سَمِعتُ أَبَا مَسعُودٍ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: نَزَلَ جِبرِيلُ فَأَمَّنِي، فَصَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَهُ وَيَحسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمسَ صَلَوَاتٍ.
وفِي روَايةٍ، قَالَ عُروَةُ: وَلَقَد حَدَّثَتنِي عَائِشَةُ زَوجُ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي العَصرَ وَالشَّمسُ فِي حُجرَتِهَا، قَبلَ أَن تظهَرَ.
وَفِي روَايةٍ: لَم يَظهَرِ الفَيءُ فِي حُجرَتِهَا.
رواه البخاري (٣٢٢١)، ومسلم (٦١٠) (١٦٦ و ١٦٨)، وأبو داود (٣٩٤)، والنسائي (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، وابن ماجه (٦٦٨).
ــ
هذا التأويل فيه بعد؛ لإنكار عمر بن عبد العزيز على عروة؛ حيث قال له: اعلم ما تحدث به يا عروة! أو أن جبريل هو الذي أقام لرسول الله ﷺ وقت الصلاة؟ . وظاهر هذا الإنكار: أنه لم يكن عنده خبر من حديث إمامة جبريل، إما لأنه لم يبلغه، أو بلغه فنسيه، وكل ذلك جائز عليه. والأولى عندي: أن حجة عروة عليه؛ إنما هي فيما رواه عن عائشة: من أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتها قبل أن تظهر. وذكر له حديث جبريل موطِّئًا له ومعلمًا بأن الأوقات إنما ثبت أصلها بإيقاف جبريل للنبي ﷺ عليها، وتعيينها له، والله أعلم.
وقوله: قبل أن تظهر؛ أي: تعلو وترتفع. والظهور: العلو، ومنه قول النابغة الجعدي:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنبغي (١) فوق ذلك مظهرًا
стр. 842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي: مصعدًا عاليًا. وهذا المعنى قد روي بألفاظ مختلفة؛ روي كما ذكرناه، وروي: لم ترتفع من حجرتها، وروي: لم يظهر لها فيء بعد. وفي البخاري: لم تخرج الشمس من حجرتها. وكلها مُحَوِّمة على معنى واحد، وهو: أنه ﷺ كان يعجل العصر، وينصرف منها والشمس في وسط الحجرة، لم تصعد منها في جذرها، وذلك لسعة ساحتها، وقصر جدرانها.
وقد رأيت أن أذكر حديث النسائي الذي رواه من طريق جابر بن عبد الله (١) في تفصيل الأوقات التي صلى جبريل فيها بالنبي ﷺ ، وهو أصح ما في إمامة جبريل - على ما ذكره الترمذي عن البخاري - وأَبيَن؛ قال فيه: عن جابر بن عبد الله: أن جبريل أتى النبي ﷺ ليعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى الظهر حين زالت الشمس. وأتاه حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع - يعني فصلى العصر-. ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع، فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فصنع كما صنع، فصلى العشاء. ثم أتاه حين انشق الفجر، فصنع كما صنع، (٢) فصلى الغداة. ثم أتاه اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس فصلى الظهر. ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العصر. ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى المغرب. وفي رواية: وقتًا واحدًا لم يزل عنه، فنمنا، ثم قمنا، ثم نمنا، ثم قمنا، فأتاه فصنع مثل ما صنع بالأمس، فصلى العشاء. وفي رواية: ثم جاء للصبح حين أسفر جدًّا - يعني: في اليوم الثاني -، ثم قال: ما بين هاتين الصلاتين
стр. 843
[٤٩٩]- وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو، أن رَسُولُ اللهِ ﷺ قال: وَقتُ الظُّهرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَم تَحضُرِ العَصرُ،
ــ
وقت (١). وسيأتي الكلام على ما تضمنه من النكت إن شاء الله تعالى.
وقد أخذ بعض الناس من هذا الحديث: صحة إمامة المفترض بالمتنفل، وذلك لا يتم حتى يتبين أن جبريل كان متنفلا، ولا يقدر عليه. وفيه أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل، وسيأتي التنبيه على أكثرها إن شاء الله تعالى.
وقوله في حديث عبد الله بن عمرو: وقت الظهر إذا زالت الشمس، زوال الشمس: عبارة عن بداية انحطاطها مغرِّبة بعد نهاية ارتفاعها، وهو أول وقت الظهر بالإجماع. ولا خلاف: أن الوقت من فروض الصلاة ومن شروط صحتها، إلا شيئًا روي عن أبي موسى الأشعري وبعض السلف، ولم يصح عنهم، وانعقد الإجماع على خلافه. ولا خلاف: في أوائل أوقات الصلوات، إلا في وقت العصر والعشاء الآخرة. فأبو حنيفة يقول: أول وقت العصر إلى آخر (٢) القامتين، وخالفه الناس كلهم حتى أصحابه. وأما العشاء فاتفق على أن وقتها بعد مغيب الشفق، لكن ذهب أبو حنيفة والمزني: إلى أنه البياض، والجمهور على أنه الحمرة. واختلفوا في تحديد أواخر الأوقات كما سيأتي.
وقوله: وكان ظل الرجل كطوله يعني: بعد طرح اعتبار القدر الذي زالت عليه الشمس، إن كان له قدر. فلو قدرنا أن الشمس وقفت على رأس ذي الظل، لم يكن للظل قدر، واعتبر من أصل القائم، ثم أفاد بقوله: ما لم يحضر العصر: أن الوقت ممتد متسع، وأن آخره أول وقت العصر، وهو انتهاء آخر ظل المثل، وهذا مثل ما جاء في حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ : أنه صلى به العصر في
стр. 844
وَوَقتُ العَصرِ مَا لَم تَصفَرَّ الشَّمسُ،
ــ
اليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وكلاهما حجة على أبي حنيفة في قوله: إن أول وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثليه. وهو قول شاذ خالف فيه هذه النصوص وجميع الناس، خلا أنه قد حُكي عن الشافعي، وقد تبرّأ من هذا القول أصحاب أبي حنيفة والشافعي لظهور فساده. ثم تمام القامة بلا فصلٍ بينهما هو أول وقت العصر، وهو مشترك بينهما - عند مالك وابن المبارك وإسحاق في آخرين -، تمسكًا بحديث جبريل، وذلك: أنه صلى به العصر في اليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى به في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه. غير أنهم حملوا قوله: صلى في الظهر: على أنه فرغ منها في آخر القامة، وصلى في العصر على أنه بدأ بها في أول القامة الثانية. وقال الشافعي وأبو ثور وداود وأحمد والطبري ومحمد بن الحسن وأبو يوسف وابن حبيب وابن المواز من أصحابنا: لا مشاركة بين الوقتين، ولا بد من فاصلةٍ بينهما، وهي: زيادة أدنى شيء على القامة، غير أن أصحابنا لا يشترطون هذه الزيادة، ويقولون: بانتهاء القامة الأولى يخرج وقت الظهر، فيعقبها أول وقت العصر من غير زيادة. وقال أشهب: بل الاشتراك في القامة الأولى، فيكون ما قبلها بقدر ما يُوقَعُ فيه إحدى الصلاتين مشتركًا بينهما، واختار هذا القول أبو إسحاق التونسي، وحكاه القاضي أبو بكر بن العربي رواية عن مالك. وحجة من لم ير الاشتراك قوله: وقت الظهر ما لم تحضر العصر، وما جاء في حديث أبي موسى، وذلك: أن النبي ﷺ صلى بالسائل الظهر في اليوم الثاني حين كان قريبًا من وقت العصر بالأمس. وظاهر هذين الحديثين أن بينهما فصلا قريبًا. والقول بالاشتراك أبين، وهو الذي يجمع شتات الأحاديث، وأشهب لم يتأول: فصلى في الظهر والعصر، بل حملهما على ظاهرهما في الظهر والعصر، وهو أنه ﷺ فرغ من الظهر والعصر في اليومين عند انتهاء القامة، والله أعلم.
وقوله: ووقت العصر ما لم تصفر الشمس: يعني بقوله: ما لم تصفر:
стр. 845
- وفي رواية: ويسقط قرنها الأول -
ــ
ما لم تدخلها صفرة. وظاهره: أن آخر وقت العصر قبل مخالطة الصفرة. وهذا كما قال في حديث بريدة بن حصيب: ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقيّة لم تخالطها صفرة. يعني: في اليوم الثاني، وهذا الظاهر مخالف لحديث أبي موسى؛ إذ قال فيه: ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس. وظاهر هذا: أنه بعد الصفرة بكثير. ووجه الجمع: أن هذا كله تقريب، وإنما التحقيق يحصل بما في حديث جبريل من تقديره بما إذا كان ظل كل شيء مثلي شخصه. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهما متساويان في المعنى؛ لأن الشمس لا يزال بياضها ناصعًا حتى ينتهي ثَنيُ الظل، فإذا أخذ في التثليث نقص البياض، حتى تأخذ الشمس في التطفيل (١)، فتتمكن الصفرة.
وقوله: ويسقط قرنها الأول: فيه إشكال؛ وذلك أن قرن الشمس أعلاها، وهو أول ما يبدو منها في الطلوع، وأول ما يسقط منها في الغروب، كما قال في هذه الرواية في وقت الفجر: ما لم يطلع قرن الشمس الأول، وهو إما أن يراد به أعلى شعاعها الدائر بها، وإما أعلى جرمها وعينها، وعلى التقديرين فآخر وقت توسعة العصر قبله - كما قررنا -، وحينئذ يتضح الإشكال.
قلت: ويظهر لي أن المقصود من قوله: ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول: أن يُبيِّن به امتداد وقت الأداء كله إلى غايته، ويدخل فيه الوقت الذي سميناه نحن: وقت الضرورة. وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الصفرة هنا هي ابتداء تغير الشمس إلى السواد عند الغروب، وهذا على لغة العرب في تسميتهم الأسود: أصفر؛ كما قال (٢):
. . . . . . . . . . . . ... هُنَّ صُفرٌ أولادُها كالزّبيب (٣)
стр. 846
وَوَقتُ صَلاةِ المَغرِبِ مَا لَم يَغِبِ الشَّفَقُ،
ــ
وكما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفرٌ﴾ وفي قوله: بقرة صفراء؛ أي: سوداء. ويكون قرنها: جرمها، والله تعالى أعلم.
وقوله: ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق: هذا يؤذن بأن وقت المغرب موسع كسائر أوقات الصلوات، وهو موافق لحديث أبي موسى: حيث صلى المغرب في اليوم الأول عند وقوع الشمس، وفي الثاني حين غاب الشفق، وهو قول مالك في الموطأ، وأحد قولي الشافعي، وقول الثوري، وأصحاب الرأي على اختلافهم في الشفق ما هو - على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وقد عارض هذا الحديث في المغرب حديث جبريل؛ فإن فيه: إنه صلاها في اليومين في وقت واحد حين غابت الشمس، وصار أيضًا إليه جمهور من العلماء، وهو مشهور قول مالك والشافعي والأوزاعي وغيرهم، وقالوا: هو محدود الأول بمغيب قرص الشمس، وغير محدود الآخر، بل مقدرًا آخره بالفراغ منها في حق كل مكلف. ولما تعارض الحديثان اختلف العلماء في الأرجح (١) منهما، فرجح كل منهم بحسب ما ظهر له. قلت: ويمكن الجمع والبناء بينهما بأن يقال: إن إيقاع المغرب في حديث جبريل في وقت واحد، لعلّه: إنما كان ليبين: أن إيقاعها في ذلك الوقت أفضل، ولذلك اتفقت الأمة على ذلك. وقد قال ﷺ : لا تزال أمتي بخير - أو قال: على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم (٢). وليس فيه ما يدل على منع تأخيرها عن ذلك الوقت. وتكون أحاديث التوسعة تبيِّن وقت الجواز، فيرتفع التعارض، ويصح الجمع، وهو أولى من الترجيح باتفاق
стр. 847
وَوَقتُ صَلاةِ العِشَاءِ إِلَى نِصفِ اللَّيلِ الأَوسَطِ
ــ
الأصوليين؛ لأن فيه إعمال كل واحد من الدليلين، والترجيح: إسقاط أحدهما، والله أعلم.
وقد اختلف العلماء في الشفق، فذهب الجمهور إلى أنه الحمرة التي تكون في المغرب. وذهب أبو حنيفة والمزني: إلى أنه البياض الذي يكون بعد الحمرة. وسبب الخلاف: انطلاق اسم الشفق عليهما بالاشتراك، وهما متصلان؛ أي: أحدهما بعد الآخر. فمن أخذ بأول الاسم قال: هو الحمرة، ومن أخذ بآخره قال: هو البياض. ومذهب الجمهور أولى؛ بوجهين:
أحدهما: أن أهل الاعتبار بذلك قد رصدوا ذلك وراقبوه، فتحقق لهم أن البياض لا يغيب إلا عند طلوع الفجر، قال ذلك الخليل بن أحمد وابن أبي أويس وغيرهما.
والثاني: أنه قد روى أبو داود من طريق صحيح عن النعمان بن بشير أنه قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة: صلاة العشاء الآخرة؛ كان رسول الله ﷺ يصليها لسقوط القمر لثالثة (١). وهذا بين على أنه كان يصليها قبل مغيب البياض، بل على أنه كان يصليها عند تمكن البياض؛ لأنه إذ ذاك يسقط القمر في الثالثة من الشهر، وهذا يرفع الخلاف.
وقوله: ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط: أكثر رواة هذا الحديث لم يذكروا فيه الأوسط، وإنما يقولون: إلى نصف الليل، فقط، وتلك الزيادة هي من حديث همام عن قتادة. وكل من روى هذا الحديث عن قتادة لم يذكرها غيره. وكأن هذه الرواية وهم؛ لأن الأوسط في المقدَّرات والمعدودات إنما يقال فيما
стр. 848
- وَلَم يذكُر الأوسط إلا في هذه الرواية -، وَوَقتُ صَلاةِ الصُّبحِ مِن طُلُوعِ الفَجرِ مَا لَم تَطلُعِ الشَّمسُ،
ــ
يتوسط بين اثنين فأكثر. اللهم إلا أن يُريد بالأوسط: الأعدل، فحينئذ يصح أن يقال: هو أوسط الشيئين؛ أي: أعدلهما. وهذا الشيء أوسط من هذا؛ أي: أعدل منه. ويمكن أن تحمل رواية تلك الزيادة على الصحة، ويكون معناه: أن النصف الأول أعدل بالنسبة إلى إيقاع الصلاة فيه من النصف الآخر؛ لتأدية الصلاة في الأول وكثرة الثواب فيه.
ثم اختلف العلماء في آخر وقت العشاء الآخرة، فذهبت طائفة من العلماء: إلى أن ذلك آخر النصف الأول، وإليه ذهب ابن حبيب من أصحابنا متمسكًا بهذا الحديث. ويقول عمر ﵁: فإن أخّرت فإلى شطر الليل. ومشهور مذهب مالك: أنه أخر إلى الثلث الأول، متمسكًا بحديث أبي موسى؛ إذ فيه: أنه ﷺ أخّر العشاء الآخرة حتى كان ثلث الليل (١)، وهو قول جمهور العلماء. وروى النخعي أنه الربع الأول. ولا متمسك له واضح في الأحاديث. وسبب الخلاف: الترجيح بين هذه الأحاديث.
وقوله: ووقت الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، الفجر: هو انصداع البياض من المشرق، وسُمِّي بذلك: لانفجاره؛ أي: لظهوره وخروجه؛ كما ينفجر النهر. وهو اثنان: الكاذب، وهو المسمى: بذنب السرحان، وهو الصاعد المستطيل. والصادق: وهو الممتد المنتشر في الأفق. قال الشاعر:
فإذا رأى الصبح المُصَدَّق يَخفِقُ
وهذا هو الذي يُحرّم الأكل على الصائم، وتجزئه الصلاة فيه دون الأول بلا خلاف. واختلف في آخر وقت الصبح، فذهب الجمهور وأئمة الفتيا: إلى أن آخر
стр. 849
فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمسُ فَأَمسِك عَنِ الصَّلاةِ،
ــ
وقتها طلوع أول جرم الشمس، وهو مشهور مذهب مالك. وعلى هذا لا يكون لها عنده وقت ضرورة، ولا يُؤثّم تارك الصلاة إلى ذلك الوقت متعمدًا. وروى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم: أن آخر وقتها الإسفار الأعلى، وعلى هذا فما بعد الإسفار وقت لأصحاب الأعذار، ويأثم من أخّر الصلاة إلى ذلك الوقت. وسبب هذا الخلاف: اختلاف الأحاديث الواردة في هذا المعنى. وذلك أن ظاهر هذا الحديث، ونص الرواية الأخرى التي قال فيها: فإذا صليتم الفجر فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشمس الأول، وفي حديث أبي موسى: أنه ﷺ صلى بالسائل الفجر في اليوم الثاني حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت. وظاهر هذا: أن آخر وقتها يخرج قبل طلوع الشمس بيسير، وهو الذي يُقدّر بإدراك ركعة؛ كما قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح (١).
تنبيه: قال مالك والشافعي: التغليس بالصبح أفضل. وقال أبو حنيفة: الأفضل الجمع بين التغليس والإسفار، فإن فاته ذلك فالإسفار أولى من التغليس (٢)، وهذا مخالف لما كان النبي ﷺ يفعله من المداومة على التغليس، حتى قد قال ابن عباس لما وصف صلاة جبريل بالنبي ﷺ : ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس، لم يَعُد إلى أن يسفر بها.
وقوله: فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة: هذا حجة لأبي حنيفة وأصحاب (٣) الرأي: على منع إيقاع شيء من الصلوات فرضها ونفلها عند الطلوع، وقد غلوا في هذا حتى قالوا: إنه لو طلعت عليه الشمس وقد صلى ركعة من الصبح
стр. 850
فَإِنَّهَا تَطلُعُ بَينَ قَرنَي شَيطَانِ.
رواه مسلم (٦١٢) (١٧٣ و ١٧٤)، وأبو داود (٣٩٦)، والنسائي (١/ ٢٦٠).
[٥٠٠]- وعَن أَبِي مُوسَى، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ فَسأَلُهُ عَن مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ، فَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ شَيئًا - وَفِي رِوَايَةٍ: فقال له: صَلِّ مَعَنَا
ــ
لفسدت عليه، وهذا بخلاف ما عليه كافة العلماء، فإنهم رأوا أن الفرض لا يتناوله هذا العموم بنصّ قوله ﷺ : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها (١)، وفي بعض رواياته: فذلك وقتها. فجمعوا بين الحديثين على هذا الوجه، والجمع أولى من الترجيح. وقد تقدم الكلام على قوله: بين قرني الشيطان.
وقوله في بعض روايات حديث عبد الله بن عمرو: ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق. قال الخطابي: هو ثَوَران حمرته واندفاعه. ويُروى بالفاء في غير الأم، وهو بمعنى فورانه؛ أي: سطوعه وظهوره، من: فار الماء؛ إذا اندفع وظهر.
وقوله في حديث أبي موسى: فلم يرد عليه شيئًا؛ يعني: على السائل؛ أي: لم يرد عليه ما يحصل له به بيان ما سأل عنه، وإلا فقد قال له: صلِّ معنا هذين اليومين؛ كما جاء في الرواية الأخرى. وفي هذا: جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. وجاز للنبي ﷺ أن يؤخر بيان ما سأله عنه - وإن جاز على السائل أن يُختَرَمَ قبل ذلك (٢) -؛ لأن الأصل: استصحاب السلامة، والبقاء إلى مثل هذه المدة، أو أوحي إليه: أنه يبقى إلى هذه المدة.
стр. 851
هَذَينِ - يَعنِي: اليَومَينِ، قَالَ: فَأَقَامَ الفَجرَ حِينَ انشَقَّ الفَجرُ وَالنَّاسُ لا يَكَادُ يَعرِفُ بَعضُهُم بَعضًا - وفِي رِوَايَةٍ: فَأَمَرَ بِلالا فَأَذَّنَ بِغَلَسٍ، مَكَان: فأَقَامَ -، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظُّهرِ حِينَ زَالَتِ الشَّمسُ، وَالقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ انتَصَفَ النَّهَارُ، وَهُوَ كَانَ أَعلَمَ مِنهُم، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ العَصرِ وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ - في رواية: بيضاء نقية -، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بالمَغرِبَ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ العِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَخَّرَ الفَجرَ مِنَ الغَدِ حَتَّى انصَرَفَ مِنهَا، وَالقَائِلُ يَقُولُ: قَد طَلَعَتِ الشَّمسُ أَو كَادَت، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِن وَقتِ العَصرِ بِالأَمسِ. ثُمَّ أَخَّرَ العَصرَ حَتَّى انصَرَفَ مِنهَا، وَالقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ احمَرَّتِ الشَّمسُ، ثُمَّ أَخَّرَ المَغرِبَ حَتَّى كَانَ عِندَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، ثُمَّ أَخَّرَ العِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيلِ الأَوَّلِ، ثُمَّ أَصبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ: الوَقتُ بَينَ هَذَينِ. وَفِي رِوَايَةٍ قال: وَقتُ صَلاتِكُم بَينَ مَا رَأَيتُم.
رواه مسلم (٦١٣) (١٧٦ و ١٧٧) من حديث بريدة و (٦١٤)(١٧٨) من حديث أبي موسى، وأبو داود (٣٩٥)، والنسائي (١/ ٢٦٠ - ٢٦١)، والترمذي (١٥٢)، وابن ماجه (٦٦٧).
ــ
وقوله: فأقام الفجر؛ أي: أمر بها فأقيمت؛ كما قال في الرواية الأخرى: فأمر بلالا فأذّن بغلس؛ أي: أقام، فسمّى الإقامة: أذانًا؛ إذ يحصل بها الإعلام بحضور الصلاة والشروع فيها.
وقوله: الوقت بين هذين، وقوله: ووقت صلاتكم بين ما رأيتم، وكذلك في حديث جبريل: الوقت بين هذين، هي كلها حجة لمالك وأصحابه على قولهم: إن الوقت الموسع كله للوجوب من أوله إلى آخره، وإن المكلف مخير بين تقديم الصلاة وتأخيرها إلى آخر الوقت، فأي وقت صلى فيه المكلف فقد أدَّى ما عليه. وقد تخبّط كثير من الناس في هذا المعنى، وطال فيه نزاعهم، وما ذكرناه واضح موافق لظاهر الحديث. وقد ذهب بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي: إلى
стр. 852
[٥٠١]- وخرّجه مِن حَدِيثِ بُرَيدَةَ بن حصيب، وقَالَ: ثُمَّ أَمَر بلالا بِالعَصرِ وَالشَّمسُ بَيضَاءُ نَقِيَّةٌ، لَم تُخَالِطهَا صُفرَةٌ - يعني: في اليوم الثاني.
رواه أحمد (٥/ ٣٤٩)، ومسلم (٦١٣)(١٧٧)، والترمذي (١٥٢)، والنسائي (١/ ٢٥٨)، وابن ماجه (٦٦٧).
* * *
(٦٦) باب الإبراد بالظهر في شدة الحر
[٥٠٢]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا كان الحر - وفي رواية - إذا اشتَدَّ الحَرُّ - فَأَبرِدُوا عن الصَّلاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّمَ.
ــ
أن وقت الوجوب وقت واحد غير معين، وإنما يعينه المكلف بفعله. وذهب الشافعي: إلى أن أول الوقت هو الواجب، وإنما ضرب آخره فصلا بين القضاء والأداء، وهذا باطل؛ بما أنه لو تعين ذلك الوقت للوجوب لأثم من أخر الصلاة عنه إلى غيره، وبالإجماع لا يؤثم. وذهب الحنفية: إلى أن وقت الوجوب آخر الوقت. وهذا أيضًا باطل؛ إذ لو كان كذلك لما جاز لأحد أن يوقع الصلاة قبل آخر الوقت، وقد جاز ذلك بالإجماع. ثم الحديث الذي ذكرناه يرد على هذه الفرق كلها.
(٦٦) ومن باب: الإبراد في شدة الحر
قوله ﷺ : إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة أي: أخروها عن ذلك الوقت، وادخلوا بها في وقت البرد، وهو الزمن الذي يتبين فيه انكسار شدة الحر وتوجد فيه برودة ما. يقال: أبرد الرجل؛ أي: صار في برد النهار. وعن في
стр. 853
وَذَكَرَ: أَنَّ النَّارَ اشتَكَت إِلَى رَبِّهَا، فَأَذِنَ لَهَا فِي كُلِّ عَامٍ بِنَفَسَينِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيفِ.
ــ
قوله: عن الصلاة: بمعنى الباء، كما قد روي في بعض طرقه: أبردوا بالصلاة. وعن تأتي بمعنى الباء، كما يقال: رميت عن القوس؛ أي: به. كما تأتي الباء بمعنى: عن، كما قال الشاعر (١):
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
أي: عن النساء. وكما قيل في قوله تعالى: ﴿فَاسأَل بِهِ خَبِيرًا﴾ أي: عنه، وقيل: إن عن هنا زائدة؛ أي: أبردوا الصلاة، يقال: أبرد الرجل كذا: إذا فعله في برد النهار. وفيح جهنم: شدة حرها، وشدة غليانها. يقال: فاحت القدر، تفيح: إذا هاجت، وغلت. والنفس: التنفس. [فإذا تنفست في الصيف قوَّى لهيبُها حرَّ الشمس، فزاد حرها وتضاعف] (٢)، وإذا تنفست في البرد دفع حرها شدة البرد إلى الأرض، وهو الزمهرير الذي ذكره. واختُلف في معنى هذا الحديث؛ فمن العلماء من حمله على ظاهره، وقال: هو لسان مقال محقق، وشكوى محققة، وتنفس محقق؛ إذ هو إخبار من الصادق بأمر جائز، فلا يُحتاج إلى تأويله. وقيل: إن هذا الحديث خرج مخرج التشبيه والتقريب؛ أي: كأنه نار جهنم في الحر، وقد تكون هذه الشكوى وهذه المقالة لسان حال، كما قال:
شكا إليَّ جملي طول السُّرى ... صبر جميل (٣) فكلانا مُبتَلى
والأول أولى؛ لأنه حمل اللفظ على حقيقته، ولا إحالة في شيء من ذلك.
стр. 854
وَفِي رِوايَةٍ: فَمَا وَجَدتُم مِن حَرٍّ أَو حَرُورٍ فَمِن نَفَسِ جَهَنَّمَ، وَمَا وَجَدتُم مِن بَردٍ أَو زَمهَرِيرٍ فَمِن نَفَسِ جَهَنَّمَ.
رواه أحمد (٢/ ٤٦٢)، والبخاري (٥٣٣)، ومسلم (٦١٥)(١٨٠) و (٦١٧)(١٨٦)، وأبو داود (٤٠٢)، والترمذي (١٥٧)، والنسائي (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، وابن ماجه (٦٧٧ و ٦٧٨).
[٥٠٣]- وَعَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالظُّهرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَبرِد، أَبرِد، أَو قَالَ: انتَظِرِ، انتَظِر، وَقَالَ: إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن
ــ
وفيه دليل: على أن النار قد خلقت، وأنها موجودة، خلافًا لما قالته المعتزلة وغيرهم من أهل البدع: أنها ستخلق في القيامة.
وقوله: فما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم. أو هذه يحتمل أن تكون شكًّا من الراوي، فيكون النبي ﷺ قال أحدهما، فشك فيه الراوي، فجمعهما بـ أو. ويحتمل: أن يكون ذكر النبي ﷺ اللفظين، فتكون أو للتقسيم والتنويع. والحرور: اشتداد الحر، وفيحُه بالليل والنهار. فأما السموم فلا يكون إلا بالليل. والزمهرير: شدة البرد. وبتأخير الظهر في شدة الحر، قال مالك وأهل الرأي: ورأوا: أنها في ذلك الوقت أفضل. وقَدَّرَ أصحابنا هذا الوقت بزيادة على ربع القامة إلى وسط الوقت، وهذا في الجماعة عند أصحابنا. وقد اختلفوا في: هل يُبرد أم لا؟ وقال الشافعي: تقديم الصلوات كلها للفذ والجماعة أفضل في الشتاء والصيف إلا للإمام الذي ينتاب إليه الناس من بعيد، فيبرد بالظهر في الصيف دون غيره. ولم يقل أحد بالإبراد في غير الظهر إلا أشهب، فقال به في العصر، وقال: يؤخر ربع القامة. ورأى أحمد بن حنبل تأخير العشاء الآخرة في الصيف بالليل كما يؤخر الظهر، وعكسه ابن حبيب، فرأى تأخيرها في الشتاء؛ لطول الليل، وتعجيلها في الصيف؛ لقصره.
стр. 855
فَيحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشتَدَّ الحَرُّ فَأَبرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ.
قَالَ أَبُو ذَرٍّ: حَتَّى رَأَينَا فَيءَ التُّلُولِ.
رواه أحمد (٥/ ١٧٦)، والبخاري (٥٣٥)، ومسلم (٦١٦)، وأبو داود (٤٠١)، والترمذي (١٥٨).
* * *
(٦٧) باب تعجيل الظهر بعد الإبراد وفي زمن البرد
[٥٠٤]- عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهرَ إِذَا دَحَضَتِ الشَّمسُ.
رواه أحمد (٥/ ١٠٦)، ومسلم (٦١٨)، وابن ماجه (٦٧٣).
ــ
وقوله في حديث أبي ذر: حتى رأينا فَيءَ التلول؛ هي جمع تلّ، وهي: الروابي، وظلها لا يظهر إلا بعد تمكن الفيء واستطالته جدًّا، بخلاف الأشياء المنتصبة التي يظهر فيئها سريعًا في أسفلها؛ لاعتدال أعلاها وأسفلها.
(٦٧) ومن باب: تعجيل الظهر بعد الإبراد وفي زمن البرد
قوله: كان يصلي الظهر إذا دحضت الشمس؛ أي: زلقت وزالت عن كبد السماء. والدَّحَض: الزلق. كان هذا منه ﷺ في زمن البرد؛ كما قد رواه أنس: أنه إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل (١).
стр. 856
[٥٠٥]- وعَن خَبَّابِ قَالَ: شَكَونَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ فِي الرَّمضَاءِ فَلَم يُشكِنَا.
قَالَ زُهَيرٌ: قُلتُ لأَبِي إِسحَاقَ: أَفِي الظُّهرِ؟ قَالَ: نَعَم. قُلتُ: أَفِي تَعجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَم.
رواه أحمد (٥/ ١٠٨)، ومسلم (٦١٩)، والنسائي (١/ ٢٤٧)، وابن ماجه (٦٧٥).
ــ
وقوله: شكونا إلى رسول الله ﷺ الصلاة في الرمضاء؛ أي: شدة ما يلقون من حرّ الأرض المحماة بالشمس في أقدامهم إذا صَلَّوا.
وقوله: فلم يشكنا؛ أي: لم يسعف طلبنا، ولم يجبنا إلى مطلوبنا، يقال: شكوت إلى فلان: إذا رفعت إليه حاجتك، وأشكيته: إذا نزعت عنه الشكوى. وأشكيته: إذا ألجأته إلى الشكوى، كما قال:
تُشكي المحبَّ وتشكو وهي ظالمة ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان (١)
ويحتمل: أن يكون هذا منه ﷺ قبل أن يؤمر بالإبراد، ويحتمل أن يحمل على أنهم طلبوا زيادة تأخير الظهر على وقت الإبراد فلم يجبهم إلى ذلك. وقد قال ثعلب في قوله: فلم يشكنا: أي: فلم يحوجنا إلى الشكوى، ورخص لنا في الإبراد، حكاه عنه القاضي أبو الفرج، وعلى هذا تكون الأحاديث كلها متواردة على معنى واحد.
стр. 857
[٥٠٦]- وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، فَإِذَا لَم يَستَطِع أَحَدُنَا أَن يُمَكِّنَ جَبهَتَهُ مِنَ الأَرضِ بَسَطَ ثَوبَهُ فَسَجَدَ عَلَيهِ.
رواه البخاري (٣٨٥)، ومسلم (٦٢٠)، وأبو داود (٦٦٠)، وابن ماجه (١٠٣٣).
* * *
(٦٨) باب تعجيل صلاة العصر
[٥٠٧]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي العَصرَ وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ حَيَّةٌ،
ــ
وقول أنس: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر؛ ليس فيه دليل على أنه ﷺ كان لا يبرد، بل قد توجد سَورةُ الحر وشدته بعد الإبراد، إلا أنها أخف مما قبله، والله تعالى أعلم.
وقوله: فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه: مما يدل على الصلاة على البُسُط والثياب؛ لا سيما عند الضرورة والمشقة، وعلى أن العمل القليل في الصلاة لا يفسدها.
(٦٨) ومن باب: تعجيل صلاة العصر
قوله: كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حيّة، قال الخطابي: حياتها صفاء لونها قبل أن تصفر أو تتغير، وهذا مثل قوله: بيضاء نقيّة. وقال غيره: حياتها: بقاء حرها.
стр. 858
فَيَذهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى العَوَالِي، فَيَأتِي وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ. - وفِي روايةٍ: إِلَى قُبَاءٍ -.
رواه البخاري (٥٥٠)، ومسلم (٦٢١) (١٩٢ و ١٩٣)، وأبو داود (٤٠٤ - ٤٠٦)، والنسائي (١/ ٢٥٢ - ٢٥٤)، وابن ماجه (٦٨٢).
[٥٠٨]- وَعَنِ العَلاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، أَنَّه دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بنِ مَالِكٍ فِي دَارِهِ بِالبَصرَةِ حتى انصَرَفَ مِنَ الظُّهرِ، وَدَارُهُ بِجَنبِ المَسجِدِ، فَلَمَّا دَخَلنَا عَلَيهِ قَالَ: أَصَلَّيتُمُ العَصرَ؟ فَقُلنَا لَهُ: إِنَّمَا انصَرَفنَا السَّاعَةَ مِنَ الظُّهرِ. قَالَ: فَصَلَّوُا العَصرَ. فَقُمنَا فَصَلَّينَا، فَلَمَّا انصَرَفنَا، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تِلكَ صَلاةُ المُنَافِقِ، يَجلِسُ يَرقُبُ الشَّمسَ، حَتَّى إِذَا كَانَت بَينَ قَرنَيِ الشَّيطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَربَعًا، لا يَذكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلا قَلِيلا.
رواه أحمد (٣/ ١٠٣ و ١٨٥)، ومسلم (٦٢٢)، وأبو داود (٤١٣)، والترمذي (١٦٠)، والنسائي (١/ ٢٥٤).
ــ
وقوله: فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة. فسر مالك العوالي بثلاثة أميال من المدينة، وقال غيره: هي مفترقة، فأدناها ميلان، وأبعدها ثمانية أميال. قلت: وهذا إنما يتفق في الأيام الطويلة إذا عجلت العصر في أول وقتها. وفي الرواية الأخرى: إلى قباء مكان العوالي، وكلاهما صحيح الرواية والمعنى، فإن قباء من أدنى العوالي، وبينها وبين المدينة ميلان أو نحوهما، قاله الباجي.
وقوله: تلك صلاة المنافقين إشارة إلى صلاة العصر المخرجة عن وقتها. ومعناه: أن الذي يخرجها عن وقتها يشبه فعله ذلك فعل المنافق الذي يتهاون بأمرها، ويضيعها حتى يخرجها عن وقتها؛ ولذلك وصفه بقوله: يجلس
стр. 859
[٥٠٩]- وَعَن أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهلِ قَالَ: صَلَّينَا مَعَ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ الظُّهرَ، ثُمَّ خَرَجنَا حَتَّى دَخَلنَا عَلَى أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، فَوَجَدنَاهُ يُصَلِّي العَصرَ، فَقُلنا: يَا عَمِّ! مَا هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي صَلَّيتَ؟ قَالَ: العَصرُ، وَهَذِهِ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ.
رواه البخاري (٥٤٩)، ومسلم (٦٢٣)، والنسائي (١/ ٢٥٣).
[٥١٠]- وَعَن رَافِعَ بنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي العَصرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تنحَرُ الجَزُورَ، فَتُقسَمُ عَشَرَ قِسَمٍ، ثُمَّ تُطبَخُ، فَنَأكُلُ لَحمًا نَضِيجًا قَبلَ مَغِيبِ الشَّمسِ.
رواه البخاري (٢٤٨٥)، ومسلم (٦٢٥)(١٩٨).
ــ
يرقب الشمس، وهذه عبارة عن عدم مبالاته بها وتضييعه لها، حتى إذا رأى الشمس قد حان غروبها، قام يصليها على ما ذكر رياءً وتلبيسًا. وقد تقدّم القول على قرني الشيطان. وهذا الحديث يدل: على أن آخر وقت إباحة العصر: ما لم تصفر الشمس، وما لم يصر ظل كل شيء مثليه على ما قدمناه.
وقوله: كنا نصلي العصر ثم ننحر الجزور الحديث. هذا وما قبله يدل: على فساد مذهب أبي حنيفة؛ إذ قال: إن أول وقت العصر: إذا صار ظل كل شيء مثليه؛ إذ لا يتسع الوقت على رأيه لمثل هذا الفعل، ولا لأن يأتوا العوالي والشمس مرتفعة، بل يتمكن من مثل هذا كله إذا صُلِّيِت في أول المثل الثاني، وكان النهار طويلا، والله تعالى أعلم.
وقوله: قام فنقرها أربعًا؛ هذا النقر عبارة عن سرعة حركاته في أركان الصلاة في ركوعها وسجودها، وخفة ذلك، بحيث لا يُتم ركوعها ولا سجودها، فشّبهه بنقر الطائر، وهو ذم لمن فعل ذلك. وفيه ردٌّ على من قال: إن الواجب من
стр. 860
[٥١١]- وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الَّذِي تَفُوتُهُ صَلاةُ العَصرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهلَهُ وَمَالَهُ.
رواه البخاري (٥٢٥)، ومسلم (٦٢٦)(٢٠٠)، وأبو داود (٤١٤ و ٤١٥)، والترمذي (١٧٥)، والنسائي (١/ ٢٣٨)، وابن ماجه (٦٨٥).
* * *
ــ
أركان الصلاة ومن الفصل بين أركانها أقل ما ينطلق عليه الاسم؛ لأن من اقتصر على ذلك صدق عليه: أنه نقر الصلاة، فدخل في الذم المترتب على ذلك.
وقوله: لا يذكر الله فيها إلا قليلا؛ أي: لسرعة حركاته فيها، وليرائي بالقليل الذي يذكره عند تخيله من يلاحظه من الناس.
والجزور من الإبل، والجزرة من غيرها: وهو ما يعد من ذلك لِلجَزرِ، وهو الشق والقطع. وتأخير عمر بن عبد العزيز الظهر كان على عادة بني أمية في تأخيرهم الصلوات؛ كما قد أخر عمر العصر حين أنكر عليه عروة، ويحتمل أن يكون ذلك التأخير منه نادرًا لشغل شغله من أمور المسلمين، والله تعالى أعلم.
وقوله: كأنما وتر أهله وماله؛ رويناه: برفع أهله وماله، ونصبهما. فالرفع على أن وتِرَ بمعنى: نُزِعَ وأُخِذَ، ومحمول عليه، فيكون أهله هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وماله معطوف عليه، والنصب: حملٌ لِوُتِرَ على سُلِبَ، وهو يتعدى إلى مفعولين بنفسه؛ تقول: سُلِبَ زيدٌ ثوبَه، فتقيم الأول مقام الفاعل، وتترك الثاني منصوبًا على حاله. وقد اختلفوا في تأويل هذا الحديث، فذهب ابن وهب إلى أن هذا [إنما هو] (١) لمن لم يصلها في الوقت المختار، وقاله
стр. 861
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الداودي. فيكون معناه على هذا: إن ما فاته من الثواب يلحقه عليه من الأسف والحزن مثل ما يلحق من أُخذ ماله وأهله منه. وذهب الأصيلي: إلى أن هذا الفوات إنما هو بغروب الشمس، فيكون معناه على هذا: ما قاله أبو عمر: إنه يكون بمنزلة الذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترًا، فلا يلحقه، فيجتمع عليه غمُّ المصاب، وغمُّ مقاضاة طلب الوتر. وقال الداودي: معناه: أنه يجب عليه من الأسف والاسترجاع مثل الذي يمسه عذاب من وتر أهله وماله؛ لأنه أتى بكبيرة يجب عليه الندم والأسف لأجلها. وقيل: هذا الفوات هو أن يؤخرها إلى أن تصفر الشمس، [وقد روي مفسرًا من رواية الأوزاعي في الحديث؛ قال فيه: وجوابها أن تدخل الشمس] (١) صفرة. وأما تخصيص هذا بالعصر، فقال أبو عمر: يحتمل أن جوابه فيه على سؤال سائل عن العصر، وعلى هذا يكون حكم من فاتته صلاة من الصلوات كذلك. وقيل: خصت بذلك: لكونها مشهودة للملائكة عند تعاقبهم، وعلى هذا يشاركها في ذلك الصبح؛ إذ الملائكة يتعاقبون فيها. وقيل: خصت بذلك [تأكيدًا وحضًّا على المثابرة عليها؛ لأنها صلاة تأتي في وقت اشتغال الناس. وعلى هذا فالصبح أولى بذلك] (٢)؛ لأنها تأتي وقت النوم. ويحتمل أن يقال: إنما خصت بذلك لأنها الصلاة الوسطى، كما سيأتي. وقد جاء في البخاري: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله (٣). قال الداودي: ليس ذلك خاصًّا بالعصر، بل ذلك حكم غيرها من الصلوات. وسيأتي الكلام على الحَبطِ إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 862
(٦٩) باب ما جاء في الصلاة الوسطى
[٥١٢]- عَن عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَ الأَحزَاب: شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الوُسطَى، صَلاةِ العَصرِ - وفي رواية: حتى غابت الشمس -،
ــ
(٦٩) ومن باب: ما جاء في الصلاة الوسطى
قوله: شغلونا عن الصلاة الوسطى: اختلفوا في الصلاة الوسطى، فقيل: هي مبهمة ليُحَافَظَ على الصلوات كلها. وقيل: الجمعة. وقيل: الصلوات الخمس، قاله معاذ، قال: لأنها أوسط الدين. وقال ابن عباس: هي الصبح، ووافقه مالك والشافعي. وقال زيد بن ثابت، وعائشة، وأبو سعيد الخدري: هي الظهر، وقال علي بن أبي طالب: هي العصر، ووافقه أبو حنيفة، وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب. وقال غيره: هي العتمة. وأضعف هذه الأقوال من قال: هي الصلوات كلها؛ لأن ذلك يؤدي إلى خلاف عادة الفصحاء من أوجه:
أحدها: أن الفصحاء لا يذكرون شيئًا مفصلا مبينًا، ثم يذكرونه مجملا، وإنما عادتهم أن يشيروا إلى مجمل أو كلي، ثم يفصلوه؛ كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخلٌ ورُمَّانٌ﴾ وقد قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسطَى﴾ والصلوات: مبيَّن، والصلاة الوسطى: مجمل.
وثانيها: أن الفصحاء لا يطلقون لفظ الجمع ويعطفون عليه أحد مفرداته، ويريدون بذلك المفرد ذلك الجمع، فإن ذلك في غاية العي والإلباس.
وثالثها: أنه لو أراد بالصلاة الوسطى: الصلوات؛ لكان كأنه قال: حافظوا على الصلوات والصلوات. ويريد بالثاني: الأول، ولو كان كذلك لما كان فصيحًا في لفظه، ولا صحيحًا في معناه؛ إذ لا يحصل باللفظ الثاني تأكيد للأول؛ لأنه
стр. 863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معطوف، ولا يفيد معنى آخر، فيكون حشوًا. وحمل كلام الله تعالى على شيء من هذه الثلاثة غير مسوّغ ولا جائز. وسبب اختلاف العلماء القائلين بالتعيين: صلاحية الوسطى لأن يراد بها: التوسطُ في العدد أو في الزمان. فإن راعينا أعداد الركعات، أدّى إلى أنها المغرب؛ لأن [أكثر] (١) أعداد الصلوات أربع ركعات، وأقلها ركعتان، وأوسطها ثلاث، وهي المغرب. وإن راعينا [أعداد الصلوات أنفسها، فما من صلاة إلا وهي متوسطة بين شفعين؛ إذ الصلوات خمس. وإن راعينا] (٢) الأوسط من الزمان؛ كان الأبين: أنها الصبح؛ لأنها بين صلاتي نهار محقق، وهما الظهر والعصر، وبين صلاتي ليل محقق وهما: المغرب والعشاء. فأما وقت الصبح فوقت متردد بين النهار والليل. قلت - والله أعلم -: لا يصلح هذا الذي ذكر أن يكون سببًا (٣) في الخلاف فيها؛ إذ لا مناسبة لما ذكر، لكون هذه الصلاة أفضل أو أوكد من غيرها. أما أعداد الركعات، فالمناسب هو أن تكون الرباعية أفضل؛ لأنها أكثر ركعات وأكثر عمل. والقاعدة: أن ما كثر عمله كثر ثوابه. وأما مراعاة أعداد الصلوات؛ فيلزم منه أن تكون كل صلاة هي الوسطى، وهو الذي أبطلناه، وأيضا فلا مناسبة بين ذلك وبين أكثرية الثواب. وأما اعتبارها من حيث الأزمان فغير مناسب أيضًا؛ لأن نسبة الصلوات إلى الأزمان كلها من حيث الزمانية واحدة، فإن فرض شيء يكون في بعض الأزمان، فذلك لأمر خارج عن الزمان. والذي يظهر لي: أن السبب في اختلافهم فيها: اختلافهم في مفهوم الكتاب والسنة الواردة في ذلك المعنى، ونحن نتكلم على ما ورد في ذلك بحسب ما يقتضيه مساق الكلام وصحيح الأحاديث إن شاء الله تعالى، فنقول: إن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسطَى﴾ هو من باب قوله
стр. 864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخلٌ وَرُمَّانٌ﴾ وقوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ فخص الرُّمّان والنخل، وجبريل وميكال بالذكر؛ وإن كانوا قد دخلوا فيما قيل بحكم العموم تشريفًا وتكريمًا. وإذا كان ذلك كذلك، فلهذه الصلاة المعبر عنها بالوسطى شرفيَّة وفضيلة ليست لغيرها، غير أن هذه الصلاة الشريفة لم يعينها الله تعالى في القرآن، فوجب أن يبحث عن تعيينها في السنّة، فبحثنا عن ذلك فوجدنا ما يعيِّنها. وأصح ما في ذلك: أنها العصر على ما في حديث علي، وأنصّ ذلك ما ذكره الترمذي وصححه. وهو قوله ﵊: الصلاة الوسطى صلاة العصر (١)، وهذا نص في الغرض، غير أنه قد جاء ما يشعث التعويل عليه، وهو ما ذكره البراء بن عازب؛ وذلك أنه قال: نزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسطَى﴾ فلزم من هذا: أنها بعد أن عُيِّنت نُسخ تعيينها وأبهمت، فارتفع التعيين، ولم يمكنا أن نتمسك بالأحاديث المتقدمة، فلما أبهم أمر تعيينها، أخذ العلماء يستدلون على تعيينها بما ظهر لكل واحد منهم بما يناسب الأفضلية. فذهب مالك وأهل المدينة: إلى أن الصبح أولى بذلك؛ لكونها تأتي في وقت نوم وركون إلى الراحة، واستصعاب الطهارة، فتكثر المشقة في المحافظة عليها أكثر من غيرها، فتكون هي الأحق بكونها أفضل. وأيضًا: فإنه وقت يتمكن الإنسان فيه من إحضار فهمه وتفرغه للصلاة؛ لأن علاقات الليل قد انقطعت بالنوم، وأشغال النهار بعد لم تأت؛ ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ قُرآنَ الفَجرِ كَانَ مَشهُودًا﴾؛ أي: يحضره القارئ بفراغ ذهنه، على أحد التأويلات، وهو
стр. 865
مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهُم وَقُبُورَهُم نَارًا، ثُمَّ صَلَاّهَا بَينَ العِشَاءَينِ: بَينَ المَغرِبِ وَالعِشَاءِ.
رواه أحمد (١/ ٨٢ و ١١٣ و ١٢٢)، والبخاري (٢٩٣١)، ومسلم (٦٢٧) (٢٠٤ و ٢٠٥)، وأبو داود (٤٠٩)، والترمذي (٢٩٨٧)، والنسائي (١/ ٢٣٦)، وابن ماجه (٦٨٤).
ــ
أحسنها، وبنحوٍ من هذا يستدل لسائرها من الصلوات، إلا أن الصبح أدخل في هذا المعنى. وعلى الجملة فهذا النحو هو الذي يمكن أن يكون باعثًا لكل من المختلفين على تعيين ما عينه من الصلوات بحسب ما غلب على ظنه من أرجحية ما عُيِّن. والذي يظهر لي بعد أن ثبت نسخ التعيين: أن القول قول من قال: إن الله أخفاها في جملة الصلوات، ليحافظ على الكل، كما فعل في ليلة القدر وساعة الجمعة، والله تعالى أعلم.
وقوله: شغلونا: يحتمل: أنه نسيها لشغله بالعدو، ويحتمل: أن يكونوا لم يمكنوه منها، ولم يفرغوه لفعلها، ويحتمل: أن يكون أخرها قصدًا لأجل شغله بالعدو، وعلى هذا يكون هذا التأخير لأجل القتال مشروعًا، ثم نسخ بصلاة الخوف. وقد ذهب مكحول والشاميون: إلى جواز تأخير صلاة الخوف إذا لم يكن أداؤها معه في الوقت إلى وقت الأمن. والصحيح الذي عليه الجمهور: أن يؤخرها ويصليها على سنتها، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: ثم صلاّها بين العشاءين المغرب والعشاء؛ ظاهر هذا أنه صلى العصر المتروكة بعد أن صلى المغرب، وليس بصحيح بدليل ما جاء في حديث جابر، قال: فصلى رسول الله ﷺ العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (١). وهذا نص. وإنما أراد بقوله: بين العشاءين: بين وقتي العشاءين، فإن
стр. 866
[٥١٣]- وَمِن حَدِيثِ عبد الله، قَالَ: حَبَسَ المُشرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن صَلاةِ العَصرِ حَتَّى احمَرَّتِ الشَّمسُ أَوِ اصفَرَّت، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : شَغَلُونَا. . . . وَذَكَرَ نَحوَهُ.
رواه أحمد (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤)، ومسلم (٦٢٨)، وابن ماجه (٦٨٦).
[٥١٤]- وَعَن أَبِي يُونُسَ - مَولَى عَائِشَةَ أنه قَالَ: أَمَرَتنِي عَائِشَةُ أَن أَكتُبَ لَهَا مُصحَفًا، وَقَالَت: إِذَا بَلَغتَ هَذِهِ الآيَةَ فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسطَى﴾ فَلَمَّا بَلَغتُهَا آذَنتُهَا فَأَملَت
ــ
التأخير كان منه إلى أن غربت الشمس، ثم توضأ، ثم أوقعها بعد الغروب قبل أن يصلي المغرب. وقد روى الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء (١). وبهذه الأحاديث استدل جميع العلماء على أن من فاتته صلوات قضاها مرتبة كما فاتته إذا ذكرها في وقت واحد. واختلفوا إذا صلاة فائتة في ضيقِ وقتِ حاضرة: هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة؟ أو يبدأ بالحاضرة؟ أو يتخير فيقدم أيتها شاء؟ ثلاثة أقوال: وبالأول قال مالك والليث، والزهري. وبالثاني قال الحسن وابن المسيب وفقهاء أصحاب الحديث وأصحاب الرأي والشافعي وابن وهب من أصحابنا. وبالثالث قال أشهب من أصحابنا. وهذا ما لم تكثر الصلوات، فلا خلاف عند جميعهم - على ما حكاه القاضي عياض -: أنه يبدأ بالحاضرة مع الكثرة، واختلفوا في مقدار اليسير، فعن مالك: فقال: إن الخمس فدون من اليسير، وقيل الأربع فدون، ولم يختلف المذهب: أن الست كثير.
стр. 867
عَلَيَّ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسطَى وَصَلاةِ العَصرِ، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. قَالَت عَائِشَةُ: سَمِعتُهَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رواه مسلم (٦٢٩)، وأبو داود (٤١٠)، والترمذي (٢٩٨٦)، والنسائي (١/ ٢٣٦).
[٥١٥]- وعَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ، قَالَ: نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصلاة الوسطى وَصَلاةِ العَصرِ). فَقَرَأنَاهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ فَنَزَلَت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسطَى﴾ فَقَالَ رَجُلٌ - كَانَ جَالِسًا عِندَ شَقِيقٍ -: هِيَ إِذَن صَلاةُ العَصرِ؟ فَقَالَ البَرَاءُ: قَد أَخبَرتُكَ كَيفَ نَزَلَت، وَكَيفَ نَسَخَهَا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعلَمُ.
رواه أحمد (٤/ ٣٠١)، ومسلم (٦٣٠).
* * *
ــ
وقوله في حديث عائشة ﵂: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، هكذا ثبتت الرواية بالواو في صلاة العصر. وقيل فيها: إنها زائدة، كما زيدت في قول الشاعر (١):
فلما أَجَزنا ساحَةَ الحَيِّ وانتَحى (٢) ... . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: فلما أجزنا ساحة الحي انتحى، فإذا قدرنا زيادتها كانت صلاة العصر الصلاة الوسطى، كما جاء في حديث عليّ المتقدم. وهذا الذي سمعته عائشة، وأمرت بكتبه في المصحف كان على القراءة المتقدمة التي أخبر بها البراء أنها
стр. 868
(٧٠) باب من فاتته صلوات كيف يقضيها ؟
[٥١٦]- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ - يَومَ الخَندَقِ - جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا كِدتُ أَن أُصَلِّيَ العَصرَ حَتَّى كَادَت أَن تَغرُبَ الشَّمسُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَوَاللَّهِ إِن صَلَّيتُهَا: فَنَزَلنَا إِلَى بُطحَانَ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتَوَضَّأنَا، فَصَلَّى
ــ
نسخت على ما نص، والله تعالى أعلم. وقد اتفق المسلمون كافة على أن قولها: وصلاة العصر، ليس قرآنًا اليوم يتلى، وإنما هي رواية شاذة انفردت بها وبرفعها إلى النبي ﷺ ، وغايتها أن تكون خبرًا؛ إلا أنها قد رفعتها وأسندتها. والله تعالى أعلم.
وقد تقدم القول في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقول البراء للسائل: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله .... يظهر منه تردُّد، لكن في ماذا؟ هل نُسخ تعيينها فقط وبقيت هي الوسطى؟ أو نُسخ كونها وسطى؟ في هذا تردد. والله تعالى أعلم، وإلا فقد أخبر بوقوع النسخ.
(٧٠) ومن باب: من فاتته صلوات كيف يقضيها؟
قول عمر: ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس؛ معناه: ما قاربت صلاة العصر إلى أن قارب غروب الشمس.
وقوله ﷺ : فوالله إن صليتها يقوِّي قول من قال: إنه كان ناسيًا، وإِن بمعنى: ما. وبطحان: وادٍ بالمدينة. ورويناه بضم الباء وسكون الطاء، وبفتح الباء وكسر الطاء، وهو صوابه عند أهل اللغة. وقد تقدم الكلام (١) على قضاء الفوائت في الباب الذي قبله.
стр. 869
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصرَ بَعدَمَا غَرَبَتِ الشَّمسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعدَهَا المَغرِبَ.
رواه أحمد (٣/ ١٢٩)، والبخاري (٥٩٨)، ومسلم (٦٣١)، والترمذي (١٨٠)، والنسائي (٣/ ٨٤).
* * *
(٧١) باب المحافظة على الصبح والعصر
[٥١٧]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَتَعَاقَبُونَ فِيكُم مَلائِكَةٌ بِاللَّيلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الفجر وَصَلاةِ العَصرِ، ثُمَّ يَعرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُم، فَيَسأَلُهُم رَبُّهُم - وَهُوَ أَعلَمُ بِهِم -: كَيفَ تَرَكتُم عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكنَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ وَأَتَينَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ.
ــ
(٧١) ومن باب: المحافظة على الصبح والعصر
قوله: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، وهذه الواو في يتعاقبون فيكم علامة للفاعل المذكر المجموع، وهي لغة بني الحارث؛ وهي أنهم يلحقون علامة للفاعل المثنى والمجموع، وهم القائلون: أكلوني البراغيث، وهي لغة معروفة فاشية، وعليه حمل الأخفش قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ومن هذا قول الشاعر (١):
ولكن دِيَافِيٌّ أبوه وأمُّه ... بِحَورَانَ يَعصِرنَ السَّلِيطَ أقارِبُه (٢)
стр. 870
رواه أحمد (٢/ ٤٨٦)، والبخاري (٧٤٢٩)، ومسلم (٦٣٢)، والنسائي (١/ ٢٤٠ - ٢٤١).
[٥١٨]- وَعَن جَرِيرَ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُم سَتَرَونَ رَبَّكُم كَمَا تَرَونَ هَذَا القَمَرَ لا تُضَامُونَ فِي رُؤيَتِهِ، فَإِنِ استَطَعتُم أَلا تُغلَبُوا عن صَلاةٍ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُرُوبِهَا. يَعنِي: العَصرَ وَالفَجرَ، ثُمَّ قَرَأَ
ــ
وقد تعسَّف بعض النحويين في تأويلها وردّوها للبدل، وهو تكلف مستغنى عنه، مع أن تلك اللغة مشهورة، لها وجه من القياس واضح يعرف في موضعه. ومعنى التعاقب: إتيان طائفة بعد أخرى، فكأن الثانية تأتي عقيب الأولى. وهؤلاء الملائكة: إن كانوا هم الحفظة، فسؤال الله لهم بقوله: كيف تركتم عبادي؟ إنما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكَتبِهم إياها عليهم. وعلى أنهم هم الحفظة؛ مذهب الجمهور، وإن كانوا غيرهم - وهو الأظهر عندي -، فسؤاله تعالى لهم: إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا﴾ وإظهارًا لما سبق في معلومه إذ قال لهم: ﴿إِنِّي أَعلَمُ مَا لا تَعلَمُونَ﴾ وهذه حكمة اجتماعهم في صلاة الفجر والعصر، والله تعالى أعلم. أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادتهم لهم؛ ولذلك قالوا: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون. وهذا من خفي لطفه ﵎، وجميل ستره؛ إذ أطلعهم بكرمه عليهم حالة عباداتهم، ولم يطلعهم عليهم ولا جمعهم لهم في حال خلواتهم بلذاتهم وانهماكهم في معاصيهم وشهواتهم، فسبحانه من حليم كريم جليل؛ إذ ستر القبيح وأظهر الجميل. وقد تقدم الكلام على رؤية الله تعالى، وعلى قوله: لا تضامُّون.
وقوله: إن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها - يعني: الفجر والعصر -، قال المهلّب: لا تغلبوا؛ أي: على شهودها في
стр. 871
جَرِيرٌ: ﴿وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُرُوبِهَا﴾
رواه أحمد (٤/ ٣٦٢)، والبخاري (٥٧٣)، ومسلم (٦٣٣)(٢١١).
[٥١٩]- وَعَن عُمَارَةَ بنِ رُؤَيبَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَن يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُرُوبِهَا. يَعنِي: الفَجرَ وَالعَصرَ.
رواه أحمد (٤/ ١٣٦)، ومسلم (٦٣٤)(٢١٣)، وأبو داود (٤٢٧)، والنسائي (١/ ٢٤١).
[٥٢٠] وعنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن صَلَّى البَردَينِ دَخَلَ الجَنَّةَ.
رواه أحمد (٤/ ٨٠)، والبخاري (٥٧٤)، ومسلم (٦٣٥).
* * *
ــ
الجماعة. وقراءة جرير في هذا الموضع: ﴿وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُرُوبِهَا﴾ يشعر بأن قوله: فسبِّح، بمعنى: فصلِّ في هذين الوقتين.
وقوله: لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، يعني: الفجر والعصر؛ أي: لن يدخل النار من عاهد وحافظ على هاتين الصلاتين؛ ببركة المداومة عليهما، والله أعلم.
وقوله: من صلى البردين دخل الجنة؛ قال كثير من العلماء: هما الفجر والعصر، وسُمِّيا بذلك لأنهما يفعلان في وقت البرد.
стр. 872
(٧٢) باب تعجيل صلاة المغرب
[٥٢١]- عَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي المَغرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمسُ وَتَوَارَت بِالحِجَابِ.
رواه البخاري (٥٦١)، ومسلم (٦٣٦)، وأبو داود (٤١٧)، والترمذي (١٦٤)، وابن ماجه (٦٨٨).
[٥٢٢]- وَعَن رَافِعَ بنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي المَغرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبصِرُ مَوَاقِعَ نَبلِهِ.
رواه أحمد (٤/ ١٤٢)، والبخاري (٥٥٩)، ومسلم (٦٣٧)، وابن ماجه (٦٨٧).
* * *
ــ
(٧٢) ومن باب: تعجيل صلاة المغرب
قوله: إذا غربت الشمس؛ أي: ساعة تغرب، وهذا يدل على تأهبه لها قبل وقتها، ومراقبة وقتها.
وقوله: وتوارت بالحجاب؛ أي: استترت بما يحجبها عن الأبصار، ويعني به: غيبوبة جرم الشمس. وقد تقدم حكاية إجماع الأمة على استحباب تعجيلها، ولذلك قال ﷺ : لا تزال أمتي بخير - أو قال: على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم (١).
وقوله: وإنه ليبصر مواقع نبله؛ أي: حيث يقع. وهذا يدل على تعجيل المغرب، وأنه ﷺ كان لا يطولها.
стр. 873
(٧٣) باب تأخير العشاء الآخرة
[٥٢٣]- عَن عَائِشَةَ قَالَت: أَعتَمَ النبي ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيلِ وَحَتَّى نَامَ أَهلُ المَسجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، فَقَالَ: إِنَّهُ لَوَقتُهَا لَولا أَن أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي.
وفي رواية: لولا أن يشق.
رواه أحمد (٦/ ١٥٠)، والبخاري (٥٦٩)، ومسلم (٦٣٨)(٢١٩)، والنسائي (١/ ٢٦٧).
ــ
(٧٣) ومن باب: تأخير العشاء الآخرة
[قول عائشة: أعتم النبي ﷺ ذات ليلة؛ أي: أخر العشاء الآخرة إلى عتمة الليل] (١) وهي ظلمته -. وذات ليلة؛ أي: ليلة من الليالي. وهذا يدل: على أن غالب أحواله كان يقدمها رفقًا بهم، ولئلا يشق عليهم؛ كما قال في آخر هذا الحديث. وقال الخطابي: إنما أخرهم [ليقل حظ النوم، وتطول مدة الصلاة، فيكثر أجرهم] (٢)؛ لأنهم في صلاة ما داموا ينتظرون الصلاة. وقال بعض الحكماء (٣): النوم المحمود مقدار ثمان ساعات.
وقوله: إنه لوقتها؛ يعني: الأفضل، ولهذا وشبهه قال مالك: إن تأخير العشاء أفضل. وقيل عنه: تعجيلها أفضل أخذًا بالتخفيف؛ ولأن التعجيل كان
стр. 874
[٥٢٤]- وَعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: مَكَثنَا لَيلَةً نَنتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِصَلاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَينَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيلِ أَو بَعدَهُ، فَلا نَدرِي أَشَيءٌ شَغَلَهُ فِي أَهلِهِ أَو غَيرُ ذَلِكَ، فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: إِنَّكُم لَتَنتَظِرُونَ صَلاةً مَا يَنتَظِرُهَا أَهلُ دِينٍ غَيرُكُم، وَلَولا أَن يَثقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيتُ بِهِم هَذِهِ السَّاعَةَ، ثُمَّ أَمَرَ المُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلاةَ وَصَلَّى.
وَفِي رِوَايَةٍ: شُغِلَ عَنهَا لَيلَةً فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدنَا فِي المَسجِدِ، ثُمَّ استَيقَظنَا، ثُمَّ رَقَدنَا، ثُمَّ استَيقَظنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . . وذكر نحوه.
رواه أحمد (٢/ ٨٨)، والبخاري (٥٧٠)، ومسلم (٦٣٩)، وأبو داود (٤٢٠)، والنسائي (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
ــ
غالب أحوال رسول الله ﷺ فيها. وقد اختار بعض أصحابنا تقديمها إذا اجتمعوا، وتأخيرها إذا أبطؤوا؛ أخذًا بحديث جابر الآتي.
وقوله في حديث ابن عمر: مكثنا ليلة؛ أي: لبثنا وأقمنا ننتظر.
وقوله: فلا ندري! أشيء شغله (١) في أهله أو غير ذلك؟ وقال في الرواية الأخرى: شغل عنها ليلة، قيل: إنه جهز جيشًا.
وقوله: فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا: يعني به: نوم الجالس المحتبي وخطرات السِّنَات (٢)، لا نوم الاستغراق، كما قال في الحديث الآخر: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون حتى تخفق رؤوسهم، ثم
стр. 875
[٥٢٥]- ومن حَدِيثِ عَائِشَة: فَلَم يَخرُج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . . وذكر نحوه. وَفِيهِ: قَالَ ابنُ شِهَابٍ: وَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَمَا كَانَ لَكُم أَن تَنزُرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ على الصَّلاةِ. وَذَلِكَ حِينَ صَاحَ عُمَرُ.
رواه مسلم (٦٣٨)(٢١٨).
[٥٢٦]- وَعَن ثَابِتٍ، أَنَّهم سَأَلُوا أَنَسًا عَن خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِشَاءَ ذَاتَ لَيلَةٍ إِلَى شَطرِ اللَّيلِ، أَو كَادَ يَذهَبُ شَطرُ
ــ
يصلون ولا يتوضؤون (١). وقد تقدم القول في النوم في كتاب الطهارة.
وقوله ﷺ : وما كان لكم أن تبرزوا رسول الله ﷺ : رواه الرازي بالباء، وتقديم الراء، وضم التاء، وكسر الراء: من الإبراز، وهو الإخراج، ورواه سائر الرواة: تنزروا بفتح التاء، وبالنون، وتقديم الزاي، وضمها، وهو الصحيح (٢)، ومعناه: الإلحاح عليه في الخروج، وهذا إنما قاله ﷺ مؤدبًا لهم ومعلمًا لما صاح عمر: نام النساء والصبيان، والله تعالى أعلم.
وقوله: أخر رسول الله ﷺ العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل - أو كاد يذهب شطر الليل -؛ أي: نصف الليل. وهذا كقوله في حديث ابن عمرو: ووقت العشاء مغيب الشفق إلى نصف الليل (٣)، فكلاهما حجة لما صار إليه ابن حبيب من أن آخر وقت العشاء الآخرة نصف الليل.
стр. 876
اللَّيلِ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَد صَلَّوا وَنَامُوا، وَإِنَّكُم لَن تَزَالُوا فِي صَلاةٍ مَا انتَظَرتُمُ الصَّلاةَ.
قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ في يده مِن فِضَّةٍ، وَرَفَعَ إِصبَعَهُ اليُسرَى بِالخِنصِرِ.
رواه البخاري (٥٧٢)، ومسلم (٦٤٠)(٢٢٢)، والنسائي (١/ ٢٦٨)، وابن ماجه (٦٩٢).
[٥٢٧]- وَعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ نَحوًا مِن صَلاتِكُم، وَكَانَ يُؤَخِّرُ العَتَمَةَ بَعدَ صَلاتِكُم شَيئًا، وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلاةِ.
رواه مسلم (٦٤٣)(٢٢٧).
[٥٢٨]- وعَنِ عبد الله بنِ عُمَرَ، قَالَ: سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: لا تَغلِبَنَّكُمُ الأَعرَابُ عَلَى اسمِ صَلاتِكُم أَلا إِنَّهَا العِشَاءُ، وَهُم يُعتِمُونَ بِالإِبِلِ.
ــ
وقوله: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه في يده من فضة، الوبيص: البريق، وهو دليل على جواز اتخاذ خاتم الفضة، وعلى جعله في اليد اليسرى، وهو الأفضل. والأحسن عند مالك، وسيأتي الكلام على ذلك.
وقوله ﷺ : لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء (١). الأعرابي: من كان من أهل البادية. والعربي: منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويًّا. وهذا
стр. 877
وَفِي رِوَايةٍ: فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ العِشَاءُ، وَإِنَّهَا تُعتِمُ بِحِلابِ الإِبِلِ.
رواه أحمد (٢/ ١٠ و ١٩)، ومسلم (٦٤٤)، وأبو داود (٤٩٨٤)، والنسائي (١/ ٢٧٠)، وابن ماجه (٧٠٤).
* * *
ــ
النهي عن اتباع الأعراب في تسميتهم العشاء: عتمة إنما كان لئلا يعدل بها عما سماها الله تعالى به في كتابه؛ إذ قال: ﴿وَمِن بَعدِ صَلاةِ العِشَاءِ﴾ فكأنه إرشاد إلى ما هو الأولى، وليس على جهة التحريم، ولا على أن تسميتها العتمة لا يجوز. ألا ترى أنه قد ثبت أن النبي ﷺ قد أطلق عليها ذلك؛ إذ قال: ولو يعلمون ما في العتمة والصبح (١)، وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر وابن عباس ﵃. وقيل: إنما نهى عن ذلك تنزيهًا لهذه العبادة الشريفة الدينية عن أن يطلق عليه ما هو اسم لفعلة دنيوية؛ وهي الحَلبَةُ التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت ويسمونها: العتمة. ويشهد لهذا قوله: وإنها تُعتِمُ كلاب الإبل. قلت: يظهر لي أن المقصود من هذا النهي، ومن قوله: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب (٢): ألا نتبع الأعراب في تسميتهم هاتين الصلاتين بذلك؛ لأنهم لم يقتدوا في تسميتها، لا بما جاء في كتاب الله - من تسميتها العشاء -، ولا بما جاء في السنة - من تسميتها بالمغرب -؛ إذ قد ثبت في غير ما حديث تسميتها: بالمغرب، كما جاء في حديث جبريل وغيره، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 878
(٧٤) باب التغليس بصلاة الصبح
[٥٢٩]- عَن عَائِشَةَ، قَالَت: إِن كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبحَ، فَيَنصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعرَفنَ مِنَ الغَلَسِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: مُتَلَفِّفَاتٍ.
رواه أحمد (٦/ ٣٣)، والبخاري (٥٨٧)، ومسلم (٦٤٥)(٢٣٢)، وأبو داود (٤٢٣)، والترمذي (١٥٣)، والنسائي (١/ ٢٧١)، وابن ماجه (٦٦٩).
ــ
(٧٤) ومن باب: التغليس بصلاة الصبح
قوله: متلفعات بمروطهن؛ كذا الرواية الصحيحة بالفاء والعين المهملة، من التلفع، وهو تغطية الرأس والجسد. وقد وقع لبعض رواة الموطأ: متلففات؛ أي: متغطيات. والمروط جمع مِرط بكسر الميم، وهو الكساء.
وقوله: ما يعرفن من الغلس؛ هو بقايا ظلمة الليل يخالطها بياض الفجر، قاله الأزهري. وقال الخطابي: الغبش - بالباء والشين المعجمة - قبل الغَبَس - بالسين المهملة - وبعده الغلس - باللام - وكلها في آخر الليل، ويكون الغبش في أول الليل [أيضا] (١).
وقوله: ما يعرفن؛ أي: هُنّ نساء أم رجال. وقيل: لا تُعرف أعيانهن وإن عرف أنهن نساء، وإن كن متكشفات الوجوه. وهذا يدل على أن الغالب من صلاة رسول الله ﷺ الصبح إنما كان في أول الوقت، وكذا قال ابن عباس: ثم كانت
стр. 879
[٥٣٠]- وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ الله، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهرَ بِالهَاجِرَةِ، وَالعَصرَ وَالشَّمسُ نَقِيَّةٌ، وَالمَغرِبَ إِذَا وَجَبَت، وَالعِشَاءَ أَحيَانًا يُؤَخِّرُهَا، وَأَحيَانًا يُعَجِّلُ، كَانَ إِذَا رَآهُم قَدِ اجتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُم قَد أَبطَؤُوا أَخَّرَ، وَالصُّبحَ كَانُوا، (أَو قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ) يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ.
رواه أحمد (٣/ ٣٦٩)، والبخاري (٥٦٠)، ومسلم (٦٤٦)(٢٣٣)، وأبو داود (٣٩٧)، والنسائي (١/ ٢٦٤).
[٥٣١]- وعن أَبَي بَرزَةَ، قَالَ: كَان رَسُولِ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمسُ، وَالعَصرَ يَذهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقصَى المَدِينَةِ وَالشَّمسُ حَيَّةٌ. قَالَ: وَالمَغرِبَ لا أَدرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ. وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبحَ، فَيَنصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَنظُرُ إِلَى وَجهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعرِفُ فَيَعرِفُهُ. وَكَانَ يَقرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ.
ــ
صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، لم يعد إلى أن يسفر (١). ويفيد هذا أن صلاة الصبح في أول وقتها أفضل، وهو مذهب مالك والشافعي وعامة (٢) العلماء، خلا (٣) الكوفيين، فإن آخر وقتها عندهم أفضل.
وقوله: والمغرب إذا وجبت؛ أي: سقطت - يعني الشمس -، ومنه: وَجَبَ الحائط؛ أي: سقط.
وقوله: والشمس حيَّة؛ أي: بيضاء لم تدخلها صفرة. وقيل: أي لم تذهب حرارتها.
стр. 880
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤَخِّرُ العِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيلِ، وَيَكرَهُ النَّومَ قَبلَهَا، وَالحَدِيثَ بَعدَهَا.
رواه البخاري (٥٤٧)، ومسلم (٦٤٧) (٢٣٥ و ٢٣٧)، وأبو داود (٣٩٨)، والنسائي (١/ ٢٤٦).
* * *
ــ
وقوله: وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها. أما كراهة النوم قبلها؛ فلما يخاف من غلبة النوم، فيفوت وقتها، أو أفضل وقتها المستحسن، وقال بهذا جماعة؛ منهم: ابن عمر، وابن عباس، وغيرهم [وهو مذهب مالك، ورخص فيه بعضهم؛ منهم: علي، وأبو موسى، وغيرهم] (١). وهو مذهب الكوفيين، واشترط بعضهم: أن يجعل معه من يوقظه للصلاة، وروي عن ابن عمر مثله، وإليه ذهب الطحاوي. وأما كراهة الحديث بعدها؛ فلما يؤدي إليه من السهر، ومخافة غلبة النوم آخر الليل، فينام عن قيام آخر الليل، وربما ينام عن صلاة الصبح.
قلت: ويظهر لي: أن كراهة ذلك إنما هو لَمَّا أن الله جعل الليل سكنًا - أي: يسكن فيه -، فإذا تحدث الإنسان فيه فقد جعله كالنهار الذي هو متصرّف المعايش، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده. وقيل: يكره ذلك؛ لئلا نلغو في كلامنا، أو نخطئ فيه، فيختم عملنا بعمل سيئ، أو بقول سيئ. والنوم أخو الموت (٢)، أو لعله يكون فيه الموت، والله تعالى أعلم. وقيل: كره ذلك لتراح الكتبة الكرام. وقد كان بعض السلف يقول لمن أراد أن يتحدث بعد العشاء: أريحوا الكَتَبَة. وهذه الكراهة تختص بما لا يكون من قبيل القُرَبِ، والأذكار، وتعلم العلم، ومسامرة أهل العلم، وتعلم المصالح وما شابه ذلك. فقد ورد عن النبي ﷺ ، وعن السلف ما يدل على جواز ذلك، بل على ندبيته، والله تعالى أعلم.