Полный текст (1 920 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الآخرة خرج من المسجد إلى منزله، وكنت أُذَاكرُه فربما ذكر تسعة أحاديث أو العشرة فأحفظها، فإذا دخل قال لي أصحاب الحديث: أمْلِ علينا. فأمليها عليهم فيكتبونها.
وقال قتيبة بن سعيد: كان وكيع إذا صلى العتمة ينصرف معه أحمد بن حنبل، فيقف على الباب فيذاكره وكيع، فأخذ ليلة بعضادتي الباب، ثم قال: يا أبا عبد الله، أريد أن ألقي عليك حديث سفيان. قال: هات. فقال: تحفظ عن سفيان، عن سلمة بن كُهَيل كذا وكذا؟ فيقول أحمد: نعم، حدثنا يحيى، فيقول: سلمة كذا وكذا؟ فيقول: حدثنا عبد الرحمن، فيقول: سفيان عن سلمة كذا وكذا؟ فيقول: أنت حدثتنا. حتى يفرغ من سلمة، ثم يقول أحمد: وتحفظ عن سلمة كذا وكذا؟ فيقول وكيع: لا. ولا يزال يلقي عليه، ويقول وكيع: لا. ثم يأخذ في حديث شيخ شيخ، فلم يزل قائمًا، حتى جاءت الجارية فقالت: قد طلع الكوكب.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال لي أبي: خذ أي كتاب شئتَ من كتب وكيع من المصنف، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإِسناد، وإن شئت بالإِسناد حتى أخبرك بالكلام.
أما ثناء مشايخه عليه:
فاعلم أن مخايل الإِنسان تلوح وتبين في صباه وبدوّ أمره ومنتهاه، وكانت مخايل العلم والتقى تظهر على أحمد في بدايته؛ ولذلك أثنى عليه مشايخه وقدموه.
قال أبو العباس النسائي: كان أحمد بن حنبل إذ جاء إلى المحدث استأذن لأصحاب الحديث حتى يسمعوا بسببه.
فمن مشايخه:
يزيد بن هارون:
كان يزيد يصلي فجاء إليه أحمد بن حنبل، فلما سلم من الصلاة التفت إلى أحمد فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في العارية؟ قال مؤداة، فقال له يزيد: أخبرنا حجاج عن الحكم قال: ليست مضمونة. فقال أحمد: قد استعار النبيُّ ﷺ من
стр. 107
صفوان بن أمية أدراعًا، فقال له: عارية مؤداة؟ فقال له النبي ﷺ : "العارية مؤداة". فسكت يزيد وصار إلى قول أحمد.
وقال خلف بن سالم: كنا في مجلس يزيد بن هارون، فخرج يزيد مع مستمليه، فتنحنح أحمد بن حنبل، فضرب يزيد بيده على جبينه وقال: ألا أعلمتموني أن أحمد ها هنا حتى لا أمزح.
وقال أحمد بن سنان: ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيمًا منه لأحمد بن حنبل، ولا رأيته أكرم أحدًا إكرامه له، وكان يقعده إلى جانبه إذا حدثنا، وكان يوقره، ولا يمازحه، ومرض أحمد فركب إليه يزيد بن هارون وعاده.
ومنهم: إسماعيل ابن عُلَيَّة:
فقد كان إسماعيل إذا أقيمت الصلاة قال: هنا هنا أحمد بن حنبل، قولوا له يتقدم.
وتكلم إنسان في مجلسه يومًا، فضحك إنسان، وأحمد حاضر في المجلس، فغضب إسماعيل وقال: تضحكون وعندي أحمد بن حنبل.
ومنهم عبد الرزاق بن همام:
قال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل.
وقال أيضًا: ما قدم علينا أحد كان يشبه أحمد بن حنبل. وقال أيضًا: ما قدم علينا مثله. وقال أيضًا: رحل إلينا أربعة من رؤساء الحديث؛ الشاذكوني وكان أحفظهم للحديث، وابن المديني وكان أعرفهم باختلافه، ويحيى بن معين وكان أعلمهم بالرجال، وأحمد بن حنبل وكان أجمعهم لذلك كله.
وقال أيضًا: كَتَب علي ثلاثة لا أبالي أن لا يكتب علي غيرهم: ابن الشاذَكوني من أحفظ الناس، ويحيى بن معين من أعرف الناس بالرجال، وأحمد بن حنبل من أزهد الناس.
وقال أيضًا: إن يعِشْ هذا الرجل يكن خلفًا من العلماء، يعني أحمد بن حنبل.
стр. 108
ومنهم: وكيع بن الجراح:
قال وكيع: ما قدم الكوفة مثل هذا الفتى، يعني أحمد بن حنبل. وسئل وكيع عن خارجة بن مصعب فقال: لست أحدث عنه؛ نهاني أحمد أن أحدث عنه.
ومنهم: حفص بن غياث النَّخْعي:
قال حفص: ما قدم الكوفة مثل ذلك الفتى، يعني أحمد بن حنبل.
ومنهم: أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطَّيَالِسي:
جاء هشامَ الخبرُ بضرب أحمد بن حنبل، فقال: لو كان هذا في بني إسرائيل لكان أحدوثة.
وقال أيضًا: ما بالمصْرَين - يعني البصرة والكوفة - أحدٌ أحبَّ إليّ من أحمد بن حنبل، ولا أرفعَ قدرًا في نفسي منه.
ومنهم: الحسين الجُعْفي:
قال حسين الجُعْفي وقد جاءه أحمد ومعه كتاب كان فيه شفاعة ليحدثه، فقال له: يا أحمد، لا تجعل فيما بيني وبينك منعمًا، فليس يحمل عليّ أحد إلا وأنت أكبر منه.
ومنهم: عبد الرحمن بن مهدي:
قال ابن مهدي: أحمد بن حنبل أعلم الناس بحديث سفيان الثوري. وقال أيضًا: ما نظرت إلى أحمد إلا تذكرت به سفيان الثوري. وقال أيضًا: من أراد أن ينظر إلى ما بين كتفي سفيان الثوري فلينظر إلى أحمد بن حنبل. وقال أيضًا: كاد أن يكون أحمد بن حنبل إمامًا في بطن أمه.
ومنهم: يحيى بن سعيد القطان:
قال يحيى: ما قدم علي مثل أحمد بن حنبل. وقال أيضًا: ما قدم علي مثل هذين الرجلين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.
стр. 109
وذكره الشَّاذَكوني، فقال يحيى: ويلك يا سليمان، أما تتقيّ الله؟! تذكر حبرًا من أحبار هذه الأمة.
ومنهم: أبو عاصم النبيل:
حضر في مجلسه أصحاب الحديث فقال لهم: ألا تفقهون؟ وجعل يذمّهم، فقالوا: فينا رجل. فقال: من هو؟ فقالوا: الساعة يجيء، فلما جاء أحمد قالوا: قد جاء. فنظر إليه، فقال له: تقدم فقال له: أكره أن أتخطى الناس. فقال أبو عاصم: هذا من فقهه، وسِّعوا له. فوسعوا له، فدخل، وأجلسه بين يديه، فألقى عليه مسألة، فأجاب، فألقى أشدّ، فأجاب، وثالثة، فأجاب. ومسائل، فأجاب، فقال أبو عاصم: هذا من دواب البحر، ليس هذا من دواب البر. وقال له قبل أن يعرفه: يا أحمد، ما أنصفتنا؛ قدمت بلدنا فلم تعرفنا نفسك، وإني قد دليت عليك، فلو جئتنا لأكرمناك، وأريناك من حقك ما أنت له أهل. فقال: يا أبا عاصم. إنك لتفعل، وإنك لتحمل على هيبتك. قال أبو عاصم: فرأيت له حياء وصدقًا ما أخلقه، سيبلغ ما بلغ رجل. وذكر عنده قوم من المحدثين، فتنفس وقال: هاه هاه، ما من هؤلاء واحد إلا وقد رأيناه، فما رأينا في القوم مثل ذلك الفتى أحمد بن حنبل.
ومنهم: أبو اليمان الحكم بن نافع:
قال أبو اليمان: كنت أشبه أحمد بن حنبل بأرطأة بن المنذر.
ومنهم: سليمان بن حرب:
قال سليمان: أحمد بن حنبل عندنا إمام.
ومنهم: عفان بن مسلم:
كان يحيى بن معين وأبو خيثمة وغيرهم يجيئون إليه يسمعون منه ومعهم أحمد، فلما خرجوا قال: هذا سوى أولئك، يعني من فضله.
ومنهم: الهيثم بن جميل:
قال الهيثم: إن عاش هذا الفتى يكون حجة على أهل زمانه. يعني أحمد بن حنبل.
стр. 110
وقال أيضًا: إن لكل زمان رجلًا يكون حجة على الخلق، وإن فضيل بن عياض حجة على أهل زمانه، وإن عاش أحمد سيكون حجة على أهل زمانه.
وحدث الهيثم يومًا عن هُشيم فوهم، فقيل له: خالفوك في هذا. فقال: من خالفني. قالوا: أحمد بن حنبل. قال: وددت أنه نقص من عمري فزاد في عمر أحمد؛ فإنه خليق أن ينتفع به المسلمون.
ومنهم: الفضل بن دُكَين أبو نُعيم:
عرض عليه يحيى بن معين أحاديث من حديثه أدخل فيها ما ليس من حديثه ليجربه، فنظر إلى أحمد وقال: هذا أورع من أن يفعل هذا، وليس هذا إلا من عمل يحيى، فرفسه برجله.
ومنهم: قتيبة بن سعيد:
قال قتيبة: خير زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب. فقال له أبو بكر الرازي: من الشاب يا أبا رجاء؟ قال: ابن حنبل. قال: تقول شاب وهو شيخ أهل العراق؟ قال: لقيتُه وهو شاب.
وقال أيضًا: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويَهْ إماما الدنيا.
وقال أيضًا: إذا رأيت الرجل يحبُّ أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة وجماعة.
وقال أيضًا: لو أدرك أحمد عصر الثوري ومالك والليث والأوزاعي لكان هو المقدم. فقيل: تضم أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين.
وقال أيضًا: لولا الثوري لمات الورع، ولولا أحمد بن حنبل لأحدثوا في الدين، يموت أحمد وتظهر البدع.
стр. 111
(ذكر من حدَّث عنه من مشايخه ومن الأكابر)
منهم: عبد الرزاق بن همام، وإسماعيل بن عُلَيَّة، ووكيع بن الجرّاح، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن إدريس الشافعي، ومعروف الكَرْخي، وأسود بن عامر، والحسن بن موسى الأشيب، وداود بن عمرو الضَّبِّي ويحيى بن عبد الحميد الحمّاني، وخلف بن هشام، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن المديني، والحارث بن شريح، ومحمد بن الحسين البُرْجُلاني، ومحمد بن يحيى بن أبي سمينة، وعبد الله بن عمر بن محمد بن أبان القرشي، ومحمد بن المصفى، وأحمد بن أبي الحواري، وأبو سعيد دُحَيم، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وغيرهم ممن سيأتي ذكرهم بعد ترجمة الإِمام أحمد في الطبقة الأولى إن شاء الله تعالى.
وسيأتي أيضًا ذكر من حدّث عن أحمد على الإِطلاق من الشيوخ والأصحاب هناك.
стр. 112
(ذكر ثناء نظرائه وأقرانه ومقارنيه في السن عليه)
منهم: محمد بن إدريس الشافعي:
قال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدًا أورع ولا أتقى ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل.
وقال أيضًا: ثلاثة من العلماء من عجائب الزمان؛ عربي لا يعرب كلمة وهو أبو ثور، وأعجمي لا يخطئ في كلمة وهو الحسن الزعفراني، وصغير كلما قال شيئًا صدَّقه الكبار وهو أحمد بن حنبل.
وقال أيضًا: ما خلفت بالعراق أحدًا يشبه أحمد بن حنبل، وما رأيت رجلين أعقل من أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمي.
عبد الله بن الزبير الحميدي:
قال الحميدي: ما دمت بالحجاز، وأحمد بالعراق، وإسحاق بخراسان لا يغلبنا أحد.
ابن أبي أويس:
قيل لابن أبي أويس ذهب أصحاب الحديث، فقال: ما أبقى الله أحمد ابن حنبل فلم يذهب أصحاب الحديث.
علي بن المديني:
قال ابن المديني: اتخذت أحمد بن حنبل إمامًا بيني وبين الله، ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله.
وقال أيضًا: أحمد بن حنبل سيدنا.
стр. 113
وسئل أن يحدث فقال: إن سيدي أحمد بن حنبل أمرني أن لا أحدث إلا من كتاب.
وقال أيضًا: أحمد بن حنبل أفضل من سعيد بن جبير في زمانه؛ لأن له نظراء وإن أحمد ليس له نظير.
وقال أيضًا: ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتابه، ولنا فيه أسوة حسنة.
وقال أيضًا: لئن أسأل أحمد بن حنبل عن مسألة أحب إلي من أن أسأل أبا عاصم وعبد الله بن داود، ليس العلم بالسن.
وقال أيضًا: أبو عبد الله حجة الله على خلقه.
وقال أيضًا: أعز الله هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة.
وقال أيضًا: ما قام أحد بأمر الإِسلام ما قام أحمد بن حنبل، يعني بعد رسول الله ﷺ . قيل له: ولا أبو بكر الصديق. قال: ولا أبو بكر الصديق؛ لأن أبا بكر الصديق كان له أعوان وأصحاب، وأحمد بن حنبل لم يكن له أعوان ولا أصحاب.
أبو عبيد القاسم بن سلّام:
قال أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل وهو أفقههم، وابن أبي شيبة وهو أحفظهم له، وعلي بن المديني وهو أعلمهم به، ويحيى بن معين وهو أكتبهم له. وتناظر عنده رجلان فقال أحدهما: من قال بهذه المسألة؟ فقال الآخر: من ليس في شرق ولا غرب مثله. فقال: من هو؟ قال: أحمد بن حنبل. فقال: أبو عبيد - صدق - من ليس في شرق ولا غرب مثله، ما رأيت رجلًا أعلم بالسنة منه.
وقال أيضًا: ما هبتُ أحدًا من العلماء ما هبت أحمد بن حنبل.
يحيى بن معين:
قال يحيى: ما رأيت أحدًا يحدث لله إلا ثلاثة: يعلى بن عبيد، والقعنبي، وأحمد بن حنبل.
стр. 114
وقال أيضًا: ثقات الناس أربعة: وكيع، ويعلى بن عبيد، والقعنبي، وأحمد بن حنبل.
وقال أيضًا: والله ما نقوى على ما يقوى عليه أحمد بن حنبل، ولا على طريقة أحمد بن حنبل.
وقال أيضًا: أراد الناس أن أكون مثل أحمد بن حنبل، لا والله ما أكون مثل أحمد بن حنبل أبدًا.
أبو خيثمة زهير بن حرب:
قال أبو خيثمة زهير بن حرب: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل أشد قلبًا منه أن يكون قام ذلك المقام. وترى ما يمر به من الضرب والقتل، وما قام أحد مثل ما قام، امتحن كذا سنة، وطلب فما ثبت أحد على ما ثبت عليه.
إسحاق بن راهويه:
قال إسحاق وقد ذكر أحمد: لا يُدرَك فضله.
وقال أيضًا: أحمد حجة بين الله وبين عبيده في الأرض، ولولا بذله نفسه لِما بذلها له لذهب الإِسلام.
بشر الحافي:
قال بشر وقد سئل عن أحمد: أنا أُسأل عنه! إن أحمد بن حنبل قد أُدخل الكير فخرج ذهبًا أحمر.
ولما ضرب أحمد قال بشر: إن هذا الرجل قام اليوم بأمر عجز عنه الخلق. وأرجو أن يكون ممن نفعه الله بالعلم.
وقال أيضًا: أحمد بن حنبل إمام من أئمة المسلمين.
وقيل له لما ضرب أحمد: لو أنك خرجت، وقلت: إني على قول أحمد. فقال بشر: تريدون أن أقوم مقام الأنبياء، إن أحمد قام مقام الأنبياء، حفظ الله أحمد بن
стр. 115
حنبل من بين يديه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله.
ذو النون المصري:
يسأل ذو النون المصري رجلًا عن أحمد بن حنبل: أيُّ شيء حال سيدنا! يعني أحمد بن حنبل.
أبو زرعة الرَّازي:
قال أبو زرعة: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل في فنون العلم، وما قام أحد مثل ما قام أحمد بن حنبل. وما رأيت مثله في العلم والزهد والفقه والمعرفة وكل خير، ما رأت عيناي مثله. وقال: لم أزل أسمع الناس يذكرون أحمد بن حنبل ويقدمونه على يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبي حنيفة، وما أعلم في أصحابنا أَسْوَد الرّأس أفقه من أحمد بن حنبل ولا أجمع منه. قيل له: إسحاق بن راهويه؟ فقال: أحمد بن حنبل أكبر منه، وقد رأيت الشيوخ، فما رأيت أحدًا أكمل منه، اجتمع فيه زهد وفضل وفقه وأشياء كثيرة.
أبو حاتم محمد بن إدريس الرَّازي:
سئل أبو حاتم عن علي بن المديني، وأحمد بن حنبل أيهما كان أحفظ؟ فقال: كان في الحفظ متقاربين، وكان أحمد أفقه.
وقال أيضًا: إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة، وهو المحنة بيننا وبين أهل البدع.
أسعد بن يحيى المزني صاحب الشافعي:
قال المزني: أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم صفين.
البُويْطي:
قال البويطي: إني لأرجو أن يجري الله أجر كلِّ ممتنع في هذه المسألة لسيدنا الذي ببغداد أحمد بن حنبل.
стр. 116
أبو ثور:
سئل أبو ثور عن مسألة فقال: قال أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا.
وقال أيضًا: أحمد بن حنبل أعلم وأفقه من الثوري، ولو أن رجلًا قال: إن أحمد بن حنبل من أهل الجنة ما عُنِّفَ على ذلك؛ وذلك أنه لو قصد رجل خراسان ونواحيها لقالوا: إن أحمد بن حنبل رجل صالح، وكذلك لو قصد الشام ونواحيها لقالوا: رجل صالح. وكذلك لو قصد العراق ونواحيها لقالوا: رجل صالح. فهذا إجماع، ولو عُنِّفَ هذا على قوله لبطل الإِجماع. وكنت إذا رأيتَ أحمد بنَ حنبل خُيِّل إليك أن الشريعة لوح بين عينيه.
محمد بن يحيى الذهلي:
قال الذهلي: جعلت أحمد بن حنبل إمامًا فيما بيني وبين الله تعالى، أحمد بن حنبل إمامنا ﵁.
سفيان بن وكيع:
قال سفيان: أحمد بن حنبل محنة، من عاب أحمد بن حنبل عندنا فهو فاسق.
أحمد بن صالح المصري:
قال: ما رأيتُ بالعراق مثلَ هذين الرجلين: أحمد بن حنبل ببغداد، ومحمد بن نمير بالكوفة، رجلين جامعين، لم يُرَ مثلهما بالعراق.
هلال بن العلاء الرَّقِّي:
قال هلال: منّ الله على هذه الأمة بأربعة: أبي عبيد فسَّر غريب حديث رسول الله ﷺ ، والشافعي تفقه على حديث رسول الله ﷺ ، ويحيى بن مَعين نفى الكذبَ عن حديث رسول الله ﷺ ، وأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، لولا أحمد لكفر الناس.
стр. 117
أحمد بن شعيب النسائي:
قال: لم يكن في عصر أحمد بن حنبل مثل هؤلاء الأربعة: علي بن المديني، ويحيى بن مَعين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأعلمهم بالحديث وعلله علي بنُ المديني، وأعلمهم بالرجال وأكثرهم حديثًا يحيى بنُ مَعين، وأحفظهم للحديث والفقه إسحاق بن راهويه، إلا أن أحمد بنَ حنبل كان عندي أعلمُ بعلل الحديث من إسحاق، وجمع أحمد المعرفة بالحديث، والفقه، والورع، والزهد.
نصر بن علي:
قال نصر: كان أحمد بنُ حنبل أفضلَ أهل زمانه.
إسماعيل بن إبراهيم الهذلي القَطِيْعي أبو معمر:
قال أبو معمر: ما رأيت منذ خمسين سنة مثل أحمد بن حنبل، مذ كان غلامًا إنما كان يتزيد.
عمرو بن محمد الناقد:
قال عمرو: إذا وافقني أحمد بن حنبل على حديث فلا أبالي من يخالفني.
أحمد بن الحجاج:
قال أحمد بن الحجاج: لم ترَ عيني مثل أحمد بن حنبل قط، ولو كان في زمن ابن المبارك كنا نأثره عليه.
محمد بن مهران الجمَّال:
قال ابن مهران وذُكر عنده أحمد بن حنبل: ما بقي غيره، إني لأُدير قلبي نحو مكة والمدينة فيرجع إليه، وأُدِيرُهُ نحو البصرة والكوفة فيرجع إليه، وأُدِيرُهُ نحو الشام والجزيرة فيرجع إليه، وأُدِيرُهُ نحو خراسان فيرجع إليه.
محمد بن مسلم بن وَارَة القُومِسِي:
قال ابن وارة: أحمد بن صالح بمصر، وأحمد بن حنبل ببغداد، والنفيلي
стр. 118
بحرَّان، وابن نُمير بالكوفة، هؤلاء أركان الدين.
وسئل عن علي بن المديني ويحيى بن مَعين: أيهما كان أحفظ؟ قال: كان عليٌّ أسرَدَ وأتقن، ويحيى أفهمَ بصحيح الحديث وسقيمه، وأجمعهما أحمد بن حنبل، كان صاحبَ فقهٍ وحفظ ومعرفة.
أبو جعفر عبد الله بن محمد النُفَيلي:
قال النُّفيلي: كان أحمد بن حنبل من أعلام الدين.
محمد بن مصعب:
قال ابن مصعب: لَسوطٌ ضُرب أحمد ابن حنبل في الله أكبرُ من أيام بشر بن الحارث.
الحسن بن محمد بن الصباح:
كان الحسن إذا بلغه أن إنسانًا ذكر أحمد بن حنبل جمع المشايخ وأتاه، وقد استعدى عليه.
وأما ثناء كبار أتباعه عليه مما عرفوه منه في صحبته فمنهم:
أبو داود السجستاني:
قال أبو داود: إذا رأيت الرجل يحبُّ أحمد بنَ حنبل فاعلم أنه صاحب سنة، ولقد لَقِيتُ مئتين من مشايخ العلم، فما رأيت مثل أحمد بن حنبل ..
يعقوب بن سفيان:
قال يعقوب: كتبت عن ألف شيخ، حجتي فيما بيني وبين الله تعالى رجلان، أحمد بن صالح المصري، وأحمد بن حنبل.
محمد بن يحيى الأزدي البصري:
قال محمد بن يحيى: إنا نقول بقول أحمد بن حنبل، وإنه إمامنا، وهو فقيه
стр. 119
المؤمنين، ولا نخالفه، وقد رضينا به إمامًا، فيه خلف من العلماء، ونبرأ ممن خالفه، فليس يخالفه إلا مجادل مبتدع.
أبو همام الوليد بن شجاع:
قال الوليد: ما رأيت مثلَ أحمد بن حنبل، ولا رأى أحمد مثل نفسه.
أبو عمير النحاس الرملي الفلسطيني:
قال أبو عمير النحاس وقد ذكر عنده أحمد بن حنبل؛ ﵀: عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان أبصرَه، عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها.
محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي:
قال البوشنجي: ما رأيت أجمع في كل شيء من أحمد بن حنبل، ولا أعقل، وهو عندي أفضل وأفقه من سفيان الثوري، لأنه لم يمتحن من الشدة والبلوى بمثل ما امتحن به أحمد بن حنبل، ولا عِلمُ سفيان ومن تقدم من علماء الأمصاء وفقهائهم كعلم أحمد بن حنبل؛ لأنه كان أجمعَ لها، وأبصر بمتقنيهم وغالطيهم وصدوقهم وكذوبهم منهم.
ولقد بلغني عن بشر بن الحارث أنه قال: أحمد بن حنبل قام مقام الأنبياء، وامتحن في السراء والضراء، وتداولته أربعة خلفاء، بعضهم بالضراء وبعضهم بالسراء، وكان فيها معتصمًا بالله تعالى، تداوله المأمون، والمعتصم، والواثق، بعضهم بالضرب والحبس، وبعضهم بالإِخافة والترهيب، فما كان في هذه الحال إلا سليمَ الدين غيرَ تارك له من أجل ضرب أو حبس، ثم امتحن أيام المتوكل بالتكريم والتعظيم، وبسطت الدنيا عليه فما ركن إليها، ولا انتقل عن حالته الأولى رغبة في الدنيا ولا رغبة في الذكر، فهذه الحالات لم يمتحن بمثلها سفيان، ولقد حكي لنا عن المتوكل أنه قال: إن أحمد ليمنعنا من بر ولده.
стр. 120
حجاج بن الشاعر:
قال حجاج: ما كنت أحب أن أقتل في سبيل الله ولم أصلِّ على أحمد بن حنبل، ولقد منّ الله على هذه الأمة بأحمد بن حنبل؛ ثبت في القرآن، ولولاه لهلك الناس.
وقال أيضًا: قبَّلتُ يومًا بين عيني أحمد بن حنبل، وقلت: يا أبا عبد الله، بلّغك الله مبلغ سفيان ومالك. ولم أظن في نفسي أني أبقيت غاية، فبلغ - والله - في الإِمامة أكثر من مبلغهما، وما رأيت روحًا في جسد أفضل منه.
إبراهيم بن عرعرة:
قال إبراهيم بن عرعرة وقد ذكر عنده علي بن عاصم، فقال رجل: أحمد بن حنبل يضعّفه، فقال آخر: وما يضره من ذلك إذا كان ثقة؟ فقال ابن عرعرة: والله لو تكلم أحمد بن حنبل في علقمة والأسود لَضرَّهما.
إسماعيل بن خليل:
قال إسماعيل: لو كان أحمد بن حنبل في بني إسرائيل لكان آية.
علي بن شعيب الطوسي:
قال علي: لقد لقيت مئتي شيخ من مشايخ العلم، فما رأيت مثلَ أحمدَ بنِ حنبل، لم يكن يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس، فإذا ذُكر العلم تكلم.
إبراهيم الحربي:
قال إبراهيم: أنا أقول: سعيد بن المسيب في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه، وأحمد بن حنبل في زمانه.
وقال أيضًا: انتهى علم رسول الله ما رواه أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام إلى أربعة: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وزهير بن حرب، وابن أبي شيبة، وكان أحمدُ أفقهَ القوم.
وقال أيضًا: إن الناس يقولون: أحمد بن حنبل بالتوهم، والله ما أجد لأحد من
стр. 121
التابعين عليه مزية، ولا أعرف أحدًا يقدر قدره، ولا يعرف من الإِسلام محله، ولقد صحبته عشرين سنة صيفًا وشتاءً، وحرًّا وبردًا، وليلًا ونهارًا، فما لقيته لقاءً في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس، ولقد كان يقدِّم أئمة العلماء من كل بلد وإمام كل مصر، فهُم بجلالتهم ما دام الرجل منهم خارجًا من المسجد، فإذا دخل المسجد صار غلامًا متعلمًا. وقال أيضًا: التابعون كلهم وآخرهم أحمد بن حنبل - وهو عندي أجلُّهم - يقولون: من حلف بالطلاق أن لا يفعل شيئًا ثم فعله وهو ناسٍ كلهم يلزمونه الطلاق.
أبو بكر الأثرم:
ناظر الأثرم رجلًا فقال: من قال بهذه المسألة؟ فقال الأثرم: من ليس في شرق ولا غرب مثله. قال: من؟ قال الأثرم: أحمد بن حنبل.
عبد الوهاب الورَّاق:
قال عبد الوهاب: لما قال النبي ﷺ : "فرُدُّوه إلى عالمه"، فرددناه إلى أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل إمامنا، وهو من الراسخين في العلم، إذا وقفتُ غدًا بين يدي الله تعالى فسألني بمن اقتديت؟ أقول: بأحمد بن حنبل، وأيُّ شيء ذهب على أبي عبد الله من أمر الإِسلام وقد بُلي عشرين سنة في هذا الأمر؟! والله ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، فقيل له: أيُّ شيء بان لك من فضله على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة فأجاب فيها بحدثنا وأخبرنا.
مُهَنَّأ بن يحيى الشامي:
قال مُهَنَّأ: ما رأيت أجمع لكل خير من أحمد بن حنبل، وقد رأيت سفيان بن عيينة، ووكيعًا وعبد الرزاق، وعقبة بن الوليد، وضمرة بن ربيعة، وكثيرًا من العلماء، فما رأيت مثل أحمد بن حنبل في علمه وفقهه وزهده وورعه.
أقول: وهذا باب واسع جدًا، ولنقتصر على هذا خشية التطويل والملل، والله أعلم.
стр. 122
(ذكر إنفاذ الياس السلام إليه وزيارة الأولياء له وتبركهم بذلك وتنويه ذكره)
قدم على أحمد رجل من الهند فقال: إنَّي رجل من بحر الهند، خرجت أريد الصين، فأصيب مركبنا، فأتاني راكبان على موجة من أمواج البحر، فقال لي أحدهما: أتحب أن يخلصك الله على أن تقرئ أحمد بن حنبل منا السلام؟ ومن أحمد، من أنتما يرحمكما الله؟ قال: أنا إلياس، وهذا الملك الموكل بجزائر البحر، وأحمد بن حنبل بالعراق. قلت: نعم. فنفضني البحر نفضة فإذا أنا بساحل أُبُلَّة، فقد جئتك أبلغك منهما السلام.
قلت: ذكر هذه القصة وكثيرًا من أمثالها ابن الجوزي، وهي وأمثالها مما لا صحة له، وإنما ذكرتها للتنبيه عليها وعلى أمثالها مما لا يصح.
أما زيارة الأولياء له وتبركهم بذلك:
فقال أحمد بن حنبل: جاءني رجل عليه فروة، وعلى أم رأسه خرقة، ما تحت فروته قميص، ولا معه ركوة ولا جراب ولا عكاز، قد لوحته الشمس، فقلت: أُدخُلْ. فدخل الدهليز، فقلت: من أين أقبلت؟ قال: من ناحية المشرق أريد بعض هذه السواحل، ولولا مكانك ما دخلت هذا البلد، إلا أني نويت السلام عليك. قال: قلت: على هذه الحال؟ قال: نعم، ما الزهد في الدنيا؟ قلت: قصر الأمل. وجعلت أتعجب منه، فقلت في نفسي، ما عندي ذهب ولا فضة. فدخلت البيت، فأخذت أربعة أرغفة، فخرجت إليه، فقلت: ما عندي ذهب ولا فضة، وإنما هذا من قوتي. فقال: أو يَسُرّك أن أقبل ذلك يا أبا عبد الله؟ قلت: نعم. قال: فأخذها، فوضعها تحت حضنه، وقال: أرجو أن تكفيني، هذه زادي إلى الرقة، أستودعك الله. قال: فلم أزل أنظر إلى أن خرج، وكان يذكره كثيرًا.
стр. 123
وجاء رجل شاب عليه أطمار فاستأذن، فخرج إليه أحمد فقال: السلام عليك يا أبا عبد الله، أخبرْني، ما الزهد في الدنيا؟ فقال أحمد: قصر الأمل. فقال: صفه لي. فقال: هو أن لا تبلغ من الشمس إلى الفيء، وكان الشاب قائمًا في الشمس، والفيء بين يديه، فذهب الفتى ليولي، فقال له أحمد: قف. قال: فدخل، فأخرج له صرة، فدفعها إليه، فقال له: يا أبا عبد الله، من لا يبلغ من الشمس إلى الفيء أيُّ شيء يصنع بهذا؟ ثم تركه وولَّى.
قلت: وهذا باب واسع أيضًا، تركته رغبة في الاختصار.
وأما تنويه ذكره فقد تقدم في ذكر منشئه في صباه أنه كان مرتفعَ الذكر من زمن الصبا. قال له أبو بكر المَرُّوذي: ما أكثر الداعي لك! قال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا، أي شيء هذا؟.
وقال له: إن رجلًا قدم من طرسوس، فقال لي: إنا كنا في بلاد الروم في الغزو، إذا هدأ الليل رفعوا أصواتهم بالدعاء: ادعوا لأحمد بن حنبل. وكنا نمد المنجنيق، ونرمي عنه، ولقد رمي عنه بحجر والعلج على الحصن متترس بدرقة، فذهب برأسه وبالدرقة. فتغير وجهه وقال: ليته لا يكون استدراجًا. ثم قال: ترى هذا استدراجًا؟ قلت: كلا.
وقال أحمد بن علي الأبَّار: دخلت بخارى فإذا رجل أشقر أحمر، فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل بغداد. قال: فما فعل أحمد بن حنبل؟ قلت: تركته في الحياة، فرفع رأسه يقول: اللهم … يدعو له، فقلت لمن معي: هذا أقصى الإِسلام، هذا موضع التُّرك، فهل بقي شيء؟.
وقيل لأحمد بن حنبل: إن رجلًا من بلاد التُّرك يدعو لك في الناس، فكيف تؤدِّي شكر ما أنعم الله عليك، وما بثَّ لك في الناس؟ فقال: أسأل الله أن لا يجعلني من المرائين.
стр. 124
وقال رجل من أهل خراسان: كان أهل خراسان يرون أن أحمد بن حنبل لا يشبه البشر، يظنون أنه من الملائكة.
وقال رجل كان في ثغر: نحن نقول: نظرة من أحمد بن حنبل خير، أو قال: تعدل عندنا عبادة سنة.
وقال علي بن الجهم: كنت شابًّا، فرأيت الناس يمرون أفواجًا أفواجًا، فسألت، فقالوا: رجلٌ رأى أحمد بن حنبل. فقلت له: رأيتُ أحمدَ بنَ حنبل؟ فقال: صليتُ في مسجده.
ووقع بين امرأتين مجوسيتين اختلاف في ميراث، فاحتكمتا إلى عالم، فقضى إلى إحداهن، فقالت: إن كنتَ قضيتَ بقضاء أحمد بن حنبل قبلت، وإلا لم أقبل. فقال: نعم، بقضاء أحمد بن حنبل. فقبلتْ.
وقال بعض المتطببين: سألني بعض القسيسين والرهبان أن يجيء معي إلى أحمد بن حنبل، فينظر إليه.
ودخل إليه نصراني يعالجه فقال: يا أبا عبد الله، إني لأشتهي أن أراك منذ سنين، وليس بقاؤك صلاح للإِسلام وحدهم، بل للخلق جميعًا، وليس من أصحابنا أحد إلا وقد رضي بك.
وقال المرُّوذي: قلت لأحمد: إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار. فقال: يا أبا يكر، إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه كلام الناس؟.
وكان محمد بن عبد الله الصيرفي يخاطب المتعلمين لمذهب الشافعي يقول لهم: اعتبروا بهذين: حسين الكرابيسي وأبي ثور؛ الحسين في علمه وحفظه، وأبو ثور لا يعشره في علمه. فتكلم أحمد بن حنبل في الحسين فسقط؛ وأثنى على أبي ثور فارتفع.
وقال عبد الله بن طاهر: ما رأيت أعجب من هؤلاء المرجئة! يقول أحدهم:
стр. 125
إيماني كإيمان جبريل، والله ما أستجيز أن أقول: إيماني كإيمان يحيى بن يحيى ولا كإيمان أحمد بن حنبل.
وقال محمد بن يحيى: ما رأيت برًا أنفق من برّ أحمد بن حنبل، كنت أسمع منه بالغداة وأملي بالعشي.
وقال أحمد: لما قدمت صنعاء اليمن أنا ويحيى بن معين في وقت صلاة العصر، فسألنا عن منزل عبد الرزاق، فقيل: إنه بقرية يقال لها: الرَّمادة. فمضيت لشهوتي للقائه، وتخلف يحيى بن معين، وبينها وبين صنعاء قريب، حتى إذا سألت عن منزله قيل: هذا منزله. فلما ذهبت أدق الباب قال لي بقَّال تجاه بابه: لا تدق فإن الشيخ مَهُوب. فجلست، حتى إذا كان قبل صلاة المغرب خرج للصلاة، فوثبت إليه، وفي يدي أحاديث قد انتقيتها، فقلت له: سلامٌ عليكم، تُحدثني بهذه - رحمك الله - فإني رجل غريب؟ فقال لي: من أنت؟ فقلت: أحمد ابن حنبل. قال: فتقاصر، ورجع، وضمَّني إليه، وقال: بالله أنت أبو عبد الله؟! ثم أخذ الأحاديث، فلم يزل يقرؤها حتى أشكل عليه الظلام، فقال للبقال: هلمَّ المصباح. حتى خرج وقت المغرب، وكان يؤخِّرها.
وقال أبو العباس الخطاب: كتبت رِقاعًا والناس متوافرون يومئذٍ، أسود بن سالم، وبشر بن الحارث، وأحمد بن حنبل، وذكر جماعة. وكتبت اسم كل رجل في ورقة، وصليت ركعتين، ودعوت الله تعالى أن يُخرج لي رجلًا أقتدي به، وخلطت الرِّقاع، وجعلتها تحت شيء، ثم ضربت بيدي، فخرج أحمد بن حنبل، فجعلت أتعجب، ثم فعلت الثانية، والثالثة، كذلك.
قلت: هذه القصة في جوازها نظر، إذ هي إلى الطِّيَرَةِ أو المَيْسِرِ أقرب، وإنما ذكرتُها للتنبيه عليها.
وبهذا القدر الذي سقته كفاية، والله أعلم.
стр. 126
(ذكر اعتقاده في الأصول وتمسُّكه بالسنة والأثر، وتعظيمه لأهل السنة والنقل، وإعراضه عن أهل البدع، ونهيه عن كلامهم وقدحه فيهم، وتبركه واستشفائه بالقرآن وماء زمزم وشَعْر النبي ﷺ -)
أما اعتقاده في الأصول:
فمن ذلك مذهبه في الإِيمان.
قال أحمد بن حنبل: الإِيمان قول وعمل، يزيد وينقص، البِرُّ كلُّه من الإِيمان، والمعاصي تنقص من الإِيمان.
قوله في القرآن:
قال أحمد: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر، ومَنْ قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فهو جَهْمي، القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
مذهبه في أخبار الصفات:
قال أحمد: هذه الأحاديث في الصفات نرويها كما جاءت، وقال: من صفة المؤمن من أهل السنّة والجماعة إرجاع الأمور كلها إلى الله، كما جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ : "إن أهل الجنة يرون ربهم" فيصدقها ولا يضرب لها الأمثال، هذا ما اجتمع عليه العلماء في الآفاق.
مذهبه في ذم الكلام:
قال أحمد: لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا إلا ما كان في كتاب أو في حديث عن رسول الله ﷺ أو عن أصحابه، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود.
стр. 127
وقال أيضًا: لا تجالسوا أهل الكلام وإن ذبُّوا عن السنّة.
مذهبه في أهل البدع من الجهمية واللفظية والواقفة والقدرية .
قال أحمد: اللفظية شرٌّ من الجهمية.
وقال أيضًا: الواقفة والجهمية واللفظية عندنا سواء.
وقال أيضًا: إذا صليت وبجنبك جهمي فأعد.
وسُئل عن الواقفة فقال: كفار. وقيل له: إن الكرابيسيَّ يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فقال: كذب الخبيث، هتكه الله، قد خلف هذا بشرًا المريسيّ.
وقال أيضًا: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، لا يُصلَّى خلفه ولا يُجالس ولا يُكلم ولا يُصلَّى عليه.
وقال أيضًا: علماء المعتزلة زنادقة.
وسئل: أنصلي خلف القدري؟ فقال: إذا قال: إن الله لا يعلم ما يعمل العباد حتى يعملوا، فلا نصلي خلفه، ولا نصلي خلف الرافضي إذا كان يتناول أصحاب رسول الله ﷺ .
وقال أيضًا: افترقت الجهمية على ثلاث فرق: فرقة قالوا: القرآن مخلوق، وفرقة قالوا: كلام الله، وسكتوا، وفرقة قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق. قيل: يا أبا عبد الله فلا يكلم مَنْ توقف؟ قال: لا يكلم، قيل: فإن كلَّمه رجل؟ قال: مُروه فإن ترك كلامه فكلموه، وإلا فلا تكلموه. ولا تصلوا خلف اللفظية والواقفية ومن صلى خلفهم أعاد.
مذهبه في تفضيل الصحابة:
قال أحمد: التفضيل على حديث ابن عمر: أبو بكر وعمر وعثمان. والخلافة على حديث سفينة. أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وقيل له عن الشهادة: إن أبا بكر وعمر في الجنة؟ فقال: نعم. أذهبُ إلى حديث سعيد بن زيد قال: أشهد أن النبي ﷺ -
стр. 128
في الجنة وكذلك أصحابه التسعة. وقال النبي ﷺ : "أهل الجنة عشرون ومئة صف، ثمانون منها أمتي". فإذا لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ منهم فمن يكون؟!.
وقال أيضًا: إذا رأيت رجلًا يذكر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ بسوء فاتهمه على الإِسلام.
وقال أيضًا: لما مرض رسول الله ﷺ قدَّم أبا بكر ليصلي بالناس وقد كان في القوم من هو أقرأ منه، وإنما أراد الخلافة.
وقال أيضًا: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ ، لم يختلفوا في ذلك، ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: علي والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد، كلهم يصلح إمامًا، وكلهم يصلح للخلافة، نذهب في ذلك إلى حديث ابن عمر: كنا نعدُّ والنبيُّ ﷺ حيّ وأصحابه متوافرون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، ثم نسكت، ثم نعدُّ أصحاب الشورى، ثم أهل بدر من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ على قدر الهجرة والسابقة أولًا فأولًا، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء القرنُ الذي بُعث فيهم كل من صحبه: سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه، فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه ونظر إليه نظرة، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه، ولو لقوا الله بجميع الأعمال كان هؤلاء الذين صحبوا النبي ﷺ وسمعوا منه أفضل لصحبتهم من أفضل التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير، ومن انتقص أحدًا من الصحابة أو أبغضه لحدثٍ كان منه أو ذكر مساوئه كان مبتدعًا حتى يترحم عليهم جميعًا ويكون قلبه لهم سليمًا.
مذهبه في تقديم عثمان على علي ﵉:
سئل عمَّن قدَّمَ عليًّا على عثمان، أمبتدع هو؟ فقال: هذا أهل أن يبدّع، أصحاب رسول الله ﷺ قدموا عثمان ﵁.
стр. 129
وقال أيضًا: نقول: عثمان ثم علي، فمن قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بأصحاب الشورى.
وقال أيضًا: من قدم عليًا على أبي بكر فقد طعن على رسول الله ﷺ ، ومن قدم عليًا على عمر فقد طعن على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر، ومن قدم عليًا على عثمان فقد طعن على رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعلى المهاجرين، ولا أحسب يصلح له عمل.
كلامه في علي ﵁ وأهل البيت:
قال أحمد بن حنبل: إن الخلافة لم تزين عليًا إنما زيّن علي الخلافة.
وقال أيضًا: الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان، فقيل: فعليٌّ؟ فقال: عليٌّ من أهل بيت لا يقاس بهم أحد.
وقال أيضًا: ما لأحد من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحيحة ما لعليٍّ ﵁.
وقال أيضًا: مَن لم يثبت الخلافة لعليٍّ فهو أضلُّ من حمار أهله.
وسئل عن خلافة علي، هل هي ثابتة؟ فقال: سبحان الله يقيم عليٌّ الحدود، ويقطع، ويأخذ الصدقة ويقسمها بلا حقٍ وجب له!! أعوذ بالله من هذه المقالة، نعم هو خليفة، رضيه أصحاب رسول الله ﷺ ، وصلوا خلفه، وغزوا معه، وجاهدوا وحجوا غير منكرين، وسموه أمير المؤمنين راضين بذلك، ونحن لهم تبع.
قوله فيما شجر بين الصحابة:
قال أحمد وقد سئل عما كان من علي ومعاوية، فقال: ما أقول فيهم إلا الحسنى.
وقال أيضًا: رحم الله الصحابة أجمعين ومعاوية وعمرو بن العاص وأبا موسى الأشعريَّ والمغيرة، كلُّهم وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
стр. 130
وسئل عما جرى بين علي ومعاوية فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤].
كلامه في الرافضة:
سئل عن الرافضي ما هو؟ فقال: الذي يسبُّ أبا بكر وعمر، ومن سبَّ رجلًا من الصحابة فلا أراه على الإِسلام.
جُمل من اعتقاده:
قال أحمد: من صفة المؤمن من أهل السنّة والجماعة أن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يُقرَّ بجميع ما أتت به الأنبياء والرسل، ويعقد قلبه على ما يُظهر لسانه، ولم يشك في إيمانه، ولم يُكفرِّ أحدًا من أهل التوحيد بذنب، وإرجاء ما غاب عنه من الأمور إلى الله، وتفويض أمره إلى الله، ولم يقطع بالذنوب، العصمة من عند الله، وأن كل شيء بقضاءٍ وقدرٍ الخير والشر جميعًا، ويرجو لمحسن أمة محمدٍ، ويخاف على مسيئهم، ولم يُنزل أحدًا من أمة محمد الجنة بإحسانه، ولا النار بذنب اكتسبه، حتى يكون الله الذي يُنزل خلقه كيف يشاء، وَعَرَف حقَّ السلف الذين اختارهم الله لصحبة نبيه، وقدَّم أبا بكر وعمر وعثمان، وعرف حقَّ علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد على سائر الصحابة، فإن هؤلاء التسعة الذين كانوا مع النبي ﷺ على جبل حِراء، فقال ﷺ : "اسْكُنْ حراء، فما عليك إلا نبيٌّ أو صدِّيقٌ أو شهيد" والنبي ﷺ عاشرهم، وترحم على جميع الصحابة، صغيرهم وكبيرهم، وحدَّث بفضائلهم، وأمسك عما شجر بينهم، وصلاة العيدين والخسوف والكسوف والجمعة والجماعات مع كل أمير برٍ أو فاجر، والمسح على الخفين في السفر والحضر، والقصر في السفر، والقرآن كلام الله وتنزيله، ليس بمخلوق، والإِيمان قول وعمل يزيد وينقص، والجهاد ماضٍ منذ بعث الله محمدًا ﷺ إلى آخر عصابة يقاتلون الدجال، لا يضرهم جور جائر، والشراء والبيع حلال إلى يوم القيامة على حكم الكتاب والسنّة، والتكبير على الجنائز أربعًا، والدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، ولا تخرج عليهم بسيفك، ولا تقاتل في
стр. 131
فتنة، وتلزم بيتك، والإِيمان بعذاب القبر، والإِيمان بمنكر ونكير، والإِيمان بالحوض والشفاعة، والإِيمان أن أهل الجنة يرون ربهم ﵎، وأن الموحدين يخرجون من النار من بعد ما امتحشوا، كما جاءت الأحاديث في هذه الأشياء عن النبي ﷺ ، فنحن نصدقها ولا نضرب لها الأمثال، هذا ما اجتمع عليه العلماء في الآفاق.
ورسالة مُسَدَّد بن مُسرْهَد مطبوعة معروفة تركناها لشهرتها، وقد احتوت على كثير مما يجب اعتقاده، وغير ذلك مما ذكره ابن الجوزي، أضربنا عن ذكره طلبًا للاختصار.
أما تمسكه بالسنّة والأثر:
فكان شديد الاتباع للآثار حتى قيل: إنه استأذن أحمد زوجته في أن يتسرى طلبًا للاتباع، فاشترى جارية بثمن يسير وسماها ريحانة استنانًا برسول الله ﷺ .
وقال رجل: أحيانا الله على الإِسلام، فقال أحمد: والسنّة.
وقال الميموني: ما رأت عيني أفضل من أحمد بن حنبل، وما رأيت أحدًا من المحدثين أشد تعظيمًا لحرمات الله وسنّة رسول الله ﷺ إذا صحت عنده، ولا أشد اتباعًا منه.
وقال أحمد: إنما هو السنّة والكتاب والاتباع، وإنما القياس أن يقيس على الأصل، أما أن يجيء إلى الأصل فيهدمه، ثم يقول: هذا قياس! فعلى أي شيء كان هذا القياس؟!.
وقال رجل عنده: لا ينبغي أن يقايس إلا رجل عالم كبير يعرف كيف يُشبِّهُ الشيء بالشيء، فقال أحمد: أجل لا ينبغي.
وقال أحمد: إذا كان في المسألة حديث عن النبي ﷺ لا يؤخذ بقول أحدٍ من الصحابة، ولا من بعده خلافَه، وإذا كان قول عن أحدٍ من الصحابة مختلف تخيَّر من أقوالهم إلى قول، وإذا كان لم يكن فيها عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه قول، تخيَّر من أقاويل التابعين.
стр. 132
وقال أيضًا: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.
وقال أيضًا: ما كتبت حديثًا عن النبي ﷺ إلا وقد عملت به، حتى مرّ بي في الحديث: أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا، فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت.
وسئل عن الوسواس والخطرات فقال: ما تكلم فيها الصحابة والتابعون.
وأما تعظيمه لأهل السنّة والنقل:
فقيل لأحمد بن حنبل: إن ابن أبي قُتيلة بمكة ذُكر له أصحاب الحديث فقال: قوم سوء، فقال أحمد: زنديق زنديق زنديق، وقام وهو ينفض ثوبه ودخل بيته.
وقال أيضًا: من عَظَّم أصحاب الحديث تعظم في عين رسول الله ﷺ ، ومن حقَّرهم سقط من عين رسول الله ﷺ ، لأن أصحاب الحديث أحبار رسول الله ﷺ .
وقيل لأحمد: من مات على الإِسلام والسنّة مات على خير؟ فقال أحمد: بلى، مات على الخير كلِّه.
وقيل لأحمد: أين نطلب البُدلاء؟ فسكت ساعة ثم قال: إن لم يكن في أصحاب الحديث فلا أدري.
ورأى أحمد أصحاب الحديث وقد خرجوا من عند محدِّث، والمحابر بأيديهم، فقال: إن لم يكونوا هؤلاء الناسَ فلا أدري مَنِ الناس؟! وقيل: أيما أحب إليك، الرجلُ يكتب الحديث، أو يصوم ويصلي؟ قال: يكتب الحديث. فقيل: من أين فضلت كتب الحديث على الصوم والصلاة؟ قال: كيلا يقول قائل إني رأيت قومًا على شيء فتبعتهم.
وقال أيضًا: من رَدَّ حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة.
وأما إعراضه عن أهل البدع ونهيه عن كلامهم وقدحه فيهم .
فقد جاء الحزامي إلى أحمد بن حنبل وكان قد ذهب إلى ابن أبي دؤاد، فلما
стр. 133
خرج إليه أحمد ورآه، أغلق الباب في وجهه ودخل.
وقيل له: الرجل من أهل السنّة مع الرجل من أهل البدعة؟ فقال: أَعْلِمْهُ أن الذي رأيتَه معه صاحبُ بدعة، فإن ترك كلامه وإلا فأَلْحِقْهُ به.
وقال أيضًا: ما أعلم الناسَ في زمان أحوج منهم إلى طلب الحديث من هذا الزمان.
وتكلم الحارث المحاسبي في شيء من الكلام، فهجره أحمد بن حنبل واختفى في دار ببغداد ومات فيها، ولم يصلِّ عليه إلا أربعة نفر.
وهذا باب واسع جدًا.
وأما تبركه واستشفاؤه بالقرآن وماء زمزم وشَعْر النبي ﷺ وقصعته:
فكان إذا اعتلَّ ابنه أخذ قدحًا فيه ماء فيقرأ فيه، ثم يقول: اشرب منه واغسل وجهك ويديك.
وكان يأخذ الشعرة من شعر رسول الله ﷺ فيضعها على فيه يقبلها، ويضعها على عينيه ويغمسها في الماء ثم يشربه يستشفي به.
وكان يأخذ قصعة النبي ﷺ ، فيغسلها في حب الماء ثم يشرب فيها، وكان يشرب ماء زمزم يستشفي به ويمسح يديه ووجهه.
стр. 134
(ذكر الوقت الذي ابتدأ فيه بالتحديث والفتوى، وبذله للعلم واحتسابه في ذلك وذكر مصنفاته، وكراهيته وضع الكتب المشتملة على الرأي ليتوفر الالتفات إلى النقل وكراهيته أن يكتب كلامه أو أن يروى)
أما الوقت الذي ابتدأ فيه بالتحديث والفتوى:
فكان يفتي في شبابه في بعض الأوقات، ويحدث إذا سئل، ولا يعتبر سِنَّ نفسه.
قال القُوْمِسِي: رأيت أحمد بنَ حنبل في مسجد الخِيف في سنة ثمان وتسعين ومئة مستندًا إلى المنارة، وجاء أصحاب الحديث فجعل يعلمهم الفقه والحديث، ويفتي في المناسك فتيًا واسعة، فوقفت عليه ولم أكن عرفته، فقلت لرجل: مَنْ هذا؟ قال: أحمد بن حنبل، فانتظرته حتى تفرق الناس، ثم أخذت بيده فسلمت عليه، فجرت بيني وبينه المعرفة من ذلك الوقت.
قال ابن الجوزي: لم يتصدر أحمد بن حنبل للفتيا ولم ينصب نفسه لها إلا بعد الأربعين سنة من عمره.
قال حجاج بن الشاعر: جئت إلى أحمد بن حنبل فسألته أن يحدثني في سنة ثلاث ومئتين فأبى، فخرجت إلى عبد الرزاق، ثم رجعت سنة أربع وقد حدث أحمد واستوى الناس عليه وعمره أربعون سنة.
وأما بذله العلم واحتسابه في ذلك:
فسأله رجل عن حديث، فأمر ابنه عبد الله وقال: أَخرِجْ إليَّ كتاب الفوائد، فأخرجه، فجعل يطلبه فلم يجد الحديث، فقام بنفسه فنزل عن ظهر مسجده، ودخل منزله، فلم يلبث كثيرًا ثم عاد إلينا وعلى يده عدد أجزاء من الكتب، فقعد يطلب
стр. 135
الحديث، فطال عليه، فقال له السائل: قد تعبتَ يا أبا عبد الله فدعه، فقال: لا، الحاجة لنا. فرأينا أنه دخل البيت فنظر إلى كل جزء يتوهم ذلك الحديث فيه، فأخرج تلك الأجزاء لئلا يرى أنه قد أشغله، وكره أن يجلس في المنزل لطلب ذلك الحديث، وبحسبك هذا كرم مجالسة.
وقال أبو حاتم الرازي: أتيت أحمد بن حنبل أول ما التقيت به سنة ثلاث عشرة ومئتين، فإذا قد أخرج معه إلى الصلاة كتاب "الأشربة"، وكتاب "الإِيمان"، فصلى فلم يسأله أحد، فرده إلى بيته، وأتيته يومًا آخر وقد أخرج الكتابين، فظننت أنه يحتسب في إخراج ذلك، لأن كتاب "الإِيمان" أصل الدين، وكتاب "الأشربة" صرف الناس عن الشر، فإن أصل كل شر السكر.
وجاء أبو العلاء الخادم إلى أحمد بن حنبل، وكان شيخًا مشمرًا يشبه القراء متواضعًا، فاستأذن على أحمد، فخرج إليه وإذا في المسجد رجل غريب، وعليه أطمار ومعه محبرة، فلما قعد أحمد حانت منه التفاتة فرأى الرجل، فقال لأبي العلاء: لا يشتد عليك الحر، فقام. ثم جعل أحمد يلاحظ الرجل، فلما لم يسأله قال له أحمد: ألك حاجة؟ قال: تعلمني مما علمك الله، فقام فدخل منزله فأخرج كتبًا وقال له: ادنه، فجعل يملي عليه، ثم يقول للرجل: اقرأ ما كتبت.
وأما مصنفاته:
فكان الإِمام أحمد لا يرى وضع الكتب، وينهى أن يكتب عنه كلام أو تروى عنه مسائل، ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة، ولنقلت عنه كتب، فكانت تصانيفه المنقولات.
فصنف "المسند": وهو ثلاثون ألف حديث، وكان يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا المسند، فقد جعلته إمامًا للناس.
وكتاب "التفسير": وهو مئة ألف وعشرون ألفًا.
و"الناسخ والمنسوخ".
стр. 136
و"التاريخ" و"حديث شعبة" و"المقدم والمؤخر في كتاب الله" و"جوابات القرآن" و"المناسك الكبير" و"المناسك الصغير".
وأشياء أخر. وذكر له في "هدية العارفين" غيرها.
ذكر ابن الجوزي: كتاب "طاعة الرسول"، كتاب "الأشربة الصغير"، كتاب "الإِيمان"، كتاب "الرد على الجهمية"، كتاب "الزهد"، كتاب "العلل" في الحديث، كتاب "الفرائض"، كتاب "الفضائل"، كتاب "المسائل"، كتاب "مناقب علي بن أبي طالب".
قال ابن الجوزي: وكان ينهى الناس عن كتابة كلامه، فنظر الله إلى حسن قصده، فنقلت ألفاظه وحفظت، فقلَّ أن تقع مسألة إلا وله فيها كلام ونص في الفروع والأصول، وربما عدمت في تلك المسألة نصوص الفقهاء الذين صنفوا وجمعوا.
وجمع أحمدُ حنبلَ بن إسحاق وابنيه صالحًا وعبد الله وقرأ عليهم "المسند". قال حنبل: وما سمعه منه غيرنا وابنيه، وقال لنا: هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبع مئة ألف حديث وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ ، فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة.
أما كراهيته وضع الكتب المشتملة على الرأي ليتوفر الالتفات إلى النقل:
فكان ﵁ يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي، ويحب التمسك بالأثر.
قال عثمان بن سعيد: قال لي أحمد: لا تنظر في كتب أبي عبيد، ولا فيما وضع إسحاق، ولا سفيان، ولا الشافعي، ولا مالك، وعليك بالأصل.
وقيل له: إن أصحاب الحديث يكتبون كتب الشافعي؟ قال: لا أرى لهم ذلك.
وسئل عن كتب أبي ثور فقال: كتاب ابتدع فيه بدعة. ولم يعجبه وضع الكتب، وقال: عليكم بالحديث. وكان يأمر بكتاب "الموطأ" لمالك ويرخص فيه، وينهى عن "جامع سفيان" وقال: عليكم بالأثر.
стр. 137
وقيل له: أنكتب كتب الرأي؟ قال: لا. قيل له: فابن المبارك قد كتبها؟ قال: ابن المبارك لم ينزل من السماء، إنما أُمرنا أن نأخذ العلم من فوق.
وأما نهيه أن يكتب كلامه أو أن يروى وكراهيته لذلك:
فكان يكره أن يكتب شيء من رأيه وفتواه، وكان يقول: بلغني عن إسحاق الكوسج أنه يروي عني مسائل بخراسان، أشهدكم أني قد رجعت عن ذلك كله.
وجاء رجل ومعه جزء، فنظر فيه أحمد، فإذا فيه كلام لأبي عبد الله أحمد بن حنبل، فغضب ورمى الكتاب من يده.
وكان يقول: القلانس من السماء تنزل على رؤوس قوم، يقولون برؤوسهم هكذا وهكذا. والمعنى: لا يريدها. وقوله: "هكذا وهكذا" أي يميلون رؤوسهم عن أن يتمكن منها. ومعنى الكلام: أنهم لا يريدون الرئاسة وهي تقع عليهم. ويحتمل أنهم يطأطئون رؤوسهم تواضعًا .. فكذلك كان أحمد بن حنبل ﵁ ينهى عن كتب كلامه تواضعًا وقدَّر الله أن دُوّن ورُتب وشاع.
стр. 138
(ذكر كلامه في الإخلاص والرياء وستر التعبد، والزهد والرقائق وفنون مختلفة، وما أنشد من الشعر أو نسب إليه، ومكاتباته)
كان ﵁ يقول: إن إظهار المحبرة من الرياء.
وذكر له الصدق والإِخلاص فقال: بهذا ارتفع القوم.
وقال المَرُّوذي: كنت مع أحمد بن حنبل أربعة أشهر بالعسكر ولم يدع قيام الليل وقراءة النهار، فما علمت بختمة ختمها وكان يستر ذلك.
ولقي أحمد رجلًا كان داهنه في شيء، فقال له أحمد: لو تحجبت ما خفت أحدًا. وسئل عن الحب في الله فقال: أن لا يحب لطمع الدنيا.
أما كلامه في الزهد والرقائق:
فقد قال ﵀: كل شيء من الخير بادر فيه.
وشاورَه رجل في الخروج إلى الثغر فقال: بادر بادر.
وقيل له: بم تلين القلوب؟ فنظر إلى أصحابه فغمزهم بعينه، ثم أطرق ساعة، ثم رفع رأسه فقال: بأكل الحلال.
وكان يقول: يا نفس انصَبي وإلا فستحزني.
وقال: الدنيا قليلها يجزي وكثيرها لا يجزي، والفقر مع الخير .. وكان يقول: ما أعدل بفضل الفقر شيئًا، تدري إذا سألك أهلك حاجة لا تقدر عليها أي شيء لك من الأجر؟
وكان يقول: شبّهتُ الشباب بشيء كان في كمي فسقط.
وكان يقول: ما قلَّ من الدنيا كان أقلّ للحساب.
وسئل عن التوكل، فقال: قَطْعُ الاستشراف باليأس من الناس. قيل له: ما
стр. 139
الحجة فيه؟ قال: قول إبراهيم حين وضع في المنجنيق مع جبريل حين قال: أما إليك فلا.
وسئل عن الفتوة فقال: ترك ما تهوى لما تخشى.
وبات عنده رجل فوضع له أحمد ماءً، فلما أصبح وجده لم يستعمله، فقال: صاحب حديث لا يكون له ورد من الليل؟! فقال له: أنا مسافر. فقال له: وإن كنت مسافرًا، حجَّ مسروق فما نام إلا ساجدًا.
وودَّعه رجل فقال: توصي بشيء؟ قال: نعم، اجعل التقوى زادك وانصب الآخرة أمامك. وكان يقول: عزيز عليَّ أن تُذيب الدنيا أكباد رجال وعت صدورهم القرآن.
وكان يقول: انوِ الخير، فإنك لا تزال بخير ما نويتَ الخير.
وسئل: بم بلغ القوم حتى مُدحوا؟ فقال: بالصدق. وكان يقول: ليس بتقي من لا يدري ما يتقي.
أما كلامه في فنون مختلفة:
فكان يقول: يؤكل الطعام بثلاث: مع الإِخوان بالسرور، ومع الفقراء بالإِيثار، ومع أبناء الدنيا بالمروءة.
وكان يقول: إن لكل شيء كرمًا، وكرم القلوب الرضا عن الله .
وكان يقول: إذا مات أصدقاء الرجل ذلّ. وكان يقول: لو كانت الدنيا لقمة ثم أخذها امرؤ مسلم فوضعها في فم أخيه المسلم لما كان مسرفًا.
ودخل عليه رجل كان يمارس المعاصي فسلم عليه، فكأن أحمد لم يرد عليه ردًّا تامًّا وانقبض منه، فقال له: لم تنقبض مني فإني قد انتقلت عما كنت تعهده مني؟ برؤيا رأيتُها، قال: وأي شيء رأيتَ؟ قال: رأيت النبي ﷺ في النوم كأنه على علو من الأرض وأناس كثير أسفل جلوس، فيقوم الرجل منهم إليه فيقول: ادع لي، فيدعو له، حتى لم يبق من القوم غيري، فأردت أن أقوم فاستحييت من قبيح ما كنت عليه، فقال
стр. 140
لي: يا فلان لم لا تقوم إلي تسألني أن أدعو لك؟ قلت: يا رسول الله يقطعني الحياء لقبيح ما أنا عليه، فقال: إن كان يقطعك الحياء، فقم فسلني أدعو لك، فإنك لا تسبُّ أحدًا من أصحابي، فقمت فدعا لي، ثم انتبهت، وقد بغض الله إليَّ ما كنت عليه. فقال أحمد لمن حضر: حدِّثوا بهذا واحفظوه فإنه ينفع.
وكان يقول: طلب علوِّ الإِسناد من السنة.
ورأى رجلًا يكتب خطًا دقيقًا، فقال: لا تفعل، أحوج ما تكون إليه يخونك.
وشاوره رجل بالتزوج، فقال: تزوج ببكر، واحرص على أن لا يكون لها أم.
وقال لولديه: اكتبا من سلَّم علينا ممن حج، فإذا قدم سلمنا عليه.
أما ما أنشده من الشعر أو نسب إليه:
فدخل عليه ثعلب فقال: بم تنظر؟ قال ثعلب: في النحو والعربية فقال أحمد منشدًا:
إذا ما خلوتَ الدهر يومًا فلا تقل … خلوتُ ولكن قل عليَّ رقيبُ
ولا تحسبنَّ الله يغفلُ ساعةً … ولا أنَّ ما يخفى عليه يغيبُ
لهونا عن الأيام حتى تتابعتْ … ذنوبٌ على آثارهنَّ ذنوبُ
فيا ليتَ أنَّ الله يغفرُ ما مضى … ويأذن في تَوباتنا فنتوب
إذا ما مضى القرنُ الذي أنت فيهمُ … وخُلِّفتَ في قرنٍ فأنتَ غريبُ
وكان ينشد:
تفنى اللذاذة ممن نال صَفْوَتَها … من الحرام ويبقى الإثم والعارُ
تبقى عواقب سوء من مغبتها … لا خيرَ في لذَّةٍ من بعدها النارُ
وكان ينشد:
يا ابْنَ المدينيِّ الذي عَرَضَتْ له … دنيا فجاد بدينه لينالها
ماذا دعاك إلى انتحال مقالة … قد كنتَ تزعُم كافرًا من قالها
أمرٌ بَدَا لك رُشدُه فتبعتَه … أم زينةُ الدنيا أردتَ نوالَها
стр. 141
ولقد عهدتُك مرةً متشدّدًا … صعبَ المقالة للتي تُدعى لها
إن المُرَزَّأَ من يُصاب بدينه … لا من يرَزَّأُ ناقةً وفصالَها
وأما مكاتباته:
فقد كتب إلى أحمد بن سعيد الدارمي، فقال: لأبي جعفر أكرمه الله من أحمد بن حنبل.
وكذلك كان يكتب عنوان الكتاب: إلى أبي فلان، وقال: هو أصوب من كتب: لأبي فلان.
وكتب إلى سعيد بن يعقوب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من أحمد بن محمد إلى سعيد بن يعقوب فأما بعد: فإن الدنيا داء والسلطان داء، والعالم طبيب، فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاحذره، والسلام.
وكان يكتب: إلى فلان من فلان، فسئل عن ذلك فقال: كتب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر، وكتب كلَّ ما كتب على ذلك، وأصحاب النبي ﷺ وكتب عمر إلى عتبة بن فرقد، وهذا الذي يكتب اليوم لا أعرفه مُحدَث. فقيل له: يبدأ بنفسه؟ قال: أما الأب فأحب أن يقدمه على اسمه، فلا يبدأ ولد باسمه على والده، وكذلك كبير السن يوقره، وغير ذلك لا بأس.
وقال ابن منيع: أردت الخروج إلى سويد بن سعيد، فقلت لأحمد بن حنبل: تكتب لي إليه؟ فكتب: وهذا رجل يكتب الحديث. فقلت: يا أبا عبد الله خدمتي لك ولزومي، لو كتبتَ: هذا رجل من أصحاب الحديث؟ فقال: صاحب الحديث عندنا من يستعمل الحديث.
стр. 142
(ذكر صفته وهيبته وسمته، ونظافته وطهارته، وسهولة أخلاقه وحسن معاشرته، وحلمه وعفوه)
أما صفته وهيبته وسمته:
فقال محمد بن العباس بن الوليد النحوي: سمعت أبي يقول: رأيت أحمد بن حنبل رجلًا حسنَ الوجه، رَبْعَةً من الرجال، يخضب بالحناء خضابًا ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، فرأيت ثيابه غلاظًا إلا أنها بيض، فرأيته معتمًا وعليه إزار. وكان ابنه عبد الله يقول: خضب أبي رأسه ولحيته بالحناء وهو ابن ثلاث وستين.
وقال أبو داود: لم يكن أحمد يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس، فإذا ذكر العلم تكلم.
وقال غيره: كان شيخًا مخضوبًا طُوالًا، شديدَ السمرة، وكان إذا كان في البيت كان عامة جلوس متربعًا خاشعًا، فإذا كان خارج البيت لم يكن يتبين منه شدة خشوع كما كان داخلًا، وكان إذا دخل عليه أحدٌ والجزء بيده ينظر فيه، أطبقه ووضعه بين يديه.
وقال بعضهم: دخلت عليه وهو جالس على التراب وخضابه قد نصل، وأصول الشعر قد تبين بياضه، وعليه إزار دامس صغير وسخ، وقميص غليظ قد أصاب عاتقه التراب، والعرق قد بان على مستدير عاتقه.
وقال بعضهم: اختلفتُ عليه اثنتي عشرة سنة وهو يقرأ المسند على أولاده فما كتبت حديثًا واحدًا، إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه وآدابه.
وقال البُوْشَنْجي: ما رأيت أحمد جالسًا إلا القرفصاء إلا أن يكون في الصلاة، وهي أن يجلس الرجل على أليتيه رافعًا ركبتيه إلى صدره.
وقال الحسن بن الربيع: كان أحمد يشبه ابن المبارك في سمته وهديه.
стр. 143
وقال محمد بن مسلم: كنا نهاب أن نردَّ أحمد في الشيء أو نحاجَّه في شيء من الأشياء.
وقال بعضهم: جئت إليه أُكلِّمه في شيء فوقعت عليَّ الرعدة حين رأيتُه من هيبته.
وقال أبو عبيد: جالستُ أبا يوسف، ومحمد بن الحسن، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، فما هبت أحدًا منهم ما هبت أحمد بنَ حنبل، ولقد دخلت عليه في السجن لأسلم عليه فسألني رجل عن مسألة فلم أجبه هيبة لأحمد.
وأما نظافته وطهارته:
فقال الميموني: ما أعلم أني رأيت أحدًا أنظف ثوبًا ولا أشدَّ تعاهدًا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوبًا وشدة بياض من أحمد بن حنبل.
وقال المرُّوذي: كان لا يدخل الحمام، وإذا احتاج إلى النورة تنوَّر في البيت، وأصحلت له غير مرة النورة، واشتريت له جلدًا ليده، فكان يدخل يده فيه ينوِّر نفسه. وقال أبو العباس: ضربت لأحمد نورة ونوّرته، فلما بلغ عانته وليها.
وأما سهولة أخلاقه وحسن معاشرته:
فقال البُوْشَنْجي: ما رأيت أحدًا في عصر أحمد ممن رأيت أجمع منه ديانة وصيانة وملكًا لنفسه، وطلقًا لها وفقهًا وعلمًا وأدبًا ويقينًا، وكرم خلق، وثبات قلب، وكرم مجالسة، وأبعد من التماوت.
وقال أبو عبد الله لعلي ابن المديني: إني أحب أن أصحبك إلى مكة، وما يمنعني من ذلك إلا أني أخاف أن أملّك أو تملّني، قال علي: فلما ودعته قلت له: يا أبا عبد الله توصي بشيء؟ قال: نعم، أَلْزِمْ تقوى الله قلبك، وانصِب الآخرة أمامك.
وكان أحمد ﵀ إذا أراد القيام قال لجلسائه: إذا شئتم.
وقال أبو داود: كانت مجالسة أحمد مجالسة الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمور الدنيا، ما رأيته ذكر الدنيا قط.
стр. 144
وقال بعضهم: كان أحمد من أحيا الناس وأكرمهم نفسًا وأحسنهم عشرة وأدبًا، كثير الإِطراق والغض، معرضًا عن القبيح واللغو، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث وذكر الصالحين والزهاد، في وقار وسكون ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بَشَّ به وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعًا شديدًا، وكانوا يكرمونه ويعظمونه، وكان يفعل بيحيى بن معين ما لا يفعل بغيره من التواضع والتبجيل، وكان يحيى أكبر منه بنحو سبع سنين، وكان يضرب برجله إذا جاء من المسجد إلى البيت قبل أن يدخل البيت ليعلم أهل البيت بدخوله إلى الدار، وربما تنحنح ليعلم مَنْ في الدار بدخوله.
وقال علي بن مهدي: رأيت أحمد غير مرة، رأيته كثيرًا يمثلُ وجهُه ورأسُه وخده، ولا يقول شيئًا ولا يمتنع من ذلك. وقبَّل سليمان بن داود الهاشمي جبهته ورأسه ولم يمتنع من ذلك ولم يكرهه، وكذا رأيت يعقوب بن إبراهيم يقبّل جبهته ووجهه.
وقال زهير بن صالح بن أحمد بن حنبل: كنا ندخل على جدي كل جمعة أنا وإخواني، وكان بيننا وبينه باب مفتوح، فكان يكتب لكل واحد منا حبتين من فضة في رقعة إلى فَامِيٍّ نعامله، فنأخذ منه الحبتين ونأخذ للأخوات، وكان ربما مررت به وهو قاعد في الشمس وظهره مكشوف وأثر الضرب بيِّنٌ في ظهره، وكان لي أخ أصغر مني اسمه علي، فأراد أبي أن يختنه فاتخذ له طعامًا كثيرًا ودعا قومًا، فلما أراد أن يختنه وجه إليه جدي فدعاه، وقال له: بلغني ما أحدثت لهذا الأمر، وقد بلغني أنك قد أسرفت، فابدأ بالفقراء والضعفاء فأطعمهم، فلما كان من الغد وحضر الحجام وحضر أهلنا، دخل أبي إلى جدي فأعلمه أن الحجام قد حضر، فجاء جدي معه حتى جلس في الموضع الذي فيه الصبي، وختن وهو جالس، فأخرج صريرة فدفعها إلى الحجام، وصريرة إلى الصبي، وقام فدخل منزله فنظر الحجام إلى ما في الصريرة فإذا فيها درهم واحد، ونظرنا إلى صرة الصبي فإذا فيها درهم، وكنا قد رفعنا كثيرًا مما قد افترش، وكان الصبي على منصته مرتفعة على شيء من الثياب المصبغة، فلم ينكر من ذلك شيئًا.
стр. 145
فقدم علينا من خراسان ابن خالة جدي فنزل على أبي، فلما كان يومًا من الأيام وقد صلينا المغرب قال لي أبي: خذ بيد ابن خالة جدك وامضِ به إلى جدك، فدخلت على جدي وهو قائم يصلي بعد المغرب، فجلستُ حتى فرغ، فقال: جاء أبو أحمد ابن خالتي؟ قلت: نعم، قال: قل له يدخل، فقلت ذلك له فدخل معي فجلس، ثم صاح بامرأة كانت تخدمه مسنة من سكانه، فجاءت بطبق خلاق وعليه خبز وبقل وخلٌّ وملح، ثم جاءت بغضارة من هذه الغلاظ فوضعتها بين أيدينا، وإذا فيها بصلية فيها لحم وسلق كثير، فجعلنا نأكل وهو يأكل معنا ويسأل أبا أحمد عمن بقي من أهلهم بخراسان في خلال ما نأكل، وكان ربما استعجم الشيء على أبي أحمد بالعربية فيكلمه جدي بالفارسية، وكان في خلال ذلك ونحن نأكل يضع القطعة اللحم بين يدي أبي أحمد وبين يديّ، ثم رفع الغضارة بيده فوضعها ناحية، ثم أخذ طبقًا إلى جنبه فوضعه بين أيدينا على الطبق وإذا فيه تمر بُرني وجوز مكسر، وجعل يأكل ونأكل، وفي خلال ذلك يناول أبا أحمد، ثم غسلنا أيدينا، كل واحد منا يغسل يده لنفسه.
وقال عبدوس العطار: وجهت بابني مع الجارية يسلم على أحمد بن حنبل، فرحب به وأجلسه في حجره يسائله، فأرسل فاتخذ له خبيصًا، فجاء به فوضعه بين يديه، وجعل يباسطه، وقال للجارية: كلي معه، ثم قام إلى بعض الفاميّين فجاء وفي ثوبه لوز وسكر، وأخرج منديلًا فشده فيه فدفعه إلى الخادم، وقال للصبي: اقرأ على أبي محمد السلام.
وقال المروذي: رأيت أحمد بن حنبل قد أعطى ختانًا درهمين وألقاها له في طشت.
وقال الميموني: كنت كثيرًا ما أسأل أحمد عن الشيء فيقول: لبيك.
وقال المروذي: كان أحمد لا يجهل، وإن جُهل عليه احتمل، ويقول: يلقى الله، ولم يكن بالحقود، ولا بالعجول، ولقد وقع بين عمه وجيرانه منازعة، وكانوا يجيؤون إلى أحمد فلا يظهر لهم ميله مع عمه ولا يغضب لعمه، ويتلقاهم بما يعرفون من الكرامة، وكان كثير التواضع، يحب الفقراء، لم أر الفقير في مجلس أعزّ منه في
следующие страницы →