وَصَلَّيتُ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ بِمِنًى رَكعَتَينِ، فَلَيتَ حَظِّي مِن أَربَعِ رَكَعَاتٍ رَكعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.
رواه أحمد (١/ ٣٧٨ و ٤١١٦)، والبخاري (١٠٨٤)، ومسلم (٦٩٥)(١٩)، وأبو داود (١٩٦٠)، والنسائي (٣/ ١٢٠ - ١٢١).
* * *
(٩٢) باب جواز التخلف عن صلاة الجماعة والجمعة لعذر المطر
[٥٧٧]- عَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلاةِ فِي لَيلَةٍ ذَاتِ بَردٍ وَرِيحٍ وَمَطَرٍ، فَقَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ: أَلا صَلُّوا فِي رِحَالِكُم، أَلا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ،
ــ
وقال الداودي: خشي ألا تجزئه الأربع - وليس صحيحا لما ذكرناه.
قلت: ولا خلاف أن القصر المذكور إنما هو في الصلاة الرباعية، فإن الصبح والمغرب لا تقصران بالإجماع - حكى ذلك القاضيان أبو عبد الله بن أبي صُفَرة وعياض.
(٩٢) ومن باب: جواز التخلف عن الجماعة لعذر المطر
قوله: نادى؛ أي: أذّن، وظاهر قوله: في آخر ندائه أنه قال ذلك بعد فراغه من الأذان، ويحتمل أن يكون في آخره قبل الفراغ، ويكون هذا مثل حديث ابن عباس؛ حيث قال لمؤذنه: إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد (١) أن
стр. 947
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأمُرُ المُؤَذِّنَ إِذَا كَانَت لَيلَةٌ بَارِدَةٌ أَو ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ أَن يَقُولَ: أَلا صَلُّوا فِي رِحَالِكُم.
رواه أحمد (٢/ ١٠ و ٥٣)، والبخاري (٦٣٢)، ومسلم (٦٩٧) (٢٢ و ٢٣)، وأبو داود (١٠٦٠ - ١٠٦٤)، والنسائي (٢/ ١٥)، وابن ماجه (٩٣٧).
[٥٧٨]- وعَن جَابِرٍ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَمُطِرنَا، فَقَالَ: لِيُصَلِّ مَن شَاءَ مِنكُم فِي رَحلِهِ.
رواه مسلم (٦٩٨)، وأبو داود (١٠٦٥)، والترمذي (٤٠٩).
[٥٧٩]- وعَن عَبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَومٍ مَطِيرٍ: إِذَا قُلتَ: أَشهَدُ أنَّ لَا إلهَ إلَا الله، وأَشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلا تَقُل: حَيَّ
ــ
محمدًا رسول الله؛ فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في رحالكم. وقد استدل بهذين الحديثين من أجاز الكلام في الأذان، وهم: أحمد والحسن وعروة وعطاء وقتادة، وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن أبي حازم من المالكية، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأن الحديث الأول إن لم يكن ظاهرًا فيما ذكرناه، فلا أقل من أن يكون محمولا، على أن هذا الحديث قد رواه أبو أحمد بن عدي من حديث أبي هريرة؛ قال فيه: كان رسول الله ﷺ إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة أمر المؤذن فأذن بالأذان الأول، فإذا فرغ نادى: الصلاة في الرحال - أو: في رحالكم - (١)، وهذا نص يرفع ذلك الاحتمال.
والحديث الثاني لم يسلك به مسلك الأذان، ألا تراه قال: لا تقل حي على
стр. 948
عَلَى الصَّلاةِ، قُل: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُم. قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ استَنكَرُوا ذَلكَ، فَقَالَ: أَتَعجَبُونَ مِن ذَا؟ قَد فَعَلَ ذَا مَن هُوَ خَيرٌ مِنِّي. إِنَّ الجُمُعَةَ عَزمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهتُ أَن أُحرِجَكُم فَتَمشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحضِ.
رواه أحمد (١/ ٢٧٧)، والبخاري (٩٠١)، ومسلم (٦٩٩)(٢٦)، وأبو داود (١٠٦٦)، وابن ماجه (٩٣٩).
* * *
ــ
الصلاة؟ وإنما أراد إشعار الناس بالتخفيف عنهم للعذر، كما فعل في التثويب للأمراء. وقد كره الكلام في الأذان مالك والشافعي وأبو حنيفة، وعامة الفقهاء.
وظاهر هذين الحديثين: جواز التخلف عن الجماعة والجمعة للمشقة اللاحقة من المطر والريح والبرد، وما في معنى ذلك من المشاق المحرجة في الحضر والسفر، وهذا في غير الجمعة قريب؛ إذ ليس غيرها بواجب على أصولنا، وأما في الجمعة ففيه إشكال، وقد اختلف الناس في جواز التخلف عنها لعذر المطر والوحل، فذهب أحمد بن حنبل إلى جواز التخلف عنها للمطر الوابل، وبمثله قال مالك في المطر الشديد والوحل في أحد القولين عنه، وروي عنه أنه لا يجوز، وحديث ابن عباس حجة واضحة على الجواز.
فرع: وعلى القول بالجواز عن مالك، تترك لعذر تمريض المشرف على الهلاك القريب، والزوجة، والمملوك. وقال ابن القاسم: ولجنازة أخ من إخوانه ينظر في أمره. وقال ابن حبيب: ولغسل ميت عنده.
وقوله: كرهت أن أحرجكم؛ الرواية فيه بالحاء المهملة، وهو من الحرج والمشقة، ومنه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ والدَّحَض: الزلق، وهو الزلل.
стр. 949
(٩٣) باب التنفل والوتر على الراحلة في السفر
[٥٨٠]- عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي، وَهُوَ مُقبِلٌ
ــ
وقوله في الأم (١): في يوم ذي رَدغٍ: الرواية المشهورة فيه بدال مهملة ساكنة، وغين معجمة، ووقع في رواية أبي الفتح السمرقندي: رزغ بالزاي، وكلاهما: الطين الذي يزلق فيه. وقد قُيِّد: رَزَغ بفتح الزاي وسكونها، وصوابه الفتح، فإنه الاسم؛ كالنَّقص والنقَض، والسكون للمصدر.
(٩٣) ومن باب: والوتر على الراحلة
لم يختلف العلماء في جواز التنفل على الراحلة للمسافر قِبَل أي وجه توجه بعد الشروع فيها، واختلفوا: هل يلزمه أن يفتتح نافلته إلى القبلة أم لا؟ فذهب الشافعي وأحمد وأبو ثور إلى أن ذلك يلزمه، وذهب مالك وغيره إلى أن ذلك لا يلزمه، وحجتهم التمسك بظاهر الحديثين المذكورين في هذا الباب، أعني حديث ابن عمر [وأنس] (٢) فتأملهما.
ولا شك أن هذا الفعل منه ﷺ إنما كان في السفر، وهل يجوز فعله في الحضر أم لا؟ فذهب أبو يوسف إلى أنه يجوز في الحضر، ورَوي عن أنس أنه كان يومئ على حمار في أزقَّة المدينة، وحكاه بعض الشافعية عن مذهبهم، ومالك لا يراه إلا في سفرٍ طال.
стр. 950
مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيثُ كَانَ وَجهُهُ، قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَت: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ﴾
رواه البخاري (١٠٠٠)، ومسلم (٧٠٠)(٣٣)، والترمذي (٤٧٢)، والنسائي (١/ ٢٤٤).
[٥٨١] وفي رِوَايَةٍ: قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيبَرَ.
رواه مسلم (٧٠٠)(٣٥)، وأبو داود (١٢٢٦).
ــ
وقوله: ﴿فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ﴾؛ أي: جهة الله، يعني: القبلة، وأضافها الله تعالى إليه تشريفًا، وقيل: رضاه، وقيل: رحمته؛ كما قال في الحديث: فإن الرحمة تواجهه (١)، وقال الفَرَّاء: العمل؛ كما قال الشاعر:
أستغفرُ الله ذنبًا لست مُحصِيَهُ ... ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ
وفي قوله نظر، فإن الوجه المذكور في الشعر ليس هو العمل، بدليل ذكر العمل بعده، وإنما معناه: القصد؛ أي: إليه القصد والعمل، ويمكن حمل الوجه في الآية على هذا، والله أعلم.
وقوله في رواية عمرو بن يحيى المازني: على حمار، وَهمَ الدارقطني وغيره هذه الرواية؛ قالوا: والمعروف: على راحلته، وعلى بعير، ولم يخرج البخاري هذه الرواية.
وقوله: وهو مُوجِّهٌ إلى خيبر؛ أي: متوجِّه، يقال: وجَّه فلان؛ إذا توجَّه.
стр. 951
[٥٨٢]- وعَنهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيهَا، غَيرَ أنَّهُ لا يُصَلِّي عَلَيهَا المَكتُوبَةَ.
رواه مسلم (٧٠٠)(٣٩)، وأبو داود (١٢٢٤)، والنسائي (١/ ٢٤٤).
* * *
ــ
وقد يقال: إن معناه قاصد، يقال: هذا وجهي إليه؛ أي: قصدي. ولم يقع في كتاب مسلم كيفية صلاته على الدابة، وقد وقع مفسرًا في الموطأ من فعل أنس: أنه صلى إيماءً (١). قال مالك: وتلك سنة الصلاة، قال: ولا يسجد على القَرَبُوس (٢).
وقوله: كان يسبح على الراحلة، ويوتر عليها: حجة للجمهور على أصحاب الرأي، حيث يقولون: إن الوتر لا يصلى على الراحلة.
وقوله: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة: حجة على من يقول بوجوب الوتر. وقد أجمع أهل العلم فيما حكاه عياض: على أنه لا يصلي فريضة على الدابة، في غير عذر خوف أو مرض. واختُلِفَ في الزَّمِن، واختَلَفَ فيه قول مالك. واختلف قول مالك أيضًا: هل السفينة في التنفل حيث توجهت به حكم الدابة أو خلافها؟ والمشهور أنها ليست كالدابة.
* * *
стр. 952
(٩٤) باب الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر
[٥٨٣]- عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيرُ، جَمَعَ بَينَ المَغرِبِ وَالعِشَاءِ.
ــ
(٩٤) ومن باب: الجمع بين الصلاتين
المراد في هذا الباب من الجمع: إنما هو إخراج إحدى (١) الصلاتين المشتركتين عن وقت جوازها، وإيقاعها في وقت الأخرى مضمومة إليها، وهو إنما يكون في الصلوات المشتركة الأوقات، وهي: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ولا يكون في غيرها بإجماع، ثم الجمع: متفق عليه، ومختلف فيه:
فالأول: هو الجمع بعرفة والمزدلفة، والمختلف فيه: هو الجمع في السفر، والمطر، والمرض. فأما الجمع في السفر فإليه ذهب جماعة السلف وفقهاء المحدثين والشافعي، وهو مشهور مذهب مالك، وهل ذلك لمجرد السفر؟ أو لا بد معه من جدّ السير؟ (٢) قولان. بالأول قال جمهور السلف وعلماء الحجاز وفقهاء المحدثين وأهل الظاهر. وبالثاني قال مالك والليث والثوري والأوزاعي، وأَبَى أبو حنيفة وحده الجمعَ للمسافر (٣)، وكرهه الحسن وابن سيرين، وروي عن مالك كراهيته، وروي عنه أنه كرهه للرجال دون النساء.
стр. 953
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا أَعجَلَهُ السَّيرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلاةَ المَغرِبِ، حَتَّى يَجمَعَ بَينَهَا وَبَينَ صَلاةِ العِشَاءِ.
ــ
وأحاديث ابن عمر وأنس ومعاذ المذكورة في هذا الباب حجة على أبي حنيفة. لكن أبو حنيفة تأوّلها على أن الصلاة الأولى وقعت في آخر وقتها، والثانية وقعت في أول وقتها، وهذا يجوز باتفاق.
وقد جاء في حديث معاذ في كتاب أبي داود: أنه ﷺ كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب، وهذا حجة ظاهرة للجمهور في الرد على أبي حنيفة. وأما لعذر المطر: فقال به مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور السلف: بين المغرب والعشاء، وأما بين الظهر والعصر: فقال بالجمع بينهما في المطر الوابل: الشافعي وأبو ثور والطبري وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر والليث: من الجمع في صلاتي الليل والنهار. وأما الجمع لعذر المرض فقال به مالك: إذا خاف الإغماء على عقله، وأبى ابن نافع الجمعَ لذلك، وقال: لا يجمع قبل الوقت، فمن أغمي عليه حتى ذهب وقته لم يجب عليه قضاؤه، ومنعه أيضًا أشهب والشافعي.
وذهب كافة العلماء إلى منع الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر إلا شذوذًا؛ منهم من السلف: ابن سيرين، ومن أصحابنا أشهب؛ فأجاز ذلك للحاجة ما لم تتخذ عادة، ونحوه لعبد الملك في الظهر والعصر. وحجتهم في ذلك حديث ابن عباس.
وقوله في حديث أنس وابن عمر: إذا عجل به السير: حجة ظاهرة لمشترط
стр. 954
رواه أحمد (٢/ ٧ و ٥١)، والبخاري (١٠٩٢)، ومسلم (٧٠٣)(٤٢)، وأبو داود (١٢٠٧ - ١٢١٧)، والترمذي (٥٥٥)، والنسائي (١/ ٢٨٧ و ٢٨٩).
[٥٨٤]- وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا ارتَحَلَ قَبلَ أَن تَزِيغَ الشَّمسُ أَخَّرَ الظُّهرَ إِلَى وَقتِ العَصرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَينَهُمَا. فَإِن زَاغَتِ قَبلَ أَن يَرتَحِلَ صَلَّى الظُّهرَ ثُمَّ رَكِبَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: يُؤَخِر الظُهرَ إِلَى أَول وقتِ العَصرَ.
رواه أحمد (٣/ ٢٤٧ و ٢٦٥)، والبخاري (١١١١)، ومسلم (٧٠٤) (٤٦ و ٤٨) وأبو داود (١٢١٨ و ١٢١٩)، والنسائي (١/ ٢٨٤ و ٢٨٥).
ــ
جِدَّ السير في الجمع، ولا تعارض هذه الأحاديث التي لم يذكر فيها ذلك؛ لأن الحجة في المنقول لا في المسكوت عنه، ويتعين حمل المطلق منهما على المقيد هنا لاتحاد الموجِب والموجَب، وهو موضع اتفاق الأصوليين في حمل المطلق على المقيد. وإنما خصّ ابن عمر صلاة المغرب والعشاء بالذكر، ولم يذكر العصر؛ لوقوع الجمع له بين المغرب والعشاء، وهو الذي سأله عنه نافع، فأجاب عمّا سئل عنه حين استُصرِخَ على امرأته صفية بنت أبي عبيد، فاستعجل بالجمع بين المغرب والعشاء، وسئل فأجاب بما ذكر.
وقوله في حديث أنس: إنه ﷺ كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل: ظاهر في أنه كان يصلي الظهر في وقت العصر؛ لأنه إذا أخّر الظهر لأول وقت العصر (١)، ثم بعد ذلك بمهلة نزل فتوضأ، فصلى
стр. 955
[٥٨٥]- وعَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا عَجِلَ به السَّفَرُ يُؤَخِّرُ الظُّهرَ إِلَى أَوَّلِ وَقتِ العَصرِ، فَيَجمَعُ بَينَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ المَغرِبَ حَتَّى يَجمَعَ بَينَهَا وَبَينَ العِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ.
رواه مسلم (٧٠٤)(٤٨).
[٥٨٦]- وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهرَ وَالعَصرَ جَمِيعًا، وَالمَغرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا، فِي غَيرِ خَوفٍ وَلا سَفَرٍ.
ــ
الصلاتين؛ فيلزم أن يصلي الظهر في أول وقت العصر ولا بدّ. وأوضح من هذا ما في الرواية الأخرى؛ من أنه ﷺ كان يؤخّر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق، فظاهر ذلك حجة على أبي حنيفة؛ حيث منع الجمع المذكور، وهذا إنما فعله ابن عمر والنبيُّ ﷺ ؛ لأنهما زالت عليهما الشمس وغربت وهما يجدّان السير، فلو أراد أن يرتحل بعد الزوال ناويًا أن لا ينزل حتى يخرج وقت الصلاتين صلى الأولى في أول الوقت، والثانية بعدها مجموعة إليها.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وله أن يجمع بين الصلاتين في وقت أيهما شاء، والاختيار: في آخر وقت الأولى، وأول وقت الثانية. وكونه ﷺ صلى الظهر ثم ركب، ولم يصل العصر مجموعة إليها؛ إما لأنه نوى أن ينزل في وقت العصر، وإما لأنه لم يرد أن يجمع بينهما؛ لأن الجمع هنا غايته أن يكون جائزًا للرّخصة، وإما أنه لم يجدّ به السير، والله تعالى أعلم.
وقوله في حديث ابن عباس: أنه ﷺ أخّر الظهر والعصر والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر ولا مطر: قد أخذ الناس في تأويل هذا الحديث مآخد، وأولاها: أن هذا الجمع يمكن أن يكون المراد به تأخير الأولى إلى أن يفرغ منها في آخر وقتها، ثم بدأ بالثانية في أول وقتها، وإلى هذا يشير تأويل أبي الشعثاء، ويدل على صحة هذا التأويل: أنه قد بقي فيه الأعذار المبيحة للجمع التي هي:
стр. 956
وَفِي رِوَايَةٍ: بِالمَدِينَةِ فِي غَيرِ خَوفٍ وَلا مَطَرٍ. قِيلَ لابنَ عَبَّاسٍ: ما أَرَادَ إلى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَن لا يُحرِجَ أُمَّتِهِ.
رواه أحمد (٣/ ١٣٨)، والبخاري (١١١٢)، ومسلم (٧٠٥) (٤٩ و ٥٤).
[٥٨٧]- وعَنهُ قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبعًا جَمِيعًا. قِيلَ: يَا أَبَا الشَّعثَاءِ! أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهرَ وَعَجَّلَ العَصرَ، وَأَخَّرَ المَغرِبَ وَعَجَّلَ العِشَاءَ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَلكَ.
رواه أحمد (١/ ٢٢١)، والبخاري (١١٧٤)، ومسلم (٧٠٥)(٥٥)، وأبو داود (١٢١٠ - ١٢١٤)، والترمذي (١٨٧)، والنسائي (١/ ٢٩٠).
[٥٨٨]- وَعَن مُعَاَذ بنِ جَبَلٍ قَالَ: خَرَجنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِي الظُّهرِ وَالعَصرِ جَمِيعًا، والمَغرِبِ وَالعِشَاءِ جَمِيعَا، فَقِيلَ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَرَادَ أَن لا يُحرِجَ أُمَّتَهُ.
رواه مسلم (٧٠٦)(٥٢) و (٧٠٥)(٥١)، وأبو داود (١٢٠٦ و ١٢٠٨)، والترمذي (٥٥٣ و ٥٥٤)، والنسائي (١/ ٢٨٥)، وابن ماجه (١٠٧٠).
* * *
ــ
الخوف والسفر والمطر، وإخراج الصلاة عن وقتها المحدود لها بغير عذر لا يجوز باتفاق، فتعين ما ذكرناه، والله أعلم.
وقول من تأوّله على أنه كان في مطر، قد أبطلته هذه الرواية الصحيحة التي قال فيها: من غير خوف ولا مطر.
وقوله: أراد أن لا يُحرِج أمته: روي بالياء باثنتين من أسفل وبضمها، وأمته منصوبًا على أنه مفعول، وبفتح التاء باثنتين من فوق، وضم أمته على أنها فاعله، ومعناه: إنما فعل ذلك لئلا يشق عليهم، ويثقل، فقصد إلى التخفيف عنهم مع المحافظة على إيقاع كل صلاة في وقتها على ما تأوّلناه، والله أعلم.
стр. 957
(٩٥) باب الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال
[٥٨٩]- عَن عبد الله: لا يَجعَلَنَّ أَحَدُكُم لِلشَّيطَانِ مِن نَفسِهِ جُزءًا، لا يَرَى إِلا أَنَّ حَقًّا عَلَيهِ أَن لا يَنصَرِفَ إِلا عَن يَمِينِهِ. أَكثَرُ مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنصَرِفُ عَن شِمَالِهِ.
رواه أحمد (١/ ٤٦٤)، والبخاري (٨٥٢)، ومسلم (٧٠٧)(٥٩)، وأبو داود (١٠٤٢)، والنسائي (٣/ ٨١).
[٥٩٠]- وَعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: سَأَلتُ أَنَسًا: كَيفَ أَنصَرِفُ إِذَا صَلَّيتُ عَن يَمِينِي أَو عَن يَسَارِي؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَكثَرُ مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنصَرِفُ عَن يَمِينِهِ.
رواه أحمد (٣/ ٢١٧)، ومسلم (٧٠٨)(٦٠)، والنسائي (٣/ ٨١).
ــ
(٩٥) ومن باب: الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال
قوله ﷺ : لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءًا: هذا الحديث يدل على أن ملازمة الانصراف عن اليمين من الصلاة غير جائز، وأن له أن ينصرف عن يمينه وشماله، وهو مذهب كافة العلماء، غير أن الحسن ذهب إلى استحباب الانصراف عن اليمين، وهو الظاهر من حديث أنس، وما حكاه ابن مسعود وأنس في هذين الحديثين يدل على أن النبي ﷺ كان يفعل الأمرين جميعًا، وأن ذلك واسع، وليس فيه سنة يدام عليها؛ إذ قد (١) رأى ابنُ مسعود النبيَّ ﷺ في أكثر حالاته ينصرف عن شماله، ورأى أنس عكس ذلك، فكان ذلك دليلا على ما قلناه، والله أعلم.
стр. 958
[٥٩١] وَعَنِ البَرَاءِ، قالَ: كُنَّا إِذاَ صَلِّيِنَّا خَلفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحبَبنَا أَن نَكُونَ عَن يَمِينِهِ، يُقبِلُ عَلَينَا بِوَجهِهِ، قَالَ: فَسَمِعتُهُ يَقُولُ: رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَومَ تَبعَثُ (أَو تَجمَعُ) عِبَادَكَ.
رواه أحمد (٤/ ٣٠٤)، ومسلم (٧٠٩)(٦٢)، وأبو داود (٦١٥).
* * *
(٩٦) باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة
[٥٩٢]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلا المَكتُوبَةُ.
رواه أحمد (٢/ ٤٥٥)، ومسلم (٧١٠)(٦٣)، وأبو داود (١٢٦٦)، والترمذي (٤٢١)، والنسائي (٢/ ١١٦)، وابن ماجه (١١٥١).
ــ
وقوله: أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه: وهذا يحتمل أن يكون أن هذا الإقبال منه ﷺ في حال سلامه من الصلاة؛ فإنه كان يبدأ بالسلام بيمينه، والأظهر أنه كان حين انصرافه من الصلاة، ويكون هذا حين كان يكثر أن ينصرف عن يمينه كما قاله أنس، والله أعلم.
(٩٦) ومن باب: قوله: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة
ظاهره أنه لا تنعقد صلاة التطوع في وقت إقامة الفريضة، وبه قال أبو هريرة وأهل الظاهر، ورأوا أنه يقطع صلاته إذا أقيمت عليه المكتوبة. وروي عن
стр. 959
[٥٩٣]- وعَن عَبدِ الله بنِ مَالِكٍ بنِ بُحَينَةَ قَالَ: أُقِيمَت صَلاةُ الصُّبحِ، فَرَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلا يُصَلِّي، وَالمُؤَذِّنُ يُقِيمُ، فَقَالَ: أَتُصَلِّي الصُّبحَ أَربَعًا؟
رواه أحمد (٥/ ٣٤٥)، والبخاري (٦٦٣)، ومسلم (٧١١)(٦٦)، والنسائي (٢/ ١١٧)، وابن ماجه (١١٥٣).
ــ
عمر بن الخطاب أنه كان يضرب على صلاة الركعتين بعد الإقامة. وذهب مالك إلى أنه إذا أقيمت عليه المكتوبة وهو في نافلة، فإن كان ممن يخف عليه ويتمّها بأم القرآن وحدها فعل ولا يقطع، وإن لم يكن كذلك قطع. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يتمها. وعلى هذا الحديث فمن دخل لصلاة الصبح والإمام في الصلاة ولم يكن صلى الفجر لا يصلي ركعتي الفجر (١). وهو مذهب جمهور السلف من العلماء وغيرهم.
وقد اختلفوا: هل يخرج لها من المسجد ويصلي خارجه أم لا يخرج؟ قولان لأهل العلم. وإذا قلنا: لا يخرج، فهل يصليهما والإمام يصلي، أو لا يصليهما، ويدخل مع الإمام في صلاته؟ وبالأول: قالت طائفة من السلف؛ منهم ابن مسعود. وبالثاني قال الشافعي وأحمد والطبري وابن سيرين، وحكي عن مالك. وإذا قلنا: إنه يخرج، فهل ذلك ما لم يخش فوات الركعة الأولى، فإن خشيه دخل، أو إنما يراعي خشية فوات الآخرة؟ قولان: الأول: لمالك والثوري، والثاني: أيضًا حُكي عن مالك. وقيل: يصليهما وإن فاتته صلاة الإمام إذا كان الوقت واسعًا؛ قاله ابن الجلاب.
وقوله ﷺ : أتصلي الصبح أربعًا؟ إنكار على الرجل الذي فعل ذلك، وهذا الإنكار حجة على من ذهب إلى جواز صلاة ركعتي الفجر في المسجد
стр. 960
[٥٩٤]- وَعَن عبد الله بنِ سَرجَسَ قالَ: دَخَلَ رَجُلٌ المَسجِدَ، وَرَسُول اللهِ ﷺ فِي صَلاةِ الغَدَاةِ، فَصَلَّى رَكعَتَينِ فِي جَانِبِ المَسجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: يَا فُلانُ بِأَيِّ الصَّلاتَينِ اعتَدَدتَ؟ أَبِصَلاتِكَ وَحدَكَ أَم بِصَلاتِكَ مَعَنَا؟ .
رواه أحمد (٥/ ٨٢)، ومسلم (٧١٢)، وأبو داود (١٢٦٥)، والنسائي (٢/ ١١٧)، وابن ماجه (١١٥٢).
* * *
ــ
والإمام يصلي كما ذكرناه آنفًا، وعلى سدّ الذريعة التي يخاف منها توهم الزيادة في الفرائض. وقال في رواية أخرى ما ينص على ذلك: يوشك أن يُصَلّي أحدكم الصبحُ أربعًا، وكذلك يفهم من قوله ﷺ في الحديث الآخر: يا فلان! بأي الصلاتين اعتددت، بصلاتك وحدك، أو بصلاتك معنا؟ ويزيد معنى آخر وهو: أن فيه منع ما يؤدي إلى الخلاف على الإمام.
ويمكن أن يستنبط من هذين الحديثين: أن ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال صحَّت؛ لأنه ﷺ لم يقطع عليهما مع تمكنه من ذلك. وفي إنكاره ﵊ على المصلي مع كونه صلى في جانب المسجد ما يدل على شدة المنع من صلاتهما والإمام في الصلاة، وإن كان في زاوية.
وقول عبد الله بن مالك بن بحينة هو الصحيح، وما رواه القعنبي خطأ، كما قاله في الأم. وقال أبو مسعود الدمشقي: أهل العراق يقولون: عن مالك بن بحينة، وأهل الحجاز قالوا: يقولون في نسبه: عبد الله بن مالك بن بحينة، وهو الأصح. وبحينة: أم عبد الله؛ قال أبو عمر بن عبد البر: إن بحينة اسم أم أبيه مالك، والأول أصح وأثبت، ولعبد الله ولأبيه مالك صحبة.
стр. 961
(٩٧) باب ما يقول عند دخول المسجد، والأمر بِتحيَّتِهِ
[٥٩٥]- عَن أَبِي حُمَيدٍ، أَو عَن أَبِي أُسَيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجِدَ، فَليَقُلِ: اللهمَّ افتَح لِي أَبوَابَ رَحمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ، فَليَقُلِ: اللهمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ مِن فَضلِكَ.
رواه أحمد (٥/ ٤٢٥)، ومسلم (٧١٣)(٦٨)، وأبو داود (٤٦٥)، والنسائي (٢/ ٥٣)، وابن ماجه (٧٧٢).
[٥٩٦]- وعَن أَبِي قَتَادَةَ - صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: دَخَلتُ المَسجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ بَينَ ظَهرَانَيِ النَّاسِ. قَالَ: فَجَلَستُ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا مَنَعَكَ أَن تَركَعَ رَكعَتَينِ قَبلَ أَن تَجلِسَ؟ قَالَ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! رَأَيتُكَ جَالِسًا وَالنَّاسُ جُلُوسٌ، قَالَ: فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجِدَ، فَلا يَجلِس حَتَّى يَركَع رَكعَتَينِ.
رواه أحمد (٥/ ٣٠٥ و ٣١١)، والبخاري (٤٤٤)، ومسلم (٧١٤)، (٧٠)، وأبو داود (٤٦٧ و ٤٦٨)، والترمذي (٣١٦)، والنسائي (٢/ ٥٣)، وابن ماجه (١٠١٣).
ــ
(٩٧) ومن باب: ما يفعل عند دخول المسجد
قوله: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس: عامة العلماء على أن هذا الأمر على الندب والترغيب، وقد ذهب داود وأصحابه إلى أن ذلك على الوجوب، وهذا باطل، ولو كان الأمر على ما قالوه لحرم دخول المسجد على المحدث الحدث الأصغر حتى يتوضأ، ولا قائل به، وإنما الخلاف
стр. 962
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في دخول الجنب، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء لزم منه أنه لا يجب عليه تحيته عند دخوله؛ إذ لو كان ذلك للزمه أن يتوضأ عند إرادة الدخول، فإن قيل: الخطاب بالتحيّة لمن كان متوضئًا، قلنا: هذا تحكُّم، وعدول عن الظاهر بغير دليل؛ فإنه متوجه لداخل المسجد فيلزم ما ذكرناه. وقد عدّها بعض أصحابنا في السنن. ثم هل يحيّي المسجد في أيّ الأوقات دخله؟ أو لا يحييه في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها؟ قولان: الأول لبعض أهل الظاهر، والثاني للجمهور. فلا يحيي المسجد عندهم بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، غير أن الشافعي منع منها حالة الطلوع وحالة الغروب، وأجازها فيما قبل ذلك، بناء منه على أن أصله في أن كل صلاة يتعيّن فعلها بحسب سببها فجائز فعلها ما لم تطلع الشمس وما لم تغرب، وسيأتي الكلام على هذا الأصل. وسبب الخلاف في تلك المسألة: اختلاف ظواهر الأحاديث؛ إذ تعليق الأمر بالتحية على الدخول يقتضي فعلها متى دخل المسجد، وعموم قوله ﵊ لا صلاة بعد العصر وبعد الصبح (١) يقتضي ألا تفعل. وكذلك اختلفوا في تحية المسجد بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح، فقال بجواز ذلك الشافعي وأحمد وداود. وقال بالمنع أبو حنيفة والليث والأوزاعي. واختلف عن مالك فيمن ركع ركعتي الفجر في بيته: هل يحيي المسجد أو لا يحييه؟ قولان عنه. وهذا الخلاف فيمن أراد الجلوس في المسجد، فأما العابر فخفف فيه أكثرهم، وهو قول مالك، ومنهم من أمره به، وهو قياس مذهب أهل الظاهر. واختلف قول مالك في تحية المسجد إذا صليت العيد فيه، ورأى في مسجد مكة تقديم الطواف على التحية، وفي مسجد المدينة تقديم التحية
стр. 963
[٥٩٧]- وعَن جَابِر بنِ عَبدِ الله قَالَ: كَانَ لِي عَلَى رَسوُلِ الله ﷺ دَينٌ، فَقَضَانِي وَزَادَنِي، وَدَخَلتُ عَلَيهِ المَسجِدَ، فَقَالَ لِي: صَلِّ رَكعَتَينِ.
رواه أحمد (٣/ ٣٠٢ - ٣٠٨)، والبخاري (٢٣٩٤)، ومسلم (٧١٥).
[٥٩٨] وَعَن كَعبِ بنِ مَاَلِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لا يَقدَمُ مِن سَفَرٍ إِلا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالمَسجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكعَتَينِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ.
ــ
على السلام على النبي ﷺ ، وقد وسع في ذلك أيضًا. وقال بعض أصحاب مالك: إن من تكرر عليه الدخول في المسجد تسقط عنه تحيته؛ كمن كثر تردده إلى مكة من الحطّابين وغيرهم، وكسقوط السجود عمن كثرت تلاوته من القُرآن، وسقوط الوضوء لمسّ المصحف للمتعلمين (١).
وقول جابر: كان لي على النبي ﷺ دين فقضاني وزادني: هذا الدين هو ثمن البعير الذي كان النبي ﷺ اشتراه منه في رجوعه إلى المدينة من بعض أسفاره، وشرط عليه ركوبه إلى المدينة، فلما بلغها دفع له رسول الله ﷺ الجمل والثمن، وزاده قيراطًا، وسيأتي في البيوع إن شاء الله تعالى.
وكونه ﷺ لا يقدم من سفر إلا نهارًا؛ إنما كان ذلك لأنه قد نهى أن يأتي
стр. 964
رواه أحمد (٣/ ٤٥٥)، والبخاري (٤٦٧٧)، ومسلم (٧١٦)، وأبو داود (٢٢٠٢)، والترمذي (٣١٠١)، والنسائي (٦/ ١٥٢).
* * *
(٩٨) باب في صلاة الضحى
[٥٩٩]- عَن عَبدِ الله بنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَت: لا، إِلا أَن يَجِيءَ مِن مَغِيبِهِ.
رواه أحمد (٦/ ١٧١)، ومسلم (١٧)(٧٦)، والنسائي (٤/ ١٥٢).
ــ
الرجل أهله طروقًا، وقد نبه على تعليله في حديث جابر فقال: يتخونهم ويطلب عثراتهم (١)، وفي حديث غيره: كي تستحدَّ المغيبة وتمتشط الشعثة (٢).
واقتصر هنا كعب على ذكر وقت الضحى، وقد رواه أنس فقال: كان لا يطرق أهله، وكان يأتيهم غدوة وعشية (٣)، وكأنه كان أكثر قدومه في أول النهار ليبدأ بالصلاة في المسجد، فكان يتأخر حتى يخرج وقت النهي، والله أعلم.
(٩٨) ومن باب: صلاة الضحى
قد تقدم أن الضحى صدر النهار، والصلاة الموقعة فيه هي المنسوبة إليه، وأول وقتها خروج الوقت المنهيّ عنه، وآخره ما لم تَزُل الشمس، وأفضل وقتها إذا رمضت الفصال، وسيأتي.
стр. 965
[٦٠٠] وعَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي سُبحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأسَبِّحُهَا،
ــ
وهذه الصلاة مشروعة، مندوب إليها، مُرَغَّب فيها، على ما يأتي بيانه عند جمهور العلماء، وقد روي عن أبي بكر وعمر، [وابن عمر] (١) وابن مسعود: أنهم كانوا لا يصلونها، وهذا إن صح محمول على أنهم خافوا أن تُتَّخَذَ سنة، أو يظن بعض الجهال أنها واجبة. وقول عمر (٢) وقد رأى الناس يصلونها في المسجد: بدعة؛ يعني به الاجتماع لها وفعلها في المسجد، ويحتمل أن يكون قوله في الضحى: بدعة؛ أي: حسنة؛ كما قال في قيام رمضان. وقد روي عنه: ما ابتدع المسلمون بدعة أفضل من صلاة الضحى، وهذا منه نصٌّ على ما تأوّلناه.
وقول عائشة ﵂: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط: يعارضه قولها فيما روت عنها معاذة: أنه كان يصليها أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله. واختلف في الجمع بينهما، فقيل: إنما نفت أن تكون رأته يصليها بحضرتها، وغير حال قدومه من سفر، وحيث صلى أربعًا كان إذا قدم من سفر؛ كما جاء في حديث عبد الله بن شقيق أنها قالت: كان لا يصلي الضحى إلا أن يجيء من مغيبه.
وقال القاضي عياض: والأشبه عندي في الجمع بين حديثيها: أن تكون إنما أنكرت صلاة الضحى المعهودةَ حينئذٍ عند الناس؛ على الذي اختاره جماعة من السلف من صلاتها ثماني ركعات، فقد صلاها كذلك خالد بن الوليد، فإنه ﷺ إنما
стр. 966
وَإِن كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَن يَعمَلَ بِهِ خَشيَةَ أَن يَعمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفرَضَ عَلَيهِم.
رواه البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨)، وأبو داود (١٢٩٣).
[٦٠١]- وعَن مُعَاذَةَ أَنَّهَا سَأَلَت عَائِشَةَ: كَم كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَت: أَربَعَ رَكَعَاتٍ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ.
رواه أحمد (٦/ ١٢٤)، ومسلم (٧١٩)(٧٨)، وابن ماجه (١٣٨١).
[٦٠٢]- وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي لَيلَى قَالَ: مَا أَخبَرَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ
ــ
كان يصليها أربعًا كما قالت، ويزيد ما شاء. قلت: ويمكن أن يقال: يحتمل أن يكون الذي أنكرت ونفت أن يكون النبي ﷺ فعله: اجتماع الناس لها في المسجد وصلاتها كذلك، وهو الذي قال عنه عمر (١): إنه بدعة.
وقول عائشة: وإني لأُسَبِّحها - بالسين والباء بواحدة، وهي الرواية المشهورة -؛ أي: لأفعلها. وقد وقع في الموطأ: لأستحبها (٢)، من الاستحباب، والأول أولى، وقد روي عنها: أنها كانت تصليها.
وقولها: وإن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم؛ أي: يظنونه فرضًا؛ للمداومة، فيجب على من يظنه كذلك؛ كما إذا ظن المجتهد حِلّ شيء أو تحريمه، وجب عليه العمل بذلك. وقيل: إن النبي ﷺ كان حكمه أنه إذا ثبت على شيء من أعمال القرب واقتدى الناس به في ذلك العمل فُرض عليهم؛ كما قال في قيام رمضان، وسيأتي.
стр. 967
رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى إِلا أُمُّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا حَدَّثَت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيتَهَا يَومَ فَتحِ مَكَّةَ، فَصَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ مَا رَأَيتُهُ صَلَّى صَلاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنهَا، غَيرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: لا أَدرِي أَقِيَامُهُ فِيهَا أَطوَلُ أَم رُكُوعُهُ أَم سُجُودُهُ. كُلُّ ذَلِكَ مِنهُ مُتَقَارِبٌ. قَالَت: فَلَم أَرَهُ سَبَّحَهَا قَبلُ وَلا بَعدُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَهُ ﵊ صَلَّى فِي بَيتِهَا عَامَ الفَتحِ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فِي ثَوبٍ قَد خَالَفَ بَينَ طَرَفَيهِ.
رواه البخاري (١١٧٦)، ومسلم (٣٣٦) في صلاة المسافرين (٨٠ و ٨١ و ٨٣)، وأبو داود (١٢٩٠ و ١٢٩١)، والترمذي (٤٧٤)، والنسائي (١/ ١٢٦)، وابن ماجه (١٣٧٩).
[٦٠٣]- عَن زِيدِ بنِ أَرقَم قالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَهلِ قُبَاءَ،
ــ
وقول أم هانئ: إنه ﷺ صلى الضحى يوم الفتح ثماني ركعات، وفي حديث معاذ: أربع ركعات: يدل: على أنها ليس لعددها حدٌّ محدود، وقد ذكر البزار عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : إن صليت الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين، وإن صليت أربعًا كتبت من العابدين، وإن صليت ستًّا لم يلحقك ذنب، وإن صليت ثمانيًا كتبت من القانتين، وإن صليت اثنتي عشرة بني لك بيت في الجنة (١). قال البزار: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه.
стр. 968
وَهُم يُصَلُّونَ، فَقَالَ: صَلاةُ الأَوَّابِينَ، إِذَا رَمِضَتِ الفِصَالُ.
رواه أحمد (٤/ ٣٦٦)، ومسلم (٧٤٨)(١٤٤).
* * *
(٩٩) باب الوصية بالضحى وأقله ركعتان
[٦٠٤]- عَن أَبِي الدَّردَاءِ قَالَ: أَوصَانِي حَبِيبِي بِثَلاثٍ، أَلا
ــ
وقوله: صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال: الأوَّابون: جمع أوَّاب؛ وهو مبالغة آيب، وهو من: آب إلى كذا؛ أي: رجع، ومنه قول تَأَبَّط شرًّا:
فأبتُ إلى فَهمٍ وما كدت آيبا
أي: رجعت. فمعنى الأوابين هنا، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾؛ أي: الراجعين من الإساءة إلى الإحسان؛ على ما قاله قتادة. وقال مجاهد: التائبون. وابن عمر: المستغفرون. وقال ابن عباس: المسبحون. وكل ذلك متقارب. وأما الفصال والفصلان: جمع فصيل، وهو الذي يفطم عن الرضاعة من الإبل. وأما الرمضاء: شدة الحرّ في الأرض. وخص الفصلان هنا بالذكر؛ لأنها هي التي ترمض قبل انتهاء شدة الحرّ التي ترمض بها أمهاتها؛ لقلة جلدها، وذلك يكون في الضحى أو بعده بقليل، وهو الوقت المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها.
(٩٩) ومن باب: الوصية بالضحى
وصية النبي ﷺ لأبي الدرداء وأبي هريرة تدل على فضيلة الضحى، وكثرة ثوابه وتأكده، ولذلك حافظا عليه ولم يتركاه. وقد بينّا الخليل والخلة في كتاب الإيمان.
стр. 969
أَدَعَهُنَّ مَا عِشتُ، بِصِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِن كُلِّ شَهرٍ، وَصَلاةِ الضُّحَى، وَبِأَلا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ.
رواه أحمد (٦/ ٤٤٠)، ومسلم (٧٢٢)، وأبو داود (١٤٣٣).
[٦٠٥]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَوصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاثٍ: بِصِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِن كُلِّ شَهرٍ، وَرَكعَتَيِ الضُّحَى، وَأَن أُوتِرَ قَبلَ أَن أَرقُدَ.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٣ و ٢٥٨)، والبخاري (١١٧٨)، ومسلم (٧٢١)، وأبو داود (١٤٣٢)، والترمذي (٧٦٠)، والنسائي (٣/ ٢٢٩).
[٦٠٦]- وعَن أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يُصبِحُ عَلَى كُلِّ سُلامَى مِن أَحَدِكُم صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحمِيدَةٍ صَدَقَةٌ،
ــ
وقد عاب بعض الطاعنين على أبي هريرة قوله: خليلي، في النبي ﷺ ؛ بناءً منه على أن النبي ﷺ لم يتخذه ولا أحدًا من الخلق خليلا، وهذا إنما وقع فيه قائله ظنًّا أن خليل بمعنى مخالل، من المخاللة التي لا تكون إلا من اثنين، وليس الأمر كذلك، فإن خليلا مثل حبيب، لا يلزم فيه من المفاعلة شيء؛ إذ قد يُحَبُّ الكاره.
وقوله: ركعتي الضحى: يشعر بأن أقلَّه ركعتان، وسيأتي الكلام على الوتر.
وقوله: يصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقة؛ أصل السُّلامى - بضم السين -: عظام الأصابع والأكُفّ والأرجل، ثم استعمل في سائر عظام الجسد ومفاصله. وفي حديث عائشة ﵂: خُلِقَ الإنسان على ستين وثلاثمائة مفصل، ففي كل مفصل صدقة (١)، وسيأتي.
стр. 970
وَكُلُّ تَهلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمرٌ بِالمَعرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيٌ عَنِ المُنكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجزِئُ مِن ذَلِكَ رَكعَتَانِ يَركَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى.
رواه أحمد (٥/ ١٦٧ و ١٧٨)، ومسلم (٧٢٠)، وأبو داود (١٢٨٦).
* * *
(١٠٠) باب ما جاء في ركعتي الفجر
[٦٠٥]- عَن حَفصَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا طَلَعَ الفَجرُ لا يُصَلِّي إِلا رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ.
رواه أحمد (٦/ ٢٨٤)، والبخاري (٦١٨)، ومسلم (٧٢٣)(٨٨)، والنسائي (٣/ ٢٥٣ و ٢٥٦)، وابن ماجه (١١٤٥).
ــ
وقوله: ويجزئ من ذلك ركعتان؛ أي: يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان، فإن الصلاة عمل لجميع أعضاء الجسد، فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته التي عليه في الأصل؛ الذي ذُكر فيه الحديث المتقدم، والله أعلم.
(١٠٠) ومن باب: ما جاء في ركعتي الفجر
قول حفصة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين: ظاهره: أنه لا يجوز في هذا الوقت نافلة إلا ركعتي الفجر. وقد روى الترمذي حديثًا عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: لا صلاة بعد الفجر إلا
стр. 971
[٦٠٦] وعن عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَت تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي رَكعَتَيِ الفَجرِ، فَيُخَفِّفُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: هَل قَرَأَ فِيهِا بِأُمِّ القُرآنِ! .
رواه أحمد (٦/ ١٦٤ و ١٦٥)، والبخاري (٦١٩)، ومسلم (٧٢٤)(٩٢)، وأبو داود (١٢٥٥)، والنسائي (٣/ ٢٥٦).
ــ
سجدتين (١). وقال: حديت غريب، وهو ما أجمع عليه أهل العلم؛ كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر. قلت: وهذا الإجماع الذي حكاه الترمذي إنما هو على كراهة التنفل المبتدأ، وأما ما كان منه بحسب سبب؛ فقد ذكرنا الخلاف فيه في باب: تحية المسجد. وتخفيفه ﷺ في ركعتي الفجر، إنما كان لمبادرته إلى إيقاع صلاة الصبح في أول وقتها، والله تعالى أعلم.
وقول عائشة: إنه كان يخففهما حتى إني أقول: هل قرأ فيهما بأمّ القرآن؟ ليس معنى هذا أنها شكّت في قراءته ﷺ فيها بأمّ القرآن؛ لأنه قد ثبت عنه ﷺ أنه قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن (٢)، وإنما معنى ذلك: أنه ﷺ كان في غيرها من النوافل يقرأ بالسورة، ويرتِّلُها حتى تكون أطول من أطول منها (٣)، بخلاف فعله في هذه، فإنه كان يخفف أفعالها وقراءتها، حتى إذا نُسبت إلى قراءته في غيرها كانت كأنها لم يقرأ فيها. وقد دلّ على صحة هذا ما في حديث أبي هريرة: أنه ﷺ كان يقرأ فيهما بـ: ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهذا بعد قراءة الفاتحة في الركعتين قبل السورتين، على ما قد تبيّن اشتراطه في الصلاة كما تقدم، وعلى هذا يحمل حديث ابن عباس: أنه كان يقرأ فيهما بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ وبقوله تعالى: تَعَالَوا إِلَى كَلِمَةٍ: إنه
стр. 972
[٦٠٧]- وعَنهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَكُن عَلَى شَيءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مُعَاهَدَةً مِنهُ عَلَى رَكعَتَينِ قَبلَ الصُّبحِ.
رواه أحمد (٦/ ٤٣ و ٥٤)، والبخاري (١١٦٩)، ومسلم (٧٢٤)(٩٤)، وأبو داود (١٢٥٤)، والترمذي (٤١٦)، والنسائي (٣/ ٢٥٢).
[٦٠٨]- وعَنهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رَكعَتَا الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ: لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنيَا جَمِيعًا.
رواه أحمد (٦/ ٢٦٥)، ومسلم (٧٢٥).
[٦٠٩]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ فِي رَكعَتَيِ الفَجرِ: ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ وَ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
ــ
كان يقرأ ذلك بعد الفاتحة، وما ذكرناه هو الظاهر من مجموع الأحاديث، وهو اختيار جمهور أصحاب مالك؛ استحبوا أن يقرأ فيهما بأم القرآن في كل ركعة منهما، و ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ في الأولى، و ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الآخرة، وهو قول الشافعي وأحمد، واستحب مالك الاقتصار على أم القرآن على ظاهر حديث عائشة، وذهب قوم إلى أنه لا يقرأ فيهما بالجملة الكافية؛ حكاه الطحاوي، وذهب النخعي إلى جواز إطالة القراءة فيهما، واختاره الطحاوي، وذهب الثوري والحسن وأبو حنيفة: إلى أنه يجوز لمن فاته حزبه من الليل أن يقرأه فيهما.
وقول عائشة: لم يكن على شيء من النوافل أشدَّ معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح: استدل بهذا من قال (١): إنهما سنة، وهو قول كافة العلماء وأكثر
стр. 973
رواه مسلم (٧٢٦)، وأبو داود (١٢٥٦)، والنسائي (٢/ ١٥٥ و ١٥٦)، وابن ماجه (١١٤٨).
[٦١٠]- وعَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقرَأُ فِي رَكعَتَيِ الفَجرِ، فِي الأُولَى مِنهُمَا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَينَا﴾ وَفِي الآخِرَةِ مِنهُمَا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشهَد بِأَنَّا مُسلِمُونَ﴾
وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿تَعَالَوا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُم﴾
رواه أحمد (١/ ٢٧٢)، ومسلم (٧٢٧)، وأبو داود (١٢٥٩)، والنسائي (٢/ ١٥٥).
* * *
(١٠١) باب رواتب الفرائض وفضلها
[٦١١]- عَن أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَن صَلَّى اثنَتَي عَشرَةَ رَكعَةً فِي يَومٍ وَلَيلَةٍ - وفي رواية: تَطَوُعًا غَيرَ فَرِيضَةٍ - بُنِيَ لَهُ
ــ
أصحاب مالك، وروي عنهم أنها من الرغائب، وهو القول الآخر عن مالك. وذهب الحسن إلى وجوبهما، وهو شاذّ لا أصل له، والله تعالى أعلم.
(١٠١) ومن باب: رواتب الفرائض
وقع في كتاب مسلم حديث أم حبيبة لم يعيِّن فيه اثنتي عشرة ركعة ولا عددها، وقد ذكر النسائي عن أم حبيبة هذا الحديث مرفوعًا، وعيَّن فيه
стр. 974
بَيتٌ فِي الجَنَّةِ. قَالَت أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكتُهُنَّ مُنذُ سَمِعتُهُنَّ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ .
رواه أحمد (٦/ ٣٢٧)، ومسلم (٧٢٨)(١٠١)، وأبو داود (١٢٥٠)، والترمذي (٤١٥)، والنسائي (٣/ ٢٦١)، وابن ماجه (١١٤١).
[٦١٢]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبلَ الظُّهرِ سَجدَتَينِ، وَبَعدَهَا سَجدَتَينِ، وَبَعدَ المَغرِبِ سَجدَتَينِ، وَبَعدَ العِشَاءِ سَجدَتَينِ، وَبَعدَ الجُمُعَةِ سَجدَتَينِ. فَأَمَّا المَغرِبُ وَالعِشَاءُ وَالجُمُعَةُ فَصَلَّيتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيتِهِ.
ــ
الركعات وعددها؛ فقال: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين قبل العصر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين قبل صلاة الصبح، وهو صحيح. واختلف العلماء: هل للفرائض رواتب مسنونة، أو ليس لها؟ فذهب الجمهور إلى الأخذ بحديث أم حبيبة، وبما رُوي عن النبي ﷺ من فعله لهذه النوافل، على ما ذُكر عن عائشة وابن عمر في هذا الباب، فقالوا: هي سنة مع الفرائض، وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا رواتب في ذلك ولا توقيت، عدا ركعتي الفجر، وقد تقدم ذكرها حمايةً للفرائض، ولا يمنع من تطوع بما يشاء إذا أمن ذلك. وذهب العراقيون من أصحابنا إلى استحباب الركوع بعد الظهر، وقبل العصر، وبعد المغرب. [وقد تقدم أن أهل الحجاز يسمون الركعة: سجدة.
وقول ابن عمر: فأما المغرب] (١) والعشاء والجمعة فصليت مع النبي ﷺ في بيته: يدلّ على أنه كان يصلي بعض النوافل في المسجد، مع أنه قد قال:
стр. 975
رواه البخاري (١١٧٢)، ومسلم (٧٢٩)، وأبو داود (١٢٥٢)، والترمذي (٤٣٣ و ٤٣٤)، والنسائي (٢/ ١١٩).
ــ
خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة (١)، وهذا مقتضى حديث عائشة ﵂؛ فإنها ذكرت فيه أنه ﷺ صلى ذلك كله في بيته، إلا الفرائض خاصة؛ فإنه كان يصليها في المسجد، وعلى هذا فالأصل في أفضلية التطوع أن يكون في البيت، وإيقاعها في المسجد لمقتضٍ لذلك وعارضٍ؛ مثل: تشويشٍ في البيت، أو ليسر في المسجد ونشاط وما شاكل ذلك. وقد كره النوافل في المسجد النخعي وعَبِيدة، وعُلِّل ذلك لهما بالحماية للفرائض، وبأن لا يخلي بيته من الصلاة، وبقوله ﷺ : خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. وذهب بعضهم: أن كونها في المسجد أجمع، وحُكي عن مالك والثوري: أنهما ذهبا إلى كونها في المسجد نهارًا وبالليل في البيت. قلت: وكأن هذا قول بمقتضى حديث ابن عمر. وأما بعد الجمعة: فذهب مالك وأصحابه إلى أن الأفضل للإمام ألا ينتفل بأثرها في المسجد، ووسّع في ذلك للمأموم، واختار الشافعي والكوفيون الركوع بعد الجمعة ستًّا أو أربعًا. وقال الشافعي: ما كثر فهو أحب إليَّ، وسيأتي الكلام في ركعتي العصر وقبل المغرب.
قلت: والحاصل من الأحاديث استحباب الراتبة على نوافل حديث أم حبيبة - الذي ذكرناه - في البيت؛ كما في حديث عائشة، فإن هذه النوافل يجبر بها نقص إن وقع في الفرائض؛ على ما رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتَقَصَ من فريضته شيء قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمَّلُ بها ما انتَقَصَ
стр. 976
[٦١٣]- وعَن عَبدِ الله بنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ عَن صَلاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، عَن تَطَوُّعِهِ؟ فَقَالَت: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيتِي قَبلَ الظُّهرِ أَربَعًا، ثُمَّ يَخرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدخُلُ فَيُصَلِّي رَكعَتَينِ. وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ المَغرِبَ، ثُمَّ يَدخُلُ فَيُصَلِّي رَكعَتَينِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ العِشَاءَ، وَيَدخُلُ بَيتِي فَيُصَلِّي رَكعَتَينِ، وَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ تِسعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الوِترُ،
ــ
من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك (١)، والله أعلم.
وقولها: كان رسول الله ﷺ يصلي تسع ركعات فيهن الوتر: هو مثل حديث سعد بن هشام، قالت: كان يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها، إلا في الثامنة، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، وهذا مخالف لما يأتي بعد هذا من قولها: إنه ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة، ولِما قالت: إنه ﷺ كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها، ولقولها: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر (٢)، ولقولها: يصلي أربعًا فلا تَسَل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا كذلك، ثم يصلي كذلك ثلاثًا، ولقولها: إنه كان يوتر بسبع، وقد أشكلت هذه الأحاديث على كثير من العلماء، حتى إن بعضهم نسبوا حديث عائشة في صلاة الليل إلى الاضطراب، وهذا إنما كان يصح لو كان الراوي عنها واحدًا، أو أخبرت عن وقت واحد، والصحيح: أن كل ما ذكرته صحيح من فعل النبي ﷺ في أوقات متعددة، وأحوال مختلفة، حسب النشاط والتيسير، وليبين أن كل ذلك جائز، ولأجل هذه الأحاديث المختلفة قال الحنفي: إن صلاة النفل ليلا ونهارًا لا يشترط فيها الفصل بين كل ركعتين بسلام، بل يصلي ستًّا وثمانيًا وأقل وأكثر
стр. 977
وَكَانَ يُصَلِّي لَيلا طَوِيلا قَائِمًا، وَلَيلا طَوِيلا قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الفَجرُ صَلَّى رَكعَتَينِ.
رواه أحمد (٦/ ٦٢)، ومسلم (٧٣٠)(١٠٥)، وأبو داود (١٢٥١)، والترمذي (٤٣٦).
* * *
ــ
بتسليمة واحدة. وقال عبد الوهاب بن نصر: والمختار في النفل مثنى مثنى، ليلا ونهارًا. قلت: ويفهم من هذا: أنه يجوز غير ذلك من أربع وست وثمان وعشر، كمذهب الحنفي. والجمهور؛ على أن الفصل بين كل ركعتين أولى وأفضل.
وقولها: كان يصلي ليلا طويلا قاعدًا، وليلا طويلا قائمًا: فيه: جواز التنفل قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا خلاف فيه.
وقولها: وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد: هذا يخالف حديثها الآخر: أنه كان يجمع بين القعود والقيام في ركعة واحدة، ولا تناقض فيه؛ فإن ذلك كان منه في أوقات مختلفة، وبحسب ما يجد من المشقَّة، والانتقال في النافلة من الجلوس إلى القيام، أو من القيام إلى الجلوس جائر عند جمهور العلماء: مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، وكره محمد بن الحسن وأبو يوسف: أن يبتدئ صلاته قائمًا ثم يقعد ثم يركع قاعدًا. وحجة الجمهور: أنه انتقال من حالٍ إلى حالٍ لو ابتدأ الصلاة عليه لجاز؛ كالانتقال من القعود إلى القيام المتفق عليه عندهم وعندنا، واختلف كبراء أصحاب مالك إذا نوى القيام فيها كلها، هل له أن يجلس في بقية الصلاة أم لا؟ على قولين: الأول لابن القاسم، والثاني لأشهب. وعلى قول أشهب: هل يلزمه ذلك بمجرد النيّة؟ أو بإلزامه ذلك نفسه وبالنذر؟ قولان لأشياخنا.
стр. 978
(١٠٢) باب في صلاة النفل قائمًا وقاعدًا
[٦١٤]- عَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِن قِرَاءَتِهِ قَدرُ مَا يَكُونُ ثَلاثِينَ أَو أَربَعِينَ آيَةً، قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفعَلُ فِي الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ مِثلَ ذَلِكَ.
رواه أحمد (٦/ ١٧٨)، والبخاري (١١١٨ و ١١١٩)، ومسلم (٧٣١)(١١٢)، وأبو داود (٩٥٣ و ٩٥٤)، والترمذي (٣٧٢)، والنسائي (٣/ ٢١٩)، وابن ماجه (١٢٢٦).
[٦١٥]- وعَنهَا قَالَت: لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَقُلَ كَانَ أَكثَرُ صَلاتِهِ جَالِسًا.
رواه مسلم (٧٣٢)(١١٧).
ــ
(١٠٢) ومن باب: صلاة النفل قائمًا وقاعدًا
قول عائشة ﵂: لما بَدَّن وثقل كان أكثر صلاته جالسًا: أكثر الرواة قيدوه: بَدُن، بضم الدال، ورواه الصدفي عن العذري: بَدَّن، مفتوحة الدال مشددة، وارتضى أبو عبيد رواية الفتح والتشديد، وقال: يقال: بَدَّن الرجل تبدينًا: إذا أسنّ، وأنشد (١):
وكُنتُ خِلتُ الشَّيبَ والتَّبدينا ... والهمَّ مما يُذهِلُ القرينا
قال: ومن رواه بَدُن ليس له معنى؛ لأنه خلاف وصفه ﷺ ، ومعناه: كثر
стр. 979
[٦١٦]- وعَن عَبدِ الله بنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلتُ لِعَائِشَةَ: هَل كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ قَاعِدٌ؟ قَالَت: نَعَم، بَعدَمَا حَطَمَهُ النَّاسُ.
رواه أحمد (٦/ ١٧١ و ٢١٨)، ومسلم (٧٣٢)(١١٥)، وأبو داود (٩٥٦).
[٦١٧]- وعَن حَفصَةَ قَالَت: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى فِي سُبحَتِهِ قَاعِدًا، حَتَّى كَانَ قَبلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبحَتِهِ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا، حَتَّى تَكُونَ أَطوَلَ مِن أَطولِ مِنهَا.
رواه أحمد (٦/ ٢٨٥)، ومسلم (٧٣٣)، والترمذي (٣٧٣)، والنسائي (٣/ ٢٢٣).
ــ
لحمه؛ يقال: بدن الرجل يَبدُنُ بَدَانَةً. قلت: ولا معنى لإنكار بَدُنَ، وقد صحت الرواية فيه، وقد جاء معناه مفسَّرًا من قول عائشة؛ قالت: فلما كبر وأخذه اللحم، وفي رواية: أسَنَّ وكثر لحمه. وقول أبي عبيد: لم يكن ذلك وصفه ﷺ : صِدق؛ لأنه لم يكن في أصل خلفته بادنًا كثير اللحم، لكن عندما أسنّ وضعف عن كثير مما كان يتحمله في حال النشاط من الأعمال الشاقة استرخى لحمه، وزاد على ما كان في أصل خلقته زيادة يسيرة، بحيث يصدق عليه ذلك الاسم، والله أعلم.
وقولها: بعدما حطمه الناس: قال أبو عبيد: يقال: حَطَم فلانًا أهلُه: إذا كبر فيهم؛ كأنه مما تحمَّل من أثقالهم صيَّروه شيخًا محطومًا. والحَطمُ: كسر الشيء اليابس، يؤيد هذا قول حفصة: أنه ﷺ ما صلى سُبحَتَه قاعدًا حتى كان قبل وفاته بعامٍ.
وقولها: فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها؛ أي: يمد ويرتل في قراءة السورة القصيرة، حتى يكون زمان قراءتها أطول من زمان قراءة سورة أخرى فوق الأولى في العدد.
стр. 980
[٦١٨]- وعَن عَبدِ الله بنِ عَمرٍو قَالَ: حُدِّثتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: صَلاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصفُ الصَّلاةِ. قَالَ: فَأَتَيتُهُ فَوَجَدتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعتُ يَدِي عَلَى رَأسِهِ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا عَبدَ الله بنَ عَمرٍو! ،
ــ
وقوله ﷺ : صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة: يعنى في الأجر، مع عدم العذر المانع من القيام (١)، وعليه حمله الثوري وابن الماجشون وابن شعبان. وحمله بعضهم على من رُخِّص له في الصلاة جالسًا من أصحاب الأعذار الذين لو كلفوا ذلك لقدروا على القيام بمشقّة، وهذا يَطَّرد في الفرض والنفل، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، ومنع الشافعي من صلاة الفرض قاعدًا، إلا مع عدم القدرة على القيام، ويجوز ذلك في النفل مع القدرة بالإجماع، وأما من عجز عن القيام لعذرٍ مانع منه فأجره إن شاء الله تعالى تامٌّ كامل؛ لأنه فعل عبادته على كمالها في حقه ولم يقصِّر فيها: ﴿مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثَالِهَا﴾ وبدليل قوله ﷺ فيما خرجه الترمذي - وصححه -، من حديث الأربعة النفر حيث قال فيه: إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلمًا، فهو يتَقي الله ربه، ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالا، فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيّته، فأجرهما سواء (٢)، وهذا نص في الغرض.
وقوله: فوضعت يدي على رأسه: هذا يدل على عظيم تواضع النبي ﷺ وحنانه وحسن أخلاقه، وأنه كان مع خاصة أصحابه فيما يرجع إلى المعاشرة والمخالطة كواحد منهم؛ إذ كان يباسطهم ويمازحهم، ويكون معهم في عملهم، ولا يستأثر عليهم، ولا يترفع عنهم، ولذلك كانت الأمة من إماء أهل المدينة تأخذ
стр. 981
قُلتُ: حُدِّثتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ قُلتَ: صَلاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصفِ الصَّلاةِ وَأَنتَ تُصَلِّي قَاعِدًا! ! قَالَ: أَجَل، وَلَكِنِّي لَستُ كَأَحَدٍ مِنكُم.
رواه مسلم (٧٣٥)، وأبو داود (٩٥٠)، والنسائي (٣/ ٢٢٣)، وابن ماجه (١٢٢٩).
* * *
ــ
بيده وتنطلق به حيث شاءت، ويجلس يحدثها حيث أرادت. ومن كانت هذه حاله، فلا يستنكر من بعض أصحابه أن يعامله بمثل ذلك في بعض الأحوال، سيّما وكان مقصود عبد الله: أن يقبل عليه رسول الله ﷺ ، حتى يجيبه عما وقع في خاطره من هذا الأمر الدينيّ المهم في حقّه، والله تعالى أعلم. وهذا كله على ما صح عندنا من الرواية على رأسه وظاهره: أنه عائد على النبي ﷺ ، وقد ذُكر لي أن بعض الناس رواه: رأسِيَه، فألحق به ياء المتكلم وهاء السكت، ووجهها واضح لو ثبت، وأظن أنه إصلاح ورأي، لا رواية. ويقرب من فعل عبد الله فعل جبريل ﵇ معه؛ حيث أسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه (١)، على قول من قال: إنه أراد فخذي النبيِّ ﷺ ، وهو الصحيح (٢).
وقوله: أجل؛ أي: نعم.
وقوله: لست كأحدٍ منكم؛ أي: لا يكون له في صلاته قاعدًا نصف الأجر، بل أكثر من ذلك، أو الأجر كله، والله أعلم. ويحتمل أن يكون معناه: لست كأحدٍ منكم ممن لا عذر له، ممن قلت له هذا القول؛ فإنه لم يصل قاعدًا حتى ثقل، والأول أظهر.
стр. 982
(١٠٣) باب كيف صلاة الليل وكم عددها ؟
[٦١٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُم مِنَ اللَّيلِ فَليَفتَتِح صَلاتَهُ بِرَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٩٩)، ومسلم (٧٦٨)، وأبو داود (١٣٢٣ و ١٣٢٤).
[٦٢٠]- وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَينَ أَن يَفرُغَ مِن صَلاةِ العِشَاءِ (وَهِيَ الَّتِي يَدعُو النَّاسُ العَتَمَةَ) إِلَى الفَجرِ - إِحدَى عَشرَةَ رَكعَةً، يُسَلِّمُ مِن كُلِّ رَكعَتَينِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ مِن صَلاةِ الفَجرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الفَجرُ، وَجَاءَ المُؤَذِّنُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ، ثُمَّ اضطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيمَنِ حَتَّى يَأتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ.
ــ
(١٠٣) ومن باب: كيفية صلاة الليل
قوله: إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين: هذا أمر على جهة الإرشاد إلى ما يدفع به بقايا النوم، وينشِّط إلى الصلاة، وقد ثبت: أنه ﷺ كان في وقتٍ يفتتح بركعتين خفيفتين، وفي وقت آخر يفتتح بركعتين أطول من اللتين بعدها، وبأربع ركعات طوال، فلهذا لا يُتَخَيَّل أن هذا الأمر من قبيل الواجب، ولم يقل به أحد فيما علمته.
وقولها: إنه ﷺ اضطجع (١) [بعد ركعتي الفجر] (٢) على شقه الأيمن: هذه ضجعة الاستراحة من قيام الليل، والأمر الذي في كتاب الترمذي (٣) محمول على
стр. 983
رواه أحمد (٦/ ٨٣)، ومسلم (٧٣٦)(١٢٢)، وأبو داود (١٣٣٥)، وابن ماجه (١٣٥٨).
[٦٢١]- وَعَنهَا قالت: كَاَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعَةً، يُوتِرُ مِن ذَلِكَ بِخَمسٍ، لا يَجلِسُ فِي شَيءٍ إِلا فِي آخِرِهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَت: كَانَ يُصَلِّي ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعَةً بِرَكعَتَيِ الفَجرِ.
رواه البخاري (١١٤٠)، ومسلم (٧٣٧)، وأبو داود (١٣٣٨)، والترمذي (٤٥٩)، والنسائي (١/ ٢١٠)، وابن ماجه (١٣٥٩).
[٦٢٢]- وعَن أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: كَيفَ كَانَت صَلاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَت: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلا فِي غَيرِهِ عَلَى إِحدَى عَشرَةَ رَكعَةً، يُصَلِّي أَربَعًا فَلا تَسأَل عَن حُسنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَربَعًا فَلا تَسأَل عَن حُسنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا. فَقَالَت عائشة: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَنَامُ قَبلَ أَن تُوتِرَ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ! إِنَّ عَينَيَّ تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قَلبِي.
ــ
الإرشاد إلى الراحة، ولينشط لصلاة الصبح، وليست بواجبة عند الجمهور، ولا سنة؛ خلافًا لمن حكم بوجوبها من أهل الظاهر، ولمن حكم بسنيِّتها، وهو الشافعي، والدليل على أنها ليست كذلك؛ أنه ﷺ لم يكن يفعلها دائمًا، ألا ترى أن عائشة ﵂ قالت: إن النبي ﷺ كان إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع؟ وأيضًا فقد كان ﷺ يضطجع هذه الضجعة أيضا بعد فراغه من وتره، وقبل ركعتي الفجر، فدلّ ذلك: على أنها ليست مخصوصة بما بعد ركعتي الفجر، ولا وجوبًا ولا سنة، والله تعالى أعلم.
وقوله: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي: قد تقدم أنه من خصائص
стр. 984
رواه أحمد (٦/ ٧٣)، والبخاري (٦٦٢)، ومسلم (٧٣٨)(١٢٥)، وأبو داود (١٣٥١)، والترمذي (٤٣٩)، والنسائي (١/ ٢١٠ - ٢١١).
[٦٢٣]- وعَنهَا قَالَت: كَانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيلِ وَيُحييِ آخِرَهُ، ثُمَّ إِن كَانَت لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ يَنَامُ، فَإِذَا كَانَ عِندَ النِّدَاءِ الأَوَّلِ، قَالَت: وَثَبَ وأَفَاضَ عَلَيهِ المَاءَ؛ وَإِن لَم يَكُن جُنُبًا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ صَلَّى الرَّكعَتَينِ.
رواه أحمد (٦/ ١٠٢ و ٢٥٣)، والبخاري (١١٤٦)، ومسلم (٧٣٩)، والنسائي (٣/ ٢١٨)، وابن ماجه (١٣٦٥).
[٦٢٤]- وعَنهَا، وسُئِلَت عَن عَمَلِ رَسُولِ اللهِ - صلى وسلم - فَقَالَت: كَانَ يُحِبُّ الدَّائِمَ. قَالَ: قُلتُ: أَيَّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالَت: إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ، قَامَ فَصَلَّى.
ــ
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وقول عائشة: كان رسول الله ﷺ ينام أول الليل ويُحيِي آخره: تعني به: أن هذا كان آخر فعله، أو أغلب حاله، وإلا فقد قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ؛ من أوله، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السَّحر (١).
وقولها: إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ثم نام: يفهم منه جواز نوم الجنب من غير أن يتوضأ؛ فإنها لم تذكر وضوءًا عند النوم، وذكرت أنه إن لم يكن جنبًا توضأ وضوء الصلاة، وقد تقدم هذا.
وقولها: كان يحب الدائم: تتميمة قولها في أخرى: وإن قَلَّ. وسبب محبة
стр. 985
رواه أحمد (٦/ ٢٧٩)، ومسلم (٧٤١).
[٦٢٥]- وعَنهَا، قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكعَتَيِ الفَجرِ، فَإِن كُنتُ مُستَيقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلا اضطَجَعَ.
رواه أحمد (٦/ ١٢١ و ٢٥٤)، ومسلم (٧٤٣).
* * *
(١٠٤) باب في صلاة الوتر
[٦٢٦]- عَن عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي باللَّيلِ، فَإِذَا أَوتَرَ قَالَ: قُومِي فَأَوتِرِي، يَا عَائِشَةُ! .
ــ
الدائم: أن فاعله لا ينقطع عن عمل الخير، ولا ينقطع عنه الثواب والأجر، ويجتمع منه الكثير وإن قل العمل في الزمان الطويل، ولا تزال صحائفه مكتوبة بالخير، ومصعد عمله معمورًا بالبر، ويحصل به مشابهة الملائكة في الدوام، والله تعالى أعلم.
وقولها: فإن كنت مستيقظة حدثني (١): فيه دليل على جواز بعد ركعتي الفجر، وهذا مذهب الجمهور، وقد كرهه الكوفيون، وروي مثله عن ابن مسعود وبعض السلف؛ لما جاء أنه وقت الاستغفار، وما ذكرناه أولى. والله أعلم.
(١٠٤) ومن باب: الوتر
قوله ﷺ : قومي قأوتري: دليل على مشروعيه النائم للصلاة إذا