قال النابلسي (١): حدث عن أبي بكر المَرُّوذي، وصالح بن أحمد، وغيرهما.
وروى عنه: أبو الحسن أحمد بن مِقْسَم المقرئ، وعلي بن محمد بن جعفر البجلي، وعلي بن أحمد بن ميمونة الحلواني المؤدب، وأبو علي النجاد، وغيرهم.
وكان شيوخ المذهب يقصدونه ويعظمونه كالبَرْبَهاري، وأبي بكر الخلال، وأبي بكر عبد العزيز، وكان من العباد الزهاد، له مناقب ومآثر يطول شرحها، تركتها خوف الإِطالة. توفي لتسعٍ خلون من شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة، ودفن بالعقبة قريبًا من النجمي. انتهى المراد منه.
وقال ابن العماد (٢): هو أبو صالح البغدادي شيخ الحنابلة الزاهد، قال أبو عبد الله الفقيه: إذا رأيتَ العبد يحب أبا الحسن بن بشار، وأبا محمد البَرْبَهاري، فاعلم أنه صاحب سنة. وكان ابن بشار يقول: أعرف رجلًا منذ ثلاثين سنة يَشتهي أن يَشتهي ليتركَ لله ما يشتهي، فلا يجد شيئًا يشتهي.
وذكر له ابن العماد أيضًا ترجمة حافلة جدًا، وهو رجل جليل مشهور، فلا حاجة إلى التطويل في ترجمته. والله أعلم.
٥٩٧ - (ت ٣١٦ هـ): عبد الله بن سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن أبي داود السجستاني، أبو بكر الحنبلي .
رحل به أبوه من بلاد سجستان، فطوَّف به شرقًا وغربًا وأسمعه من علماء ذلك الوقت، فسمع بخراسان والجبال وأصبهان، وفارس والبصرة، وبغداد، والكوفة، والمدينة، ومكة، والشام، والجزيرة، ومصر والثغور، واستوطن بغداد، وكان فهمًا عالمًا حافظًا، حدث عن علي بن خشرم المَرْوزي، وأبي داود بن مَعْبد السِّنْجِي، وسلمة بن شبيب، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن الأزهر النيسابوري، وإسحاق بن منصور الكوسج، وغيرهم ممن لا يمكن إحصاؤهم إلا بطول.
стр. 492
روى عنه: أبو بكر بن مجاهد المقرئ، وعبد الباقي بن قانع، ودعلج، وأبو بكر الشافعي، والدارقطني، وغيرهم من تلك الطبقة، وخرج إلى سجستان فاجتمع إليه أصحاب الحديث وسألوه أن يحدثهم فأبى، وقال: ليس معي كتاب، فقيل له: ابن أبي داود وكتاب؟! فأثاروه، فأملى عليهم ثلاثين ألف حديث من حفظه، فخطأه الحفاظ في ستة أحاديث، ثلاثة حدث بها كما حفظها، وثلاثة أخطأ فيها.
ولد سنة ثلاثين ومئتين، وتوفي لاثنتي عشرة خلت من ذي الحجة، سنة ست عشرة وثلاث مئة، ودفن في مقبرة باب البستان، وصُلي عليه ثمانين مرة، صلى عليه زهاء ثلاث مئة ألف إنسان أو أكثر. انتهى المراد من كلام النابلسي.
وقال الذهبي في "المغني" (١): إنه ثقة، كذبه أبوه في غير الحديث.
وذكره أيضًا في "الميزان" (٢) فقال: هو أحد الحفاظ الثقة، صاحب التصانيف، وثَّقه الدارقطني، فقال: ثقة، إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث. وذكره ابن عدي، فقال: لولا ما شرطنا لما ذكرته، إلى أن قال: وهو معروف بالطلب، وعامة ما كتب مع أبيه هو مقبول عند أصحاب الحديث، وأما كلام أبيه فيه فما أدري أيش تبين له منه. قال أبو داود: ابني عبد الله كذاب. وقال أبو داود أيضًا: من البلاء أن ابني عبد الله يطلب القضاء. وقال إبراهيم الأصبهاني: أبو بكر بن أبي داود كذاب. وقال الخلال: أبو بكر ابن أبي داود أحفظ من أبيه أبي داود. وروى ابن شاهين عن أبي بكر ابن أبي داود أنه كتب في شهر عن أبي سعيد الأشج ثلاثين ألف حديث. وقال أبو بكر النّقاش: سمعت أبا بكر ابن أبي داود يقول: إن "تفسيره" فيه مئة ألف وعشرون ألف حديث. وقال صالح بن أحمد: الحافظ أبو بكر ابن أبي داود إمام العراق، كان في وقته ببغداد مشايخ أسند منه، ولم يبلغوا في الإِصابة والإِتقان ما بلغ.
стр. 493
قال الذهبي: كان أبو بكر ابن أبي داود من كبار الأئمة الأعلام، وإنما ذكرته لأنزهه. انتهى من ترجمة طويلة جدًا.
وقال الحافظ ابن حجر في "اللسان" (١): قال الخليلي: هو حافظ، إمام وقته، عالم متفق عليه، احتج به من صنف الصحيح أبو علي النيسابوري وأبو حمزة الأصبهاني، وكان يقال: أئمة ثلاثة في زمن واحد: ابن أبي داود، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم، رحمهم الله تعالى. انتهى المراد منه.
أما مصنفاته فذكر النابلسي منها: "المسند" في الحديث، و"السنن" في الحديث، و"التفسير"، و"القرآات"، و"الناسخ والمنسوخ".
قلت: وله غير ذلك منها: "شريعة التفسير"، "فضائل القرآن"، "كيفية البعث والنشور"، كتاب "المصابيح" في الحديث، كتاب "المصاحف"، كتاب "نظم القرآن"، "القصيدة الحائية" في عقيدة أهل السنّة، وغير ذلك.
- (ت ٣١٧ هـ): عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ابن بنت أحمد بن منيع البغوي. [انظر: ٢٦٣].
تقدمت ترجمته في الطبقة الأولى فيمن روى عن أحمد، وإنما ذكرته هنا إشارة إلى تأخر وفاته إلى هذه السنة، أعني سنة سبع عشرة وثلاث مئة.
٥٩٨ - (ت ٣١٨ هـ): جعفر بن محمد بن يعقوب، أبو الفضل الصَّنْدَلي الحنبلي .
قال النابلسي (٢): سمع إبراهيم بن مبشر الكاتب، وإسحاق بن إبراهيم البغوي، والحسن بن محمد الزعفراني، وعلي بن حرب الطائي، ومحمد بن إسماعيل الحسباني، وصحب من أصحاب أحمد: الفضلَ بن زياد، وخطاب بن بشر، وغيرهما.
стр. 494
وحدث عنه: عبد العزيز بن جعفر الخرقي، وأبو عمرو ابن حَيُّويه، ويوسف القواس.
وذكره الخطيب فقال: ثقة، صالح دَيِّن، سكن باب الشعير، وكان يقال: إنه من الأبدال. قال ابن قانع: توفي سنة ثمان عشرة وثلاث مئة. انتهى المراد منه.
٥٩٩ - (ت ٣٢٠ هـ): محمد بن حمدان بن حماد، أبو بكر الصيدلاني الحنبلي .
قال النابلسي (١): سمع أبا بكر المَرُّوذِي، وأحمد بن المقدام العجلي، وفضل بن يعقوب الرُّخامي، وعبد الله بن روح المديني.
روى عنه: محمد بن خلف بن حيَّان الخلال، ومحمد بن المظفر، وأبو القاسم بن النحاس المقرئ، وأبو عمرو ابن حَيّويه.
وذكره الخطيب فقال: ثقة، يتفقه على مذهب أحمد بن حنبل. وقال أبو بكر الخلال: هو حنبلي ثقة، مات سنة عشرين وثلاث مئة. انتهى.
٦٠٠ - (ت ٣٢٥ هـ): جعفر بن محمد بن أحمد بن الوليد القَافلاني الحنبلي، أبو الفضل .
قال النابلسي (٢): حدث عن محمد بن إسحاق الصاغاني، وعلي بن داود القنطري، وأحمد بن الوليد الفحام، وعيسى بن محمد الإِسكافي، وعبد الله بن روح المدائني، وأحمد بن أبي خيثمة، في آخرين.
ووثقه يوسف بن عمر القواس وروى عنه، وتوفي سنة خمس وعشرين وثلاث مئة. انتهى.
٦٠١ - (ت ٣٢٧ هـ): عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرَّازي ، أبو محمد
стр. 495
الإِمام ابن الإِمام الحافظ أبي حاتم الرَّازي الحنبلي.
قال النابلسي (١): سمع صالح بن أحمد، وأبا زُرْعة، وأباه، وأحمد بن سنان القطان، وأحمد بن منصور الرَّمادي، ويونس بن حبيب الأصبهاني، وغيرهم. ورحل في طلب الحديث إلى البلاد مع أبيه، وبعده، وصنف التصانيف.
قال أبو يعلى الخليلي: أخذ علم أبيه وعلم أبي زرعة، وكان بحرًا في العلوم ومعرفة الرجال، صنف في الفقه واختلاف الصحابة والتابعين، وكان زاهدًا يُعدُّ من الأبدال. وقال أبو الوليد الباجي: هو ثقة حافظ. وقال صالح بن أحمد الهمداني: كان إمام زمانه ونسيج وحده وأوحد عصره، فما خلف بعده مثله معرفةً وعلمًا وصيانةً وورعًا وديانة. قال أبو الشيخ: توفي سنة سبع وعشرين وثلاث مئة. انتهى.
وقال الذهبي في "الميزان" (٢): هو الحافظ الثبت ابن الحافظ الثبت، وكان ممن جمع له الرواية ومعرفة الفن، ولولا أبو الفضل السليماني ما ذكرته، فبئس ما صنع، فإنه قال: ذكر أسامي الشيعة من المحدثين الذين يقدمون عليًا على عثمان: الأعمش، النعمان بن ثابت، شعبة بن الحجاج، عبد الرزاق، عبيد الله بن موسى، عبد الرحمن بن أبي حاتم. انتهى.
وذكره ابن الجوزي (٣)، وابن العماد (٤)، وياقوت (٥)، وغيرهم، وله مصنفات ذكر النابلسي منها: كتاب "السنّة"، "تفسير القرآن"، "الرد على الجهمية"، "فضائل الإِمام أحمد" كتاب "الجرح والتعديل" فيه فوائد جمة عدة مجلدات، وله غير ما ذكره النابلسي "فوائد الرَّازيين"، "الفوائد الكبرى"، كتاب "الزهد"، كتاب "العلل" المرتب
стр. 496
على أبواب الفقه، كتاب "الكنى"، كتاب "المسائل"، كتاب "المسند" في الحديث ألف جزء، "مناقب الإِمام الشافعي".
٦٠٢ - (ت ٣٢٧ هـ): أحمد بن محمد بن إسماعيل الآدمي المقرئ أبو بكر الحنبلي .
قال النابلسي (١): حدث عن الفضل بن زياد القطان صاحب أحمد بن حنبل، وسمع محمد بن إسماعيل الحسباني، والحسن بن عرفة، والسري بن عاصم، وفضل بن سهل، وأبا يوسف الفلوسي.
روى عنه: الدارقطني، وابن شاهين، ويوسف بن عمر القواس. قال الدارقطني: هو الشيخ الصالح، ولد في المحرم سنة سبع وثلاثين ومئتين، وتوفي يوم الأربعاء لعشرٍ بقين من ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وثلاث مئة. انتهى.
وقال ابن الجزري في "الغاية" (٢) وقال: يعرف بالحمزي، لأنه كان عارفًا بحروف حمزة، وهو مقرئ حاذق متقن ثقة. انتهى المراد منه.
٦٠٣ - (ت ٣٢٨ هـ): محمد بن القاسم بن بشار، أبو بكر ابن الأنباري النحوي الحنبلي .
قال النابلسي (٣): كان من أعلم الناس بالنحو والأدب، وأكثرهم حفظًا له، سمع من إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأحمد بن الهيثم بن خالد البَزّار، وإبراهيم الحربي. وكان صدوقًا فاضلًا دينًا خيرًا من أهل السنّة، وصنف كتبًا كثيرة في علوم القرآن، والمشكل، والوقف والابتداء، والرد على من خالف مصحف العامة، وغريب الحديث، وغير ذلك.
روى عنه: أبو عمر ابن حيويه، والدارقطني، وابن سويد، وابن بطة، وكُتب
стр. 497
عنه ووالده حي، وكان يملي في ناحية المسجد ووالده في ناحية أخرى.
قال أبو علي القالي: كان يحفظ فيما ذكر ثلاث مئة ألف بيت شاهد في القرآن الكريم. وقال: كنت أحفظ ثلاثة عشر صندوقًا.
وكان أحفظ الناس للغةٍ وشعر ونحو وتفسير قرآن، قيل: كان يحفظ عشرين ومئة تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها.
توفي ليلة النحر من ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، ومولده سنة إحدى وسبعين ومئتين. انتهى المراد منه.
وقال ابن الجزري في "الغاية": (١) هو الأستاذ الكبير والإِمام الشهير، قال أبو علي القالي: كان ثقة صدوقًا، وكان أحفظ من تقدم من الكوفيين. وقال حمزة بن محمد بن طاهر: كان زاهدًا متواضعًا. وقال الداني: هو إمام في صناعته، مع براعة فهمه وسعة علمه وصدق لهجته. وقال أبو علي التنوخي: كان ابن الأنباري يملي من حفظه، ما أملى قط من دفتر.
وحكى الدارقطني أنه حضره في مجلس يوم جمعة فصحَّف اسمًا قال: فأعظمت له أن يُحمل عنه وَهَمٌ، وهِبْتُه، فلما انقضى المجلس عرَّفتُ مستمليه، فلما حضرتِ الجمعة الثانية قال ابن الأنباري للمستملي: عرف الجماعة أننا قد صحفنا الاسم الفلاني، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب.
وقال أبو الحسن العروضي: كان ابن الأنباري يتردد إلى أولاد الراضي بالله، فسألته جارية عن تعبير رؤيا، فقال: أنا حاقن، ومضى وجاء من الغد وقد صار عابرًا، مضى من يومه فدرس كتاب الكِرْمَاني. وحكى جعفر بن معاذ: أنه كان عنده في الجامع، فسأله إنسان عن معنى آية، فقال: فيها عشرة أوجه، فقال: هات ما حضر منها؟ فقال: كلها حاضرة. انتهى المراد من تلك الترجمة الحافلة.
стр. 498
وقد ذكره ابن العماد (١) وغيره، فترجمته مشهورة جدًا.
أما مصنفاته فقال النابلسي: أما كتاب "غريب الحديث" خمس وأربعون ألف ورقة، وكتاب "الأضداد" كبير جدًا، وكتاب "المشكل" بلغ فيه إلى سورة طه ولم يتمه، و"الجاهليات" سبع مئة ورقة، و"المذكر والمؤنث" ما عمل أحد أتمَّ منه، وعمل "رسالة المشكل" ردًا على ابن قتيبة وأبي حاتم السجستاني ونقضًا لقولهما.
وله مصنفات غير ما ذكر النابلسي، منها: "أدب الكاتب"، "الضد في اللغة"، "لغات القطع والوصل" "الأمالي"، "الإِيضاح" في الوقف والابتداء، "تفسير الصحابة"، "الزاهر في معاني الكلام الذي يستعمله الناس" "السبع الطوال"، "شرح شعر الأعشى والنابغة وزهير"، "شرح الكافي" في ألف ورقة، "شرح المفضليات"، "ضمائر القراءات"، "الكافي في النحو"، كتاب "اللامات"، "المقصور والممدود"، "الواضح" في النحو الكبير، كتاب "الهاءات" كتاب "الهجاء"، "الموضح" في النحو، وغير ذلك.
٦٠٤ - (ت ٣٢٩ هـ): الحسن بن علي بن خلف، أبو محمد البَرْبَهاري الحنبلي .
قال النابلسي (٢): هو شيخ الطائفة في وقته، ومتقدمها في الإِنكار على أهل البدع والمباينة لهم باليد واللسان، وكان أحد الأئمة العارفين الحفاظ للأصول المتقنين والثقات الماهرين المأمونين، له صيت عند السلطان، وقدم عند الأصحاب، صحب جماعة من أصحاب أحمد، منهم المَرُّوذِي، وصحب سهلًا التُّسْتَري، وصنف مصنفات منها "شرح السنّة"، وخلف أبوه تسعين ألف درهمًا فتركها تنزهًا.
توفي في رجب سنة تسع وعشرين وثلاث مئة. انتهى المراد منه.
стр. 499
وقال ابن العماد (١): هو القدوة الفقيه، شيخ الحنابلة بالعراق قالًا وحالًا، وكان له صيت عظيم وحرمة تامة، أخذ عن المَرُّوذِي، وصحب سهل التستري، وصنف التصانيف وكان المخالفون يغلظون قلب الدولة عليه، فقبض على جماعة من أصحابه، واستتر هو في سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة. قاله في "العبر" (٢).
وقال القاضي ابن أبي يعلى (٣) وقد ذكر ما تقدم: قال البَرْبَهاري في "شرح السنّة": احذر صغار المحدثات من الأمور، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيرًا، يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع المخرج منها، فعظمت وصارت دِينًا يُدان بها، يخالف الصراط المستقيم، وخرج من الإِسلام، فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر: هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي ﷺ أو أحد من العلماء، فإن أصبت فيه أثرًا عنهم فتمسك به، ولا تجاوزه بشيء، ولا تختر عليه شيئًا فتسقط في النار. واعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعًا مصدقًا مسلمًا، فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإِسلام لم يكفناه أصحاب رسول الله ﷺ فقد كذبهم، وكفى بهذا فرقة وطعنًا عليهم، فهو مبتدع ضال مضل، محدث في الإِسلام ما ليس فيه. واعلم أن الكلام في الربِّ تعالى مُحْدَث، وهو بدعة وضلالة، لا يتكلم في الرب تعالى إلا بما وصف به نفسه في القرآن، وما بيَّن رسول الله ﷺ لأصحابه إلى آخر ما نقل عنه هناك.
ثم قال: وكانت له مجاهدات ومقامات في الدين كثيرة، وكان المخالفون يغلّظون قلب السلطان عليه، ففي سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة تقدم ابن مقلة بالقبض عليه فاستتر، وقبض على جماعة من كبار أصحابه وحملوا إلى البصرة، فعاقب الله ابن مقلة على فعله ذلك بأن سخط عليه القاهر، ووقع له ما وقع، ثم تفضل
стр. 500
الله وأعاد البربهاري إلى حشمته وزادت، حتى إنه لما توفي أبو عبد الله بن عرفة المعروف بنفطويه وحضر جنازته أماثل أبناء الدنيا والدين، كان المقدم على جماعتهم في الإِمامة البربهاري، وذلك في شهر صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة في خلافة الراضي، وفي هذه السنة زادت حشمة البَرْبهاري، وعلت كلمته، وظهر أصحابه، وانتشروا في الإِنكار على المبتدعة، فبلغنا أن البَرْبَهاري اجتاز بالجانب الغربي فعطس فشمته أصحابه، فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة، ولم تزل المبتدعة يوغرون قلب الراضي على البربهاري، حتى نودي في بغداد أن لا يجتمع من أصحاب البربهاري نفسان، فاستتر وتوقى في الاستتار. انتهى المراد من ترجمته الحافلة هناك.
٦٠٥ - (ت ٣٣٠ هـ): مفلح بن عبد الله، أبو صالح، المتعبد الحنبلي .
ذكره ابن كثير في "تاريخه" (١)، وقال: هو واقف مسجد أبي صالح، ظاهر باب شرقي من دمشق، وإليه ينسب ذلك المسجد، صحب الشيخ أبا بكر بن سعيد حمدونة الدمشقي وتأدب به، وروى عنه الموحد بن إسحاق بن البري، وأبو الحسن علي بن العجة قيم المسجد، وأبو بكر بن داود الدِّينوري الدقي، روى الحافظ ابن عساكر من طريق الدقي عن الشيخ أبي صالح، ومن كلام أبي صالح هذا: الدنيا حرام على القلوب، حلال على النفوس، لأن كل شيء يحل لك أن تنظر إليه بعيني رأسك يحرم عليك أن تنظر إليه بعيني قلبك. إلى أن قال ابن كثير: ولأبي صالح هذا مناقب كثيرة، توفي في جمادى الأولى، سنة ثلاثين وثلاث مئة. انتهى ملخصًا.
٦٠٦ - (ت ٣٣٠ هـ): محمد بن أحمد بن صالح بن أحمد بن حنبل الحنبلي، أبو جعفر .
قال النابلسي (٢): حدث عن عم أبيه عبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبيه أحمد بن صالح، وعمه زهير بن صالح، وعمر بن مرداس الدَّوْرَقي، وإبراهيم بن سعدان
стр. 501
الأصبهاني في آخرين. روى عنه جماعة منهم: أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم، ومحمد بن إسماعيل الورَّاق، والدارقطني، وتوفي سنة ثلاثين وثلاث مئة. انتهى.
وذكره الخطيب البغدادي في "تاريخه" (١) بنحوه.
٦٠٧ - (ت ٣٣١ هـ): محمد بن مخلد بن حفص، أبو عبد الله الدُّوري العطَّار، الخطيب الحنبلي .
قال النابلسي (٢): صحب جماعة من أصحاب أحمد وحدث عنهم، منهم: صالح بن أحمد بن حنبل، وأبو داود السجستاني، وأبو بكر المرُّوذي، وزكريا بن يحيى الناقد، وغيرهم. وسمع: أبا السائب مسلم بن جنادة، ويعقوب الدَّوْرَقي، والفضل بن يعقوب الرُّخامي، وعليًا ومحمدًا ابني اشكاب، ومحمد بن عثمان بن كرامة، والحسن بن عرفة، ومسلم بن الحجاج، في آخرين.
حدث عنه: ابن بطة، ومحمد بن الحسين الآجري، وأبو العباس بن عقدة، والدارقطني، وأبو حفص بن شاهين، ومن في طبقتهم وبعدهم. وذكره أبو بكر الخطيب وأثنى عليه، ووثقه الدارقطني، وكان حافظًا معروفًا بالاجتهاد في الطلب، معروفًا بالعبادة، ولد سنة ثلاث وثلاثين ومئتين، وتوفي سنة إحدى وثلاثين وثلاث مئة، وقد استكمل سبعًا وتسعين سنة وثمانية أشهر وإحدى وعشرين يومًا. انتهى ملخصًا.
وذكره ابن العماد (٣) فقال: هو الحافظ المعروف بالثقة والصلاح والاجتهاد في الطلب، وله تصانيف، ثم ذكر نحو ما تقدم، وله تصانيف منها "أخبار الصبيان"، "السنن" في الفقه "المسند" في الحديث، أجزاء في الحديث، وغير ذلك.
стр. 502
٦٠٨ - (ت ٣٣٢ هـ): إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب، أبو إسحاق الشَيْرَجي الخصيب الحنبلي .
قال النابلسي (١): هو المتخصص بصحبة أبي بكر المرُّوذي، وله تصانيف، حدث عن عباس الدوري، وعلي بن داود القنطري، ويحيى بن أبي طالب، حدث عنه: أبو الحسن الدارقطني، وسمع منه ابن الثلاج، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة، ودفن عند أحمد، وصلى عليه حمزة بن القاسم. انتهى.
٦٠٩ - (ت ٣٣٤ هـ): عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الخرقي، الحنبلي، صاحب المختصر .
قال النابلسي (٢): قرأ على أبي بكر المَرُّوذي، وحرب الكِرْماني، وصالح وعبد الله ابني أحمد بن حنبل. وله المصنفات الكثيرة في المذهب، لم ينتشر منها إلا "المختصر" في الفقه، لأنه خرج من مدينة السلام لما ظهر سب الصحابة ﵃، وأودع كتبه في درب سليمان، فاحترقت الدار التي كانت فيها، ولم تكن انتشرت لبعده عن البلد، قرأ عليه جماعة من شيوخ المذهب، منهم: أبو عبد الله ابن بطة، وأبو الحسين التميمي، وأبو الحسين بن سمعون، وغيرهم. قال أبو إسحاق البرمكي: عَدَدُ مسائل مختصره ألفان وثلاث مئة مسألة. وقال أبو بكر عبد العزيز: خالفني الخرقي في "مختصره" في ستين مسألة، ولم يسمها. قال أبو يعلى: كان الخرقي عالمًا بارعًا في مذهب أحمد، وكان ذا دين وورع، توفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، ودفن بدمشق، وسبب موته أنه أنكر منكرًا، فضرب فمات بذلك. انتهى.
وقال ابن العماد (٣): هو الإِمام العلامة الثقة الحنبلي صاحب "المختصر في الفقه". وذكره ابن خلكان، وقال: الخِرَقي بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء وبعدها
стр. 503
قاف، نسبة إلى بيع الخِرق والثياب. وذكر له المرداوي "شرح المختصر" ونقل عته في عدة مواضع.
٦١٠ - (ت ٣٣٦ هـ): أحمد بن جعفر بن محمد بن عُبيد الله بن يزيد، أبو الحسين ابن المنادي الحنبلي .
قال النابلسي (١): سمع جده ومحمد بن عبد الملك الدقيقي وأباه، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وعباسًا الدوري، وزكريا بن يحيى المروزي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأكثر الرواية عنه، وأبا داود السجستاني، والمَرُّوذي، ويعقوب المطوعي، وغيرهم، وكان ثقة أمينًا ثبتًا صدوقًا ورعًا حجةً فيما يرويه، محصلًا لما يحكيه، صنف كتبًا كثيرة، وجمع علومًا جمة.
قيل: إن مصنفاته تبلغ أربع مئة مصنف، لم يسمع الناس من مصنفاته إلا أولها، روى عنه المتقدمون كأبي عمرو بن حيويه، ونحوه، وآخر من حدث عنه محمد بن فارس الغوري الخطيب، كان صلب الديافة حسن الطريقة، شرس الأخلاق، فلذلك لم تنتشر الرواية عنه. ولد لثمان عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، سنة ست وخمسين ومئتين، وقيل: سبع وخمسين، وتوفي يوم الثلاثاء لإِحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم، سنة ست وثلاثين وثلاث مئة، ودفن في مقبرة الخيزران. انتهى.
وذكره ابن العماد (٢) وابن الجزري (٣) في ترجمة حافلة، وغيرهما. وقال ابن النديم في "الفهرست" (٤): له نيف وعشرون ومئة مصنف، منها: "اختلاف العدد" "دعاء أنواع الاستعاذات من سائر الآفات والعاهات"، "ناسخ القرآن ومنسوخه". وغيرها.
٦١١ - (ت ٣٣٩ هـ): عمر بن محمد بن رجاء، أبو حفص العُكْبَري الحنبلي .
стр. 504
قال النابلسي (١): حدث عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، وقيس بن إبراهيم الطرائفي، وموسى بن حمدون العنبري، وعِصمة بن أبي عصمة، وغيرهم. وكان عبدًا صالحًا، روى عنه جماعة، منهم: أبو عبد الله ابن بطة، وكان له صديق صيرفي، فبلغه أنه اتخذ دفترًا للحساب فهجره، لأن الصرف المباح يدًا بيد، ولما اتخذ دفترًا فإنما يعطي نسيئة، وكان لا يكلم من يكلم رافضيًا إلى عشرة، وإذا مات رافضي فبلغه أنَّ بزازًا باع له كفنًا، أو غاسلًا غسله، أو حمالًا حمله، هجره على ذلك، وتوفي سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة. انتهى.
٦١٢ - (ت ٣٤٤ هـ): عثمان بن أحمد الدَّقَّاق، المعروف بابن السمَّاك الحنبلي .
ذكره ابن الجوزي (٢)، فقال: سمع محمد بن عبيد، وابن المنادي، وحنبل بن إسحاق، وكان ثقة تقيًا صالحًا، توفي يوم الجمعة بعد الصلاة، ودفن يوم السبت لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول، سنة أربع وأربعين وثلاث مئة، ودفن بمقبرة باب الدير. انتهى.
وقال ابن العماد (٣): أبو عمرو بن السماك عثمان بن أحمد البغدادي الدقاق، مسند بغداد، روى عن محمد بن عبد الله بن المنادي ويحيى بن أبي طالب، وطبقتهما، وكان صاحب حديث، كتب المصنفات الكبار بخطه، وتوفي في ربيع الأول سنة أربع وأربعين وثلاث مئة، وشيعه خلائق نحو الخمسين ألفًا. انتهى.
وذكر ابن الجزري في "الغاية" (٤)، وغيره.
٦١٣ - (ت ٣٤٥ هـ): محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر اللغوي، الزاهد، المعروف بغلام ثعلب، الحنبلي .
стр. 505
قال النابلسي (١): سمع إبراهيم الحربي، وأحمد بن عبيد الله النرسي، وموسى بن سهل الوشاء، في آخرين.
روى عنه: أبو الحسن بن رزقويه، وأبو الحسين بن بشران، وأبو علي بن شاذان، وغيرهم. قال أبو القاسم عبد الواحد بن برهان الأسدي: لم يتكلم في علم اللغة أحد في الأولين والآخرين مثله. وله كتاب "غريب الحديث" صنفه على مسند الإِمام أحمد بن حنبل، وجعل يستحسنه جدًا، وقد أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغة، وجميع كتبه أملاها بغير تصنيف، صحب أبا العباس ثعلبًا زمانًا فعرف به ونسب إليه، وأكثر من الأخذ عنه، واستدرك على كتاب "الفصيح" جزءًا لطيفًا سماه: "فائت الفصيح"، وشرحه في جزء آخر، وله كتاب "اليواقيت"، وكان ينقل غريب اللغة ووحشيها، وأكثر ما نقل أبو محمد ابن السيد البَطَلْيَوْسي في "المثلث" عنه، وحكى عنه غرائب، مات سنة خمس وأربعين وثلاث مئة، وكانت ولادته سنة إحدى وستين ومئتين. انتهى.
وذكره ابن العماد (٢) فقال: كان ثقة، إمامًا، آية في الحفظ والذكاء. قال ابن الأهدل: ومصنفاته تزيد على العشرين، وكان لسعة حفظه تكذبه أدباء وقته، ووثقه المحدثون في الرواية، قيل: لم يتكلم أحد في اللغة أحسن من كلامه. انتهى المراد منه.
وله مصنفات غير ما ذكر النابلسي، منها: "أسماء الشعراء"، "التفاحة"، "حلى المداخل"، "فائت المستحسن"، "فائت الجمهرة"، كتاب "الحصري على الكلمات"، كتاب "الساعات"، كتاب "السير"، كتاب "الشورى"، كتاب "العشرات"، كتاب "القبائل"، كتاب "المدخل والزيادات" في اللغة، كتاب "المرجان"، كتاب "ما أنكره الأعراب"، كتاب "المستحسن"، كتاب "النوادر"، "موشح أسماء الشعراء"، وغير ذلك.
стр. 506
٦١٤ - (ت ٣٤٦ هـ): إسحاق بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو الحسن الكاذي الحنبلي .
قال النابلسي (١): كان يقدم من قريته (كاذة) إلى بغداد، فيحدث بها. روى عن محمد بن يوسف بن الطَّبَّاع، وأبي العباس الكُدَيْمي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في آخرين.
حَدَّث عنه جماعة منهم: أبو الحسن بن رزقويه، وأبو الحسين بن بشران. وكان ثقة زاهدًا، ومات يوم الأربعاء لليلة خلت من شعبان سنة ست وأربعين وثلاث مئة بقريته (كاذة) انتهى.
وذكره ياقوت في "معجم البلدان" (٢) فقال: إسحاق بن أحمد بن محمود بن إبراهيم الكاذي، أبو الحسين. روى عن: محمد بن يوسف بن الطباع، وأبي العباس الكاذي. روى عنه: أبو الحسن ابن رِزْقويه، وأبو الحسين بن بشران، وكان ثقة، توفي سنة ست وأربعين وثلاث مئة بقريته (كاذة) وهي من قرى بغداد. انتهى.
وقد وقع اختلاف بين الترجمتين في موضعين: أحدهما جد المترجم، فالنابلسي يسميه محمدًا، والحموي يسميه محمودًا. والثاني: شيخ المترجم أبو العباس الكديمي، فعند النابلسي الكديمي وعند الحموي الكاذي.
وكذلك وقع اختلاف في كنية المترجم، فالنابلسي يكنيه: أبا الحسن، وياقوت يكنيه: أبا الحسين. فلينظر.
٦١٥ - (ت ٣٤٨ هـ): أحمد بن سليمان، أو سلمان، ابن الحسن بن إسرائيل ابن يونس، أبو بكر النَّجَّاد الحنبلي .
قال النابلسي (٣): هو العالم الناسك الورع، كان له في جامع المنصور يوم
стр. 507
الجمعة حلقتان، قبل الصلاة للفتوى على مذهب أحمد، وبعد الصلاة لإِملاء الحديث، وهو ممن اتسعت روايته وانتشرت أحاديثه ومصنفاته، سمع الحسن بن مكرم البزار، ويحيى بن أبي طالب، وأحمد بن ملاعب، وأبا داود السجستاني، وإبراهيم الحربي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وهارون ابن الهاشمي، ومعاذ بن المثنى، ومحمد بن إسماعيل السلمي، وأبا يحيى الناقد، ويعقوب المطوعي، وبشر بن موسى، وغيرهم.
روى عنه: ابن مالك، وعمر بن شاهين، وابن بطة، وأبو حفص العكبري، وأبو عبد الله بن حامد، وأبو الفضل التميمي، وغيرهم.
قال أبو علي بن الصواف: كان يمشي إلى طلب العلم ونعله بيده، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أمشي إلى طلب العلم حافيًا. صنف كتابًا في الفقه والاختلاف كبيرًا، وكان أوحد وقته.
قيل: ولد سنة ثلاث وخمسين ومئتين، وتوفي سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة، ليلة الثلاثاء لعشر بقين من ذي الحجة. وقد كف بصره، ودفن عند قبر بشر بن الحارث، وعاش خمسًا وتسعين سنة. انتهى.
وقال ابن العماد (١): هو الفقيه الحافظ، شيخ العراق والحنابلة، وصاحب التصانيف والسنن، وكان رأسًا في الفقه، رأسًا في الحديث. قال أبو إسحاق الطبري: كان النَّجاد يصوم الدهر، ويفطر على رغيف، ويترك منه لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة أكل تلك اللقمة التي قد استفضلها وتصدق بالرغيف.
وقال أبو علي بن الصواف: كان أحمد بن سلمان النجَّاد يجيء معنا إلى المحدثين ونعله بيده، فقيل له: لم لا تلبس نعلك؟ قال: أحب أن أمشي في طلب حديث رسول الله ﷺ وأنا حاف. فلعله ذهب إلى قوله ﷺ : "ألا أنبئكم بأَخفِّ الناس - يعني حسابًا - يوم القيامة بين يدي الملك الجبار؟ المسارع إلى الخيرات
стр. 508
ماشيًا على قدميه حافيًا، أخبرني جبريل أن الله تعالى ناظر إلى عبد يمشي حافيًا في طلب الخير".
وقال أبو بكر النجاد: تضايقت يومًا من الزمان أو وقتًا، فمضيت إلى إبراهيم الحربي فذكرت له قصتي، فقال: اعلم أني تضايقت يومًا حتى لم يبق معي إلا قيراط، فقالت الزوجة: فتش كتبك وانظر ما لا تحتاج إليه فبعه، فلما صليت العشاء الآخرة وجلست في الدهليز أكتب إذ طرق عليّ الباب طارق، فقلت: من هذا؟ فقال: كلمني، ففتحت الباب، فقال: أطفئ السراج فطفيتها، فدخلت الدهليز، فوضع فيه كارة. وقال: اعلم أنا أصلحنا للصبيان طعامًا، فأحببنا أن يكون لك وللصبيان فيه نصيب، وهذا أيضًا شيء آخر، فوضعه إلى جانب الكارة وقال: تصرفه في حاجتك وأنا لا أعرف الرجل، وتركني وانصرف، فدعوت الزوجة وقلت لها: أسرجي. فأسرجت وجاءت، وإذا الكارة منديل له قيمة، وفيه خمسون وسطًا، في كل وسط لون من الطعام، وإذا إلى جانب الكارة كيس فيه ألف دينار، قال النجاد: فقمت من عنده فمضيت إلى قبر أحمد فزرته ثم انصرفت، فبينا أنا أمشي إلى جانب الخندق إذ لقيتني عجوز من جيراننا فقالت لي: يا أحمد، فأجبتها، فقالت: مالك مغموم؟ فأخبرتها، فقالت: اعلم أن أمك أعطتني قبل موتها ثلاث مئة درهم، وقالت لي أَخْبِئي هذه عندك، فإذا رأيتِ ابني مضيقًا مغمومًا فأعطيها إياه، فتعال معي حتى أعطيك إياها، فمضيت معها فَدَفَعَتْها إليَّ. انتهى المراد منه.
وله تصانيف منها "السنن" كبير و"الفوائد" في الحديث، و"قلادة النحر"، وغيرها كـ "مسند عمر بن الخطاب".
٦١٦ - (ت ٣٤٨ هـ): فارس بن محمد بن محمود بن عيسى الغُوري الحنبلي، أبو القاسم البغدادي .
ذكره ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (١) وقال: روى عن أحمد بن
стр. 509
عبد الخالق الوَرَّاق، ومحمد بن محمد بن سليمان البَاغَنْدِي، وغيرهما. روى عنه: ابنه أبو الفرج محمد، وأبو الحسن ابن رزق، وغيرهما. وكان ثقة، توفي سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة.
وسيأتي ذكر ابنه وترجمته في وفيات سنة تسع وأربع مئة إن شاء الله.
٦١٧ - (ت ٣٥٠ هـ): إسماعيل بن علي بن إسماعيل، أبو محمد الخُطَبي الحنبلي .
قال النابلسي (١): سمع عبد الله بن أحمد بن حنبل، والحارث بن أبي أسامة، وغيرهما.
روى عنه: الدَّارَقُطْني، وابن شاهين، وغيرهما. وكان فهمًا عارفًا بأيام الناس وأخبار الخلفاء، وصنف تاريخًا كبيرًا. قال الدارقطني: ثقة.
ولد في محرم سنة تسع وستين ومئتين، وتوفي في جمادى الآخرة سنة خمسين وثلاث مئة. انتهى.
وذكره ابن العماد (٢)، وقال: هو الأديب الأخباري، صاحب التصانيف، روى عن الحارث بن أبي أسامة، وطائفة، وكان يرتجل الخطب، ولا يتقدمه فيها أحد، فلذا نسب إليها، وتوفي سنة خمسين وثلاث مئة. انتهى.
٦١٨ - (ت ٣٥٣ هـ): بكَّار بن أحمد البغدادي المقرئ الحنبلي .
قال ابن العماد (٣): هو شيخ المقرئين في زمانه، قرأ على جماعة من أصحاب الدُّوري، وسمع من عبد الله بن أحمد بن حنبل، وتوفي في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة. انتهى.
стр. 510
وذكره ابن الجزري في "الغاية" (١) فقال: بكَّار بن أحمد بن بكَّار بن بَنَان بن بكَّار بن زياد بن درستويه، أبو عيسى البغدادي، يعرف ببكارة المقرئ، ثقة مشهور، ولد سنة خمس وسبعين ومئتين. ثم ذكر له ترجمة حافلة جدًا.
٦١٩ - (ت ٣٥٩ هـ): حبيب بن الحسن بن داود بن محمد بن عبد الله، أبو القاسم القزاز الحنبلي .
قال النابلسي (٢): سمع أبا مسلم الكجي، وعمر بن حفص السدوسي، وموسى بن إسحاق الأنصاري، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وغيرهم.
روى عنه: الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين، وأبو الحسن بن رِزْقُويه، وأبو الحسن الحَمَّامي، وابن حامد، وغيرهم.
وقال ابن الفرات: ثقة مشهور، حسن المذهب، توفي يوم الأحد في جمادى سنة تسع وخمسين وثلاث مئة. انتهى.
وقال ابن حجر في "اللسان" (٣): حبيب بن الحسن القزاز، أبو القاسم، سمع أبا مسلم الكَجَّي، وجماعة. وعنه: الحمَّامي، وأبو نُعيم وجماعة. ضعَّفه البَرْقاني، ووثَّقه ابن أبي الفوارس، والخطيب، وأبو نُعيم، توفي سنة تسع وخمسين وثلاث مئة.
٦٢٠ - (ت ٣٥٩ هـ): محمد بن أحمد بن الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله، أبو علي المعروف بابن الصَّواف الحنبلي .
قال النابلسي (٤): سمع إسحاق بن الحسن الحربي، وبشر بن موسى الأسدي، وأبا إسماعيل الترمذي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، في آخرين.
стр. 511
روى عنه: الدَّارقُطْني، وإبن رِزْقُويه، وابن بشران، ومحمد بن أبي الفوارس، وغيرهم.
قال الدارقطني: ما رأيت بعيني مثله، وكان ثقة مأمونًا من أهل التحرز.
قال البرقاني: توفي سنة تسع وخمسين وثلاث مئة، ومولده في شعبان سنة سبعين ومئتين. انتهى.
وذكره ابن العماد (١)، وقال: أبو علي الصوَّاف محمد بن أحمد بن الحسن البغدادي، المحدث الحجة، روى عن: محمد بن إسماعيل الترمذي، وإسحاق الحَرْبي، وطبقتهما. قال الدَّارقُطْني: ما رأت عيناي مثله، ومثل أبي الفتح بمصر. انتهى المراد منه.
٦٢١ - (ت ٣٦٠ هـ): سليمان بن أحمد بن أيوب بن مُطَير، الطَّبَراني الأصبهاني، أبو القاسم الحنبلي .
قال النابلسي (٢): وافى أصبهان وسكن بها، وسمع جماعة من أصحاب أحمد: أبو زرعة الدمشقي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهما، وسمع ابن أبي مريم، وإسحاق الدوري، وابن يونس، وإبراهيم بن بزَّة، وإدريس بن جعفر البغداديين، ومحمد بن يحيى بن مَنْده، وكان أحد الحفاظ في علم الحديث، وله تصانيف منثورة وآثار مشهورة، ولد سنة ستين ومئتين، ومات بأصبهان سنة ستين وثلاث مئة، ودفن بباب مدينة أصبهان عند قبر عمه الدَّوْسي. روى عنه جماعة، منهم: أبو خليفة الفضل بن الحُبَاب، وعَبَدان، وجعفر الفِرْيابي، وابن عُقدة، وأبو عبد الله بن مَنْدة، وغيرهم. انتهى.
وذكره ياقوت في "معجم البلدان" (٣) بترجمة طويلة جدًا ذكرتها في "القطف الدان" منها:
стр. 512
هو الإِمام الحافظ أحد الأئمة الحفاظ المكثرين المعروفين، والرُّحال الجوَّالين، والمشايخ المُعَمَّرين، والمصنفين المحدثين، والثقات الأثبات المعدِّلين.
سمع بدمشق أبا زرعة وأحمد بن المُعَلَّى، وأبا عبد الملك البسري، وأحمد بن أنس بن مالك، وأحمد بن عبد القاهر الخيبري اللخمي، وأحمد بن محمد بن يحيى بن ضمرة، وأبا علي إسماعيل بن محمد بن قِيْراط، وأبا قصي إسماعيل بن محمد العذري، وبمصر يحيى بن أيوب العلَّاف، وببرقة أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، وباليمن إسحاق بن إبراهيم الدَّبري، والحسن بن عبد الأعلى البَوْسي، وإبراهيم بن محمد بن بزَّة، وإبراهيم بن مؤيد الشيباني، أربعتهم يروون عن عبد الرزاق بن همام، وسمع بالشام أبا زيد أحمد بن عبد الرحيم الحوضي، وإبراهيم بن أبي سفيان القَيْسراني، وإبراهيم بن محمد بن عِرْق الحمصي، وأبا عقيل بن أنس الخولاني، وسمع بالعراق أبا مسلم الكجي، وإدريس بن جعفر الطيار، وأبا خليفة الفضل بن الحُباب الجمحي، والحسن بن سهل ابن المجوّز، وغير هؤلاء.
روى عنه: أبو خليفة الفضل بن الحباب، وأبو العباس بن عقدة، وأبو مسلم الكَجَّي، وعَبَدان الأَهْوازي، وأبو علي أحمد بن محمد الصحَّاف، وهم من شيوخه، وأبو الفضل محمد بن أحمد بن محمد بن الجارود الهَرَوي، وأبو الفضل بن أبي عمران الهَرَوي، وأبو نُعيم الحافظ، وأبو الحسين بن فَادْشَاه، ومحمد بن عُبيد الله بن شهريار، وأبو بكر بن ريزة، وهو آخر من حدَّث عنه.
قال الأستاذ ابن العميد: ما كنت أظن في الدنيا حلاوة ألذّ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة سليمان بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجِعَابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلب الجِعابي بكثرة حفظه، وكان الجِعابي يغلب الطَّبراني بفطنته وذكائه، حتى ارتفعت أصواتهما ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه، فقال الجِعَابي: عندي حديث، ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هاته، فقال: حدثنا أبو خليفة عن سليمان بن أيوب - وحدث بالحديث. فقال الطبراني: أنا سليمان بن
стр. 513
أيوب، ومني سمع أبو خليفة، فاسمعه مني حتى يعلو إسنادُك ولا تروِ عن أبي خليفة بل عني، فخجل الجِعَابي وغلبه الطبراني.
قال ابن العميد: فوددت في مكاني أن الوزارة والرئاسة لم تكونا لي وكنت الطَّبرانيَّ، وفرِحْت مثل الفرح الذي فرِح به الطَّبراني لأجل الحديث، أو كما قال.
ولما قضى الطبراني وطره من الرَّحلة قدم أَصْبَهان في سنة تسعين ومئتين، فأقام بها سبعين سنة حتى مات بها في سنة ستين وثلاث مئة، وكان مولده بطبرية سنة ستين ومئتين. انتهى المراد منه.
وذكره ابن خلكان (١)، وقال: إن عدد شيوخه ألف شيخ.
وذكره الذهبي في "الميزان" (٢) وقال: هو الحافظ الثبت المُعَمَّر، لا يُنكر له التفرُّد في سعة ما روى، ليَّنه أبو بكر ابن مَرْدَويه لكونه غلط أو نسي، فمن ذلك أنه وهم وحدَّث بالمغازي عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البَرْقي، وإنما أراد عبد الرحيم أخاه، فتوهَّم أن شيخه عبد الرحيم اسمه أحمد، واستمر على هذا يروي عنه ويُسميه أحمدًا وقد مات أحمد قبل دخول الطبراني إلى مصر بعشر سنين أو أكثر، وإلى الطبراني المنتهى في كثرة الحديث وعلوه، فإنه عاش مئة سنة. انتهى المراد منه.
وله تصانيف، ذكر النابلسي وياقوت منها: "المعجم الكبير" في أسماء الصحابة، و"المعجم الأوسط" في غرائب شيوخه، يشتمل على نحو اثنين وخمسين ألف حديث، و"المعجم الصغير" في أسماء شيوخه، وله غير ما ذكراها "مسند أبي سفيان" "مسند شُعبة"، "تفسير القرآن"، "دلائل النبوة"، "حديث الشاميين"، "الطوالات في الحديث"، كتاب "الأوائل"، "عشرة النساء"، كتاب "الرمي"، كتاب
стр. 514
"الدعوات"، كتاب "السنّة"، كتاب "المكارم وذكر الأجواد"، كتاب "النوادر"، كتاب "المناسك"، وغيرها.
٦٢٢ - (ت ٣٦٠ هـ): محمد بن الحسين الآجُرِّي، أبو بكر الفقيه الحنبلي .
قال النابلسي (١): هو من أكابر الأصحاب، سمع خلقًا كثيرًا، وكان ثِقةً فقيهًا، عالمًا ديَّنًا، ورعًا حجةً، له التصانيف الكثيرة.
قال الخطيب البغدادي: كان ثقةً صدوقًا، روى عنه جماعة من الحفاظ، منهم: أبو نُعيم الأصفهاني، وتوفي سنة ستين وثلاث مئة في المحرّم. انتهى.
وذكره ابن العماد (٢) فقال: هو الإِمام أبو بكر محمد بن الحسين البغدادي، المحدَّث الثقة الضابط، صاحب التصانيف والسنّة، وكان حنبليًا، وقيل: شافعيًا، سمع أبا مسلم الكجَّي، وأبا شعيب الحرَّاني، وطائفة، ومنه أبو الحسن الحمَّامي، وأبو الحسين بن بشران، وأبو نُعيم الحافظ، وصنف كثيرًا، جاور بمكة وتوفي بها، قيل: إنه لما دخلها فاعجبته قال: اللهم ارزقني الإِقامة بها سنة، فهتف به هاتف: بل ثلاثين السنة، فعاش بها ثلاثين سنة، ثم مات بها في أول المحرم سنة ستين وثلاث مئة. والآجري نسبة إلى قرية من قرى بغداد. انتهى.
وله تصانيف منها كتاب "النصحية" في الفقه الحنبلي، قال البدراني في "المدخل" (٣): وعادته فيه أن لا يذكر إلا اختيارات الأصحاب.
ومن تصانيفه: "أخبار عمر بن عبد العزيز"، "أخلاق العلماء"، "أربعون في الحديث"، "تحريم النرد والشطرنج والملاهي"، "التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة"، "الثمانون في الحديث" "شرح حديث الأربعين"، "صفة قبر النبي ﷺ "،
стр. 515
"فردوس العلم"، كتاب "الشريعة" "مختصر في الفروع"، "وصول المشتاقين"، وغيرها.
٦٢٣ - (ت ٣٦٠ هـ): الحسين بن عبد الله، أبو علي النجَّاد الحنبلي .
قال النابلسي (١): كان فقيهًا مُعظَّمًا في أصول الفقه وفروعه، صحب من شيوخ المذهب أبا الحسن بن بشار، وأبا محمد البَرْبَهاري، ومن في طبقتهما، وصحبه جماعة: أبو حفص البرمكي، وأبو حفص العُكْبَري، وأبو الحسن الخَرزِي، وعبد العزيز غلام الزجَّاج. انتهى.
وقال ابن العماد (٢): أبو علي النجَّاد الصغير، وهو الحسين بن عبد الله البغدادي الحنبلي، المُسْنِد، صنَّف في الأصول والفروع، ثم ساق كلام ابن أبي يعلى المتقدم، ثم قال: قال النجَّاد جاءني رجل وقد كنت حذَّرت منه أنه رافضي، فأخذ يتقرب إليَّ، ثم قال: لا نسبُّ أبا بكر وعمر، بل معاوية وعمرَو بن العاص، فقلت له: وما لمعاوية؟ قال: لأنه قاتل عليًا. قلت له: إن قومًا يقولون: إنه لم يقاتل عليًا، وإنما قاتل قتلة عثمان، قال: فقول النبي ﷺ لعمار: "تقتلك الفئة الباغية"؟ قلت: إن أنا قلت: لم يصح، وقعت منازعة، ولكن قوله ﵇: "تقتُلك الفِئةُ الباغِية" يعني به الطَّالبة لا الظالمة، لأن أهل اللغة تُسمي الطالب باغيًا، ومنه: بغيت الشيء أي طلبته، ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ومثل ذلك كثير، فإنما يعني بذلك الطالبة لقتلة عثمان رضوان الله عليه.
وقال أبو حفص العُكْبَري: سمعت أبا علي النجَّاد يقول: سمعت أبا الحسن بن بشار يقول: ما أعتب على رجل يحفظ لأحمد بن حنبل خمس مسائل أن يستند إلى بعض سواري المسجد ويفتي الناس بها.
стр. 516
وجزم ابن برداس أن النجَّاد هذا مات سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة. وقال غيره: سنة ستين وثلاث مئة. انتهى.
٦٢٤ - (ت ٣٦٣ هـ): عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يَزْداد بن معروف، أبو بكر الحنبلي، المعروف بغلام الخلَّال .
قال النابلسي (١): حدث عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وموسى بن هارون، ومحمد بن الفضل الوصفي، وأبي خليفة الفضل بن الحُبَاب البَصْري، وجعفر الفِريابي، وأحمد بن محمد بن الجَعْد، وإبراهيم بن محمد بن الهيثم القَطِيعي، ومحمد بن محمد الباغَنْدي، وقاسم بن زكريا المُطرِّز، والحسين بن عبد الله الخرقي، وأبي القاسم البغوي، ومحمد بن الحسن بن هارون بن بَديْنا، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبي بكر بن أبي داود، في آخرين.
وروى عنه: ابن شَاقْلا، وابن بطَّة، وأبو الحسين التَّمِيْمِي، وأبو حفص البَرْمكي، وأبو حفص العُكْبَري، وابن حامد، وحدَّث عنه بمسائل الأثرم، وصالح، وعبد الله، وغير ذلك، وكان أحد أهل الفهم، موثوقًا به في العلم، متَسع الرواية، مشهورًا بالديانة، موصوفًا بالأمانة، مذكورًا بالعبادة، وله المصنفات في العلوم المختلفات، وله اختيارات خالف فيها شيخه أبا بكر الخلَّال.
وتوفي لعشر بقين من شوال، سنة ثلاث وستين وثلاث مئة، وله ثمان وسبعون سنة. انتهى المراد منه.
وقال ابن العماد (٢): هو شيخ الحنابلة وعالمهم المشهور، صاحب التصانيف، إلى أن قال: ولما مات اختلف أهل الأَزَج في دفنه، فقال بعضهم: يدفن في قبر أحمد. وقال بعضهم: يدفن عندنا، وجرَّدوا السيوف والسكاكين، فقال المشايخ: لا تختلفوا، نحن في حَرِيْم السلطان - يعنون المُطيع لله - فما يأمر نفعل، قال: فلَفُّوه
стр. 517
في نطع مشدود بالشراريف خوفًا أن يمرق الناس أكفانه وكتبوا رقعة إلى الخليفة، فخرج الجواب: مثل هذا الرجل لا نعدم بركاته أن يكون عندنا وفي جوارنا، وهناك موضع يعرف بدار الأفيلة، وهو ملك لنا، ولم يكن فيه دَفْنٌ، فدفن فيه ﵀.
وحكى أبو العباس بن أبي عمرو الشرابي قال: كان لنا ذات ليلة خدمة أمسيت لأجلها، ثم إني خرجت منها نومة الناس وتوجهت إلى داري بباب الأَزَج، فرأيت عمود نور من جوف السماء إلى الأرض إلى جوف المقبرة، فجعلت أنظر إليه ولا ألتفت خوفًا أن يغيب عني إلى أن وصلت إلى قبر أبي بكر عبد العزيز، فإذا أنا بالعمود من جوف السماء إلى القبر، فبقيت متحيرًا، ومضيت وهو على حاله.
وكانت وفاته سنة ثلاث وستين وثلاث مئة. انتهى ملخصًا.
وله تصانيف ذكر النابلسي (١) منها: كتاب "الشافي" في الحديث، وكتاب "المقنع"، و"تفسير القرآن"، وكتاب "الخلاف مع الشافعي"، وكتاب "القولين"، وكتاب "زاد المسافر"، وكتاب "التنبيه"، وغيرها.
وذكره الزركلي (٢) وقال: من كتبه "الشافي" و"المقنع" كبيران جدًا في الفقه، و"مختصر السنّة".
٦٢٥ - (ت ٣٦٨ هـ): أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك، أبو بكر القَطِيْعي، الحنبلي .
قال النابلسي (٣): كان يسكن قطيعة الدَّقيق فنُسب إليها، سمع إبراهيم بن إسحاق، وإسحاق بن الحسن الحربيين، وبشر بن موسى الأسدي، وأبا العباس الكُدَيمي، وأبا مسلم الكجِّي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، روى عنه "المسند"، و"الزهد"، و"التاريخ"، و"المسائل" وغير ذلك، وقيل: إن عبد الله بن أحمد كان
стр. 518
يقعده في حجره وهو يقرأ عليه الحديث، فقيل له: يؤلمك؟ فقال: إني أحبه.
ولد يوم الاثنين لثلاثٍ خلون من المحرم سنة أربع وسبعين ومئتين، روى عنه: الدارقطني، وابن شاهين، وابن رِزْقويه، وابن أبي الفوارس، والبَرْقاني، وأبو نُعيم الأصفهاني، وعبد الملك بن بشران، وابن المُذْهِب، والجوهري في آخرين. قال ابن الفرات: كان مستورًا، صاحب سنة، كثير السماع من عبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيره. وقال ابن أبي الفوارس: كان مستورًا صاحب سنة. وقال البَرْقاني: كنت كثير التنقير عن حاله، حتى ثبت عندي أنه صدوق، لا شك في سماعه. وقال الخطيب: لم نرَ أحدًا امتنع من الرواية عنه، ولا ترك الاحتجاج به.
وتوفي يوم الاثنين لسبع بقين من ذي الحجة، سنة ثمان وستين وثلاث مئة، ودفن بقرب أحمد بن حنبل. انتهى.
وذكره الذهبي (١) فقال: هو المحدث العالم، المفيد الصدوق، مسند بغداد … إلى أن قال: قال الدارقطني: ثقة زاهد قديم السماع، سمعت أنه مجاب الدعوة. وقال البَرْقاني: ليَّنته عند أبي عبد الله الحاكم فأنكر عليَّ وحسَّن حاله، وقال: كان شيخي. وقال الحاكم أيضًا: هو ثقة مأمون.
وقال في "الميزان" (٢) أيضًا: هو صدوق في نفسه مقبول، تغيَّر قليلًا. قال أبو عمرو ابن الصلاح: اختلَّ في آخر عمره، حتى كان لا يعرف شيئًا مما يقرأ عليه، ذكر هذا أبو الحسن ابن الفُرات.
قال الذهبي: قلت: فهذا القول غلوٌّ وإسراف، وقد كان أبو بكر أسندَ أهلِ زمانه.
مات في آخر سنة ثمان وستين وثلاث مئة، وله خمس وتسعون سنة.
قال ابن أبي الفوارس: لم يكن في الحديث بذاك، له في بعض "مسند أحمد" أصول فيها نظر. وقال البَرْقاني. غَرِقت قطعة من كتبه فنسخها من كتاب قيل إنه لم
стр. 519
يكن سماعه فيه، فغمزُوه لأجل ذلك، وإلا فهو ثقة.
وتعقَّب الذهبيَّ ابنُ حجر في "اللسان" (١) فقال: قلت: إنكار الذهبي على ابن الفرات عجيب، فإنه لم ينفرد بذلك، فقد حكى الخطيب في ترجمة أحمد بن أحمد المُسَيَّبي يقول: قدمت بغداد وأبو بكر بن مالك حيٌّ، وكان مقصودنا درس الفقه والفرائض، فقال لنا ابن اللبَّان الفَرَضِي: لا تذهبوا إلى ابن مالك فإنه قد ضعف واختلَّ، ومنعت ابني السماع منه، فلم نذهب إليه.
قال ابن حجر: كان سماع أبي علي بن المُذْهِب منه لـ "مسند أحمد" قبل إختلاطه، أفاده شيخنا أبو الفضل ابن الحسن، والحكاية التي حكاها ابن الصلاح عن ابن الفرات قد ذكرها الخطيب في "تاريخه" عنه، والعجب من الذهبي يَردُّ قول ابن الفرات، ثم يقول في آخر ترجمة الحسن بن علي التَّمِيْمي الراوي عن القَطِيْعي ما سيأتي. انتهى.
قلت: يشير ابن حجر إلى قول الذهبي هناك. قلت: الظاهر من ابن المُذْهب أنه شيخ ليس بمتقن، وكذلك شيخه ابن مالك، ومن ثم وقع في "المسند" أشياء غير مُحْكَمة المتن ولا الإسناد. والله أعلم.
قلت: وكذا قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في ردَّه على الرافضي فإنه قال: ليس في "مسند أحمد" حديث موضوع، والأحاديث الموضوعة التي فيه هي من زيادات القَطِيعي.
وقد ذكر القَطِيعي هذا غير واحد فلنكتف بهذا القدر. والله أعلم.
٦٢٦ - (ت ٣٦٩ هـ): إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقْلا، أبو إسحاق البزَّاز الحنبلي .
قال النابلسي (٢): هو جليل القدر، كثير الرواية، حسن الكلام في الأصول
стр. 520
والفروع، سمع أبا بكر الشافعي، وأبا أحمد بن آدم الورَّاق، ودَعْلجًا، ومحمد بن الحسن المقرئ، وعبد العزيز بن محمد اللؤلؤي، وابن مالك، وابن الصوَّاف، وأحمد بن القاسم دُرُست، وأبا بكر السَّلماني، وأبا عبد الله الحسين بن علي بن محمد المخرمي المعروف بابن شَاصو.
روى عنه: أبو حفص العُكْبَري، وأحمد بن عثمان الكَبْشي، وعبد العزيز غلام الزَّجَّاج، وكانت له حلقتان إحداهما بجامع المنصور، والأخرى بجامع القصر.
توفي في سنة تسع وستين وثلاث مئة، وله أربع وخمسون سنة، وغسله أبو الحسن التميمي. انتهى.
وذكره ابن العماد في "الشذرات" (١)، والبَدْراني في "المدخل" (٢)، وغيرهما.
٦٢٧ - (ت ٣٧٠ هـ): إبراهيم بن ثابت، أبو إسحاق الحنبلي .
قال النابلسي (٣): كان على غاية من العلم والزهد، وكان يُعرف بالدَّعَّاء، حكى عن الجُنَيد بن محمد، وأبي ثُمامة الأنصاري.
روى عنه: يوسف بن عمر القوَّاس، وعلي بن الحسين الصَّيْقَل، وأبو عبد الرحمن السُّلمي.
توفي سنة سبعين وثلاث مئة. انتهى.
٦٢٨ - (ت ٣٧٠ هـ): أبو الحسين محمد بن عبد الله بن هارون، ابن أخي مِيْمي الحنبلي .
قال النابلسي (٤): سمع من خلق كثير منهم: أبو القاسم البغوي، وغيره.
стр. 521
وتوفي يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شعبان سنة سبعين وثلاث مئة. انتهى.
وقال ابن العماد (١): ابن أخي ميمي الدقَّاق الحنبلي أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسين البغدادي، روى عن البَغَوي وجماعة، وله أجزاء مشهورة، وتوفي في رجب سنة تسعين وثلاث مئة، ودفن عند أحمد بن حنبل. انتهى.
قلت: لعل الصحيح ما أثبتناه، وأن السبعين اشتبهت بالتسعين على أحد النُسَّاخ، والله أعلم.
٦٢٩ - (ت ٣٧١ هـ): عبد العزيز بن الحارث بن أسد، أبو الحسن التَّمِيْمي الحنبلي .
قال النابلسي (٢): حدَّث عن أبي بكر النيسابوري، ونفْطُويه، والقاضي المحاملي، وغيرهم. وصحب أبا القاسم الخِرقي، وأبا بكر عبد العزيز، وصنف في الأصول والفروع والفرائض، صحبه القاضيان أبو علي بن أبي موسى وأبو الحسن ابن هارون، وكان له أولاد: أبو الفضل، وأبو الفرج.
وغيرهما. قيل: إنه حج ثلاثًا وعشرين حجة.
ومولده سنة سبع عشرة وثلاث مئة، ومات في ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة. انتهى.
وذكره الذهبي في "الميزان" (٣) فقال: هو من رؤساء الحنابلة والأكابر البَغَادِدَة، إلا أنه آذى نفسه، ووضع حديثًا أو حديثين في "مسند الإِمام أحمد بن حنبل" قال ابن رِزْقويه الحافظ: كتبوا عليه محضرًا بما فعل. كتب فيه الدارقطني وغيره؛ نسأل الله السلامة. انتهى المراد منه.
стр. 522
٦٣٠ - (ت ٣٧٣ هـ): الحسين بن عثمان بن ثابت البغدادي، المقرئ الضرير الحنبلي، صاحب أبي بكر بن الأنباري .
ذكره ابن الجزري في "الغاية" (١) وقال: قرأ على ابن الأنْباري المذكور، وتفقَّه عليه، ونظم كتابًا في القراءات السبع، وهو أول من نظمها، رواها عنه أحمد بن محمد العَتِيْقي، وكان حافظًا ذكيًا، ولد أعمى، وكان يحضر مجلس ابن الأنباري، ويحفظ ما يملي، توفي سنة ثلاث وسبعين وثلاث مئة.
وتقدمت ترجمة شيخه أبي بكر ابن الأنباري في وفيات سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة.
- (ت ٣٨١ هـ): محمد بن سيما يأتي سنة (٣٨٧ هـ). [انظر: ٦٣٦].
٦٣١ - (ت ٣٨٥ هـ): يوسف بن عمر بن مسرور، أبو الفتح القوَّاس، الحنبلي .
قال النابلسي (٢): سمع أبا القاسم البغوي، وأبا بكر ابن أبي داود، ويحيى بن صاعد، وخلقًا كثيرًا. قال علي بن محمد بن الحسن السمسار: ما أتيته إلا وجدته يصلي. وقال البرقاني، والأزهري: كان من الأبدال. وقال الأزهري: كان مجاب الدعوة. وقال الدارقطني: كنا نتبرك به وهو صبي، ولد أول يوم من ذي الحجة سنة ثلاث مئة، وتوفي سنة خمس وثمانين وثلاث مئة لسبع بقين من ربيع الأول، وصلى عليه العَتِيْقي في جامع الرصافة. انتهى.
وذكره ابن العماد (٣) فقال: أبو الفتح القوَّاس، يوسف بن عمر بن مسرور،
стр. 523
البغدادي، الزاهد، المجاب الدعوة. روى عن: البغوي وطبقته. قال البرقاني: كان مجاب الدعوة، وتوفي سنة خمس وثمانين وثلاث مئة في ربيع الأول وله خمس وثمانون سنة. انتهى.
وذكره ابن الجوزي في "صفة الصفوة" (١) وقال: هو يوسف بن عمر بن مسرور، أبو الفتح القواس. قال أبو ذر الهروي: كنت عند أبي الفتح القواس وقد أخرج جزءًا من كتبه فوجد فيه قرض الفأر، فدعا الله على الفأرة التي قرضته، فسقطت من سقف البيت فأرة ولم تزل تضطرب حتى ماتت، ثم ذكر ما تقدم، وأرخ وفاته أيضًا كما تقدم، إلا أنه زاد، ودفن في مقبرة الإِمام أحمد.
٦٣٢ - (ت ٣٨٧ هـ): عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان بن عمر بن عيسى بن إبراهيم بن سعد بن عُتْبة بن فَرْقَد صاحب رسول الله ﷺ ، أبو عبد الله المعروف بابن بطَّة العُكْبَرى الحنبلي .
قال النابلسي (٢): سمع عبد الله بن محمد البَغَوي، وأبا محمد بن صاعد، وإسماعيل بن القباش الورَّاق، وأبا طالب أحمد بن نصر الحافظ، وأبا ذر بن الباغَنْدي، ومحمد بن محمود السرَّاج، ومحمد بن مَخْلد العطَّار، ومحمد بن ثابت العُكْبَري، وجعفر القَافلاني، وأبا القاسم الخِرقي، وأبا بكر عبد العزيز، وغيرهم من الغرباء، فإنه سافر الكثير إلى مكة والثغور والبصرة، وغير ذلك من البلاد، صحبه جماعة من شيوخ المذهب أبو حفص العُكْبَري، وأبو حفص البرمكي، وابن حامد، وابن شهاب، وأبو إسحاق البرمكي، في آخرين.
قال عبد الواحد بن علي العُكْبَري: لم أرَ في شيوخ أصحاب الحديث ولا في غيرهم أحسن هيئة منه. ولما رجع من الرحلة لزم بيته أربعين سنة، فلم يُرَ يومًا منها في سوق، ولم يُرَ مُفْطِرًا إلا يوم الأضحى والفطر، وكان أمَّارًا بالمعروف، ولم يبلغه
стр. 524
خبر منكر إلا غيَّره، وكان شيخًا مستجاب الدعوة، وصنف التصانيف التي تزيد على مئة مصنف، ولد يوم الاثنين لأربع خلون من شوال، سنة أربع وثلاث مئة، وتوفي يوم عاشوراء سنة سبع وثمانين وثلاث مئة، ودفن بعُكْبَراء. انتهى.
وقال ابن العماد: هو الفقيه العابد الصالح الحنبلي. قال في "العبر": كان صاحب حديث، ولكنه ضعيف من قِبَل حفظه، روى عن خلق.
وقال ابن ناصر الدين: كان أحد المحدثين العلماء الزهَّاد، وكان في عينه ناصور، وقد وصف له ترك العشاء، فكان يجعل عشاءه قبل الفجر بيسير ولا ينام حتى يصبح، وكان عالمًا بمنازل النيرين، ويقال: إنه أفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. انتهى المراد منه.
وقال الذهبي في "الميزان" (١) - وقد ذكره بكلام طويل متضارب -: هو الفقيه الإِمام، لكنه ذو أوهام، لحق البغوي وابن صاعد، وقد روى ابن بطة عن النجَّاد عن العُطَاردي فأنكر عليه ابن ينَال وأساء القول فيه، حتى همَّت العامة بابن يَنال فاختفى. وقال أبو القاسم الأزهري: ابن بطَّة ضعيف ضعيف.
قال الذهبي: ومع قلة إتقان ابن بطَّة في الرواية كان إمامًا في السنّة، إمامًا في الفقه، صاحب أحوال وإجابة دعوة، ﵁. انتهى المراد منه.
وقال ابن حجر في "اللسان" (٢) بعد أن أورد له أحاديث: ما أدري ما أقول في ابن بطَّة بعد هذا؟! وقال أبو الفتح القوَّاس: ذكرت لأبي سعيد الإِسماعيلي ابنَ بطَّة وعلمَه وزهده فخرج إليه، فلما عاد قال لي: هو فوق الوصف. وقال أبو ذر الهروي، وكان يحفظ ويفهم، ورحل إلى خراسان، قال: خرجت إلى عُكْبَراء، فكتبت عن شيخ بها عن أبي خليفة وعن ابن بطَّة، ورجعت إلى بغداد، فقال الدارقطني: أيش كتبت عن ابن بطَّة؟ قلت: كتاب "السنن" لرَجَاء بن المُرَجَّى، حدثني به عن حفص بن عمر
стр. 525
الأَرْدَبيلي عن رجاء بن مُرَجَّى، فقال الدارقطني: هذا محال، دخل رجاء بن مرجى بغداد سنة أربعين، ودخل حفص بن عمر سنة سبعين، فكيف سمع منه؟!.
وحكى الحسن بن شهاب نحو هذه الحكاية عن الدارقطني، وزاد: أنهم أَبْرَدوا بريدًا إلى أرْدَبيل وكان ولدُ حفص بن عمر حيًا هناك، فعاد جوابه: إن أباه لم يروه عن رجاء بن مُرَجَّى، ولم يره قط، وإن مولده كان بعد موته بسنتين. قال: فتبع ابن بطَّة النسخ التي كتبت عنه وغير الرواية، وجعل مكانها عن أبي البراء حبان، عن فتح بن شخرف، عن رجاء.
وقال أبو القاسم التنوخي: أراد أن يخرجني إلى عُكْبَراء لأسمع من ابن بطَّة "معجم الصحابة" للبغوي، فجاءه أبو عبد الله ابن بُكير وقال: لا تفعل، فإن ابن بطَّة لم يسمعه من البغوي. وقال الأزهري: عندي عن ابن بطَّة "معجم البغوي"، فلا أخرج عنه في الصحيح شيئًا، لأنا لم نر له به أصلًا، إنما رفع إلينا نسخة طريةً بخط ابن شهاب فقرأناها عليه. وقال الخطيب: حدثنا أحمد بن الحسن بن خيرون، قال: رأيت كتاب ابن بطَّة بـ "معجم البغوي" في نسخة كانت لغيره وقد حكَّ اسم صاحبها، وكتب عليه اسمه. انتهى ملخصًا.
أما تصانيفه: فقد ذكر النابلسي له كتاب "الإِبانة الكبرى"، وكتاب "الإِبانة الصغرى"، وكتاب "السنن"، و"المناسك"، و"الإِمام ضامن"، و"الإِنكار على من قضى بكتب الصحف الأولى"، و"الإِنكار على من أخذ القرآن من المصحف"، و"النهي عن صلاة النافلة بعد العصر والفجر"، و"تحريم النميمة"، و"صلاة الجماعة"، و"منع الخروج بعد الأذان والإِقامة لغير حاجة"، و"إيجاب الصَّدَاق بالخلوة"، و"فضل المؤمن"، و"الرد على من قال الطلاق الثلاث لا يقع"، و"صلاة النافلة في شهر رمضان بعد المكتوبة"، و"ذم البخل"، و"تحريم الخمر"، و"ذم الغناء والاستماع إليه"، و"التفرد والعزلة"، وغير ذلك.
٦٣٣ - (ت ٣٨٧ هـ): عمر بن أحمد بن إبراهيم، أبو حفص البرمكي الحنبلي .
стр. 526
قال النابلسي (١): كان من الفقهاء الأعيان النُّسَّاك الزُّهاد، ذو الفتيا الواسعة والتصانيف النافعة.
حدث عن ابن الصواف والخُطَبي، وابن مالك، في آخرين. وصحب عمر بن بدر المغازلي، وأبا علي النجَّاد، وأبا بكر عبد العزيز، وغيرهم.
ومات سنة سبع وثمانين وثلاث مئة في جمادى الأولى، ودفن في مقبرة أحمد، وكان له أولاد: إبراهيم، وأحمد، وعلي. انتهى.
وقال ياقوت في "معجم البلدان" (٢): عمر بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل البرمكي، أبو حفص، سمع أحمد بن عثمان بن يحيى الآدمي، وإسماعيل الخُطَبي، وغيرهما. روى عنه: ابنه علي. وكان ثقة صالحًا، مات في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وثلاث مئة. انتهى.
وذكره ابن الجوزي (٣) في المختارين من الطبقة الثالثة من أصحاب أحمد وقال: كان فقيهًا مصنفًا. انتهى.
أما مصنفاته فذكر النابلسي له: "المجموع"، و"شرح بعض مسائل الكَوْسج"، وله غير ما ذكر النابلسي مصنفات أخرى منها: كتاب "الصيام"، وكتاب "حكم الوالدين في مال ولديهما"، وغير ذلك.
٦٣٤ - (ت ٣٨٧ هـ): محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عَنْبَس بن إسماعيل، أبو الحسين المعروف بابن سَمْعُون الحنبلي .
قال النابلسي (٤): كان أوحد دهره وفريد عصره في الكلام على علم الخواطر والإِشارات، دوّن الناس حكمه، وجمعوا كلامه، قرأ مختصر أبي القاسم الخرقي عليه
стр. 527
وسمعه منه جماعة، أحدهم: الشيخ الزاهد أبو الحسن القزويني، وحدث به القزويني لجماعة، منهم: ابن عبد الجبار، وحدث به. وسمع ابن سمعون من عبد الله بن أبي داود السجستاني، ومحمد بن مخلد الدُّوري، وأبي محمد بن صاعد، ومحمد بن جعفر الطبري، وابن زبّان الدمشقي، في آخرين.
حدث عنه: القاضي أبو علي بن أبي موسى، وأبو محمد الخلَّال، وعبد العزيز الأَزَجي، وابن حمدويه. وكان يحضر مجلسه أبو حامد الإِسفرائيني، وأبو إسحاق بن شاقلا، وأبو حفص البرمكي.
وكان يملي كل يوم ثلاثاء، فإذا فرغ من الإِملاء صعد على الكرسي وتكلم.
ولد سنة ثلاث مئة، وتوفي يوم النصف من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلاث مئة، ودفن بداره في شارع العتابيين، ثم نقل سنة ست وعشرين وأربع مئة، ودفن في مقبرة أحمد بن حنبل. انتهى.
وقال ابن العماد (١): هو الإِمام القدوة الناطق بالحكمة، الواعظ صاحب الأحوال والمقامات. روى عن أبي بكر بن أبي داود، وجماعة وأملى عدة مجالس. قال ابن خلكان: كان وحيد دهره في الكلام على علم الخواطر وحسن الوعظ وحلاوة الإِشارة ولطف العبارة، أدرك جماعة من المشايخ، وروى عنهم، منهم: الشيخ أيو بكر الشبلي وأنظاره، إلى أن قال: وله كل معنى لطيف، كان لأهل العراق فيه اعتقاد كثير، ولهم فيه غرام شديد، وإياه عنى الحريري صاحب "المقامات" في المقامة الحادية والعشرين، وهي الرَّازية، بقوله: رأيت بها ذات بُكْرة، زُمْرَة إثر زُمْرَةٍ، وهم مُنْتَشرون انتشار الجراد، ومُسْتَنُّون استنان الجِيَاد، ومُتَواصِفُون وَاعِظًا يقصدونه؛ ويُحِلُّون ابن سَمْعُون دونه.
ولم يأت في الوعاظ مثله، دفن بداره في شارع العباس، ثم نقل يوم الخميس حادي عشر رجب سنة ست وعشرين وأربع مئة، ودفن بباب حرب، وقيل: إن أكفانه
стр. 528
لم تكن بليت بعد رحمه، الله. انتهى ملخصًا.
وقال ابن الأَهْدل: هو لسان الوقت المرجوع إليه في آداب الظاهر، يذهب إلى أسد المذاهب مع ما يرجع إليه من صحة الاعتقاد وصحبة الفقراء، وكان الباقلاني والإِسفرائيني يُقبَّلان يده ويُجلَّانه، وكان أول أمره ينسخ بالأجرة، ويبرُّ أمَّه، فأراد الحج فمنعته أمه، ثم رأت النبي ﷺ وهو يقول: دعيه يحج، فإن الخيرة له في حجه في الآخرة والأولى، فخرج مع الحاج، فأخذهم العرب وسلبوه، فاستمر حتى ورد مكة، قال: فدعوت في البيت، وقلت: اللهم إنك بعلمك غني عن إعلامك بحالي، اللهم ارزقني معيشة أشتغل بها عن سؤال الناس، قال: فسمعت قائلًا يقول: اللهم إنه ما يحسن يدعوك، اللهم ارزقه عيشًا بلا مشقة، فأعدت ثلاثًا وهو يعيد ولا أرى أحدًا.
وروى الخطيب: أن ابن سمعون خرج من المدينة الشريفة إلى بيت الله ومعه تمر صيحاني، فاشتهى الرُّطب، فلما كان وقت الإِفطار إذا التمر رطبًا فلم يأكله، فعاد إليه من الغد فإذا هو تمر فأكله. انتهى المراد منه.
وذكره ابن الجوزي في "صفة الصفوة" (١) بترجمة طويلة جدًا، وسأنقل منها ما يحسن نقله مما لم يتقدم.
قال ابن الجوزي: قال الحسن بن محمد الخلَّال: قال لي أبو الحسين ابن سَمْعُون: ما اسمك؟ فقلت: حسن. فقال: قد أعطاك الله الاسم فسلْهُ أن يعطيك المعنى. وقال أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن المظفر: سمعت ابن سمعون يقول: رأيت المعاصي دناءةً فتركتها مروءة، فاستحالت ديانة. وقال علي بن طلحة المقرئ: سمعت ابن سَمْعون يقول: كل مَنْ لم ينظر بالعلم فيما لِلّه عليه، فالعلم حجة عليه ووبال. وسمعته يقول: الصادقون الحُذَّاق هم الذين نظروا إلى ما بذلوا في جنب ما وجدوا، فصغر ذلك عندهم، فاعتذروا. وسمعته يقول: كل داء عرف دواؤه فهو صغير، والذي لم يعرف له دواء كبير. وسمعته يقول: اجهد يا هذا أن يُسرق منك
стр. 529
ولا يُسرق لك. وسمعته يقول: احذروا الصغائر، فإن النُّقَط الصغار آثار في الثوب النقي. وسمعته يقول: إن من الوقاحة تمنَّيك مع توانيك، استوف من نفسك الحقوق، ثم وفِّها الحظوظ حسب ما يكفيها لا ما يُطغيها، قِفْها بين الجنة والنار تأباك الجنةُ بكل معنى وتقبلك النارُ بجملتك.
وقال أبو بكر البرقاني: قلت لابن سمعون: أيها الشيخ إنك تدعو الناس إلى الزهد في الدنيا والترك، وتلبس أحسن الثياب وتأكل أطيب الطعام، فكيف هذا؟ فقال: كلُّ ما يصلحك فافعله، إذا صلح حالك مع الله، بلُبس ليِّن الثياب وأكل الطعام، فلن يضرك.
وقد أطال ابن الجوزي ترجمة هذا الرجل ونقل عنه أشياء يطول شرحها، فنكتفي بهذا القدر، والله أعلم.
ولابن سَمْعُون هذا تصانيف منها: "أمالي في الحديث"، و"مجالس في الوعظ"، وغيرها.
٦٣٥ - (ت ٣٨٧ هـ): عمر بن إبراهيم بن عبد الله، أبو حفص العُكْبَري، يعرف بابن المسلم الحنبلي .
قال النابلسي (١): معرفته بالمذهب المعرفة العالية، وله التصانيف السائرة، سمع من أبي علي ابن الصوَّاف، وأبي بكر النجَّاد، وأبي محمد بن ماسي، وأبي عمرو بن السماك، ودَعْلَج. ورحل إلى الكوفة والبصرة وغيرهما من البلدان، وصحب من فقهاء الحنابلة عمر بن بدر المغازلي، وأبا بكر عبد العزيز، وأبا إسحاق ابن شاقلا، وأكثر ملازمة ابن بطَّة، وله اختيارات في المسائل المشكلات، وتوفي في جمادى الآخرة ضحوة يوم الخميس لثمان خلوَن منه، سنة سبع وثمانين وثلاث مئة. انتهى.
وله مصنفات، قال النابلسي: منها "المقنع"، و"شرح الخرقي"، و"الخلاف
стр. 530
بين أحمد ومالك"، وغير ذلك من التصانيف.
٦٣٦ - محمد بن سِيْما بن الفتح، أبو بكر الحنبلي .
قال النابلسي (١): قال الخطيب البغدادي: هو بغداديٌّ، سمع إسحاق المدائني، وعبد الله بن محمد البغوي، ويحيى بن صاعد، وقال: كان صدوقًا. انتهى.
وقال ابن الجزري في "الغاية" (٢): محمد بن أحمد بن الفتح بن سيما، أبو عبد الله الحنبلي. ووقع في "الكفاية" لأبي العز وغيرها: أحمد بن محمد بن سيما بن الفتح، وأحسبه وهمًا، متصدَّر مقرئ معدَّل ماهر، قرأ على هبة الله بن جعفر، وزيد بن علي بن أبي بلال، قرأ عليه أبو العلاء، والواسطي في سنة أربع وسبعين وثلاث مئة، وتوفي فيما أحسب بعد الثمانين وثلاث مئة. انتهى.
٦٣٧ - (ت ٣٨٨ هـ): محمد بن الحسن بن أحمد بن قُشَيش، أبو بكر السِّمْسَار الحنبلي .
قال النابلسي (٣): سمع إسماعيل الصفَّار، وأبا عمرو ابن السمَّاك، وأبا بكر النَّجاد، وجعفر الخَلَدي.
وقال الخطيب (٤): كان صدوقًا من أهل القرآن، وينتَحل في الفقه مذهبَ أحمد بن حنبل، وحدثني عنه ابنُه علي، وقال: توفي أبي أول يوم من المحرم سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة. انتهى.
٦٣٨ - (ت ٣٨٩ هـ): عثمان بن عمرو بن المُنْتَاب، أبو الطيب الحنبلي، إمام جامع المنصور .
قال النابلسي (٥): حدَّث عن: البغوي، وابن صاعِد، وغيرهما.