. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم اختلفوا في موضعه؛ فالمشهور عن مالك قبل الركوع، وهو قول إسحاق وابن أبي ليلى وعمر بن عبد العزيز، وروي عن علي وعمر وابن مسعود وجماعة من الصحابة والتابعين التخيير في ذلك، ثم اختُلِف هل يكبر له؟ وهل يرفع يديه إذا دعا فيه؟ ومالك لا يرى شيئًا من ذلك.
ثم اختلف القائلون بالقنوت في الفجر؛ هل يقنت في الوتر؟ فقيل: يقنت في وتر السَّنَةِ كلها، وهو قول ابن مسعود والحسن والنخعي وإسحاق وأبي ثور، وقال قتادة: يقنت في السنة كلها إلا في النصف الأول من رمضان. وقالت طائفة: لا يقنت في الوتر جملة - وهو مروي عن ابن عمر وطاووس، وهي رواية المصريين عن مالك. وروي عن علي وأُبَيّ وابن عمر وجماعة من السلف، وهي رواية ابن وهب عن مالك أنه يقنت في النصف الآخر من رمضان من ليلة ست عشرة، وقيل: خمس عشرة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وعن أبي حنيفة: لا يقنت إلا في وتر رمضان فقط. ثم اتفقوا على أنه لا يتعين في القنوت دعاء مؤقت إلا ما روي عن بعض أهل الحديث في تخصيصهم بقنوت مصحف أُبي بن كعب المرويّ أن جبريل عَلَّمه النبي ﷺ ؛ وهو: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. . . (١) إلى آخره، وأنه لا يصلى خلف من لا يقنت بذلك، واستحبه مالك، واستحب الشافعي القنوت بالدعاء المروي عن الحسن بن علي عن النبي ﷺ : اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت. . . (٢) إلى آخره، وقد اختار بعض شيوخنا البغداديين الجمع بينهما، وهو قول إسحاق والحسن بن
стр. 912
وَلَكَ الحَمدُ. ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: اللهمَّ أَنجِ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالمُستَضعَفِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ، اللهمَّ اشدُد وَطأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجعَلهَا عَلَيهِم كَسِنِي يُوسُفَ، اللهمَّ العَن لِحيَانَ وَرِعلا وَذَكوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ! ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا أُنزِلَت: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ أَو يَتُوبَ عَلَيهِم أَو يُعَذِّبَهُم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ﴾
ــ
حَيّ (١)، وسبب الخلاف فيما ذُكر اختلاف الأحاديث، وهل كان ذلك مخصوصًا بالنبي ﷺ أم لا؟
وقوله اللهم أنج الوليد. . . إلى آخره، أَنج: من النجاة، والهمزة للتعدية، وقد عُدِّي بالتضعيف، وأصله من النجوة وهو المرتفع من الأرض، وهؤلاء المدعو لهم هم قوم من أهل مكة أسلموا، ففتنهم أهل مكة وعذبوهم، وبعد ذلك نجوا منهم وهاجروا إلى النبي ﷺ .
وقوله واجعلها عليهم كَسِنِيّ يوسف؛ يعني به قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأتِي مِن بَعدِ ذَلِكَ سَبعٌ شِدَادٌ يَأكُلنَ مَا قَدَّمتُم لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحصِنُونَ﴾ فاستجيب له ﷺ فأجدبوا سبعًا أكلوا فيها كل شيء، حتى أكلوا الميتة والعظام، وكان الواحد منهم يرى بينه وبين السماء دخانًا من شدة الجوع والضعف، حتى جاء أبو سفيان فكلم النبي ﷺ فدعا لهم فسُقُوا على ما ذكرناه عن ابن مسعود في كتاب التفسير.
ولَحيَان ورِعل وذَكوان وعُصَيَّة قبائل من العرب قَتلوا أصحاب بئر مَعُونة، وهم السبعون القُرَّاء، وكان من حديثهم أن أبا بَرَاء الكلابي - ويعرف بملاعب الأَسِنَّة - سأل عن النبي ﷺ أن يوجه معه رجالا من أصحابه إلى قومه بنجد يدعونهم إلى الله ويعرضون عليهم الإسلام، فقال له رسول الله ﷺ : إني
стр. 913
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: ثُمَّ رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعدُ، فَقُلتُ: أُرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ قَد تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُم. قَالَ: فَقِيلَ: وَمَا تُرَاهُم قَد قَدِمُوا؟
وَفِي رِوَايَةٍ أنه ﵊ قَنَتَ بَعدَ الرُّكُعةِ فِي صَلاةِ الفَجرِ شَهرًا إذا قَالَ سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَه.
رواه البخاري (١٠٠٦)، ومسلم (٦٧٥)، وأبو داود (٨٣٦)، والنسائي (٢/ ٢٣٣)، وابن ماجه (١٢٤٤).
ــ
أخاف عليهم أهل نجد! فقال له أبو براء: أنا لهم جار! فبعثهم رسول الله ﷺ معه، فلما مروا ببني عامر استصرخ عليهم عدو الله عامر بن الطفيل تلك القبائل التي دعا عليهم رسول الله ﷺ ، وهم من بني سليم، فأجابوه فقتلوهم، ولم ينج منهم إلا عمرو بن أمية الضمري، فحزن عليهم النبي ﷺ حزنًا شديدًا، فإنه لم يُصب بمثلهم، وكانوا من خيار المهاجرين ﵃ (١).
وفي هذا الحديث من الفقه: جواز الدعاء على معين وله، وجواز الدعاء بغير ألفاظ القرآن في الصلاة، وهو حجة على أبي حنيفة في منعه ذلك كله فيها، ولا خلاف في جواز لعن الكفرة والدعاء عليهم. واختلفوا في جواز الدعاء على أهل المعاصي؛ فأجازه قوم، ومنعه آخرون وقالوا: يُدعَى لهم بالتوبة لا عليهم. وقيل: إنما يدعى على أهل الانتهاك في حين فعلهم ذلك، وأما في إدبارهم فيدعى لهم بالتوبة (٢).
قلت: والذي استقر عليه أمر رسول الله ﷺ في القنوت ما رواه الدارقطني
стр. 914
[٥٦٢]- وعَن أَبِي سَلَمَةَ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: وَالله لأُقَرِّبَنَّ بِكُم صَلاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ! فَكَانَ أَبُو هُرَيرَةَ يَقنُتُ فِي الظُّهرِ وَالعِشَاءِ الآخِرَةِ وَصَلاةِ الصُّبحِ، وَيَدعُو لِلمُؤمِنِينَ وَيَلعَنُ الكُفَّارَ.
رواه البخاري (٧٩٧)، ومسلم (٦٧٦)، وأبو داود (١٤٤٠)، والنسائي (٢/ ٢٠٢).
[٥٦٣]- وعَنِ البَراءِ بنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقنُتُ فِي الصُّبحِ وَالمَغرِبِ.
رواه أحمد (٤/ ٢٨)، ومسلم (٦٧٨)(٣٠٥)، والترمذي (٤٠١)، والنسائي (٢/ ٢٠٢).
[٥٦٤]- وعَن أَنَسٍ وُسئِلَ عَنِ القُنُوتِ قَبلَ الرُّكُوعِ أَو بَعدَه؟ فَقَالَ: قَبلَ الرُّكُوعِ. فَقِيلَ: فَإِنَّ نَاسًا يَزعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَنَتَ بَعدَ الرُّكُوعِ! قَالَ: إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهرًا.
- وفي رواية: بَعدَ الرُكُوعِ في صَلاةِ الفَجرِ يَدعُو عَلَى أُنَاسٍ قَتَلُوا أُنَاسًا مِن أَصحَابِهِ يُقَالُ لَهُمُ القُرَّاءُ.
رواه أحمد (١٦٧/ ٣)، والبخاري (١٣٠٠)، ومسلم (٦٧٧) (٢٩٩ و ٣٠١)، وأبو داود (١٤٤٤ و ١٤٤٥)، والنسائي (٢/ ٢٠٠)، وابن ماجه (١١٨٤).
* * *
ــ
بإسناد صحيح عن أنس أنه قال: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا (١). والله أعلم.
стр. 915
(٨٧) باب من نام عن صلاة أو نسيها
[٥٦٥]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ قَفَلَ مِن غَزوَةِ خَيبَرَ سَارَ لَيلَهُ حَتَّى إِذَا أَدرَكَهُ الكَرَى عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلالٍ: اكلأ لَنَا اللَّيلَ! فَصَلَّى بِلالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الفَجرُ استَنَدَ بِلالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الفَجرِ، فَغَلَبَت بِلالا عَينَاهُ وَهُوَ مُستَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَم يَستَيقِظ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلا بِلالٌ وَلا أَحَدٌ مِن أَصحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتهُمُ
ــ
(٨٧) ومن باب: من نام عن صلاة أو نسيها
قوله حين قفل من غزوة خيبر؛ أي رجع، قال الأصيلي: خيبر غلط، وإنما هو حنين، ولم يَعترِ ذلك النبي ﷺ إلا مرة واحدة حين قفل من حنين إلى مكة. وقال الباجي وابن عبد البر: قول ابن شهاب من خيبر أصحّ، وهو قول أهل السير. وفي حديث ابن مسعود أن نومه ذلك كان عام الحديبية، وذلك في زمن خيبر، وعليه يدل حديث أبي قتادة. قال غيره: وذلك بطريق مكة، وهو طريق لمكة لمن شاء. قال أبو عمر: في هذه الأحاديث ما يدل على أن نومه كان مرة واحدة، ويحتمل أن يكون مرتين. قال عياض: أما حديث أبي قتادة فلا مرية أنه غير حديث أبي هريرة، وكذلك حديث عمران بن حصين.
والكَرَى النوم، وعرّس نزل آخر الليل - قاله الخليل، وقال أبو زيد: التعريس النزول أيّ وقت كان من ليل أو نهار. وفي الحديث: يعرسون في نحر الظهيرة (١). واكلأ أي احفظ، ومنه كلأك الله أي حفظك، وهذا إنما كان من النبي ﷺ بعد أن طلبوا ذلك منه، كما قال البخاري: إنهم طلبوا التعريس منه فقال: أخاف أن تناموا!
стр. 916
الشَّمسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوَّلَهُمُ استِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَي بِلالُ! فَقَالَ بِلالٌ: أَخَذَ بِنَفسِي الَّذِي أَخَذَ - بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي
ــ
فقال بلال: أنا أوقظكم. فحينئذ عرّس بهم، ووكّل بلالا بحفظ الفجر.
وقوله ففزع رسول الله ﷺ اختلف في هذا الفزع وفي سببه؛ فقال الأصيلي: كان لأجل عدوهم أن يكون اتبعهم فيجدهم على غرة. وقال غيره: لما فاتهم من أمر الصلاة ولم يكن عندهم حكم من ذلك. وقد دل على هذا قولهم: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا؟ وهذا بيِّن في حقهم. وقد يكون الفزع بمعنى مبادرتهم إلى الصلاة، كما قال فافزعوا إلى الصلاة؛ أي: بادروا إليها. وقد يكون فزع النبي ﷺ إجابة الفزعين من أصحابه وإغاثتهم لما نزل بهم، يقال فَزِعتُ استغثت، وفَزَعت أَغَثتُ.
وقوله أي بلال! ، كذا عند أكثر الرواة بـ أي التي للنداء، وعند العذري والسمرقندي أين بلال؟ بأين الظرفية.
وقول بلال أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك على طريق العذر مما كان تكفل به كما قدمناه من رواية البخاري، والنفس هنا هي التي تتوفى بالنوم وبالموت، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوتِهَا وَالَّتِي لَم تَمُت فِي مَنَامِهَا﴾ وهي التي تخرج من البدن حالة الموت، كما قال تعالى: ﴿أَخرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾ وهي المناداة بقوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفسُ المُطمَئِنَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فَادخُلِي فِي عِبَادِي﴾ وقد عبر عنها في الموطأ في هذا الحديث بالروح فقال: قال رسول الله ﷺ : إن الله قبض أرواحنا، ولو شاء لردَّها إلينا في حينٍ غير هذا. فما سماه بلال نفسًا سماه رسول الله ﷺ روحًا، فهما إذن عبارتان عن مُعَبَّرٍ واحد، وهذا مذهب أئمتنا.
وقد اختلف الناس قديمًا وحديثًا في ما هو هذا المعنى المعبر عنه بالنفس
стр. 917
يَا رَسُولَ اللهِ - بِنَفسِكَ! قَالَ: اقتَادُوا! فَاقتَادُوا رَوَاحِلَهُم شَيئًا،
ــ
والروح، والذي يفهم من مجموع ما في الكتاب والسنة وأقاويل علمائنا أن ذلك هو لطيفة مودعة في الأجساد مشاركة لجميع أجزائها التي تحلّها الحياة، يَتَأَتَّى إخراجها من الجسد وإدخالها فيه وقبضها منه، أجرى الله العادة بخلق الحياة في الجسد ما دامت فيه تلك اللطيفة، وهي القابلة للعلوم. والإنسان: هو الجسد وتلك اللطيفة.
وقد فرق الصوفية بين النفس والروح، فقالوا: النفس لطيفة مودعة في الجسم محل للأخلاق المعلولة، والروح محل للأخلاق المحمودة، وهو اصطلاح من قبلهم، ولا مشاحة في الاصطلاحات بعد فهم المعنى.
والنفس في اللغة مشترك يطلق على ما ذكرناه، ويطلق ويراد به وجود الشيء وذاته، ويطلق ويراد به الدّم. والروح يطلق على ما ذكر، وعلى جبريل إذ قد سماه الله تعالى روحًا في قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ ويحتمل أن يكون المراد بقوله في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ وفي قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي﴾ - على ما قاله ابن عباس في قوله ﴿قُلِ الرُّوحُ﴾، وقد تقدم أن الروح مشتق من الريح.
وقوله قال: اقتادوا! فاقتادوا رواحلهم شيئًا، قال: استدل به بعض الحنفيين على أن الفرائض لا تقضى في هذا الوقت بهذا الحديث؛ لأنه ﷺ إنما ارتحل عن ذلك الموضع ليخرج الوقت المنهي عنه، وهذا تحكم، بل كما يحتمل ما ذكروه يحتمل أنه إنما كان ذلك ليعم النشاط جميعهم، وأبين من ذلك كله ما قد نص عليه من كراهية ذلك بقوله ﷺ ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، وقد زاد أبو داود في هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: تحوَّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة.
стр. 918
ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَ بِلالا فَأَقَامَ الصَّلاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبحَ، فَلَمَّا قَضَى صلاته قَالَ: مَن نَسِيَ الصَّلاةَ فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ الله قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي﴾ وَكَانَ ابنُ شِهَابٍ يَقرَؤُهَا: لِلذِّكرَى.
ــ
وقوله فتوضأ رسول الله ﷺ وأمر بلالا فأقام الصلاة، ولم يذكر الأذان، وقد ذكره في حديث أبي قتادة، فاختلف العلماء في الفوائت؛ هل يؤذن لها ويقام؟ أو لا يؤذن لها ولا يقام؟ أو يقام لها ولا يؤذن؟ ثلاثة أقوال، فالأول مذهب أهل الرأي وأحمد وأبي ثور، والثاني مذهب الثوري، والثالث مذهب مالك والأوزاعي، والقول الثاني للشافعي. وقد تأول بعض أصحابنا الأذان في حديث أبي قتادة بمعنى الإعلام، وهو تكلف، بل الذي يجمع بين الأحاديث أنه إن احتيج إلى الأذان بحيث يجمع متفرقهم فُعِلَ، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة، وإن كانوا مجموعين لم يحتج لذلك؛ إذ ليس وقتًا راتبًا فيدعى إليه الجميع ويعلمونه ويكون شعارًا، وقد قدمنا أن هذه فوائد الأذان، وعلى هذا يحمل حديث أبي قتادة، والله أعلم.
وقوله فصلى بهم الصبح حجة الجميع في الفوائت.
وقوله من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها - وفي لفظ آخر أو غفل عنها، كل ذلك دليل على وجوب القضاء على النائم والغافل، كَثُرَت الصلوات أو قلَّت، وهذا مذهب عامة العلماء. وقد حكي خلاف شاذ عن بعض الناس فيمن زاد على خمس صلوات أنه لا يلزمه قضاء، وهو خلاف لا يُعبأ به لأنه مخالف لنص الحديث.
وأما من ترك الصلاة عامدًا فالجمهور أيضًا على وجوب القضاء عليه، وفيه خلاف شاذ أيضًا عن داود وأبي عبد الرحمن الأشعري، وقد احتج الجمهور عليهم بأوجهٍ؛
أحدها: أنه قد ثبت الأمر بقضاء الناسي والنائم مع أنهما غير مؤثمين، فالعامد أولى.
стр. 919
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وثانيها: التمسك بقوله إذا ذكرها، والعامد ذاكر لتركها فلزمه قضاؤها.
وثالثها: التمسك بعموم قوله من نسي صلاة؛ أي: من حصل منه نسيان، والنسيان هو الترك سواء كان مع ذهول أو لم يكن، وقد دل على هذا قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾؛ أي: تركوا معرفة الله وأمره فتركهم في العذاب.
ورابعها: التمسك بقوله من نسي صلاة فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، والكفارة إنما تكون عن الذنوب غالبًا، والنائم والناسي بمعنى الذاهل ليس بآثم، فتعين العامد لأن يكون هو المراد بلفظ الناسي.
وخامسها: قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي﴾؛ أي: لتذكرني فيها - على أحد التأويلات.
وسادسها: أن القضاء يجب بالخطاب الأول؛ لأن خروج وقت العبادة لا يسقط وجوبها، لأنها لازمة في ذمة المكلف كالديون، وإنما يُسقطُ العبادة فعلُها أو فقد شرطها، ولم يحصل شيء من ذلك، وهذا أحد القولين لأئمتنا الأصوليين والفقهاء.
وفي قوله إذا ذكرها حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول: إن المتروكة لا تقضى بعد الصبح ولا بعد العصر. ووجه تمسكهم أنها صلاة تجب بسبب ذكرها، فتفعل عند حضور سببها متى ما حضر، وقد صرح بالتعليل في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي﴾؛ فإن اللام للتعليل ظاهرًا، ولا يعارض هذا بقوله ﷺ : لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس (١)؛ فإن هذا عام في جنس الصلوات، وذلك خاص في الواجبات المقضيّة. والوجه الصحيح عند الأصوليين بناء العام على الخاص؛ إذ ذلك يرفع التعارض وبه يمكن الجمع، وهو أولى من الترجيح باتفاق الأصوليين.
стр. 920
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَأخُذ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأسِ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيطَانُ! قَالَ: فَفَعَلنَا، ثُمَّ دَعَا بِالمَاءِ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ سَجَدَ سَجدَتَينِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى الغَدَاةَ.
رواه مسلم (٦٨٠)، وأبو داود (٤٣٥ و ٤٣٦)، والترمذي (٣١٦٢)، والنسائي (١/ ٢٩٥ - ٢٩٨)، وابن ماجه (٦٩٧).
ــ
واستدلاله ﷺ بقوله تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي﴾ دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهو قول أكثر أصحابنا. واختلف أهل التفسير في قوله تعالى ﴿لِذِكرِي﴾؛ فقال مجاهد: لتذكرني فيها. وقال النخعي: اللام للظرف؛ أي: إذا ذكرتني، أي ذكرت أمري بعدما نسيت، ومنه الحديث. وقيل: لا تذكر فيها غيري. وقيل: شكرًا لذكري. وقيل ما ذكرناه من أن اللام للتسبيب، وهو أوضحها. ويقرب منه قول النخعي. وقراءة ابن شهاب تأنيث للذِّكر.
وقوله ثم سجد سجدتين، ثم صلى الغداة، وفي حديث أبي قتادة فصلى ركعتين، وبهذه الزيادة قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وداود، وهو قول أشهب وعلي بن زياد من أصحابنا. ومشهور مذهب مالك أنه يصليها قبل الصبح الفائتة، وهو قول الثوري والليث تمسُّكًا بحديث ابن شهاب، وليس فيه من ذلك شيء، ولأن فعلها قبل الفائتة يزيد الفائتة فواتًا. وقال أصحابنا: إن النوافل لا تقضى؛ إذ ليس في الذمة شيء فيجب قضاؤه، فإن أراد أن يقضي فليصلّ نفلا مبتدأ، والله أعلم.
وقوله وليأخذ كل رجل برأس راحلته؛ فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، ذهب بعض العلماء إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فقال: إن من انتبه من نومٍ عن صلاةٍ فائتة في سفر زال عن موضعه، وإن كان واديًا خرج عنه. واعتضد بقوله ﷺ تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة، وهذه الزيادة ذكرها
стр. 921
[٥٦٦]- وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُم عَنِ الصَّلاةِ أَو غَفَلَ عَنهَا فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ الله ﵎ يَقُولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي﴾
رواه أحمد (٣/ ١٨٤)، والبخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤)(٣١٦)، وأبو داود (٤٤٢)، والترمذي (١٧٨)، والنسائي (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤).
* * *
ــ
أبو داود في حديث أبي هريرة. وقال آخرون: إنما يلزم هذا في ذلك الوادي بعينه؛ إن علم ونزلت فيه مثل تلك النازلة فيجب الخروج منه كما فعل النبي ﷺ . وقال الجمهور: إن هذا غير مراعى، وإن من استيقظ عن صلاة فاتتهُ صلَاّها في ذلك الوقت وحيثما كان؛ لقوله ﷺ فحيثما أدركتك الصلاة فصل (١)، وهذا الحديث لا يصلح لتخصيصه في غير حق النبي ﷺ ؛ إذ لا يعلم غير النبي ﷺ من حال ذلك الوادي ولا من غيره من المواضع ما علمه النبي ﷺ ، وبتقدير أن تقع النازلة في ذلك الوادي فلا ندري هل ذلك الشيطان باقٍ فيه أم لا؟
وقوله تحولوا خطاب لأصحابه الكائنين معه خاصة لا يتعدّى إلى غيرهم؛ لأنه كان لسبب علمه ﷺ بحضور الشيطان فيه، وغيره لا يعلم ذلك فلا يتعدى إليه ذلك الحكم، والله تعالى أعلم.
وإلى معنى ما ذكرناه ذهب الداودي وغيره من أصحابنا في تأويل الحديث.
* * *
стр. 922
(٨٨) باب من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فله أن يؤذن إذا كان في جماعة، ويصلي ركعتي الفجر
[٥٦٧]- عَن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّكُم تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُم وَلَيلَتَكُم، وَتَأتُونَ المَاءَ - إِن شَاءَ الله - غَدًا. فَانطَلَقَ النَّاسُ لا يَلوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَينَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ حَتَّى ابهَارَّ اللَّيلُ وَأَنَا إِلَى جَنبِهِ. قَالَ: فَنَعَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَمَالَ عَن رَاحِلَتِهِ، فأَتيتُهُ فَدَعَمتُهُ مِن غَيرِ أَن أُوقِظَهُ، حَتَّى اعتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ
ــ
(٨٨) ومن باب: شرح ما تضمنه حديث أبي قتادة وعمران بن الحصين من الغريب
قوله لا يلوي أحد على أحد؛ أي لا يعطف عليه ولا ينتظره، وأصله من لَيِّ العُنُق.
وقوله حتى ابهَارَّ الليل؛ أي انتصف، وبُهرَة كل شيء وسطه، وقيل: ذهب عامته وبقي نحو من ثلثه. قال أبو سعيد الضرير: ابهِرَارُ الليل طلوع نجومه إذا تَتَامَّت. وقال غيره: ابهارَّ الليل طال. والباهِرُ: الممتلئ نورًا. وقد صحّفه بعض الشارحين تصحيفًا قبيحًا فقال: انهار الليل - بالنون، وقال: ومنه قوله تعالى: ﴿فَانهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾
стр. 923
حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيلُ، مَالَ عَن رَاحِلَتِهِ. قَالَ: فَدَعَمتُهُ مِن غَيرِ أَن أُوقِظَهُ حَتَّى اعتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ سَارَ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِن آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنَ المَيلَتَينِ الأُولَيَينِ، حَتَّى كَادَ يَنجَفِلُ، فَأَتَيتُهُ فَدَعَمتُهُ، ثم رَفَعَ رَأسَهُ فَقَالَ: مَن هَذَا؟ قُلتُ: أَبُو قَتَادَةَ. قَالَ: مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي؟ قُلتُ: مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنذُ اللَّيلَةِ. ثم قَالَ: حَفِظَكَ الله بِمَا حَفِظتَ بِهِ نَبِيَّهُ! ثُمَّ قَالَ: هَل تَرَانَا نَخفَى عَلَى النَّاسِ؟ ثُمَّ قَالَ: هَل تَرَى مِن أَحَدٍ؟ قُلتُ: هَذَا رَاكِبٌ. ثُمَّ قُلتُ: هَذَا رَاكِبٌ آخَرُ، حَتَّى اجتَمَعنَا فَكُنَّا سَبعَةَ رَكبٍ. قَالَ: فَمَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّرِيقِ فَوَضَعَ رَأسَهُ ثُمَّ قَالَ: احفَظُوا عَلَينَا صَلاتَنَا! فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ استَيقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالشَّمسُ فِي ظَهرِهِ، قَالَ: فَقُمنَا فَزِعِينَ، ثُمَّ قَالَ: اركَبُوا! فَرَكِبنَا فَسِرنَا، حَتَّى إِذَا
ــ
وقوله وتَهَوَّرَ الليل، قال الهروي: معناه ذهب أكثره وانهدم كما يتهوَّر البناء، يقال: تَهَوَّر الليل وتَوَهَّر.
وقوله فدعمته؛ أي أقمت مَيلَه وصرت له كالدّعامة تحته.
وقوله حتى كاد ينجفل؛ أي قارب أن ينقلب ويقع، ومنه ما جاء في الحديث أن البحر جَفَل سمكًا (١)؛ أي ألقاه فرمى به - ذكره الهروي.
وقوله فمال عن الطريق فوضع رأسه، هذا الفعل منه ﷺ مثل قوله إذا عرستم فاجتنبوا الطريق، فإنه مأوى الهوام (٢).
стр. 924
ارتَفَعَتِ الشَّمسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَت مَعِي فِيهَا شَيءٌ مَن مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ، قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شَيءٌ مِن مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ لأَبِي قَتَادَةَ: احفَظ عَلَينَا مِيضَأَتَكَ، فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ! ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ بِالصَّلاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكعَتَينِ، ثُمَّ صَلَّى الغَدَاةَ، فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصنَعُ كُلَّ يَومٍ. قَالَ: وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَكِبنَا مَعَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ بَعضُنَا يَهمِسُ إِلَى بَعضٍ: مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعنَا بِتَفرِيطِنَا فِي صَلاتِنَا؟ ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَكُم فِيَّ
ــ
والمِيضَأَةُ: الإناء الذي يتوضأ فيه، وهي التي قال فيها: أطلقوا لي غُمَرِي. والغُمَر: القعب الصغير. ويقال: تغَمَّرت؛ أي: شربت قليلا، قال أعشى باهلة:
يكفيه حُزَّةُ فِلذٍ إن ألمَّ بها ... من الشِّواءِ ويُروي شُربَه الغُمَرُ
وقوله فتوضأ منها وضوءًا دون وضوء؛ يعني وضوءًا مخفّفًا، وكأنه اقتصر فيه على المرة الواحدة، ولم يكثر صبّ الماء لأنه أراد أن يفضل منه فضلة لتظهر فيها بركته وكرامته، وهذا أولى من قول من قال أراد بقوله وضوءًا دون وضوء الاستجمار بالحجارة؛ لأن ذلك لا يقال عليه وضوء عرفًا ولا لغة، لأنه لا نظافة فيه بالغة، ولما روى أبو داود في هذه القصة من حديث ذي مِخبَر الحبشي خادم رسول الله ﷺ أنه ﷺ توضأ وضوءًا لم يبتلّ منه التراب (١). والأسوة: القدوة.
وقوله فجعل بعضنا يهمس إلى بعض؛ أي: يحرك شفتيه بكلام خفي.
стр. 925
أُسوَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَيسَ فِي النَّومِ تَفرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفرِيطُ عَلَى مَن لَم يُصَلِّ الصَّلاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقتُ الصَّلاةِ الأُخرَى، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَليُصَلِّهَا حِينَ يَنتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كَانَ الغَدُ فَليُصَلِّهَا عِندَ وَقتِهَا.
ــ
وقوله إنه ليس في النوم تفريط يدل على أن النائم غير مكلف ولا مؤاخذ.
وقوله إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى؛ أي: من لم يصلها عامدًا لتركها. وفيه ما يدل على أن أوقات الصلوات كلها موسعة.
وقوله فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، الإشارة بـ ذلك إلى ما وقع له من النوم عن الصلاة، ويحتمل أن يعود الضمير إلى جميع ما ذكر من النوم والتفريط على ما قررنا في قضاء العامد.
وقوله فإذا كان الغد فلّيصلِّها عند وقتها، قال قوم: ظاهره إعادة المقضيَّة مرتين عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتي، وقد وافق هذا الظاهر ما رواه أبو داود نصًّا من حديث عمران بن حصين - وذكر القصة، وقال في آخرها: فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غدٍ صالحًا فليقض معها مثلها. قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال هذا وجوبًا، ويشبه أن يكون الأمر به استحبابًا ليُحرز فضيلة الوقت في القضاء.
قلت: وهذا كله يعارضه ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من حديث الحسن عن عمران بن حصين في هذه القصة أنه ﷺ لما صلى بهم المقضيَّة قالوا: ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال: لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم (١). والصحيح ترك العمل بذلك الظاهر لهذه المعارضة، ولما حكى الخطابي، ولأن الطرق الصحاح المشهورة ليس فيها من تلك الزيادة شيء إلا
стр. 926
ثُمَّ قَالَ: مَا تَرَونَ النَّاسَ صَنَعُوا؟ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَصبَحَ النَّاسُ فَقَدُوا نَبِيَّهُم، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ: رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعدَكُم، لَم يَكُن لِيُخَلِّفَكُم! وَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَينَ أَيدِيكُم، فَإِن يُطِيعُوا أَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ يَرشُدُوا. قَالَ: فَانتَهَينَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِيَ كُلُّ شَيءٍ، وَهُم يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكنَا، عَطِشنَا. فَقَالَ: لا هُلكَ عَلَيكُم! ثُمَّ قَالَ: أَطلِقُوا لِي غُمَرِي! قَالَ: وَدَعَا بِالمِيضَأَةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسقِيهِم، فَلَم يَعدُ أَن رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي المِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَحسِنُوا المَلأَ، فَكُلُّكُم سَيَروَى. قَالَ: فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَسقِيهِم، حَتَّى مَا بَقِيَ غَيرِي وَغَيرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: ثُمَّ
ــ
ما ذكر في حديث أبي قتادة، وهو محتمل كما قررناه، والله تعالى أعلم.
وقوله ثم قال: ما ترون الناس صنعوا؟ ، هذا قول النبي ﷺ لمن كان معه مستفهمًا على جهة استحضار أفهامهم، ثم قال ﷺ مخبرًا بما صنعوا وبما قالوا إلى قوله وقال الناس: إن رسول الله ﷺ بين أيديكم، وهنا انتهى الخبر عنهم، ثم قال النبي ﷺ فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا؛ لأنهما وافقا الحق فيما قالاه، فصوابه إذًا أن يكون يطيعوا، ويرشدوا بياء الغائبين، وقد قيل في بعض النسخ بتاء المخاطبين، ووجهه أن النبي ﷺ كأنه أقبل على الغائبين فخاطبهم.
ويجري هذا مجرى قول عمر الجبلّ يا سارية (١) وهو بالمدينة، وسارية بمصر أو بالشام، فسمعه سارية ولجأ إلى الجبل ونجا هو وأصحابه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون النبي ﷺ حاكيًا قولهم.
وقوله وأحسنوا الملأ بفتح الميم والهمزة مقصورًا؛ أي الخُلُق - قاله
стр. 927
صَبَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِي: اشرَب! فَقُلتُ: لا أَشرَبُ حَتَّى تَشرَبَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: إِنَّ سَاقِيَ القَومِ آخِرُهُم. قَالَ: فَشَرِبتُ، وَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ المَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً.
رواه أحمد (٥/ ٢٩٨)، ومسلم (٦٨١)، وأبو داود (٥٢٢٨)، وابن ماجه (٣٤٣٤).
[٥٦٨]- وعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ قَالَ: كُنتُ مَعَ نَبِيِّ الله ﷺ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَأَدلَجنَا لَيلَتَنَا، حَتَّى إِذَا كَنَا فِي وَجهِ الصُّبحِ عَرَّسنَا، فَغَلَبَتنَا أَعيُنُنَا حَتَّى
ــ
جماعة من اللغويين: أبو زيد، والمفضل، والزجاج، وابن السكيت، وابن قتيبة - وأنشد بعضهم (١):
تنادوا يا لَبُهثَة إذ رَأَونا ... فقلنا أحسني ملأ جُهينا
أي خلقًا، وروى ابن قتيبة أن النبي ﷺ قال لأصحابه حين زجروا الأعرابي البائل في المسجد أحسنوا مَلأَكُم (٢)؛ أي خلقكم، ومن روى هذا الحرف مِلأكم ساكنة اللام مهموزة من معنى الامتلاء فقد أخطأ؛ لأنه لم يملأ أحد في هذه النازلة قِربةً ولا وعاءً، وإنما كان شربًا.
وقوله فأتى الناسُ الماءَ جامّين رواءً؛ أي نشاطًا صالحي الأحوال، ورِواء من الرِّيِّ وهو الامتلاء من الماء.
وفي حديث أبي قتادة أوجه من الفقه لا تخفى على متأمل.
وقوله في حديث عمران فأدلجنا ليلتنا؛ أي سرنا ليلتنا كلها، يقال
стр. 928
بَزَغَتِ الشَّمسُ. قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ استَيقَظَ مِنَّا أَبُو بَكرٍ، وَكُنَّا لا نُوقِظُ رسول الله ﷺ مِن مَنَامِهِ إِذَا نَامَ حَتَّى يَستَيقِظَ، ثُمَّ استَيقَظَ عُمَرُ، فَقَامَ عِندَ نَبِيِّ الله ﷺ فَجَعَلَ يُكَبِّرُ، وَرفَعُ صَوتَهُ حَتَّى استَيقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأسَهُ وَرَأَى الشَّمسَ قَد بَزَغَت قَالَ: ارتَحِلُوا! فَسَارَ بِنَا حَتَّى إِذَا ابيَضَّتِ الشَّمسُ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الغَدَاةَ، فَاعتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ لَم يُصَلِّ مَعَنَا، فَلَمَّا انصَرَفَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا فُلانُ، مَا مَنَعَكَ أَن تُصَلِّيَ مَعَنَا؟ قَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَصَابَتنِي جَنَابَةٌ ولا ماء! فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ فَصَلَّى، ثُمَّ عَجَّلَنِي فِي رَكبٍ بَينَ يَدَيهِ نَطلُبُ المَاءَ وَقَد عَطِشنَا عَطَشًا شَدِيدًا، فَبَينَا نَحنُ نَسِيرُ إِذَا نَحنُ بِامرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجلَيهَا بَينَ مَزَادَتَينِ، فَقُلنَا لَهَا: أَينَ المَاءُ؟ فقَالَت: أَيهَاه أَيهَاه، لا مَاءَ لَكُم! فقُلنَا: فَكَم بَينَ أَهلِكِ
ــ
أَدلَج - بقطع الألف وسكون الدال؛ أي سار الليل كله، يدلج إدلاجًا. وادّلج - بوصل الألف وتشديد الدال: سار من آخره. وقد قيل: هما بمعنى واحد. والتعريس في أصله: النزول من آخر الليل، وقد تقدم. وبزغت الشمس؛ أي: بدأ طلوعها.
وقوله وكنا لا نوقظ رسول الله ﷺ من منامه، إنما كان ذلك لأنه كان يوحى إليه في النوم، فكان يُخاف أن يكون إيقاظه قطعًا للوحي وتشويشًا له.
وقوله ثم عجَّلني مشدد الجيم؛ أي أمرني بالاستعجال، وأكّده عليّ.
وقوله فإذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين؛ سادلة أي مرسلة، وكذلك رواية الجماعة. وللعُذَري سابلة بالباء بواحدة، والأول أصوب؛ لأنه لا يقال سَبَلَت، إنما يقال أَسبَلَت. والمزادتان: القربتان، وقيل: المزادة القِربة الكبيرة التي تحمل على الدابة، سُمّيت بذلك لأنه يزاد فيها جلد من غيرها لتكبر.
وقولها أيهاه أيهاه، كذا روي هنا بالهمزة في أولهما وبالهاء في
стр. 929
وَبَينَ المَاءِ؟ قَالَت: مسيرة يَومٍ وَلَيلَةٍ. قُلنَا: انطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ! قَالَت: وَمَا رَسُولُ اللهِ؟ فَلَم نُمَلِّكهَا مِن أَمرِهَا شَيئًا حَتَّى انطَلَقنَا بِهَا، فَاستَقبَلنَا بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهَا، فَأَخبَرَتهُ مِثلَ الَّذِي أَخبَرَتنَا، وَأَخبَرَتهُ أَنَّهَا مُوتِمَةٌ لَهَا صِبيَانٌ أَيتَامٌ، فَأَمَرَ بِرَاوِيَتِهَا فَأُنِيخَت، فَمَجَّ فِي العَزلاوَينِ العُليَاوَينِ، ثُمَّ
ــ
آخرهما، وتروى بالتاء أيضًا في آخرهما، وهي هيهات المذكورة في قوله تعالى: ﴿هَيهَاتَ هَيهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾؛ أبدلت الهاء همزة، ومعناها البعد، والهاء في آخرها للوقف. وقيل: هي مُرَكّبة من هَي للتأسف وهاوه للتأوه، فقلبت الهاء في الوصل تاء ثم حركت بالفتح والضم والكسر، وقد قرئ بها في قوله تعالى: ﴿هَيهَاتَ هَيهَاتَ﴾ وهي اسم من أسماء الأفعال؛ فتارة تقدَّر ببعد كما في قول الشاعر:
فهيهات هيهات العقيقُ وأهلُهُ ... وهيهات خِلٌّ بالعقيقِ نُواصِلُه
أي: بَعُدَ العقيق وأهله. وتارة تقدر بِبُعدٍ الذي هو المصدر، كما قيل في قوله تعالى: ﴿هَيهَاتَ هَيهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾؛ أي: بُعدًا بُعدًا للذي توعدون، هي حكاية عن قول الكفار.
ومؤتِمة - بكسر التاء؛ أي: ذات أيتام. وراويتها هنا الجمل الذي تستقي عليه الماء، وهذه رواية الجماعة، وعند السمرقندي فأمر براويتيها وكأنه أراد المزادتين، وفيه بعد من جهة اللفظ.
وقوله فأنيخت فمج؛ أي طرح من فيه فيهما، ومعناه: وبَزَق فيهما. والعزلاوان قال ابن ولاّد: العَزلاء بالمد عزلاء المزادة؛ وهي مخرج الماء منها. وقال الهروي: هو فوها الأسفل. والذي في الكتاب يشهد لما ذكره ابن ولاّد.
стр. 930
بَعَثَ بِرَاوِيَتِهَا، فَشَرِبنَا وَنَحنُ أَربَعُونَ رَجُلا عِطَاشٌ حَتَّى رَوِينَا، وَمَلأنَا كُلَّ قِربَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ وَغَسَّلنَا صَاحِبَنَا، غَيرَ أَنَّا لَم نَسقِ بَعِيرًا، وَهِيَ تَكَادُ تَنضَرِجُ مِنَ المَاءِ - يَعنِي المَزَادَتَينِ، ثُمَّ قَالَ: هَاتُوا مَا كان عِندَكُم! فَجَمَعنَا لَهَا مِن كِسَرٍ وَتَمرٍ، وَصَرَّ لَهَا صُرَّةً فَقَالَ لَهَا: اذهَبِي فَأَطعِمِي هَذَا عِيَالَكِ، وَاعلَمِي أَنَّا لَم نَرزَأ مِن مَائِكِ. فَلَمَّا أَتَت أَهلَهَا قَالَت: لَقَد لَقِيتُ أَسحَرَ البَشَرِ، أَو إِنَّهُ لَنَبِيٌّ كَمَا زَعَمَ، كَانَ مِن أَمرِهِ ذَيتَ وَذَيتَ - فَهَدَى الله ذَاكَ الصِّرمَ بِتِلكَ المَرأَةِ، فَأَسلَمَت وَأَسلَمُوا.
وَفِي رِوَايَةٍ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَسَرَينَا لَيلَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ مِن آخِرِ اللَّيلِ قُبَيلَ الصُّبحِ وَقَعنَا بتِلكَ الوَاقعَةَ الَّتِي لا وَقعَةَ عِندَ المُسَافِرِ أَح لَى مِنهَا، فَمَا أَيقَظَنَا إِلا حَرُّ الشَّمسِ.
وَفِيهَا: فَلَمَّا استِيقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ أَجوَفَ
ــ
وقوله وغسَّلنا صاحبنا؛ أي أعطيناه من الماء ما يغتسل به، وهو مشدّد السين.
وقوله وهي تتضّرج من الماء، كذا عند ابن ماهان بتاءين وبـ من، وعند الجماعة تنضرج بالماء، وهي بمعنى واحد؛ أي: تقارب أن تنشق من الامتلاء.
ولم نرزأ؛ أي لم ننقص، ومنه قولهم: ما رزأته زِبالا؛ أي: ما نقصته.
وذَيتَ وذَيتَ؛ أي: كَيتَ وكَيتَ، وهو كناية عن حديث معلوم.
والصِّرم بكسر الصاد، قال يعقوب: هو أبيات مجتمعة.
ولا يخفى ما تضمنه هذا الحديث من الأحكام ومن معجزات النبي ﷺ ، وأن حديث عمران بن حصين نازلة أخرى غير ما تضمنه حديث أبي قتادة.
стр. 931
جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوتَهُ بِالتَكبِيِر، حَتَى استِيقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِشِدَّةِ صَوتِهِ، فَلَمَّا استَيقَظَ رَسُولُ اللهِ شَكَوا إِلَيهِ الَّذِي أَصَابَهُم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا ضَيرَ، ارتَحِلُوا! وَاقتَصَّ الحَدِيثَ.
رواه أحمد (٤/ ٤٣٤)، والبخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢).
* * *
ــ
وقوله لا ضير؛ أي: لا ضرر، وقد تقدم في كتاب الإيمان.
* * *
стр. 932
(٨٩) باب ما جاء في حكم قَصرِ الصلاة في السفر
(٦٨٥) (١ و ٣) [٥٦٨ م]- عَن عُروَةَ، عَن عَائِشَةَ قَالَت: فَرَضَ الله الصَّلاةَ - حِينَ فَرَضَهَا - رَكعَتَينِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا فِي الحَضَرِ، وَأُقِرَّت صَلاةُ السَّفَرِ عَلَى الفَرِيضَةِ الأُولَى.
ــ
(٨٩) ومن باب: حكم قصر الصلاة في السفر
قول عائشة ﵂ فرض الله الصلاة - حين فرضها - ركعتين ركعتين (١). . .، الحديث مخالف لفعلها؛ فإنها كانت تتم في السفر، ومخالف لما قاله غيرها من الصحابة ﵃ كعمر وابن عباس وجبير بن مطعم؛ فإنهم قالوا: إن الصلاة فرضت في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين - كما رواه مسلم عن ابن عباس (٢). ويخالف أيضًا ظاهر الكتاب في قوله تعالى: ﴿فَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِن خِفتُم أَن يَفتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مع قوله ﷺ وقد سئل عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته، كما يأتي في حديث يعلى (٣). وقد رام بعض المتأخرين الجمع بين حديث عائشة وبين حديث
стр. 933
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن عباس فقال: يحمل حديث عائشة على أول الأمر، وحديث ابن عباس على الذي استقرّ عليه الفرضان، وهو تحكُّم، مع أنه بقي عليه العذر عن مخالفتها هي وعن معارضة ظاهر الكتاب.
ثم نقول: لو كان الأمر على ما ذكرته عائشة لاستحال عادةً أن تنفرد بنقل ذلك عائشة، فإنه حكم يعمّ الناس كلهم فيشيع، وتنقله الكافة من الصحابة والعدد الكثير منهم، ولم يُسمع ذلك قطّ من غيرها من الصحابة فلا مُعَوَّل عليه، والله أعلم.
فإن قيل: فلعل ذلك كان في أول مشروعية الصلاة ولم يستمرّ ذلك الحكم، فلا يلزم الإشاعة! قلنا: ذلك باطل؛ لأن عائشة ﵂ لعلها لم تكن موجودة في ذلك الوقت، فإن أول مشروعية الصلاة إنما كانت حين الإسراء، وقد ذكرنا وقت ذلك في كتاب الإيمان، وإن كانت موجودة إذ ذاك فلم تكن ممن يميز ولا يعقل لصغرها.
واختلف في حكم القصر في السفر؛ فروي عن جماعة أنه فرض، وهو قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين وإسماعيل القاضي. وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض، ومشهور مذهب مالك وجُلّ أصحابه وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة، وهو قول الشافعي. ومذهب عامة البغداديين من أصحابنا أن الفرضَ التخييرُ، وهو قول أصحاب الشافعي. ثم اختلف أصحاب التخيير في أيهما أفضل؟ فقال بعضهم: القصر أفضل، وهو قول الأبهري (١) من أصحابنا وأكثرهم، وقيل: إن الإتمام أفضل، ويحكى عن الشافعي.
стр. 934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسبب الخلاف اختلاف الأحاديث في ذلك كما سيأتي، وقد تأول القائلون بأن القصر ليس بفرض حديث عائشة وحديث ابن عباس أن الفرض (١) فيهما بمعنى التقدير، وهو أصله في اللغة، فيكون معناه أن الله تعالى قدَّر صلاة المسافر بركعتين عددًا كما قدَّر صلاة الحضر أربع ركعات على ما في حديث ابن عباس، وعلى أي وجه يكون هذا التقدير على حكم الوجوب أو السنة؟ ذلك يؤخذ من دليلٍ آخر، وقد دلت أدلة كثيرة على أنه ليس بواجب؛ منها حديث عمر حيث قال ﷺ : صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته. وقد روى النسائي من حديث عائشة - وهو صحيح - أن عائشة اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، قالت: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قصَرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ! فقال: أحسنت يا عائشة! وما عابه عليَّ (٢). وهكذا قيدته بفتح التاء الأولى وضم الثانية في الكلمتين، وكذلك دلّ قوله تعالى: ﴿فَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ فإذا تقرر أنه ليس بواجب، فهل هو سنة أم لا؟ قلنا: هو سنة، دلّ عليه مداومته ﷺ على القصر واستمرار عمل الخلفاء على ذلك وأكثر الصحابة.
ثم اختلفوا في السفر الذي تقصر فيه الصلاة؛ فذهب عامة العلماء إلى جوازه في كل سفر مباح ومنعِه في سفر المعصية - وهو قول مالك والشافعي والطبري وأصحابهم. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى جوازه في كل سفر طاعةً كان أو معصيةً، وهو رواية شاذة عن مالك. وذهب داود إلى أنه لا يجوز إلا في سفر الحج والعمرة والغزو لا في غيرها، وروي ذلك عن ابن مسعود. واختُلف عن أحمد بن حنبل؛ فمرة قال بقول مالك، ومرة قال: لا يقصر إلا في
стр. 935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حج أو عمرة. وقال عطاء: لا يقصر إلا في سبيل من سبل الله، والصحيح المذهب الأول؛ لأن القصر إنما شرع تخفيفًا عن المسافر للمشقّات اللاحقة فيه ومعونة له على ما هو بصدده مما يجوز، وكل الأسفار في ذلك سواء، وأما سفر المعصية فلا يترخص فيه بالقصر ولا بالفطر؛ لأن ذلك يكون معونة له على معصية، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ﴾
واختلفوا في السفر الذي تقصر فيه الصلاة؛ فقال داود: تقصر في كل سفرٍ قصير أو طويل، ولو كان ثلاثة أميال في سفر الطاعة، وكافة العلماء على أن (١) القصر إنما شُرِعَ تخفيفًا، وإنما يكون في السفر الطويل الذي تلحق فيه المشقة غالبًا. واختلفوا في تقديره؛ فذهب مالك والشافعي وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث إلى أنها لا تقصر إلا في اليوم التام. وقول مالك يوم وليلة راجع إلى اليوم التام، وهو قول ابن عباس وابن عمر، وقدّره مالك بثمانية وأربعين ميلا، والشافعي والطبري بستة وأربعين ميلا، وهو أمر متقارب. والتفت هؤلاء إلى أقل ما سمّاه رسول الله ﷺ سفرًا؛ فإنه ﷺ قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم منها (٢). ومسيرة يوم وليلة هو مسيرة اليوم التام؛ فإن عادتهم في أسفارهم أن يقيلوا بالنهار ويسيروا بالليل، ولأن مسيرة يوم تامٍّ لا يمكن الخارج من منزله الرجوع إليه من يومه (٣) ويبيت ضرورة عنه، فخرج عن القرار
стр. 936
قَالَ الزُّهرِيُّ: فَقُلتُ لِعُروَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: إِنَّهَا تَأَوَّلَت مَا تَأَوَّلَ عُثمَانُ.
رواه أحمد (٦/ ٢٣٤ و ٢٤١)، والبخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥) (١ و ٣)، وأبو داود (١١٩٨)، والنسائي (١/ ٢٢٥).
ــ
في السفر. وقال الكوفيون: لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول عثمان وابن مسعود وحذيفة. وقال الحسن وابن شهاب: يقصر في مسيرة يومين. وأولاها القول الأول، والله تعالى أعلم.
وقول عروة إنها تأوّلت ما تأوّل عثمان، اختلف في تأويل إتمام عائشة وعثمان في السفر على أقوال، وأولى ما قيل في ذلك أنهما تأوّلا أن القصر رخصة غير واجبة وأخذا بالأكمل، وما عدا هذا القول إما فاسد وإما بعيد، ولنذكر ما قيل في ذلك:
فمنها: أن عائشة تأوّلت أنها أم المؤمنين، فحيث حَلّت نزلت في أهلها وولدها، وهذا يبطل بما بين المنزلتين من المسافات البعيدة، فإنها كانت تتم فيها وهي على ظهر سفر.
ومنها: أنها كانت لا ترى القصر إلا في الحج والعمرة والغزو، وذلك باطل؛ لأن ذلك لم ينقل عنها ولا عُرف من مذهبها، ثم قد أتمّت في سفرها إلى عليٍّ (١) ﵄.
ومنها: أنها حيث أتمّت لم تكن في سفر جائز، وهذا باطل قطعًا، فإنها كانت أتقى لله وأخوف وأطوع من أن تخرج في سفر لا يرضاه الله تعالى، وهذا التأويل عليها هو من أكاذيب الشيعة المبتدعة وتشنيعاتهم عليها، ﴿سُبحَانَكَ هَذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ﴾! وإنما خرجت ﵂ مجتهدة محتسبة في خروجها تريد أن تطفئ نار الفتنة، ثم خرجت الأمور عن الضبط، وأقل درجاتها أن تكون ممن قال فيها رسول الله ﷺ : إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر (٢).
стр. 937
[٥٦٩]- وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَرَضَ الله الصَّلاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُم فِي الحَضَرِ أَربَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكعَتَينِ، وَفِي الخَوفِ رَكعَةً.
رواه أحمد (١/ ٢٣٢)، ومسلم (٦٨٧)(٥)، وأبو داود (١٢٤٧)، والنسائي (٣/ ١١٨ - ١١٩)، وابن ماجه (١٠٧٢).
ــ
وقد ذكرنا من حديث النسائي عن عائشة ما يبيّن أن المعنى الذي لأجله أتمت في السفر إنما هو ما اخترناه أوّلا.
وأما عثمان فقد تُؤوِّلَ له أنه كان إمام الناس، فحيث حلّ فهو منزله، وهذا يردّه أن النبي ﷺ كان أولى بذلك ومع ذلك فلم يفعله.
ومنها: أنه كان معه أهله بمكة. وهذا يردّه أن النبي ﷺ سافر بزوجاته وكن معه بمكة ومع ذلك فقصر.
ومنها: أنه إنما فعل ذلك من أجل الأعراب لئلا يظنوا أن فرض الصلاة أبدًا ركعتان. وهذا يردّه أن النبي ﷺ كان أولى بذلك ولم يفعله، ثم قد عَلِمَ الأعرابُ والكلُّ من المسلمين أن الصلاة في الحضر أربع، ومن جهل ذلك من قرب عهد بالإسلام نادر قليل لا تغير القواعد لأجله.
ومنها: أن عثمان أزمع على المقام بمكة بعد الحج، ويردّه أن المقام بمكة للمهاجر أكثر من ثلاث ممنوع (١).
ومنها: أنه كان لعثمان بمنىً أرضٌ ومالٌ فرأى أنه كالمقيم. وهذا فيه بُعدٌ؛ إذ لم يقل أحدٌ إن المسافر إذا مرّ بما يملكه من الأرض ولم يكن له فيها أهل حكمه حكم المقيم.
والوجه ما ذكرناه أولا.
وقول ابن عباس وفي الخوف ركعة، ذهب جماعة من السلف إلى ظاهر هذا، فقالوا: صلاة الخوف ركعة واحدة عند الشدّة. وهو قول إسحاق؛ قال: أما عند الشدة فركعة واحدة يومئ بها إيماء، فإن لم يقدر فسجدة، فإن لم يقدر
стр. 938
[٥٧٠]- وعَن يَعلَى بنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلتُ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: ﴿فَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِن خِفتُم أَن يَفتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقَد أَمِنَ النَّاسُ! فَقَالَ: عَجِبتُ مِمَّا عَجِبتَ مِنهُ، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن ذَلِكَ، فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَيكُم، فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ.
رواه أحمد (١/ ٢٥)، ومسلم (٦٨٦)(٤)، وأبو داود (١١٩٩)، والترمذي (٣٠٣٧)، والنسائي (٣/ ١١٦).
[٥٧١]- وعَن حَفصِ بنِ عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، عَن أَبِيهِ قَالَ: صَحِبتُ ابنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهرَ رَكعَتَينِ، ثُمَّ أَقبَلَ وَأَقبَلنَا مَعَهُ حَتَّى جَاءَ رَحلَهُ، وَجَلَسَ وَجَلَسنَا مَعَهُ، فَحَانَت مِنهُ التِفَاتَةٌ نَحوَ
ــ
فتكبيرة. وقال الضحاك: إن لم يقدر على ركعة فتكبيرتان. وقال الأوزاعي: لا يجزئه التكبير. وقال قتادة والحسن: صلاة الخوف ركعة ركعة لكل طائفة من المأمومين، وللإمام ركعتان، وسيأتي القول في صلاة الخوف.
وقوله ﴿فَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾؛ يعني به القصرَ من عدد الركعات والقصرَ بتغيير الهيئات، بدليل قوله ﷺ : صدقة تصدق الله بها عليكم عندما سئل عن قصرها مع الأمن، فكان قوله ذلك تيسيرًا وتوقيفًا. على أن الآية متضمَّنة لقصر الصلاة مع الخوف ومع غير الخوف، فالقصر مع الخوف هو في الهيئات على ما يأتي ومع الأمن في الركعات، والمتصدَّق به إنما هو إلغاء شرط الخوف في قصر عدد الركعات مع الأمن، وعلى هذا فيبقى اعتبار الخوف في قصر الهيئات على ما يأتي. وقد أكثر الناس في هذه الآية، وما ذكرناه أولى وأحسن؛ لأنه جمع بين الآية والحديث. والجناح: الحرج. وهذا يشعر أن القصر ليس واجبًا لا في السفر ولا في الخوف؛ لأنه لا يقال في الواجب لا جناح في فعله.
стр. 939
حَيثُ صَلَّى، فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا، فَقَالَ: مَا يَصنَعُ هَؤُلاءِ؟ قُلتُ: يُسَبِّحُونَ. قَالَ: لَو كُنتُ مُسَبِّحًا لأَتمَمتُ صَلاتِي، يَا ابنَ أَخِي، إِنِّي صَحِبتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَلَم يَزِد عَلَى رَكعَتَينِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، وَصَحِبتُ أَبَا بَكرٍ فَلَم يَزِد عَلَى رَكعَتَينِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، وَصَحِبتُ عُمَرَ فَلَم يَزِد عَلَى رَكعَتَينِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، ثُمَّ صَحِبتُ عُثمَانَ فَلَم يَزِد عَلَى رَكعَتَينِ حَتَّى قَبَضَهُ الله، وَقَد قَالَ الله تعالى: ﴿لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
ــ
وقوله في حديث ابن عمر يسبِّحون؛ أي: يصلون سبحة الضحى أو غيرها من النوافل، والسبحة: صلاة النافلة. قال الهروي: تسمى الصلاة تسبيحًا، ومنه: ﴿فَلَولا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾؛ أي: من المصلين. وقول ابن عمر لو كنت مُسَبِّحًا لأتممت ظاهر هذا أن ابن عمر كان يمنع من التنفُّل في السفر ليلا ونهارًا، هكذا نقل أهل الخلاف عنه، وحُكي عنه أنه منعه بالنهار وجوَّزه بالليل لقوة أمر القيام بالليل إذ كان فرضًا، وعامة العلماء على جوازه، وقد روى جابر وغيره أن النبي ﷺ كان يتنفل في السفر على راحلته وبالأرض ليلا ونهارًا (١).
وقوله إن النبي ﷺ والخلفاء كانوا يصلون ركعتين لا يزيدون هو محمول على أنهم ما كانوا يتنفَّلون رواتب الفرائض في السفر لا قبل الفرض ولا بعده، وأما في غير ذلك فقد روى جابر وعلي بن أبي طالب أن النبي ﷺ كان يتنفل في السفر ليلا ونهارًا.
وقوله ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، قد روي
стр. 940
رواه البخاري (١١٠١)، ومسلم (٦٨٩)(٨)، وأبو داود (١٢٢٣)، والترمذي (٥٤٤)، والنسائي (٣/ ١٢٢ و ١٢٤)، وابن ماجه (١٠٧١).
* * *
(٩٠) باب من أين يبدأ بالقصر إذا خرج من وطنه، واستمراره على القصر ما لم ينو إقامة
[٥٧٢]- عَن أَنَسٍ بِن مَالِك أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الظُّهرَ بِالمَدِينَةِ أَربَعًا، وَصَلَّى العَصرَ بِذِي الحُلَيفَةِ رَكعَتَينِ.
رواه أحمد (٣/ ١٧٧ و ١٨٦)، والبخاري (١٠٨٩)، ومسلم (٦٩٠)(١٠)، وأبو داود (١٢٠٢)، والترمذي (٥٤٦)، والنسائي (١/ ٢٣٤).
ــ
عنه في الحديث الآتي بعد هذا أنه قال: ومع عثمان صدرًا من خلافته ثماني سنين أو ست سنين (١). ووجه التلفيق أن ابن عمر إنما أخبر عن عثمان في سائر أسفاره في غير منى؛ لأن إتمام عثمان إنما كان بمنى على ما فسَّره عمران بن حصين، وكذا قال ابن حبيب.
والأسوة: القدوة.
(٩٠) ومن باب: من أين يبدأ بالقصر؟
قول أنس إن رسول الله ﷺ صلّى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلّى العصر بذي الحليفة ركعتين، هذا كان وقد أزمع ﷺ على سفره إلى مكة، والظاهر أنه كان في حجته، وبين ذي الحليفة والمدينة نحو من ستة أميال، وقيل سبعة. واختلف
стр. 941
[٥٧٣]- وعَن يَحيَى بنِ يَزِيدَ الهُنَائِيِّ قَالَ: سَأَلتُ أنَسَ بنَ مَالِكٍ عَن قَصرِ الصَّلاةِ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَميَالٍ أَو ثَلاثَةِ فَرَاسِخَ - شُعبَةُ الشَّاكُّ - صَلَّى رَكعَتَينِ.
رواه أحمد (٣/ ١٩٠)، ومسلم (٦٩١)، وأبو داود (١٢٠١).
[٥٧٤]- وَعَن أَنَسٍ قَالَ: خَرَجنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَصَلَّى رَكعَتَينِ رَكعَتَينِ حَتَّى رَجَعَ. قُلتُ: كَم أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشرًا.
ــ
في الموضع الذي يَبدأُ منه بالقصر المسافرُ؛ فذهب جمهور السلف والعلماء إلى أنه إذا خرج من بيوت المدينة قصر، وإذا دخلها راجعًا من سفره أتم. ومحصول مشهور مذهب مالك هذا، ورُوي عنه أنه لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال إن كانت القرية مما تجمع فيها الجمعة، فإذا رجع أتم من هناك. وروي عن عطاء وغيره وجماعة من أصحاب عبد الله أنه إذا أراد السفر قصر قبل خروجه. ورُوي عن مجاهد: لا تقصر إذا خرجت يومك إلى الليل. ولم يوافقه أحد على هذا، والصحيح مذهب الجمهور. وفي حديث أنس ما يرد قول عطاء ومن قال بقوله وقول مجاهد؛ فإنه قصر بعدما فارق المدينة وقبل الليل، فكان ذلك ردًّا لقولهما.
وقوله كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ ربما تمسك به بعض الظاهرية وبحديث ذي الحليفة على أن من نوى سفرًا قصيرًا ولم يبلغ يومًا تامًّا أنه يقصر، ولا حجة له فيه لأنه مشكوك فيه، فلا يوثق لا بالثلاثة أميال ولا بالثلاثة فراسخ؛ إذ كل واحد منهما مشكوك فيه، وعلى تقدير أحدهما فلعلّه حدّد المسافة التي بدأ منها القصر، وسفره بعد ذلك كان أزيد بالمقدار الذي حكيناه عن الجمهور، والله تعالى أعلم.
وقول أنس إن النبي ﷺ أقام بمكة عشرًا يصلّي ركعتين ركعتين تمسك
стр. 942
رواه أحمد (٣/ ١٨٧ و ٢٨٢)، والبخاري (١٠٨١)، ومسلم (٦٩٣)(١٥)، وأبو داود (١٢٣٣)، والترمذي (٥٤٨)، والنسائي (٣/ ١٢١)، وابن ماجه (١٠٧٧).
* * *
ــ
به بعض من قال: إن المسافر إذا نوى إقامة عشرة أيام قصر، فإن نوى زيادة عليها أتم - وهو مروي عن علي وابن عباس في أحد قوليه.
وقد كثر اختلاف الناس في هذه المسألة؛ فقيل عن ربيعة: إذا نوى إقامة يوم وليلة أتم. وروي عن سعيد بن المسيب: إذا نوى إقامة ثلاثة أيام أتم. وروي عن جمهور أئمة الفتوى: إذا نوى إقامة أربعة أيام بلياليها أتم. وروي عن أحمد وداود: إذا نوى زيادة على أربعة، ويقصر في الأربعة. وروي: زيادة على عشرة عن من ذكرنا. وروي: اثنا عشر عن ابن عمر في أحد قوليه، وعن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب. وروي عن الأوزاعي: ثلاثة عشر - وهو قول الكوفيين. وروي عن الليث أنه إذا زاد على خمسة عشر يوما أتم. وروي عن ابن عباس: يتمّ فيما زاد على سبعة عشر. وروي: تسعة عشر. وروي عن أحمد: يقصر إذا نوى إقامة أحد وعشرين، ويتم فيما زاد اعتمادًا على إقامة النبي ﷺ بمكة، فإنه خرج صبيحة الثامن من يوم التروية. وقال داود: في عشرين صلاة، ويتم إذا زاد - ونحو هذا لابن الماجشون.
وروي عن الحسن أنه يقصر أبدًا، إلا أن يقدم مصرًا من الأمصار. قال القاضي عياض: وأكثر اختلافهم في هذا مبني على مدة إقامة النبي ﷺ وتقصيره في حجته؛ فإنه دخل مكة صبح رابعة من ذي الحجة وخرج صبح أربعة عشر على ما تظاهرت به الروايات، لكن بعض شيوخنا قال: كان شارف مكة في اليوم الثالث فقصر عنها، وبات بذي طوى حتى صلى الصبح، ثم دخل نهارًا - والنهار لا اعتداد
стр. 943
(٩١) باب قَصر الصلاة بِمنىً
[٥٧٥]- عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِنًى رَكعَتَينِ، وَأَبُو بَكرٍ بَعدَهُ، وَعُمَرُ بَعدَ أَبِي بَكرٍ، وَعُثمَانُ صَدرًا مِن خِلافَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ
ــ
به عند العرب إذا انقضت (١) ليلته - فأقام بها اليوم الخامس والسادس والسابع، وخرج بعد تمام ثلاثٍ كما شرع، فلم يقم بمكة أكثر من ثلاث، وخرج إلى منى للنظر في حجه، وهو فيه في حكم المسافر حتى أكمله، ثم عاد إلى المدينة، فجاء هذا موافقًا لمذهبنا في أن ثلاثة أيام ليست بإقامة.
واختلف في إقامته بمكة زمن الفتح؛ فروي عن ابن عباس خمس عشرة وسبع عشرة وتسع عشرة، وعن عمران بن حصين ثماني عشرة.
قلت: والأشبه في هذه الأقوال قول الجمهور ومالك وغيره؛ لأنه يعتضد بإباحة النبي ﷺ المقام للمهاجر بمكة ثلاثًا، فإنه أبقى عليه فيها حكم المسافر، ومنعه من مقام الرابع فحكم له فيه بمقام الحاضر القاطن، فكان ذلك أصلا معتمدًا. وأما ما استُدِلَّ به غير هذا من إقامة النبي ﷺ بمكة في الفتح وفي حجته وكم أقام في الطائف فلا حجة فيه؛ لما في تلك الروايات من الاضطراب الكثير، ولأنه يمكن أن يقال في كل واحد منها إن النبي ﷺ إنما أقام تلك المدة فقصر لأنه لم يُجمع في نيته على إقامة أربعة أيام بلياليها، والله أعلم.
(٩١) ومن باب: قصر الصلاة بمنى
فيه حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ صلّى بمنى ركعتين، وأبو بكر وعمر، وعثمان صدرًا من خلافته؛ لا خلاف أن هذا حكم الحاج من غير أهل مكة وعرفة
стр. 944
عُثمَانَ صَلَّى بَعدُ أَربَعًا، فَكَانَ ابنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلَّى أَربَعًا وَإِذَا صَلَاّهَا وَحدَهُ صَلَّى رَكعَتَين.
وَفِي رِوَايَةٍ مكان صدرًا من خلافته: ثماني سنين - أو قال: ست سنين.
رواه البخاري (١٠٨٢)، ومسلم (٦٩٤)(١٧)، والنسائي (٣/ ١٢١).
ــ
بمنى يقصرون، وعند مالك أن حكم الحاج من أهل مكة أنهم يقصرون بمنى وعرفات، وكذلك أهل عرفة بمنى ومكة يقصرون، وخالفه في ذلك أبو حنيفة والشافعي وجماعة فقالوا إنهم (١) يتمون؛ إذ ليس في المسافة مسافة قصر، وحجة مالك التمسك بظاهر حديث ابن عمر المذكور واتّباع العمل العام في ذلك، ولأن تكرار الحاج في مشاعره ومناسكه مقدار المسافة التي تُقصر فيها الصلاة، والله تعالى أعلم.
فأما أهل تلك المواضع فلا خلاف أحسبه في أن كل واحد منهم يتم في موضعه وإن شرع في عمل الحج لأنهم في أهلهم، وقد ذكرنا ما تُؤُوِّل به إتمام عثمان.
وقوله ست سنين أو ثماني سنين، الصحيح سبع سنين، قال عمران بن حصين: حججت مع عثمان سبعًا من إمارته لا يصلي إلا ركعتين، ثم صلى بمنى أربعًا (٢).
وقوله فكان ابن عمر إذا صلّى مع الإمام صلّى أربعًا، وإذا صلّى وحده صلّى ركعتين؛ يعني بالإمام عثمان لما أتم، فإن ابن عمر وابن مسعود كانا يصليان معه ويتمّان مع اعتقادهما أن القصر أولى وأفضل، لكنهما اتبعاه لأن
стр. 945
[٥٧٦]- وعَن عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ يَزِيدَ قَالَ: صَلَّى بِنَا عُثمَانُ بِمِنًى أَربَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ فَاستَرجَعَ، ثُمَّ قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِنًى رَكعَتَينِ، وَصَلَّيتُ مَعَ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ بِمِنًى رَكعَتَينِ،
ــ
الإتمام جائز، ومخالفة الإمام فيما رآه مما يسوغ ممنوعة. ويحتمل أن يريد بالإمام هنا أيّ إمام اتفق من أئمة المسلمين، ويعني به أن ابن عمر كان إذا صلى خلف مقيم أتم تغليبًا لفضيلة الجماعة وبحكم الموافقة فيما يجوز أصله.
وقد اختلف في مسافر صلى خلف مقيم، وهذا الخلاف يتنزل على الخلاف المتقدم في حكم القصر، فقياس من قال إن القصر فرض أن لا تجزئه صلاته، وحكاه القاضي أبو محمد عن بعض المتأخرين من أصحابنا. وقال غير هؤلاء: يقتدي به في الركعتين خاصة، ثم هل يسلم ويتركه أو ينتظره ويسلم معه؟ قولان.
ومن قال بأن القصر سنة من أصحابنا اختلفوا؛ فروى ابن الماجشون وأشهب أنه يتم ثم يعيد في الوقت، إلا أن يكون في أحد مسجدي الحرمين أو مساجد الأمصار الكبار، وروى مطرف أن لا إعادة، ورواه ابن القاسم.
قلت: وقياس من قال بالتخيير أن لا إعادة أصلا؛ بل القصر والإتمام في حقه سيّان يفعل أيهما شاء، إلا أن الأولى به أن لا يخالف الإمام، فإذا صلى خلف مقيم اتبعه من جهة منع المخالفة لا من جهة التخيير، والله أعلم.
وقوله فاسترجع؛ أي قال ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ وهذا الاسترجاع لما رأى من تفويت عثمان لفضيلة القصر ولوجود صورة خلافه لمن تقدمه، ولا يفهم منه أن ذلك الإتمام لا يجزئ؛ لأنه قال: وليت حظي من أربع ركعات (١) ركعتان متقبَّلتان - فلو كانت تلك الصلاة لا تجزئ لما كان له فيها حظ؛ لا من ركعتين ولا من غيرهما، فإنها كانت تكون فاسدة كلها، والله تعالى أعلم.
стр. 946
وَصَلَّيتُ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ بِمِنًى رَكعَتَينِ، فَلَيتَ حَظِّي مِن أَربَعِ رَكَعَاتٍ رَكعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.
رواه أحمد (١/ ٣٧٨ و ٤١١٦)، والبخاري (١٠٨٤)، ومسلم (٦٩٥)(١٩)، وأبو داود (١٩٦٠)، والنسائي (٣/ ١٢٠ - ١٢١).
* * *
(٩٢) باب جواز التخلف عن صلاة الجماعة والجمعة لعذر المطر
[٥٧٧]- عَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلاةِ فِي لَيلَةٍ ذَاتِ بَردٍ وَرِيحٍ وَمَطَرٍ، فَقَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ: أَلا صَلُّوا فِي رِحَالِكُم، أَلا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ،
ــ
وقال الداودي: خشي ألا تجزئه الأربع - وليس صحيحا لما ذكرناه.
قلت: ولا خلاف أن القصر المذكور إنما هو في الصلاة الرباعية، فإن الصبح والمغرب لا تقصران بالإجماع - حكى ذلك القاضيان أبو عبد الله بن أبي صُفَرة وعياض.
(٩٢) ومن باب: جواز التخلف عن الجماعة لعذر المطر
قوله: نادى؛ أي: أذّن، وظاهر قوله: في آخر ندائه أنه قال ذلك بعد فراغه من الأذان، ويحتمل أن يكون في آخره قبل الفراغ، ويكون هذا مثل حديث ابن عباس؛ حيث قال لمؤذنه: إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد (١) أن
стр. 947
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأمُرُ المُؤَذِّنَ إِذَا كَانَت لَيلَةٌ بَارِدَةٌ أَو ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ أَن يَقُولَ: أَلا صَلُّوا فِي رِحَالِكُم.
رواه أحمد (٢/ ١٠ و ٥٣)، والبخاري (٦٣٢)، ومسلم (٦٩٧) (٢٢ و ٢٣)، وأبو داود (١٠٦٠ - ١٠٦٤)، والنسائي (٢/ ١٥)، وابن ماجه (٩٣٧).
[٥٧٨]- وعَن جَابِرٍ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَمُطِرنَا، فَقَالَ: لِيُصَلِّ مَن شَاءَ مِنكُم فِي رَحلِهِ.
رواه مسلم (٦٩٨)، وأبو داود (١٠٦٥)، والترمذي (٤٠٩).
[٥٧٩]- وعَن عَبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَومٍ مَطِيرٍ: إِذَا قُلتَ: أَشهَدُ أنَّ لَا إلهَ إلَا الله، وأَشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلا تَقُل: حَيَّ
ــ
محمدًا رسول الله؛ فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في رحالكم. وقد استدل بهذين الحديثين من أجاز الكلام في الأذان، وهم: أحمد والحسن وعروة وعطاء وقتادة، وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن أبي حازم من المالكية، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأن الحديث الأول إن لم يكن ظاهرًا فيما ذكرناه، فلا أقل من أن يكون محمولا، على أن هذا الحديث قد رواه أبو أحمد بن عدي من حديث أبي هريرة؛ قال فيه: كان رسول الله ﷺ إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة أمر المؤذن فأذن بالأذان الأول، فإذا فرغ نادى: الصلاة في الرحال - أو: في رحالكم - (١)، وهذا نص يرفع ذلك الاحتمال.
والحديث الثاني لم يسلك به مسلك الأذان، ألا تراه قال: لا تقل حي على
стр. 948
عَلَى الصَّلاةِ، قُل: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُم. قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ استَنكَرُوا ذَلكَ، فَقَالَ: أَتَعجَبُونَ مِن ذَا؟ قَد فَعَلَ ذَا مَن هُوَ خَيرٌ مِنِّي. إِنَّ الجُمُعَةَ عَزمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهتُ أَن أُحرِجَكُم فَتَمشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحضِ.
رواه أحمد (١/ ٢٧٧)، والبخاري (٩٠١)، ومسلم (٦٩٩)(٢٦)، وأبو داود (١٠٦٦)، وابن ماجه (٩٣٩).
* * *
ــ
الصلاة؟ وإنما أراد إشعار الناس بالتخفيف عنهم للعذر، كما فعل في التثويب للأمراء. وقد كره الكلام في الأذان مالك والشافعي وأبو حنيفة، وعامة الفقهاء.
وظاهر هذين الحديثين: جواز التخلف عن الجماعة والجمعة للمشقة اللاحقة من المطر والريح والبرد، وما في معنى ذلك من المشاق المحرجة في الحضر والسفر، وهذا في غير الجمعة قريب؛ إذ ليس غيرها بواجب على أصولنا، وأما في الجمعة ففيه إشكال، وقد اختلف الناس في جواز التخلف عنها لعذر المطر والوحل، فذهب أحمد بن حنبل إلى جواز التخلف عنها للمطر الوابل، وبمثله قال مالك في المطر الشديد والوحل في أحد القولين عنه، وروي عنه أنه لا يجوز، وحديث ابن عباس حجة واضحة على الجواز.
فرع: وعلى القول بالجواز عن مالك، تترك لعذر تمريض المشرف على الهلاك القريب، والزوجة، والمملوك. وقال ابن القاسم: ولجنازة أخ من إخوانه ينظر في أمره. وقال ابن حبيب: ولغسل ميت عنده.
وقوله: كرهت أن أحرجكم؛ الرواية فيه بالحاء المهملة، وهو من الحرج والمشقة، ومنه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ والدَّحَض: الزلق، وهو الزلل.
стр. 949
(٩٣) باب التنفل والوتر على الراحلة في السفر
[٥٨٠]- عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي، وَهُوَ مُقبِلٌ
ــ
وقوله في الأم (١): في يوم ذي رَدغٍ: الرواية المشهورة فيه بدال مهملة ساكنة، وغين معجمة، ووقع في رواية أبي الفتح السمرقندي: رزغ بالزاي، وكلاهما: الطين الذي يزلق فيه. وقد قُيِّد: رَزَغ بفتح الزاي وسكونها، وصوابه الفتح، فإنه الاسم؛ كالنَّقص والنقَض، والسكون للمصدر.
(٩٣) ومن باب: والوتر على الراحلة
لم يختلف العلماء في جواز التنفل على الراحلة للمسافر قِبَل أي وجه توجه بعد الشروع فيها، واختلفوا: هل يلزمه أن يفتتح نافلته إلى القبلة أم لا؟ فذهب الشافعي وأحمد وأبو ثور إلى أن ذلك يلزمه، وذهب مالك وغيره إلى أن ذلك لا يلزمه، وحجتهم التمسك بظاهر الحديثين المذكورين في هذا الباب، أعني حديث ابن عمر [وأنس] (٢) فتأملهما.
ولا شك أن هذا الفعل منه ﷺ إنما كان في السفر، وهل يجوز فعله في الحضر أم لا؟ فذهب أبو يوسف إلى أنه يجوز في الحضر، ورَوي عن أنس أنه كان يومئ على حمار في أزقَّة المدينة، وحكاه بعض الشافعية عن مذهبهم، ومالك لا يراه إلا في سفرٍ طال.
стр. 950
مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيثُ كَانَ وَجهُهُ، قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَت: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ﴾
رواه البخاري (١٠٠٠)، ومسلم (٧٠٠)(٣٣)، والترمذي (٤٧٢)، والنسائي (١/ ٢٤٤).
[٥٨١] وفي رِوَايَةٍ: قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيبَرَ.
رواه مسلم (٧٠٠)(٣٥)، وأبو داود (١٢٢٦).
ــ
وقوله: ﴿فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ﴾؛ أي: جهة الله، يعني: القبلة، وأضافها الله تعالى إليه تشريفًا، وقيل: رضاه، وقيل: رحمته؛ كما قال في الحديث: فإن الرحمة تواجهه (١)، وقال الفَرَّاء: العمل؛ كما قال الشاعر:
أستغفرُ الله ذنبًا لست مُحصِيَهُ ... ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ
وفي قوله نظر، فإن الوجه المذكور في الشعر ليس هو العمل، بدليل ذكر العمل بعده، وإنما معناه: القصد؛ أي: إليه القصد والعمل، ويمكن حمل الوجه في الآية على هذا، والله أعلم.
وقوله في رواية عمرو بن يحيى المازني: على حمار، وَهمَ الدارقطني وغيره هذه الرواية؛ قالوا: والمعروف: على راحلته، وعلى بعير، ولم يخرج البخاري هذه الرواية.
وقوله: وهو مُوجِّهٌ إلى خيبر؛ أي: متوجِّه، يقال: وجَّه فلان؛ إذا توجَّه.