← Тараджим

Тараджим · id 132527

تسهيل السابلة لمريد معرفة الحنابلة

صالح بن عبد العزيز آل عثيمين

Полный текст (1 920 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولقد عهدتُك مرةً متشدّدًا … صعبَ المقالة للتي تُدعى لها إن المُرَزَّأَ من يُصاب بدينه … لا من يرَزَّأُ ناقةً وفصالَها وأما مكاتباته: فقد كتب إلى أحمد بن سعيد الدارمي، فقال: لأبي جعفر أكرمه الله من أحمد بن حنبل. وكذلك كان يكتب عنوان الكتاب: إلى أبي فلان، وقال: هو أصوب من كتب: لأبي فلان. وكتب إلى سعيد بن يعقوب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من أحمد بن محمد إلى سعيد بن يعقوب فأما بعد: فإن الدنيا داء والسلطان داء، والعالم طبيب، فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاحذره، والسلام. وكان يكتب: إلى فلان من فلان، فسئل عن ذلك فقال: كتب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر، وكتب كلَّ ما كتب على ذلك، وأصحاب النبي ﷺ وكتب عمر إلى عتبة بن فرقد، وهذا الذي يكتب اليوم لا أعرفه مُحدَث. فقيل له: يبدأ بنفسه؟ قال: أما الأب فأحب أن يقدمه على اسمه، فلا يبدأ ولد باسمه على والده، وكذلك كبير السن يوقره، وغير ذلك لا بأس. وقال ابن منيع: أردت الخروج إلى سويد بن سعيد، فقلت لأحمد بن حنبل: تكتب لي إليه؟ فكتب: وهذا رجل يكتب الحديث. فقلت: يا أبا عبد الله خدمتي لك ولزومي، لو كتبتَ: هذا رجل من أصحاب الحديث؟ فقال: صاحب الحديث عندنا من يستعمل الحديث.

стр. 142

(ذكر صفته وهيبته وسمته، ونظافته وطهارته، وسهولة أخلاقه وحسن معاشرته، وحلمه وعفوه) أما صفته وهيبته وسمته: فقال محمد بن العباس بن الوليد النحوي: سمعت أبي يقول: رأيت أحمد بن حنبل رجلًا حسنَ الوجه، رَبْعَةً من الرجال، يخضب بالحناء خضابًا ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، فرأيت ثيابه غلاظًا إلا أنها بيض، فرأيته معتمًا وعليه إزار. وكان ابنه عبد الله يقول: خضب أبي رأسه ولحيته بالحناء وهو ابن ثلاث وستين. وقال أبو داود: لم يكن أحمد يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس، فإذا ذكر العلم تكلم. وقال غيره: كان شيخًا مخضوبًا طُوالًا، شديدَ السمرة، وكان إذا كان في البيت كان عامة جلوس متربعًا خاشعًا، فإذا كان خارج البيت لم يكن يتبين منه شدة خشوع كما كان داخلًا، وكان إذا دخل عليه أحدٌ والجزء بيده ينظر فيه، أطبقه ووضعه بين يديه. وقال بعضهم: دخلت عليه وهو جالس على التراب وخضابه قد نصل، وأصول الشعر قد تبين بياضه، وعليه إزار دامس صغير وسخ، وقميص غليظ قد أصاب عاتقه التراب، والعرق قد بان على مستدير عاتقه. وقال بعضهم: اختلفتُ عليه اثنتي عشرة سنة وهو يقرأ المسند على أولاده فما كتبت حديثًا واحدًا، إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه وآدابه. وقال البُوْشَنْجي: ما رأيت أحمد جالسًا إلا القرفصاء إلا أن يكون في الصلاة، وهي أن يجلس الرجل على أليتيه رافعًا ركبتيه إلى صدره. وقال الحسن بن الربيع: كان أحمد يشبه ابن المبارك في سمته وهديه.

стр. 143

وقال محمد بن مسلم: كنا نهاب أن نردَّ أحمد في الشيء أو نحاجَّه في شيء من الأشياء. وقال بعضهم: جئت إليه أُكلِّمه في شيء فوقعت عليَّ الرعدة حين رأيتُه من هيبته. وقال أبو عبيد: جالستُ أبا يوسف، ومحمد بن الحسن، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، فما هبت أحدًا منهم ما هبت أحمد بنَ حنبل، ولقد دخلت عليه في السجن لأسلم عليه فسألني رجل عن مسألة فلم أجبه هيبة لأحمد. وأما نظافته وطهارته: فقال الميموني: ما أعلم أني رأيت أحدًا أنظف ثوبًا ولا أشدَّ تعاهدًا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوبًا وشدة بياض من أحمد بن حنبل. وقال المرُّوذي: كان لا يدخل الحمام، وإذا احتاج إلى النورة تنوَّر في البيت، وأصحلت له غير مرة النورة، واشتريت له جلدًا ليده، فكان يدخل يده فيه ينوِّر نفسه. وقال أبو العباس: ضربت لأحمد نورة ونوّرته، فلما بلغ عانته وليها. وأما سهولة أخلاقه وحسن معاشرته: فقال البُوْشَنْجي: ما رأيت أحدًا في عصر أحمد ممن رأيت أجمع منه ديانة وصيانة وملكًا لنفسه، وطلقًا لها وفقهًا وعلمًا وأدبًا ويقينًا، وكرم خلق، وثبات قلب، وكرم مجالسة، وأبعد من التماوت. وقال أبو عبد الله لعلي ابن المديني: إني أحب أن أصحبك إلى مكة، وما يمنعني من ذلك إلا أني أخاف أن أملّك أو تملّني، قال علي: فلما ودعته قلت له: يا أبا عبد الله توصي بشيء؟ قال: نعم، أَلْزِمْ تقوى الله قلبك، وانصِب الآخرة أمامك. وكان أحمد ﵀ إذا أراد القيام قال لجلسائه: إذا شئتم. وقال أبو داود: كانت مجالسة أحمد مجالسة الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمور الدنيا، ما رأيته ذكر الدنيا قط.

стр. 144

وقال بعضهم: كان أحمد من أحيا الناس وأكرمهم نفسًا وأحسنهم عشرة وأدبًا، كثير الإِطراق والغض، معرضًا عن القبيح واللغو، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث وذكر الصالحين والزهاد، في وقار وسكون ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بَشَّ به وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعًا شديدًا، وكانوا يكرمونه ويعظمونه، وكان يفعل بيحيى بن معين ما لا يفعل بغيره من التواضع والتبجيل، وكان يحيى أكبر منه بنحو سبع سنين، وكان يضرب برجله إذا جاء من المسجد إلى البيت قبل أن يدخل البيت ليعلم أهل البيت بدخوله إلى الدار، وربما تنحنح ليعلم مَنْ في الدار بدخوله. وقال علي بن مهدي: رأيت أحمد غير مرة، رأيته كثيرًا يمثلُ وجهُه ورأسُه وخده، ولا يقول شيئًا ولا يمتنع من ذلك. وقبَّل سليمان بن داود الهاشمي جبهته ورأسه ولم يمتنع من ذلك ولم يكرهه، وكذا رأيت يعقوب بن إبراهيم يقبّل جبهته ووجهه. وقال زهير بن صالح بن أحمد بن حنبل: كنا ندخل على جدي كل جمعة أنا وإخواني، وكان بيننا وبينه باب مفتوح، فكان يكتب لكل واحد منا حبتين من فضة في رقعة إلى فَامِيٍّ نعامله، فنأخذ منه الحبتين ونأخذ للأخوات، وكان ربما مررت به وهو قاعد في الشمس وظهره مكشوف وأثر الضرب بيِّنٌ في ظهره، وكان لي أخ أصغر مني اسمه علي، فأراد أبي أن يختنه فاتخذ له طعامًا كثيرًا ودعا قومًا، فلما أراد أن يختنه وجه إليه جدي فدعاه، وقال له: بلغني ما أحدثت لهذا الأمر، وقد بلغني أنك قد أسرفت، فابدأ بالفقراء والضعفاء فأطعمهم، فلما كان من الغد وحضر الحجام وحضر أهلنا، دخل أبي إلى جدي فأعلمه أن الحجام قد حضر، فجاء جدي معه حتى جلس في الموضع الذي فيه الصبي، وختن وهو جالس، فأخرج صريرة فدفعها إلى الحجام، وصريرة إلى الصبي، وقام فدخل منزله فنظر الحجام إلى ما في الصريرة فإذا فيها درهم واحد، ونظرنا إلى صرة الصبي فإذا فيها درهم، وكنا قد رفعنا كثيرًا مما قد افترش، وكان الصبي على منصته مرتفعة على شيء من الثياب المصبغة، فلم ينكر من ذلك شيئًا.

стр. 145

فقدم علينا من خراسان ابن خالة جدي فنزل على أبي، فلما كان يومًا من الأيام وقد صلينا المغرب قال لي أبي: خذ بيد ابن خالة جدك وامضِ به إلى جدك، فدخلت على جدي وهو قائم يصلي بعد المغرب، فجلستُ حتى فرغ، فقال: جاء أبو أحمد ابن خالتي؟ قلت: نعم، قال: قل له يدخل، فقلت ذلك له فدخل معي فجلس، ثم صاح بامرأة كانت تخدمه مسنة من سكانه، فجاءت بطبق خلاق وعليه خبز وبقل وخلٌّ وملح، ثم جاءت بغضارة من هذه الغلاظ فوضعتها بين أيدينا، وإذا فيها بصلية فيها لحم وسلق كثير، فجعلنا نأكل وهو يأكل معنا ويسأل أبا أحمد عمن بقي من أهلهم بخراسان في خلال ما نأكل، وكان ربما استعجم الشيء على أبي أحمد بالعربية فيكلمه جدي بالفارسية، وكان في خلال ذلك ونحن نأكل يضع القطعة اللحم بين يدي أبي أحمد وبين يديّ، ثم رفع الغضارة بيده فوضعها ناحية، ثم أخذ طبقًا إلى جنبه فوضعه بين أيدينا على الطبق وإذا فيه تمر بُرني وجوز مكسر، وجعل يأكل ونأكل، وفي خلال ذلك يناول أبا أحمد، ثم غسلنا أيدينا، كل واحد منا يغسل يده لنفسه. وقال عبدوس العطار: وجهت بابني مع الجارية يسلم على أحمد بن حنبل، فرحب به وأجلسه في حجره يسائله، فأرسل فاتخذ له خبيصًا، فجاء به فوضعه بين يديه، وجعل يباسطه، وقال للجارية: كلي معه، ثم قام إلى بعض الفاميّين فجاء وفي ثوبه لوز وسكر، وأخرج منديلًا فشده فيه فدفعه إلى الخادم، وقال للصبي: اقرأ على أبي محمد السلام. وقال المروذي: رأيت أحمد بن حنبل قد أعطى ختانًا درهمين وألقاها له في طشت. وقال الميموني: كنت كثيرًا ما أسأل أحمد عن الشيء فيقول: لبيك. وقال المروذي: كان أحمد لا يجهل، وإن جُهل عليه احتمل، ويقول: يلقى الله، ولم يكن بالحقود، ولا بالعجول، ولقد وقع بين عمه وجيرانه منازعة، وكانوا يجيؤون إلى أحمد فلا يظهر لهم ميله مع عمه ولا يغضب لعمه، ويتلقاهم بما يعرفون من الكرامة، وكان كثير التواضع، يحب الفقراء، لم أر الفقير في مجلس أعزّ منه في

стр. 146

مجلسه، مائلًا إليهم، مقصرًا عن الدنيا، تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر بل يقعد حيث انتهى به المجلس، وكان لا يمدُّ قدميه في المجلس ويكرم جليسه، وكان حسن الخلق، دائم البشر، ليِّن الجانب، ليس بفظٍ ولا غليظ، وكان يحب في الله ويبغض في الله، وكان إذا أحب رجلًا يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، ولم يمنعه حبه أن يأخذ على يديه ويكفه عن الظلم أو الإِثم أو المكروه إن كان منه، وكان إذا بلغه عن رجل صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتباع للأمر سأل عنه، وأحبَّ أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله، وكان رجلًا سطيًا إذا كان شيء لا يرضاه اضطرب لذلك، يغضب لله ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، فإذا كان في أمرٍ من الدين اشتد له غضبه حتى كأنه ليس هو، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان حسن الجوار، ويؤذى فيصبر، ويحتمل الأذى من الجار، ولقد قال بعض جيرانه ممن بينه وبينه حائط: كان لي برجٌ فيه حَمَام، وكان يشرف على أحمد، فكنت أصعد وأنا غلام أشرف عليه، فمكث على ذلك صابرًا لا ينهاني، فبينا أنا يومًا إذ صعد عمي فنظر إلى البرج مشرفًا على أحمد، فقال: ويحك أما تستحي تؤذي أبا عبد الله؟ قلت: فإنه لم يقل شيئًا لي: قال: فلست أبرح حتى تهب لي هذه الطيور، فما برح حتى وهبتها له فذبحها وهدم البرج. وقال هارون بن سفيان المستملي: جئت إلى أحمد حين أراد أن يفرق الدراهم التي جاءته من المتوكل، فأعطاني مئتي درهم، فقلت: لا يكفيني، قال: ليس شيء ها هنا غيرها، ولكني أعمل بك شيئًا، أعطيك ثلاثة مئة تفرقها، قال: فلما أخذتها قلت: يا أبا عبد الله ليس والله أعطي أحدًا شيئًا منها، فتبسم. وقال محمد بن إبراهيم الأنماطي: كنت عند أحمد وبين يديه المحبرة، فذكر أحمد حديثًا فاستأذنته أن أكتبه من محبرته، فقال لي: اكتب يا هذا، فهذا ورع مظلم. وقيل لأحمد: لم لا تصحب الناس؟ فقال: لوحشة الفراق.

стр. 147

وكان يأتي العرس والأملاك والختان، يجيب ويأكل، وإذا أحب رجلًا قال له: إني لأحبك. وقال هارون بن عبد الله: جاءني أحمد في بيتي فرحبت به وقلت: ألك حاجة؟ قال: نعم، شغلت اليوم قلبي، قلت: بماذا؟ قال: جزت عليك اليوم وأنت تحدث الناس قاعد في الفيء، والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرة أخرى، إذا قعدت فاقعد مع الناس. وقال إسحاق بن هانئ: كنا عند أحمد في منزله ومعنا المروذي ومهنَّأ بن يحيى الشامي فدق داق الباب، وقال: المروذي ها هنا؟ وكان المروذي كره أن يعلم موضعه فوضع مهنَّأ بن يحيى أصبعه في راحته وقال: ليس المروذي ها هنا وما يصنع المروذي ها هنا، فضحك أحمد ولم ينكر ذلك. أما حلمه وعفوه: فكان يقول: أحللت المعتصم من ضربي. وقد أخذ المتوكلُ العلويَّ الذي يسعى بأحمد إلى السلطان وأرسله إلى أحمد ليقول فيه مقالة للسلطان، فعفا عنه، وقال: لعله أن يكون له صبيان يحزنهم قتله. وقال له رجل: إني قد اغتبتك فاجعلني في حلًّ، قال: فأنت في حلًّ إن لم تعد. فقيل له: تجعله في حلٍّ وقد اغتابك؟ فقال: ألم ترني اشترطت عليه؟ وصلى مع أحمد رجل يقال له: محمد بن سعيد الختلي فقال: يا أبا عبد الله نهيت عن زيد بن خلف أن يُكلم؟ فقال أحمد: كتب إلي أهل الثغر يسألوني عن أمره فأخبرتهم بمذهبه وبما أحدث، وأمرتهم أن لا يجالسوه، فاندفع الختلي إلى أحمد، فقال: والله لأردنَّك إلى محبسك ولأدقَّنَّ أضلاعك ضلعًا ضلعًا … في كلام كثير، فقال أحمد: لا تكلموه ولا تجيبوه بشيء. فما ردَّ عليه أحد كلمة، فأخذ أحمد نعليه وقام فدخل وقال: مروا السكان لا يكلموه ولا يردوا عليه شيئًا، فما زال يصيح حتى خرج فصار على حسبة العسكر ومات بالعسكر.

стр. 148

وذكر عند أحمد أبو حنيفة، فقال بيده هكذا ونفضها، فقيل له: كان بول أبي حنيفة أكثر من ملء الأرض مثلك، فنظر إلى القائل فقال: سلام عليكم، فلما كان في السحر جاءه القائل، فقال له: يا أبا عبد الله، إن الذي كان مني كان على غير تعمد، فاجعلني في حِلّ، فقال: ما زالت قدمي من مكانها حتى جعلتك في حِلّ. وقال إبراهيم الحربي: كان أحمد بن حنبل كأنه رجل قد وُفق للأدب، وسُدد بالحلم، ومُلئ بالعلم، أتاه رجل يومًا فقال له: عندك كتاب زندقة؟ فسكت ساعة، ثم قال: إنما يحرز الرجل قبره. وقال له رجل: يقولون إنك لم تسمع من إبراهيم بن سعد؟ فسكت. وقيل له: كيف أكلُك؟ كيف جِماعك؟ كيف نومُك؟ فقال أحمد: لست بحصور، ولا روحاني. ولم يزد على ذلك.

стр. 149

(ذكر ماله ومعاشه وتعففه عن أموال الناس، وطلق نفسه عنها وقطع طمعه منها، وكرمه وجوده، وقبوله الهدية ومكافأته عليها كان ﵀ قد خلف له أبوه طرزًا ودارًا يسكنها، وكان يكري تلك الطرز ويتعفف بكرائها عن الناس، وكان يقول: أنا أذرع هذه الدار التي أسكنها وأخرج الزكاة عنها في كل سنة، أذهب في ذلك إلى قول عمر بن الخطاب في أرض السواد. وقيل له: يا أبا عبد الله هذا العقار الذي أنت تستغله وتسكن في دار منه كيف سبيله عندك؟ فقال: هذا شيء ورثته عن أبي، فإذا جاءني أحد فتصحح أنه له خرجت عنه ودفعته إليه. وكان يقول: هذه الغلة ما تكون قوتنا، وإنما أذهب فيه إلى أن لنا فيه شيئًا. فقيل له: لو تركتَ الغلة وبضعتها صديقًا لك كان أحسن، فقال أحمد: هذه سوء، وهذه الغلة أعجب إليّ وهي لا تُقيمُنا وإنما آخذها على الاضطرار. وجاءه بعض سكانه بدرهم ونصف، فلما وقع في يده قام ودخل منزله وبان السرور في وجهه. وكان ﵀ ربما احتاج إلى اللِّقاط، وخرج يومًا في اللِّقاط فلقط شيئًا يسيرًا، فقيل له: قد أكلت أكثر مما لقطت، فقال: رأيت أمرًا استحييت منه، رأيتهم يلقطون فيقوم الرجل على أربع، وكنت أزحف إذا لقطت. وقال أحمد: خرجت إلى الثغر على قدمي فالتقطنا، وقد رأيت أقوامًا يفسدون مزارع الناس، لا ينبغي لأحد أن يدخل مزرعة رجل إلا بإذنه. وكان ﵀ ربما احتاج فينسخ بالأجرة، وقد أعوزته النفقة في سفره فأكرى نفسه من الجمالين.

стр. 150

أما تعففه عن أموال الناس وطلق نفسه عنها وقطع طمعه منها: فإنه لما خرج إلى عبد الرزاق باليمن انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من الجمالين إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئًا. وقال عبد الرزاق: قدم علينا أحمد ها هنا فأقام سنتين إلا شيئًا، فقلت له: خذ هذا الشيء، فانتفع، به فإن أرضنا ليست بأرض متجر ولا كسب، وذلك دنانير، فقال أحمد: أنا بخير، ولم يقبل مني. ورهن نعله عند خباز على طعام أخذه منه عند خروجه من اليمن، واكترى نفسه من أناس من الجمالين عند خروجه، وعرض عليه عبد الرزاق دراهم صالحة فلم يقبلها. ولما خرج أصحابه تخلف من بعدهم، وقال لبقال كان له عنده درهم: خذ هذا النعل فإن بعثت إليك من صنعاء بالدرهم، وإلا فالنعل بالدرهم أرضيت؟ قال البقال: نعم، فأخبر البقال ابن أخت عبد الرزاق، فقال: ويحك لأي شيء أخذت النعل؟. وذكر عبد الرزاق أحمد فدمعت عيناه، وقال: قدم علينا وبلغني أن نفقته نفدت، فأخذت عشرة دنانير وأقمته خلف الباب يومًا ما معه ومعي أحد وقلت له: لا يجتمع عندنا الدنانير، وقد وجدت عند النساء عشرة دنانير فخذها فأرجو أن لا تنفقها حتى يتهيأ عندنا شيء، فتبسم، وقال: لو قبلت شيئًا من الناس قبلت منك. ولم يقبل. وقال حمدان بن سنان الواسطي: قدم علينا أحمد بن حنبل ومعه جماعة فنفدت نفقتهم فبررتهم فأخذوا، وجاءني أحمد بن حنبل بفروة فقال: قل لمن يبيع هذه فجئني بثمنها فأتسع به، فأخذت صرة دراهم فمضيت بها إليه فردها، فقالت امرأتي: هذا رجل صالح لعله لم يرضها فأضعفها، فأضعفتها فلم يقبل، وأخذ الفروة مني وخرج. وقال رفيق له بواسط: جاء أبو عبد الله بجبة يبيعها في شدة البرد، فلم أزل به

стр. 151

حتى صرفته عن بيعها، فجئت إلى يزيد بن هارون فقلت له: إن أحمد بن حنبل جاءني بجبة لأبيعها له في هذا البرد، فقال لجاريته: زني مئة درهم وهاتيها، فدفعها إليّ وقال: ادفعها إليه، فجئت بها إليه وقلت: هذه بعث بها إليك أبو خالد، فقال أحمد: إني لمحتاج إليها، وإني لابن سبيل، ولكن لا أعوِّد نفسي هذا، ردها إليه، فدفع إليَّ جبته فبعتها له. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: جاءتني حُسن فقالت: يا مولاي قد جاء رجل بِتِلَّيسةٍ فيها فاكهة يابسة وهذا الكتاب، قال صالح: فقرأت الكتاب فإذا فيه: يا أبا عبد الله أبضعت لك بضاعة إلى سمرقند فوقع فيها كذا وكذا، ورددتها فوقع فيها كذا وكذا، وقد بعثت بها إليك أربعة آلاف درهم وفاكهة، أنا لقطتها من بستاني ورثته من أبي، وأبي من أبيه، قال: فجمعت الصبيان، فلما دخلنا عليه بكيت، وقلت: يا أبت ما ترق لي أن آكل الزكاة، ثم كشفت عن رأس الصبيان وبكيت، فقال: دع حتى أستخير الله الليلة، فلما كان من الغد قال: يا صالح صُني فإني قد استخرت الله تعالى الليلة، فعزم لي أن لا آخذها، قال: وفتح التِلِّيسَةَ وفرَّقها على الصبيان، وكان عنده ثوب عشاري فبعث به إليه ورد المال. قال صالح: فبلغني أن الرجل اتخذه كفنًا. وسرقت ثيابه بمكة فأغلق على نفسه الباب أيامًا فسأل عنه أصحابه فوجدوه على هذه الحال، فقالوا له في ذلك، فقال: سُرقت ثيابي، فقال أحدهم: معي دنانير، فإن شئت خذ قرضًا، وإن شئت صلة، فأبى أن يفعل، فقال له: اكتب لي بأجرة قال: نعم، فأخرج له دينارًا فأبى أن يأخذه، وقال: اشتر لي ثوبًا واقطعه نصفين، يتزر بنصفه ويرتدي بالنصف الآخر، وجئني ببقيته. ففعل فكتب له ورقة بهذا الدنيار. وكان هو وشيخ من أهل الربض يسمعان على ابن عيينة، ففقد الشيخ أحمد أيامًا، فدلَّ على موضعه فجاءه، فإذا هو في شبه الكهف على بابه قصب، فقال: سلام عليكم، فقال أحمد: وعليكم السلام، فقال له: ادخل، فقال أحمد: لا .. ثم قال: أدخل؟ فدخل فإذا هو جالس وعليه قطعة لبد خَلِق، فقال: يا أبا عبد الله لم حجبتني؟ قال: حتى استترت. فقال له: ما شأنك؟ قال: سُرقت ثيابي. فبادر الشيخ إلى منزله

стр. 152

فجاء بصرة فيها مئة درهم فعرضها عليه فامتنع، وسأله أن يقبلها قرضًا فأبى حتى بلغت عشرين درهمًا، كل ذلك يأبى عليه فقام موليًا، فقال: ما يحل لك أن تقتل نفسك، أعرض عليك ولا تقبل! فقال أحمد: ارجع، فرجع الشيخ فقال: ألست قد سمعت معي على ابن عيينة سماعًا كثيرًا، فقال: بلى. فقال: أتحب أن أنسخه لك؟ قال: نعم. فقال أحمد: اشترِ ورقًا وجئني به، وكتب بدراهم ذكر مبلغها، فاكتسى منها ثوبين باثني عشر درهمًا وأخذ الباقي نفقة. ودخل على مروزي ثم خرج من عنده فقيل له: في أيِّ شيء جاءك أحمد؟ فقال: هو لي صديق وبيني وبينه سر، وتلكأ أن يخبر، فألحوا عليه فقال: كان استقرض مني مئتي درهم فجاءني بها، فقلت له: يا أبا عبد الله ما دفعتها وأنا أنوي أن آخذها منك، فقال أحمد: وأنا ما أخذتها إلا وأنا أنوي أن أردها إليك. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: دخلت على أبي في أيام الواثق والله يعلم في أي حالة نحن، وقد خرج لصلاة العصر، وكان له لبد يجلس عليه، وقد أتت عليه سنون كثيرة حتى قد بلي فإذا تحته كتاب كاغَد، وإذا فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق وما عليك من الدَّين، وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم على يدي فلان لتقضي بها دينك وتوسع بها على عيالك، وما هي من صدقة ولا زكاة، وإنما هو شيء ورثته من أبي. فقرأت الكتاب ووضعته، فلما دخل قلت: يا أبت ما هذا الكتاب فاحمّر وجهه، وقال: رفعته منك. ثم قال: تذهب بجوابه، فكتب إلى الرجل: وصل كتابك إليَّ ونحن في عافية، فأما الدَّين فإنه لِرَجل لا يرهقنا، وأما عيالنا فهم في نعمة الله والحمد لله. فذهبت بالكتاب إلى الرجل الذي كان أوصل الكتاب، فقال: ويحك، لو أن أبا عبد الله قبل هذا الشيء ورمى به مثلًا في دجلة كان مأجورًا، لأن هذا الرجل لا يعرف له معروف، فلما كان بعد حين ورد كتاب الرجل بمثل ذلك فردَّ عليه الجواب بمثل ما ردَّ عليه، فلما مضت السنّة أو أقل أو أكثر ذكرناها فقال لنا: لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت. وجاءه ابن الجريري بألف دينار وقال: هذه من ميراثي من أبي فاشتر بها غلةً

стр. 153

للصبيان، فأبى أن يقبلها وكان يكرمه، فلما أبى أن يقبلها قال له: لا بدّ أن تقبلها وألحّ عليه، فقال أحمد: إذا كان لك حاجة لا تجئ إلينا، فإن أردت أن تسألني عن شيء فأرسل لي، ثم قام ودخل منزله وأحصى ما رده وهو في العسكر، فإذا هو سبعون ألفًا. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال لي النساء: قل لأبيك ليس عندنا دقيق، فقلت له، فقال: الساعة، ثم أبطأ عليهم فعاودوني، فقلت له، فقال: الساعة. فبينا نحن على ذلك إذا برجل يدق الباب، فخرجت إليه فإذا رجل خراساني يشبه الصبح على كتفه عصا فيها جراب، فقلت له: حاجتك؟ فقال: أحمد بن حنبل، فدخلت على أبي فأخبرته، فقال: عُد إليه وقل له: فيما قصدت؟ في مسألة في حديث؟ فقال: ما قصدت مسألة ولا حديثًا. فقال: أدخله. فدخل الرجل فوضع العصا والجراب، ثم قال: أنت أحمد بن حنبل؟ فقال: نعم. قال: أنا رجل من أهل خراسان، مرض جار لي فعدته، فقلت له: هل لك من حاجة؟ فقال: نعم، هذه خمسة آلاف درهم تأخذها وتوصلها إلى أحمد بن حنبل بعد وفاتي، فقد قصدتك بها من خراسان، فقال أحمد: بيننا وبينه قرابة؟ قال: لا. قال: فبيننا وبينه رحم؟ فقال: لا. قال: فبيننا وبينه نعمة يربُّها؟ قال: لا. قال: ضمها رحمك الله، فرادَّهُ الرجل، فأغلظ له أبي فحمل المال وانصرف، فلما كان بعد مدة كان جالسًا بين الكتب فنظر فيها فرفع رأسه، فقال: أتدري يا صالح منذ كم كان الخراساني عندنا؟ قلت: لا، قال: له اليوم إحدى وستون يومًا، هل جعتم فيها، أو فقدتم شيئًا. ومرض مرة فعاده الناس، وعاده علي بن الجعد فجعل عند رأسه صرة، فقال فُوران: إن عليًا قد جعل عند رأسك صرة، فقال أحمد: كما رأيته فاذهب فردها إليه. قال: فرددتها إليه. وقال له فوران يومًا: عندي خف أبعث به إليك؟ فسكت، فلما عاد إليه قال: لا تبعث بالخف فقد شغل قلبي عليّ.

стр. 154

ووجه رجل صيني بكاغَدٍ من الصين إلى جماعة من المحدثين، ومنهم أحمد بن حنبل، وجَّه إليه بقِمَطْرٍ فردَّه. واتخذ سعدويه طعامًا للمحدثين ودعاهم وهم يسمعون منه، ففطن أحمد لذلك فقال: قد قرب وقت الصلاة، وخرج، فما اجترأ أحد منهم أن يكلمه، فجاء إلى سقاية فيها حُبُّ ماء فأخرج فتيتًا معه في خرقة، وأخذ كوزًا من الحُبّ، وجعل يستفُّه ويشرب عليه الماء، ثم جاء وقد طعموا فقعد يكتب معهم. وقال أحمد أيضًا لأصحاب الحديث: هل منكم أحد منزله بالكرخ؟ فقال له فتى: أنا يا أبا عبد الله، فقال: اثبت فإن لنا حاجة. فأخرج أبو عبد الله دراهم وقال: اشتر لنا بهذه ورقًا حتى تجيء به معك إذا جئت، فاشترى الفتى ورقًا، وحشا في دسوت الورق دنانير وجاء به إلى أحمد فأعطاها إياه، وانقطع الفتى عن المجيء، ففتح أبو عبد الله الورق فجعلت الدنانير تتناثر، فجمعها وجعل يقول لأصحاب الحديث: من منكم يعرف الفتى الذي اشترى لي الورق؟ فقال له رجل: أنا أعرف منزله. قال: فتلبث ها هنا فإن لي حاجة. وحمل أبو عبد الله الدنانير ومضى معه، فلما صار إلى قطيعة الربيع إذا الفتى قاعد، فقال له الرجل: هذا صاحبك يا أبا عبد الله، فقال أحمد: انصرف أنت، ثم جاء فسلَّم ووضع الدنانير في حجره وانصرف. وهذا الباب واسع جدًا وبهذا القدر كفاية. أما كرمه وجوده: فقد وقع لأحمد مقراض في البئر فجاء ساكن الدار فأخرجه، فناوله أحمد مقدار نصف درهم أو أكثر أو أقل، فقال الرجل: المقراض يساوي قيراطًا لا آخذ شيئًا، فخرج، فلما كان بعد أيام قال له: كم عليك من كراء الحانوت؟ قال: كراء ثلاثة أشهر، وكراؤه في كل شهر ثلاثة دراهم، فضرب على حسابه وقال: أنت في حل. وقال أبو سعيد المؤدب: كنت آتي أحمد بن حنبل فربما أعطاني الشيء وقال:

стр. 155

أعطيتك نصف ما عندنا، فجئت يومًا فأطلت القعود فخرج ومعه أربعة أرغفة، فقال: يا أبا سعيد هذا نصف ما عندنا. فقلت: يا أحمد هذه الأربعة الأرغفة أحب إليَّ من أربعة آلاف من غيرك. وقال يحيى بن هلال الوراق: جئت إلى ابن نُمير فشكوت إليه، فأخرج إليَّ أربعة دراهم، وقال: هذا نصف ما عندنا وجئت إلى أحمد بن حنبل فأخرج إليَّ أربعة دراهم وقال: هذه جميع ما أملك. وقال هارون المستملي: قلت لأحمد: ما عندنا شيء، فأعطاني خمسة دراهم، وقال: ما عندنا غيرها. وقال المروذي: كان أحمد ربما واسى من قوته، جاءه رجل فشكا إليه فقال له: ما عندنا إلا هذا الجذع، فجيء بحمال يحمله، فأخذ الجذع فباعه بتسعة دراهم ودانقين. وكان أحمد كثير الحياء كريم الأخلاق، يعجبه السخاء. وقال جعفر بن محمد النَّسائي: قال لي أحمد يوم عيد: أُدْخُل، فدخلت فإذا مائدة وقصعة على الخِوان، وعليها عُراق وقدر إلى جانبه. وقال لي: كُلْ، فلما رأى ما بي قال: إن الحسن قال: والله لتأكلن، وكان ابن سيرين يقول: إنما وضع الطعام ليؤكل، وكان إبراهيم بن أدهم يبيع ثيابه وينفقها على أصحابه، وكانت الدنيا أهون عليه من ذلك، وأومأ إلى جذع مطروح فانبسطت وأكلت. وقال علي بن يحيى: صليت يوم الجمعة إلى جنب أحمد بن حنبل، فلما سلم الإِمام قام سائل يسأل الناس، فأخرج أحمد قطعة فدفعها إليه، فقال له رجل: ناولني قطعتك ولك بها درهم، فما زال يزيده حتى بلغ خمسين درهمًا، فقال له السائل: لا أعطيك إني لأرجو فيها ما ترجو. وقال المروذي: كنت مع أبي عبد الله في طريق العسكر ونزلنا منزلًا، فأخرجتُ رغيفًا ووضعت بين يديه كوز ماء، فإذا بكلب قد جاء بحذائه يحرك ذنبه، فألقى إليه

стр. 156

لقمة، وجعل يأكل، ويلقي إليه لقمة، فخفت أن يضر بقوته، فصحت به لأنحيه من بين يديه، فنظرت إلى أحمد قد احمّر وقد تغيَّر من الحياء، وقال: دعه، فإن ابن عباس قال: لها أنفس سوء. أما قبوله الهدية ومكافأته عليها: فقد أهدى إليه رجل وُلد له مولود خِوانَ فالوذح، فكافأه سكرًا بدراهم صالحة. وأهدى إليه رجل فاكهة فبعث إليه ثوبًا. وأهدى إليه رجل ماء زمزم فأرسل إليه سويقًا وسكرًا. وأرسل هدية بخمسة دراهم إلى صبيان رجل، وقال: إنه وهب لسعيد شيئًا. وأهدى إلى أحمد بعض جيرانه شيئًا من جوز وزبيب وتين في قصعة تساوي ثلاثة دراهم أو أقل، فأعطاه عنها دينارًا، اشترى به له سكرًا وتمرًا وأرسلها إليه بالليل. وأهدي إليه ثوب فأرسل به إلى السوق فقومه، فقوِّم بنيف وعشرين درهمًا، وكان المُهدي جاء يطلب الحديث فحجبه أحمد حتى اشترى له ثوبين ومقنعتين وبعث بها إليه، ثم أذن له فحدثه. وأرسل إليه صديق له خلال بَرْنِيًّ، فبعث أحمد إليه بثوب فجاءه المُهدي فقال: غممتني يا أحمد، فقال أحمد: وأنت غممتني أيضًا فيما بعثت به إلينا.

стр. 157

(ذكر زهده، وبيته وآلاته، ومطعمه، ورفقه بنفسه، ولباسه، وورعه، وإعراضه عن الولايات) أما زهده ﵀: فقال أبو داود: ما رأيت أحمد ذكر الدنيا قط. وقال عمر بن سليمان المؤدب: صليت مع أحمد التراويح، فلما أوتر رفع يديه إلى ثدييه، وما سمعنا من دعائه شيئًا، ولا ممن كان في المسجد، وكان فيه سراج على الدرجة لم يكن فيه قنديل ولا حصير ولا خلوق. وسئل بعضهم فقيل له: أحمد بن حنبل هو إمام؟ فقال: إي والله، صبر على الفقر سبعين سنة. وقيل لأحمد بن حنبل: إنَّ أحمد الدَّوْرَقي أعطى ألف دينار؟ فقال أحمد: (ورزق ربك خير وأبقى). وكان يقول: الفائز من فاز غدًا ولم يكن عنده لأحدٍ تبعة. وكان أيام الغلاء يجيء بغزل إلى بعض أصحابه ويستره فيبيعه له، فكان ربما باعه بدرهم ونصف، وربما باعه بدرهمين، فتخلف مرة فقال له: يا أبا عبد الله لم تجئ أمس؟ فقال: أم صالح اعتلّت، ودفع إليه غزلًا فباعه بأربعة دراهم، فجاء بها، فأنكر ذلك وقال: لعلك زدت فيه من عندك؟ فقال: ما زدت فيه من عندي، ولكن كان غزلًا دقيقًا. ودخل بيت ابنه صالح وقد غيّر سقفًا له فخرج وقال: لا أدخل حتى تغيروه. واشترى صالح جارية فشكت إليه أهلَه، فقال: قد كنتُ أكرهُ لهم الدنيا، وقد بلغني عنك الشيءَ، فقالت: يا عم ومن يكره الدنيا غيرك؟ فقال لها: شأنك إذًا. وقال صالح: كنا إذا اشترينا الشيء نستره عنه كي لا يراه فيوبخنا على ذلك.

стр. 158

ودخل إليه بعض أهل الحديث فقال له رجل منهم: ما هذا الغم يا أبا عبد الله؟ الإِسلام حنيفية سمحة، بيت واسع، فنظر إليهم وكان مضطجعًا، فلما خرجوا قال للمروذي: انظر إلى هؤلاء ما أريد أن يدخل عليَّ منهم أحد. وقال أحمد يومًا لإِسحاق بن هانئ: بَكِّر حتى تعارضني في شيء من الزهد. قال: فبكرت إليه وقلت لأم ولده أعطيني حصيرًا ومخدة فبسطته في الأرض، فخرج أحمد ومعه الكتب والمحبرة، فنظر إلى الحصير والمخدة، فقال: ما هذا؟ قلت: لتجلس عليه، فقال: ارفعه، الزهد لا يحسن إلا بالزهد، فرفعته وجلس على التراب. وقالت له أم ولده: أنا معك في ضيق، ومنزل صالح يأكلون ويفعلون، فقال لها: قولي خيرًا، فخرج الصبي يبكي، فقال له أحمد: أي شيء تريد؟ قال: زبيب، فأخذ له من البقال بحبة. ومس أحمد رجلي ابنه عبد الله فإذا هما لينتان، فقال: ما هذه الرجلان، لم لا تمشي حافيًا حتى تصير رِجلاك خشنتين؟. وكان يقول: طعام دون طعام ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل. وكان يقول: أَسَرُّ أيامي يومَ أُصبح وليس عندي شيء. وأما بيته وآلاته ومطعمه: فقال علي بن المديني: دخلت بيت أحمد فما شبهته إلا بما وصف من بيت سُويد بن غَفَلة من زهده وتواضعه. وقال الميموني: كان منزله ضيقًا صغيرًا، وكان ينام في الحرِّ في أسفله، ورأيت موضع مضجعه، وفيه شاذَكونةٌ وبَرْذَعَةٌ، قد غلب عليها الوسخ. وكان يقول للمجصص: جصصه باليد ولا تجصصه بالمالج. قال المجصص: فلما فرشته بالطوابيق وفرغت استحسنه، وقال: هذا نظيف يصلي عليه الرجل، وليس فيه باريَّة ولا حصير، ورفع إليّ كف تمر.

стр. 159

وكان في بهو بيته حصيرًا، وكتبه مطروحة حواليه، وحب خزف، وكان له طاق في منزله قد علق عليه مِسْحًا. وأما مطعمه: فكان ربما يأخذ الكِسَر، فينفض الغبار عنها، ويصب عليها الماء حتى تبتل ثم يأكلها بالملح، وما روي قط اشترى رُمانًا ولا سفرجلًا ولا شيئًا من الفاكهة، إلا أن يكون يشتري بِطيخة فيأكلها في خبز، أو عنبًا أو تمرًا، فأما غير ذلك فما روي قط اشتراه، وربما خبز له، فيجعل في فخارة عدسًا وشحمًا وتمرات شهريز، فيخص الصبيان بقصعة، فيصوت ببعضهم فيدفعه إليهم فَيَتَحيَّلُونَ ولا يأكلون، وكان كثيرًا ما يأتدم بالخل، وكان يُشترى له شحم بدرهم فكان يأكل منه شهرًا، فلما قدم من عند المتوكل أَدْمَنَ الصوم، فجعل لا يأكل الدسم، فكأنه جعل على نفسه إن سَلِمَ أن لا يفعل ذلك. وقال النيسابوري صاحب إسحاق بن إبراهيم: قال لي الأمير: إذا جاؤوا بإفطاره فأَرِنِيهِ، فجاؤوا بإفطاره برغيفين خبز وخيارة، فأريته الأمير، فقال: هذا لا يجيبنا إذا كان هذا يقنعه. وقال أبو عبد الله في يوم عيد: اشترَوا لنا أمسِ باقلاء، فأي شيء كان به من الجودة. ودعاه أبو بكر الأحول في ختان ابنه، فأكل حتى جاؤوا بالفالوذج فامتنع، فقال له أبو بكر: يا أبا عبد الله، كأنه يسأله أن يأكل، فقال: هو أرفع الطعام، ثم أكل لقمة ولم يزد عليها. واعتلَّ فجيء إليه بطبيب، فدخل عليه فقال: ما حالك؟ قال: احتجمت أمس، قال: وما أكلت؟ قال: خبزًا وكامخًا. قال: يا أبا عبد الله تحتجم وتأكل خبزًا وكامخًا، قال: فما آكل؟.

стр. 160

ووصف له وهو مريض دهن اللوز، فأبى أن يشتريه، فلما اشتد به المرض جعل له اللوز، فلما علم به نحّاه ولم يشربه. وقال مرة: وجدت البرد في أطرافي، ما أراه إلا من إدامتي أكل الخل والملح. وكان لا يطرح له في قدر فلفلًا ولا ثومًا. وإذا أكل يحمد الله في كل لقمة ويقول: أكل وحمد خير من أكل وصمت. أما رفقه بنفسه ولباسه: فقد اعتلَّ أحمد بن حنبل فتعالج، وكان يُشترَى له كل يوم في الشتاء العروق أصول الشوك، ويوقد له، ويصير في كانون ضيق فيَصطَلِي به. وكان لا يأكل الخبيص بملعقة بل كان يضع في كفه ويسفه سفًا، وكان يأكل خبز الرقاق. وأما لباسه: فقال الميموني: كانت ثيابه بين الثوبين، تساوي ملحفته خمسة عشر درهمًا، وكان ثوبه يؤخذ بالدينار ونحوه، لم يكن له رقة تنكر ولا غلظة تنكر، وكانت ملحفته مهدية. وقال حمدان بن علي: لم يكن لباسه بذلك إلا أنه قطن نظيف، وكان بأَخَرَةٍ في لباسه أجود، لِما كان يستعين بالغلة، لمَّا استغنى ولده عنها. وقال الفضل بن زياد: رأيت عليه في الشتاء قميصين وجبة ملونة بينهما، وربما لبس قميصًا وفروًا ثقيلًا، وربما رأيت عليه في البرد الشديد الفرو فوق الجبة، ورأيت عليه عمامة فوق القلنسوة وكساء ثقيلًا. وقال جعفر بن محمد: رأيت عليه جبة برد معقدة وقلنسوة وعمامة، وكان في الشتاء أحيانًا يلبس الفرو وأحيانًا الجبة، وربما جمعهما. وقال حنبل: كان يلبس سراويل فيشده فوق السرة ويرتدي بقميصه.

стр. 161

وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله عليه إزار متشح به، وعليه إزار آخر ارتدى به، وما رأيت عليه طيلسانًا قط ولا رداءً، وإنما هو إزار صغير ظننته سداسيًا. وقال ابن عبد الحميد: رأيته يومًا صائفًا عليه قميص مشدود الإِزار، وما رأيته قط مرخي الكمين، يعني في المشي. وقال أبو داود: كنت أرى إزار أحمد محلولة. وقال صالح: كانت لأبي قلنسوة قد خاطها بيده، فيها قطن، فإذا قام بالليل لبسها. وقال غيره: رأيت قلنسوة أحمد مرقعة فيها برد وبياض مروي. وكانت له جبة خضراء فيها رقعة بيضاء من صوف من غير لونها، وأراد أن يرقع قميصه فلم يكن عنده رقعة، فقال: أرقعه من إزاري، فقطعوا له من إزاره فرقعوه. ولقد احتاج غير مرة إلى خرق فكان يقطع من إزاره، وكان له خف له سبع عشرة سنة، وفيه خمسة مواضع أو ستة، الخرز فيه من برا، وكان نعله صغيرًا. وجاءه المروذي بخف فبات عنده ليلة، فلما أصبح قال له: تفكرت في أمر هذه الخف، فقال: لم؟ قال: أراه عامة الليل قد شغل علي قلبي، قد عزم لي أن لا ألبسه، كم ترى بقي، إن الذي مضى أكثر مما بقي. فدفع إليه خفًا خلقًا، فقال: اضرب على هذا رقاعًا وسدد خروقه، ثم قال: هذا الخف عندي من ست عشرة سنة، وإنما قد صار إليّ وهو لبيس، وهذا قد شغل علي قلبي، يعني الجديد. وكانت سراويله فوق كعبين، وكان يلبس كساءً مرقعًا، وإذا أراد أن يصلي ربما وضع طرفه تحت قدميه. وأما ورعه وإعراضه عن الولايات: أما ورعه: فقد حضره قوم من أهل الحديث من إخوانه، فاشترى بما كان عنده وأطعمهم وصبر هو على مقدار ربع سويق - وهو الكيلجة - خمسة عشر يومًا

стр. 162

بمعسكر المتوكل، يعتصم بذلك حتى أتته النفقة من بغداد، ولا يذوق من مائدة المتوكل. وقسم المأمون مالًا على أصحاب الحديث، وقال: إن فيهم ضعفاء، فما بقي منهم أحد إلا أخذ إلا أحمد بن حنبل، فإنه أبى، وكان قبل موته بليلتين عنده غلام اشتراه عمه، فذهب الغلام يروِّحه فنهاه أحمد. وقال عبد الله له: يا أبت عندنا شيء قد بقي مما كان يبرنا به المتوكل أفأحج منه؟ قال: نعم. فقال له: فإذا كان هذا عندك هكذا فلم لم تأخذ؟ قال: يا بني ليس هو عندي حرام، ولكني تنزَّهت عنه. وكان يقول: كنت أذرع هذه الدار التي كنت أسكنها وأُخرج الزكاة عنها في كل سنة، أذهب إلى قول عمر في أرض السواد. ورهن سطلًا عند فاميًّ بمكة، فأخذ منه شيئًا يتقوته، فجاء فأعطاه فكاكه، فأخرج إليه سطلين فقال: انظر أيهما سطلك فخذه قال: لا أدري، أنت في حلٍّ منه ومما أعطيتك ولم يأخذه، قال الفامي: والله إنه لسطله وإنما أردت أن أمتحنه فيه. وكان إذا نظر إلى نصراني غمض عينيه، فقيل له في ذلك، فقال: لا أقدر أن أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه. وكان لا يحدث إلا من كتاب ولا يحدث من حفظه إلا بأقل من مئة حديث، وكان يقول: قد أنفقت على هذا المخرج خمسة وستين درهمًا بدين، وإنما لي فيه ربع الكراء. فقيل: لم لم تدع عبد الله ينفق عليه؟ قال: خشيت أن يفسد علي الدراهم. وأتى عليه ثلاثة أيام ما طعم فيها، فبعث إلى صديق له فاستقرض له شيئًا فعرفوا في البيت شدة حاجته إلى الطعام، فخبزوا بالعجلة، فلما وضع بين يديه قال: كيف خبزتم هذا بسرعة؟ فقالوا: كان التنور في بيت صالح مسجّرًا فخبزنا بالعجلة. فقال: ارفعوا. ولم يأكل، وأمر بسد بابه إلى باب ابنه صالح. وقال وهو في مرضه الذي مات فيه لأم ولده: من قال لك أن تخبزي ثم شيئًا؟ وقد كانت خبزت مرة قبل تلك،

стр. 163

فقال لها: ومن يأكله؟ فلم يأكل منه شيئًا يعني ببيت صالح ولده. وقال أبو بكر المَرُّوذي: قال لي ونحن في موضع: (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم) ثم قال: قد سكنا ونحن فيها، فأرسل من يشتري له أبزارًا للقدر بثلاثة دراهم، وأبزارًا أيضًا بقطعة أخرى على حدة، وقال: لا تخلطه. فاختلط فجاء به إليه فأخبره أنه اختلط، فقال: رده وخذ القطع. فرده وأخذ القطع فطرحها في دراهم الجارية لما اشتبه عليه. وأعطى رجلًا يومًا قطعة فقال: اشتر لي بها باقلاء وماءه، وأعطت الرجلَ جاريتُه حُسن قطعة فقالت: اشتر لي بها أيضًا باقلاء، فقال: اشتر للصبيان زيتًا وباقلاء، ففضل حبة أو حبتان من قطع الصبيان، فقلت لصاحب الباقلاء: أعطني به زيتًا فصبه على الباقلاء الذي أخذه لأحمد، فلما جاء به وضعه بين يديه، فنظر أثر الزيت، فقال: من أين هذا؟ فقال: فضل من قطع الصبيان حبة، فصببت لك بها زيتًا. فقال: من أمرك بهذا، ارفع، ولم يأكله. وقال مرة لإِسحاق النيسابوري: خذ من أم علي ما تعطيك، وأم علي بنت أحمد بن حنبل، فجاءها إسحاق فأعطته دجاجة، وقالت: إن أبي يريد أن يحتجم وليس معه شيء، فقال: أعطيه الدجاجة يبيعها فإني محتاج إلى الحجامة، فأعطي إسحاق بها درهمًا ودانقين، فردها ولم يبعها، فلما صار إلى القنطرة فإذا عبد الله جالس في دكان، فدعا إسحاق وقال: أي شيء هذا؟ فقال إسحاق: أعطتني أم علي أبيعها، فقال: كم أعطيت بها؟ فقال: درهم ودانقين، فقال: بعنيها بدرهم ونصف، فأعطاه درهمًا ونصفًا وأخذها منه، فلما صار إلى أحمد قالت أم علي: بعتها بكم؟ قال: بدرهم ونصف، فقالت: يسير، فقال: أعطوني درهمًا ودانقين في السوق، فقال أحمد: ممن بعتها؟ قال له: من عبد الله فأخذ الثمن من أم علي، وقال: ارددها. فجاء إلى عبد الله فقال له: ردها فقد صاح علي أبوك، قال: فلم قلت له؟ فردها. وكانت لأم عبد الله بن أحمد دار في الدرب يأخذ منها درهمًا بحق ميراثه،

стр. 164

فاحتاجت إلى نفقة فأصلحها عبد الله، فترك أحمد الدرهم الذي كان يأخذه، وقال: قد أفسده عليّ. ومرض فوصف له الطبيب قرعة تشوى ويسقى ماءها، فقال: لا تُشوى فى منزل صالح، ولا في منزل عبد الله، فمضى بها المروذي فشواها فجاء بها. واشترى له رجل سمنًا بقطعة فجاء به على ورقة بقل، فأخذ السمن وأعطاه الورقة، وقال: ردها. وبعث رجلًا يشتري له بقطعة باقلاء على خبز مثرود، فجاء بباقلاء كثير فقال أحمد: هذا كثير؟ فقال الرجل: كان باقلانيان يبيعان مضارة رخيصًا. فقال: رده عليه، وادفع الخبز والباقلاء والقطعة عليه وتعال. وبات عند روح بن عبادة وخبزه في كمه ويشرب من ماء النهر، فجاء يحيى بن أكثم في ضِبْنَة فجلس بين يديه وجعل يسائله وهو مطرق، فلما رآه لا يقبل عليه قام وتركه. وجاءه رسول من داره فقال: إن أبا عبد الرحمن عليل واشتهى الزبد، فناول الرسول قطعة وقال: اشتر بها زبدًا، فجاء به على ورق سلق، فلما نظر إليه قال: من أين هذا الورق؟ فقال: من عند البقال، فقال: استأذنته في ذلك؟ قال: لا، قال: فرده. وولد له مولود فأهدى إليه صديق له شيئًا، ثم أتى على ذلك أشهر وأراد الخروج إلى البصرة، فطلب منه أن يكتب إلى المشايخ، فقال: لولا الهدية لكتبت لك. وجاءه رجل بدواء ليجعله على أثر الضرب الذي في ظهره، فأخذه ثم رده، فقال له: لم؟ فقال: أنتم تسمعون مني. وسقف له سطح الحاكة، وجعل مسيل الماء إلى الطريق، فبات تلك الليلة، فلما أصبح قال: ادعوا لي النجار يحول الميزاب إلى الدار. فدعي فحوله.

стр. 165

وقال ليحيى بن معين: إنك تقول: حدثني إسماعيل بن عُلَيَّة، فلا تفعل فإنه بلغني أنه كان يكره أن ينسب إلى أمه، فقال يحيى: قبلنا منك يا معلم الخير. وقال لرجل رهاوي: ما فعل الرجل الذي عندكم بحران الجوهري، عنده علم؟ فقلت: ما أعرف بحران جوهريًا نكتب عنه، فقال: بلى، صاحب حفص بن غيلان، قال: ما أعرفه، قال: يغفر الله لك له بنون، قلت له: لعلك تريد البومة؟ قال: إياه أعني، كتبت عنه فإنه ثقة. وسئل عن طلاق السكران فقال: سلوا عنه غيري. وأوصى أن يكفَّر عنه يمين واحدة، وقال: أظن أني حنثت فيها. وكان كثيرًا ما يقول إذا سُئل: لا أدري، وكان يقول: ربما أقمت في المسألة ثلاث سنين قبل أن أعتقد منها شيئًا، وكان يسأل عن المسألة وهو يعرف الأقاويل فيها فيجيب بلا أدري، وذلك أنه يسأل عن اختياره فيذكر الاختلاف فقط، ويقول: لا أدري. وأشار رجل إلى جدار قصر إيباخ بالعسكر، إلى شيء قد نصب على الجدار، فقال: لا تنظر إليه. فقال: قد نظرت إليه. فقال: لا تفعل. أما إعراضه عن الولايات: فقال الشافعي: دخلت على هارون الرشيد فقلت له: إني خلفت اليمن ضائعة تحتاج إلى حاكم، فقال: انظر رجلًا ممن يجلس إليك حتى نوليه قضاءها، فلما رجع الشافعي رأى أحمد بن حنبل من أمثلهم، فقال له: إني كلمت الأمير أن يولي قاضيًا باليمن، وإنه أمرني أن أختار رجلًا، وإني قد اخترتك فتهيأ حتى أدخلك على أمير المؤمنين يوليك، فأقبل عليه أحمد وقال: إنما جئت إليك لأقتبس منك العلم، تأمرني أن أدخل لهم في القضاء؟ ووبخه فاستحيا الشافعي، ثم قال له أحمد: إن سمعت هذا منك ثانية لم ترني عندك، وكان عمره إذ ذاك ثلاثون أو سبع وعشرون. وكان يهجر من يدخل على السلاطين ويتولى الولايات. وهذا باب واسع جدًا نكتفي منه بهذا والله أعلم.

стр. 166

(ذكر حبه للفقر والفقراء، وتواضعه، وإجابته الدعوة، وخروجه لرؤية المنكر وإيثاره للعزلة والوحدة وخمول الذكر، واجتهاده في ستر الحال وغلبة الفكر والهم على قلبه، وتعبده وخوفه من الله) أما حبه للفقر والفقراء: فكان يحب الفقراء، ولم يكن الفقراء في مجلس أعز منهم في مجلسه، وكان إذا ذكر له مريض فقير أرسل إليه شيئًا يُشتهى ويعمل له، ويدفع الطيب فيطيَّب به، وكان يقول: ما أعدل بالفقر شيئًا، أنا أفرح إذا لم يكن عندي شيء. وذكر له رجل صبور على الفقر في أطمار فكان يسأل عنه فيقول: سبحان الله، الصبر على الفقر، ما أعدل بالصبر على الفقر شيئًا، تدرون الصبر على الفقر أي شيء هو؟ كم بين من يعطى من الدنيا ليفتتن إلى آخر تُزوى عنه. وذُكر له فتح الموصلي وصبره على الفقر فتغرغرت عيناه وقال: ﵀، عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. أما تواضعه: فقال له رجل: يا أبا عبد الله أكتب من محبرتك؟ فقال: لم يبلغ ورعي ورعك هذا. وتبسم. وقال يحيى بن معين: صحبته خمسين سنة فما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الصلاح والخير. وكان ربما أخذ القدوم وخرج إلى دار السكان يعمل الشيء بيده، وربما خرج إلى البقال فيشتري الجرزة الحطب والشيء فيحمله بيده. وجعل عند عارم بن الفضل صرة فيها دراهم فكان يجيء فيأخذ منها، فقال له:

стр. 167

بلغني أنك من العرب، فمن أي العرب أنت؟ فقال أحمد: نحن قوم مساكين. وقال له رجل: ائذن لي أن أقبل رأسك، فقال: لم أبلغ ذلك. وقيل له: الرجل يقال له في وجهه: أحييت السنّة قال: هذا فساد لقلب الرجل. وقال له رجل: الله الله فإن الناس يحتاجون إليك يا أبا عبد الله، قد ذهب الناس، فإن كان الحديث لا يمكن فمسائل، فإن الناس مضطرون إليك، فقال أحمد: أنا! وتنفس الصعداء، ورؤي في وجهه أثر الغم. وقال له رجل: جزاك الله عن الإِسلام خيرًا، فقال: بل جزى الله الإِسلام عني خيرًا. ثم قال: ومَنْ أنا؟ ومَنْ أنا؟. وجاءه كتاب من رجل يطلبه أن يدعو له، فقال: إذا دعونا نحن لهذا، فمن يدعو لنا نحن؟. وكان يقول: من أنا حتى يجيؤون إليّ؟ اذهبوا اطلبوا الحديث. ومسح رجل يده على أحمد ثم مسح بها على بدنه وهو ينظر، فغضب غضبًا شديدًا وجعل ينفض يده، ويقول: عمن أخذتم هذا؟ وأنكره إنكارًا شديدًا. وقال رجل: لا يزال الناس بخير ما منّ الله عليهم ببقائك، فقال: لا تقل هذا، ومن أنا في الناس؟. وكان إذا ذكر أحوال الورعين يقول: أسأل الله أن لا يمقتنا، أين نحن من هؤلاء؟ وقيل له: ما أكثر الداعين لك، فتغرغرت عينه وقال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا، أسأل الله أن يجعلني خيرًا مما تظنون، وأن يغفر لي ما لا تعلمون. وقيل له: إنك لم تزهد في الدراهم وحدها، بل زهدت في الناس، فقال: ومن أنا حتى أزهد في الناس، يريدون أن يزهدوا فيَّ. وكان إذا جاءه الشيخ والحدث من قريش وغيرهم من الأشراف لا يخرج من باب المسجد حتى يخرجهم، فيكونون هم يتقدمونه ثم يخرج بعدهم.

стр. 168

وأما إجابته الدعوة، وخروجه لرؤية المنكر، وإيثاره للعزلة والوحدة وخمول الذكر، واجتهاده في ستر الحال: فقد كان يأتي العرس والإملاك والختان، يجيب ويأكل. ودعاه رجل فقال له: ترى أن تُعفيَني بعد الإِجابة؟ فقال: لا، فذهب الرجل فأقعد مع أحمد من لم يشته أحمد أن يقعد معه، فقال أحمد: رحمَ الله ابن سيرين فإنه قال: أكرم أخاك بما يحب، أو قال: بما لا يشق عليه، لكن أخي هذا أكرمني بما يشق عليّ. وختن رجل ابنه فدعا أصحاب الحديث ومنهم أحمد بن حنبل، فذهب بعدهم، فلما دخل أُجلس في بيت ومعه جماعة من أصحاب الحديث، فقال له رجل: يا أبا عبد الله ها هنا آنية من فضة، فالتفت فإذا كرسي، فقام وخرج ومعه مَن كان في البيت، فأخبر الرجل فلحق أحمد وحلف أنه لا يعلم ذلك ولم يأمر به، فأبى، وتشفع بغيره فأبى أن يرجع، وقال: زي المجوس زي المجوس، وجعل ينفض يده في وجهه. وأما إيثاره خمول الذكر واجتهاده في ستر الحال: فقد دخل عليه عمه ويده تحت خده، فقال له: يا ابن أخي أي شيء هذا الغم؟ أي شيء هذا الحزن؟ فرفع أحمد رأسه فقال: يا عم طوبى لمن أخمل الله ذكره. وكان إذا رأيته تعلم أنه لا يظهر النسك، وكان عليه نعل لا يشبه نعل القُرَّاء، له رأس كبير معقف، وشراكه حبل، كأنه اشتُري له من السوق، وعليه إزار وجبة برد مخططة تركًا للتزيي بزي القُرَّاء، وإزالةً للشهرة. وقال مرة لعبد الوهاب: أخمل ذكرك فإني قد ابتليت بالشهرة، والله لو وجدت السبيل إلى الخروج لم أقم في هذه المدينة، ولخرجت منها حتى لا أذكر فيها عند هؤلاء ولا يذكروني. وصلى الغداة مرة فتبعه قوم فقال: لا تتبعوني مرة أخرى. وكان إذا مشى في

стр. 169

الطريق يكره أن يتبعه أحد، وإذا خرج ليوم الجمعة وغيرها لا يدع أحدًا يتبعه، وربما وقف حتى ينصرف الذي يتبعه، وكان يمشي وحده متواضعًا. أما غلبة الفكر والهم على قلبه وتعبده وخوفه من الله: فقال المَرُّوذي: دخلت عليه وهو يقول: اللهم سَلَّمْ سَلَّمْ. وكان إذا دعا له رجل يقول: الأعمال بخواتيمها. وكان يقول: وددت أني نجوت من هذا الأمر كفافًا لا عليَّ ولا لي وقال له الحصري: إن أمي رأت لك كذا وكذا وذكرت الجنة، فقال: إن سهل بن سلامة كانوا يخبرونه بمثل هذا، وخرج إلى سفك الدماء، ولكن الرؤيا تسرُّ المؤمن ولا تغره. وكان يقول: خوف الله يمنعني من أكل الطعام والشراب مما أشتهيه. وأراد في مرضه الذي مات فيه أن يبول فدعا بطست فجذب فبال دمًا عبيطًا، فأري الطبيب فقال: هذا رجل قد فتت الغم والحزن جوفه. وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرائض، ونبيه بأداء السنة، والملكان بتصحيح العمل، ونفسه بهواها، وإبليس بالفحشاء، وملك الموت بقبض روحه، وعياله بالنفقة. وقال المروذي: دخلت أنا وأحمد موضعًا وهو متكئ على يدي، فاستقبلتنا امرأة بيدها طنبور فتناولتُه منها فكسرته وجعلت أدوسه، وأحمد بن حنبل منكس الرأس إلى الأرض فلم يقل شيئًا، وانتشر أمر الطنبور، فقال أحمد: ما علمت بهذا، ولا علمت أنك كسرت طنبورًا بحضرتي إلى الساعة. وأما تعبده: فقال صالح: كان أبي لا يدع أحدًا يستقي له الماء لوضوءه إلا هو، وكان إذا خرجت الدلو ملأى قال: الحمد لله. قلت: يا أبت ما الفائدة في هذا؟ فقال: يا بني أما سمعت قول الله ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾.

стр. 170

وقال عبد الله: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط أضعفته، فكان يصلي في كل يوم وليلة مئة وخمسين، وقد كان في زمن الثمانين، وكان يقرأ في كل يوم سُبعًا من القرآن، يختم في كل سبعة أيام، وكانت له ختمةٌ في كل سبع ليالٍ سوى صلاة النهار، وكان ساعةَ يصلي العشاء الآخرة ينامُ نومة خفيفة، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو. وخرج الشافعي ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل إلى مكة، فلما صاروا بمكة نزلوا في موضع، فاستلقى الشافعي واستلقى يحيى بن معين أيضًا وقام أحمد يصلي، فلما أصبحوا قال الشافعي: لقد عملت للمسلمين مئتي مسألة. وقال يحيى بن معين: نفيت عن حديث النبي ﷺ مئتي كذَّاب. وقال أحمد: صليت ركعات ختمت فيها القرآن. وقال أحمد: افتتحت القرآن في يوم فعددت مواضع الصبر، فإذا هو نيف وتسعون. وكانت له قلنسوة قد خاطها بيده فيها قطن، فإذا قام من الليل لَبِسَها، وكان كثيرًا ما يقرأ سورة الكهف، ولما توارى من السلطان توارى عند إبراهيم بن هانئ، فكان يصوم النهار ويعجل الإِفطار، ثم يصلي بعد العشاء الآخرة ركعات، ثم ينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيتطهر، ولا يزال يصلي حتى يطلع الفجر، ثم يوتر بركعة، فكان هذا دأبه طول مقامه عنده، ما فتر ليلة واحدة، كذا ذكره ابن هانئ، ثم قال: وكنت لا أقوى معه على العبادة، وما رأيته مفطرًا إلا يومًا واحدًا أفطر واحتجم، فلا أعرف أحدًا أقوى على الصبر والزهد والعبادة وجهد النفس منه. وقال عبد الله: رأيت أبي لما كبر وأسنَّ، اجتهد في قراءة القرآن وكثرة الصلاة بين الظهر والعصر، فإذا دخلت عليه انفتل من الصلاة، وربما تكلم وربما سكت، فإذا رأيت ذلك خرجت، ثم يعود إلى صلاته. وقيل له: إنك تقف في أشياء من الفقه، هل بان لك فيها قول؟ فقال: هذا زمان مبادرة.

стр. 171

وكان يصلي بعد الجمعة ست ركعات ويفصل في كل ركعتين بسلام. وجاءه أبو زرعة فتذاكرا، فقال أحمد: ما صليت اليوم غير الفرض استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي.

стр. 172

(ذكر عدد حجاته، ودعائه ومناجاته، وكراماته وإجابة سؤاله وعدد زوجاته وسراريه وأولاده، وابتداء محنته وسببها) قال عبد الله: حج أبي خمس حجات، ثلاث منها ماشيًا واثنتين راكبًا، وأنفق في بعض حجاته عشرين درهمًا. وقال صالح: قال أبي: حججت خمس حجج، منها ثلاث راجلًا، أنفقت في هذه الحجج ثلاثين درهمًا. وقال أحمد: كفى بعض الناس من مكةَ إلى ها هنا أربعة عشر درهمًا. فقيل: من يا أبا عبد الله؟ قال: أنا. أما دعاؤه ومناجاته: فكان كثيرًا ما يقول في دبر صلاته: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصن وجهي عن النار. وكان يقول: اللهم من كان على هوًى أو على رأي، وهو يظن أنه على الحق وليس هو على الحق، فردَّه إلى الحق حتى لا يضلَّ من هذه الأمة أحد، اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكفَّلتَ لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولًا لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشرِّ ما عندنا، ولا ترانا حيث نهيتنا، ولا تفقدنا من حيث أمرتنا، اللهم أعزنا ولا تذلنا، أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بالمعصية. وكان يقول: اللهم إنك تعلم أننا نعلم أنك لنا على ما نحب، وأكثر مما نحب، فاجعلنا لك على ما تحب، اللهم إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسماوات والأرض: ائتيا طوعًا أو كرهًا، قالتا: أتينا طائعين، اللهم وفقنا لمرضاتك، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ونعوذ بك من الذل إلا لك، اللهم لا تكثر علينا فنطغى، ولا تقلل علينا فننسى، وهب لنا من رحمتك، وسعة من رزقك ما يكون بلاغًا لنا وغنًى من فضلك.

стр. 173

وكان يدعو دبر الصلاة: اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة والنجاة من النار، ولا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرجته، ولا حاجة إلا قضيتها. وكان يأمر بهذا الدعاء: يا دليل الحيارى دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين. أما كراماته وإجابة سؤاله: فقال عبد الله: رأيت أبي حرّج على النمل أن يخرج من داره، ثم رأيت النمل قد خرجن بعد ذلك نملًا سودًا فلم أرهم بعد ذلك. ومرض ابن ابْنِهِ صالح، فجعل الدم يسيل من منخريه، فجيء بالأطباء فجعلوا يعالجونه بالفتل وغيرها والدم يغلبهم، فجاء أحمد وقال: كيف حالك يا بني؟ فقال: يا جدي هوذا أموت، ادع الله لي، فقال أحمد: ليس عليك بأس، ثم جعل يحرك يده كأنه يدعو له، فانقطع الدم، وقد كانوا يئسوا منه لأنه كان يرعف دائمًا. وكانت نخلة لا تحمل، فجيء بقلمه الذي كان يكتب فيه فوضع فيها فحملت النخلة. وكانت امرأة مقعدة نحو عشرين سنة، فأرسلت ابنها إليه وقالت: سله أن يدعو لي، فقلت له ذلك، فقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا أمك. قال: فوليت منصرفًا، فخرجت من داره عجوز، فقالت: أنت الذي كلمته؟ قلت: نعم. قالت: قد تركته يدعو الله لها، فجاء من فوره إلى البيت، فدق الباب، فخرجت أمه على رجليها تمشي وتقول: قد وهب الله لي العافية. وكان ساكن له يشتكي، فكان يَئِنُّ بالليل، فقال أحمد في جوف الليل: من هذا عندكم يشتكي؟ فقيل: فلان، فدعا له وقال: اللهم اشفه. ودخل، فكأنه نار صُبَّ عليها ماء. وقالت فاطمة ابنة الإِمام أحمد: وقع الحريق في بيت أخي صالح، وكان قد

стр. 174

تزوج إلى قوم مياسير، فحملوا إليها جهازًا بأربعة آلاف دينار، فأكلته النار، فجعل صالح يقول: ما غمني ما ذهب مني إلا ثوب لأبي كان يصلي فيه أتبرك به وأصلي فيه، قالت: فطفئ الحريق، ودخلوا، فوجدوا الثوب على سرير قد أكلت النار ما حوله والثوب سليم. واحترقت دار علي بن الحسين الزينبي، واحترق ما فيها إلا كتاب كان فيه شيء بخط أحمد بن حنبل. ووقع الغرق ببغداد سنة أربع وخمسين وخمس مئة، وغرقت كتب، سلم من الغرق فيها كتاب فيه ورقتان من خطه. وقال عبد الله بن موسى: خرجت أنا وأبي في ليلة مظلمة نزور أحمد، فاشتدت الظلمة، فقال أبي: تعال حتى نتوسل إلى الله بحب هذا الرجل الصالح حتى تضيء لنا الطريق، فإني منذ ثلاثين سنة ما توسلت بحبه إلا قضيت حاجتي، فدعا أبي وأمنت على دعائه، فأضاءت السماء كأنها ليلة مقمرة حتى وصلنا إليه. أما عدد زوجاته وسراريه وأولاده: أما زوجاته وسراريه وأولاده: فقال المروذي: قال أحمد ما تزوجت إلا بعد الأربعين. فأول زوجاته عباسة بنت الفضل، أم صالح. والثانية ريحانة أم عبد الله. ويأتي ذكرهما في النساء في الطبقة الأولى إن شاء الله تعالى. أما سراريه: فاشترى سرية اسمها حُسن لما توفيت أم عبد الله، فولدت له أم علي واسمها زينب، وولدت توأمًا وماتا بالقرب من ولادتها، ثم ولدت الحسن ومحمد فعاشا إلى أن صارا من السن إلى نحو الأربعين سنة، ثم ولدت سعيدًا بعدهما. أما أولاده: فكان له من الأولاد صالح وهو من أم وعبد الله وهو من أم، والحسن والحسين وسعيد ومحمد وزينب من أم وهي جاريته حُسن، فأما صالح فهو

стр. 175

أكبر أولاده، وله من الأولاد زهير ومحمد، وأما عبد الله فلا أعلم له أولادًا، وأما سعيد فتوفي قبل موت أبيه أحمد، وأما الحسن ومحمد فكذلك، وأما زينب فلا أدري متى توفيت. ويأتي ذكر الجميع في الطبقة الأولى إن شاء الله تعالى. أما ابتداء محنته وسببها: فما زال الناس على قانون السلف وقولهم: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، حتى نبغت المعتزلة فقالوا بخلق القرآن، وكانت تستر ذلك، وكان القانون محفوظًا في زمن الرشيد، فلقد قال هارون الرشيد: بلغني أن بشرًا المريسي زعم أن القرآن مخلوق، عليّ إن أظفرني الله به لأقتلنه قتلة ما قتلتها أحدًا قط. وكان بشر متواريًا أيام هارون نحوًا من عشرين سنة، حتى مات هارون، فظهر ودعا إلى الضلالة، وكذلك زمن الأمين لم يظهر الدعوة حتى ولي المأمون، فخالطه قوم من المعتزلة وحسنوا له القول بخلق القرآن، وكان يتردد في حمل الناس على ذلك، ثم قوي عزمه على ذلك، فحمل الناس عليه، فلقد قال المأمون يومًا: لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرنا أن القرآن مخلوق، فقيل له: يا أمير المؤمنين ومن يزيد حتى يُتقى؟ فقال: ويحك إني أخاف إن أظهرته فيرد علي فيختلف الناس فيكون فتنة، وأنا أكره الفتنة. فقال الرجل: فأنا أخبر ذلك منه، فدخل على يزيد وقال: إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: إني أريد أن أظهر أن القرآن مخلوق، فقال يزيد: كذبت على أمير المؤمنين، لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه، فإن كنت صادقًا فاقعد إلى المجلس، فإذا اجتمع الناس فقل. قال: فلما أن كان من الغد اجتمع الناس فقال الرجل: إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: إني أريد أن أظهر أن القرآن مخلوق، فما عندك في ذلك؟ قال: كذبت على أمير المؤمنين، أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه، ولم يقل به أحد فرجع، فقال: يا أمير المؤمنين كنتَ أعلم، كان من القضية كيت وكيت، فقال: ويحك يُلعب بك.

стр. 176

(ذكر قصته مع المأمون وما جرى له بعد المأمون، وقصته مع المعتصم وبيان فضله في صبره وما أثمر له) أما قصته مع المأمون: فقد كتب المأمون وهو في الرقة إلى إسحاق بن إبراهيم صاحب الشرطة ببغداد بامتحان الناس، فامتحنهم. قال أحمد: لما أدخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمحنة قرئ علينا كتاب الذي صار إلى طرسوس، يعني المأمون، فكان فيما قُرئ علينا: (ليس كمثله شيء) (وهو خالق كل شيء) فقلت: (وهو السميع البصير). قال صالح بن أحمد: ثم امتحن القوم، فوجَّه من امتنع إلى الحبس، فأجاب القوم جميعًا إلا أربعة: أبي ومحمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد، ثم أجاب عبيد الله القواريري والحسن بن حماد، وبقي أبي ومحمد بن نوح في الحبس، فمكثا في الحبس أيامًا، ثم ورد الكتاب من طرسوس بحملهما، فحُملا مقيدَيْنِ ومغلين. فقال أبو معمر القطيعي: لما حضرنا دار السلطان أيام المحنة، وكان أحمد بن حنبل قد أحضر، وكان رجلًا لينًا، فلما رأى الناس يجيبون انتفخت أوداجه واحمَّرت عيناه، وذهب ذلك اللين الذي كان فيه، فقلت: إنه غضب لله. قال أبو معمر: فلما رأيت ما به، قلت: يا أبا عبد الله أبشر، فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ منهم من إذا أُريد على شيء من دينه رأيت حماليق عينيه في رأسه تدور كأنه مجنون. وقيل لأحمد في أيام المحنة: يا أبا عبد الله، ألا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل؟ فقال: إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد ملازمة للحق. وقال صالح: حُمل أبي ومحمد بن نوح مقيدين، فصرنا معهما في الأنبار،

стр. 177

فسأل أبو بكر الأحول أبي فقال: يا أبا عبد الله إن عُرضتَ على السيف تجيب؟ قال: لا، ثم سُيَّرا، فلما صارا إلى الرحبة ودخلا منها وذلك في جوف الليل، عرض لهما رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا، فقال للجمال: على رسلك، ثم قال: يا هذا ما عليك أن تقتل ها هنا وتدخل الجنة ها هنا، ثم قال: أستودعك الله. ومضى، قال أحمد: فسألت عنه، فقيل: هذا رجل من العرب من ربيعة، يعمل الشعر في البادية، يقال له: جابر بن عامر، يُذكر بخير. وكان أحمد يقول: ما سمعت كلمة منذ وقعت في الأمر الذي وقعت فيه أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق، قال لي: يا أحمد، إن يقتلك الحق مُتّ شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا. فقوَّى قلبي. وقال أبو حاتم: فكان كما قال الأعرابي؛ فلقد رفع شأن الرجل يعني أحمد بعد ما امتُحن، وعظم عند الناس، وارتفع أمره جدًا. وقال أبو جعفر الأنباري: لما حمل أحمد إلى المأمون أخبرت، فعبرت الفرات، فإذا هو جالس في الخان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر، تَعنَّيْتَ. فقلت: ليس عناء. ثم قلت له: يا أحمد، أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبنَّ بإجابتك خلق من خلق الله، ولئن امتنعت ليمتنعنَّ خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، ولا بدّ من الموت، فاتق الله ولا تجبهم في شيء. فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله ما شاء الله. وقال صالح: لما صرنا إلى أَذَنَةَ ورحلنا منها مع أبي، وذلك في جوف الليل، وفتح لنا بابها، فإذا رجل يقول: البشرى! قد مات الرجل. قال أبي: وكنت أدعو أن لا أراه. وكان أحمد يقول: دعوت الله ثلاث دعوات، فتبينت الإِجابة في اثنتين؛ دعوت الله أن لا يجمع بيني وبين المأمون، ودعوته أن لا أرى المتوكل. فلم ير المأمون، وأما المتوكل فإنه لما أحضر أحمد إلى دار الخلافة ليحدث ولده قعد له المتوكل في

стр. 178

خوخة، حتى نظر إلى أحمد، ولم يره أحمد. قال صالح: لما صار أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس رُدَّا في قيادهما، فلما صارا إلى الرقة حملا في سفينة، فلما وصلا إلى عانات توفي محمد بن نوح، فأطلق عنه قيده، وصلى عليه أبي. وكان أحمد يقول: ما رأيت أحدًا على حداثة سنه وقلة علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون الله قد ختم له بخير. قال لي ذات يوم وأنا معه خِلْوَيْنِ: يا أبا عبد الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، وقد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله، واثبت لأمر الله. فعجبت من تقويته لي وموعظته إياي، فانظر بما ختم له، مرض وصار إلى بعض الطريق، فمات، فصليت عليه، ودفنته بعانه. قال الخطيب البغدادي: كانت وفاته سنة ثمان عشرة ومئتين ﵀. أما ما جرى له بعد المأمون فقد تقدم أنَّه لما جاء الخبر بموت المأمون رُد أحمد ومحمد بن نوح مقيدين في قيادهما، فمات محمد بن نوح في الطريق ورد أحمد إلى بغداد مقيدًا: قال البوشنجي: أخذ أحمد أيام المأمون ليحمل إلى المأمون ببلاد الروم، فبلغ أحمد الرقة، ومات المامون قبل أن يلقاه أحمد، وذلك سنة ثمان عشرة ومئتين. ودخل على أحمد أصحاب الحديث بالرقة وهو محبوس، فجعلوا يذاكرونه ما يروى من الأحاديث في التقية، فقال أحمد: فكيف تصنعون بحديث خباب: "إن من كان قبلكم ينشر أحدهم بالمنشار ثم لا يصرفه ذلك عن دينه"؟ فيئسوا منه، فقال أحمد لهم: لست أبالي بالحبس، ما هو إلا ومنزلي واحد، ولا قتلًا بالسيف، وإنما أخاف فتنة السوط، وأخاف أن لا أصبر، فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك، فقال: لا عليك يا أبا عبد الله، فما هو إلا سوطان، ثم لا تدري أين يقع الباقي. وكأنه سُرّي عنه. ورد من الرقة وحبس. وقال صالح بن أحمد: رد المأمون أبي ومحمد بن نوح في قيادهما من الرقة،

стр. 179

وأخرجا في سفينة مع قوم محبسين، فلما صارا بعانات توفي محمد بن نوح، ودفن بها، ثم صار أبي إلى بغداد وهو مقيد، فمكص بالناس أيامًا، ثم صار إلى الحبس في دار اكتريت له عند دار عمارة، ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلي، وكان يصلي بالسجن وهو مقيد، وأرسل إليه آدم العسقلاني يقول: يا أحمد، اتقِ الله، وتقرب إليه بما أنت فيه، ولا يستفزنك أحد، فإنك إن شاء الله مشرف على الجنة، فقد قال رسول الله ﷺ : "من أرادكم على معصية فلا تطيعوه" فأطرق أحمد إطراقة، ثم رفع رأسه فقال: ﵀ حيًا وميتًا؛ فلقد أحسن النصيحة. أما قصته مع المعتصم وبيان فضله في صبره وما أثمر له: فإنه لما مات المأمون رد أحمد إلى بغداد، فسجن إلى أن امتحنه المعتصم، وكان أحمد بن أبي دؤاد على قضاء القضاة، فحمله على امتحان الناس بخلق القرآن. قال صالح ابن أحمد: لما كان في شهر رمضان سنة تسع عشرة ومئتين حوَّل أبي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، يوجه إليه كل يوم برجلين أحدهما يقال له: أحمد بن رباح، والآخر أبو سعيد الحجام، فلا يزالا يناظرانه حتى إذا أرادا الانصراف دعيا بقيد فزيد في قيوده، فصار في رجله أربعة أقياد، فلما كان في اليوم الثالث دخل عليه أحد الرجلين، فناظره، فقال له أبي: ما تقول في علم الله؟ قال: علم الله مخلوق. فقال أبي: كفرت. فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم: إن هذا رسول أمير المؤمنين. فقال أبي: إن هذا قد كفر. فلما كان في الليلة الرابعة وجه المعتصم إلى إسحاق فأمره بحمل أبي إليه، فأدخل إلى إسحاق، فقال: يا أحمد، إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربًا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، أليس قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أفيكون مجعول إلا مخلوقًا؟ فقال له أبي: قال الله : ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أفخلقهم؟ فسكت، ثم قال: اذهبوا به. قال أبي: فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت، وجيء بدابة فحملت عليها وعلي الأقياد، ما معي أحد يمسكني، فكدت غير مرة أن أخرّ على وجهي لثقل القيود، فجيء بي إلى

стр. 180

المعتصم، فأدخلت حجرة إلى بيت، وأغلق الباب عليّ، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فمددت يدي فإذا أنا بإناء فيه ماء وطشت موضوع، فتوضأت للصلاة وصليت، فلما كان من الغد أخرجتُ تكتي من سراويلي وشددت بها الأقياد أحملها، وعطفت سراويلي، فجاء رسول المعتصم فقال: أجب. فأخذ بيدي، وأدخلني عليه، والتكة بيدي أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس، وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع خلقًا من أصحابه، منهم عبد الرحمن الشافعي، فأجلست بين يدي الخليفة، وكانوا قد ضربوا عنق رجلين، فنظرت إلى عبد الرحمن الشافعي فقلت: أي شيء تحفظ عن الشافعي في المسح؟ فقال ابن أبي دؤاد: انظروا رجلًا هو ذا يقدم لضرب العنق يناظر في الفقه. فقال المعتصم: ادنه. فدنوت، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، فقال: اجلس فجلست، وقد أثقلتني الأقياد، فمكثت قليلًا، ثم قلت: تأذن في الكلام؟ فقال: تكلم. فقلت: إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هنيهة ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. فقلت: أنا أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قلت: إن جدك ابن عباس يقول: لما قدم وفد عبد القيس على النبي ﷺ ثم سألهم عن الإِيمان بالله فقال: "أتدرون ما الإِيمان بالله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم" فقال المعتصم: لولا أني وجدتك في يد غيري ممن كان قبلي ما تعرضتك. ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحاق، ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ فقلت: الله أكبر، إن في هذا لفرجًا للمسلمين. ثم قال لهم المعتصم: ناظروه وكلموه، يا عبد الرحمن، كلمه. فقال عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ فقلت له: ما تقول في علم الله ؟ فسكت. فقال بعضهم: أليس قال الله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ والقرآن أليس هو شيء؟ فقلت: قال الله : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ فدمرت إلا ما أراد الله . فقال بعضهم: قال الله : ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أفيكون محدث إلا مخلوقًا؟ فقلت: قال الله : ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولا لام، وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين "إن الله خلق الذكر" فقلت: هذا خطأ، والصواب أن الله تعالى كتب الذكر، واحتجوا بحديث
следующие страницы →