← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا يَسجُدَ فِيهِ فِي غَيرِ صَلاةٍ. رواه البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥) (١٠٤)، وأبو داود (١٤١١ - ١٤١٣). [٤٦٥]- وَعَن عَبدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ: وَالنَّجمِ فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَن كَانَ مَعَهُ، غَيرَ أَنَّ شَيخًا أَخَذَ كَفًّا مِن حَصباء أَو تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبهَتِهِ، وَقَالَ: يَكفِينِي هَذَا. قَالَ عَبدُ اللَّهِ: لَقَد رَأَيتُهُ بَعدُ قُتِلَ كَافِرًا. ــ راهويه: إلى أنه يسلم منها. وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في أولها للإحرام، وعلى قول من لا يسلم يكون للسجود فحسب (١). وقوله: حتى ما يجد أحدنا مكانًا يسجد فيه، وفي لفظ آخر: مكانًا لجبهته. اختلف فيمن اعتراه ذلك، فقال الداودي: مالك يرى لمن نزل به مثل ذلك أن يسجد إذا رفع غيره، وكان عمر يرى أن يسجد على ظهر أخيه. واختلف في الخطيب يوم الجمعة يقرأ السجدة في خطبته، فقال مالك: يمرّ في خطبته ولا يسجد، وقال الشافعي: ينزل ويسجد، وإن لم يفعل أجزأه. وقد روي عن عمر في الموطأ (٢)، وعن النبي ﷺ : أنهما نزلا وسجدا، رواه أبو داود (٣) وهو صحيح. وقوله: قرأ وَالنَّجمِ فسجد فيها: كان هذا منه متقدمًا، وكذلك قيل في سجود الانشقاق، واقرَأ. والذي استقر عليه العمل: السجود في العزائم الإحدى عشرة؛ التي ليس في المفصل منها شيء. وقوله: غير أن شيخًا أخذ كفًّا من حَصىً: هذا الشيخ هو أمية بن خلف،

стр. 807

رواه البخاري (١٠٧٠)، ومسلم (٥٧٦)، وأبو داود (١٤٠٦)، والنسائي (٢/ ١٦٠). [٤٦٦]- وعن عطاء بن يسار، أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وزعم أنه قرأ على رسول الله ﷺ ﴿وَالنَّجمِ إِذَا هَوَى﴾ فلم يسجد. رواه مسلم (٥٧٧)، والنسائي (٢/ ١٦٠). ــ قتل يوم بدر كافرًا، وإنما سجد لما روي أنه سجد حينئذ مع النبي ﷺ المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس، قاله ابن عباس. ورواه البزار (١)، حتى شاع أن أهل مكة قد أسلموا، وقدم من كان هاجر إلى أرض الحبشة لذلك، وكان سبب سجودهم - فيما قال ابن مسعود -: أنها كانت أول سورة نزلت فيها سجدة. وروى أصحاب الأخبار والمفسرون: أن سبب ذلك: ما جرى على لسان النبي ﷺ من ذكر الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم، ولا يصحّ هذا من طريق النقل ولا العقل، وأشهر طريق النقل فيه عن الكلبي، وهو كذاب، وأما العقل فلا يصدق بذلك لأمور مستحيلة، قد عددها القاضي عياض في الشفاء (٢). وقول زيد: لا قراءة مع الإمام في شيء؛ يعني: لازمة. وقد تقدم الكلام في ذلك. وقول عطاء عن زيد: أنه زعم أن النبي ﷺ قرأ: وَالنَّجمِ فلم يسجد يشكل بما قدمناه في الزعم: أنه القول غير المحقق، ويزول الإشكال بأن

стр. 808

[٤٦٧] وعن أبِي هُرَيرَةَ قَالَ: سَجَدنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت﴾ و ﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ﴾ رواه مسلم (٥٧٨)، وأبو داود (١٤٠٧)، والترمذي (٥٧٨) (١٠٨)، والنسائي (٢/ ١٦١ - ١٦٢)، وابن ماجه (١٠٥٨). * * * ــ ما قدمناه هو الأصل في وصفه، وقد يقال على الخبر المحقق؛ كما قال الشاعر (١): . . . . . . . . . . . . ... على الله أرزاق العباد كما زَعَم (٢) قال الهروي: زعم هنا بمعنى: أخبر، ويجوز أن يقال: إن زعم؛ بمعنى: ضمن، ومنه الحديث: الزعيم غارم (٣). قلت: وهذا يصح في معنى البيت، ويبعد أن يحمل عليه ما في الحديث. ويقال: زعُمَ، وزعَمَ، وزَعِمَ، بالضم، والفتح، والكسر. وهذا الحديث يدل على أن قوله تعالى في سورة النَّجمِ: ﴿فَاسجُدُوا لِلَّهِ وَاعبُدُوا﴾ إنه لا يراد منه (٤) سجود التلاوة، إذ لو كان لما تركه النبي ﷺ ، ولذلك قال مالك: إنها ليست من العزائم. وحديث أبي هريرة في سجود النبي ﷺ في: الانشقاق و: اقرَأ حجة لابن وهب ومن قال بقوله، وقد قدمنا أن ذلك كان من فعله متقدمًا، وأن العمل استقر على ترك ذلك. ويصح الجمع بين الأحاديث المختلفة في سجدات المفصل بما قد روي عن مالك: أنه خَيَّر فيها، والله أعلم.

стр. 809

(٥٦) باب كيفية الجلوس للتشهد [٤٦٨]- عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلاةِ جَعَلَ قَدَمَهُ اليُسرَى تحت فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ اليُمنَى، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُسرَى عَلَى رُكبَتِهِ اليُسرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمنَى عَلَى فَخِذِهِ اليُمنَى، ــ (٥٦) ومن باب: كيفية الجلوس للتشهد قوله: وفرش قدمه اليمنى؛ هكذا الرواية، ولا يصح غيرها نقلا، وقد أشكلت هذه اللفظة على جماعة، حتى قال أبو محمد الخُشَنِي: صوابه: وفرش قدمه اليسرى، ورأى أنه غلط؛ لأن المعروف في اليمنى أنها منصوبة، كما جاء في حديث ابن عمر من رواية أبي داود: أنه ﷺ كان ينصب اليمنى ويثني اليسرى (١)، وكذا جاء في البخاري (٢) من حديث أبي حميد قال: وإذا جلس في الركعة الآخرة جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته. والصواب حمل الرواية على الصحة وعلى ظاهرها، وأنه ﷺ في هذه الكَرَّة لم ينصب قدمه اليمنى، ولا فتح أصابعه، وإنما باشر الأرض بجانب رجله اليسرى، وبسطها عليها، إما لعذر، كما كان يفعل ابن عمر حيث قال: إن رجليّ لا تحملاني، وإما ليبين أن نصبهما وفتح أصابعهما ليس بواجب، وهذا هو الأظهر، والله أعلم. وقوله: ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى؛ يعني: بسطها عليها كما جاء في حديث ابن عمر، وهو معنى قوله في الرواية الأخرى: ويلقم كفه اليسرى

стр. 810

وَأَشَارَ بِإِصبَعِهِ. زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَوَضَعَ إِبهَامَهُ عَلَى إِصبَعِهِ الوُسطَى، وَيُلقِمُ كَفَّهُ اليُسرَى رُكبَتَهُ. رواه مسلم (٥٧٩)، وأبو داود (٩٨٨)، والنسائي (٢/ ٢٣٧). [٤٦٩]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلاةِ وَضَعَ يَدَيهِ عَلَى رُكبَتَيهِ، وَرَفَعَ إِصبَعَهُ اليُمنَى الَّتِي تَلِي الإِبهَامَ فَدَعَا بِهَا، وَيَدَهُ اليُسرَى عَلَى رُكبَتِهِ اليُسرَى بَاسِطَهَا عَلَيهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَقَدَ ثَلاثًا وَخَمسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ. ــ ركبته مع تبديد أصابعه وتفريقها. وقوله: ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى؛ يعني: مقبوضة. وعليه يدل قوله: ووضع إبهامه على أصبَعِه الوسطى. وقوله في حديث ابن عمر: وعقد ثلاثًا وخمسين، وقد بين هذا بيانًا شافيًا وائل بن حُجر فيما رواه أبو داود (١)، قال: وجعل حدّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه، وحلّق حلقة. وإلى ظاهر حديث وائل هذا ذهب بعض أهل العلم، فقالوا بالتحليق، وكرهه بعض علماء المدينة، أخذًا بظاهر حديث ابن عمر؛ حيث حكى أنه ﷺ عقد ثلاثًا وخمسين. ومن قال بالتحليق؛ منهم من ذهب إلى أن التحليق برؤوس الأنامل، وهو الخطابي. ومنهم من ذهب إلى أنه هو أن يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام، والأمر قريب، ويفيد مجموع الأحاديث التخيير. وقوله: وأشار بإصبعه؛ يعني بها المسبحة، وهي التي تلي الإبهام، كما

стр. 811

رواه مسلم (٥٨٠) (١١٤ و ١١٥)، وأبو داود (٩٨٧)، والترمذي (٢٥٤)، والنسائي (٢/ ٢٣٧)، وابن ماجه (٩١٣). * * * ــ قال ابن عمر: وأشار بها؛ معناه مدّها في القبلة. وهل حركها أم لا؟ اختلفت الرواية في ذلك، فزاد أبو داود في حديث ابن الزبير: أنه ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها، وإلى هذا ذهب بعض العراقيين (١)، فمنع من تحريكها، وبعض أصحابنا رأوا: أن مدها إشارة إلى دوام التوحيد. ومن حديث وائل بن حجر بعد قوله: وحلَّق حلقة: ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها (٢). وإلى هذا ذهب أكثر العلماء وأكثر أصحابنا. ثم من قال بالتحريك، فهل يواليه أو لا يواليه؟ اختلف فيه على قولين، وسبب اختلافهم في ماذا يعلل به ذلك التحريك؟ فأما من وَالَى التحريك، فتأوّل ذلك بأنها مُذكرة بموالاة الحضور في الصلاة، وبأنها مَقمَعَة ومدفعة للشيطان. ومن لم يوالِ رأى تحريكها عند التلفُّظ بكلمتي الشهادة فقط. وتأوّل في الحركة: كأنها نطق تلك الجارحة بالتوحيد، والله تعالى أعلم. وقد اختلف العلماء في المختار من كيفية الجلوس في الصلاة. فقال مالك: كل جلوس في الصلاة هو على هيئة واحدة؛ وهو أن يفضي إلى الأرض بأيسر وركيه، ويقعد على مقعدته، ويضع قدمه اليسرى تحت ساقه اليمنى، وينصب قدمه اليمنى مستقبلا بأطراف أصابعه القبلة، تمسُّكًا بحديث ابن عمر، وهو أنه علّم الجلوس في الصلاة كذلك، وقال: هو سنة الصلاة، وبمثله قال أبو حنيفة، غير أنه يفرش قدمه اليسرى تحت مقعدته، ويقعد عليها، وبهذا قال الشافعي في الجلسة الوسطى، وبمذهب مالك قال في الآخرة، وفرق بينهما تمسُّكًا بحديث أبي حميد

стр. 812

(٥٧) باب كم يسلم من الصلاة، وبأي شيء كان يعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ -؟ [٤٧٠]- عَن أَبِي مَعمَرٍ، أَنَّ أَمِيرًا كَانَ بِمَكَّةَ يُسَلِّمُ تَسلِيمَتَينِ، فَقَالَ عبد الله: أَنَّى عَلِقَهَا؟ ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفعَلُهُ. رواه مسلم (٥٨١) (١١٧). ــ الساعدي الذي خرّجه البخاري (١)، فإنه قال: وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدّم رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته. وقال أبو داود (٢): إذا جلس في الركعة الرابعة أفضى بوركه إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة، والتمسك بهذا الحديث أولى؛ فإنه نصٌّ في موضع الخلاف. (٥٧) ومن باب: كم يسلم من الصلاة قوله: إن أميرًا كان بمكة يسلّم تسليمتين؛ هذا الأمير هو فيما أحسب: الحارث بن حاطب الجمحي، وهو - والله أعلم - الذي ذَكر أبو داود: أن أمير مكة خطب فقال: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك لرؤيته، فإن لم نره، وشهد به شاهدا عدلٍ، نسكنا بشهادتهما، والله أعلم. وقول عبد الله بن مسعود: أنَّى عَلِقَها ... ؛ أي: كيف حفظها، وأصله من علاقة الحب. وهذا الاستبعاد من ابن مسعود يدل على أن عمل الناس كان على

стр. 813

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تسليمة واحدة. وقد اختلف العلماء في ذلك في حق الإمام والمأموم والمنفرد. فذهب الجمهور إلى أن الفرض في حقهم تسليمة واحدة، وذهب أحمد بن حنبل وبعض أهل الظاهر إلى أن فرضهم اثنتان. قال الداودي: وأجمع العلماء على أن من سلّم واحدة فقد تَمّت صلاته. وعلى هذا فالذي ذُكر عن أحمد وأهل الظاهر محمول على أن التسليمة الثانية فرض ليست بشرط، فَيَعصي من تركها، ويقع التحلل بدونها. فإذا تنزَّلنا على قول من قال: إن الفرض واحدة، فهل يختار زيادة عليها لجميعهم، أو فيه تفصيل؟ اختلف فيه، فذهب الشافعي ومالك في غير المشهور عنه: أنه يستحب للجمع تسليمتان، وذهب مالك في المشهور عنه: إلى أن الإمام والمنفرد يقتصران على تسليمة واحدة، ولا يزيدان عليها. وأما المأموم فيسلم ثانية، يردّ بها على الإمام، فإن كان عن يساره من سلّم عليه، فهل ينوي بالثانية الرد على الإمام وعليه، أو يسلم ثلاثًا ينوي بهما الردّ على من سلم عليه ممن على يساره؟ قولان. ثم إذا قلنا بالثالثة فهل يبدأ بعد الأولى بالإمام، أو ممن على يساره، أو هو مخير؟ ثلاثة أقوال. وسبب الخلاف: اختلاف الأحاديث؛ وذلك أن في حديث ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص: أنه ﷺ كان يسلّم تسليمتين (١). قال النسائي في حديث ابن مسعود: حتى نرى بياض خده الأيمن، وبياض خده الأيسر. وفي حديث عائشة (٢) وسمرة بن جندب (٣): كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، يميل إلى الشق الأيمن شيئًا. وأحاديث التسليمتين أصح، وأحاديث التسليمة الواحدة عمل عليها أبو بكر وعمر. ولم ير مالك في السلام من الصلاة زيادة: ورحمة الله وبركاته تمسكًا بلفظ التسليم، ورأى ذلك الشافعي تمسكًا بحديث وائل بن حجر؛ قال: صليت مع النبي ﷺ ، فكان يسلم عن

стр. 814

[٤٧١]- وَعَن عَامِرِ بنِ سَعدٍ، عَن أَبِيه قَالَ: كُنتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَن يَمِينِهِ وعَن يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ. ــ يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١). وفي حديث ابن مسعود: السلام عليكم ورحمة الله (٢) - فقط -. ومعنى قول مالك - والله أعلم -: بأن التحلل يقع بالاقتصار على لفظ التسليم، ولا يَشترِط في ذلك زيادة. ثم هل يشترط في السلام لفظ معين، فلا يجزئ غيره، أو يجزئ (٣) كل ما كان مأخوذًا من لفظ السلام؟ وبالأول قال مالك تمسكًا بقوله ﷺ : تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم (٤)، والألف واللام حوالة على معهودِ سلامِه ﷺ . وكل من روى سلامه عيَّن لفظه، فقال: السلام عليكم، وبالثاني قال الشافعي تمسكًا بلفظ التسليم، وحملا له على عموم ما يشتق منه، وبإطلاق قول الراوي: إنه ﷺ كان يسلم. وكل ما ذكرنا من أصول السلام وفروعه إنما هو على مذهب من يرى: أنه لا يتحلل من الصلاة إلا بالسلام. [وهم الجمهور] (٥). وقد ذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي إلى أنه ليس من فروضها، وأنه سنة، وأنه يتحلل منها بكل فعل أو قول ينافيها. وذهب الطبري إلى التخيير في ذلك، والأحاديث المتقدمة كلها ترد عليهم، والله أعلم. وقول سعد: كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده هذا حكم الإمام والمنفرد على قول من يقول: إنهما يسلمان اثنتين. وأما من قال: يسلم واحدة، فحقه أن يبدأ قبالة وجهه ويتيامن، كما روي

стр. 815

رواه أحمد (١/ ١٨٢)، ومسلم (٥٨٢)، والنسائي (٣/ ٦١)، وابن ماجه (٩١٥). [٤٧٢]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّا نَعرِفُ انقِضَاءَ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكبِيرِ. رواه البخاري (٨٤٢)، ومسلم (٥٨٣) (١٢٠)، وأبو داود (١٠٠٣)، والنسائي (٣/ ٦٧). [٤٧٣]- وَعَنهُ: إِنَّ رَفعَ الصَّوتِ بِالذِّكرِ حِينَ يَنصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكتُوبَةِ، كَانَ عَلَى عَهدِ النبي ﷺ . قَالَ: كُنتُ أَعلَمُ إِذَا انصَرَفُوا بِذَلِكَ، إِذَا سَمِعتُهُ. رواه البخاري (٨٤١)، ومسلم (٥٨٣)، (١٢٢)، وأبو داود (١٠٠٢). * * * ــ في حديث عائشة وسمرة، وقد ذكرناهما، وذكرنا الاختلاف في المأموم. وقول ابن عباس: كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير؛ قال الطبري: فيه الإبانة عن صحة فعل من كان يفعل ذلك من الأمراء؛ يكبر بعد صلاته ويكبر من وراءه. قال غيره: ولم أر أحدًا من الفقهاء قال بهذا؛ إلا ما ذكره ابن حبيب في الواضحة (١) أنهم كانوا يستحبون التكبير في العساكر والبعوث إثر صلاة الصبح والعشاء، تكبيرًا عاليًا، ثلاث مرات، وهو قديم من شأن الناس. وعن مالك: أنه مُحدَث. وقوله: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته هذا يدل على أن ابن عباس لم يكن يحضر معهم، وهذا كان لصغره يومئذ، أو لعذر آخر، والله أعلم.

стр. 816

(٥٨) باب الاستعاذة في الصلاة من عذاب القبر وغيره [٤٧٤]- عَن عَائِشَةَ قَالَت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِندِي امرَأَةٌ مِنَ اليَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: هَل شَعَرتِ أَنَّكُم تُفتَنُونَ فِي القُبُورِ؟ قَالَت: فَارتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: إِنَّمَا تُفتَنُ يَهُودُ، فقَالَت عَائِشَةُ: فَلَبِثنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَل شَعَرتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُم تُفتَنُونَ فِي القُبُورِ؟ قَالَت عَائِشَةُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعدُ يَستَعِيذُ مِن عَذَابِ القَبرِ. وَفِي رِوَايَةٍ؛ قَالَت: فَمَا رَأَيتُهُ بَعدُ في صلاة إلا يتعوذ من عَذَابِ القَبرِ. رواه أحمد (٦/ ٨٩ و ٢٧١)، ومسلم (٥٨٤) و (٥٨٦). ــ (٥٨) ومن باب: الاستعاذة في الصلاة من عذاب القبر وغيره قول اليهودية: إنكم تفتنون في القبور؛ أي: تعذبون. كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ﴾؛ أي: عذبوهم. وقد قدمنا أن الفتنة تنصرف على وجوه، وأن أصلها الاختبار. وهذا الحديث وما في معناه يدل على صحة اعتقاد أهل السنة في عذاب القبر، وأنه حق، ويرد على المبتدعة المخالفين في ذلك، وسيأتي إن شاء الله. وارتياع النبي ﷺ عند إخبار اليهودية بعذاب القبر إنما هو على جهة استبعاد ذلك للمؤمن، إذ لم يكن أوحي إليه في ذلك شيء. ولذلك حققه على اليهود، فقال: إنما تفتن يهود، على ما كان عنده من علم ذلك. ثم أخبر أنه أوحي إليه بوقوع ذلك، وحينئذ تعوذ منه، ولما استعظم الأمر واستهوله أكثر الاستعاذة منه،

стр. 817

[٤٧٥]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُم فَليَستَعِذ بِاللَّهِ مِن أَربَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِن عَذَابِ القَبرِ، وَمِن فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ، وَمِن فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُم مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ فَليَتَعَوَّذ .... الحديث. رواه أحمد (٢/ ٤٧٧)، والبخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨) (١٢٨ و ١٣٠)، وأبو داود (٩٨٣)، والنسائي (٣/ ٥٨). [٤٧٦]- وعَن طاووس، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ ــ وعلّمها، وأمر بها، وبإيقاعها في الصلاة؛ ليكون أنجح في الإجابة، وأسعف في الطّلبة؛ إذ الصلاة من أفضل القرب، وأرجى للإجابة، وخصوصًا بعد فراغها، ولذلك قال ﷺ : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء (١). وفي هذا الحديث حجة على أبي حنيفة؛ حيث منع الدعاء في الصلاة إلا بألفاظ القرآن. وقوله: ومن فتنة المحيا والممات؛ أي: الحياة والموت، ويحتمل زمانَ ذلك؛ لأن ما كان معتل العين من الثلاثي فقد يأتي منه المصدر، والزمان والمكان، بلفظ واحد، ويريد بذلك: محنة الدنيا وما بعدها. ويحتمل أن يريد بذلك: حالة الاحتضار، وحالة المساءلة في القبر، فكأنه لما استعاذ من فتنة هذين المقامين، سأل التثبت فيهما، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ والله أعلم. وقد تقدم القول في المسيح الدجال في الإيمان. وأَمرُ طاووس ابنَه بإعادة الصلاة لَمّا لم يتعوذ من تلك الأمور؛ دليل على

стр. 818

يُعَلِّمُهُم هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ القُرآنِ، يَقُولُ: قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ القَبرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ. قَالَ مُسلِم: بَلَغَنِي أَنَّ طاووسا قَالَ لابنِهِ: دَعَوتَ بِهَا فِي صَلاتِكَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: أَعِد صَلاتَكَ. رواه أحمد (١/ ٣٠٥)، ومسلم (٥٩٠)، وأبو داود (٩٨٤)، وابن ماجه (٣٨٤٠). [٤٧٧]- وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدعُو فِي الصَّلاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ القَبرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأثَمِ وَالمَغرَمِ. قَالَت: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكثَرَ مَا تَستَعِيذُ مِنَ المَغرَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخلَفَ. رواه أحمد (٦/ ٨٩)، والبخاري (٦٣٧٥)، ومسلم (٥٨٩)، وأبو داود (٨٨٠)، والنسائي (٣/ ٥٦)، وابن ماجه (٣٨٣٨). * * * ــ أنه كان يعتقد وجوب التعوذ منها في الصلاة، وكأنه تمسك بظاهر الأمر بالتعوذ منها، وتأكد ذلك بتعليم النبي ﷺ إياها للناس، كما يعلمهم السورة من القرآن، وبدوام النبي ﷺ على ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك إنما أمره بالإعادة تغليظًا عليه؛ لئلا يتهاون بتلك الدعوات، فيتركها، فيُحرَم فائدتها وثوابها، والله تعالى أعلم. والمأثم: ما يجر إلى الذَّمّ والعقوبة. والمغرم: الغُرمُ. وقد نبه في الحديث على الضرر اللاحق من الغرم، والله أعلم.

стр. 819

(٥٩) باب قدر ما يقعد الإمام بعد السلام وما يقال بعده (٥٩٢) [٤٧٨]- عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَم يَقعُد إِلا مِقدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنتَ السَّلامُ، وَمِنكَ السَّلامُ، تَبَارَكتَ ذَا الجَلالِ وَالإِكرَامِ. ــ (٥٩) ومن باب: قدر ما يقعد الإمام بعد السلام قول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مِقدَارَ (١) ما يقول: اللهم أنت السلام ... الحديث؛ دليل لمالك: على كراهيته للإمام المقام في موضعه الذي صلى فيه بعد سلامه، خلافًا لمن أجاز ذلك، والصحيح: الكراهة لهذا الحديث، ولما رواه البخاري من حديث أم سلمة: أن النبي ﷺ كان إذا سلم يمكث في مكانه يسيرًا. قال ابن شهاب: فنُرَى - والله أعلم - لكي ينفذ من ينصرف من النساء. ووجه التمسك بذلك أنهم اعتذروا عن المقام اليسير الذي صدر عنه ﵊، وبينوا وجهه، فدل ذلك: على أن الإسراع بالقيام هو الأصل والمشروع، وأما القعود فإنما كان منه ليستوفي من الذكر ما يليق بالسلام الذي انفصل به من الصلاة، ولينصرف النساء. وقد روى البخاري أيضًا عن سمرة بن جندب: أنه ﷺ كان إذا صلى أقبل بوجهه (٢)، وهذا يدل على أن إقباله على الناس كان متصلا بفراغه، ولم يكن يقعد. وقد روى أبو أحمد بن عدي ما هو أنصّ من هذا كله عن أنس قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فكان ساعة يسلم يقوم، ثم صليت مع أبي بكر، فكان إذا سلم وثب كأنه يقوم عن رَضفَة (٣). وهذا الحديث

стр. 820

رواه أحمد (٦/ ٦٢ و ١٨٤ و ٢٣٥)، ومسلم (٥٩٢)، والترمذي (٢٩٨)، والنسائي (٣/ ٦٩)، وابن ماجه (٩٢٤). [٤٧٩]- وعَن ثَوبَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انصَرَفَ مِن صَلاتِهِ استَغفَرَ ثَلاثًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنتَ السَّلامُ، وَمِنكَ السَّلامُ، تَبَارَكتَ ذَا الجَلالِ وَالإِكرَامِ. قَالَ الأَوزَاعِيُّ: تَقُولُ: أَستَغفِرُ اللَّهَ، أَستَغفِرُ اللَّهَ. ــ وإن لم يكن في الصحة مثل ما تقدم، فهو عاضد للصحيح، ومبيِّن لمضمونه. وإذا كره له القعود في موضع صلاته، فأحرى وأولى أن تكره له الصلاة فيه. وقد روى أبو داود عن المغيرة بن شعبة، قال رسول الله ﷺ : لا يصلِّي الإمام في الموضع الذي صلّى فيه حتى يتحول (١). ويعتضد هذا من جهة المعنى: بأن ذلك الموضع إنما استحقه الإمام للصلاة التي يقتدى به فيها، فإذا فرغت ساوى الناس، وزال حكم الاختصاص، والله أعلم. وقوله: اللهم أنت السلام ومنك السلام؛ السلام الأول: اسم من أسماء الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيمِنُ﴾ والسلام الثاني: السلامة، كما قال تعالى: فَسَلَامٌ لَكَ مِن أَصحَابِ اليَمِينِ، ومعنى ذلك: أن السلامة من المعاطب والمهالك إنما تحصل لمن سلّمه الله تعالى، كما قال: ﴿وَإِن يَمسَسكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِن يُرِدكَ بِخَيرٍ فَلا رَادَّ لِفَضلِهِ﴾ وقوله: تباركت ذا الجلال والإكرام؛ تباركت: تفاعلت؛ من البركة، وهي الكثرة والنماء، ومعناه: تعاظمت؛ إِذ كثرث صفات جلالك وكمالك. وذا الجلال: ذا العَظَمة والسلطان، وهو على حذف حرف النداء، تقديره: يا ذا الجلال. والإكرام: الإحسان وإفاضة النعم.

стр. 821

رواه أحمد (٥/ ٢٧٥ و ٢٧٩)، ومسلم (٥٩١)، وأبو داود (١٥١٣)، والترمذي (٣٠٠)، والنسائي (٣/ ٦٨)، وابن ماجه (٩٢٨). [٤٨٠]- وَعَنِ المُغِيرَة بنِ شُعبَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعطَيتَ، وَلا مُعطِيَ لِمَا مَنَعتَ، وَلا يَنفَعُ ذَا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ. رواه أحمد (٢٤٥ و ٢٤٧)، والبخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣)، وأبو داود (١٥٠٥)، والنسائي (٣/ ٧٠). [٤٨١]- وَعَن أَبِي الزُّبَيرِ، قَالَ: كَانَ ابنُ الزُّبَيرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَلا نَعبُدُ إِلا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعمَةُ وَلَهُ الفَضلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ. وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ. رواه أحمد (٤/ ٤)، ومسلم (٥٩٤) (١٣٩)، وأبو داود (١٥٠٦ و ١٥٠٧)، والنسائي (٣/ ٧٥). [٤٨٢]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ــ وقوله في حديث المغيرة: ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجدُّ؛ الجد: الحظ والغنى، ومعناه: أن ذا الغنى لا ينتفع بغناه، ولا يحول بينه وبين ما يريده الله تعالى له؛ إذ لا حول ولا قوة إلا به. والجد ينصرف في اللغة على أوجه متعددة.

стр. 822

فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَى وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ. فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعتِقُونَ وَلا نُعتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفَلا أُعَلِّمُكُم شَيئًا تُدرِكُونَ بِهِ مَن سَبَقَكُم، وَتَسبِقُونَ بِهِ مَن بَعدَكُم، فَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفضَلَ مِنكُم إِلا مَن صَنَعَ مِثلَ مَا صَنَعتُم؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحمَدُونَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: تُمَّ رَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: سَمِعَ إِخوَانُنَا أَهلُ الأَموَالِ بِمَا فَعَلنَا، فَفَعَلُوا مِثلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَلِكَ فَضلُ اللَّهِ يُؤتِهِ مَن يَشَاءُ. رواه البخاري (٨٤٣)، ومسلم (٥٩٥) (١٤٢)، وأبو داود (١٥٠٤). ــ وقول المهاجرين: ذهب أهل الدثور بالأجور. واحد الدثور: دَثرٌ، وهو المال الكثير، ومنه الحديث الآخر: وابعث راعيها في الدَّثرِ (١). وكذلك الدِّبرُ بكسر الدال، وبالباء بواحدة. قال ابن السكيت: الدّبرُ: المال الكثير. ووقع في السيرة في خبر النجاشي: دَبرٌ من ذهب، بفتح الدال، قال ابن هشام: ويقال: دبر. قال: وهو الجبل بلغة الحبشة (٢). قال الهروي: يقال: مال دثر، ومالان دثر، وأموال دثر، وحكى أبو عمر المطرز: إن الدثر بالثاء تثنى وتجمع. وقوله ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. استدل به من يفضل الغنى على الفقر، وهي مسألة اختلف الناس فيها على خمسة أقوال: فمن قائل بتفضيل الغنى، ومن قائل بتفضيل الفقر، ومن قائل بتفضيل الكفاف، ومن قائل رابع: يَرُدُّ هذا التفضيل إلى اعتبار أحوال الناس في ذلك، ومن قائل خامس: توقف، ولم

стр. 823

[٤٨٣]- وَعَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، فَتلِكَ تِسعٌ وَتِسعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ المِائَةِ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَت خَطَايَاهُ، وَإِن كَانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ. رواه أحمد (٢/ ٣٧١)، ومسلم (٥٩٧). ــ يفضل واحدًا منهما على الآخر. والمسألة لها غور، وفيها أحاديث متعارضة، ولعلنا نتكلم عليها تفصيلا إن شاء الله تعالى. وقد كتب الناس فيها كتبًا كثيرة، وأجزاء عديدة. والذي يظهر لي في الحال: أن الأفضل من ذلك ما اختاره الله لنبيه ﷺ ، ولجمهور صحابته رضوان الله تعالى عليهم، وهو الفقر غير المدقع. ويكفيك من هذا: أن فقراء المسلمين - كما رُوي: يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام، وأصحاب الأموال محبوسون على قَنطَرة بين الجنة والنار يُسألون عن فضول أموالهم. (١) وعلى هذا يتعين تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضلُ اللَّهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وقد تأوله بعضهم بأن قال: إن الإشارة في قوله: ذلك راجعة إلى الثواب المترتب على الأعمال، الذي به يحصل التفضيل عند الله، فكأنه قال: ذلك الثواب الذي أخبرتكم به، لا يستحقه الإنسان بحسب الأذكار، ولا بحسب إعطاء الأموال، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء، والله تعالى أعلم. ولم يذكر في هذه الرواية تمام المائة، وذكره في الرواية الأخرى وعيّن: أنه التهليل، وفي رواية: أن زيادةَ تكبيرةِ كمّلت المائة. وهذا يدل على عدم تعيّن ما تُكُمِّلَ به المائة، بل أي شيء قال من ذلك حصل له ذلك الثواب، والله تعالى

стр. 824

[٤٨٤]- وعَن كَعبِ بنِ عُجرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مُعَقِّبَاتٌ لا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ (أَو فَاعِلُهُنَّ) دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكتُوبَةٍ، ثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَسبِيحَةً، وَثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَحمِيدَةً، وَأَربَعٌ وَثَلاثُونَ تَكبِيرَةً. رواه مسلم (٥٩٦) (١٤٥)، والترمذي (٣٤٠٩)، والنسائي (٣/ ٧٥). * * * ــ أعلم. وقد اتفق مساق هذه الأحاديث والتي قبلها: على أن أدبار الصلوات أوقات فاضلة للدعاء والأذكار، فيرتجى فيها القبول، ويُبلَغُ ببركة التفرغ لذلك إلى كل مأمول، وتسمى هذه الأذكار: معقِّبات؛ لأنها تقال عَقِيب الصلوات، كما قال في حديث أبي هريرة: دبر كل صلاة؛ أي: آخرها. ويقال: دُبر بضم الدال، وحكى أبو عمر المطرِّز (١) في اليواقيت: دَبر كل شيء بفتح الدال: آخر أوقات الشيء: الصلاة وغيرها. قال: وهذا هو المعروف في اللغة، قال: وأما الجارحة: فبالضم. وقال الداودي عن ابن الأعرابي: دُبُر الشيء، ودَبرُهُ، بالوجهين: آخر أوقات الشيء، والدِّبار جمعه، ودابر كل شيء: آخره أيضًا. وأما اجتهاد النبي ﷺ في الاستعاذة مما استعاذ في الدعاء بما دعا - وإن كان قد أُمِّنَ قبل الاستعاذة، وأُعطي قبل السؤال - فوفاء بحق العبودية، وقيام بوظيفة الشكر وبحق العبادة، كما قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا (٢). * * *

стр. 825

(٦٠) باب السكوت بين التكبير والقراءة في الركعة الأولى وما يقال فيه [٤٨٥]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاةَ سَكَتَ هُنَيئةً قَبلَ أَن يَقرَأَ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي! أَرَأَيتَ سُكُوتَكَ بَينَ التَّكبِيرِ وَالقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِد بَينِي وَبَينَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدتَ بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِن خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغسِلنِي مِن خَطَايَايَ بِالثَّلجِ وَالمَاءِ وَالبَرَدِ. رواه أحمد (٢/ ٢٣١ و ٤٩٤)، والبخاري (٧٤٧)، ومسلم (٥٩٨)، وأبو داود (٧٨١)، والنسائي (١/ ٥٠ - ٥١)، وابن ماجه (٨٠٥). [٤٨٥ م]- وَعَنهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ استَفتَحَ القِرَاءَةَ بِالحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَلَم يَسكُت. ــ (٦٠) ومن باب: السكوت بين التكبير والقراءة قوله: سكت هُنَيئَةً قبل أن يقرأ؛ هُنَيئَةً بضم الهاء، وياء التصغير، وهمزة مفتوحة - كحُطَيئَة - رواية الجمهور، وعند الطبري: هنيهة، يبدل من الهمزة هاء، تصغير هَنَّة، وَهَنٌ، وَهَنَةٌ؛ كناية عن أسماء الأجناس، هذا هو المعروف. وقد رأيت لأبي الحسن بن خروف: هَنٌ، كناية عن كل اسم نكرة عاقل؛ كفلان في الأعلام. وفيه لغتان: هَنُوك، وهَنُك. وسكوته ﷺ هنا - إنما كان للدعاء، كما بينه ﷺ ، فلا حجة فيه لمن يرى أنه سكوت الإمام، حتى يقرأ من خلفه الفاتحة، وبدليل أنه ﷺ كان لا يسكت إذا

стр. 826

قال الشيخ أبو العباس: ذكره مسلم منقطعًا، فقال: وحُدِّثت عن يحيى بن حسان، وهو أحد الأربعة عشر حديثًا المنقطعة الواقعة في كتابه، وقد وصله أبو بكر البزار. رواه مسلم (٥٩٩)، وانظر مسند أبي عوانة (٢/ ٩٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٩٦). * * * (٦١) باب فضل التحميد في الصلاة (٦٠٠) [٤٨٦]- عَن أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَد حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: الحَمدُ لِلَّهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاتَهُ قَالَ: أَيُّكُمُ المُتَكَلِّمُ بِالكَلِمَاتِ؟ فَأَرَمَّ القَومُ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ المُتَكَلِّمُ ــ نهض في الركعة الثانية. وهذا الدعاء منه ﷺ على جهة المبالغة في طلب غفران الذنوب، وتبرئته منها، وقد تقدم القول في باقي الحديث. (٦١) ومن باب: فضل التحميد في الصلاة قوله: حَفَزَه النَّفس؛ أي: كدّه لسرعة سيره ليدرك الصلاة مع النبي ﷺ . وفيه دليل على أن من أسرع عند إقامة الصلاة ليدركها لم يفعل محرَّمًا، لكن الأولى به الرفق والسكينة، كما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. وقوله: فَأَرَمَّ القَومُ الرواية المشهورة فيه بالراء والميم المشددة، ومعناه: سكتوا، مأخوذ من المرمّة، وهي الشَّفَة؛ أي: أطبقوا شفاههم. ورواه

стр. 827

بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَم يَقُل بَأسًا، فَقَالَ رَجُلٌ: جِئتُ وَقَد حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلتُهَا. فَقَالَ: لَقَد رَأَيتُ اثنَي عَشَرَ مَلَكًا يَبتَدِرُونَهَا أَيُّهُم يَرفَعُهَا. رواه أحمد (٣/ ١٠٦ و ١٦٧ و ٢٥٢)، ومسلم (٦٠٠)، وأبو داود (٧٦٣)، والنسائي (٢/ ١٣٢). [٤٨٧]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: بَينمَا نَحنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذ قَالَ رَجُلٌ في القَومِ: اللَّهُ أَكبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبحَانَ اللَّهِ بُكرَةً ــ بعضهم في غير لام (١): فَأَزَمَ، بزاي مفتوحة، وميم مخففة، مأخوذ من الأَزمِ، وهو شد الأسنان بعضها على بعض، ومعناه: سكتوا. وقوله: رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها، أيهم يرفعها. يبتدرونها: يستبقونها، ورفعها إلى المحل الذي ترفع إليه الأعمال، وقد روى البخاري من حديث رفاعة بن رافع قال: كنا نصلي يومًا وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل من ورائه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أَوّلُ (٢). ومساق هذا الحديث يدل: على أنه حديث آخر غير حديث أنس المتقدم؛ فإن ذلك حمد الله على إدراكه الصلاة مع النبي ﷺ ، وهذا حمد الله عند الرفع من الركوع، وعند قول النبي ﷺ : سمع الله لمن حمده، وحينئذ لا يكون بينهما تعارض، وهذا أولى من أن يقدِّرونها قصة واحدة، ويتعسَّف إما في التأويل، أو في الحمل على الرواة، والله تعالى أعلم. وقوله في حديث ابن عمر: الله أكبر كبيرًا. قيل: هو منصوب على إضمار الفعل؛ أي: كبّرت كبيرًا. وقيل: على القطع. وقيل: على التمييز.

стр. 828

وَأَصِيلا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنِ القَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: عَجِبتُ لَهَا! فُتِحَت لَهَا أَبوَابُ السَّمَاءِ. قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَمَا تَرَكتُهُنَّ مُنذُ سَمِعتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ. رواه مسلم (٦٠١)، والترمذي (٣٥٩٢)، والنسائي (٢/ ١٢٥ و ١٤٥). * * * (٦٢) باب إتيان الصلاة بالسكينة، ومتى تقام؟ ومتى يقام لها؟ وإتمام المسبوق (٦٠٢) (١٥١ و ١٥٢) [٤٨٨]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا تَأتُوهَا وَأَنتُم تَسعَونَ، ــ (٦٢) ومن باب: إتيان الصلاة بالسكينة قوله: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، أصل السعي: الجري، ومنه قوله تعالى: ﴿يَأتِينَكَ سَعيًا﴾ وقد يكون السعي: العمل؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرضِ لِيُفسِدَ فِيهَا﴾ وعلى هذا الثاني حمل مالك قوله تعالى: ﴿فَاسعَوا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ﴾ وقد اختلف العلماء فيمن سمع الإقامة: هل يسرع أو لا؟ فذهب الأكثر إلى أنه لا يسرع، وإن خاف فوت الركعة؛ تمسُّكًا بهذا الحديث، ونظرًا إلى المعنى؛ وذلك أنه إذا أسرع انبهر (١) فتشوّش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها وخشوعها. وذهب جماعة من السلف،

стр. 829

وَائتُوهَا تَمشُونَ، عَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدرَكتُم فَصَلّوا، وَمَا فَاتَكُم فَأَتِمُّوا. زاد في أخرى: فَإِنَّ أَحَدَكُم إِذَا كَانَ يَعمِدُ إِلَى الصَّلاةِ فَهُوَ فِي صَلاةٍ. رواه أحمد (٢/ ١٧٠ و ٤٥٢)، والبخاري (٩٠٨)، ومسلم (٦٠٢) (١٥١ و ١٥٢)، وأبو داود (٥٧٢ و ٥٧٣)، والترمذي (٣٢٧)، والنسائي (٢/ ١١٤ و ١١٥). ــ منهم: ابن عمر وابن مسعود في أحد قوليه: إلى أنه إذا خاف فواتها أسرع. وقال إسحاق: يسرع إذا خاف فوت الركعة. وروي عن مالك نحوه، وقال: لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس. وتأوله بعضهم على الفرق بين الراكب والماشي؛ لأن الراكب لا ينبهر كما ينبهر الماشي، والقول الأول أظهر. وقوله: وائتوها تمشون عليكم السكينة: بنصب السكينة على الإغراء، كأنه قال: الزموا السكينة، والسكينة والوقار: اسمان لِمُسمّىً واحد؛ لأن السكينة: من السكون، والوقار: من الاستقرار والتثاقل، وهما بمعنى واحد. وقد علل ملازمة الوقار: بأن الماشي إلى الصلاة هو في الصلاة. ومعناه: أنه لما خرج من بيته إلى المسجد يريد الصلاة كان له حكم الداخل في الصلاة من الوقار حتى يتم له التشبه به، فيتحصل له ثوابه. وفي كتاب أبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم جاء إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا؛ أعطاه الله من الأجر مثل أجر من حضرها وصلاها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا (١). وقوله: ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، وفي الرواية الأخرى: صل ما أدركت، واقض ما سبقك، واختلف العلماء في الإتمام والقضاء المذكورين في هذا الحديث؛ هل هما بمعنى واحد؟ أو بمعنيين؟ ويترتب على

стр. 830

[٤٨٩]- وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ فَلا يَسعَ إِلَيهَا أَحَدُكُم، وَلَكِن لِيَمشِ وَعَلَيهِ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ، صَلِّ مَا أَدرَكتَ، وَاقضِ مَا سَبَقَكَ. رواه أحمد (٢/ ٤٦٠)، ومسلم (٦٠٢) (١٥٤). [٤٩٠] وَعَن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: بَينَمَا نَحنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَ جَلَبَةً فَقَالَ: مَا شَأنُكُم؟ قَالُوا: استَعجَلنَا إِلَى الصَّلاةِ. قَالَ: فَلا تَفعَلُوا، إِذَا أَتَيتُمُ الصَّلاةَ فَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدرَكتُم فَصَلَّوا، وَمَا سَبَقَكُم فَأَتِمُّوا. رواه أحمد (٥/ ٣١٠)، والبخاري (٦٣٥)، ومسلم (٦٠٣). [٤٩١] وعنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَونِي. ــ هذا الخلاف خلاف، فيما يدركه الداخل: هل هو أول صلاته؟ أو آخرها؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أول صلاته، وأنه يكون بانيًا عليه في الأفعال والأقوال، وإليه صار جمهور السلف، والعلماء، الشافعي وغيره. وثانيها: أنه آخر صلاته، وأنه يكون قاضيًا في الأقوال والأفعال، وهو مذهب أبي حنيفة. قال أبو محمد عبد الوهاب: وهو مشهور مذهب مالك. وثالثها: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فيبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال، فيقضيها، وكأن هذا جمعٌ بين الخبرين. وهذه الأقوال الثلاثة مروية عن مالك وأصحابه. وسبب الخلاف ما أشرنا إليه. فتفهم. وقوله: إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني ظاهره: أن الصلاة

стр. 831

رواه اْحمد (٥/ ٣٠٤ - ٣٠٨)، والبخاري (٦٣٨)، ومسلم (٦٠٤) (١٥٦)، وأبو داود (٥٣٩ و ٥٤٠)، والترمذي (٥٩٢)، والنسائي (٢/ ٨١). [٤٩٢]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ الصَّلاةَ كَانَت تُقَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَأخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُم، قَبلَ أَن يَقُومَ النَّبِيُّ ﷺ مَقَامَهُ. رواه مسلم (٦٠٥) (١٥٩)، وأبو داود (٥٤١). [٤٩٣]- وَعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ بِلالٌ يُؤَذِّنُ إِذَا دَحَضَتِ، فَلا ــ كانت تقام قبل أن يخرج النبي ﷺ من بيته، ويعارضه حديث بلال: إنه كان لا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ . ووجه الجمع: أن بلالا كان يراقب النبي ﷺ ، فيرى أوّل خروجه قبل أن يراه مَن هناك، فيشرع في الإقامة إذ ذاك، ثم لا يقوم الناس حتى يروا النبي ﷺ ، ثم لا يقوم النبي ﷺ مقامه حتى يُعدِّلوا صفوفهم. وبهذا الترتيب يصح الجمع بين الأحاديث المتعارضة في هذا المعنى. وقد اختلف السلف والعلماء في متى يقوم الناس إلى الصلاة؟ ومتى يكبر الإمام؟ فذهب مالك، وجمهور العلماء إلى أنه ليس لقيام الناس حد، لكن استحب عامتهم القيام إذا أخذ المؤذن في الإقامة، وكان أنس يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة. وذهب الكوفيون إلى أنهم يقومون إذا قال: حي على الفلاح، فإذا قال: قد قامت الصلاة؛ كبر الإمام. وحكي عن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز: إذا قال المؤذن: الله أكبر وجب القيام، وإذا قال: حي على الصلاة، اعتدلت الصفوف، فإذا قال: لا إله إلا الله كبّر الإمام. وذهب عامة الأئمة: إلى أنه لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة. وقوله: كان بلال يؤذن إذا دحضت؛ أي: زالت عن كبد السماء. وأصل الدَّحَض: الزلق، وهذا كما قال في الحديث الآخر: كان النبي ﷺ يصلي الظهر

стр. 832

يُقِيمُ حَتَّى يَخرُجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ الصَّلاةَ حِينَ يَرَاهُ. رواه أحمد (٥/ ٩١ و ١٦٠)، ومسلم (٦٠٦). * (٦٣) باب من أدرك ركعة من فعل الصلاة أو وقتها فقد أدركها [٤٩٤]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن أَدرَكَ رَكعَةً مِنَ الصَّلاةِ مَعَ الإِمَامِ فَقَد أَدرَكَ الصَّلاةَ. وَفِي روَايَةٍ: فَقَد أَدرَكَ الصَّلاةَ كُلَّهَا. رواه البخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧)، وأبو داود (١١٢١)، والترمذي (٥٠٢٤)، والنسائي (١/ ٢٧٤)، وابن ماجه (١١٢٢). ــ إذا دحضت الشمس (١)؛ أي: زالت. وقال الهروي في الحديث الأول: إذا انحطت للغروب؛ لأن الشمس حينئذ يتبين زَلَقُها بالكليّة، والأول أولى. والله تعالى أعلم. (٦٣) ومن باب: من أدرك ركعة من فعل الصلاة أول وقتها وقوله: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها: ظاهر هذا الحديث لا يصح، بدليل قوله ﷺ : ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، (٢)

стр. 833

[٤٩٥]- وَعَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن أَدرَكَ رَكعَةً مِنَ الصُّبحِ ــ وبفعل النبي ﷺ حيث فاتته ركعة من صلاته خلف عبد الرحمن بن عوف ﵁، فلما سلم عبد الرحمن قام النبي ﷺ فصلى الركعة التي سبقه بها (١). وقد روى هذا الحديث أبو بكر البزار، وقال: فقد أدرك الصلاة كلها، إلا أنه يقضي ما فاته، ولا خلاف في ذلك، فتعيّن تأويل الحديث الأول. وقد تأوله بعض أصحابنا على تأويلين: أحدهما: أنه أدرك فضل الصلاة كلها. وقد ذكر أبو عمر في التمهيد هذا الحديث، ولفظه: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الفضل (٢)، وقد رواه أبو أحمد بن عدي، وقال: فقد أدرك فضل الجماعة (٣). والصحيح اللفظ الأول. والتأويل الثاني: أن معناه: أنه أدرك حكم الصلاة؛ أي: يلزمه من أحكام الصلاة ما لزم الإمام من الفساد والسهو وغير ذلك. ويؤيد هذا التأويل: قوله: مع الإمام. وهذا اللفظ يبطل على داود وغيره قوله: إن هذا الحديث مردود إلى إدراك الوقت الذي يدل عليه قوله: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، وهذا ليس بصحيح من قولهم، بل الحديثان مختلفان، يفيدان فائدتين كما قررناه. ثم إذا تنزلنا على التأويل الأول - وهو إدراك فضل الجماعة -، فهل يكون ذلك الفضل مضاعفًا كما يكون لمن حضرها من أولها، أو يكون غير مضاعف؟ اختلف فيه على قولين: وإلى التضعيف ذهب أبو هريرة وغيره من السلف. وكذلك إن وجدهم قد سلموا عند هؤلاء كما قدمنا من ظاهر حديث أبي داود عن أبي هريرة، حيث قال: أعطاه الله من الأجر مثل أجر من

стр. 834

قَبلَ أَن تَطلُعَ الشَّمسُ فَقَد أَدرَكَ الصُّبحَ، وَمَن أَدرَكَ رَكعَةً مِنَ العَصرِ قَبلَ أَن تَغرُبَ الشَّمسُ فَقَد أَدرَكَ العَصرَ. رواه أحمد (٢/ ٤٦٢)، والبخاري (٥٥٦)، ومسلم (٦٠٨) (١٦٣)، وأبو داود (٤١٢)، والترمذي (١١١٦)، والنسائي (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨). ــ حضرها وصلاها (١). وإلى عدم التضعيف ذهبت طائفة أخرى، وإلى هذا يشير قول أبي هريرة: ومن فاته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير (٢). ثم اختلفوا أيضًا: هل يكون مدركًا للحكم، أو للفضل، أو للوقت بأقل من ركعة؟ فذهب مالك وجمهور الأئمة - وهو أحد قولي الشافعي - إلى أنه لا يدرك شيئًا من ذلك بأقل من ركعة، متمسِّكين بلفظ الركعة. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في القول الآخر: إلى أنه بالإحرام يكون مدركًا لحكم الصلاة. واتفق هؤلاء: على إدراكهم العصر بتكبيرةٍ قبل غروب الشمس. واختلفوا في الظهر، فعند الشافعي في أحد قوليه: هو مدرك بالتكبيرة لهما؛ لاشتراكهما في الوقت، وعنه: أنه بتمام القامة للظهر يكون قاضيًا لها بَعدُ. وقوله: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر: هذا محمول عند مالك وأصحابه على أصحاب الأعذار؛ كالحائض تطهر، والمغلوب يفيق، والصبي يبلغ، والكافر يسلم، والمسافر يقدم، أو الحاضر يسافر وقد نسي صلاة. والذي حملهم على ذلك: رَومُ الجمع بين الأحاديث المتعارضة في هذا الباب؛ وذلك أنه قد تقرر في حديث جبريل ﵇، وفي حديث أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص وغيرهم: أن آخر وقت العصر

стр. 835

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنما هو المثلان، أو إذا اصفرت الشمس (١) - على اختلاف الألفاظ -، وقوله: الوقت فيما بين هذين. ثم جاء من حديث أنس الذم والتهديد والذم لمن يؤخر العصر إلى أن تكون الشمس بين قرني شيطان (٢). وظاهر هذه الأحاديث يدل: على أن ما بعد هذه الحدود ليس وقتًا للصلاة، ولا يكون مُوقِعُها فيها مدركًا لها، وظاهر الحديث الأول: أنه يكون مدركًا. فرأى أصحابنا: أن الوقت الأول المحدد، وهو الوقت الأصلي لكافة (٣) المكلفين، وهم السالمون عن الأعذار، وأن الوقت الثاني لأصحاب الأعذار المذكورين. وهذه طريقة في الجمع حسنة، والجمع أولى من الترجيح، غير أن أصحابنا جزموا بهذا الأصل؛ حيث جعلوا من ترك الصلاة متعمدًا حتى بلغ بها إلى وقت الضرورة، فصلاّها مؤدِّيًا، مع أنه قد عصى، وذُمَّ بإخراج الصلاة عن آخر وقت توسعتها. وإذا كان هذا فلا معنى لتخصيصه بأصحاب الأعذار. ثم هذه الركعة التي يدركون بها الوقت، هي قدر ما يكبر فيه للإحرام، ويقرأ أم القرآن قراءة معتدلة، ويركع، ويرفع، ويسجد سجدتين يفصل بينهما، ويطمئن في كل (٤) ذلك - على قول من أوجب الطمأنينة -، وعلى قول من لا يوجب قراءة أم القرآن في كل ركعة، يكفيه قدر تكبيرة الإحرام والوقوف لها. وأشهب لا يراعي إدراك السجود بعد الركعة. وسبب الخلاف: هل المفهوم من اسم الركعة الشرعية، أم اللغوية؟

стр. 836

[٤٩٦] وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: مَن أَدرَكَ مِنَ العَصرِ سَجدَةً. . . .، وذَكرَ نحوه، وفِيهِ: وَالسَّجدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكعَةُ. رواه أحمد (٦/ ٧٨)، ومسلم (٦٠٩)، والنسائي (١/ ٢٧٣). * * * ــ وأما الركعة التي يدرك بها فضيلة الجماعة وحكمها، بأن يكبر لإحرامه قائمًا، ثم يركع، ويمكن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه. وهذا مذهب الجمهور؛ مالك وغيره. وروي عن أبي هريرة: أنه لا يعتد بالركعة ما لم يدرك الإمام قائمًا قبل أن يركعها معه، وروي معناه عن أشهب. وروي عن جماعة من السلف: أنه متى أحرم والإمام راكع أجزأه، وإن لم يدرك الركوع، وركع بعد الإمام - كالناعس - اعتدّ بالركعة. وقيل: يجزئه وإن رفع الإمام، ما لم يرفع الناس. وقيل: تجزئه إن أحرم قبل سجود الإمام. حكى هذه الأقوال القاضي عياض. وقوله: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ظاهر هذا: أن لها وقت ضرورة كالعصر، وهو أحد القولين عندنا، وقيل: ليس للصبح وقت ضرورة، بخلاف العصر، والأول أظهر. وقوله: من أدرك من العصر سجدة، وفسرها في الأم (١): أنها الركعة. ووجهه: أن أهل الحجاز يسمون الركعة: سجدة، فهما عند الجمهور عبارتان عن مُعَبَّرٍ واحد. وقال الشافعي - في أحد قوليه - وأبو حنيفة: إن السجدة هنا ليست بالركعة، وإنما هي على بابها، من وضع الوجه بالأرض، واحتجّا بذلك على قولهما: إنه يكون مدركًا بتكبيرة الإحرام. ووجه احتجاجهم: أنه لما ذكر مرة ركعة، ومرة سجدة، سبرنا أوصافهما، فوجدناهما يجمعان الركنية والفرضية، وأول الفروض تكبيرة الإحرام، فَقَدَّراه بذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 837

(٦٤) باب إذا ذكر الإمام أنه مُحدِث خرج فأمرهم بانتظاره [٤٩٧]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَقُمنَا فَعَدَّلنَا الصُّفُوفَ، قَبلَ أَن يَخرُجَ إِلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَاّهُ قَبلَ أَن يُكَبِّرَ، ذَكَرَ فَانصَرَفَ، وَقَالَ لَنَا: مَكَانَكُم. فَلَم نَزَل ــ (٦٤) ومن باب: إذا ذكر الإمام أنه محدث خرج قوله: حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف: هذا هو الصحيح من حديث أبي هريرة في كتاب مسلم والبخاري: أنه ﷺ ذكر قبل أن يكبر، وقبل أن يدخل في الصلاة. وعلى هذا فلا يكون في الحديث إشكال، ولا مخالفة أصل، وأقصى ما فيه أن يقال: لِمَ أشار إليهم ولَم يتكلم؟ ولِمَ انتظروه قيامًا؟ والجواب: أنا لا نسلِّم أنه لم يتكلم، بل قد جاء في هذه الرواية أنه قال لهم: مكانكم. وفي الرواية الأخرى: أنه أومأ إليهم، وعلى الجمع بين الروايتين: أنه جمع بين القول والإشارة، تأكيدًا لملازمة القيام. ولو سلمنا أنه لم يتكلم، وأنه اقتصر على الإشارة، لم يكن فيه دليل على أنه دخل في الصلاة؛ إذ يحتمل أن يكون ذلك استصحابًا لما شرع فيه من الوقار؛ لأنه بمنزلة من هو في الصلاة؛ إذ قَصده أن يخرج للتطهر ثم يعود لها؛ كما قال ﷺ : إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة والوقار (١). وأما ملازمتهم للقيام، فامتثالٌ لأمره ﷺ لهم بذلك. وإنما أمرهم بذلك ليُشعر بسرعة رجوعه حتى لا يتفرقوا، ولئلا يزايلوا ما كانوا شرعوا فيه من القيام للقربة حتى يفرغوا منها، والله أعلم. ثم لما رجع هل بنى على الإقامة الأولى، أو استأنف إقامة أخرى؟ لم يصح في ذلك نقل، وظاهر الأمر: أنه لو استجد إقامة أخرى لنقل ذلك؛ إذ قد روي هذا الحديث من طرق، وليس فيها

стр. 838

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شيء من ذلك، وحينئذ يحتج به من يرى: أن التفريق بين الإقامة والصلاة لا يقطع الإقامة وإن طال؛ إذا كان لعذر؛ كما قد ثبت: أن النبي ﷺ ناجى رجلا بعد أن أقيمت الصلاة، حتى نام مَن في المسجد، وبنى على تلك الإقامة (١). وليس هذا مذهب مالك، بل مذهبه: أن التفريق إن كان لغير عذرٍ قطع الإقامة، وابتدأها، طويلا كان التفريق أو سريعًا، كما قال في المدونة في المصلي (٢) بثوب نجس: يقطع الصلاة، ويستأنف الإقامة، وكذلك قال في القهقهة. وإن كان لعذرٍ: فإن طال قطع واستأنف، وإن لم يطل لم يقطع، وبنى عليها. فصل: وقد روى أبو داود هذا الحديث من رواية أبي بكرة: أنه دخل في صلاة الفجر، فأومأ بيده: أن مكانكم، ثم خرج ورأسه يقطر، فصلى بهم. وفي رواية أخرى قال في أوله: فكبر، وقال في آخره: فلما قضى الصلاة قال: إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا (٣). ورواه مالك في الموطأ مرسلا عن عطاء بن يسار، وقال: إنه كبر. وقد أشكل هذا الحديث على هذه الرواية على كثير من العلماء، ولذلك سلكوا فيه مسالك: فمنهم من ذهب إلى ترجيح الرواية الأولى، ورأى أنها أصح وأشهر، ولم يعرِّج على هذه الرواية. ومنهم من رأى: أن كليهما صحيح، وأنه لا تعارض بينهما؛ إذ يحتمل أنهما نازلتان في وقتين، فيقتبس من كل واحدة منهما ما تضمنته من الأحكام. فمما يقتبس من رواية أبي داود ومالك (٤): أن الإمام إذا طرأ له (٥) ما يمنعه عن التمادي، استخلف بالإشارة لا بالكلام، وهو أحد

стр. 839

قِيَامًا نَنتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَينَا، وَقَدِ اغتَسَلَ، يَنطِفُ رَأسُهُ مَاءً، فَكَبَّرَ فصَلَّى بِنَا. وفي روايةٍ: فَأَومَأَ إِلَيهِم بِيَدِهِ: أَن مَكَانَكُم. رواه أحمد (٢/ ٢٣٧ و ٢٨٣)، والبخاري (٢٧٥)، ومسلم (٦٠٥) (١٥٧ و ١٥٨)، وأبو داود (٢٣٤ و ٢٣٥)، والنسائي (١/ ٨١ - ٨٢). * * * ــ القولين لأصحابنا. وجواز البناء في الحدث، وهو مذهب أبي حنيفة، لكن إنما يتم له ذلك إذا ثبت فعلا أنه لم يكبر حين رجوعه. بل الذي صح في البخاري ومسلم: أنه كبر بعدما اغتسل عند رجوعه. والمشكل على هذه الرواية: إنما هو وقوع العمل الكثير وانتظارهم له هذا الزمان الطويل بعد أن كبروا. وإنما قلنا: إنهم كبروا؛ لأن العادة جارية بأن تكبير المأمومين يقع عقيب تكبير إمامهم، ولا يؤخر ذلك إلا القليل من أهل الغلوّ والوسوسة. ولما رأى مالك هذا الحديث مخالفًا لأصل الصلاة قال: إنه خاص بالنبي ﷺ على ما روي عنه. وروي عن بعض أصحابنا: أن هذا العمل من قبيل اليسير، فيجوز مثله. وهذا مناكرة للمشاهدة. وقال ابن نافع: إن المأمومين إذا كانوا في الصلاة، فأشار إليهم إمامهم بالمكث (١)، فإنه يجب عليهم انتظاره حتى يأتي، فيتم بهم؛ أخذًا بفعل النبي ﷺ في هذا الحديث. وكأن الأولى في هذه الرواية ما قاله مالك، والله أعلم. وقوله: ينطف رأسه؛ أي: يقطر. والقطرة: النطفة من الماء. والله أعلم. * * *

стр. 840

(٦٥) باب أَوقَات الصَّلَوَاتِ [٤٩٨]- عَنِ ابنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيزِ أَخَّرَ الصلاةَ شَيئًا، فَقَالَ لَهُ عُروَةُ: أَمَا إِنَّ جِبرِيلَ قَد نَزَلَ، فَصَلَّى إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعلَم مَا تَقُولُ يَا عُروَةُ! فَقَالَ: سَمِعتُ بَشِيرَ بنَ أَبِي مَسعُودٍ يَقُولُ: ــ (٦٥) ومن باب: أوقات الصلوات قوله: إن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة (١) شيئًا يدل: على أن تأخيرها إنما كان عن أول وقت الاختيار. وإنما أُنكر عليه لعدوله عن الأفضل - وهو ممن يقتدى به -، فيؤدي تأخيره لها إلى أن يُعتقد أن تأخير العصر سنة. ويحتمل: أنه أخرها إلى آخر وقت أدائها، وهو وقت الضرورة عندنا، معتقدًا أن الوقت كله وقت اختيار، كما هو مذهب إسحاق وداود. والأول أشبه بفضله وعلمه، وأظهر من اللفظ. وقول عروة لعمر: أما إن جبريل قد نزل فصلى إمَام رسول الله ﷺ ، وفي الرواية الأخرى: أما علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله ﷺ ؟ ليس فيه حجة واضحة على عمر (٢)؛ إذ لم يعين له الأوقات التي صلى فيها. وغاية ما يتوهم عليه: أنه نبّهه وذكّره بما كان يعرف من تفاصيل الأوقات المعروفة من حديث جبريل كما قد روى ذلك النسائي، وأبو داود، كما سنذكره (٣). ويظهر لي: أن

стр. 841

سَمِعتُ أَبَا مَسعُودٍ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: نَزَلَ جِبرِيلُ فَأَمَّنِي، فَصَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ وَيَحسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمسَ صَلَوَاتٍ. وفِي روَايةٍ، قَالَ عُروَةُ: وَلَقَد حَدَّثَتنِي عَائِشَةُ زَوجُ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي العَصرَ وَالشَّمسُ فِي حُجرَتِهَا، قَبلَ أَن تظهَرَ. وَفِي روَايةٍ: لَم يَظهَرِ الفَيءُ فِي حُجرَتِهَا. رواه البخاري (٣٢٢١)، ومسلم (٦١٠) (١٦٦ و ١٦٨)، وأبو داود (٣٩٤)، والنسائي (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، وابن ماجه (٦٦٨). ــ هذا التأويل فيه بعد؛ لإنكار عمر بن عبد العزيز على عروة؛ حيث قال له: اعلم ما تحدث به يا عروة! أو أن جبريل هو الذي أقام لرسول الله ﷺ وقت الصلاة؟ . وظاهر هذا الإنكار: أنه لم يكن عنده خبر من حديث إمامة جبريل، إما لأنه لم يبلغه، أو بلغه فنسيه، وكل ذلك جائز عليه. والأولى عندي: أن حجة عروة عليه؛ إنما هي فيما رواه عن عائشة: من أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتها قبل أن تظهر. وذكر له حديث جبريل موطِّئًا له ومعلمًا بأن الأوقات إنما ثبت أصلها بإيقاف جبريل للنبي ﷺ عليها، وتعيينها له، والله أعلم. وقوله: قبل أن تظهر؛ أي: تعلو وترتفع. والظهور: العلو، ومنه قول النابغة الجعدي: بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنبغي (١) فوق ذلك مظهرًا

стр. 842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أي: مصعدًا عاليًا. وهذا المعنى قد روي بألفاظ مختلفة؛ روي كما ذكرناه، وروي: لم ترتفع من حجرتها، وروي: لم يظهر لها فيء بعد. وفي البخاري: لم تخرج الشمس من حجرتها. وكلها مُحَوِّمة على معنى واحد، وهو: أنه ﷺ كان يعجل العصر، وينصرف منها والشمس في وسط الحجرة، لم تصعد منها في جذرها، وذلك لسعة ساحتها، وقصر جدرانها. وقد رأيت أن أذكر حديث النسائي الذي رواه من طريق جابر بن عبد الله (١) في تفصيل الأوقات التي صلى جبريل فيها بالنبي ﷺ ، وهو أصح ما في إمامة جبريل - على ما ذكره الترمذي عن البخاري - وأَبيَن؛ قال فيه: عن جابر بن عبد الله: أن جبريل أتى النبي ﷺ ليعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى الظهر حين زالت الشمس. وأتاه حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع - يعني فصلى العصر-. ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع، فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فصنع كما صنع، فصلى العشاء. ثم أتاه حين انشق الفجر، فصنع كما صنع، (٢) فصلى الغداة. ثم أتاه اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس فصلى الظهر. ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العصر. ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى المغرب. وفي رواية: وقتًا واحدًا لم يزل عنه، فنمنا، ثم قمنا، ثم نمنا، ثم قمنا، فأتاه فصنع مثل ما صنع بالأمس، فصلى العشاء. وفي رواية: ثم جاء للصبح حين أسفر جدًّا - يعني: في اليوم الثاني -، ثم قال: ما بين هاتين الصلاتين

стр. 843

[٤٩٩]- وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو، أن رَسُولُ اللهِ ﷺ قال: وَقتُ الظُّهرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَم تَحضُرِ العَصرُ، ــ وقت (١). وسيأتي الكلام على ما تضمنه من النكت إن شاء الله تعالى. وقد أخذ بعض الناس من هذا الحديث: صحة إمامة المفترض بالمتنفل، وذلك لا يتم حتى يتبين أن جبريل كان متنفلا، ولا يقدر عليه. وفيه أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل، وسيأتي التنبيه على أكثرها إن شاء الله تعالى. وقوله في حديث عبد الله بن عمرو: وقت الظهر إذا زالت الشمس، زوال الشمس: عبارة عن بداية انحطاطها مغرِّبة بعد نهاية ارتفاعها، وهو أول وقت الظهر بالإجماع. ولا خلاف: أن الوقت من فروض الصلاة ومن شروط صحتها، إلا شيئًا روي عن أبي موسى الأشعري وبعض السلف، ولم يصح عنهم، وانعقد الإجماع على خلافه. ولا خلاف: في أوائل أوقات الصلوات، إلا في وقت العصر والعشاء الآخرة. فأبو حنيفة يقول: أول وقت العصر إلى آخر (٢) القامتين، وخالفه الناس كلهم حتى أصحابه. وأما العشاء فاتفق على أن وقتها بعد مغيب الشفق، لكن ذهب أبو حنيفة والمزني: إلى أنه البياض، والجمهور على أنه الحمرة. واختلفوا في تحديد أواخر الأوقات كما سيأتي. وقوله: وكان ظل الرجل كطوله يعني: بعد طرح اعتبار القدر الذي زالت عليه الشمس، إن كان له قدر. فلو قدرنا أن الشمس وقفت على رأس ذي الظل، لم يكن للظل قدر، واعتبر من أصل القائم، ثم أفاد بقوله: ما لم يحضر العصر: أن الوقت ممتد متسع، وأن آخره أول وقت العصر، وهو انتهاء آخر ظل المثل، وهذا مثل ما جاء في حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ : أنه صلى به العصر في

стр. 844

وَوَقتُ العَصرِ مَا لَم تَصفَرَّ الشَّمسُ، ــ اليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وكلاهما حجة على أبي حنيفة في قوله: إن أول وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثليه. وهو قول شاذ خالف فيه هذه النصوص وجميع الناس، خلا أنه قد حُكي عن الشافعي، وقد تبرّأ من هذا القول أصحاب أبي حنيفة والشافعي لظهور فساده. ثم تمام القامة بلا فصلٍ بينهما هو أول وقت العصر، وهو مشترك بينهما - عند مالك وابن المبارك وإسحاق في آخرين -، تمسكًا بحديث جبريل، وذلك: أنه صلى به العصر في اليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى به في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه. غير أنهم حملوا قوله: صلى في الظهر: على أنه فرغ منها في آخر القامة، وصلى في العصر على أنه بدأ بها في أول القامة الثانية. وقال الشافعي وأبو ثور وداود وأحمد والطبري ومحمد بن الحسن وأبو يوسف وابن حبيب وابن المواز من أصحابنا: لا مشاركة بين الوقتين، ولا بد من فاصلةٍ بينهما، وهي: زيادة أدنى شيء على القامة، غير أن أصحابنا لا يشترطون هذه الزيادة، ويقولون: بانتهاء القامة الأولى يخرج وقت الظهر، فيعقبها أول وقت العصر من غير زيادة. وقال أشهب: بل الاشتراك في القامة الأولى، فيكون ما قبلها بقدر ما يُوقَعُ فيه إحدى الصلاتين مشتركًا بينهما، واختار هذا القول أبو إسحاق التونسي، وحكاه القاضي أبو بكر بن العربي رواية عن مالك. وحجة من لم ير الاشتراك قوله: وقت الظهر ما لم تحضر العصر، وما جاء في حديث أبي موسى، وذلك: أن النبي ﷺ صلى بالسائل الظهر في اليوم الثاني حين كان قريبًا من وقت العصر بالأمس. وظاهر هذين الحديثين أن بينهما فصلا قريبًا. والقول بالاشتراك أبين، وهو الذي يجمع شتات الأحاديث، وأشهب لم يتأول: فصلى في الظهر والعصر، بل حملهما على ظاهرهما في الظهر والعصر، وهو أنه ﷺ فرغ من الظهر والعصر في اليومين عند انتهاء القامة، والله أعلم. وقوله: ووقت العصر ما لم تصفر الشمس: يعني بقوله: ما لم تصفر:

стр. 845

- وفي رواية: ويسقط قرنها الأول - ــ ما لم تدخلها صفرة. وظاهره: أن آخر وقت العصر قبل مخالطة الصفرة. وهذا كما قال في حديث بريدة بن حصيب: ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقيّة لم تخالطها صفرة. يعني: في اليوم الثاني، وهذا الظاهر مخالف لحديث أبي موسى؛ إذ قال فيه: ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس. وظاهر هذا: أنه بعد الصفرة بكثير. ووجه الجمع: أن هذا كله تقريب، وإنما التحقيق يحصل بما في حديث جبريل من تقديره بما إذا كان ظل كل شيء مثلي شخصه. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهما متساويان في المعنى؛ لأن الشمس لا يزال بياضها ناصعًا حتى ينتهي ثَنيُ الظل، فإذا أخذ في التثليث نقص البياض، حتى تأخذ الشمس في التطفيل (١)، فتتمكن الصفرة. وقوله: ويسقط قرنها الأول: فيه إشكال؛ وذلك أن قرن الشمس أعلاها، وهو أول ما يبدو منها في الطلوع، وأول ما يسقط منها في الغروب، كما قال في هذه الرواية في وقت الفجر: ما لم يطلع قرن الشمس الأول، وهو إما أن يراد به أعلى شعاعها الدائر بها، وإما أعلى جرمها وعينها، وعلى التقديرين فآخر وقت توسعة العصر قبله - كما قررنا -، وحينئذ يتضح الإشكال. قلت: ويظهر لي أن المقصود من قوله: ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول: أن يُبيِّن به امتداد وقت الأداء كله إلى غايته، ويدخل فيه الوقت الذي سميناه نحن: وقت الضرورة. وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الصفرة هنا هي ابتداء تغير الشمس إلى السواد عند الغروب، وهذا على لغة العرب في تسميتهم الأسود: أصفر؛ كما قال (٢): . . . . . . . . . . . . ... هُنَّ صُفرٌ أولادُها كالزّبيب (٣)
следующие страницы →