Полный текст (1 920 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
(ذكر قصته مع المأمون وما جرى له بعد المأمون، وقصته مع المعتصم وبيان فضله في صبره وما أثمر له)
أما قصته مع المأمون: فقد كتب المأمون وهو في الرقة إلى إسحاق بن إبراهيم صاحب الشرطة ببغداد بامتحان الناس، فامتحنهم.
قال أحمد: لما أدخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمحنة قرئ علينا كتاب الذي صار إلى طرسوس، يعني المأمون، فكان فيما قُرئ علينا: (ليس كمثله شيء) (وهو خالق كل شيء) فقلت: (وهو السميع البصير).
قال صالح بن أحمد: ثم امتحن القوم، فوجَّه من امتنع إلى الحبس، فأجاب القوم جميعًا إلا أربعة: أبي ومحمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد، ثم أجاب عبيد الله القواريري والحسن بن حماد، وبقي أبي ومحمد بن نوح في الحبس، فمكثا في الحبس أيامًا، ثم ورد الكتاب من طرسوس بحملهما، فحُملا مقيدَيْنِ ومغلين.
فقال أبو معمر القطيعي: لما حضرنا دار السلطان أيام المحنة، وكان أحمد بن حنبل قد أحضر، وكان رجلًا لينًا، فلما رأى الناس يجيبون انتفخت أوداجه واحمَّرت عيناه، وذهب ذلك اللين الذي كان فيه، فقلت: إنه غضب لله. قال أبو معمر: فلما رأيت ما به، قلت: يا أبا عبد الله أبشر، فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ منهم من إذا أُريد على شيء من دينه رأيت حماليق عينيه في رأسه تدور كأنه مجنون.
وقيل لأحمد في أيام المحنة: يا أبا عبد الله، ألا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل؟ فقال: إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد ملازمة للحق.
وقال صالح: حُمل أبي ومحمد بن نوح مقيدين، فصرنا معهما في الأنبار،
стр. 177
فسأل أبو بكر الأحول أبي فقال: يا أبا عبد الله إن عُرضتَ على السيف تجيب؟ قال: لا، ثم سُيَّرا، فلما صارا إلى الرحبة ودخلا منها وذلك في جوف الليل، عرض لهما رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا، فقال للجمال: على رسلك، ثم قال: يا هذا ما عليك أن تقتل ها هنا وتدخل الجنة ها هنا، ثم قال: أستودعك الله. ومضى، قال أحمد: فسألت عنه، فقيل: هذا رجل من العرب من ربيعة، يعمل الشعر في البادية، يقال له: جابر بن عامر، يُذكر بخير.
وكان أحمد يقول: ما سمعت كلمة منذ وقعت في الأمر الذي وقعت فيه أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق، قال لي: يا أحمد، إن يقتلك الحق مُتّ شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا. فقوَّى قلبي. وقال أبو حاتم: فكان كما قال الأعرابي؛ فلقد رفع شأن الرجل يعني أحمد بعد ما امتُحن، وعظم عند الناس، وارتفع أمره جدًا.
وقال أبو جعفر الأنباري: لما حمل أحمد إلى المأمون أخبرت، فعبرت الفرات، فإذا هو جالس في الخان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر، تَعنَّيْتَ. فقلت: ليس عناء. ثم قلت له: يا أحمد، أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبنَّ بإجابتك خلق من خلق الله، ولئن امتنعت ليمتنعنَّ خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، ولا بدّ من الموت، فاتق الله ولا تجبهم في شيء. فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله ما شاء الله.
وقال صالح: لما صرنا إلى أَذَنَةَ ورحلنا منها مع أبي، وذلك في جوف الليل، وفتح لنا بابها، فإذا رجل يقول: البشرى! قد مات الرجل. قال أبي: وكنت أدعو أن لا أراه.
وكان أحمد يقول: دعوت الله ثلاث دعوات، فتبينت الإِجابة في اثنتين؛ دعوت الله أن لا يجمع بيني وبين المأمون، ودعوته أن لا أرى المتوكل. فلم ير المأمون، وأما المتوكل فإنه لما أحضر أحمد إلى دار الخلافة ليحدث ولده قعد له المتوكل في
стр. 178
خوخة، حتى نظر إلى أحمد، ولم يره أحمد.
قال صالح: لما صار أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس رُدَّا في قيادهما، فلما صارا إلى الرقة حملا في سفينة، فلما وصلا إلى عانات توفي محمد بن نوح، فأطلق عنه قيده، وصلى عليه أبي.
وكان أحمد يقول: ما رأيت أحدًا على حداثة سنه وقلة علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون الله قد ختم له بخير. قال لي ذات يوم وأنا معه خِلْوَيْنِ: يا أبا عبد الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، وقد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله، واثبت لأمر الله. فعجبت من تقويته لي وموعظته إياي، فانظر بما ختم له، مرض وصار إلى بعض الطريق، فمات، فصليت عليه، ودفنته بعانه. قال الخطيب البغدادي: كانت وفاته سنة ثمان عشرة ومئتين ﵀.
أما ما جرى له بعد المأمون فقد تقدم أنَّه لما جاء الخبر بموت المأمون رُد أحمد ومحمد بن نوح مقيدين في قيادهما، فمات محمد بن نوح في الطريق ورد أحمد إلى بغداد مقيدًا:
قال البوشنجي: أخذ أحمد أيام المأمون ليحمل إلى المأمون ببلاد الروم، فبلغ أحمد الرقة، ومات المامون قبل أن يلقاه أحمد، وذلك سنة ثمان عشرة ومئتين.
ودخل على أحمد أصحاب الحديث بالرقة وهو محبوس، فجعلوا يذاكرونه ما يروى من الأحاديث في التقية، فقال أحمد: فكيف تصنعون بحديث خباب: "إن من كان قبلكم ينشر أحدهم بالمنشار ثم لا يصرفه ذلك عن دينه"؟ فيئسوا منه، فقال أحمد لهم: لست أبالي بالحبس، ما هو إلا ومنزلي واحد، ولا قتلًا بالسيف، وإنما أخاف فتنة السوط، وأخاف أن لا أصبر، فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك، فقال: لا عليك يا أبا عبد الله، فما هو إلا سوطان، ثم لا تدري أين يقع الباقي. وكأنه سُرّي عنه. ورد من الرقة وحبس.
وقال صالح بن أحمد: رد المأمون أبي ومحمد بن نوح في قيادهما من الرقة،
стр. 179
وأخرجا في سفينة مع قوم محبسين، فلما صارا بعانات توفي محمد بن نوح، ودفن بها، ثم صار أبي إلى بغداد وهو مقيد، فمكص بالناس أيامًا، ثم صار إلى الحبس في دار اكتريت له عند دار عمارة، ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلي، وكان يصلي بالسجن وهو مقيد، وأرسل إليه آدم العسقلاني يقول: يا أحمد، اتقِ الله، وتقرب إليه بما أنت فيه، ولا يستفزنك أحد، فإنك إن شاء الله مشرف على الجنة، فقد قال رسول الله ﷺ : "من أرادكم على معصية فلا تطيعوه" فأطرق أحمد إطراقة، ثم رفع رأسه فقال: ﵀ حيًا وميتًا؛ فلقد أحسن النصيحة.
أما قصته مع المعتصم وبيان فضله في صبره وما أثمر له:
فإنه لما مات المأمون رد أحمد إلى بغداد، فسجن إلى أن امتحنه المعتصم، وكان أحمد بن أبي دؤاد على قضاء القضاة، فحمله على امتحان الناس بخلق القرآن.
قال صالح ابن أحمد: لما كان في شهر رمضان سنة تسع عشرة ومئتين حوَّل أبي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، يوجه إليه كل يوم برجلين أحدهما يقال له: أحمد بن رباح، والآخر أبو سعيد الحجام، فلا يزالا يناظرانه حتى إذا أرادا الانصراف دعيا بقيد فزيد في قيوده، فصار في رجله أربعة أقياد، فلما كان في اليوم الثالث دخل عليه أحد الرجلين، فناظره، فقال له أبي: ما تقول في علم الله؟ قال: علم الله مخلوق. فقال أبي: كفرت. فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم: إن هذا رسول أمير المؤمنين. فقال أبي: إن هذا قد كفر. فلما كان في الليلة الرابعة وجه المعتصم إلى إسحاق فأمره بحمل أبي إليه، فأدخل إلى إسحاق، فقال: يا أحمد، إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربًا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، أليس قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أفيكون مجعول إلا مخلوقًا؟ فقال له أبي: قال الله : ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أفخلقهم؟ فسكت، ثم قال: اذهبوا به. قال أبي: فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت، وجيء بدابة فحملت عليها وعلي الأقياد، ما معي أحد يمسكني، فكدت غير مرة أن أخرّ على وجهي لثقل القيود، فجيء بي إلى
стр. 180
المعتصم، فأدخلت حجرة إلى بيت، وأغلق الباب عليّ، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فمددت يدي فإذا أنا بإناء فيه ماء وطشت موضوع، فتوضأت للصلاة وصليت، فلما كان من الغد أخرجتُ تكتي من سراويلي وشددت بها الأقياد أحملها، وعطفت سراويلي، فجاء رسول المعتصم فقال: أجب. فأخذ بيدي، وأدخلني عليه، والتكة بيدي أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس، وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع خلقًا من أصحابه، منهم عبد الرحمن الشافعي، فأجلست بين يدي الخليفة، وكانوا قد ضربوا عنق رجلين، فنظرت إلى عبد الرحمن الشافعي فقلت: أي شيء تحفظ عن الشافعي في المسح؟ فقال ابن أبي دؤاد: انظروا رجلًا هو ذا يقدم لضرب العنق يناظر في الفقه. فقال المعتصم: ادنه. فدنوت، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، فقال: اجلس فجلست، وقد أثقلتني الأقياد، فمكثت قليلًا، ثم قلت: تأذن في الكلام؟ فقال: تكلم. فقلت: إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هنيهة ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. فقلت: أنا أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قلت: إن جدك ابن عباس يقول: لما قدم وفد عبد القيس على النبي ﷺ ثم سألهم عن الإِيمان بالله فقال: "أتدرون ما الإِيمان بالله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم" فقال المعتصم: لولا أني وجدتك في يد غيري ممن كان قبلي ما تعرضتك. ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحاق، ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ فقلت: الله أكبر، إن في هذا لفرجًا للمسلمين. ثم قال لهم المعتصم: ناظروه وكلموه، يا عبد الرحمن، كلمه. فقال عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ فقلت له: ما تقول في علم الله ؟ فسكت. فقال بعضهم: أليس قال الله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ والقرآن أليس هو شيء؟ فقلت: قال الله : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ فدمرت إلا ما أراد الله . فقال بعضهم: قال الله : ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أفيكون محدث إلا مخلوقًا؟ فقلت: قال الله : ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولا لام، وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين "إن الله خلق الذكر" فقلت: هذا خطأ، والصواب أن الله تعالى كتب الذكر، واحتجوا بحديث
стр. 181
ابن مسعود "ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي" فقلت: إنما يوقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض، ولم يقع على القرآن. فقال بعضهم: حديث خباب "يا هنتاه، تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه" فقلت: هذا كذا هو فجعل ابن أبي دؤاد ينظر إليّ كالمغضب، وكان يتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد، فيقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضال مضل مبتدع. فيقول المعتصم: كلموه، ناظروه. فيكلمني هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقول المعتصم: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله. فقال ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا ما في كتاب الله أو سنّة رسول الله؟ فقلت له: تأولت تأويلًا فأنت أعلم، وما تأولت أتحبس عليه وتقيد؟ فأقبل ابن أبي دؤاد يكلمني، فلم ألتفت إليه، فقال المعتصم: ألا تكلم أبا عبد الله؟ فقلت: لست أعرفه من أهل العلم فأكلمه.
وكان ابن أبي دؤاد يقول للمعتصم: والله يا أمير المؤمنين لئن أجابك أحب إليّ من مئة ألف دينار ومئة ألف دينار. فيعذ من ذلك ما شاء الله، فيقول المعتصم: والله لئن أجابني لأطلقن عنه بيدي، ولأركبن إليه بجندي، ولأطأن عقبه. ثم قال: يا أحمد، والله إني عليك لشفيق، وإني أشفق عليك شفقتي على هارون ابني، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنّة رسول الله. فلما طال المجلس ضجر وقال: قوموا. وحبسني، وعبد الرحمن بن إسحاق يكلمني قال: ويحك، أجبني. وقال: أما أعرفك، ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبد الرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين، أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك والجهاد والحج معكم. فقال: والله إنه لعالم، وإنه لفقيه، وما يسؤني أن يكون مثله معي يرد عني أهل الملل.
ثم قال لي بالبيت: تعرف صالحًا الرشيدي؟ قلت: قد سمعت باسمه. قال: كان مؤدبي، وكان في ذلك الموضع جالسًا، وأشار إلى ناحية من الدار، فسألته عن القرآن، فخالفني، فأمرت به فوطئ وسحب. ثم قال لي: يا أحمد، أجبني إلى شيء
стр. 182
من ذلك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي. فقلت: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنّة رسول الله. فطال المجلس، فقام ودخل، ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه، فلما كان بعد المغرب وجه إليّ برجلين من أصحاب ابن أبي دؤاد يبيتان عندي، ويناظراني، ويقيمان معي حتى إذا كان وقت الإِفطار جيء بالطعام، ويجتهدان في أن أفطر فلا أفعل، ووجه إليَّ المعتصم ابن أبي دؤاد في بعض الليالي فقال: يقول لك أمير المؤمنين، ما تقول؟ فرددت عليه نحوًا مما كنت أرد، فقال ابن أبي دؤاد: والله لقد كتب اسمك في السبعة يحيى بن معين وغيره - يعني يحيى بن معين وأبا خيثمة وأحمد الدَّوْرَقي والقواريري وسعدويه وسجادة وأحمد بن حنبل وقيل خلف المخرمي - ولقد ساءني أخذهم إياك، إن أمير المؤمنين حلف أن يضربك ضربًا بعد ضرب وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، وإن أجابني جئت إليه حتى أطلق عنه بيدي. ثم انصرف.
فلما أصبح - وذلك اليوم الثاني - جاء رسوله فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه، فقال لهم: ناظروه، وكلموه. فجعلوا يناظرونني، ويتكلم هذا من ها هنا فأرد عليه، ويتكلم هذا من ها هنا فأرد عليه، فإذا جاء بشيء من الكلام ليس في كتاب الله ولا سنّة رسول الله ﷺ ولا فيه خبر قلت: لا أدري ما هذا؟ فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذ توجهت الحجة له علينا ثبت، وإذا كلمناه بشيء آخر يقول: ما أدري ما هذا؟ فقال: ناظروه. فقال رجل: يا أحمد أراك تذكر الحديث وتنتحله. قلت: ما تقول في ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فقال: خص بها المؤمنين. فقلت: ما تقول إن كان قاتلًا أو عبدًا أو يهوديًا. فسكتَ، فسكتّ، وإنما احتججت عليهم بهذا لأنهم يحتجون بظاهر القرآن، وحيث قال: أراك تنتحل الحديث. فلم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال، فلما ضجر قال لهم: قوموا وخلا بي وبعبد الرحمن بن إسحاق، فلم يزل يكلمني، ثم قام ودخل، ورددت إلى الموضع.
وقال أحمد: كان قبيل أن أضرب نام بعض من كان معي من أصحابي وبقيت متفكرًا في أمري، فإذا أنا برجل طويل يتخطى الناس، حتى دنا مني فقال: أنت
стр. 183
أحمد بن حنبل؟ فسكتُّ، ثم ثانية فسكتُّ، فقال ثالثة: أنت أبو عبد الله أحمد بن حنبل؟ قلت: نعم. قال: اصبر ولك الجنة. فلما مسني حرُّ السوط ذكرت قول الرجل، قال أحمد: وكانت الليلة الثالثة، قلت: خليق أن يحدث غدًا من أمري شيء، فقلت لبعض من كان معي الموكَّل بي: جئني بخيط. فجاءني بخيط فشددت به أقيادي، ورددت التكة إلى سراويلي مخافة أن يحدث من أمري شيء فأتعرى، فلما كان من الغد في اليوم الثالث وجه إليّ فأدخلت، فإذا الدار غاصة، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحدٍ من هؤلاء، فلما انتهيت إليه قال: اقعد. ناظروه، كلِّموه فجعلوا يناظروني، فيتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم، فجعل بعض من على رأسه قائم يومئُ لي بيده، فلما طال المجلس نحاني، ثم خلا بهم، ثم نحاهم وردني إليه، وقال: ويحك يا أحمد، أجبني حتى أطلقك بيدي. فرددت عليه نحوًا مما كنت أرد عليه، فقال: عليك .. وذكر اللعن، ثم قال: خذوه، واسحبوه، واخلعوه. فسحبت، ثم خلعت، وقد كان صار إلي شعر من شعر النبي ﷺ ، فصررته في كمي، فوجه إليّ إسحاق بن إبراهيم وقال: ما هذا المصرور في كمك؟ فقلت: شعر من شعر النبي ﷺ . وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه عليّ، فقال لهم المعتصم: لا تخرقوه. فنزع القميص عني، فظننت أنه إنما دُرِئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه، وجلس المعتصم على كرسي، ثم قال: العُقابين والسياط. فجيء بالعُقابين، فمدت يداي، فقال بعض من حضر خلفي: خذ ناتئ الخشبتين، وشدَّ عليهما. فلم أفهم ما قال، فتخلعت يداي.
ولما أحضر للمعتصم العقابين لانَ لأحمد لما علق بالعقابين، ولما رأى من ثبوته وصلابته وتصميمه في أمره حتى أغراه ابن أبي دؤاد وقال له إن تركتَه قيل: إنك تركت مذهب المأمون. فهاجه ذلك على ضربي، ولما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم فقال: ائتوني بغيرها. فأتي بغيرها، فقال للجلادين: تقدموا، فجعل يتقدم إليّ الرجل منهم، فيضربني سوطين فيقول له المعتصم: شدّ، قطع الله يدك. ثم يتنحى، فيتقدم الآخر، فيضربني سوطين، وهو في كل ذلك يقول: شدّ، قطع الله
стр. 184
أيديكم. فلما ضربت تسعة عشر سوطًا قام إليّ المعتصم فقال: يا أحمد، علام تقتل نفسك؟ إني والله شفيق عليك. فجعل عجيف ينخسني بسيفه ويقول: تريد أن تغلب هؤلاء كلهم. وجعل بعضهم يقول: ويلك، الخليفة على رأسك قائم. وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، اقتله ودمه في عنقي، وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين، أنت صائم وفي الشمس قائم. فقال: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنّة رسوله حتى أقول به ثم رجع وجلس، وقال للجلاد: تقدم وأوجع قطع الله يدك، ثم أقام الثانية، فجعل يقول ويحك أجبني. وجعلوا يقبلون عليّ ويقولون: ويلك يا أحمد إمامك قائم على رأسك! وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟ وجعل المعتصم يقول: ويحك أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي. فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنّة رسوله حتى أقول به. فرجع فجلس، وقال للجلادين: تقدموا. فجعل الجلادون يتقدمون، فيضربني هذا سوطين، ويتنحى، وهو يقول في خلال ذلك: شد، قطع الله يدك. فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك، فإذا الأقياد قد أطلقت عني، فقال لي رجل ممن حضر: إنا كبَبْنَاك على وجهك، وطرحناك على بارِيَّة، ودُسْناك، وما شعرت بذلك. فأتوني بسويق وقالوا لي: اشرب وتقيأ. فقلت: لست أفطر. ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن سَمَاعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك فقلت: قد صلى عمر وجرحُه يَثْعَب دمًا. ثم خلي عني فصرت إلى منزلي.
فمكث في السجن وكانت مدة ذلك منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلَّي عنه ثمانية وعشرون شهرًا.
قال بعض من كان معه في الحبس: والله ما رأيت أحدًا يشبه أحمد بن حنبل، فلقد جعلت أقول في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله، أنت صائم، وأنت في موضع تعبد. ولقد عطش مرة فقال لصاحب الشراب: ناولني فناوله قدحًا فيه ماء
стр. 185
وثلج، فأخذ ونظر إليه هنية، ثم رده عليه ولم يشرب، فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش وهو في ما هو فيه.
قال صالح بن أحمد: لقد كنت ألتمس أن أوصل إليه طعامًا ورغيفًا أو رغيفين في تلك الأيام فلم أقدر على ذلك. وتفقده بعض من حضر في هذه الثلاثة الأيام وهم يناظرونه ويكلمونه، فما لحن في كلمة. قال: وما ظننت أن أحدًا يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه.
وقال ابن مصعب: ما رأيت أحدًا لم يداخل السلطان ولا خالط الملوك أثبت قلبًا من أحمد يومئذٍ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب، وكان عند دار الخليفة خلق من الناس لا يحصي عددهم إلا الله، بأيديهم الصحف والأقلام والمحابر في أذرعتهم، يكتبون ما يقول في المناظرة، فأخبره المروذي، فقال أحمد بن حنبل: هؤلاء كلهم! والله لأقتلن نفسي ولا أضل هؤلاء.
فانظر إلى هذا الإِمام، فلقد هانت عليه نفسه في الله فبذلها، وشدةُ ابتلائه دليلٌ على قوة دينه.
قال ميمون ابن الأصبغ: كنت ببغداد، فسمعت ضجة، فقلت: ما هذا؟ قيل: أحمد بن حنبل يمتحن. فأتيت منزلي، فأخذت مالًا له خطر، فذهبت به إلى من يدخلني المجلس، فأدخلوني، فإذا بالسيوف قد جردت، والرماح قد ركزت، والتراس قد نصبت، والسياط قد طرحت، فألبسوني قباء أسود ومنطقة وسيفًا، وأوقفوني حيث أسمع الكلام، فأتى أمير المؤمنين، فجلس على كرسي، وأتي بأحمد فقال له: وقرابتي من رسول الله ﷺ لأضربنك بالسياط أو تقول ما أقول. ثم التفت إلى جلاد فقال: خذه. فأخذه، فلما ضرب سوطًا قال: بسم الله. فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق. فلما ضرب الرابع قال: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ فضرب تسعة وعشرين، وكانت تكته حاشية ثوب، فانقطعت، فنزلت سراويله إلى عانته، فقلت: الساعة ينهتك. فرمى أحمد طرفه نحو السماء، وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من أن بقي
стр. 186
السراويل لم ينزل، فدخلت عليه بعد سبعة أيام فقلت: يا أحمد، رأيتك يوم ضربوك قد انحلت سراويلك، فرفعت طرفك إلى السماء، وحركت شفتيك، فأي شيء قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش، إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترًا.
وقال غيره: لما ضرب بضعة عشر سوطًا أقبل الدم من أكتافه، وكان عليه سراويل فانقطع خيطه، فنزل السراويل، فلحظته وقد حرك شفتيه فعاد السراويل كما كان، فسألته فقلت: إنك حركت شفتيك فما قلت؟ قال: قلت: إلهي وسيدي، أوقفتني هذا الموقف فلا تهتك لي سترًا على رؤوس الخلائق. فعاد السراويل كما كان.
وقال آخر: لما قدم وجرد وبقي في سراويله، فبينما هو يضرب انحل السراويل، فحرك شفتيه، فرأيت يدين خرجتا من تحته وهو يضرب فشدتا السراويل.
وقال بعض الجلادين: لقد بطل أحمد الشطار، والله لقد ضربته ضربًا لو برك لي بعير فضربته ذلك الضرب لنقبتُ عن جوفه.
وقال آخر: والله لقد ضربته ثمانين سوطًا لو ضربت فيلًا لهدَّتْه. وكان أحمد كثيرًا ما يقول: رحم الله أبا الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم. فسئل عنه فقال: لما أخرجت السياط ومدت يداي إلى العقابين إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول: أتعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العيَّار اللص الطَّرَّار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الله لأجل الدين. فضربت ثم عفي عني، ولقد كنت كلما أحسست بالضرب ذكرت قوله فثبتني. وكان يقول له الموكَّل به: ادع على ظالمك. فيقول أحمد: ليس بصابر من دعا على ظالمه.
وكان بشر بن الحارث يوم ضرب أحمد واقفًا على الباب يقول اللهم ثبته. اللهم أعنه. ثم لم يزل كالحيران، ويقول: إن كان أجاب حتى أدخل فأقوم مقامه. فخرج رجل فقال: لم يجبهم. فقال: الحمد لله.
стр. 187
أما فضله في صبره وما أثمر له:
فقال أبو زرعة: ما زلت أسمع الناس يذكرون أحمد بن حنبل بخير ويقدمونه على يحيى بن معين وأبي خيثمة، غير أنه لم يكن له ذكر كما صار له بعد أن امتحن؛ فإنه لما امتحن ارتفع ذكره في الآفاق.
وقال أحمد بن يونس: لما روي حديث "في الجنة قصور لا يدخلها إلا نبي أو صديق أو محكم في نفسه" فقيل لأحمد بن يونس: من المحكم في نفسه قال: أحمد بن حنبل المحكم في نفسه.
وكان أحمد بن حنبل يقول لابنه: يا بني، أعطيت المجهود من نفسي في المحنة.
وقال ابن بنت معاوية: ضرب أحمد بالسياط في الله فقام مقام الصديقين في العشر الأواخر سنة عشرين ومئتين، ومكث في السجن سنة سبع عشرة وثمان عشرة وتسع عشرة، وأخرج في رمضان.
стр. 188
(كيفية خروجه من دار المعتصم وتلقي المشايخ إياه بعد المحنة ودعائهم له، وجعله المعتصم في حل من ضربه ومن حضر، وبقاء أثر الضرب عليه، وتحديثه بعد المعتصم، وقصته مع الواثق ومع المتوكل):
قال أحمد: لما ضربت بالسياط جاء ذاك الطويل اللحية - يعني عجيفًا - فضربني بقائم السيف، فقلت: جاء الفرج يضرب عنقي وأستريح. فقال له ابن سماعة: يا أمير المؤمنين، اضرب عنقه ودمه في رقبتي. فقال ابن أبي دؤاد: لا يا أمير المؤمنين، لا تفعل فإنه إن قتل ومات في دارك قال الناس: صبر حتى قتل. فاتخذه الناس إمامًا، وثبتوا على ما هم عليه، ولكن أطلقْهُ الساعة، فإن مات خارجًا من منزلك شك الناس في أمره، وقال بعضهم: لم يجبه. فيكون الناس في شك من أمره. ودعا المعتصم بعمي ثم قال للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم، هو أحمد ابن حنبل. قال: فانظروا إليه، أليس هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم. ولولا أن فعل ذلك لكنت أخاف أن يقع شر لا يقام له، فلما قال: أسلمته إليكم صحيح البدن. هدأ الناس وسكنوا، واجتمع الناس على الباب، وضجوا حتى خاف المعتصم، فخرج ..
وأما تلقي المشايخ إياه بعد المحنة ودعائهم له .
فقد تلقاه يعقوب بن إبراهيم لما أخرج، وصار يقبل جبهته ووجهه، وكذلك فعل سليمان بن داود الهاشمي، فكان يقبل جبهته ووجهه ورأسه.
وجاءه الحارث بن مسكين فدخل عليه، فقال له أحمد: ضُربت فسقطت، فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، هو والله ضال مضل. فقال الحارث: قد سعي بالزهري حتى ضرب بالسياط فقيل لمالك بن أنس: إن الزهري قد أقيم للناس، وعلقت كتبه في عنقه. فقال مالك: قد ضرب سعيد بن المسيب بالسياط، وحلق رأسه ولحيته، وضرب أبو الزناد بالسياط، وضرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في
стр. 189
حمام بالسياط. ثم قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا تغبطوا أحدًا لم يصبه في هذا الأمر أذًى. ولم يذكر مالك نفسه. فأعجب أحمد بقول الحارث.
ولتمام الفائدة نذكر بعض من ابتلي وامتحن:
قد كانت الأنبياء تقتل، وأهل الخير في الأمم السالفة يحرقون ويقتلون، وينشر أحدهم بالمنشار وهو ثابت على دينه، وهم كثير جدًا، ولكن لا بدّ من ذكر بعضهم: فرسول الله ﷺ قد سُمَّ، وكذلك أبو بكر الصديق ﵁ قد سم، وقتل عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وسُمَّ الحسن، وقتل الحسين، وابن الزبير، والضحاك بن قيس، والنعمان بن بشير، وصلب خبيب بن عدي، وقَتَل الحجاج عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن غالب الحداني، وسعيد بن جبير، وأبا البختري الطائي، وكميل بن زياد، وحطيطًا الزيات، وماهان الحنفي، صلبه وصلب قبله ابن الزبير، وقَتَل الواثق أحمد بن نصر الخزاعي، وصلبه، وضُرب من كبار العلماء عبد الرحمن بن أبي ليلى، ضربه الحجاج أربع مئة سوط ثم قتله، وسعيد بن المسيب ضربه عبد الملك بن مروان مئة سوط، وحبيب بن عبد الله بن الزبير ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد مئة سوط، وأبو الزناد ضربه بنو أمية، وأبو عمرو بن العلاء ضربه بنو أمية خمس مئة سوط، وربيعة الرأي ضربه بنو أمية، وعطية العوفي ضربه الحجاج أربع مئة سوط، وعبد الله بن عون ضربه بلال بن أبي بردة سبعين سوطًا، وثابت البُناني ضربه ابن الجارود خليفة ابن زياد، ويزيد الضبي ضربه الحجاج أربع مئة سوط، ومالك بن أنس ضربه المنصور سبعين سوطًا، وأبو السوار العدوي ضرب بالسياط، وعقبة بن عبد الغافر ضرب بالسياط، ولأحمد ابن حنبل في هؤلاء أسوة.
وأما جعله المعتصم في حلًّ من ضربه ومن حضر، وبقاء أثر الضرب عليه، وتحديثه بعد المعتصم:
فقد قال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: لقد جعلت الميت في حل من ضربه إياي. ثم قال: مررت بهذه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فنظرت
стр. 190
في تفسيرها فإذا هو قد قال الحسن: إذا كان يوم القيامة جثت الأمم كلها بين يدي الله ، ثم نودي أن: لا يقوم إلا من أجره على الله. فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. وقد وجَّه إليّ الواثق أن أجعل المعتصم في حل من ضربه إياي، فقلت: ما خرجت من داره حتى جعلته في حل. وسألني إسحاق بن إبراهيم أن أجعل أبا إسحاق في حل، فقلت له: قد جعلته في حل. ثم قال: قد تفكرت في الحديث: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: لا يقم إلا من عفا". وذكرت قول الشعبي: إن يعف مرة يكن له من الأجر مرتين.
وقال الحسين بنُ عبد الله الخِرَقي: بتُّ مع أحمد بن حنبل ليلة فلم أره ينام إلا يبكي إلى أن أصبح، فقلت: يا أبا عبد الله، كثر بكاؤك الليلة، فما السبب؟ قال لي: ذكرت ضرب المعتصم إياي ومرّ بي في الدرس ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فسجدت، وأحللته من ضربي في السجود.
وقال الحربي: أحل أحمد بن حنبل من حضر ضربه، وكل من شايع فيه، والمعتصم، وقال: لولا أن ابن أبي دؤاد داعية لأحللته. وكان أحمد: يقول جعلت المعتصم في حل، ومن تولى ضربي، ومن أعان، ومن حضر. وقلت: لا يعذب فيّ أحد إلا رجلين ابن أبي دؤاد وعبد الرحمن بن إسحاق فإنهما طلبا دمي، وأنا أهون على الله من أن يعذب فيَّ أحدًا، أشهدكم أنهما في حل.
وأما بقاء أثر الضرب عليه .
فقال صالح: نظر إلى أبي رجل ممن يبصر الضرب والعلاج فقال: قد رأيت من ضُرب ألف سوط، ما رأيت ضربًا مثل هذا! ثم أخذ ميلًا فأدخله في بعض تلك الجراحات، فنظر إليه فقال: إنه لم ينقب. وجعل يأتيه ويعالجه، وقد كان أصاب وجهه غير ضربة، ومكث منكبًا على وجهه ما شاء الله، ثم قال له: إن ها هنا شيئًا أريد أن أقطعه. فجاء بحديدة فجعل يعلق اللحم بها ويقطعه بسكين معه، وهو صابر لذلك، يحمد الله في ذلك، فبرئ منه، ولم يزل يتوجع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بينًا في ظهره إلى أن توفي ﵀. وكان يقول: لقد أعطيت
стр. 191
المجهود من نفسي ولوددت أن أنجو من هذا الأمر الذي أخاف كفافًا لا علي ولا لي.
وكان أحمد يضع المجمرة، ويلف بيده خرقة فيسخنها بالنار، ثم يجعلها على جنبه من الضرب الذي كان ضرب.
وأما تحديثه بعد المعتصم: فقال البوشنجي. في سنة سبع وعشرين حدث أحمد بن حنبل ببغداد ظاهرًا جهرة، وذلك حين مات المعتصم بلغنا انبساطه في الحديث ونحن بالكوفة، فرجعت إليه، فأدركته في رجب هذه السنة وهو يحدث، ثم قطع الحديث لثلاث بقين من شعبان من غير منع السلطان، ولكن كتب الحسن بن علي بن الجعد وهو يومئذٍ قاضي بغداد إلى أبن أبي دؤاد أن أحمد بن حنبل قد انبسط في الحديث، فبلغ ذلك أحمد فأمسك عن الحديث من غير أن يمنع، ولم يكن حدث أيام المعتصم فيما بلغنا، وكانت ولايته ثمان سنين وثمانية أشهر، ثم لم يحدث إلى أن توفي ﵀.
أما قصته مع الواثق:
فإنه قد ولي الواثق أبو جعفر هارون بن المعتصم في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومئتين، وحسن له ابن أبي دؤاد امتحان الناس بخلق القرآن ففعل ذلك، ولم يعرض لأحمد إما لما علم من صبره وإما لما خاف من تأثير عقوبته، لكنه أرسل إلى أحمد: لا تساكنِّي بأرض. فاختفى أحمد بقية حياة الواثق، فما زال ينتقل إلى الأماكن، ثم عاد إلى منزله بعد أشهر فاختفى فيه إلى أن مات الواثق.
وقال إبراهيم بن هانئ: اختفى عندي أحمد ابن حنبل ثلاثة أيام ثم قال: اطلب لي موضعًا حتى أتحول إليه قلت: لا آمن عليك يا أبا عبد الله. فقال: افعل، فإذا فعلت أفدتك. فطلبت له موضعًا فلما خرج قال لي: اختفى رسول الله ﷺ في الغار ثلاثة أيام ثم تحول، وليس ينبغي أن نتبع رسول الله ﷺ فى الرضاء ونتركه في الشدة. وسئل أحمد فقيل له: كيف تخلصت من سيف المعتصم وسوط الواثق؟ فقال: لو وضع الصدق على جرح لبرأ.
وقد روي أن الواثق ترك امتحان الناس بسبب مناظرة بين يديه رأى بها أن
стр. 192
الأولى ترك امتحان الناس، وذلك أنه جاءه شيخ مخضوب مقيد فقال: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه يعني ابن أبي دؤاد، فأدخل الشيخ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال: لا سلم الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، بئس ما أدبك به مؤدبك. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ والله ما حييتني بها ولا بأحسن منها. فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، الرجل متكلم. فقال له: كلمه. فقال: يا شيخ، ما تقول في القرآن؟ فقال له: لِمَ تسألني، ولي السؤال. فقال له: سل. فقال الشيخ: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق. فقال: هذا شيء علمه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون أم شيء لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شيء لم يعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون وعلمته أنت! فخجل، فقال: أقلني، فقال: والمسألة بحالها؟ قال: نعم. فقال: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق. فقال: هذا شيء علمه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموه؟ فقال: علموه، ولم يدعوا الناس إليه. فقال له: ألا يسعك ما وسعهم؟ ثم قام إلى مدخل مجلس الخلوة، واستلقى على قفاه ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون وعلمته أنت؟! سبحان الله! علمه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم؟ لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم. فقال الخليفة: لا وسع الله علينا إن لم يتسع لنا ما اتسع لهؤلاء. فأمر أن يرفع عنه القيود ويعطى أربع مئة دينار، ويؤذن له بالرجوع، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد، ولم يمتحن بعد ذلك أحدًا.
وهذه القصة رويت من طرق وفيها زيادة، وليس هذا محل إيرادها وإنما ذكرت ما ذكره ابن الجوزي.
قال المهتدي بالله: ولما سمعت هذا الكلام من الشيخ رجعت عن هذه المقالة، وأظن أن الواثق رجع عنها أيضًا منذ ذلك الوقت.
стр. 193
أما قصته مع المتوكل:
فقد ولي المتوكل على الله بعد الواثق في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومئتين وسنّه ست وعشرون سنة يومئذٍ، فأظهر الله به السنة، وكشف تلك الغمة، فشكره الناس على ما فعل، قال إبراهيم بن محمد التيمي: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق قاتل أهل الردة حتى استجابوا له، وعمر بن عبد العزيز ردَّ مظالم بن أمية، والمتوكل محا البدعة وأظهر السنّة.
وقال علي بن الجهم: قال المتوكل: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقمت إليه، فقال: تقوم إليّ وأنت خليفة؟ فقلت له: أبشر يا أمير المؤمنين، أما قيامك إليه فقيامك بالسنّة، وقد عدّك من الخلفاء. فسرّ بذلك.
وقال ابن عرفة: لما كان في سنّة أربع وثلاثين ومئتين أشخص المتوكل الفقهاء والمحدثين، وكان فيهم مصعب الزبيري، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وعثمان بن أبي شيبة، فقسَّمت بينهم الجوائز، وأجريت عليهم الأرزاق، وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس، وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية، وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية، فجلس ابن أبي شيبة في مدينة المنصور، ووضع له منبر، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفًا.
ولما مضى خمس سنين من ولايته بعث بتسيير أحمد بن حنبل، فأشخص إليه حتى وصل إلى بصرى فقيل له: ارجع. فقال ابنه صالح: يا أبت، أرجو أن تكون خيرة. فقال: لم أزل أدعو الله أن لا أراه.
وقال صالح بن أحمد: جاء كتاب المتوكل إلى أبي فقرئ عليه، فكأنهم أومؤوا إلى أن عندهم علويًا، فقال أبي: ما أعرف من هذا شيئًا، وإني لأرى طاعته في العسر واليسر والمَنْشَط والمكره والأَثَرَة، وإني لأَتأسف على تخلفي عن الصلاة في جماعة، وعن حضور الجمعة، ودعوة المسلمين، وقد كان إسحاق وجه إليه قبل ذلك قبل موته: الزم بيتك، ولا تخرج إلى جمعة ولا إلى جماعة، وإلا نزل بك ما نزل بك. فقال ابن الكلبي: قد أمرني أمير المؤمنين أن أحلفك أن ما عندك طَلِبَته، أفتحلف؟
стр. 194
قال: إن استحلفوني حلفت. فأحلفه بالله وبالطلاق أن ما عندك طَلِبَة أمير المؤمنين. قال: أريد أن أفتش بيتك. فقام ومعه امرأتان، ففتش البيت، وفتش المرأتان النساء، ثم دخلوا منزلي ففتشوا، ودلوا شمعة في البئر فنظروا، ووجهوا النسوة ففتشوا الحرم، ثم خرجوا، فلما كان بعد يومين ورد كتاب علي بن الجهم: إن أمير المؤمنين قد صح عنده براءتك فيما قرفت به، وقد كان أهل البدع مدوا أعينهم، فالحمد لله الذي لم يشمتهم بك، وقد وجه إليك أمير المؤمنين بالخروج، فالله الله أن تستعفي أو ترد المال: وأرسل إليه المتوكل بالرجل الذي يسعى به ليقول فيه مقالة، فعفا عنه أحمد وقال: لعله يكون له صبيان يحزنهم قتله.
стр. 195
(ذكر قصة خروجه إلى العسكر بعد انقضاء التهمة وما جرى بينه وبين المتوكل بعد عوده من العسكر)
قال صالح بن أحمد: ورد كتاب علي بن الجهم: إن أمير المؤمنين قد وجه إليك يعقوب المعروف بقَوْصرة، ومعه جائزة، ويأمرك بالخروج، فالله الله أن تستعفي أو ترد المال فيتسع القول لمن يبغضك. فلما كان من الغد ورد يعقوب، فدخل إليه فقال: يا أبا عبد الله، أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: قد صح عندنا نقاء ساحتك، وقد أحببت أن آنس بقربك وأن أتبرك بدعائك، وقد وجهت إليك عشرة آلاف درهم معونة على سفرك. وأخرج بدرة فيها صرة نحو من مئتي دينار، والباقي دراهم صحاح، فلم ينظر إليها، فشدها يعقوب وقال له: أعود غدًا حتى أنظر ما تعزم عليه. وقال له: يا أبا عبد الله، الحمد لله الذي لم يشمت بك أهل البدع. وانصرف، فجئت بإجَّانة خضراء فكببتها على البدرة، فلما كان عند المغرب قال: يا صالح، خذ هذا صيّره عندك. فصيرتها عند رأسي فوق البيت، فلما كان سحرًا إذا هو ينادي: يا صالح، فقمت، فصعدت إليه، فقال: ما نمت ليلتي هذه. فقلت: لم يا أبتِ؟ فجعل يبكي، وقال: سلمت من هؤلاء حتى إذا كان في آخر عمري تلبثت بهم، قد عزمت على أن أفرق هذا الشيء إذا أصبحت. فقلت: ذلك إليك. فلما أصبح جاءه الحسن البزار والمشايخ، فقال: جئني يا صالح بميزان. فقال: وجه إلى أبناء المهاجرين والأنصار. ثم قال: وجه إلى فلان. حتى يفرق في ناحية. وإلى فلان، فلم يزل حتى فرقها كلها، ونفضت الكيس، ونحن في حالة الله بها عليم، وكتب صاحب البريد: إنه قد تصدق بالدراهم من يومه، حتى تصدق بالكيس.
قال علي بن الجهم: فقلت له: يا أمير المؤمنين، قد علم الناس أنه قبل منك، وما يصنع أحمد بالمال، فإنما قوته رغيف. فقال: صدقت يا علي.
قال صالح: ثم أخرجنا ليلًا معنا حراس معهم النفَّاطات، فلما أضاء الفجر قال
стр. 196
لي: يا صالح، معك دراهم؟ قلت: نعم. قال: أعطهم. فأعطيتهم درهمًا درهمًا، فلما صرنا إلى الحنّاطين قال يعقوب: قفوا ها هنا، ثم وجه إلى المتوكل يعلمه بمصيرنا، فدخلنا العسكر وأبي منكس الرأس، ثم جاء وصيف يريد الدار، فلما نظر إلى الناس وجمعهم قال: ما هؤلاء؟ قالوا: هذا أحمد بن حنبل، فوجه إليه بعدما جاز يحيى بن هَرْثَمة فقال: الأمير يقرئك السلام ويقول: الحمد لله الذي لم يشمت بك أهل البدع، قد علمت ما كان حال ابن أبي دؤاد، وينبغي أن تتكلم بما يحب الله ، ثم أنزل دار إيتاخ، فجاء علي بن الجهم فقال: أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان التي فرقها، وأمر أن لا يعلم بذلك أحمد فيغم. ثم جاءه أحمد بن معاوية فقال: إن أمير المؤمنين يكثر ذكرك، ويشتهي قربك وأن تقيم ها هنا تحدث، فقال: أنا ضعيف، ثم وضع أصبعه على أسنانه، فقال: إن بعض أسناني يتحرك وما أخبرت بذلك ولدي، ثم وجه إليه: ما تقول في بهيمتين انتطحتا، فعقرت إحداهما الأخرى فسقطت فذُبحت؟ فقال: إن كان طرفَ بعينه أو مصعَ بذنبه وسالَ دمُه فيؤكل:
ثم صار إلى يحيى بن خاقان فقال: يا أبا عبد الله قد أمرني أمير المؤمنين أن أسيرَ إليك لتركبَ إلى أبي عبد الله ولدِه، وأمرني أن أقطع لك سوادًا وطيلسانًا وقلنسوة، فأي قلنسوة تلبس؟ فقلت: ما رأيته لبس قلنسوة قط، وقال: إن أمير المؤمنين أمر أن نصير لك مرتبة في أعلى، ويصير أبو عبد الله في حِجرك، ثم قال لي: قد أمر أمير المؤمنين أن يجري عليكم وعلى قراباتكم أربعة آلاف درهم، ثم عاد يجيء من الغد، فقال: يا أبا عبد الله تركب؟ فقال: ذاك إليك، فقال: استخر الله ، فلبس إزاره وخفيه، وكان خفُّه قد أتى عليه نحو من خمسة عشر سنة مرقوعًا برقاع عدة، فأشار يحيى أن يلبس قلنسوة فقلت: ما له قلنسوة، ولا رأيته لبس قلنسوة، فقال: كيف يدخل حاسرًا وطلبنا له دابة يركبها؟ قال يحيى: فصلى فجلس على التراب وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ثم ركب بغلَ بعض التجار فمضينا معه، حتى إذا دخل دار أبي عبد الله أُجلس في بيت في الدهليز، ثم جاء يحيى فأخذ بيده، حتى أدخله ورفع الستر ونحن ننظره، فقال له: يا أبا عبد الله إن أمير المؤمنين جاء بك ليتبرك بقربك، ويصيِّر أبا عبد الله في حجرك.
стр. 197
قال بعض الخدام: وكان المتوكل قاعدًا وراء الستر، فلما أدخل أحمد الدار قال لأمه: قد أنارت الدار، ثم جاء خادم بمنديل، فأخذ يحيى المنديل، وأخرج مبطنة فيها قميص، فأدخل يده في جيب القميص والمبطنة، ثم أخذ بيده فأقامه حتى أدخل جيب القميص والمبطنة في رأسه، ثم أدخل يده فأخرج يده اليمنى وكذا اليسرى وهو لا يحرك يده، ثم أخرج قلنسوة فوضعها على رأسه، وألبسه طيلسانًا، ولم يجيؤوا بخف، فبقي الخفُّ عليه، ثم انصرف، فلما صار إلى الدار نزع الثياب عنه وجعل يبكي، ثم قال: سلمتُ من هؤلاء منذ ستين سنة، حتى إذا كان في آخر عمري بُليت بهم! ما أحسبني سلمتُ من دخولي على هذا الغلام، فكيف بمن يجب عليّ نصحه من وقت أن تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟ ثم قال يا صالح وجِّه هذه الثياب إلى بغداد تباع ويتصدق بثمنها، ولا يشتري أحد منكم شيئًا، فبيعت وفرق ثمنها.
قال صالح: فأخبرناه أن الدار التي هو فيها لإِيتاخ. فقال: اكتب رقعة، إلى محمد بن الجراح استعف لي من هذه الدار، فكتبنا رقعة فأمر المتوكل أن يُعفى منها، ووجه إلى قوم أن يخرجوا من منازلهم، فسأل أن يُعفى من ذلك، فاكتُرِيَتْ لنا دار بمئتي درهم، فصار إليها، وأجريت لنا مائدة وثلج، وضرب الخيش وفرش الطبري، فلما رأى الخيش والطبري تنحى عن ذلك الموضع، وألقى نفسه على مضربة له، واشتكت عينه ثم برأت بسرعة.
قال أبو بكر المروذي: قال لي أحمد ونحن بالعسكر: لي اليوم ثمان منذ، لم آكل ولم أشرب إلا أقل من ربع سويق. وكان يمكث ثلاثًا لا يطعم، فإذا كانت الرابعة أضع بين يديه قدر نصف ربع سويق، فربما شربه، وربما ترك بعضه. وقال صالح: جعل أبي يواصل في العسكر، يفطر في كل ثلاث على تمر شهريز، فمكث بذلك خمسة عشر يومًا، يفطر في كل ثلاث، ثم جعل بعد ذلك يفطر ليلة وليلة لا يفطر إلا على رغيف، وكان إذا جيء بالمائدة توضع في الدهليز لكي لا يراها، فيأكل من حضر، وكان إذا جهده الحر تُلقَى له خرقة فيضعها على صدره، وفي كل يوم يوجه المتوكل بابن ماسَويْهِ ينظر إليه ويقول: يا أبا عبد الله، أنا أميل إليك وإلى أصحابك،
стр. 198
وما بك من علة إلا الضعف وقلة الرِّزّ، وإن عبادنا ربما أمرناهم بأكل دهن الحل فإنه يلين، وجعل يجيئه بالشيء ليشربه فيصبه.
وجعل يعقوب وعتاب يصيران إليه فيقولان له: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول في ابن أبي دؤاد وفي ماله؟ فلا يجيب في ذلك شيئًا، وجعلا يخبرانه بما يحدث من أمر ابن أبي دؤاد في كل يوم، ثم أصدر ابن أبي دؤاد إلى بغداد بعد ما أشهد عليه ببيع ضياعه، وكان ربما صار إليه يحيى وهو يصلي، فيجلس في الدهليز حتى يفرغ ويجيء علي بن الجهم فينزع سيفه وقلنسوته ويدخل عليه.
وأمر المتوكل أن يُشترى لنا دار فقال لي: يا صالح. قلت: لبيك. قال: لئن أقررت لهم بشراء دار لتكونن القطيعة بيني وبينك، إنما يريدون أن يصيروا هذا البلد لي مأوى ومسكنًا، فلم يزل يدفع شراء الدار حتى اندفع، وصار إليّ صاحب المنزل فقال: أعطيك كل شهر ثلاثة آلاف درهم مكان المائدة، فقلت: لا وجعلت رسل المتوكل تأتيه يسألونه عن خبره فيصيرون إليه فيقولون له: هو ضعيف، وفي خلال ذلك يقولون: يا أبا عبد الله لا بدّ له من أن يراك، فيقول: وما علمهم من أنه لا بدّ أن يراني.
وجاء يعقوب فقال: يا أبا عبد الله أمير المؤمنين مشتاق إليك، ويقول: انظر اليوم الذي تصير إليّ فيه: أي يوم هو حتى أعرفه؟ فقال: ذلك إليكم، فقال: يوم الأربعاء يوم خالٍ، ثم خرج يعقوب، فلما كان من الغد جاء فقال: البشرى يا أبا عبد الله أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: قد أعفيتك عن لبس السواد والركوب إلى ولاة العهد وإلى الدار، فإن شئت فالبس القطن، وإن شئت فالبس الصوف، فجعل يحمد الله على ذلك، ثم قال له يعقوب: لي ابن وأنا به معجب، وله من قلبي موقع، فأحب أن تحدثه بأحاديث، فسكت، فلما خرج قال: أتُراه ما يرى ما أنا فيه، لو بلغ أنفه السماء ما حدثته، لا أحدث حتى يوضع الحبل في عنقي.
وقال صالح: كان أبي يختم من جمعة إلى جمعة، فإذا ختم يدعو ونؤمِّنُ على دعائه، فلما فرغ جعل يقول: أستخير الله، مرارًا، فجعلت أقول ما يريد؟ قال: أُعطي
стр. 199
الله عهدًا إنَّ عهدَه كان مسؤولًا وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أني لا أحدث حديثًا تامًا أبدًا حتى ألقى الله ، ولا أستثني منكم أحدًا.
وجاء علي بن الجهم: فأخبرناه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وأخبر المتوكل بذلك.
وقال أبي: تريدون أن أحدث فيكون هذا البلد حبسي، وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلد أنهم أُعطوا فقبلوا، وأُمروا فحدَّثوا.
وكان يدخل عليه يحيى ويعقوب وعتاب وغيرهم، فيتكلمون وهو مغمض العين يتعلل، وضعف ضعفًا شديدًا، فكانوا يخبرون المتوكل فيتوجع لذلك، ويوجه إليه في كل وقت يسأله عن حاله، وفي خلال ذلك يأمر لنا بالمال، فيقول: يوصل إليهم ولا يُعلم شيخهم، ويقول: ما يريد منهم إن كان هو لا يريد الدنيا؟ فلا يمنعهم.
وقالوا للمتوكل: إنه لا يأكل من طعامك ولا يجلس على فراشك، ويحرم هذا الشراب الذي تشرب، فقال: لو نُشر المعتصم فقال فيه شيئًا لم أقبله.
قال صالح: ثم انحدرت إلى بغداد وخلفت عبد الله عنده، فإذا عبد الله قد قدم وجاء بثيابي التي كانت عنده فقلت: ما حالك؟ فقال: قال لي: انحدر وقل لصالح لا يجيء، فأنتم كنتم آفتي، والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أخرجت واحدًا منكم معي، ولولا مكانتكم لمن كانت توضع هذه المائدة؟ ولمن كانت تفرش هذه الفرش؟ ويجرى له هذا الشيء؟ فكتبتُ أُعلمه بما قال عبد الله، فكتب بخطه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أحسن الله عاقبتك، ودفع عنك السوء برحمته، كتابي إليك وأنا بأنعم من الله متظاهرة، وأسأله تمامها، والمعونةَ على أداء شكرها، قد انفكت عنا عقد إنما كان حبس من كان ها هنا لمّا أُعطوا فقبلوا، وأجري عليهم فصاروا في الحدّ الذي صاروا إليه، وحدَّثوا فدخلوا عليهم، فنسأل الله أن يعيذنا من شرهم، وأن يخلصنا، فقد كان ينبغي لكم لو فديتموني بأموالكم وأهليكم لهان ذلك عليكم للذي أنا فيه، ولا يكبر عليكم ما أكتب به إليكم، فالزموا بيوتكم لعل الله أن يخلصنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 200
ثم ورد عليّ غير كتاب بنحو من هذا، فلما خرجنا رُفعت المائدة والفرش وكل ما كان أقيم لنا، وأوصى وصية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أوصى به أحمد بن حنبل، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله في العابدين، ويحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين، وأوصى أني رضيت بالله ربًا وبالإِسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا، وأوصي أن لعبد الله بن محمد المعروف بفوران عليه نحو من خمسين دينارًا، وهو مصدق فيما قال، فيُقضى ماله عليه من غلة الدار إن شاء الله، فإذا استوفى ما كان له أعطي ولد صالح، وكل ذكر وأنثى، عشرة دراهم عشرة دراهم بعد وفاء مال أبي محمد، شهد أبو يوسف، وصالح، وعبد الله ابنا أحمد بن حنبل.
أما ما جرى بينه وبين المتوكل بعد عوده من العسكر:
فقال صالح: كان رسول المتوكل يأتي إلى أبي يبلغه السلام ويسأله عن حاله بعد عوده من العسكر، فنسر نحن بذلك، وتأخذه نفضة حتى ندثره، ثم يقول: والله لو أن نفسي في يدي لأرسلتها، ويضم أصابعه ثم يفتحها، فقدم المتوكل ونزل الشماسة، يريد المدائن، فقال: يا صالح أحب أن لا تذهب إليهم ولا ترنيهم. قال: نعم، فلما كان بعد يوم وأنا قاعد خارجًا وكان يومًا مطيرًا إذا يحيى بن خاقان قد جاء والمطر عليه في موكب عظيم، فقال: سبحان الله لم تصر إلينا حتى تبلغ أمير المؤمنين عن شيخك حتى وجه بي. ثم نزل خارح الزقاق فجهدت به أن يدخل على الدابة فلم يفعل، وجعل يخوض الطين، فلما صار إلى الباب نزع جرموقًا كان على خفه ودخل البيت، وأبي في الزاوية قاعد عليه كساءٌ مرّقع، والستر الذي على باب البيت قطعة خيش، فسلَّم عليه وقبَّل جبهته وسأله عن حاله وقال: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام، ويقول: كيف أنت في نفسك؟ وكيف حالك؟ قد أَنِسْتُ بقربك، ويسألك أن تدعو الله له، فقال: ما يأتي عليّ يوم إلا وأنا أدعو الله له، ثم قال
стр. 201
له: قد وجه معي ألف دينار تفرقها على أهل الحاجة، فقال: يا أبا زكريا أنا في البيت منقطع عن الناس، وقد أعفاني مما أكره وهذا مما أكره. فقال: يا أبا عبد الله، الخلفاء لا يحتملون هذا كله، فقال: يا أبا زكريا تلطف في ذلك، ودعا له ثم قام، فلما صار إلى الدار رجع، فقال: هكذا لو وجه إليك بعض إخوانك كنت تفعل؟ قال: نعم!. قال صالح: فلما صرنا إلى الدهليز قال: قد أمرني أمير المؤمنين أن أدفعها إليك تفرقها في أهل بيتكم، فقلت: تكون عندك حتى تمضي هذه الأيام. وقلّ يوم يمضي إلا ورسول المتوكل يأتيه، فقال أبي بعد ذلك: لقد تمنيت الموت، وهذا أمر أشد عليّ من ذلك، ذاك فتنة الدين الضرب والحبس، كنت أحتمله في نفسي، وهذه فتنة الدنيا. فقلت له: أي شيء كان لو أخذتها فقسمتها، فكلح وجهه وقال: إذا أنا قسمتها، أي شيء كنتُ أريد، أكون له قهرمان؟!.
قال صالح: وكتب عبيد الله بن يحيى إلى أبي يخبره أن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إليك أسألك عن القرآن مسألة معرفة وبصيرة، لا مسألة امتحان، فأملى عليّ: إلى عبيد الله بن يحيى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أحسن الله عاقبتك يا أبا الحسن في الأمور كلها، ورفع عنك مكاره الدنيا والآخرة برحمته، قد كتبت إليك رضي الله عنك بالذي سأل عنه أمير المؤمنين بما حضرني، وإني أسأل الله أن يديم توفيق أمير المؤمنين، فقد كان الناس في خوض من الباطل واختلاف شديد يغتمسون فيه، حتى أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين، فنفي الله بأمير المؤمنين كل بدعة، وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذل وضيق المجالس، فصرف الله ذلك كله وأذهبه بأمير المؤمنين، ووقع ذلك من المسلمين موقعًا عظيمًا، ودعوا الله لأمير المؤمنين، فأسأل الله أن يستجيب في أمير المؤمنين صالح الدعاء، وأن يتم ذلك له، وأن يزيد في بيته، ويعينه على ما هو فيه، فقد ذُكر عن ابن عباس أنه قال: لا تضربوا بكتاب الله بعضه ببعض، فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم. وذُكر عن عبد الله بن عمرو: أن نفرًا كانوا جلوسًا بباب النبي ﷺ ، فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا؟ فسمع رسول الله ﷺ فخرج، فقال: "بهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما هنا في شيء، انظروا
стр. 202
الذي أُمِرْتُم به، فاعملوا به، وانظروا الذي نُهيتم عنه فانتهوا عنه". وذكر أحاديث، ثم قال: ولقد قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فأخبر أن الخلق غير الأمر، وذكر آيات، وقال: لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله أو في حديث رسول الله ﷺ ، أو عن أصحابه، أو عن التابعين.
стр. 203
(ذكر ما جرى له مع ابن طاهر من طلب استزارته وامتناعه عليه، وما جرى له مع ولديه وعمه حين قبلوا صلة السلطان، وذكر الذين أجابوا في المحنة والذين لم يجيبوا)
قال صالح: قدم محمد بن عبد الله بن طاهر فوجَّه إلى أبي: إني أحب أن تصير إليَّ، وتعلمني اليوم الذي تعزم عليه حتى لا يصير عندي أحد، فوجَّه إليه: أنا لم أخالط السلطان، وقد أعفاني أمير المؤمنين مما أكره، وهذا مما أكره، فجهد في أن يصير إليه فأبى، فكتب إلى إسحاق بن إبراهيم: إنَّي دخلت على طاهر بن عبد الله. فقال: يا أبا يعقوب: كتب إليّ محمد أنه وجَّه إلى أحمد ليصير إليه فلم يأته، فقلت: أصلح الله الأمير. إن أحمد قد حلف أن لا يحدِّث، فلعله كره أن يصير، إليه فيسأله أن يحدِّثه. فقال: ما تقول؟ قلت: نعم. قال صالح: فأخبرت أبي بذلك فسكت.
وإنَّما امتنع أحمد من زيارة ابن طاهر لأنه كان سلطانًا، وإلَّا فقد كان يزور أهل الدِّين والعلم.
وقال عبد الله بن أحمد: لما أطلق أبي من المحنة خشي أن يجيء إليه إسحاق بن رَاهُوْيَه، فرحل أبي إليه، فلما بلغ أبي إلى الرَّي دَخل أبي مسجدًا فجاءه مطر كأفواه القرب، فلما كانت العتمة قالوا له: اخرج من المسجد فإنَّا نريد أن نغلقه، فقال لهم: هذا مسجد الله وأنا عبد الله، فقالوا له: أيما أحبُّ إليك أن تخرج، أو أن تُجَرَّ بِرِجْلِكَ؟ فقال أبي: سلامًا، فخرج من المسجد والمطر والرعد والبرق، فكان لا يدري أين يضع رجله، ولا أين يتوجَّه، فإذا رجل قد خرج من داره فقال له: يا هذا أين تمر في هذا الوقت؟ فقال: لا أدري أين أمُرُّ. فقال له: أدخل فأدخله دارًا، ونزع ثيابه، وأعطوه ثيابًا جافة، وتطهَّر للصلاة، فدخل إلى بيت فيه كانون فحم ولبود ومائدة منصوبة، فقيل له: كُلْ فأكل معهم. فقال له: من أين أنت؟ فقال: من بغداد.
стр. 204
فقال: تعرف رجلًا يقال له أحمد بن حنبل؟ فقال أنا أحمد بن حنبل. فقال: وأنا إسحاق بن رَاهُوْيَه.
أمَّا ما جرى له مع ولديه وعمه حين قبلوا صلة السلطان:
فقال صالح: لما قدم أبي من عند المتوكل مكث قليلًا، ثم قال: يا صالح، قلت: لبيك. قال: أحب أن تدع هذا الرزق فلا تأخذه، ولا توكِّل فيه أحدًا، قد علمتُ أنكم إنما تأخذون هذا بسببي، فإذا أنا مت فأنتم تعلمون، فسكتّ. فقال: مالك؟ فقلت: أكره أن أعطيك شيئًا بلساني وأخالف إلى غيره؛ فأكون قد كذبتك ونافقتك، وليس في القوم أكثر عيالًا مني ولا أعذر، وقد كنت أشكو إليك فتقول: أمرك منعقد بأمري، ولعل الله أن يحل عني هذه العقدة، وقد كنتَ تدعو لي وأرجو أن يكون الله قد استجاب لك. فقال: ولا تفعل؟ فقلت: لا. فقال: قم فعل الله بك وفعل، ثم أمر بسد الباب بيني وبينه، فتلقاني عبد الله وسألني فأخبرته، فقال: ما أقول؟ قلت: ذاك إليك. فقال له مثل ما قال لي: فقال: لا أفعل، فكان منه نحو مما كان منه إليّ. ولقينا عمه فقال: لم أردتم أن تقولوا له؟ وما كان علمه إذا أخذتم شيئًا؟ فدخل عليه وقال: يا أبا عبد الله: لستُ آخذ شيئًا من هذا، فقال: الحمد لله. فهجرنا وسدَّ الأبواب بيننا وتحامى منازلنا أن يدخل منها إلى منزله شيء، وقد كان قديمًا قبل أن نأخذ من السلطان يأكل عندنا، وربَّما وجَّهنا بالشيء فيأكل منه ولما مضى نحو من شهرين كُتِبَ لنا بشيء فجيء به إلينا، فأول من جاء عمُّه فأخذ، فَأُخبِر فجاء إلى الباب الذي كان سدَّه بيني وبينه، وقد فتحَ الصبيان كُوَّة فقال: ادعوا لي صالحًا. فجاءني الرسول فقلت له: لست أجيء. فوجَّه إليَّ: لِمَ لا تجيء؟ فجيئت فقلت له: هذا الرزق يرتزقه جماعة كثيرة، وإنما أنا واحد منهم، وليس فيهم أعذر مني، فإذا كان توبيخ خصصت به أنا؟ فمضى فلما نادى عمُّه بالأذان خرج. قيل لي: إنه قد خرج إلى المسجد، فجئت حتى صرت إلى الموضع الذي أسمع كلامه، فلما فرغ من الصلاة التفت إلى عَمَّه فقال: يا عدو الله! نافقتني وكذبتني، وكان غيرك أعذر منك! زعمتَ أنك لا تأخذ من هذا شيئًا ثم أخذتَ، وأنت تشغل مائتي درهم، وعمدتَ إلى طريق
стр. 205
المسلمين تستغلُّه. إنَّما أشفق أن تُطَوَّقَه يوم القيامة من سبع أرضين. ثم هجره، وترك الصلاة في المسجد، وخرج إلى مسجد خارج يصلي فيه.
وقال صالح: بلغ أبي زمان هجره لنا أنه قد كتب لنا بشيء إلى دورنا، فجاء إلى الكوة التي في الباب، فقال: يا صالح انظر ما كان للحسن وأم علي فاذهب به إلى فُورَانَ حتى يتصدق به في الموضع الذي أخذ منه. فقلت له: ما عِلْم فُوران من أي موضع أخذ؟ فقال: افعل ما أقول. فوجهتُ ما كان أضيف إليهما إلى فُوران.
وكان إذا بلغه أنَّا قد قَبِلْنا، طوى تلك الليلة فلم يفطر، ثم مكث شهرًا لا أدخل عليه، ثم فتح الصبيان الباب ودخلوا غير أنه لا يدخل إليه شيء من منزلي، ثم وجَّهت إليه: يا أبت قد طال هذا الأمر، وقد اشتقت إليك. فسكتَ فدخلت عليه فأكببتُ عليه وقلت: يا أبتِ تدخل على نفسك هذا الغم؟ قال: يا بني ما لا أملكه. ثم مكثنا مدة لم نأخذ شيئًا، ثم كُتِبَ لنا بشيء فقبضناه، فلما بلغه هَجَرَنا شهرًا، فكلَّمه فوران، ووجه إليّ فوران، فدخلت فقال: يا أبا عبد الله صالح وحبك. فقال: يا أبا محمد، لقد كان أعز الخلق عليّ، وأي شيء أردت له إلا ما أردت لنفسي. فقلت له: يا أبتِ ومن رأيتَ أنتَ ممن لقيتَ قوي على ما قويتَ عليه أنت؟ قال: وتحتجُّ عليَّ؟ ثم كتب إلى يحيى بن خاقان يسأله ويعزم عليه أن لا يعيننا على شيء من أرزاقنا، ولا يتكلم فيها. فلما وصل رسوله بالكتاب إلى يحيى أخذه صاحب الخبر، فأخذ نسخته ووصلت إلى المتوكل. فقال لعبيد الله: كم من أشهر لولد أحمد بن حنبل؟ فقال: عشرة أشهر. فقال: يحمل إليهم الساعة أربعون ألف درهم من بيت المال صحاح ولا يُعْلم بها، فقال يحيى: أنا أكتب إلى صالح أعلمه. فورد عليّ كتابهُ، فوجهت إلى أبي أعلمه. فقال الذي أخبره: إنه سكت قليلًا، وضرب بذقنه صدره، ثم رفع رأسه وقال: ما حيلتي إذا أردت أمرًا وأراد الله أمرًا؟.
أمّا الذين أجابوا في المحنة والذين لم يجيبوا:
فقد أجاب من كبار العلماء: علي بن الجعد، وإسماعيل بن عُلَيَّة، وسعيد بن سليمان الواسطي سَعْدُويَه، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وأبو حَيَّان الزيادي، وبشر بن
стр. 206
الوليد، وعبيد الله القواريري، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، والحسن بن حماد سجّادة، وإسماعيل بن أبي مسعود، ومحمد بن سعد، ومحمد بن إبراهيم الدَّورقي، وإسماعيل بن داود، ويحيى بن معين، وعلي ابن المديني، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأبو نصر التمَّار، وأبو كريب في آخرين. وكلهم قد هجرهم أحمد بن حنبل وترك الحديث عنهم.
وأما من لم يجب فهم كثير أيضًا منهم: أحمد بن نصر، ومحمد بن نوح، ونُعَيم بن حماد، والفضل بن دُكَيْن، وعفَّان، والبويطي، وإسماعيل بن أبي أويس وأبو مصعب، ويحيى الحمَّاني، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. والمقصود منهم أحمد بن حنبل لجلالة قدره وعظيم موقعه.
стр. 207
(ذكر مرضه، وحاله عند احتضاره، وتاريخ موته، ومبلغ سنِّه، وغسله، وكفنه، والصَّلاة عليه، وما جرى عند حمل جنازته، ودفنه، وما خلَّفه من التركة، وتأثير موته عند الإِنس والجن، والتعازي به، والأشعار التي مدح بها في حياته ورثي بها بعد موته، والمنامات التي رآها أحمد أو رئي فيها أو رئيت له)
أما مرضه وحاله عند احتضاره وتاريخ موته ومبلغ سنه:
فكان يقول: استكملت سبعًا وسبعين سنة ودخلتُ في الثامنة. فحمَّ من ليلته ومات يوم العاشر سنة إحدى وأربعين.
ودخل عليه رجل وهو في الحبس فقال له: كيف تجدك يا أبا عبد الله؛ فقال: بخير في عافية والحمد لله. فقيل له: حممت البارحة؟ فقال: إذا قلتُ أنا في عافية فحسبكم. لا تحوجوني إلى ما أكره.
وقال صالح: لما كان في أوَّل يوم من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئتين حُمَّ أبي ليلة الأربعاء، فدخلت عليه يوم الأربعاء وهو محموم يتنفس تنفسًا شديدًا، وكنت قد عرفت علَّته، وكنت أمرضه إذا اعتلَّ، فقلت له: يا أبتِ على ما أفطرت البارحة؟ قال: على ماء باقلَّا. ثم أراد القيام فقال: خذ بيدي. فأخذت بيده، فلما صار إلى الخلاء ضعفت رجلاه حتى توكَّأ عليّ. وكان يختلف إليه متطببون كلهم مسلمون، فوصف له متطبب قَرْعَةً تشوى ويسقى ماءها. فقال: يا صالح. فقلت: لبيك. قال: لا تشوى في منزلك، ولا في منزل أخيك عبد الله.
وصار الفتح بن سهل إلى الباب يعوده فحجبته، فأتى علي بن الجعد فحجبته، وكثر الناس. فقلت: يا أبتِ قد كثر الناس. فقال: وأي شيء ترى؟ قلت: تأذن لهم؛
стр. 208
فيدعون لك. فقال: أستخير الله، فجعلوا يدخلون عليه أفواجًا، حتى تمتلئ الدار، فيسئلونه، ويدعون له، ثم يخرجون، ويدخل فوج آخر، وكثر الناس، وامتلأ الشارع، وأغلقنا باب الزقاق. وجاء رجل من جيراننا قد خَضَبَ فدخل عليه فقال: إنَّي لأرى الرَّجل يُحيي شيئًا من السُّنَّة فأفرحُ به، فدخل فجعل يدعو له ولجميع المسلمين. وجاء رجل فقال: تلطَّف لي بالإِذن عليه؛ فإني قد حضرتُ ضربه يوم الدار، وأريد أن أستحله. فقلت له: فأمْسَكَ. فلم أزل به حتى قال: أدخِله. فأدخلته، فقام بين يديه وجعل يبكي ويقول: أنا كنت ممن حضر ضربك، وقد أتيتك، فإن أحببت القِصَاص فأنا بين يديك، وإن رأيت أن تحلِّلَني فعلتَ. فقال: على أن لا تعود لمثل ذلك. قال: نعم. قال: قد جعلتك في حِلٍّ فخرج يبكي، وبكى من حضر من الناس.
وكان له في خُريقة قطيعات فإذا أراد الشيء أعطينا من يشتري له، فقال لي يوم الثلاثاء: انظر هل في خُريقتي شيء؟ فنظرت فإذا فيها دراهم. فقال: وجّه فاشترِ تمرًا وكفَّر عني كفَّارة يمين ففعلتُ، وبقي بعد ذلك ثلاثة دراهم. فأخبرته، فقال: الحمد لله. ثم قال: اقرأ عليَّ الوصية فقرأتها، فأقرّها. قال صالح: فلمَّا كان قبل وفاته بيومين قال: ادعوا الصِّبيان - بلسان ثقيل - فجعلوا ينضمُّون إليه، وهو يشمهم ويمسح بيده رؤوسهم، وعينه تدمع. فقيل له: لا تهتم لهم يا أبا عبد الله. فأشار بيده، فظننَّا أنَّ معناه: إني لم أرد هذا المعنى.
وكان يصلي قاعدًا، ويصلي وهو مضطجع، لا يكاد يفتر، ويرفع يديه في إيماء الركوع. وأدخلتُ الطَّستَ تحته فرأيت دمًا عبيطًا في بول، فقلت للطبيب، فقال: هذا رجل قد فتَّتَ الحزنُ والغمُّ جوفه. واشتدَّت به العلة يوم الخميس ووَضَّأتُه، فقال: خلِّل الأصابع، فلمَّا كانت الجُمُعَة وظننت أنَّه قد قبض، وأردنا أن نمدِّدَه، فجعل يقبض قدميه، وهو موجه، وجعلنا نلقنه ونقول: لا إله إلا الله، ونردِّدُ ذلك عليه، وهو يهلِّل، وتوجَّه إلى القِبْلة، واستقبلها بقدميه، فلما كان يوم الجمعه، اجتمع الناس حتى ملؤوا السكك والشوارع، فلما كان صدر النَّهار قُبِضَ، فصاح الناس، وعلت
стр. 209
الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجت، وقعد الناس حتى خفنا أن ندع الجمعة، فأشرفت عليهم فأخبرتهم أنا نخرجه بعد صلاة الجمعة.
وكان قد أوصى وهو في الحبس أن يجعل على كل عين شعرة من شعر النبي ﷺ ، وعلى لسانه شعرة، وكانت ثلاث شعرات عند أحمد يتبرَّك بها، ففعل به ذلك.
وكان لا يئن في مرضه، ويستدل بحديث طاووس أنه كان يكره الأنين في المرض.
أما حاله عند احتضاره:
فقال عبد الله: لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده وبيدي الخرقة لأشدَّ بها لحييه، فجعل يغرق ثم يفيق، ثم يفتح عينيه، ويقول بيده هكذا لا بَعْد لا بَعْد ثلاث مرات، ففعل هذا مرة ثانية، فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبتِ أي شيء هذا قد لهجت به في هذا الوقت، تغرق حتى نقول قد قضيتَ ثم تعود فتقول: لا بعد لا بعد لا بعد؟ فقال: يا بني ما تدري؟ قلت: لا. قال: إبليس لعنه الله قائم حذائي عاضٌّ على أنامله يقول: يا أحمد فُتَّنِي. وأنا أقول: لا بَعْدُ حتى أموت.
وكان يحرك لسانه إلى أن توفي.
أما تاريخ وفاته ومبلغ سنه:
فقال حنبل بن إسحاق: مات أحمد يوم الجمعة في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئتين وهو ابن سبع وسبعين سنة. وقال غيره: مات لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئتين، وذلك بعد طلوع الشمس يوم الجمعة، ودفن قبل غروب الشمس.
وموته يوم الجمعة زيادة فضيلة، فقد توفي فيها سادات، وورد أن الموت فيها وقاية من فتنة القبر.
وممن مات فيها غيره:
عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والحسين بن علي، والعباس بن
стр. 210
عبد المطلب، والحسن البصري، وابن سيرين، وخلق كثير رحمهم الله تعالى.
أما غسله، وكفنه، والصلاة عليه، وما جرى عند حمل جنازته، ودفنه، وما خلف من التركة:
فقال صالح: لما توفي أبي واجتمع الناس في الشوارع، وجهتُ إليهم أُعلمهم بوفاته، وأني أخرجه بعد العصر، ووجَّه ابن طاهر بحاجبه مظفر ومعه غلامان، معهم مناديل فيها ثياب وطيب، فقالوا: الأمير يقرئك السلام ويقول: قد فعلت ما لو كان أمير المؤمنين حاضره كان يفعل ذلك، فقلت له: أقرئه السلام، وقل له: إن أمير المؤمنين كان قد أعفاه في حياته مما كان يكره، ولا أحب أن أتبعه بعد موته بما كان يكره في حياته، فعاد وقال: يكون شعاره ولا يكون دثاره، فأعدت عليه مثل ذلك، وقد كان غزلت له الجارية ثوبًا عشاريًا قوم ثمنه عشرين درهمًا، فقطع منه قميصين، فقطعنا له لفافتين، وأخذنا له من فُوران لفافة أخرى، فأدرجناه في ثلاث لفائف، واشترينا له حنوطًا، وقد كان بعض أصحابنا من العطَّارين سألني أن يوجه بحنوط فلم أفعل، وصَبَّ في حَبٍّ لنا ماءً فقلت: قولوا لأبي محمد يشتري راوية ويصب الماء في الحب الذي كان يشرب منه، فإنه كان يكره أن يدخل إليه من منازلنا شيء.
وفرغ من غسله، وكفَّنَّاه، وحضر نحو من مئة من بني هاشم ونحن نكفنه، فجعلوا يقبلون جبهته حين رفعناه على السرير. وقال المرُّوذي لما أردت غسله جاء بنو هاشم، فاجتمعوا في الدار خلقًا كثيرًا، فأدخلناه البيت، وأرخينا الستر وجلَّلْته بثوب حتى فرغنا من أمره، ولم يحضره أحد من الغرباء ونحن نغسله، فلما فرغنا من غسله وأردنا أن نكفنه غلبنَا عليه بنو هاشم، وجعلوا يبكون عليه، ويأتون بأولادهم فيكبونهم عليه ويقبلونه، فوضعناه على السرير، وشددناه بالعمائم، وأرسل ابن طاهر بأكفان فرددتها، وقال عمُّه للرسول: هو لم يدع غلامي يرى وجهه. وقال له رجل: قد أوصى أن يكفن في ثيابه. فكفَّنَّاه في ثوب له مَرَوِيٍّ أراد أن يقطعه، فزدنا فيه، وصيَّرناه ثلاث لفائف.
стр. 211
أما من تقدم في الصلاة عليه:
فقال عبد الله بن أحمد: صلى عليه محمد بن عبد الله بن طاهر. غلبنا على الصلاة عليه، وقد كنا صلينا عليه نحن والهاشميون داخل الدار قبل أن نخرجه.
وأما كثرة الجمع الذين صلوا عليه:
فقال ابن أبي صالح القنطري: شهدت الموسم أربعين عامًا ما رأيت جمعًا قط أكثر من الجمع الذين حضروا جنازة أحمد بن حنبل.
وقال عبد الوهاب الورَّاق: ما بلغنا أن جمعًا كان في الجاهلية أو في الإِسلام مثله، حتى بلغنا أن الموضع حزر على التصحيح فإذا هو نحو من ألف ألف، وحزرنا على السور نحوًا من ستين ألف امرأة، وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدروب ينادون من أراد الوضوء، وكثر ما اشترى الناس من الماء فسقوه.
وكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطيعة، وبعث أمير المؤمنين عشرين حازرًا ليحزروا كم صلى على أحمد بن حنبل، فحزروا ألف ألف وثلاث مئة ألف سوى من كان في السفن. فهذا فضل عظيم. وقد قال أحمد ﵀: فرق ما بيننا وبين أهل البدع الجنائز.
أمَّا ما جرى عند حمل جنازته من مدح السنّة وذم البدعة:
فإنه لما صلَّى الناس على أحمد ظهر اللعن على الكرابيسي، فأخبر المتوكل بذلك فقال: من الكرابيسي؟ فقيل: رجل أحدث قولًا لم يتقدمه أحد. فأمره بلزوم بيته حتى مات. وكذا بشر المريسي فقد كثر لعنه أيضًا
وقال عبد الوهاب الوراق: أظهر الناس من جنازة أحمد بن حنبل السنّة والطعن على أهل البدعة، فسرَّ الله المسلمين بذلك على ما عندهم من المصيبة لما رأوا من العزّ وعلوّ الإِسلام، وكبت الله أهل البدع والزيغ والضلالة.
وأما ما خلَّف من التركة:
فمات ﵀ ولم يخلِّف سوى ستة قطع أو سبعة كانت في خرقة، وخرقة كان يمسح بها وجهه قدر دانقين.
стр. 212
أما تأثير موته عند الإِنس والجن والتعازي به:
فقال الوركاني جار أحمد بن حنبل: يوم مات أحمد وقع المأتم والنوح في أربعة أصناف من الناس: المسلمين واليهود والنصارى والمجوس، وأسلم يوم مات عشرة آلاف، وما من أهل بيت لم يدخل عليهم يوم مات أحمد الحزن إلا بيت سوء.
قلت: هذه القصة ذات أهمية، وفيها مبالغة شديدة، حتى قال الذهبي في الميزان: "الوركاني هذا شيخ لا يعرف، ولا يُدرى من هو، ولم يتابعه على هذا القول أحد. ولو وقع هذا لتوفرت الهمم على نقل مثله" انتهى. وتابعه على هذا الإِنكار كثير من المتأخرين، ولكن عندي أن في قول الذهبي نظرًا، فقد قال النابلسي قي الوركاني هذا: "إنه نقل عن أحمد أشياء، وسمع منه أحمد بن حنبل أيضًا". وقال ابن حجر في التهذيب: "محمد بن جعفر بن زياد ين أبي هاشم الوركاني، أبو عمران الخراساني، سكن بغداد، روى عن: عبد الرحمن بن أبي الزناد، ومالك بن أنس، وفضيل بن عياض، وشريك بن عبد الله، وأبي معشر المدني، وأيوب بن جابر اليمامي، ومعمر بن سليمان الرقي، والمعافى بن عمران الموصلي، ومعتمر بن سليمان التيمي في آخرين. وعنه: مسلم، وأبو داود، وروى النسائي عن أبي بكر بن علي المروذي عنه، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد، وموسى بن هارون، وإبراهيم بن الجنيد الختلي، والمعمري، وعباس الدوري، والحارث بن أبي أسامة، وأحمد بن علي الأبَّار، وأبو يعلى، وأبو القاسم البغوي، وآخرون. قال أبو داود: رأيت أحمد بن حنبل يكتب عنه. وقال أبو زرعة: كان جار أحمد بن حنبل، وكان يرضاه، وكان صدوقًا ما علمته. وقال صالح بن محمد: كان أحمد يوثقه، ويشير به. وقال عبد الخالق ين منصور عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد وغيره: مات في رمضان سنة ثمان وعشرين ومئتين.
قلت: وبهذا أرَّخه ابن قانع، وقال: كان ثقة. انتهى المراد منه، وكذا في الخلاصة أنه توفي سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين. وبهذا تعلم أن القصة ليست صحيحة،
стр. 213
لأن وفاة الإمام أحمد سنة إحدى وأربعين، ووفاة الوركاني سنة ثمان وعشرين، فيكون الوركاني قد توفي قبل الإِمام أحمد بثلاثة عشر سنة، وبذلك يعلم بطلان هذه القصة قطعًا، ولكن قول الذهبي إنه وركاني آخر مجهول، فيه نظر، فإن في الرواية التصريح بأنه الوركاني جار أحمد، ومَرّ بك في قول أبي حاتم الرازي أن محمد بن جعفر هذا هو جار أحمد، فلعل الواضع لها أحد الرواة الذين بعده، ولنذكر سند هذه القصة الذي أورده ابن الجوزي:
قال ابن الجوزي: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال أنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب. وأخبرنا محمد بن ناصر، قال أنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال إبراهيم بن عمر البرمكي، وأخبرنا عبد الله بن علي المقري، قال أنا عبد الملك بن أحمد السيوري، قال أنا عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل، قالا: ثنا علي بن عبد العزيز بن مردك، وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي قالا: أنا حَمْد بن حمد قال: أنا أحمد بن عبد الله الحافظ أبو نعيم قال: سمعت ظفر بن أحمد يقول: حدثني الحسين بن علي، قال حدثني أحمد الوراق، قال حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، قال حدثني أبي قال حدثني أبو بكر محمد بن عَيَّاش قال: سمعت الوركاني جار أحمد بن حنبل يقول، به، فلينظر في سنده.
أما تأثير موته عند الجن:
فقال رجل: أنا من اليمن، وكانت لي بنت مصابة، فجِيئَتْ بالعزَّامين، فعزموا عليها، ففارقها الجنيّ على أن لا يعود، فعاودها بعد سنة، فقلت: أليس قد فارقت على أن لا تعود قال: بلى، ولكن مات اليوم رجل بالعراق يقال له أحمد بن حنبل، فذهبت الجن كلها تصلي عليه إلا المردة وأنا منهم، ولست أعود بعد يومي هذا، فما عاد.
وقال محمد بن أحمد بن محمود: كنت في البحر مقبلًا من ناصية السِّنْد، فقمت في الليل، فإذا هاتف من ناحية البحر يقول: مات العبد الصالح أحمد بن حنبل،
стр. 214
فقلت لبعض من كان معنا: من هذا؟ فقال: هذا من صالحي الجن. ومات أحمد تلك الليلة.
وقال أبو زرعة: كان يقال عندنا بخراسان: إن الجن نعت أحمد بن حنبل بعد موته بأربعين صباحًا.
وقال صالح بن أحمد: كان أهلنا يذكرون أنهم كانوا يسمعون رنة لا تشبه رنة الإِنس من دار أبي إذا هدأت العيون بعد وفاته بأربعين صباحًا.
أما التعازي به:
فذكر أولاده أن خلقًا كثيرًا عزوهم فيه، وأن جماعة من الصالحين لم يُعْرفوا جاؤوا للتعزية.
قال صالح: جاءنا كتاب المتوكل بعد أيام من موت أبي، وجاء كتاب أخ لي يعزيني عن أبي: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أما بعد: فإن الله حتم الموت على عباده حتمًا، عدلًا، على بريته كافة، قضاءً فصلًا حتى يأتي ذلك على جميع من ذرأ وبرأ، وكان ممن أتى عليه حتم الله وقضاؤه: أبو عبد الله رحمة الله عليه. دعاه الله إليه فأجابه، راضيًا مرضيًا، نقيًا من الدَّنَس والعيب، طاهر الثوب، غير مبتدع، ولا ضالٍّ، ولا مُضلّ، ولا زائغ عن هدًى، ولا مائل إلى هوًى، لم يرهبه وعيد إلى أن نقله الله إليه وإلى جواره، فلمثل ما صار إليه من كرامة الله فليعمل العاملون، وعلى أن المصيبة به قد مضت، وأرمضت، وأبلغت من القلوب، فأنا أعزيك وعامة المسلمين ممن يقرأ كتابنا هذا بما أمر الله به، منجزًا لما وعد من صلاته ورحمته وهداه لمن احتسب، وصبر، وسلم، ورضي بحكم الله النافذ على جميع خلقه، فقد مضى على أحسن حالاته، وأحسن قصده وهديه، ثابت على حزمه وعزمه، أرَادَتْه الدنيا ولم يُرِدْها، لم تأخذه في الله لومة لائم، فقد كلم وثلم في الإِسلام فقده، وأنا أسأل الله الذي يجود بالجزيل ويعطي الكثير أن يصليَ على محمد عبده ورسوله، وأن يعطيَ أبا عبد الله أفضل ما أعطى أحدًا من أوليائه الذين خلقهم لطاعته، وأن يعليَ درجته، ويرفع ركنه، ويجعل مجلسه مع النبيَّين والصِّدِّيقين
стр. 215
والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، وأن يهب لك الصبر الذي يبلغك ما وعد الصابرين، ويقينًا يوجب لك ثواب المحسنين، فإنه وليُّ النعم، وبيده الخير، وهو على كل شيء قدير".
وقال رجل من أهل العلم يوم دفن أحمد لآخر: تدري من دفنا اليوم؟ قال: من؟ قال: سادس خمسة. قال: من هم؟ قال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، وأحمد بن حنبل. وكأنه عنى كل واحد في زمانه.
أما الأشعار التي مدح بها في حياته، ورثي بها بعد وفاته فهي كثيرة جدًا وسأتركها طلبًا للاختصار، ولكن سأشير إلى بعضها، وأكتفي بإيراد بيت واحد من كل قصيدة. فمن ذلك:
قصيدة أبي سعيد اليخامري في أحمد التي منها:
فأنت أبا عبد الإِله مسدَّد … بتسديد ذي العرش الرفيع الدعائم
ومن ذلك قول إسماعيل إبن فلان الترمذي فيه، وهو في المحنة ومطلعها:
تبارك من لا يعلم الغيب غيره … ومن لم يزل يُثْنَى عليه ويُذْكَرُ
وهي طويلة جدًا.
ومن ذلك ما أنشده الهيضم بن أحمد لأبيه في أحمد، ومنها:
يا ناعيَ العلم بيوم أحمدا … نعيت بحرًا كان يجري مزبدا
وله أيضًا أخرى فيه ومنها:
للزاهدين مع الدموع دموع … والعابدين لهم عليك خشوع
وله أخرى فيه ومنها:
لتبك عيون مسبلات بوبلها … على زينة الدنيا وعالم أهلها
ومن ذلك قول علي بن حجر، ومنها:
نعى لي إبراهيم أورع صالح … سمعت به من مُعْدِمٍ ومُخَوَّلِ
следующие страницы →