشيرًا إلى ما فيها من الأحكام المتعددة.
وقوله: وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان؛ معناه: غيظًا للشيطان، ومذلّة له؛ لأنه لما فعل أربع ركعات أتى بما طلب منه، ثم لما انفصل زاد سجودًا لله تعالى؛ لأجل ما أوقع الشيطان في قلبه من التردد، فحصل للشيطان نقيض مقصوده؛ إذ كان إبطال الصلاة، فقد صحت، وعادت وسوسته بزيادة خير وأجر. والترغيم: مأخوذ من الرَّغَام؛ وهو التراب كما تقدم.
وقوله في حديث ابن بحينة: فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر فسجد؛ أي: فرغ من أركانها عدا السلام. ونظرنا: انتظرنا، ومنه: ﴿انظُرُونَا نَقتَبِس مِن نُورِكُم﴾؛ أي: انتظرونا. وهذا التكبير المعقب بالسجود لسجود السهو قولا واحدًا، لا للإحرام؛ لأنه لم ينفصل عن حكم الإحرام الأول. واختلف في التكبير للَّتبيَين بعد السلام، هل هو للإحرام أو للسجود؟ روايتان عن مالك. والأولى أنه للإحرام، ولا بد من نيته؛ لأنه قد انفصل عن حكم الصلاة؛ ولأنه
стр. 792
[٤٦١]- وَعَن عَلقَمَةَ قَالَ: قَالَ عبد الله: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (قَالَ إِبرَاهِيمُ بنُ سُوَيدٍ: زَادَ أَو نَقَصَ، الوَهمُ مِنهُ) فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيءٌ؟
ــ
لا بدّ لهما من (١) سلام ينفصل به، كما يحرِمُ به قياسًا على سائر الصلوات، وإلى هذا أشار في حديث ذي اليدَين، حيث قال: فصلى ركعتين، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر. فإنه عطف السجود على التكبير بثم التي تقتضي التراخي، ولو كان التكبير للسجود لكان معه، ومصاحبًا له، ألا تراه كيف قال في بقية الحديث: ثم كبر وركع، ثم كبر وسجد، ثم كبر وسجد، ثم كبر فرفع، فعدل عن ثم في مواضع المقارنة، وهذا ظاهر.
وقوله: فسجد سجدتين قبل السلام، ثم سلم حجة لمالك في قوله: إن السجود للنقص قبل، وعلى أبي حنيفة في قوله (٢): إن السجود للسهو كله بَعدُ، وحَملُ أبي حنيفة هذا السلام على سلام التشهد فاسد قطعًا بمساق الحديث، فتأمله.
وقوله: مكان ما نسي من الجلوس: دليل على أن الذي يجبر بسجود السهو إنما هو ما كان (٣) من قبيل سنن الصلاة، أما أركانها وواجباتها فلا بد من الإتيان بها؛ إذ لا تصح بدون ذلك، أما فضائلها: فغايتها تكميل الثواب، فلو أسقطها المصلي ابتداء لصحّت صلاته اتفاقًا، وليس كذلك السنن، فقد قيل: إن من تركها متعمدًا أعاد الصلاة.
وقولهم في حديث ابن مسعود: أَحَدَث في الصلاة شيء؟ سؤال عن
стр. 793
قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَثَنَى رِجلَهِ وَاستَقبَلَ القِبلَةَ، فَسَجَدَ سَجدَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَينَا بِوَجهِهِ فَقَالَ: إِنَّهُ لَو حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيءٌ أَنبَأتُكُم بِهِ، وَلَكِن إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَنسَى كَمَا تَنسَونَ،
ــ
جواز النسخ على ما ثبت من العبادة، ويدل هذا: على أنهم كانوا يتوقعونه.
وقوله: وما ذاك؟ سؤال من لم يشعر بما وقع منه، ولا يقين عنده، ولا غلبة ظن.
وقولهم: صليت كذا أو كذا: إخبار من حقق ما وقع. وقبول النبي ﷺ قول المخبِر عما وقع له دليل على قبول الإمام قول من خلفه في إصلاح الصلاة، إذا كان الإمام على شك، بلا خلاف. وهل يشترط في المخبر عدد؛ لأنه من باب الشهادة، أو لا يشترط ذلك، لأنه من باب قبول الخبر؟ قولان:
الأول: لأشهب وابن حبيب، وأما إن كان الإمام جازمًا في اعتقاده بحيث يصمم عليه، فلا يرجع إليهم، إلا أن يفيد خبرهم العلم فيرجع إليهم، وإن لم يفد خبرهم العلم؛ فذكر ابن القصّار في ذلك عن مالك قولين: الرجوع إلى قولهم، وعدمه. وبالأول قال ابن حبيب، ونصه: إذا صلى الإمام برجلين فصاعدًا فإنه يعمل على يقين من وراءه، ويدع يقين نفسه، قال المشايخ: يريد الاعتقاد.
وبالثاني قال ابن مسلمة، ونصّ ما حكي عنه: يرجع إلى قولهم إن كثروا، ولا يرجع إذا قلّوا، وينصرف، ويُتِمّون لأنفسهم.
وقوله: لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به: يفهم منه أن الأصل في الأحكام بقاؤها على ما قُرِّرَت وإن جوز غير ذلك، وأن تأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة.
وقوله: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون: دليل على جواز النسيان على النبي ﷺ فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع. قال القاضي عياض: وهو
стр. 794
فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، فإِذَا شَكَّ أَحَدُكُم فِي الصَلاة فَليَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَليُتِمَّ عَلَيهِ، ثُمَّ يَسجُد سَجدَتَينِ.
وَفي رِوَايَةٍ: فَليَنظُر أَحرَى ذَلِكَ إلى الصَّوَابِ.
وَفي أُخرَى: فَليَتَحَرَّ أَقرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ.
ــ
مذهب عامة العلماء والأئمة النظار، وظاهر القرآن والأحاديث، لكن شرط الأئمة أن الله تعالى ينبهه على ذلك، ولا يقرّه عليه، ثم اختلفوا: هل من شرط التنبيه اتصاله بالحادثة على الفور؟ وهذا مذهب القاضي أبي بكر والأكثر من العلماء، أو يجوز في ذلك التراخي ما لم ينخرم عمره، وينقطع تبليغه؟ وإليه نَحَا أبو المعالي. ومنعت طائفة من العلماء السهو عليه في الأفعال البلاغية، والعبادات الشرعية، كما منعوه اتفاقًا في الأقوال البلاغية، واعتذروا عن الظواهر الواردة في ذلك، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق، وشذّت الباطنية وطائفة من أرباب علم القلوب، فقالوا: لا يجوز النسيان عليه، وإنما يَنسَى قصدًا، ويتعمد صورة النسيان ليسنّ، ونحا إلى قولهم عظيم من أئمة التحقيق؛ وهو أبو المظفر الإسفراييني في كتابه الأوسط، وهذا مَنحىً غير سديد، وجمع الضد مع الضد مستحيل بعيد.
قلت: والصحيح أن السهو عليه جائز مطلقًا؛ إِذ هو واحد من نوع البشر، فيجوز عليه ما يجوز عليهم إذا لم يقدح في حاله، وعليه نبّه حيث قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، غير أن ما كان منه فيما طريقه بلاغ الأحكام قولا أو فعلا، لا يقرّ على نسيانه، بل ينبَّه عليه إذا تعينت الحاجة إلى ذلك المبلغ، فإن أقر على نسيانه ذلك، فإنما ذلك من باب النسخ؛ كما قال تعالى: ﴿سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾
وقوله: فليتحرّ الصواب فليتمّ عليه، و (فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب) ظاهره ما صار إليه الكوفيون من عمله على غلبة ظنه، وقد ذكرنا أن
стр. 795
وَفي أُخرَى: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَو نَقَصَ فَليَسجُد سَجدَتَينِ، قَالَ: ثُمَّ سَجَدَ سَجدَتَينِ.
وَفي أُخرَى: أَنَّهُ ﵊ صلى خَمسًا (مِن غَيرِ شَكٍّ).
رواه أحمد (٦/ ٢٨)، والبخاري (١٢٢٦)، ومسلم (٥٧٢) (٨٩ و ٩٠ و ٩٢ و ٩٦)، وأبو داود (١٠١٩ - ١٠٢٢)، والترمذي (٣٩٢ و ٣٩٣)، والنسائي (٣/ ٣١ - ٣٣)، وابن ماجه (١٢١١).
* * *
ــ
الجمهور ردّوه إلى حديث أبي هريرة، وهذا لم تضم إليه ضرورة تعارض، إذ يمكن أن يحمل كل واحد من الحديثين على حالة غير الأخرى، فَيَحملُ حديث أبي هريرة فيمن شك، ويحمل هذا الحديث فيمن ظنّ، ولا تعارض بينهما، والتحرّي وإن كان هو القصد، كما قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوا رَشَدًا﴾ فكما يُقصَدُ المتيقَّن يُقصَدُ المظنون، والله تعالى أعلم.
فإن قيل: الموجب لتأويل هذا الحديث وردّه إلى حديث أبي هريرة: أن الصلاة في ذمته بيقين، ولا تبرأ ذمته إلا بيقين، قلنا: لا نسلِّم، بل تبرأ ذمته بغلبة الظن؛ بدليل: أن صحة الصلاة تتوقف على شروط مظنونة باتفاق؛ كطهارة النجاسة، وطهارة الحدث باختلاف، والموقوف على المظنون مظنون، فلا يلزم اليقين، وإن كان الأولى هو اليقين، والله تعالى أعلم.
وقوله: إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين: يقتضي التسوية بين ما كان للنقص، وبين ما كان للزيادة، فإما أن يكون هذا الأمر بهما على الوجوب، أو على الندب. والتفرقة التي حكيناها عن أصحابنا مخالفة لهذا الظاهر فتلغى.
وقوله في الرواية الأخرى التي لا شك فيها: أنه ﷺ صلى خمسًا ثم سجد؛ حجة على أبي حنيفة حيث قال: تبطل الصلاة بزيادة الخامسة، وهو حجة
стр. 796
(٥٤) باب فيمن سلَّم من اثنتين أو ثلاث
[٤٦٢]- عَن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحدَى صَلاتَيِ العَشِيِّ، إِمَّا الظُّهرَ وَإِمَّا العَصرَ. فَسَلَّمَ فِي رَكعَتَينِ، ثُمَّ أَتَى جِذعًا فِي قِبلَةِ المَسجِدِ فَاستَنَدَ إِلَيهَا مُغضَبًا،
ــ
لمالك على صحة ذلك في غير الثنائية، فلو زاد في الثنائية ركعة فقد زاد مثل نصفها، وقد اختلف فيما إذا زاد مثل نصف الصلاة فأكثر، فقيل: النصف كثير فتعاد الصلاة منه في الصبح وغيرها. وهذا قول مطرِّف وابن القاسم. وقيل: إنما تفسد بزيادة ركعتين، وليست زيادة ركعة واحدة تبطل في الصبح ولا غيرها، وهو قول عبد الملك، فأما لو زاد مثل الصلاة؛ ففي بطلانها بذلك روايتان؛ مشهورهما: البطلان. والثانية: رواية عبد الملك ومطرف: وهي الصحة، ويجزئه سجود السهو، وسبب هذا الخلاف اعتبار الزيادة؛ هل هي كثيرة بالنسبة أم لا؟
فقَالُوا: صَدَقَ، لَم تُصَلِّ إِلا رَكعَتَينِ. فَصَلَّى رَكعَتَينِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ وسجد. ثُمَّ كَبَّرَ وَرفع.
(٥٤) ومن باب: فيمن سلم من اثنتين أو ثلاث
قوله: إحدى صلاتي العشي - إما الظهر وإما العصر - أول العشي إذا فاء الفيء وتمكّن، ومنه قول القاسم بن محمد: ما أدركت الناس (١) إلا وهم يصلون الظهر بعشي، وآخره: غروب الشمس، وأصله: الظلمة، ومنه: عَشَا البصر، وعشوت النار: نظرت إليها عن ظلمة.
وقوله: ثم أتى جذعًا فاستند إليها؛ الجذع: أحد الجذوع، وهو خشبة النخلة، وهو مذكر، لكنه أعاد عليه ضمير المؤنث؛ لأنه خشبة، كما قالوا: بلغني كتابه فمزقتها؛ لأن الكتاب صحيفة.
стр. 797
وَفِي القَومِ أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَاه أَن يَتَكَلَّمَا، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، قَصُرَتِ الصَّلاةُ. فَقَامَ ذُو اليَدَينِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَم نَسِيتَ؟
ــ
وقوله في أبي بكر وعمر: فهاباه أن يتكلما؛ يعني: أنهما بما غلبهما (١) من احترام النبي ﷺ ، وتعظيمه، وإكبار مقامه الشريف، امتنعا من تكليمه، مع علمهما بأنه سيبين أمر ما وقع، ولعله بعد النهي عن السؤال كما قررناه في كتاب الإيمان. وإقدام ذي اليدين على السؤال؛ دليل على حرصه على تعلم العلم، وعلى اعتنائه بأمر الصلاة.
وقوله: وخرج سَرَعان الناس؛ رويته بفتح السين والراء، وهو المحفوظ عن متقني الشيوخ، وهو قول الكسائي، وغيرهم يسكّن الراء (٢)، وهم: أَخِفّاؤهم والمسرعون منهم. ورواية الأَصِيلي في البخاري: سُرعان: بضم السين وإسكان الراء، وكأنه جمع سريع؛ كقفيز وقفزان، وقضيب وقضبان، وكسر السين خطأ، قاله الخطابي.
وقوله: قصرت الصلاة؟ معناه: يقولون: قصرت الصلاة، على اعتقاد وقوع ما يجوز من النسخ. وذو اليدين: رجل من بني سُليم، كان طويل اليدين. ووقع في رواية: بسيط اليدين، وظاهره: طويل خلق اليدين، ويحتمل أنه كان طويل اليدين بالفضل وبالبذل. وقد سماه في حديث عمران بن حصين: الخِرباق، قال: وكان في يديه طول، ويحتمل أن يكون رجلا آخر، والله أعلم. وقد سماه الزهري: ذا الشمالين، قال: رجل من بني زُهرة، وقد خطّأه أهل السِّيَر في ذلك، وقالوا: إن ذا الشمالين الزهري (٣) قتل يوم بدر. قلت: ويحتمل أن يكون
стр. 798
فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَمِينًا وَشِمَالا فَقَالَ: مَا يَقُولُ ذُو اليَدَينِ؟ فقالُوا: صَدَقَ، لم تُصَلِّ إلَّا رَكْعَتَيْنِ
ــ
الخرباق في حديث عمران بن حصين غير ذي اليدين في حديث أبي هريرة، والله أعلم.
وقوله: ما يقول ذو اليدين؟ يحتج به من يقول: لا بد من اشتراط العدد في المخبِر عن السهو، ولا حجة فيه؛ لأنه ﷺ إنما استكشف لِمَا وقع له من التوقف في خبره؛ حيث انفرد بالخبر عن ذلك، مع أن الجمع كثير، ودواعيهم متوفرة، وحاجتهم داعية إلى الاستكشاف عما وقع، فوقعت الريبة في خبر المخبِر لهذا، وجُوِّزَ عليه أن يكون الغلط والسهو منه، لا أنها شهادة، والله أعلم.
وهذا كما وقع في قبول أخبار الآحاد في غير موضع.
وقوله: فقالوا: صدق؛ حصل من مجموع هذا الحديث أن الكلّ تكلموا في الصلاة بما يصلحها، ثم من بعد كلامهم كمّل الصلاة، وسجد، ولَغَا كلامهم، ولم يضرّ، فصار هذا حجة لمالك على أن من تكلم في الصلاة لإصلاحها لم تبطل صلاته، وخالفه بعض أصحابه وأكثر الناس. قال الحارث بن مسكين: أصحاب مالك كلهم على خلاف ما قال ابن القاسم عن مالك، وقالوا: كان هذا أول الإسلام، وأما الآن فمن تكلم فيها أعادها، ومنع ما أجازه مالك من الكلام: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأهل الظاهر، وجعلوه مفسدًا للصلاة، إلا أن أحمد أباح ذلك للإمام وحده، واستثنى سحنون - من أصحاب مالك - أن من سَلّم من اثنتين من الرباعية، فوقع الكلام هناك لم تبطل الصلاة، وإن وقع في غير ذلك بطلت الصلاة. والصحيح ما ذهب إليه مالك تمسكًا بالحديث، وحملا له على الأصل الكلي؛ من تعدّي الأحكام، وعموم الشريعة، ودفعًا لما يُتوهم من الخصوصية؛ إذ لا دليل عليها، ولو كان شيء مما ادعي؛ لكان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يجوز إجماعًا، ولكان بيّنه؛ كما فعل في حديث أبي بردة بن
стр. 799
فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وسَلَّمَ، ثمَّ كَبَّرَ ثمَّ سَجَدَ، ثمَّ كَبَّرَ وسَجَدَ ثم كبَّرَ ورَفَعَ.
ــ
نيار؛ حيث قال: ضحّ بها، ولن تجزئ عن أحد بعدك (١)، والله تعالى أعلم.
وقوله: فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع، هذا حجة لمالك ﵀ على أن السجود للزيادة بعد السلام، وحجة على الشافعي؛ حيث قال: السجود كله قبل السلام. وتأويل من تأوّله على أن المراد به: سلام التشهد ليس بصحيح بما تقدم، ولم تدع إليه حاجة، وقد بنى النبي ﷺ على ما تقدم له من صلاته، مع ما وقع في أثنائها، ومن استدباره القبلة، واستناده إلى الخشبة والمحاورة في ذلك. وقد حمل ذلك أصحابنا على أن ذلك عمل قليل، وبحضرة ذلك، ولذلك ألغاه. فأما لو كثر ذلك وطال جدًّا لبطلت الصلاة. وقيل: لا تبطل وإن طال. وسبب الخلاف: هل ما وقع في قصة ذي اليدين كثير أو قليل؟ ثم اختلف في الطول ما هو؟ فقيل: يرجع في ذلك إلى العرف، وقيل: ما لم ينتقض وضوؤه، وروي هذا الأخير عن ربيعة ومالك، ولم يبين في هذا الحديث هل رجع النبي ﷺ للصلاة بتكبير أو بغيره، أم هل رجع إلى حال الجلوس أو لا؟ وقد اختلف أصحابنا في ذلك، فهاتان مسألتان:
المسألة الأولى: المشهور أنه يرجع بتكبير. وهل ذلك التكبير للإحرام، أو لا؟ المشهور أنه للإحرام، فإن كان لا للإحرام، فهل هو للإشعار برجوعه، أو هو تكبير القيام في الثالثة بعد الجلوس؟ قولان. وسبب هذا الخلاف: هل إيقاع السلام ساهيًا على التكميل مخرج عن الصلاة، أم لا يكون مخرجًا؛ كالكلام ساهيًا؟ فيه ثلاثة أقوال: يفرّق في الثالث بين أن يكون سهوه عن العدد، فيسلم قصدًا، ثم يذكر، فهذا يحتاج إلى إحرام، أو سهوه عن السلام، فلا يحتاج إليه، فإن هذا السلام كالكلام المسهو عنه.
стр. 800
قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم.
وَفِي رِوَايَة: أَنَّهَا صَلاةَ العَصرِ (مِن غَيرِ شَكٍّ)، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي جَوَابِ ذِي اليَدَينِ إِذ قَالَ: أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَم نَسِيتَ؟ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَم يَكُن، فَقَالَ: قَد كَانَ بَعضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو اليَدَينِ؟ قَالُوا: نَعَم يَا رَسُولَ اللَّهِ! ، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلاةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعدَ التَّسلِيمِ.
رواه البخاري (١٢٢٨)، ومسلم (٥٧٣) (٩٧ و ١٠٠)، وأبو داود (١٠٠٨ - ١٠١٢)، والترمذي (٣٩٤)، والنسائي (٣/ ٣٠ - ٣٦)، وابن ماجه (١٢١٤).
ــ
المسألة الثانية: إذا قلنا: إنه يكبر للإحرام، فهل يكبر قائمًا كالإحرام الأول، أو جالسًا؛ لأنها الحالة التي فارق الصلاة عليها؟ قولان. ثم إذا قلنا: يُحرم قائمًا، فهل يجلس بعد ذلك القيام ليأتي بالنهضة في صلاته؟ - قاله ابن القاسم - أو لا يجلس؛ لأن النهضة غير مقصودة لنفسها، وقد فات محلها فلا يعود إليها، رواه ابن نافع وقال به.
وقوله ﷺ : كل ذلك لم يكن، هذا مشكل بما ثبت من حاله ﷺ ؛ فإنه يستحيل عليه الخلف والكذب، والاعتذار عنه من وجهين:
أحدهما: أنه إنما نفى الكلية، وهو صادق فيها؛ إذ لم يجتمع وقوع الأمرين، وإنما وقع أحدهما، ولا يلزم من نفي الكلية نفي كل جزء من أجزائها، فإذا قال: لم ألق كل العلماء، لا يفهم أنه لم يلق واحدًا منهم، ولا يلزم ذلك منه، إلا أن هذا
стр. 801
[٤٦٣]- وَعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظهر فَسَلَّمَ فِي ثَلاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنزِلَهُ، فَقَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الخِربَاقُ، وَكَانَ فِي يَدَيهِ طُولٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ، وَخَرَجَ غَضبَانَ يَجُرُّ
ــ
الاعتذار يبطله قوله [في الرواية الأخرى] (١): لم أنس ولم تقصر، بدل قوله: كل ذلك لم يكن، فقد نفى الأمرين نصًّا.
والثاني: أنه إنما أخبر عن الذي كان في اعتقاده وظنه، وهو أنه لم يفعل شيئًا من ذلك، فأخبر بحق؛ إذ خبره موافق لما في نفسه، فليس فيه خلف ولا كذب، وعن هذا ما قد صار إليه أكثر الفقهاء: إلى أن الحالف بالله على شيء يعتقده، فيظهر أنه بخلاف ما حلف عليه، أن تلك اليمين لاغية، لا حنث فيها، وهي التي لم يُضِفها الله تعالى إلى كسب القلب، حيث قال: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغوِ فِي أَيمَانِكُم وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَت قُلُوبُكُم﴾ وقد روى أبو داود حديث أبي هريرة هذا، وقال مكان: كل ذلك لم يكن: لم أنس، ولم تقصر. ومَحمِلُهُ على ما ذكرناه من إخباره عن اعتقاده. وللأصحاب فيه تأويلات أُخَر:
منها: أن قوله: لم أنس راجع إلى السلام؛ أي: لم أنس السلام، وإنما سلّمت قصدًا، وهذا فاسد؛ لأنه حينئذ لا يكون جوابًا عما سئل عنه.
ومنها: الفرق بين النسيان والسهو، فقالوا: كان يسهو ولا ينسى؛ لأن النسيان غفلة، وهذا أيضًا ليس بشيء؛ إذ لا نسَلّم الفرق، ولو سلم فقد أضاف ﷺ النسيان إلى نفسه في غير ما موضع، فقال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني (٢)، وقوله: إني لأَنسَى - أو أُنَسَّى - لأَسُنَّ (٣)، وغير ذلك.
стр. 802
رِدَاءَهُ، حَتَّى انتَهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَصَدَقَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَم، فَصَلَّى رَكعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجدَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ.
رواه مسلم (٥٧٤)(١٠١)، وأبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥)، وابن ماجه (١٢١٥).
* * *
ــ
ومنها: ما اختاره القاضي عياض: أنه إنما أنكر ﷺ نسبة النسيان إليه؛ إذ ليس من فعله؛ كما قال في الحديث الآخر: بئس ما لأحدكم أن يقول نسيت آية كَيتَ وكيت، بل هو نُسِّي (١)؛ أي: خلق فيه النسيان، وهذا يبطله قوله أيضًا: أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وأيضا فلم يصدر ذلك عنه على جهة الزجر والإنكار، بل على جهة النفي لما قاله السائل عنه. وأيضًا فلا يكون جوابًا لما سئل عنه.
والصواب حمله على ما ذكرناه، والله تعالى أعلم. ولا يلزم عليه شيء من الاستبعادات.
وفي الأم (٢): تَوَشوَشَ القوم رواه أبو بحرٍ معجمةً، وغيرُه مهملة، وكلاهما بمعنى الحركة. قال ابن دُريد: وسوَسَة الشيء - مهملا -: حَرَّكَتُه، وتوشوش القوم: تحرّكوا وهمسوا.
وقوله في حديث عمران: فقام إليه رجل فذكر له صنيعه، يعني: سلامه في ثالثة. وغضبه ﷺ يحتمل أن يكون إنكارًا على المتكلّم؛ إذ قد نَسَبَه إلى ما كان يعتقد خلافه، ولذلك أقبل على الناس متكشِّفًا عن ذلك. وعلى هذا يدل ما في الرواية الأخرى: إذ قال فيها: فقام رجل بسيط اليدين، فقال: قصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبًا. ويحتمل أن يكون غضبه لأمر آخر لم يذكره الراوي،
стр. 803
(٥٥) باب ما جاء في سجود القرآن
[٤٦٤]- عَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ القُرآنَ، فَيَمُرُّ بِالسَّجدَةِ فَيَسجُدُ بِنَا حتى ازدَحَمنَا عِندَهُ،
ــ
وكأن الأول أظهر. وحديث عمران بن حصين هذا واقعة أخرى غير واقعة حديث أبي هريرة، وقد توارد الحديثان على أن السجود للزيادة بعد السلام، كما هو مشهور مذهب مالك، فانتهضت حجتهُ والحمد لله.
وفي حديث ذي اليدين حجة لمالك على قوله: إن الحاكم إذا نسي حكمه فشهد عنده عدلان بحكم؛ أمضاه، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنه لا يمضيه حتى يذكره، وأنه لا يَقبل الشهادة على نفسه، بل على غيره، وهذا إنما يتم لمالك إذا سلم له أن رجوعه إلى الصلاة إنما كان لأجل الشهادة، لا لأجل تيقنه ما كان قد نسيه.
(٥٥) ومن باب: سجود القرآن
قوله: ربما قرأ رسول الله ﷺ القرآن فيمر بالسجدة، فيسجد بنا، حتى ازدحمنا عنده هذا يدل على أن سجود القرآن أمر مشهور معمول به في عصر النبي ﷺ ، وقد استمر العمل عليه، ولذلك قال مالك: الأمر عندنا: إن عزائم القرآن: إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء (١)، وبدليل فعل عمر وغيره. وقد اختلف العلماء في حكمه، وعدده، ومحله، ووقته، وشرطه، فلترسم في ذلك مسائل:
المسألة الأولى: ذهب أبو حنيفة إلى وجوبه عند قراءة موضع السجدة،
стр. 804
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
محتجًّا في ذلك بما في كتاب الله من الأمر بالسجود؛ كقوله: ﴿فَاسجُدُوا لِلَّهِ وَاعبُدُوا﴾ وكقوله: واسجد واقترب، وغير ذلك. وبقوله ﷺ : إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أُمِرَ ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت، فلي النار (١).
وجمهور الفقهاء على أن سجود التلاوة ليس بواجب، وصرفوا ما ذكر من الأمر بالسجود إلى الصلاة الواجبة. واختلف أصحابنا هل هو سنة أو فضيلة؟ على قولين، فإذا قلنا: إنه ليس بواجب، فالأولى أن يكون سنة؛ لأن النبي ﷺ قد داوم عليه وفعله في جماعة، وفعله الناس بعده، فتأكد أمره، فيكون سنة، والله أعلم.
المسألة الثانية: واختلف في عدد سجدات القرآن، فأقصى ما قيل في عددها: خمس عشرة؛ أوّلها: خاتمة الأعراف، وآخرها: خاتمة العلق، قاله ابن حبيب من أصحابنا، وابن وهب في رواية، وإسحاق. وقيل: أربع عشرة. قاله ابن وهب، وأسقط ثانية الحج، وهو قول أبي حنيفة وأهل الرأي (٢)، وقول الشافعي، إلا أنه أسقط سجدة ص (٣)، وأثبت آخرة الحج، وقيل: إحدى عشرة، وأسقط آخرة الحج وثلاث المفصل، وهو مشهور (٤) مذهب مالك وأصحابه، وروي عن ابن عمر وابن عباس. وقيل: عشرة، وأسقط آخرة الحج، وص، وثلاث المفصل؛ ذُكر عن ابن عباس. وقيل: إنها أربع سجدات: الم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، والعلق. وسبب الخلاف: اختلاف النقل في الأحاديث والعمل، واختلافهم في الأمر بالسجود في القرآن: هل المراد به سجود التلاوة، أو سجود الفرض، والله أعلم.
стр. 805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسألة الثالثة: وأما محله: فمهما قرأ القرآن، ومرّ بموضع سجدة سجد إذا كان في وقتها على ما يأتي، وإن كان في صلاة ففي النافلة إن كان منفردًا، وفي جماعة يأمن التخليط فيها. فإن كان في جماعة لا يأمن فيها ذلك، فالمنصوص جوازه، وقيل: لا يسجد فيها. وأما في الفريضة: فالمشهور عن مالك النهي عنه فيها، سواء كانت صلاة (١) سرٍّ أو جهرٍ، جماعة أو فرادى، وهو معلل بكونها زيادة في أعداد السجود في الفريضة. وقيل: هو معلل بخوف التخليط على الجماعة، وعلى هذا لا يمنع منه الفرادى، ولا الجماعة التي يأمن فيها التخليط.
المسألة الرابعة: وأما وقته، فقيل: يسجد في سائر الأوقات مطلقًا؛ لأنها صلاة لسبب، وهو قول الشافعي وجماعة. وقيل: ما لم يسفر الصبح، أو: ما لم تصفر الشمس بعد العصر. وقيل: لا يسجد بعد العصر، ولا بعد الصبح. وقيل: يسجد بعد الصبح ما لم يسفر، ولا يسجد بعد العصر. وهذه الثلاثة الأقوال في مذهبنا، وسبب الخلاف: معارضة ما يقتضيه سبب قراءة السجدة من السجود المرتب عليها، لعموم النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، واختلافهم في المعنى الذي لأجله نهي عن الصلاة في هذين الوقتين، والله أعلم.
المسألة الخامسة: في شرطه. قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى: لا خلاف أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة؛ من طهارة حدث ونجس، ونية، واستقبال قبلة، ووقت، على ما تقدم. وهل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده، وتكبير وتسليم؟ فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع يديه للتكبير لها، ومشهور مذهب مالك أنه يكبر لها في الخفض والرفع في الصلاة، واختلف عنه في التكبير لها في غير الصلاة، وبالتكبير لذلك قال عامة الفقهاء، ولا سلام لها عند الجمهور. وذهب جماعة من السلف وإسحاق بن
стр. 806
حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا يَسجُدَ فِيهِ فِي غَيرِ صَلاةٍ.
رواه البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥)(١٠٤)، وأبو داود (١٤١١ - ١٤١٣).
[٤٦٥]- وَعَن عَبدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ: وَالنَّجمِ فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَن كَانَ مَعَهُ، غَيرَ أَنَّ شَيخًا أَخَذَ كَفًّا مِن حَصباء أَو تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبهَتِهِ، وَقَالَ: يَكفِينِي هَذَا. قَالَ عَبدُ اللَّهِ: لَقَد رَأَيتُهُ بَعدُ قُتِلَ كَافِرًا.
ــ
راهويه: إلى أنه يسلم منها. وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في أولها للإحرام، وعلى قول من لا يسلم يكون للسجود فحسب (١).
وقوله: حتى ما يجد أحدنا مكانًا يسجد فيه، وفي لفظ آخر: مكانًا لجبهته. اختلف فيمن اعتراه ذلك، فقال الداودي: مالك يرى لمن نزل به مثل ذلك أن يسجد إذا رفع غيره، وكان عمر يرى أن يسجد على ظهر أخيه. واختلف في الخطيب يوم الجمعة يقرأ السجدة في خطبته، فقال مالك: يمرّ في خطبته ولا يسجد، وقال الشافعي: ينزل ويسجد، وإن لم يفعل أجزأه. وقد روي عن عمر في الموطأ (٢)، وعن النبي ﷺ : أنهما نزلا وسجدا، رواه أبو داود (٣) وهو صحيح.
وقوله: قرأ وَالنَّجمِ فسجد فيها: كان هذا منه متقدمًا، وكذلك قيل في سجود الانشقاق، واقرَأ. والذي استقر عليه العمل: السجود في العزائم الإحدى عشرة؛ التي ليس في المفصل منها شيء.
وقوله: غير أن شيخًا أخذ كفًّا من حَصىً: هذا الشيخ هو أمية بن خلف،
стр. 807
رواه البخاري (١٠٧٠)، ومسلم (٥٧٦)، وأبو داود (١٤٠٦)، والنسائي (٢/ ١٦٠).
[٤٦٦]- وعن عطاء بن يسار، أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وزعم أنه قرأ على رسول الله ﷺ ﴿وَالنَّجمِ إِذَا هَوَى﴾ فلم يسجد.
رواه مسلم (٥٧٧)، والنسائي (٢/ ١٦٠).
ــ
قتل يوم بدر كافرًا، وإنما سجد لما روي أنه سجد حينئذ مع النبي ﷺ المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس، قاله ابن عباس. ورواه البزار (١)، حتى شاع أن أهل مكة قد أسلموا، وقدم من كان هاجر إلى أرض الحبشة لذلك، وكان سبب سجودهم - فيما قال ابن مسعود -: أنها كانت أول سورة نزلت فيها سجدة. وروى أصحاب الأخبار والمفسرون: أن سبب ذلك: ما جرى على لسان النبي ﷺ من ذكر الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم، ولا يصحّ هذا من طريق النقل ولا العقل، وأشهر طريق النقل فيه عن الكلبي، وهو كذاب، وأما العقل فلا يصدق بذلك لأمور مستحيلة، قد عددها القاضي عياض في الشفاء (٢).
وقول زيد: لا قراءة مع الإمام في شيء؛ يعني: لازمة. وقد تقدم الكلام في ذلك.
وقول عطاء عن زيد: أنه زعم أن النبي ﷺ قرأ: وَالنَّجمِ فلم يسجد يشكل بما قدمناه في الزعم: أنه القول غير المحقق، ويزول الإشكال بأن
стр. 808
[٤٦٧] وعن أبِي هُرَيرَةَ قَالَ: سَجَدنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت﴾ و ﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ﴾
رواه مسلم (٥٧٨)، وأبو داود (١٤٠٧)، والترمذي (٥٧٨)(١٠٨)، والنسائي (٢/ ١٦١ - ١٦٢)، وابن ماجه (١٠٥٨).
* * *
ــ
ما قدمناه هو الأصل في وصفه، وقد يقال على الخبر المحقق؛ كما قال الشاعر (١):
. . . . . . . . . . . . ... على الله أرزاق العباد كما زَعَم (٢)
قال الهروي: زعم هنا بمعنى: أخبر، ويجوز أن يقال: إن زعم؛ بمعنى: ضمن، ومنه الحديث: الزعيم غارم (٣). قلت: وهذا يصح في معنى البيت، ويبعد أن يحمل عليه ما في الحديث. ويقال: زعُمَ، وزعَمَ، وزَعِمَ، بالضم، والفتح، والكسر.
وهذا الحديث يدل على أن قوله تعالى في سورة النَّجمِ: ﴿فَاسجُدُوا لِلَّهِ وَاعبُدُوا﴾ إنه لا يراد منه (٤) سجود التلاوة، إذ لو كان لما تركه النبي ﷺ ، ولذلك قال مالك: إنها ليست من العزائم.
وحديث أبي هريرة في سجود النبي ﷺ في: الانشقاق و: اقرَأ حجة لابن وهب ومن قال بقوله، وقد قدمنا أن ذلك كان من فعله متقدمًا، وأن العمل استقر على ترك ذلك. ويصح الجمع بين الأحاديث المختلفة في سجدات المفصل بما قد روي عن مالك: أنه خَيَّر فيها، والله أعلم.
стр. 809
(٥٦) باب كيفية الجلوس للتشهد
[٤٦٨]- عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلاةِ جَعَلَ قَدَمَهُ اليُسرَى تحت فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ اليُمنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُسرَى عَلَى رُكبَتِهِ اليُسرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمنَى عَلَى فَخِذِهِ اليُمنَى،
ــ
(٥٦) ومن باب: كيفية الجلوس للتشهد
قوله: وفرش قدمه اليمنى؛ هكذا الرواية، ولا يصح غيرها نقلا، وقد أشكلت هذه اللفظة على جماعة، حتى قال أبو محمد الخُشَنِي: صوابه: وفرش قدمه اليسرى، ورأى أنه غلط؛ لأن المعروف في اليمنى أنها منصوبة، كما جاء في حديث ابن عمر من رواية أبي داود: أنه ﷺ كان ينصب اليمنى ويثني اليسرى (١)، وكذا جاء في البخاري (٢) من حديث أبي حميد قال: وإذا جلس في الركعة الآخرة جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته. والصواب حمل الرواية على الصحة وعلى ظاهرها، وأنه ﷺ في هذه الكَرَّة لم ينصب قدمه اليمنى، ولا فتح أصابعه، وإنما باشر الأرض بجانب رجله اليسرى، وبسطها عليها، إما لعذر، كما كان يفعل ابن عمر حيث قال: إن رجليّ لا تحملاني، وإما ليبين أن نصبهما وفتح أصابعهما ليس بواجب، وهذا هو الأظهر، والله أعلم.
وقوله: ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى؛ يعني: بسطها عليها كما جاء في حديث ابن عمر، وهو معنى قوله في الرواية الأخرى: ويلقم كفه اليسرى
стр. 810
وَأَشَارَ بِإِصبَعِهِ.
زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَوَضَعَ إِبهَامَهُ عَلَى إِصبَعِهِ الوُسطَى، وَيُلقِمُ كَفَّهُ اليُسرَى رُكبَتَهُ.
رواه مسلم (٥٧٩)، وأبو داود (٩٨٨)، والنسائي (٢/ ٢٣٧).
[٤٦٩]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلاةِ وَضَعَ يَدَيهِ عَلَى رُكبَتَيهِ، وَرَفَعَ إِصبَعَهُ اليُمنَى الَّتِي تَلِي الإِبهَامَ فَدَعَا بِهَا، وَيَدَهُ اليُسرَى عَلَى رُكبَتِهِ اليُسرَى بَاسِطَهَا عَلَيهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَقَدَ ثَلاثًا وَخَمسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ.
ــ
ركبته مع تبديد أصابعه وتفريقها.
وقوله: ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى؛ يعني: مقبوضة. وعليه يدل قوله: ووضع إبهامه على أصبَعِه الوسطى.
وقوله في حديث ابن عمر: وعقد ثلاثًا وخمسين، وقد بين هذا بيانًا شافيًا وائل بن حُجر فيما رواه أبو داود (١)، قال: وجعل حدّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه، وحلّق حلقة. وإلى ظاهر حديث وائل هذا ذهب بعض أهل العلم، فقالوا بالتحليق، وكرهه بعض علماء المدينة، أخذًا بظاهر حديث ابن عمر؛ حيث حكى أنه ﷺ عقد ثلاثًا وخمسين. ومن قال بالتحليق؛ منهم من ذهب إلى أن التحليق برؤوس الأنامل، وهو الخطابي. ومنهم من ذهب إلى أنه هو أن يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام، والأمر قريب، ويفيد مجموع الأحاديث التخيير.
وقوله: وأشار بإصبعه؛ يعني بها المسبحة، وهي التي تلي الإبهام، كما