← Тараджим

Тараджим · id 132527

تسهيل السابلة لمريد معرفة الحنابلة

صالح بن عبد العزيز آل عثيمين

Полный текст (1 920 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

أثبات الفضائلِ رُتَبًا بمجدٍ يعلو على الفلك الأَثير، ورتبةٍ تسمو السَّمَاكَيْن بفضلها الكبير الكثير، وأرَّخَ وفاتَه كما تقدَّمَ وقال: إنَّه ولدَ بدمشقَ، وبها نشأ واشتغل على فضلائِها، وبرع في الفنون، وأخذ الفِقْهَ عن والده وغيره، واستجاز لنفسه ولإخوته وأولاده من جماعةٍ من علماءِ دمشقَ ورؤسائِهم، منهم القاضي رضيُّ الدين محمدٌ الغَزِّيُّ العَامِرِيُّ، وولدُه شيخُ الإسلام بدرُ الدين، وشيخُ الإسلامِ السيَّدُ كمالُ الدين بنُ حمزةَ الحُسَيْنِيُّ، وأجازوهُ، وأجازوا مَنْ ذكر معه. قال النَّجمُ الغَزِّيُّ في "الكواكب السائرة": دَرَّسَ، وأفتَى، ووَلِيَ تدريسَ دارِ الحديث المَخْصُوصة بالحنابلة بالصَّالحية ونظرها، ونابَ في القضاءِ مرارًا، وانتهت إليه رئاسةُ الحنابلةِ بدمشقَ، وكان له شهامةٌ وحشمة، وحسنُ هيئةٍ. وقال شرفُ الدين يونُسُ العيشاوي في "مجموعه" الذي ترجَمَ فيه مشايخَهُ وأقرانَهُ في حقه: كان ذكيًا، مستحضرًا لفروعِ مذهبِهِ، ووَلِيَ القضاءَ، ولحقه في آخر عمرِهِ قَهْرٌ، وقال: إنَّهُ كان رئيسًا محتشمًا، يعرفُ الناسَ، ويراعي مقاديرَهم، ولم يزل على سِيرتِهِ الحَميدَةِ، وفكرته السَّديدة إلى أنْ توفيَ ليلةَ الاثنين ثالثَ عشري شعبانَ سَنَةَ تسعٍ وستينَ وتسع مئة، وصلَّى عليه العَلَّامَةُ البدرُ الغَزِّيُّ إمامًا بالجامعِ الأُمَويَّ، ودُفِن بسفحِ قاسِيون بالرَّوْضَة عند والدِهِ. انتهى من ترجمةٍ حافلةٍ. ٢٥٩٢ - (ت ٩٧٠ هـ): شمسُ الدين أبو عبدِ الله عبدُ البَرَّ بنُ قاضي قضاةِ الحنابِلَةِ بدمشقَ زينِ الدين عمرَ بنِ مُفْلِح الحنبلي . ذكره ابن العماد (١) وقال: ولدَ يومَ الاثنين، ثالثَ ربيع الآخر سنة ثمانٍ وتسعين وثمان مئة كذا في "العنوان"، وتوفي ثالث عشري جمادى الأولى سنةَ سبعين وتسع مئة كذا بخطَّ ولد صاحبِ العُنوان. انتهى. ٢٥٩٣ - (ت ٩٧١ هـ): محمدٌ بنُ أحمدَ الحنبليُّ . ذكره صاحبُ "كشفِ الظنون" (٢) وقال: له كتابُ "غمز العين إلى كنز

стр. 1612

العين"، وهو شرحٌ على منظومته في الحمى، وأرَّخ وفاتَه سنة إحدى وسبعين وتسع مئة. - (ت ٩٧٢ هـ): محمد بن أحمد الفتوحي صاحب "المنتهى" يأتي تسع وسبعين وتسع مئة. [انظر: ٢٥٩٧]. ٢٥٩٤ - (ت ٩٧٥ هـ): الشيخ محمدٌ بنُ خليلٍ بنِ قيصر القبيباتي الحنبلي، الصُّوفي الفاضل، الصَّالح المعتقد . ذكره ابنُ العماد (١) وقال: توفيَ سَنَةَ خمسٍ وسبعينَ وتسع مئة، وقد جاوز المئة. انتهى. وذكره ابنُ الشَّطَّي في "مختصره" (٢) وقال: هو محمدٌ بنُ خليلٍ شمس الدين الشهير بابن قيصر القبيباتي الدَّمْشقي، الشيخ الزَّاهد، الصُّوفي العابدُ، المعتقد المربي، قدوة العِبَاد، ورئيس العُبَّاد، أحد الأفراد، وأوحد الأئمة الأمجاد، صَحِبَ سيدي عليًا بن ميمون، وتلميذَهُ سيدي محمدًا بنَ عَرَّاق، واجتمعَ بأكابر ذلك العَصْر وعلمائِهِ كابن قاضي عَجْلُون، وتوجَّه إلى بلادِ الرُّوم فاجتمعَ في حماة بالعارف الشيخ علوان الحَمَوِي وغيره، وحصَل له بالرُّوم غايةُ الإكرام والتعظيم من إبراهيم باشا الوزير، وأعيان الدَّوْلة، وقضاء العساكر، ثم رجع إلى دِمَشْقَ وانجمع عن النَّاس، وكان يقيمُ الذكر بعدَ صلاةِ الجُمُعَة بالمشهد الشَّرْقي داخل الجامع الأُمَوي تحتَ المنارة الشرقية بحيث عُرِفَ المشهدُ به، ثم يركبُ حمارَة ويذهب إلى منزله بالقبيبات، فلا يخرج منه إلى يوم الجمعة القابلة، وكان نائبُ الشامِ عيسى باشا يُحبُّهُ ويتردد إلى زيارته، وكذلك الأمراء والقُضَاة، وللناس فيه اعتقادٌ تامٌّ، وكان مُتَقَلَّلًا من العَيْش، قانعًا باليسير، يؤثر لُبْسَ القطن الأبيض، وكان يَعْتَكف العشر الأواخر من رمضانَ بالجامِع الأُمَوِي في المشهد المذكور، وكان يحضر خَتْمَ الشيخ الطيبي كلَّ سنة.

стр. 1613

قال الشمسُ بنُ طولون في "تاريخه": في سنةِ سبعٍ وثلاثينَ وتسع مئة سألني الشيخُ محمدٌ بنُ قيصَر القبيباتي الحنبلي في عمل شرح على أبيات ثلاثٍ نظمها في عقيدته وهي: في اللهِ اعتقدُ الذي قد قَالَه … عن نفسِهِ وكذا الذي قالَ الرُّسُلْ عنه بغيرِ تأَوُّلٍ في ذاته … وصنائعٍ أو كلَّ فعلٍ قد فَعَلْ فهو الإله الفردُ ليس كمثلِهِ … شيءٌ سواه وغير هذا لم أَقُلْ قال النجم الغزي: قلت: ووقفتُ على شرح ابنِ طولون على هذه الأبيات في تعاليقه بخطَّه، والإيمان بما جاء في الكتاب والأخبار مِن الصفات من غير تأويل مذهبُ السَّلَف، وهو أسلم منْ مذهب التأويل وهو مذهب الخلف، وكانت وفاتُه أي المُتَرْجَم في سنةِ خمسٍ وسبعين وتسع مئة بمنزله في القبيبات، وكَثُرَ تأسُّفُ النَّاسِ عليه وازدحموا على جِنَازته، وحمل تابوته. انتهى. ٢٥٩٥ - (ت ٩٧٧ هـ): عبدُ القادر بنُ محمدٍ بنِ عبدِ القادر بنِ محمد الأنصاري الجَزِيْري، الحنبلي . ذكره السَّخَاويُّ في "البلدانيات" وقال: هو العالمُ الفاضلُ، المنشئُ البليغُ، الناظمُ، ترجَمَ نفسَهُ في كتابِهِ "درر الفوائد المنظمة في أخبار الجامع وطريق مكة المعظمة" فقال: أخذتُ العلمَ عن جماعةٍ أجلَّاءَ أدركتُهم في الزَّمن الأَوَّل، بهم الاقتداءُ والاهتداءُ، منهم الشَّهابُ أحمدُ بنُ عبدِ العزيز الفتوحي، الحنبلي، ابن النجار، لزمْتُه في الحديث، والفقه وغيره إلى أنْ توفيَ، ومنهم الشَّرف موسى بنُ أحمدَ الخَطَّابي المَالِكي قرأتُ كثيرًا من كُتُبِ العَرَبيَّة، والتَّصريف، والمَنْطِق، والحديث، ولزمته إلى حين وفاته، والشهابُ أحمدُ الشُّوَيْكي الحَنْبَلي وجماعةٌ يطولُ ذكرُهُم، وذكر في كتابه المذكور إلى سَنَة ستًّ وسبعين وتسع مئة، ولا أدري متى توفي. قاله في "السحب الوابلة" (١) وقال: له تصانيفُ لطيفةٌ منها "خلاصة الذهب في فضل العرب"، و"عمدة الصفوة في حِل القهوة"، و"منازل

стр. 1614

المنازل، ومناهج المناهل"، و"الزجر عن الخمر"، و"رفع المضرَّة عن الهِرَّ والهِرَّة"، و"درر الفوائد المنظمة"، وقال صاحبُ السحب: رأيتُ هذه التآليف بخطَّ يده، وهو خطٌّ حَسَنٌ مضبوطٌ، ورأيتُ له بخطَّه أيضًا مجموعَ أشعارٍ ومراسلاتٍ، وأجوبةٍ واستدعاءات، وإجازاتٍ وفوائدَ لطيفةٍ، وأشعارٍ ظريفةٍ، وهو من مشايخِ الشيخِ عبدِ الرَّحمن البهوتي كما نقل عنهُ تلميذُه الشيخُ منصور في "حاشية الإقناع" انتهى ملخصًا من ترجمةٍ حافلةٍ. وذكره الزَّرِكْلِي في "أعلامه" (١): وأرَّخَ وفاتَه سَنَة سبعٍ وسبعين وتسع مئة. وذكره في "هدية العارفين" (٢)، وذكر له غير ما تقدم كتاب "ما يجري على ألسنة النَّاسَ". ٢٥٩٦ - (ت ٩٧٩ هـ): أحمدُ بنُ محمدٍ بنِ أحمدَ بنِ المرزبان الصَّالحي، الحنبلي، شهاب الدين، المِصْرِي . ذكره في "هدية العارفين" (٣) وقال: إنَّه توفي سنة تسعٍ وسبعين وتسع مئة وقال: له كتاب "المفيد في علمِ التجويد". وذكره في "كشف الظنون" (٤) وقال: هو أحمدُ بنُ محمدٍ بنِ أحمدَ المرزباني، الصَّالحي، ثم المِصْرِي، الحنبلي، له أرْجُوزَةٌ في التجويد سَمَّاه "المفيد في علم التجويد"، وشرحها بعضُهم وسمَّاه "نزهة المريد في حل ألفاظ المفيد في علم التجويد". ٢٥٩٧ - (ت ٩٧٩ هـ): الإمامُ العَلَّامَةُ تقي الدينِ محمدٌ بنُ شهاب الدين أحمدَ الفتوحي، الحنبلي، صاحب "المنتهى ". ذكرهُ ابنُ العماد (٥) وقال: قال الشعراوي في "ذيله على طبقاته": ومنهم

стр. 1615

سيدُنا ومولانا، الشيخُ الإمامُ، العَلَّامَةُ تقي الدين، وَلَدُ شيخِنا شيخِ الإسلام، الشيخ شهاب الدين الشهير بابن النجار، صحبتُه أربعينَ سَنةً فما رأيت عليه ما يشيْنُه في دينه، بل نشأَ في عِفَّةٍ وصِيَانَةٍ، ودينٍ وعلم وأدب وديانةٍ، أخذ العِلْمَ عن والدِهِ شيخ الإسلام المذكور، وعن جماعة من أَربابِ المذاهبِ المختلفةِ، وتَبَحَّرَ في العُلُوم حتى انتهت إليه الرَّياسة في مذهبه، وأجمعَ النَّاسُ على أنَّهُ إذا انتقل إلى رحمة الله تعالى ماتَ بذلك فقهُ الإمامِ أحمدَ من مِصْرَ، وسمعتُ القولَ مرارًا من شيخِنا الشيخِ شهابِ الدين الرَّمْلي، وما سمعته قطُّ يعيبُ أحدًا من أقرانه، ولا غيرهم، ولا حسدَ أحدًا على شيءٍ من أمور الدنيا ولا زاحم عليها، ووَلِيَ القضاءَ بسؤال جميعِ أهلِ مِصْر فأشار عليه بعضُ العلماءِ بالولاية وقال: يتعينُ عليكَ ذلك فأَجاب مصلحةً للمسلمين، وما رأيتُ أحدًا أحلى مَنْطِقًا منه، ولا أكثرَ أدبًا مع جليسِهِ، حتى يودّ أنْ لا يفارِقَه ليلًا ولا نهارًا، وبالجملة فأوصافُهُ الجميلةُ تَجِلُّ عن تصنيفي فأسألُ اللهَ أنْ يزيدَه من فضله علمًا، وعملًا، وورعًا، إلى أنْ يلقاهُ وهو عنه راضٍ .. توفيَ في حدودِ سنةِ تسعٍ وسبعينَ وتسع مئة. انتهى. وذكره ابنُ الشَّطي في "مختصره" (١) وقال: هو محمد بنُ أحمدَ بنِ عبدِ العزيزِ بنِ عليًّ الفتوحي المِصْرِيُّ، المشهورُ بابن النجار، العالمُ العَلَّامَةُ، الفقيهُ الحنبليُّ، تقي الدين، أبو بكرٍ بنُ الإمامِ العَالم العَلَّامَةِ شهابِ الدين. ولد المترجَمُ بمصر القاهرة، ونشأ بها، وأخذ الفِقْهَ عن أَبيه، ثم ساقَ كلامَ الشعراني المتقدم، ثم قال: توفي في حدود سَنَةِ ثمانينَ وتسع مئة. وذكره البدراني في "مدخله" (٢) وقال: رحل إلى الشَّام وألَّفَ بها كتاب "المنتهى" ثم عاد إلى مِصْرَ بعد أنْ حَرَّرَ مسائله على الرَّاجح من المذهب، وسمَّاه "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنفيح وزيادات"، واشتغل به عامَّةُ الطلبة في عصرِهِ، واقتصروا عليه ثم شرحه شرحًا مفيدًا في ثلاثِ مجلداتٍ

стр. 1616

ضخام، وغالبُ استمدادِهِ فيه من كتاب "الفروع" لابن مفلح، وبالجملة فقد كان منفرِدًا في علم المذهب، توفي سنة اثنتين وسبعين وتسع مئة. انتهى. وله "مختصر التحرير" في الأصول اختصر به "تحرير المَرْدَاوي"، و"تلخيص المقاصد الحسنة" للسَّخاوي. ٢٥٩٨ - (ت ٩٨١ هـ): شمس الدين محمدٌ الفارضي القاهِري، الحنبلي الشاعر، المشهور الإمام، العَلَّامَة . ذكره ابنُ العماد (١) وقال: قال في "الكواكب": أخذ عن جماعةٍ من علماءِ مِصْر، واجتمع بشيخ الإسلام الوالد حين قَدِمَ القاهرة سَنَة اثنتين وخمسين وتسع مئة، وكان بدينًا، سمينًا فقال الوالد يداعبه: الفارضيُّ الحنبليُّ الرَّضي … في النَّحو والشَّعْرِ عديمُ المثيل قيل ومَعْ ذا فهو ذو خِفَّةٍ … فقلت كلا بل رزينٌ ثقيل واستشهد الشيخُ العلقمي بكلامه في "شرح الجامع الصغيرَ" فمن ذلك قولهُ في معنى ما رواه الدَّيْنَوَريُّ في المجالسة والسَّلَفي في بعض تخاريجه عن سفيان الثوري قال: أوحى اللهُ تعالى إلى موسى ﵇: لأَنْ تُدْخِلَ يَدَكَ إلى المنكبين في فم التنين خيرٌ من أنْ ترفَعَها إلى ذي نعمة قدْ عالجَ الفقر. إدخالك اليَدَ في التَّنَّيْنِ تدخلُها … لمرفقٍ منكَ مُسْتَعدٍ فيقضمها خيرٌ من المرء يُرجى الغنى وله … خصاصةٌ سبقت قد كان يسنمها ومن بدائع شِعْرِهِ: إذا ما رأيتَ اللهَ للكل فاعلًا … رأيتَ جميعَ الكائنات مِلاحًا وإنْ لا ترى إلَّا مضاهي صُنْعَهُ … حُجِبْتَ فصيَّرتَ المساءَ صباحًا ومن محاسِنهِ أيضًا أنَّهُ صلَّى شخصٌ إلى جانبه ذات يوم فخفف جدًا فنهاهُ فقال: أنا حنفي، فقال الفارضي:

стр. 1617

معاشر النَّاسِ جمعًا حسبما رَسَمَتْ … أهل الهدى والحجا مِنْ كل مَنْ نبها ما حرَّم العلم النُّعمانُ في سَنعدٍ … يومًا طُمَأنِينَةً أصلًا ولا كَرِهًا وكونُها عندَه ليستْ بواجبةٍ … لا يوجبُ الترك فيما قرَّر الفُقَها فيا مُصِرًّا على تفويتها أبدًا … عُدْ وانتبه رحمَ اللهُ الذيَ انتبها انتهى ملخصًا. وأخذَ عن الفارضي كثيرٌ من الأجِلاء منهم العَلَّامَةُ شمسُ الدين محمدٌ المقدسيُّ العلم، مدرَّسُ القصاعية بدمشق، وأنْشدَ له، وذكر أنَّ القاضي البَيْضَاويَّ خَطَّأَ مَنْ أدغم الرَّاء في اللام ونَسَبَه إلى أبي عمرو: أنكر بعضُ الورى على مَنْ … تُدْغَمُ في اللَّامِ عَنْهُ راءُ ولا نُخَطَّي أبا شُعَيبٍ … واللهُ يَغْفر لِمن يَشاءُ وله أيضًا: ألا خُذْ حِكمة مِنَّيْ … وخَلَّ القيلَ والقَالا فسادُ الدين والدنيا … قَبُولُ الحاكمِ المالا وقال يرثي الشيخ مغوش التونسي لما مات بمصر: تَقَضَّى التونسيُّ فقلت بيتًا … يُرَوَّحُ كلَّ ذي شَجَنٍ ويُؤْنِسْ أتوحشنَا وتؤنسُ بطنَ لحدٍ … ولكن مثلَ ما أوحَشْتَ تُؤنِسْ وتوفي سنة إحدى وثمانين وتسع مئة. انتهى. وذكره ابنُ الشطي في "مختصره" (١) وقال: هو الشاعرُ المشهورُ الذي لم تَسْمَحْ بمثلهِ الدُّهورُ شيخُ أهلِ الأدب، ومَنْ أتتهُ الرَّشاقة والرَّقَةُ مِنْ كلَّ حَدَبٍ، مركزُ الفَصَاحة والبَلَاغة، وأحدُ الأفراد في جودة السَّبْك والصَّياغة، فهو في هذا الشَّأنِ المشارُ إليه بالبَنَان، والمضاهي لقسًّ وسَحبَان، ثم ساق كلام الغزَّي المتقدم ثم قال: قد اطلعتُ لصاحِبِ الترجمةِ على منظومة في الفرائضِ على

стр. 1618

مَذْهبِ الحنابلة قد شَرَحَها العَلَّامَةُ الشنشوري في نحو ثلاثة كراريس بشرح سَمَّاه "الدُّرَّة المضيئة في شرح الفارضية"، بديعة النَّظام، جامعةٌ للأحكام، قابلَ بها "منظومَةَ الرَّحبِيَّ" الشَّافِعيَّ ثم ساقَ سِتَّة أبياتٍ من أوَّلِها وهي مئةٌ وستَّةٌ وعشرونَ بيتًا. انتهى. قلت: قد شرحها أيضًا البَدْرَاني الدِّمَشْقي الحَنْبَلي، وطبعت مع شرحها في دمشق، وانتشرت ولله الحمدُ والمِنّةُ. - (ت ٩٨٢ هـ): محمدٌ بنُ حسين بنِ سليمانَ الأُسْطُواني. يأتي قريبًا سَنَةَ ثلاثٍ وثمانينَ وتسع مئة. وقد ذكر الشيخ الفتوي النجدي. [انظر: ٢٥٩٩]. ٢٥٩٩ - (ت ٩٨٣ هـ): محمدٌ بنُ حسين بنِ سليمانَ أبو الصَّفَا الشهير بالأُسْطُوَاني، الحنبلي، الدَّمَشْقي . ذكره ابنُ الشَّطي في "مختصره" (١) وقال: هو الفاضلُ الهُمَامُ، إمام محرابِ الحنابلةِ بالجامعِ الشَّريف الأُمَوي، وتقدمت ترجمةُ أبيه البَدْر. ترجَمَهُ الغَزِّيُّ في "كواكبه" فقال: أخبرني عنه ابنُ أخيه الشيخُ محمدٌ أنَّه ماتَ يومَ الأحد تاسعَ عشر جمادى سنة اثنتين وثمانين وتسع مئة، ودُفِنَ بمقبرة مرج الدَّحْدَاح. انتهى. ٢٦٠٠ - (ت ٩٨٥ هـ): أبو بكرٍ بنُ إبراهيمَ بْنِ محمدٍ بنِ المُهَلْهِل المعروف بالذباح، ويُعْرَفُ أيضًا لا سِيَّما ببلادِ اليمن بابن الحكيم، المقدسي الأصل، الصَّالحي، الدَّمَشْقي، الحنبلي . ذكره ابن الشطي في "مختصره" (٢) وقال: هو الشيخُ العالمُ، الصَّالحُ الورعُ، تقيُّ الدين، مولده باليمن سَنَةَ تسعٍ وتسع مئة، وتَرجَمَه الحافظُ النَّجْمُ الغَزِّيُّ فقال: قرأ على الشيخ شيخِ الإسلام الوالد جانبًا من "صحيح مسلم"، وشيئًا من "تفسير القاضي البَيْضَاوي"، وعرض عليه أماكن من "الخِرَقي"، وسمع

стр. 1619

كثيرًا من دروسه، وكان يكتبُ كُتُبًا تصوُّفِيَّة، كَتَبَ "الفتوحات" وغيرها للشيخ الأكبر محيي الدين بنِ العربي، وكان يعتني بكلامه كثيرًا، وكان النَّاسُ يترددون إليه لكتابة الحُروزِ وغيرها. انتهى. وكان صاحبُ التَّرجَمةِ له محبةٌ عظيمةٌ للأولياء والصُّوفِيَّة، عالمًا عاملًا، معتقدًا للخاصَّ والعامَّ، محبًا للنَّاس، آيةً في الأُنْسِ واللَّطافَةِ، ذا هَيْبَةٍ وَوَقَارٍ، وهدايةٍ واستبصارٍ، وأجمع النَّاسُ على اعتقادِهِ وترك انتقاده، ولم يزل على هذهِ الطريقةِ المُثلى، والصراط المستقيم إلى أنْ دَرَجَ إلى مدارج العَفْوِ والغُفْران، فتوفي في تاسع عشر رمضانَ سَنَةَ خمسٍ وثمانين وتسع مئة وصلي عليه بمشهد عظيم حافل ودفن بتربة مسجد الإقدام انتهى. وترجمه البدرُ حسن البوريني في "تاريخه" فقال: هو الشيخُ الذي ثبتَ صلاحُهُ، وتقرَّرَ فلاحُه، وحَسُنَتْ أحوالُه، وصدقت أقواله، وكان على أسلوب المتقدمين في سلوكه اجتمعت به في صالحية دمشق في حدود سنة خمس وسبعين وتسع مئة، وكان ابتداء الاجتماع به في المدرسة العُمَرِيَّة لأنَّه كان إمامها، وكانت له حجرةٌ بها، وكان يأتي إليها من بيته في الثلث الأخير من اللَّيْل فيشعِلُ سراجَهُ من قنديلِ المدرسة، ويستفتح في قراءةِ "القرآن" إلى وقت الصَّلَاة، فيقومُ ويصلي بالناس، ثم يرجع إلى حجرته، ويشتغل بالأوراد إلى طلوعِ الشمس فبعد ارتفاعها يصلي الضُّحى، ثم يسير إلى المدرسة دار الحديث بالصَّالحية أيضًا فيدرَّس بها فقه الإمام أحمد وغير ذلك من حديث ونحوٍ، قرأت عليه بالمدرسة المذكورة "الأذكار" للإمام النَّوَوي، وانتفعت بعلمه ودعائِه، وكان كثيرَ التَّغَفُّل فيما يتعلق بأمور الدنيا بحيث إنَّه كان يسألُ غالبَ تلاميذه كلَّ يوم عن أسمائهم، ومن أي بَلدٍ هُمْ، وكانت معرفَتهُ بالعلم الرُّوحاني مقطوعًا بها من غير شبهة. انتهى. قلتُ: وفي هذه الترجمة من الغُلوَّ، والإطراء، والمبالغة التي هي للذمَّ أقربُ منها للمدح ما لا يخفى والله أعلم. - (ت ٩٨٨ هـ): محمدٌ بنُ أحمدَ البهُوتي المِصرِي، الحنبلي، الصُّوفي، الشهير بالخلوتي. [انظر: ٢٦٤٥].

стр. 1620

ذكره صاحب "هدية العارفين" (١) وقال: إنَّه صَنَّفَ "التحفةَ الظريفة في السيرة المحمدية" في مجلد، و"لذة السَّمْع بنظمِ رسالةِ الوَضْع" للقاضي العضد، وأرَّخَ وفاته سنة ثمان وثمانين وتسع مئة. ٢٦٠١ - (ت ٩٩٢ هـ): أبو السَّعَادات محمدٌ بنُ أحمدَ بنِ علي الفاكهي، المكي، الحنبلي . ذكره ابنُ العماد (٢) وقال: هو العَلَّامَةُ الإمامُ، ولدَ سنة ثلاثٍ وعشرين وتسع مئة، وقرأ في المذاهبِ الأربعة، فكانت له اليدُ الطُّولى، وتَفَنَّنَ في العُلُوم، ومن شيوخه الشيخُ أبو الحسن البكريُّ، وابن حجر الهَيْتَمي، والشَّيخُ محمدٌ الحطاب في آخرين من أهل مَكَّة، وحَضْرَمَوْت، وزبيد، يَكْثُر عددُهُم بحيثُ يزيدون على التسعين، وأجازوه، وحَفِظَ "الأربعين النووية"، و"العقائدَ النَّسَفِيَّة"، و"المقنع" في فقه الحنابلة، و"جمع الجوامع" في الأصول، و"ألفية ابن مالك"، و"تلخيص المفتاح" وغير ذلك منها "القرآن" العظيم، وقرأ للسَّبْعَة، ونَظَم ونَثَرَ وألَّفَ من ذلك "شرح مختصر الأنوار المسمى نور الأبصار في فقه الشافعي"، ورسالة في اللغة وغير ذلك، ورزق الحظوة في زمنه، وكان جوادًا سخيًا، لا يمسكُ شيئًا، ولذلك كان كثيرَ الاستقراض، وكانت تغلب عليه الحِدَّة، ودخل الهند، وأقام بها مدَّةً ثم رجع إلى وطنه مكَّةَ سنةَ سبعٍ وخمسين وتسع مئة، وفي ذلك العام زارَ النبيَّ ﷺ ثم حجَّ في السنة التي تليها، وعاد إلى الهند فمات بها ليلة الجمعة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وتسع مئة انتهى. وذكره صاحبُ "السحب الوابلة" (٣) بنحو ما هنا.

стр. 1621

تابع القرن العاشر ممن لم أظفر لهم بتاريخ وفاة ٢٦٠٢ - سليمانُ بن صَدَقَة بنِ عبدِ الله المَرْدَاوي، الصَّالحي، الحنبلي . ذكره ابنُ طولون في "سكردان الأخبار" وقال: هوَ الشيخُ الصَّالحُ، المفيدُ المعمَّرُ، علمُ الدين أبو الرَّبيع، حفظ "القرآن" واشتغل، وبَرَع، وأخذ عن الشيخ صفي الدين الحنبلي، وعن الشَّهاب ابن زيد وغيرهما، ولزم دروسَ شيخِنا الشَّهاب العَسْكَري، وكان يكثرُ من البحث معه ثم تَسَبَّبَ بقراءة الأَطفال بمكتب الأيتام شرقي الجامع المظفري بسفح قاسِيون، ثم أَمَّ بمدرسة الشيخ أبي عمر، ثم انتقل بعياله إلى قرية دُومة من غوطة دمشق، وأخذ فقاهتها ولازمها إلى أنْ توفيَ. انتهى. وبَيَّضَ لوفاته ﵀. ٢٦٠٣ - محمدٌ بنُ عبدِ القادرِ بنِ عبدِ الله بنِ يعقوبَ الدَّمَشْقي، الصالحي، الحنبلي، المعروف بابن إمام الزَّاوية . ذكره ابنُ طولون في "سكردانه" وبَيَّضَ لوفاتِهِ وقال: هو الشيخُ، القُدْوَةُ، الصَّالح، أبو عبد الله، المعروف بابن إمام الزاوية، الشيخ عبد الرَّحمن بن داودَ التي بناها في سفح قاسِيون، سَمِعَ على ابن الشريفة. كذا قال شيخُنا الجمالُ ابنُ المبرد، وكذا سَمِعَ على ابن الجوارش، ولد بالصَّالحية سنة اثنتين وأربعين وثمان مئة. انتهى. وبَيَّضَ لوفاته. ٢٦٠٤ - محمدُ بنُ يوسفَ بنِ محمدِ بنِ عمرَ ناصرِ الدين بنِ أبي المَحاسِن، جمال الدين المَرْدَاوي، ثم الدَّمَشْقي، الصَّالحي، الحنبلي . ذكره ابنُ طولون في سُكُرْدَانه وبَيَّضَ له. ٢٦٠٥ - يحيى بنُ محمدٍ الفومني، المكي، الحنبلي .

стр. 1622

ذكره صاحبُ "السحب الوابلة" (١) وقال: رأيت له فتاوى كثيرةً تدلُّ على تمكنِهِ في الفقه، والظاهر أنَّهُ تولى الإفتاء بمكَّةَ في القرن العاشر. انتهى وهو تلميذ ابن ظهيرة. ٢٦٠٦ - أبو حامدٍ بنُ عَطِيَّةَ بنِ ظهيرةَ، قاضي الحنابلة بمكَّة بعد التسع مئة . ذكره صاحب "السحب الوابلة" (٢). ٢٦٠٧ - عبدُ الرَّحْمَن بنُ أحمدَ بنِ النجَّار الفتوحي، الحنبلي، أخو مُؤلَّفِ "المنتهى ". ذكره صاحب "السحب الوابلة" (٣). ٢٦٠٨ - عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ عَطِيَّة بن ظَهِيْرَة المكي، الحنبلي، القاضي، تولى قضاءَ الحنابلة بمكَّةَ سَنَةَ اثنتين وأربعين وتسع مئة . قاله: صاحب "السحب الوابلة" (٤). ٢٦٠٩ - محمدٌ بنُ موسى العبادي الحنبلي، القاضي، بعد سنة إحدى وثمانين وتسع مئة . ذكره صاحبُ "السحب الوابلة" (٥). ٢٦١٠ - عيسى بنُ أحمد العسكري الصَّالحي، الحنبلي . ذكره ابنُ الأكمل في "تذكرته" وقال: قال شيخُنا ابنُ طولونَ: هو الشيخُ شرف الدين، سَمِعَ على النظام بن مفلح، والشَّهاب بنِ زيد وغيرهما، قرأتُ عليه "القرآن" وأجاز لي. انتهى.

стр. 1623

مُبْتَدأ القرن الحادي عشر ٢٦١١ - (ت ١٠٠١ هـ): محمد بن أحمد، الخُرَيشيُّ المَقْدسيُّ الحنبلي . ذكره المُحِبّيُّ في "خلاصة الأَثَر" (١) وقال: هو الشَّيخُ العالمُ الفاضلُ الهُمَامُ، الفَقِيهُ الحنبليُّ، أوْحَدُ عَصْره فَضْلًا ونُبْلًا، ووَحِيدُ دَهْره في العُلُوم عَقْدًا وحَلًا. ترجمه الشَّمسُ الداوُديُّ وقال: وصَلَ إلى القَاهِرَة، واشتغل في الجامِع الأَزْهر وغيره، وأقام بها مدَّةً طَويلةً، حتى بَرَعَ وتميَّز، وتأهَّل للتَّدريس والفَتْوى، وأجيز بذلك من شيوخِهِ المِصْرِيَّين، ثم قَدِمَ إلى القُدس، وأقام بها ملازمًا على الدُّرُوس، وكان عالمًا خاشعًا، ناسِكًا مُتَقَلَّلًا من الدنيا، قانعًا باليَسير، طويل التعبُّد، كثير التهجد، ملازمًا على تلاوة القُرآن، وتَعْليم العِلْم، انتَفَع به أهل القُدس انتفاعًا ظاهِرًا، وكثيرٌ من أهل نَابُلُسِ، وخُصُوصًا في العربيَّة، وكان إمامَ الحنابلة ومُفْتِيَهُمْ في عَصْره، وكان يَعِظ النَّاس ويُذَكَّرُهم، وحَصَل بينه وبينَ صَاحِبنا الشَّيخ محمد بن شَيْخِنا الشَّمس محمد بن أبي اللُّطف وَحْشَةٌ أدَّتْ إلى ترك ذلك، قيل: إن سبَببَها أن الخُرَيْشيَّ وَقَف على حُكْم العَذَبة والتَّلَحَّي واستحباب ذلك، فأرخى له عَذَبَةً ثم تَلحَّى، وكان له طَلَبَةٌ ومُحِبُّون يعتقدونه، فأخذوا بالاقتداء به، وكَثُر متعاطو ذلك، وصار بعض النَّاس يَضْحَكُون منه ومِنْهم، ويأمُرونَهُمْ بتَرْك ذلك، وهو يَحْملُهم على الملازمة وعدمِ الالْتِفاتِ لقول المُنْكِرين، فأدَّى ذلك إلى أن أفتى الشيخ المذكور بأَنَّ التَّلَحَّي بدعةٌ، ويُعْزر مُتَعاطِيْهِ، فتسَلَّط على المُلْتَحين السُّفَهاءُ، يُؤْذونَهُم ويُؤْذون الشَّيخَ المذكورَ، ويقولون هو مُبْتدِعٌ، وسَعَوا في منعه من الوَعْظ، فتَرَكَ ذلك وتحمَّل الأَذَى وصَبَر، فلم تَمْضِ مُدَّةٌ قليلةٌ حتى مات الشيخ اللُّطفي مَسْكوتًا، فصار النَّاس

стр. 1624

يَقُولون هذا من بَرَكةِ الخريْشيَّ وانْتِصاره للسُّنَّة، وكانت وفاةُ الخُرَيْشِيَّ الْمَذكورِ ليلةَ الأحد، الثالثَ عشرَ من ربيع الثاني، سنةَ إحْدَى بَعْد الألْف. والخُرَيْشِيُّ مُصَغَّرًا، نسبةٌ إلى قَرْيةٍ من قُرى نَابُلس. انتهى. وذكر في ترجمة ابنه إسحاق أنَّ لَهُ تصانيفَ كثيرة مشهورةً (١). ٢٦١٢ - (ت ١٠٠٢ هـ): محمد بن أحمد بن عمر بن قاضي القضاة شمس الدَّين محمد بن علي بن عمر، سِبْط الرُّجَيْحِيَّ، الدَّمشقيُّ الحنبليُّ . ترجمه المُحِبَّي في "الخُلَاصَة" (٢) وقال: هو قاضي القُضَاة شمس الدَّين الشَّيخ، الإمام، العَالِمُ الفاضِلُ، المُسْنِدُ الفَقِيهُ، قاضي الحنابلة بِدِمَشْق الشَّام، ومَرْجِعُهُم عندَ اخْتِلاف الأئمَّة الأعْلام، أحدُ نوَّاب الحُكْم بمَحْكَمة البَاب بدِمَشْق، وليس هو بابن الرُّجَيْحِيَّ، وإنما هو ابن بنت القاضي الرُّجَيْحيَّ، قيل: كان والده صَفَديًّا يعرف بابن المُحْتَسِب، من أعيان صفَد، فَصَاهرَ الرُّجَيْحي المذكور، ورأس بمصاهرته، وَوَلِيَ القضاء نيابةً نحوَ خمسين سنةً، منها بمَحْكَمَة البَاب أربعين سنةً. وكان حَسَنَ الأخْلاقِ مُنَعَّمًا مثريًّا، ظَاهِرَ الوَضَاءة والنباهة، وله مُحَاضرةٌ جَيَّدةٌ، وكان في مبدأ أمْرِه يخدم قاضي القُضَاة وَلِي الدَّين بن الفرْفُور، ثُم طَلَب العِلْم، وأخَذَ عن العَلَّامة شَيْخ الإسلام، القَاضي رضيَّ الدَّين الغَزِّي العَامِرِيَّ، وتفَقَّه بالشَّرف مُوسى الحجاويَّ، والشيخ شهاب الدَّين بن سالم، ووَلِي قضاء الحَنَابِلة بالمَحْكمة الكُبْرى، في سنةِ ثلاثٍ وستَّين وتِسْع مئة، ونُقِل إلى نِيَابة البَاب، وسافر إلى مِصْر في سنةِ إحدى وتسعين وتسعِ مئة، واجتمع بالأستاذ محمد البَكْريَّ وغيره، واستمرَّ بها مُدَّةً، ثمَّ عاد إلى دِمشق وَوَلِيَ مكانَهُ إلى أن مات. وكان له حُجْرَةٌ بالمَدْرَسَة البَادرائية، وكان مُحَبّبًا إلى النَّاس، جميل اللَّقاء،

стр. 1625

كثير التَّجَمل، وكان يَلبَسُ الثَّياب الواسِعَةَ، والعِمَامَة الكَبيرة على طريقة العَرَب في الأكمام الوَاسِعَة، والعمامة المُدرَجَةِ، وإذا جَلَس في مَجْلِسٍ، أو كان بين جَمَاعةٍ أخذَ يَتَكَلَّم في أخبارِ النَّاس ووقائِعِهم القَديمة التي وَقَعَتْ في آخر أيام الجَرَاكِسَة، وأوائل أيام العثمانية، حتى يُنْصِتَ لهُ كلُّ مَنْ حَضر، وكان شُهُودُ الزُّورِ يَهَابُونَه فَلا يُقدمون بحَضْرته على الشهادة، وبالجُملَة فَقْد كان مِنْ الرُّؤساء الكِبَار، قرأت بخطَّ الطَّارَانيَّ أن وِلادَتَه كانتْ في سبعَ عَشْرةَ وتسع مئه، وتوفَّي نهارَ الجُمُعَة، سادسَ عشري شوَّال، سَنَة اثنتين بَعْد الألْف، ودُفن بمقبرة البَاب الصَّغير، بالقُرْب من سيَّدنا بلال الحَبَشِيَّ، وشهد جَنَازَتَه خَلْقٌ كَثير، وكتب وَصيتَّهُ قبل مَوْته بمدَّةٍ وأبقاها على وِسَادته بخَلْوته في البادرائيَّة، ولما احتضر قال: وضعْتُ وصيَّتي تحتَ الوِسَادة، فإذا مُتُّ فخُذُوها، واعملوا بما تضمَّنتهُ، ثم لمَّا قَضَى نَحْبَهُ أُخرِجَتْ فوُجِدَ فيها جميعُ ما يملك، وخلَّف شيئًا كثيرًا من كتبٍ وأمتعةٍ وغيرها. انتهى. وذكره الغزي (١) وقال بَعدَ تَرْجمةٍ حافلة جِدًا: رأيته في المَنَام بَعْد سِنين فقُلْتُ: ما فعل الله بك؟ فضَحِكَ إليَّ وقال: يا مولانا الشَّيخ أمَا علمْتَ أني مُتُّ ليلةَ الجُمُعة؟!. وقد ذكره ابن الشَّطَّي في "مختصره" (٢) وغير واحد. ٢٦١٣ - (ت ١٠٠٧ هـ): أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد المَعْروف بالشُّوَيْكي الحَنْبلي، أبو العَبَّاس الفَقِيه شِهَاب الدَّين . ترجمه المُحِبَّي في "الخلاصة" (٣) وقال: هو الجِهْبِذُ النَّحْريرُ، كان من أفاضل الحَنَابلة بِدِمَشْق، وكان غَزِيْر العِلْم، سَرِيعَ الفَهْم، حَسَن المُحَاضَرَة، فصيح العِبَارة، وفيه تَوَاضُعٌ وسَخَاءٌ، ولد بصَالحيَّة دِمَشْق وحَفِظ القرآن العظيم، و"المُقْنِع" في الفِقْه، وأخذ الفِقهَ وغيرَه عَن مُحَرَّرِ المَذْهَب الشَّرف مُوسَى

стр. 1626

الحَجَّاوي الصَّالحيَّ، وأخذ العَربيَّةَ وغيرها عن العَلَّامة شمس الدَّين محمد بن طُولُون، والملا مُحِبَّ الله، والعَلَّامة الشبشيري، والعَلَّامة عَلَاء الدَّين بن عماد الدَّين، والشَّهاب محمد الطَّيْبي الكَبِيْر، ثمَّ رَحَل إلى مِصْر، وأخذ بها عن الجُلَّة من العُلَماء، كشيخ الإسلام تقيَّ الدَّين الفُتُوحيَّ، شيخ الحَنَابِلَة بِمصْر، ورَجَع إلى دِمَشْق، وأفتى بها ودَرَّس نحو ستين سنةً، وسَلَّم له فقهاء المَذْهب، غَيْر أنَّه كان يفتي بقول العَلَّامة تقي الدَّين ابن تيميَّة من تَجْوِيْز التَّزْويج بعد الطَّلْقات الثَّلاث الدَّفْعيَّة، وتَوَلَّى صاحبُ التَّرجَمَة القَضَاء بالصَّالحيَّة، وقناة العوني الكُبْرى، وكان يَحْكُم ببَيْع الأوقاف إذا وجدتْ مُسَوَّغاتها، وترك الصَّالحيَّة في أواخِر عُمره وقَطَن بدِمَشق، وخَطَب مُدَّةً طويلةً بجامع الأمير مَنْجَك باشا بمحِلَّة المَيْدان، وكان صوتُه حَسَنًا، وتلاوتُه حسنةً، وامتُحِنَ مَرَّاتٍ، وسافر إلى قسطَنْطِينيَّة في بَعْضِها، وسُرِقَتْ ثيابُه وما كان يملِكُ في دِمَشْق بمنزِلِهِ، ودَخَل عليه اللُّصوص، وأمسكوا لِحْيَتَهُ، وأرادوا قَتْلَه، وينسبُ ذلك إلى غلامِ رُوميًّ، وكانت ولادَتُه في سابع عشر جمادى الآخِرَة، سنةَ سَبْعٍ وثلاثين وتسع مئة، نقله الطاراني عنه، وتُوُفَّي يومَ عَرَفةَ بَعْد العَصْر تاسعَ ذي الحِجّة، سنةَ سَبْع بعد الأَلف، وصَلَّي عليه بالجَامع الأمَويَّ، ودُفِن في سَفْح قاسِيُون على أسلافه الشُّوَيْكِيَّين. انتهى. وترجمه الغَزِّي (١) بتَرْجمةٍ حافلةٍ منها: وقفتُ على هذه الأبيات منسوبةً إلَيْه وهي: سَهِرَت أعينٌ ونامَتْ عُيُونُ … لأُمُورٍ تكونُ أو لا تكونُ فادرأ الْهَمَّ ما اسْتَطَعْتَ عَنِ النَّفْـ … ـس فَحُمْلانُكَ الهُمُومَ جُنُونُ إنَّ ربًّا كفاكَ ما كان بالأمْـ … ـسِ سَيَكْفيكَ في غدٍ ما يَكُونُ ٢٦١٤ - (ت ١٠١١ هـ): محمد بن إبراهيم بن عُمَر بن مُفْلح، الرامِيْنِيُّ المقدسيُّ الحنبليُّ، أكمل الدَّين القَاضي الحنبلي .

стр. 1627

ذكره الغزي (١) وقال: هو الشَّيْخُ الإمامُ، العَالِمُ العَلَّامة، البَارع المؤَرَّخ، المسند الفَقِيْه، مولده بدِمَشْق بَعْد عَصْر يوم الجُمُعَة، ثاني عشر جُمَادى الآخرة، سنةَ ثلاثين وتسعِ مئة، وأخَذَ الفِقْه والحَدِيْث وغيرهما عن جَمَاعةٍ من أجلاء أهل القَرْن العَاشِر، منهم والده القاضي برهان الدَّين، وقد اسْتَجازَ والده المزبور لنفسه ولإخوته وأولاده كما تقدَّم، وممن أخذ عنهم صاحب التَّرجمة واسْتَجَازَ منهم الشَّيخ قُطْب الدَّين بن سُلْطان، والشيخ شمس الدَّين محمد بن طولون، وأبو السُّعُود أفَنْدي مفتي الدَّولة العُثْمانيَّة، والسَّيد كمال الدَّين بن حَمْزة، والقاضي رَضِيُّ الدَّين الغَزِّي، وولده العَلَّامة بدر الدَّين الغَزِّي، والشَّيخ إبراهيم بن جَمَاعة، والشَّيخ عليُّ بن أبي اللُّطْف المَقْدِسِيُّ والشَّهابُ أحمد المبلي المالكي، قاضي القُضَاة بالقُدس الشَّريف، وقرأ القرآن العَظيم بدِمَشْق على شيخ الإقراء بها شهابِ الدَّين أحمد الطَّيْبِيَّ، إفرادًا وجَمْعًا للقُّراء السَّبْعة، وكان له خَطٌّ حَسَنٌ، كَتَبَ به عِدَّةَ كُتُبٍ ومَجَاميعَ، وعلى كِتَابته رَوْنقٌ ظاهرٌ، وله تفنن في الكتابة، ووضعها في جداول مُسْتَدِيرة ومُسْتَطِيلة ومُرَبَّعة، إلى غير ذلك، وله تآليفُ لطِيفةٌ منها: "تاريخ من آدم ﵇ إلى دولة السُّلطان قايتباي"، و"رسالة في تواريخ الأنبياء" من لَدُن آدم ﵇ إلى نبينا محمد ﷺ ، ورسالةٌ مُشْتَمِلةٌ على مُدَّة الخِلَافة بَعد النبيَّ ﷺ ، ورسالة في ذكر أخبار المُلُوك المِصْرية، ورَسَالةٌ مُخْتَصَرَةٌ من "كتاب أبي شَامَة" في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، وغير ذلك من التَّعَاليق والفَوَائَد، والأشعار والأدبيَّات، والتَّاريخيَّات وله من الشَّعْر: أليس عَجِيْبًا أنَّ حَظَّيَ ناقِصٌ … وغَيْريْ لَهُ حَظُّ وإنَّيْ لأكْمَلُ وقوله في ناعُوْرَةٍ: لَقَدْ كنتُ غُصْنًا في الرَّياضِ مُنْعَّمًا … أمِيْسُ ونَصْبِيْ في أَمانٍ مِنَ الخفضِ فَصَيَّرَنِيْ صَرْفُ الزَّمَانِ كما تَرَى … فبَعْضِي كما لاقَيتَ يَبْكي على بَعْضِ وكانتْ وَفَاتهُ في خامس عشري ذي الحجَّة، سَنةَ إحدى عشرةَ وألفٍ. انتهى

стр. 1628

وذكره في "السُّحُب الوابلة" (١) وقال: إنه سافر إلى الآسِتَانَة، ووَلِيَ قضاء بَعلَبَكَّ وصَيْدا، ثمَّ استقرَّ في دِمَشْق. وكذا ابن الشَّطَّي في "مختصره" (٢) وقال: هو آخِرُ مَن عُرَف من بني مفلح بِدِمَشْق، وقد انقَرضَتْ هذه الأسْرةُ، ولَم يَبْقَ منها سِوَى الأسْباط، وهم بنو الأُسْطُوانيَّ، الأسرة الكَبيْرة المعروفة بدمشق، تَوَلَّوا عنهم أوقافًا ووظائفَ كثيرةً، ومن الإتَّفاق العَجيب أَن صَاحبَ التَّرجمة تلقَّى القَضَاء عن سَبْعة آباء، فهو أكمل الدَّين محمَّد بن بُرْهان الدَّين إبراهيم بن نجم الدَّين عمر بن بُرهان الدَّين إبراهيم بن أكمل الدَّينَ محمد بن شَرَف الدَّين عَبد الله بن شمس الدَّين محمد، تلميذ ابن تيميَّة. انتهى. وذكره المحبي في "الخُلاصَة" (٣) بنحوه. ٢٦١٥ - (ت ١٠١٢ هـ): أبو الهُدَى العُلَيْمِيُّ المَقْدِسِيُّ الحنبليُّ . ترجمه المُحِبَّي في "الخُلاصَة" (٤) وقال: هو الوَلِيُّ الصَّالح، قطبُ وَقْته. ذكره النَّجم في "ذيله" وأحْسَنَ الثَّناء عليه كثيرًا، وهو من ذرَّيَّة الوَلِيَّ الشَّهير علي بن عُلَيْم. قال النَّجْم: أخْبَرَني صاحبنا أحمد بن المُغِيرة، وَهُوَ ثِقَةٌ، وقَدْ شَهِد جنازَتَه بِبَيْت المَقْدِس، أنَّه مات في ليلَةِ الجُمُعة ثامن شعبان، سنةَ اثنتي عشرة وألفٍ، ولم يتأخَّر عن جَنَازته أحد من أهْل القُدُسْ. انتهى. ٢٦١٦ - (ت ١٠١٤ هـ): محمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن إسماعيل ابن أحمد بن محيي الدَّين، المَرْزَنَاتي الصُّوفي الصَّالحي الحنبلي . ذكره المُحبي في "الخلاصة" (٥) وقال: هو الشَّيخ الصَّالح الخَيَّر، كان من أمْثل صُوفيَّة الشَّام، وكان كثير الرَّحْلة إلى الرُّوم، وله معَ عُلَمَائها اخْتلَاءٌ كثيرٌ،

стр. 1629

وكان فاضِلًا عارفًا، وله في التَّاريخ معرفةٌ، وقيَّد كثيرًا من أحوال معاصريه في مَجَاميعه، وذكر وَفيَات بَعْض العُلَماء، وكانت وفاته سنة أربع عشرة بعد الألْف، انتهى المُرَاد من ترجمةٍ طويلة جدًّا. ٢٦١٧ - (ت ١٠١٩ هـ): القاضي العَلَّامةِ، مفتي الدَّيار النَجْديَّة، ابن عَفَالق النَّجْديُّ الحنبليُّ، الشَّيخ العَالِم النحْرِير، قاضي بَلَد العُيَنْنَة، من بُلدان نَجْد . ذكره ابن بِشْر النَّجْدي في "عُنْوَان المَجد" (١) وقال: إنَّه تُوُفَّي سنةَ تسعَ عَشْرةَ وألف. وكذا ذكره الفَاخريُّ في "تاريخه" فقال: وفي سنة تسعَ عَشْرةَ وألف مات الشَّيخ ابن عفالق قاضي العينية. انتهى. ٢٦١٨ - (ت ١٠٢٠ هـ): محمد بن محمد بن حسين بن سُلَيْمان، المُلَقَّب ناصر الدَّين، الشَّهير بالأسْطُوانَّي، الدمشقيُّ الحنبليُّ، أحد العدول بِدِمَشْق . ذكره النَّجْم الغَزِّي في "ذَيْل الكَوَاكِب" (٢) وقال: كان من أَمْثل الكُتَّاب بمَحْكمة البَاب، وكان يَكْتُب بين يدي قُضاة القضاة حين عجز رئيس الكُتَّاب جمال الدَّيْن يوسف العَدَويُّ، وكان شيخُنا شيخ الإسلام العَيْشَاويُّ يُثْني عليه كثيرًا، ويُعدَّلُهُ ويقول: هو أحسن الشُّهود كتابةً، وأدينُهم، وكان ساكِنًا صامتًا، قليلَ الكَلَامِ، لا يَدْخُلُ فيما لا يَعْنيه. تُوُفَّي في رَجَب سنةَ عشرين بعد الألف. انتهى. وذكره المُحِبَّي في "الخلاصة" (٣) بنحو ما هنا وقال: إنه دفن بمقبرة باب الفَرَاديس، وتَقَدَّمت ترجمة أبيه وجَدَّه. ٢٦١٩ - (ت ١٠٢١ هـ): موسى بن عامر النَّجدي الحنبلي القاضي .

стр. 1630

ذكره ابن بِشر النَّجْديُّ في "عنوان المجد" (١) وقال: هو الشيخ العالم العَلَّامة القُدوة، قاضي بَلد الدَّرْعِيَّة من بُلدان نَجْد. تُوُفِّي سنةَ إحدى وعشرين بعد الألف. انتهى. ٢٦٢٠ - (ت ١٠٢٦ هـ): محمد بن أحمد، المرداويُّ الأصل والشُّهرة، القَاهِرِيُّ الحنبليُّ . تَرْجَمَهُ المُحِبيُّ في "الخُلَاصة" (٢) وقال: هو الشَّيخُ الإمام، العَالِمُ العَلَّامةُ الهُمَامُ، الفقيهُ الحَنْبليُّ، شيخُ الحَنَابِلَة في عَصْره، ومَرْجعُهُم، كان جَبَلًا من جبال العِلْم، بحْرًا من بحور الإتقان، وهو شيخ الحنابلة في غُره بالقاهِرَة، أخذ عن التَّقيِّ محمد الفُتُوحيِّ، وعن الشَّيْخ عبد الله الشنشوريِّ الفرضيِّ، وأخذ عنه جماعةٌ من الأفاضل منهم: الشيخ مرعي بن يوسف الْمَقدِسِيُّ الحنبليُّ، والشَّيخُ منصور البَهُوتيُّ الحنبليُّ، والشَّيخ عثمان الفُتُوحيُّ الحنبليُّ، والشَّمسُ محمد الشويري، وأخوه أحمد الشِّهاب، والشَّيخ سُلْطَان المزاحي الشَّافعيُّون، وكثيرٌ من أهْل مِصْر وغيرهم. وكانت وفاتُه بِمِصْر، سنةَ ستٍّ وعشرين بعد الألف، ودُفِنَ بتُرْية المُجَاورين بالقُرب من السِّراج الهِنْدِيِّ. انتهى. ٢٦٢١ - (ت ١٠٣٠ هـ): القاضي نور الدِّين محمود بن محمد بن عبد الحَمِيد، الشَّهِيْرُ بالحَمِيْديِّ، الدِّمشقيُّ الصَّالحيُّ الحنبليُّ . ذكره الغَزِّي في "ذيل الكواكب" (٣) وقال: هو الشَّيخ الإمامُ، العَالِمُ العَامِلُ، المُسْندُ المُحَدِّثُ، الفَقِيْه المُفَنَّنُ الكامل، أبو الثناء نور الدِّين، المُتَبَحِّر في العُلوم، الجامعُ بين المنطوقِ والمَفْهُوم، الحُجَّةُ العُمْدَة، قاضي القضاة، سِبْط شيخ الحنابلة الشَّرفِ موسى الحَجَّاويِّ، صاحب "الإقناع"، سافر إلى مصر لطَلَب العِلْم والتِّجارة، فأكْرمَ مَثْواه خالُه العَلَّامة الشيخ يحيى الحَجَّاويُّ، واشتغل عنده

стр. 1631

في العُلُوم وقرأ عليه وعلى غيره، وكان بارعًا فقيهًا، ثم رَجع إلى دِمَشْقَ، فلازَمَ الشَّيخ شَمْس الدِّين بن المنقار، وانْتَسَبَ إليه، فسَعَى له في نيابَةِ القَضَاءِ، فَوَلِيَ بالصَّالِحيَّة، ثم بالكُبْرى ثم بالباب بعد وفاة القاضي شَمْس الدِّين الرجيحي، وتقدَّم على النُّوَّاب لسنِّه وتصرُّفِهِ، مع استحضاره لمَسَائِل القَضاء، حتى كان يأخذ على غيره من النُّوَّاب في المذاهب الأخرى. قال الغَزِّي: وأَخبرنا شيخ الإسلام والدي السيد محمد شريف، عن شيخ الإسلام والده الشمس محمد الغزِّي، عن العَلَّامة السَّيِّد إبراهيم، عن والده مُحَدِّث دِمَشْق السَّيِّد محمد بن حمزة، عن خاتمة المُحَدِّثِين بِدِمشْق بدر الدِّين محمد البلباني، تِلْمِيْذ صاحب التَّرجمة، أنه أخذ الحَدِيْثَ عن شَيْخ الإسلام، ملحق الأحفاد بالأجداد، جدِّنا البَدْر الغَزِّي، وعَرَض عليه "الْمُقْنِعَ"، و"ألْفِيَّة ابن مالك" من حفظه. انتهى. وذكره المُحِبِّي في "خلاصة الأثر" (١) وقال: لما مات القاضي شمس الدِّين سِبْط الرجيحي نُقِلَ إلى مكانه بمَحْكَمة البَاب، فتَغَيَّرت أطْوَارُه، وتَنَاول وتَوَسَّع في الدُّنْيا، وأنشأ عقاراتٍ، وعَظُمَ أمرُه، وحَصَل له مِحْنةٌ أيام الحَافِظ أحمد باشا، فأخذ منه مَبْلغًا له صُوْرَة، ثم جَرَتْ له مِحْنَةٌ أُخْرى في نيابةِ جركس مُحَمَّد باشا، وأخذ منه مالًا أيضًا، غير أنَّه تلافى خاطره، وَوَقَعَ في آخر الأمر منافرةٌ بَيْنَهُ وبَيْن القَاضِي يُوسُف بن كريم الدِّين، ثم مَرِضَ، وطال مَرَضُهُ من القَهْر، ولمَّا عَلِمَ أنَّه لَمْ يَبْق له رَجْوى، بَذَل مالًا لقاضي القُضَاةِ بِدِمَشْق المولى عَبْدِ الله بن محمود العباسيِّ على أن يُوَلِّيَ نِيَابَةَ البَابِ لولدِهِ القاضي محمَّد فَوَلَّاه يومًا واحدًا، ثُمَّ سَعَى الكريميُّ عِنْدَ القاضي بأن يُوَلِّيَ نِيَابَة للقاضي عبد اللطيف بن الشَّيخ الوَفَائيِّ، وأن يولِّيَ ابن الحَميْدي بالمَحْكَمة الكُبْرى مكان القاضي عَند اللَّطيف، فَفَعَل، ولَمْ يَتمَّ للقاضي محمود مُرَادُه، ولو لم يقْبَلْ ذلك لضاع عليه المالُ الذي بذله فبقي في حُزْنه وغَيْظِه، وقوي عليه المَرَضُ فماتَ مَقْهُورًا، بعد أنْ قَعَد شُهُورًا، وكانت وفاتُه يومَ الجُمُعَة، سابعَ عشر جمادى الأولى، سنةَ ثلاثين بعد الألف، ودُفِنَ بمقْبرة الباب الصَّغير. انتهى.

стр. 1632

وأخذ عن صاحِبِ التَّرجَمة جَمَاعَةٌ من الأئمَّةِ منهم وَلَدُه القاضي محمد، والبَدْر محمَّد البلباني، والشيخ عبد الباقي مفتي الحنابلة وغيرهم. ٢٦٢٢ - (ت ١٠٣٣ هـ): مَرْعيُّ بن يوسُف بن أبي بَكْر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسُف بن أحمد، الكَرمِيُّ نسبةً إلى طُوْر كرم، قريةٌ من قُرى نَابُلُس، ثم المَقْدِسِيُّ، نزيل مِصْر القَاهِرَة، الحنبليُّ . ذكره المُحِبِّي في "خُلاصة الأثر" (١) وقال: هو شيخ الإسلامِ، أوْحَد العُلَماء الأعلام، فريد عَصْره وزَمَانه، وَوحيدُ دَهْره وأوانه، صاحب التآليف العَدِيْدة، والتَّحْريرات المُفِيْدَة، العَلَّامةُ بالتَّحقِيق، والفَهَّامة بالتَّدْقِيْق، أحدُ أكابِرِ عُلَمَاء الحَنَابِلَةِ بِمْصر، كان إمامًا فقيهًا مُحَدِّثًا، ذا اطِّلاعٍ واسعٍ على نُقُول الفِقْه ودقائقه ومَعْرفةٍ تامَّةٍ بالعُلُوم المُتَدَاولة، أخَذَ الفِقْه عن الشَّيْخ محمد الْمَردَاويِّ، وعنِ القاضي يحيى بن مُوسى الحَجَّاويِّ، ثم دخل مِصْر وتَوطَّنَها، وأخذ بها بقيَّة العُلُوم، من حَدِيثٍ وتَفْسير عن الشَّيخ الإمام محمد حِجَازي، الوَاعِظِ، والمُحَقِّقِ أحمد الغُنَيْميِّ، وكثيرٍ من المشايخ المِصْرِيِّين، وأجَازَهُ شيُوخُه، وتَصدَّر للإقراء والتَّدْرِيس بجامع الأزْهَر، مع تولِّي المشيخة بجامع السُّلْطان حَسَن، ثم أخذها عنه عَصْريُّه العَلَّامة إبراهيم المَيْمُونيُّ، ووقع بينهما ما يقع بين الأقران، وألَّفَ كلٌّ منهما في الآخر رسائل، وكان منهمكًا في العُلُوم انهماكا كُلِّيًا، قطع زمانه بالإفتاء والتَّدْرِيس، والتَّحقِيْق والتَّصْنيف، فسَارَتْ بتآليفه "الرُّكْبَانُ، ومَعَ كَثْرة أَضْداده وأعدائه ما أمكن أحدٌ أن يَطْعَنَ فيها، ولا أن يَنْظُر بعَيْن الإزدراء إليها. وتآليفُه كثيرةٌ غَزِيرةٌ منها: كتاب "غاية المُنْتَهى في الجَمْع بين الإقناع والمُنْتَهى" في الفقه، قريبًا من أربعين كُرَّاسًا، وهو مَتْنُ جَمعَ من المسائل أقْصَاها وأدْناها، مَشَى فيه مَشْيَ المجتهدين في التَّصْحيح، والاخْتِيارِ، والترجيح، وله كتاب "دليلُ الطَّالب" في الفِقْه، نحو عشرة كَرَارِيس، وكتاب "دَلِيلُ الطَّالِبين لكلام النَّحْويِّين"، و"إرْشَاد مَنْ قَصْدُهُ إعرابُ لا إله إلَّا الله

стр. 1633

وحده"، "مقدمة الخائض في عِلْم الفرائض"، "القول البَدِيع في عِلْم البَدِيْع"، "أقاويلُ الثِّقاتِ في تأويل الأسْماء والصِّفات"، "الآيات المحكمات والمُتَشابهات"، "قُرَّة عين الموَدود بمَعْرفةِ المَقْصُور والمَمْدُود"، "الفَوَائِد المَوْضُوعة في الأحاديث المَوْضُوعة"، "بديع الإنْشَاء والصِّفات في المُكَاتَبَات والمُراسَلَات"، "بَهْجَةُ النَّاظرين في آيات المُسْتَدِلين" نحو عشرين كُرَّاسًا، يَحْتوي على العَجَائب والغرائب، "البُرْهان في تفسير القَرآن" لم يَتِمَّ، وكتاب "تنوير أبْصَار المقلِّدين في مناقب الأئمة المُجْتهِدين"، "الكَوَاكب الدُّرِّيَّة في مناقب ابن تيميَّة"، "الأدلَّة الوَفِيَّة بتصويب قول العُلماءِ والصَّوفيَّة"، "سلوك الطَّريقة في الجمع بين كلام أهل الشَّريعة والحَقِيْقَة"، كتاب "روض العارِفِين في تسليك المُرِيْدِين"، "إيقاف العَارفين على حكم أوقاف السَّلاطين"، "تهذيبُ الكلام في حكم أَرض مِصْر والشَّام"، "تشويق الأنام إلى حَجِّ بيتِ الله الحَرَام"، "محرِّك سَوَاكن الغَرام إلى حَجِّ بيتِ الله الحَرَام"، "قلائد المُرْجَان في النَّاسخ والمَنْسُوخ من القُرآن"، "أرواح الأشباح في الكَلام على الأرواح"، وكتاب "مرآة الفكر في المَهْديِّ المنْتَظَر"، "إرشاد ذوي الأفهام لنزول عِيْسى ﵇"، "الرُّوْض النَّضِر في الكلام على الخَضِر"، "تحقِيْقُ الظُّنُونِ بأخبار الطاعُون"، "ما يفعله الأطِبَّاء والدَّاعون لدفعِ شرِّ الطَّاعون"، كتاب "تلخيص أوْصَاف المُصْطَفى وذكر مَنْ بَعْدَهُ من الخُلَفا"، "اتحاف ذوي الألباب في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، "إحَكْام الأسَاس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾. "تنبيه المَاهِر على غير ما هو المُتَبَادر من الأحاديث الوارِدَة في الصِّفات"، "فتح المَنان بتفسير آية الامْتِنَان"، "الكلمات البيِّنات في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ "، "أزهار الفلاة في قَصْر الصلاة"، "تحقيق الخلَافِ في أصحاب الأعراف"، "تحقيق البُرْهان في إثْبَات حَقِيْقة المِيْزان"، "توقيف الفَرِيْقَيْن على خُلُود أهل الدارَيْن"، "توضيح البُرْهان في الفرق بين الإسلام والإيمان"، "إرشاد ذوي العِرْفَانِ لما في العُمُر من الزِّيادة والنقصان"، "اللفظ المُوَطا في بيان الصَّلاة الوُسْطى"، "قلائِدُ العِقْيان في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ "، "مَسْبوك الذَّهب في فَضْل العَرب، وفَضْل شَرَفِ العِلْم عَلى شَرَف النَّسب"،

стр. 1634

"شِفاء الصُّدور في زيارة المشاهد والقبور"، "رياض الأزهار في حُكْم السَّمَاعِ والأوْتار والغِنَاء والأشعَار"، "تحقيق الرُّجْحَان بصوم يَوْم الشَّكِّ من رَمَضَان"، "تحقيق البُرْهان في شأن الدُّخَانِ الذي يَشْربُهُ النَّاسُ الآن"، "رَفْع التَّلْبِيس عَمَّن توقف عمَّا كفر به إبليس"، "تَحْقِيق المَقَالة هل الأفضل في حَقِّ النبيِّ الولايةُ أو النُّبُوَّة أو الرِّسَالة"، "الحُجَجُ البَيِّنة في إبْطال اليَمين مع البَيِّنَة"، "المسائل اللَّطِيفة في فَسْخ الحَجِّ إلى العُمْرةِ الشَّرِيْفة"، "المُنِيْر في اسْتِعْمال الذَّهَبِ والحَرير"، "دَليل الحكَّام في الوُصُول إلى دار السَّلام"، "نُزْهة النَّاظرين في فَضْل الغُزَاة والمُجَاهِدِين"، "بُشْرى مَن استَبْصر وأمر بالمَعْرُوف ونهى عن المُنْكر"، "بُشْرى ذوي الإحْسَان فيمَنْ يقضي حَوائجَ الإخوان"، كتاب "الحِكَم الملَكيَّة والكَلِمُ الأزْهَرِيَّة"، "إخلاص الوِدَاد في صِدْق المِيْعاد"، "سلوان المصاب بفرقة الأحباب"، "تسكين الأشواق بأخبار العشاق"، "منية المحبِّين وبغية العارفين"، "نزهة المتفكرة"، "لطائف المعارف"، "المَسَرَّة والبِشَارَةُ في فضل السَّلْطَنَة والوَزارة"، "نُزْهة النَّاظِرين في تاريخ مَن وَلِيَ مِصْر من السَّلاطين"، "قلائد العِقْيان في فضائل آل عثمان"، وغير ذلك من الفَتَاوى والرَّسائل النَّافَعة، التي تلقَّاها النَّاسُ بالقَبُول، وتَداوَلوها، وله رسالةٌ سَمَّاها "النادِرَة الغريبَة والوَاقِعَة العَجِيبة"، مَضْمونُها الشَّكوى من المَيْموني، والحَطِّ عليه، وله دِيْوان شِعْر مَشْهورٌ، ومن شعره قصيدةٌ أوَّلُها: يا ساحر الطَّرْفِ، يا مَنْ مُهجَتِيْ سَحَرا … كَمْ ذا تَنَام وكَمْ أسْهَرْتَنِي سَحَرا لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ ما ألقاهُ مِنْكَ لما … أتْعَبْتَ يا مُنْيَتي قلبًا إليكَ سَرَى هذا المُحِبُّ لقد ضَاعَتْ صَبَابَتُه … بالرُّوح والنَّفْس يَوْمًا بالوِصَالِ شَرى وكذا قوله: لئن قَلَّدَ النَّاس الأَئِمَّةَ إنَّني … لَفِي مَذْهب الحَبْر ابْنِ حَنْبَل رَاغِبُ أُقَلِّدُ فَتْواهُ، وأَعْشَقُ قَوْلَهُ … ولِلنَّاسِ فيما يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ وكانت وَفَاةُ صاحب التَّرجَمة بِمِصْر، في شَهْر رَبيع الأوَّل، سنَةَ ثلاثٍ وثلاثينَ وَأَلْف.

стр. 1635

وذكره ابنُ بِشْر النَّجْدِيُّ في "تاريخه" (١)، والنَّجْم الغَزِّي (٢) بتَرْجَمةٍ حَسَنةٍ، والبَدْرانيُّ في "المَدْخل" (٣)، وصاحبُ "السُّحُب الوابلة" (٤)، وغيرهم كثير. قلت: ولَهُ غيرُ ما تقدَّم من التصانيف من ذلك: "دَفْعُ الشُّبْهَة والغرَر عَمَّن يحَتَّجُّ على فِعْل المَعَاصي بالقَدَر"، و"رَوْض العارفين". ٢٦٢٣ - (ت ١٠٣٥ هـ): إسحاق بن محمد بن أحمد، الشَّهير بالخُرَيْشيِّ، المَقْدِسيُّ الحنبليُّ . ذكره المُحِبِّيُّ في "الخلاصة" (٥) وقال: هو شَيْخ القُدس ومفتيها، وابن مفتيها، الشَّيخُ الإمامُ، العَالِم العَامِلُ، الفَاضِلُ الهُمَامُ، وُلِد بِبَيْت المَقْدِس، ونشأ بها، وكان عالمًا عاملًا، أخذ عن والده، وأمَّ بالمَسْجد الأقصى، وكان إليه المُنْتَهى في عِلْم القراءات العَشْر، حَسَنَ الصَّوْتِ والأداء، لا يُمَلُّ من سَمَاعِهِ، طارحًا للتَّكلُّف، مُشْتَغِلًا دائمًا، يقرأ كلام الله، ووالدُهُ محمد صاحب المؤلَّفات العَديْدَة المَشْهُورة. وتُوُفِّي صاحب التَّرجَمة سنةَ خَمْسٍ وثَلَاثين بعْدَ الأَلْف. انتهى. - (ت ١٠٣٥ هـ): أحمد بن أبي الوَفَاء المُفْلحي، يأتي سنةَ ثمانٍ وثلاثين وألف. [انظر: ٢٦٢٥]. ٢٦٢٤ - (ت ١٠٣٦ هـ): القاضي عَبد اللَّطيف بن أحمد بن أبي الوَفَاء عليَّ بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مُفْلحٍ بن محمد بن مفرج الْمُفْلِحِيُّ الحَنْبليُّ . ذكره المُحِبِّيُّ في "الخلاصة" (٦) وقال: كان شيخًا فاضلًا جَلِيلًا، عالِمًا

стр. 1636

كامِلًا، نبيلًا فقيهًا مشتغلًا، مَشْهُور السُّمْعَة، جَرِيئًا في فَصْل الأمور، أخذ عن والده، ورَحَل إلى مِصْر في سنة خَمْسٍ بَعْد الألف، وأخذ بها الحَدِيثَ عن النُّور الزِّيَاديِّ، وتَفَقَّه بالشَّيخ يحيى بن الشَّرف مُوْسى الحَجَّاويِّ، وبالشَّيخ الإمام عَبْدِ الرَّحمن بن يوسف البهوتيِّ، وأجازَهُ بالفَتْوى والتَّدْرِيس، واسْتفاد وأفاد، ثم رَجَع إلى دِمشْق سنةَ سَبْعَ عَشْرة بَعْد الألف، ووَلِيَ قَضَاء الحَنَابِلَة بالمَحْكَمة الكُبْرى أولًا، ثمَّ صار قَاضِيَ الحَنَابلة بمَحْكَمَة البَاب. وتُوُفِّي في سادس عَشَرَ شَعْبان، سنةَ ستٍّ وثَلاثينَ بَعْد الأَلْف. انتهى. ٢٦٢٥ - (ت ١٠٣٨ هـ): أحمد بن أبي الوَفَاء عليِّ بن إبراهيم بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، المُفْلِحي الصَّالحي ثم الدِّمَشْقي، شِهَاب الدِّين المُكْنَى بأبي الوَفَاء الحَنْبليِّ بن قاضي القُضَاة عَلَاء الدِّين أبي الوَفَاء بن قَاضي القُضَاة بُرْهان الدِّين بن قاضي القُضاة أكْمَل الدِّين بن قاضي القُضَاة شَرَف الدِّين بن قاضِي القُضَاة شَمْس الدِّين بن الإمَام زَيْن الدِّين أبي المفاخر مُفْلح، المَقْدِسِي الأصل . قال المُحِبِّيُّ في "خُلاصَةِ الأَثر" (١): هو الإمام العَلَّامة النَّحْرير، المُحَقِّق الكَبْير، الفَقِيْه المُحَدِّث، الوَرعُ الزَّاهد، الثَّبْتُ الخَيِّر، كان أحد العُلَماء بالشَّام المُلازمينَ على تعليم العِلْم والفُتْيا، وكان له المَتَانَةُ الكَامِلَةُ في الفِقْه والعَرَبيَّة والفَرَائِض، والحِسَاب والتَّاريخ، ولأهل دِمَشْق فيه اعتقاد عَظِيْم، وهو مَحَلُّه وأهله، وكان مُتَجنِّبًا غَالِبَ النَّاس، وله مُدَاوَمَةٌ على تِلاوة القرآن والعِبَادة، أخذ عن الجُلَّة من مشايخ عصره، منهم جَدُّنا العَلَّامة شيخ الإِسْلام البَدْر مُحَمد الغزِّي العَامِريُّ والعَلَّامة أبو الفِدَاء إسماعيل بن إبراهيم النَّابُلُسي الشَّافعي، وأخذ الفِقْه عَن الفَقِيه الكَبِيْرِ الشَّرف مُوسى الحَجَّاويِّ، صاحب "الإقناع"، وأخذ عن الإمام المُحَدِّث الكَبِيرِ الشَّمس محمد بن طُولُون الصَّالِحِيِّ، وبَرَعَ في أنواعِ العُلُوم، ودَرَّس بِعِدَّة مَدَارس منها: دارُ الحَدِيث بصَالِحيَّة دِمَشقَ بالقُرْبِ من المَدْرَسة

стр. 1637

الأتَابَكِيَّة، وكان له بُقْعَة تَدْريس بالجَامِعِ الأُمَويِّ، وعُرض عليه قضاءُ الحَنَابِلَة بمَحْكَمة البَاب لَمَّا مات القَاضي محمد سِبْط الرُّجَيْحيِّ فَي زَمَن قاضي القُضاة المَولى مُصْطَفى بن حُسَين بن المَوْلى مَنَّان صاحب حَاشِيَة التَّفْسير، فامتَنَع، وبالغ القَاضي ومَنْ كان عِنْده من العُلَماء في طَلَبِه، فلَمْ ينْخَدِعْ، ولَمْ يَلِ القَضَاء، واعتَذَرَ بثقل السَّمْع، وأنَّه لا يَسْمع ما يقوله المُتَداعِيَان بِسُهُولة، وذلك يَقْتَضي صُعُوبة فَصْل الخِطَاب، ولَمْ يَزَل يتلَطَّفُ بِالقَاضي حتَّى عَفَا عَنْه، وكَانَتْ وَفَاتُه في جُمَادى الآخرة، سنةَ ثمانٍ وثلاثين بَعْد الألف. انتهى كلام المُحِبِّي. وذكره الغَزِّيُّ (١) وقال: وَجَدْتُ بخَطِّ تلمِيذِه العَلَّامة عَبْد البَاقي مُفْتي الحَنابِلة ما نصُّه: شيخنا الشَّيخ شِهَاب الدِّين أحمد الوَفَائيُّ الحنبليُّ المُفْلِحِيُّ، سَكَن الصَّالِحِيَّة أوَّلًا، ثم مَدينة دِمَشْق، أجمَعَ النَّاسُ على جلالته ودينه، بل وعلى وِلَايَتِهِ، تُوُفِّي سنةَ خَمْسٍ وثَلاثين بَعْد الألف، ودُفِنَ في تُرْبة الحَنَابلة بمَرْج الدَّحْداح خارجَ بابِ الفَرَاديس، وأخبرني مَنْ أثِقُ به يومَ ماتَ أنَّ عُمره مئة سنةٍ إلا سنة، أدرك الشَّيخ مُوسى الحَجَّاويِّ صاحب "الإقناع" وقرأ عليه، وكان مُلازمًا على التَّدْريس في جَامع بَني أُمَيَّة في كلَّ العُلُوم الشَّرعيَّة وآلاتها، أعرف النَّاس في الفَرَائضِ والعَرَبيَّة، وكان زاهدًا متقلِّلًا في الدُّنْيا، لا يَعْرف تَصَنُّعًا، لا فِي مَلْبَسه، ولا في شَيْءٍ مِنْ حَرَكاته وسَكَناته، وكان لا يستطيع أحدٌ إذا صَافَحه بيَدِهِ أن يَرْفَعَها ليُقَبِّلها لقُوَّة أعْضَائه، ولامتناعه من ذلك، مَرْجِعُ أهْل الشَّامِ ومُعْتَقَدهم. انتهى. وذكره عَصْريُّهُ البَدْر حَسَن البُوْرِيْنيُّ في "تاريخه" بنحو ما ذَكَر، وأثنى عليه كثيرًا. قال الغَزِّي: ورأيت بخطِّ ابن عَمّ المُتَرْجَم الفَاضلِ المُسْنَدِ القَاضي أَكْمَلِ ابن مُفْلحٍ ما صُوْرَتُه: أنشدني من لَفْظه لِنَفْسه ابن العَمِّ أبو الوفاء أحمد بن أبي الوفاء ابن مُفْلح: شبيهةَ بَدْر التَّمِّ باللهِ أنْجزي … وَفَاءَ لمَوْعودٍ له الضَّنْكُ والبَلْوى لَقَدْ ضَاق ذَرْعًا بالبِعَاد وَمَنْ يَكُنْ … وَلُوعًا بلَيْلَى لا تَلِيْقُ به الشَّكْوَى

стр. 1638

رَعَى الله أيامَ الوِصَالِ وعَطْفَها … عليَّ فما أحلى ثناها وما أشْهَى ومِمَّا أنْشَدَهُ لنَفْسه جَوابٌ عَنْ لُغْزٍ في سوسنة: يا فَاضِلًا فاقَ الأنامَ كُلُّهُمْ … تَرَكْتَنِيْ في حَيْرةِ وَفي وَلَه أبْرَزْتَ في نَظْمِ القَرِيضِ اعْجوبةً … أنْعِمْ بِهِ وَقْد كُفِيْتم أَوَّلَهْ وأُصِيْبَ صاحبُ التَّرجَمة بوَلَده القاضي عَبْد اللَّطيف المُتَقَدِّم، وممَّن أخذ عن المُتَرْجم العَلَّامة المُسْند الأَثري الشَّيخ تقي الدِّين عَبْد البَاقي مفْتي الحَنَابلة بِدِمَشْق، والشَّيْخ ضِيَاء الدِّين عَبْد الغَني النَّابُلُسيُّ الدِّمشقي، جَدُّ الأستاذ عَبْدِ الغَنِيِّ النَّابُلُسي، قدس الله سِرَّه، والشَّيْخ عِمَاد الدِّيْن بنْ عبد الرَّحمن العِمَادي، مُفْتي الحَنَفِيَّة بِدمَشْق، والشَّمس محمد البَلْبَاني، والشَّيخ مَنْصُور بن علي المِصْري الفَرضيُّ نزيل الصَّالحيَّة. انتهى. ٢٦٢٦ - (ت ١٠٤٠ هـ): عبد الرَّحمن بن يُوسُف بن علي الشَّيخ زَيْن الدِّين بن القَاضي جمال الدِّين بن الشَّيخ نُور الدِّين، البُهُوتيُّ المِصْريُّ الحَنبليُّ . الشَّيخ الإمَام العَالِم العَلَّامة، المُسند الأثريُّ، البَرَكَةُ الثِّقَةُ العُمْدَة، الإمام الفَقِيْه، المُتَضَلِّع من العُلُوم والفضائل، خاتمة المُعَمَّرين، وُلِد بِمصْر، ونَشَأ بها، وقرأ الكُتُبَ السِّتَّة وغَيْرها من كُتُب الحَدِيْث، ورَوَى "المُسَلْسَل" بالأوَّلِيَّة عن الجَمَال يُوسُف بن شَيْخ الإسلام القَاضِي زَكَريَّا الأنصاريِّ، وأخذ عُلُوم الحَديثِ عَنْ الشَّمْس الشَّامي صَاحِب السِّيرة، وتلميذ السُّيُوطيِّ، ومن مشايخ المُترجم في الفِقْه والدُهُ، وجَدُّه، والشَّيْخ تقيُّ الدِّين الفُتُوحيُّ صاحب "المُنْتَهى"، وأخوهُ عَبْد الرَّحمن ابنا شَيْخ الإسلام الشهاب أحمد بن النَّجَّار الفُتُوحيِّ، والشَّيخ شِهَاب الدِّين البُهُوتيُّ وغيرهم، وكان المُتَرْجَمُ بَحْرًا مِنْ بُحُور العِلْم، ورُكْنًا من أركان الفَضْل، عالمًا بالمذاهب الأرْبعة، وله شُيُوخٌ مَعْلُومون في كُلٍّ مِنْها، وقد أخذ عَنْه جَمْعٌ من الأئِمَّة الأفَاضل منهم: الشَّيخ مَنْصُور البُهُوتيُّ المِصْريُّ، والشَّيخُ عَبْد البَاقي مُفْتي الحنابِلَة بِدِمَشْق، وكان المُتَرْجم في سَنَةِ أربَعين وألف

стр. 1639

موجودًا في الأحياء، هكذا ذكره المُحبِّي في "خلاصة الأثر" (١). وَذَكَرَهُ تلميذُهُ عَبْد الباقي في "ثبته" وقال: ومن جملة مَشَايخِي الشَّيْخُ عَبْد الرَّحمن البهوتيُّ الحنبليُّ، وعاش نحوًا من مئة سَنَةٍ وثلاثين سنةً على ما هو مَشْهُور، وأخذ عَنْه كَثيرُون مِنْهم الشَّيْخ أحمد المُقْرِئ المَالِكِي، وكَتَب لي بخَطِّه بعُمُوم الإجازة، سنةَ اثنتين وثلاثين وألف، ولكنَّه لَمْ يَكُن في الجُمْلة أعلى سَنَدًا من غَيْره. انتهى. ٢٦٢٧ - (ت ١٠٤٦ هـ): أحمد بن عِيسى، المُرْشِدِيُّ العَمْرَويُّ النَّجْديُّ الحنبليُّ القاضي . ذكره ابن بِشْر النَّجْدي في "تاريخ نَجْد" (٢) وقال: هُوَ العَالِمُ الفاضل اللَّوْذَعيُّ، كان عالمًا نِحْريرًا، وتولَّى القَضَاء في نَجْد، وقرأ بها واشتغل وأشغل. وتُوُفِّي سَنَةَ سِتٍّ وأرْبَعينَ بَعْدَ الأَلْف. انتهى. ٢٦٢٨ - (ت ١٠٤٩ هـ): أحمد بن ناصر، النَّجْديُّ الحنبليُّ القاضي . ذكره ابن بِشْر في "تاريخ نَجْد" (٣) وقال: هو العَالِمُ العَلَّامة، القَاضي في بَلَد الرِّياض، كان عالمًا عَلَّامةً، فاضِلًا فهَّامَةَ، اشْتَغَل بنَجْدٍ على عُلَمائِها وأَشْغَل، وَتَوَلَّى القَضَاء في بَلَدِ الرِّياض مِنْها، وكان مشكورَ السِّيرة، تُوُفِّي سنةَ تسعٍ وأربعين بَعْد الألف. ووجَدْتُ بخَطِّ الشَّيخ سُلَيْمان بن حَمْدان نَسَبَهُ هكذا: أحمد بن الشَّيخ ناصر بن الشَّيخ محمد بن عَبْد القَادِر بن راشد بن بَرِيد بن مُشْرِف. كذا في "تاريخ الفاخري"، وأرَّخ وفاته سنةَ تِسْعٍ وأربعين وألف كما تَقَدَّم. وقد ذكر الشَّيْخ عبد الله بن ذهلان أنه شيخه فقال: قال شيخنا أحمد بن ناصر بن محمد بن عبد القادر.

стр. 1640

٢٦٢٩ - (ت ١٠٥١ هـ): منصُور بن يُونُس بن صَلاحَ الدِّين بن حَسَن بن أحمد بن علي بن إدْرِيسٍ، الشَّهِيْر بالبُهُوتيِّ، المِصْرِيُّ الحنبليُّ . ذكره الغَزِّي (١) وقال: هو الشَّيخ الإمام، شيخ الإسلامِ، كان إمامًا هُمَامًا، علَّامةً في سائر العُلُوم، فقيهًا مُتَبَحِّرًا، أُصُوليًّا مُفَسِّرًا، جَبَلًا من جِبَالِ العِلْم، وطَوْدًا من أطوادِ الحِكْمَة، وبَحْرًا من بُحُور الفَضَائلِ، لهُ اليَدُ الطُّولَى في الفِقْه والفَرَائِض وغيرهما، أخذ عن جماعةٍ من الأعيان، كالشيخ يحيى بن الشرف مُوسى الحَجَّاويِّ الدِّمَشْقيِّ، والشَّيخ عَبد الله الدّنوشريِّ الشَّافعيِّ، والجَمَال عَبْد القادر الدَّنوشريِّ الحنبليِّ، والنُّور علي الحَلَبيِّ، والشِّهاب أحمد الوَارِثيِّ الصَّدِيْقيِّ. انتهى. وذكره المُحِبِّي في "خلاصة الأثر" (٢) وقال: شَيْخُ الحَنَابِلَة بِمصر، وخاتِمَةُ عُلَمائهم بها، الذَّائع صيتُه، البالغَة شُهْرَتُه، كان عالِمًا عامِلًا وَرِعًا، مُتَبَحِّرًا في العُلُوم الدِّينيَّة، صارفًا أوقَاتَهُ في تَحرير المَسَائل الفِقْهيّة، ورَحَلَ النَّاس إِلَيْه من الآفاق لأخذ مذهب الإمَامِ أحمد، فإنه انفرد في عَصْره بالفِقْه، وأخذ عن أكثر المتأخِّرين من الأصْحاب الحَنَابِلَة، مِنْهم الجَمَال يُوسُف البُهُوتيُّ، والشَّيخ عَبْد الرَّحمن البُهُوتيُّ، والشَّيخ محمد الشَّاميُّ المَرْدَاويُّ، ومِمَّن أخذ عَنْ صاحب التَّرْجَمة الشَّيخ محمد البهوتيُّ، ومحمد بن أبي السُّرور البُهُوتيُّ، وإبراهيم بن أبي بكر الصَّالِحيُّ وغيرهم. ومن مُؤَلَّفاته "كشَّاف القِنَاع شَرْح الإقْناع" للِشَّرف مُوسى الحَجَّاويِّ، ثلاثة أجْزاء ضِخَام، و"حاشية على الإقناع" المذكور، و"دقائق أُوْلِي النُّهَى في شرح المُنْتَهى" لتقيِّ الدِّين الفُتُوحيِّ، في ثلاثة أجزاء ضِخَام، و"حاشية على المنتهى" المذكور، و"شَرْح زاد المُسْتَقْنِعْ" سَمَّاه "الرَّوْض المربع" للحَجَّاويِ، و"مَنْحُ الشِّفاء الشَّافيات في شَرْح المُفْرَدَات" للشَّيْخ محمد علي المَقدِسيِّ، وكان مِمَّن انتهى إليه التَّدْريسُ والفَتْوى، وكان سخيًا له مَكارمُ أخْلاقٍ دارَّة، وكان في كلِّ

стр. 1641

لَيلة جُمُعَةٍ يَجْعَل ضِيَافَةً، وَيدْعَو جَمَاعَتَهُ من المَقَادِسَة، وإذا مَرِضَ وَاحِدٌ عادَهُ، وأخذه إلى بيته ومَرَّضه إلى أن يَشْفى، وكانتِ النَّاس تأتيه بالصدَقَات فيُفَرِّقُها على طَلَبته في المَجلس، ولا يأخذ منها شيئًا. وكانت وفاتُهُ ضُحَى يومِ الجُمُعة، عاشرَ شَهْرِ رَبيعٍ الثاني، سنةَ إحدى وخمسين بَعْد الأَلْف بِمِصْر القَاهِرَة، ودُفِنَ بتُرْبة المُجَاورين. انتهى. وقال الغَزِّي: ترجمهُ شَيخُنا محمد السَّفَارِينيُّ وقال فيه: هو أحد الأعلام المتأخِّرين بالمَذهب، كان كثير العِبَادة، غَزَير الإفادَة والاسْتِفَادَةِ، رَحَل إليه الحَنَابِلَةُ من الدِّيار الشَّامية، والنَّواحي النَّجْديَّة، والأراضي المَقْدِسِيَّة، والضَّواحي البَعْليَّة، وتَمَثَّلوا بين يدَيْه، وضَرَبَتِ الإِبِلُ آبَاطَها إليه، وعَقَدَتْ عليه الخَنَاصِر، وقال مَنْ حَظِيَ بِنَظْرِهِ: هَل مِن مُفَاخِر؟ فأخَذَ عَنْهُ الشَّيخ عَبْد البَاقي الدِّمَشْقيُّ والشَّيخ محمد الخَلْوتيُّ والشَّيخ ياسين اللبديُّ، والشَّيخ عَبْد الحق اللبدي، والشَّيخُ يُوسُف الكَرْمِيُّ في آخرين، وله مُصَنَّفات كثيرةٌ، فَذَكر ما تقدَّم، وزَاد "عمدةِ الطالب" في الفِقْه، كتابٌ لطيفٌ، وكان جَوَادًا سَخِيًّا، له مكارم دارَّةٌ، وبَشَاشَةٌ سَارَّةٌ، ثم ذَكَر وَفاته وقال: ولَمْ أعْلَم تاريخ مَوْلده حتى الآن. قال الغَزِّي: ورأيت في حاشية تِلْميذهِ وابن أخته العَلَّامة الخلوتي أنَّه كان مَوْلِدُه سنةَ ألْفٍ من الهِجْرة، كما أخبره بذلك، فكان عمرُه إحدى وخمسين سنةً، انتهى. وذكره العَلَّامة ابن بِشْر في "تاريخ نجد" (١) وقال: أخبرني شَيْخُنا الشَّيْخ القَاضي عُثْمان بن مَنْصور النَّاصِريُّ الحنبليُّ، قال: أخْبرني بَعْضُ مَشايخي عن أشياخهم قالوا: كل ما وضَعَهُ مُتَأخِّرو الحَنَابلَة من الحَوَاشي على أولئك المُتُون، لَيْس عليه مُعَوَّل إلا ما وَضَعهُ الشَّيخ منصورَ، لأنَّه هو المُحَقِّقُ لذلك، إلا حاشية الخَلْوتي؛ لأن فيها فوائد جليلة. انتهى. وذكره في "السحب الوابلة" (٢)، وابنُ الشطي (٣)، وغيرهم، وكلُّ مصنفاته

стр. 1642

مَطْبُوعةٌ ومُنْتَشِرَةٌ، ما عدا "عُمدَةُ الطَّالب". ٢٦٣٠ - (ت ١٠٥٦ هـ): الشَّيْخ عبْد الله بن عبد الوَهَّاب، النَّجْديُّ القاضي، العَالِمُ النِّحْرِيْرُ العلَّامة المُحَقِق . ذكره في "السُّحُبِ" (١) وقال: هو المشرفيُّ الوُهيْبِيُّ التَمِيمي الحنبليُّ، ولد في نَجْد، وأخذ عن عُلَمَائها، ورَحَل إلى القَاهِرَة، وأخذ بها عن الشَّيخ مَنْصُور البُهُوتي شَارِح "الإقناع"، وتَفقَّه عليه، ورَجَع إلى نَجْد، وأشغل بها، وأخذ عنه جماعةٌ من أفاضل أهلِها، وَوَلِيَ القضاء بها في بلد العُيَيْنَة. وذكره العَلَّامة ابن بِشر في "تاريخ نَجْد" (٢)، وقال: أخذ الفِقْه عن الشَّيخ منصور البُهُوتيِّ صاحب التصَانِيْف، والشَّيخ أحمد بن محمد بن بسَّام، وأخذ عنه ابنُهُ عبد الوَهَّاب وغيره، وَوَليَ القضاء في بلد العُيَيْنَة، وتوفي بها سنةَ ستٍّ وخمسين بعد الألْف. انتهى. ٢٦٣١ - (ت ١٠٥٧ هـ): محمد بن محمد المَعرُوف بابن طَريف، الدِّمَشْقِيُّ الصَّالحي، الحنبليُّ . ذكره المُحِبِّي في "خُلاصَةِ الأَثر" (٣) وقال: هو قاضي المَحْكَمَة العونية بِدِمَشْق، وكان من الفُضَلاء الأخْيار الأَتْقياء، عَفِيفَ النَّفْسِ، قانعًا من الدُّنْيا باليَسيْر، متجمِّلًا في كُلِّ أمُورِهِ، توَلَّى نيابَةَ القَضَاء بمحكمة قَنَاة العوني مُدّةً تَزيدُ على أربعين سنةً، ولم ينسبْ إليه مَكْرُوه، قرأتُ بخطِّ الشَّيخ عبد الحَقِّ المرزناني أنه أخْبَرَهُ أنَّ مَوْلده في ذي الحِجَّة سنةَ ثمان وسبعين وتِسْع مئة، وتوفِّي نهار الخَمِيس، تاسعَ شَوَّال، سنةَ سَبْعٍ وخمسينَ بَعْد الألْف، وصُلِّي عليه بالجامع المُظفِّري، ودفن بالرَّوْضة من السَّفح القَاسِيُوني. انتهى. ٢٦٣٢ - (ت ١٠٥٨ هـ): ياسين بن علي بن أحمد بن أحمد بن محمد ،

стр. 1643

اللبدي الشَّيخ الفَقِيه الفَاضل. ذكره الغَزِّي (١): وقال رَحَل إلىَ مِصْر في سنةِ ثلاثٍ وأرْبَعين وأَلْف، ومَكثَ إلى سنةِ إحدى وخمسين وألف، وأخذ الفِقْه عَن الشَّيخ الإمام مَنْصور البُهُوتيِّ، وأخذ الحَدِيْث والنَّحو عنه أيضًا، وقرأ على الشَّيخ عامر الشبراويِّ "شرح ألفِيَّة العِراقيِّ" للقاضي زَكَرِيَّاء، وأجازه بها، وبما تجوز له رِوَايَتُهُ، وكان يفتي على مَذْهَبِهِ في بلاد نابُلُسٍ، وكان دَيِّنًا صَالِحًا تَقِيًّا، حافظًا لكتاب الله تَعَالى، وكانَت وفاته سَنةَ ثمانٍ وخمسين بعد الألف تقريبًا. انتهى. قلتُ: له "تحريرات على المنتهى" نفيسةٌ جِدًّا. ٢٦٣٣ - (ت ١٠٥٩ هـ): الشَّيخ الفَقِيه العَالِم العَلَّامة محمد بن أحمد بن إسماعيل، النَّجْدِيُّ الحنبليُّ، العَلَّامةُ المَشْهور في بَلَد أُشَيْقر، تَصْغِير أشْقَر، مِنْ بُلْدان نَجْد، كان عالمًا عاملًا، محقِّقًا فقيهًا نبيهًا، انفَرَدَ في عَصْره . ذكره العلامة ابن بِشْر في "تاريخ نَجد" (٢) وقال: أخذ الفِقْه عن عِدَّة مشايخ، من أجلائِهِم الشَّيخ أحمد بن محمد بن مشرف وغيره، وأخذ عنه جَمَاعةٌ منهم: الشَّيخ أحمد بن محمد القُصَيِّر، والشَّيخ أحمد بن محمد بن بسَّام، والشَّيخ عبد الله بن محمد بن ذَهْلان وغيرهم، وكان ابن إسماعيل المُتَرْجَم معاصرًا للشَّيْخ سُلَيْمان بن علي بن مُشْرِف. وتُوُفِّي في آخر سنةِ تسعٍ وخمسين بعد الألف. انتهى. ٢٦٣٤ - (ت ١٠٦٠ هـ): أبو الصَّفا بن محمود بن أبي الصَّفاء، الشَّهير بالأسْطُوانيِّ، الدِّمَشْقيُّ الحنبليُّ . ذكره المُحِبِّيُّ في "خُلاصَة الأثر" (٣) وقال: هو جَدِّي لأمِّي، وُلدَ بدِمَشْق، ونشأ بها، وكان حنبليًّا على مذهب أسْلافه، ولهُ مشاركةٌ جَيدةٌ في فِقْه مَذْهبهم وغيره، وكان من جُمْلة الرُّؤَساء وفُضَلاءِ الكُتَّاب، وَلِيَ خِدمًا كثيرةً من كتابات

стр. 1644

الخَزِينَة والأَوْقاف، وكان كاتبًا بليغًا، كامل العَقْل، حَسَن الزِّيِّ، مَيْمُون النَّقِيبَة، ورُزِقَ دُنْيا طائلةً واسعةً، وكان كثير التَّنَعُّم، وافِرَ العِزَّة، محفُوظًا في الدُّنْيا، وبَلَغ من العُمر كَثيرًا، وهو في نشاط الشُّبَّان، وبالجُمْلة فإنه كان مِمَّن توافَرتْ له الدَّواعي، ونال من الأيَّام حَظَّه، وكان مع ذلك سَمْح الكَفِّ، دائم البِشْر، وكانت صدَقاتُه على الفُقَراء دارَّةً، وخَيراته واصِلةً، وانتفع به جَمَاعَةٌ، ومنه أَثْرَوا، وبه اسْتَفَادُوا، والحَاصِلُ أنه كان من مَحَاسن دَهِره، ومكارم عَصْره، وكانت وَفَاتهُ في شَهْر ربيع الأوَّل، سنةَ سِتِّين بَعْد الألف، ودُفن بمَقْبَرة باب الفَرَاديس، في تربة الغرباء. انتهى مُلَخَّصًا من تَرْجَمةٍ حافلةٍ. وقد ذكره ابن الشَّطِّي في "مختصره" (١) وغيره. ٢٦٣٥ - (ت ١٠٦٤ هـ): عثمان بن أحمد بن تقي الدِّين محمد بن شهاب الدِّين أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رُشْد، الفُتُوحيُّ القَاهِري الحنبلي، الشَّهير بابن النَّجار . ذكره الغَزِّي (٢) وقال: هو أحد أجلَّاء عُلَماء الحَنَابلة بمصر، كان قاضيًا بالمَحكَمة الكُبْرى بِمِصْر، فاضلًا جَليلًا، ذا وَجَاهَةٍ ومَهَابة عند عامة النَّاس وخاصَّتهم، حَسَنَ السَّمْت والسِّيرة والخُلُق، قليلَ الكَلَام، له في الفِقْه مَهَارةٌ كُلِّية، وإحاطة بالعُلُوم العَقْليَّة والنقْلِيَّة، وُلِدَ بمصْر وبها نشأ، وأخذ الفِقْهِ عن والده وعَمِّه الجَمَالِ يُوسف، وعن الإمام محمد المَرْداويِّ الشَّامِّي، وعَبْد الرحمن البُهُوتيِّ، وأخذ العُلُوم العَقْليَّة عن كثيرين كالعَلَّامة الشِّهاب إبراهيم اللقانيِّ ومن عاصَرَهُ، وأَخذ عنه جماعةٌ كثيرون، كولده القاضي محمد، والقاضي محمد الحواوشيِّ، وعبد الله بن أحمد المَقْدسيِّ، وألَّف المُؤَلَّفات النَّافِعَة، كالحاشية الجَلِيْلَة على "المُنْتَهى" في الفِقْه، وكانت وَفَاتُه بمصر، في شَهْر ربيع الأوَّل، سنةَ أربعٍ وستين بعد الألف، ودُفِنَ بتُرْبة المُجَاورين، تربة أبيه وجَدِّه. انتهى.

стр. 1645

وذكره ابن الشَّطِّي في "مختصره" (١)، وصاحب "السُّحب الوابلة" (٢) وغيرهم. وذكر له في "كَشْف الظُّنون" (٣) رسالةً سَمَّاها "بشرى الكريم الأمْجَد بعدم تعذيب مَنْ يُسَمَّى بأحمد ومحمَّد"، وكذا ذكره في "هدِيَّة العارفين" (٤)، وذكر له ما تقدَّم. ٢٦٣٦ - (ت ١٠٧٠ هـ): عَبْد الحق بن محمد بن محمد بن أحْمد بن عُمَر بن إسماعيل بن أحمد الفَرْدُ الشَّيخ محيي الدِّين الأَدْهَمِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، الصُّوفيُّ الصَّالحيُّ، القَادِريُّ الحنبليُّ، المعروف بابن المَرْزُباني . ويتصل نسبُه بسُلْطَانِ الأَوْلياء إبراهيم بن أَدْهم، وكان المُتَرْجَم كَوَالده من مشاهِير الصُّوفيَّة بالشَّام، له الوَقَار والهَيْبَة، وعِنْدَه إلْمامٌ بمعَارفَ كثيرةٍ، وكان مع ذلك أديبًا بارعًا، حَسَنَ المُحَاضَرَة، وله اطِّلاعٌ كثيرٌ على الأشعار والنَّوادر. ذكره المُحِبِّي في "خُلاصَة الأَثَر" (٥) ثم قال: رأيت بخطِّه، مَجْموعًا فيه كلُّ معنىً نادِرٍ، وحكايةٍ مستلذَّة، وكان رَحَل إلى الرُّوم في سنة ثمانٍ وعشرين بعد الألف، ونال بَعْض جِهَاتٍ في الشَّام، ثم قَدِم دِمَشْق، وأقام في دَارِهِ بالصَّالحيَّة، وكان مخالِطًا للأُدَبَاء، وله كرمٌ وإيثارٌ، لا يزال مَحَلُّه غاصًّا بأهل الأدب والْمَعرفة، وكان يجري بينَهُم وبينَهُ محاوَرَاتٌ، وكان ينظم الشِّعر، وشعره مُسْتَحْسَن، منه قوله: إذا اجْتَمَعَتْ في المَرْءِ سبعُ خَصَائِلٍ … تَدانتْ له الدُّنيا يقينًا بلا شَكٍّ حَيَاءٌ، وعِلْمٌ، وانْقِيَادٌ، وعِفَّةٌ … ولُطْفٌ وإحْسَانٌ ومَعْرِفَةُ التُّرْكي (٦)

стр. 1646

ثم ذكر له أَشْعارًا غير ذلك، ثم قال: قرأت بخطِّه أن ولادته في أوَّل ساعة من نهار الخميس، ثامنَ ذي الحِجَّة، سنة إحدى وتسعين وتِسْع مئة، وتُوُفِّي ليلةَ الثُّلاثاء، رابعَ عشر جمادى الأُوْلى، سنة سَبْعين بعد الألف، وصُلِّي عَلَيه بالجامع المُظَفَّريِّ، ودُفِن برَوْضَةِ السَّفح القَاسيونيِّ والمَرْزُبَانيُّ نسبة إلى جَدِّه الشَّيخ محيي الدِّين المَرْزُبَاني المتقدم وأصله المَرْزُبَان، وهو بالفَارسيَّة السُّلْطَان. انتهى. ٢٦٣٧ - (ت ١٠٧١ هـ): نعمان بن أحمد، الدِّمَشْقي الحَنْبلي، قاضي قُضَاة الحَنَابِلة بمحكمة البَاب بدِمَشْق . ذكره المُحِبِّي في "خُلاصة الأَثر" (١) وقال: كان من فُضَلاء الحَنَابلة ووجهائهم، تفقَّه على جماعته، ولزم من أوَّل عُمُره هو وأخوه الشَّيخ عَبْد السَّلام، أديبَ الزَّمان أحمد بن شاهين، وتخرَّجا عَلَيْه، وانْتَفَعا به عِلْمًا وجَاهًا، وولي صاحبُ التَّرجمة نعمان النِّيابات بوَسِيْلَته والتَّقَرُّب إليه إلى أن استقرَّ آخرًا بالبَاب، وكان أمثل القُضَاة في عَصْره، وجِيْهًا مُهَابًا، نقيَّ العِرْض عما يُدَنِّس، ملازمًا خُوَيْصة نَفْسه، ودَرَّس بالمَدْرَسة الحِجَازيَّة، وكانَ له بها خَلْوةٌ يُقِيم بها أكثرَ أَوْقاته، وكانت وَفَاتُه سنةَ إحدى وسبعين بعد الألف. انتهى. ٢٦٣٨ - (ت ١٠٧١ هـ): عَبْد البَاقي بن عَبْد البَاقي بن عَبْدِ القَادِر، البَعْلي الأزْهَريُّ الدِّمشْقي، الفَقِيْه الحنبليُّ المقرئُ . ذكره المُحِبِّي في "خُلاصة الأثر" (٢) وقال: هو مفتي السَّادة الحنابلة بِدِمَشْق بَعْد الشِّهاب المُفْلِحي، شيخ الإسلام، أوحد العُلَماء الأعْلام، بقيَّة السَّلَف، عُمْدَة الخَلَف، العَلَّامَة المُحَدِّث، الفقيه المُقْرئ، صاحب الفُنُون، وغيث الإفادة الهَتُون، المُبَرِّز في جميع العُلُوم، الذي يُهتدَى به في أراضي الفضائل كما يُهتَدَى بالنّجوم، أشبَعَ الدَّواوين تحْريرًا، وأوْسَعَ الدُّرَوْسَ تَقْريرًا، فهو وَحيْدُ دَهْره، وفَريْدُ عَصْره، وسيِّد شامِهِ ومِصْره، حاز فَضْلًا وإفْضَالًا، ورقى رُتْبةً عَزَّت مَنَالًا، بِفِكْرٍ ثاقبٍ، وذِهْنٍ متوقِّدٍ كتوقد الكواكب، وعِلْم عَزِيْرٍ غَزِيْرٍ، وإتقان كَبِيْر كَثِيْر،

стр. 1647

مولده ببَعْلَبَكَّ، واشتهر بابن فقيه فِصَّه، وهي قَرْيةٌ ببَعْلَبَكَّ من جهة دِمَشْق، كان أحد أجداده يخطُبُ بها في كُلِّ جمعةٍ، وأجداده كُلُّهُم حنابلة. قال ﵀ في "ثبته" الذي جَمَعَهُ وتَعِب عليه، وسَمَّاه "رياض الجَنَّة في آثار أهْل السُّنَّة": وَجَدْتُ بخطِّ والدي أنِّي وُلِدْتُ ليلةَ السَّبْت ثامن عشر ربيع الأوَّل، سنةَ خمسٍ وألف، وحَفِظْتُ القرآن على والدي، وتَوَلَّى قراءتي بنَفْسه، وتيتَّمت بَعْد ذلك، فشرعْتُ في الاشتغال في طَلب العِلْم، فأخذتُ الفِقْه عن القاضي مَحْمود بن عبد الحميد، سِبْط موسى الحَجَّاوي، وعن الشِّهاب أحمد الوَفَائي المفلحيِّ، ورحلتُ إلى مِصْر سَنةَ تسعٍ وعشرين وألف، فأخذتُ الفِقْه عن الشَّيخ منصُور البُهُوتي، والشَّيخ مَرْعي الكرَميِّ، والشَّيخ عَبْدِ القادر الدنوشري، والشَّيخ يُوسُف الفُتُوحي، وأخذتُ القراءات عن الشَّيخ عَبد الرَّحمن اليمنيِّ، والحديثَ عن الشَّيخ إبراهيم اللقاني، وأحمد المَقَّرِيِّ المَغْربيِّ المَالكيِّ، والفرائض عن الشَّيخ محمد الشمرسي، وعن الإمام زَيْن العَابِدين بن أبي دُرِّي المَالِكِي، وحَضَرْتُ في باقي العُلُوم على كثيرٍ من مشايخ الجامع الأزْهَر، ثم عُدْتُ إلى دِمَشق سنةَ اثنتين وثلاثين وألف بإجَازات الأشْياخ بالفُنُون المزبورة وغيرها، وبالإفتاء والتَّدْريس، فدرَّسْتُ في جامع بني أُمَيَّة وقرأتُ بعد ذلك في الشَّام على شيخ الإسْلَام الشَّيخ عمر القاري في النَّحْو والبَيَان والمَعَاني، والحَدِيث والأصول، وكَتَبَ لي إجازةً، وحَجَجْتُ سنة ستٍّ وثلاثين وألف، فأخَذتُ عن جماعةٍ من أهل مَكَّة، من أجَلِّهم مَوْلانا الشَّيخ محمد بن علان الصدِّيقيِّ، وأجازَني، وأخذتُ عن أهل الحَرَم المَدَنيّ عن جَمَاعةٍ من أجَلِّهم الشَّيخ عَبْد الرحمن الخياري، فلقد أجازني ولله الحَمْد أهْلُ مَكَّة والمدينة، ومِصْر والشَّام، وبَيْت المَقْدِس، وأعلى أسانيدي في جميعِ مَرْوِيَّات الحَافِظ ابن حَجَر، وفي جميع كُتُبِ الحَدِيث عن الشَّيخ حِجَازي الوَاعِظ عن ابن أركاش عن الحافِظ العَسْقَلَاني انتهى. وحَضَر صَاحِبُ التَّرجمة دُرُوس الحَدِيْث تَحْتَ قُبَّة النَّسِر من الجَامِع الأمويِّ عند الشَّمْس المَيْداني، ثم دُرَوْس الحَافظ شَيْخ الإسْلام النَّجم الغَزِّيِّ، ودُرُوس التَّفْسير عن الشَّيخ عَبْد الرَّحمن العِمَادي المُفْتي، وأجاز لَهُ مِن مِصْر غَيْرُ مَنْ تَقَدَّم ذَكرهُمْ، وكُلُّهُم قد كَتَبُوا له إجازات، وعَنْوَنُوهُ فيها بالشيخ الإمام العَلَّامة، النِّحْرير الفَهَّامَة، إلى غير ذلك من الأَوْصَاف، وقد تَصَدَّر للإِقْراءِ

стр. 1648

بالجَامِع الأُمَويِّ سنةَ إحدى وأربعين وألف، بكرةَ النَّهار وبَيْن العِشَاءَين، فقرأ الجَامع الصَّغير في الحَديث مَرَّتين، وتفسير الجَلالَيْن مَرَّتين، وقرأ "صحيحَ البُخَاريِّ" بِتَمَامِه، و"صحيح مُسْلم"، و"الشِّفا" للقاضي عياض، و"المواهب"، و"التَّرْغِيب والتَّرْهِيب"، و"التَّذْكرة" للقرطبي، و"شرح البُرْدة"، و"المُنْفَرِجة"، و"الشمائل"، و"الإحياء"، جميع ذلك بطَرَفَيْه، ولازَمَ ذلك مُلازَمَة كُلِّيَّةً بمحراب الحَنَابلة أولًا، ثم بمحراب الشَّافعيَّة، ولم ينْفَصِل عن ذلك شتاءً وصَيْفًا، ولا ليلة عِيْد، حتى ليلةَ وَفَاة زَوْجَتِهِ، وحتى لَيْلَة عُرْسِ ولَدَيْه، وكان فيهِ نَفْع عَظِيمٌ، وله خَلْوَةٌ في المَدْرَسَةِ البَادرائية مَعْروفةٌ به، ودَرَّس بالمَدْرَسة العَادِلِيَّة الصُّغْرى، وصَارَ خَطيبًا بجامع مَنْجَك في مَحَلَّة مَسْجد الأقصاب، وأَخَذَ عَنْه خَلْقٌ كثيرٌ، أجَلُّهم الأستاذ الكبير بُرْهان الدِّين إبراهيم الكُوْرَاني، نَزِيل المَدِينة المُنَوَّرة، والأستاذُ العَارِفُ الشَّيخ عَبْد الغني النَّابُلُسي، وهو أبوه مِن الرَّضاع، والسَّيِّد العَالِم محمد بن عَبْد الرَّسول البَرْزَنْجِيُّ المدنيُّ، وَوَلَدُ صاحب التَّرجمة مُحَدِّث الشَّام الشَّيخ محمَّد أبو المواهب، والشَّيخ مُصْطَفى ابن سِوَارِ شيخ المحيا بِدِمَشْق، والشَّيخ رَمَضَان بن مُوْسى العطيفيُّ، والشَّيخ عَبْد الحَيِّ العكري وغيرهم. وله مؤلَّفاتٌ منها: "شرح على البخاري"، لم يُكْمَل، وكان شيخ القُرَّاء بدِمَشْق، ونَظَم الشِّعر، إلَّا أنَّ شِعْرَهُ شعر الفُقَهاء، وبالجُمْلة في ذكر ما اشتَمَل عَلَيْه من العُلُوم والأوصاف الحَمِيْدة ما يُغْني عَن الشِّعْر وأشْبَاهِه، وكانت وَفاتُه ليلةَ الثُّلاثاء، سابعَ عشري ذي الحِجَّة، سنةَ إحدى وسَبْعين بَعْد الألف، ودُفِنَ بتُرْبة الغُرَبَاء من مَقْبَرة الفَرَادِيْس، انتهى. وذكره صاحب "السُّحُب الوَابِلَة" (١) بنحو ما تَقَدَّم، وعَدَّ مِنْ تَصَانيفه أيضًا "العَيْن والأثر في عقائد أهل الأثر"، و"فَيض الرَزَّاق في تَهْذيب الأَخْلاق"، و"رياض الجَنَّة في أسانيد الكتاب والسُّنَّة"، و"رسالة في قِرَاءَةِ عَاصِم"، ثم قال: ولَمْ تكن تَصَانيفه على قَدْر عِلْمه. انتهى.

стр. 1649

وذكر له في "هدَّية العَارِفِين" (١) غير ما تقدم: "اقتِطَاف الثَّمَر في موافقات عُمَرُ"، "عَقْد الفرائد فيما نُظِمَ من الفَوَائد"، و"تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ ". ٢٦٣٩ - (ت ١٠٧٦ هـ): السَّيِّد محمد بن عمر، العَبَّاسِيُّ الخَلوْتي، الدِّمَشْقيُّ، الصَّالحيُّ، الحنبليُّ، يُنسَبُ إلى العَبَّاس عَمِّ النبيِّ ﷺ من جِهَةِ وَالده، وإلى الشَّيخ أبي عُمَر بن قُدَامة من جِهَة وَالِدَتِهِ . ذكره المُحِبِّي في "الخُلَاصَة" (٢) وقال: كان شيخًا جليلًا من أكابِرِ العَارِفِين، والأولِيَاء المُتَمَكِّنين، أَخذ الفِقْه عن الشَّيخ الشِّهاب أحمد الوَفَائي المُفْلِحِيِّ، ومن شيوخه البُرْهان الأحْدَب الصَّالحي، والنَّجْم الغَزِّيُّ، وأخذ الطَّريقَ عن الأستاذ العَارف أحمد العَسَّاليِّ، ولازَمَه بقَرية عَسَّال، وتَخَرَّج به حتى صَار خَلِيْفَتَه مِنْ بَعْده، وكان يؤثر الخُمُول على الظُّهُور، وقد أخذتُ عَنْه، وتُوفِّي سنة سِتٍّ وسَبْعينَ بَعْد الأَلْف عَنْ سنٍّ عاليةٍ، ودُفِنَ بمَقْبَرة الفَرَاديس. انتهى المُرَادُ من تَرْجَمَةِ مُسْهبة جِدًّا كعادة المُحِبِّي في تراجم الصُّوفيَّة مِمَّا يجمع الغَثَّ والسَّمين، والمَقْبول والمَرْدُود. سامَحَهُ الله. ٢٦٤٠ - (ت ١٠٧٨ هـ): يوسف بن يحيى بن مَرْعيِّ، الطُّوْرْ كَرْمي الحنبلِي . ذكره المُحِبِّي في "الخُلَاصَة" (٣) وقال: رَحَل إلى مِصْر لِطَلَبِ العِلْم في سنةِ أربعٍ وأربعين وألف، وأخذ بها عن الشَّيخ مَنْصور البُهُوتيِّ، وعن عَمِّه الشَّيخ أحمد وغَيْرهما، وعاد في سَنَة تِسْعٍ وأربَعين وألف، وكان يُفْتي ببلادَ نَابُلُس، وكان يَمِيْل إلى القَوْل بِعَدَم وُقُوع الطَّلَاق فِي كَلِمَةٍ مُوَافقةِ لابن تَيْميَّة، وكانت وَفَاتُه نَهار الاثنين عاشر صَفَر، سنةَ ثمانٍ وسَبعينِ بَعْد الأَلْف. انتهى.

стр. 1650

٢٦٤١ - (ت ١٠٧٩ هـ): عبد الله بن أحمد بن يحيى، المَقْدِسِيُّ الحنبليُّ . ذكره إسْماعيل باشا في "هدِيَّة العَارفين" (١)، وقال: صَنَّف كتاب "تحفة الأَحْباب في بَيَان حُكْم ذوي الأذْناب"، فَرَغَ منها سنةَ ثمانٍ وسَبْعين بَعْد الألف، وكتاب "تُحفة اللَّبيب وبُغْيَة الأَرِيْب في رُبْع الدَّائرة والجَيْب". وذكر له في "إيْضَاح المَكْنُون" (٢) أيضًا كتاب "إتحاف الوِدَاد في صِدْق المِيْعاد". وذكره في "فهرست الخديوية" بمِثْلِهِ. ٢٦٤٢ - (ت ١٠٧٩ هـ): سُلَيْمان بن علي بن مُشَرَّف، التَّمِيْمِي النَّجْديُّ الحنبليُّ، عالم الدِّيار النَّجديَّة في عصره . ذكره العَلَّامة ابن بِشْر النَّجدي في "تاريخ نَجْد" (٣)، وقال: هو الشَّيخ العَالم الفَقِيه القاضي جَدُّ الشَّيْخ محمد بن عَبْد الوَهَّاب، كان سُلَيْمان هذا ﵀ فقيهًا، بل فَقِيْه زَمَانه، مُتَبَحِّرًا في عُلُومِ المَذْهَب، وانتهتْ إلَيه الرئاسة في العِلْم، وكان عُلَمَاءُ نَجْدٍ في زمَانه يَرْجِعُون إليه في كُلِّ مُشْكِلة مِنَ الفقه وغيره، رأيت له سؤالاتٍ عديدةً، وجواباتٍ كثيرةً، وصَنَّف كتابًا في المَنَاسك، وذَكر لي أنَّه شَرح "الإقناع"، فلمَّا عَلِم أن مَنْصور البُهُوتي شرحه أتْلَف شَرْحه، وأخذ العِلْم عن عُلَمَاء أجِلَّاء منهم: الشَّيخ أحمد بن محمد بن مشرف وغَيْره، وأخذ عنه جماعةٌ منهم: أحمد بن محمد القصير، وابنُهُ عَبْد الوَهَّاب، وإبراهيم وغيرهم، وتوفي سنةَ تِسْعٍ وسَبْعِين بَعْد الألف. انتهى. وذكره صاحب "السُّحُب الوَابلة" (٤) فقال: هو سُلَيْمان بن علي بن مُشْرَّف بفَتْح الرَّاء المُشَدَّدَة، التَّمِيْمِيُّ، علَّامة الدِّيار النَّجْديَّة، ولد في بَلَد "العُيَيْنَة" ونشأ بها، وقرأ على عُلَمائِها، ولازم مِنْهُمْ أجَلَّهم الشَّيخ محمد بن أحمد بن
следующие страницы →