← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.

стр. 10011

َأَوْصَى إِلَيْهِ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إلى صَدْرِي -أَوْ قَالَتْ: حجْرِي- فَدَعَا بالطَّسْتِ، فَلَقَدِ أنْخَنَثَ فِي حجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أوْصَى إِلَيْهِ؟ الشرح: (الوَصَايَا): جمع وصية، أصلها من وصيت الشيء أصيه إذا وصلته، فكأنه وصل ما بعد مماته بحياته. وفي "الباهر" لابن عديس: الوصية و (الوصاية) (١). والوصاية -بفتح الواو وكسرها: الاسم من أوصى الرجل ووصاه، وحكاهما الجوهري أيضًا (٢)، أعني: الوصايا بفتح الواو وكسرها. والحديث المعلق أسنده بعد. ومعنى (﴿كُتِبَ﴾): فرض أو ندب، المعنى: إذا كنتم في حال تخافون منها الموت فأوصوا. و (الخَيْر): المال الكثير، قالته عائشة وجماعة (٣). وعن علي أنه أربعة آلاف فما دونها نفقة (٤)، وتُوقِّف في صحته عنه.

стр. 10012

وعن عائشة: من له أربعمائة دينار وله عدة من الولد، قالت: باقي هذا فضل عن ولده (١). (﴿حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ﴾): قَالَ: كانت الوصية للولد والوالدين والأقربين فنسخ الله من ذَلِكَ ما أحب إلى من يرث، وقال الحسن وجماعة: هي واجبة للقرابة (غير) (٢) الوارثين (٣)، وقيل: المراد بها من لا يرث من الأبوين كالكافر والعبد. وقال الشعبي والنخعى: إنما كانت للندب (٤). قَالَ طاوس: إن أوصى لأجنبي وترك قريبه محتاجًا نزعت منه ورُدَّت على القريب (٥). وقال الحسن وإسحاق: إذا أوصى لغير وارثه بالثلث جاز له ثلث المال، وأخذ أقاربه الثلثين (٦). (والجَنَف): الميل، كما ذكره البخاري، وهو ما ذكره أكثرهم كما قاله ابن التين، وقال الضحاك: الخطأ والإثم العمد (٧)، وقال طاوس: هو الرجل يوصي لولد ابنته (٨). يريد ابنته.

стр. 10013

قال ابن بطال: وذلك مردود بإجماع. فإن لم يرد فوصيته من الثلث، ذكره في باب: الصدقة عند الموت (١). ومعنى ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾: أي غير مائل إلى حرام، كما ذكره البخاري حيث قَالَ: (﴿مُتَجَانِفٍ﴾): مائل. وهو ما ذكره الطبري عن عطاء (٢)، وقال أبو عبيدة: جورًا عن الحق وعدولًا (٣). إذا تقرر ذَلِكَ: فحديث ابن عمر أخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع عنه كما سلف به، ورواه عبد الله بن نمير وعبدة بن سليمان، عن عبيد الله، عن نافع (٤)، كما رواه مالك، أفاده ابن حزم قَالَ: ورواه (يونس) (٥) بن يزيد عن نافع أيضًا كذلك (٦)، وكذا رواه ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، [عن ابن شهاب] (٧) عن سالم بن عبد الله، عن أبيه (٨).

стр. 10014

وأخرجه مسلم من حديث أيوب عن نافع: "ما حق امرئ يوصي بالوصية وله مال يوصي فيه؛ تأتي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده" ومن حديث يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، عن نافع أيضًا، وفي لفظ: "يبيت ثلاث ليالٍ" (١) وروى ابن عون عن نافع: "لا يحل لامرئ مسلم له مال" (٢) قَالَ أبو عمر: لم يتابع ابن عون على هذِه اللفظة. ورواه سليمان بن موسى عن نافع، وعبد الله بن نمير عن عبيد الله عن نافع: "وعنده مال" قَالَ أبو عمر: وهذا أولى عندي من قول من قَالَ: شيء؛ لأن الشيء قليل المال وكثيره، وقد أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا الشيء اليسير التافه من المال أنه لا يندب إلى الوصية (٣). قلتُ: في هذا شيء ستعرفه قريبًا عن الزهري، وذكر أبو مسعود في "تعليقه" أن مسلمًا عنده: "يبيت ليلة" ولم (يؤخذ) (٤) فيه كما نبه عليه ابن الجوزي وغيره، قَالَ ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قَالَ ذَلِكَ إلا وعندي وصيتي (٥). وقد اختلف العلماء في وجوب الوصية على من خلف مالًا بعد أن تعلم أن حديث ابن عمر، فيه الحض على الوصية؛ خشية فجأة الموت، والإنسان على غير عدة ونسيان- فقالت طائفة: الوصية واجبة على ظاهر الآية.

стр. 10015

قَالَ الزهري: جعل الله الوصية حقًا مما قل أو كثر (١). قيل لأبي مجلز: على كل عشر وصية؟ قَالَ: كل من ترك خيرًا (٢). وبهذا قَالَ ابن حزم (٣)؛ تمسكًا بحديث مالك. قَالَ: وروينا من طريق عبد الرزاق، عن الحسن بن عبيد الله. قَالَ: كان طلحة بن عبيد الله والزبير يشددان في الوصية (٤)، وهو قول عبد الله بن أبي أوفى، وطلحة بن مصرف، والشعبي، وطاوس (٥)، وغيرهم. قَالَ: وهو قول أبي سليمان وجميع أصحابنا. وقالت طائفة: ليست واجبة، كان الموصي موسرًا أو فقيرًا، هو قول النخعي (٦) والشعبي (٧)، وهو قول مالك والثوري والشافعي. قالَ: -أعني الشافعي- قوله: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمِ" يحتمل ما الحزم، ويحتمل ما المعروف في الأخلاق إلا هذا من جهةَ الفرض. واحتجوا برواية يحيى بن سعيد التي فيها: يريد أن يوصي فيه (٨). فرد الأمر إلى إرادته، والشارع لم يوص، ورووا أن ابن عمر لم يوص (٩)، وهو

стр. 10016

الراوي، وأن حاطب بن أبي بلتعة بحضرة عمر لم يوص، وأن ابن عباس قَالَ فيمن ترك ثمانمائة درهم: ليس فيها وصية. وأن عليًا نهى من لم يترك إلا من السبعمائة إلى التسعمائة عن الوصية (١)، وأن عائشة قالت فيمن ترك أربعمائة دينار: ما في هذا فضل عن ولده (٢). وعن النخعي: ليست الوصية فرضًا (٣)، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومالك. قَالَ ابن حزم: وكل هذا لا حجة لهم في شيء منه، أما من زاد -يريد: مالكًا ومن أسلفناه- رووه بغير هذا اللفظ، لكن بلفظ الإيجاب فقط. وأما قولهم: إنه ﷺ لم يوص. فقد كانت تقدمت وصيته بقوله الثابت يقينًا: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة" (٤) وهذِه وصية صحيحة بلا شك؛ لأنه أوصى بصدقة كل ما يترك إذا مات، وإنما صح الأثر بنفي الوصية التي تدعيها الرافضة إلى علي فقط. وأما ما رووا أن ابن عمر لم يوص فباطل؛ لأن هذا إنما روي من طريق أشهل بن حاتم، وهو ضعيف، ومن طريق ابن لهيعة، وهو لا شيء، والثابت عنه ما أسلفناه. وأما خبر حاطب وعمر فمن رواية ابن لهيعة، وأما خبر ابن عباس ففيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. وأما حديث علي فإنه حد القليل ما بين السبعمائة إلى التسعمائة، وهم لا يقولون بهذا، وليس في حديث أم المؤمنين بيان ما ادعوا، بل لو صح كل ذَلِكَ ما كانت فيه حجة؛ لأنهم قد عارضهم صحابة،

стр. 10017

كما أوردنا، وإذا وقع التنازع لم يكن قول طائفة أولى من قول أخرى، والفرض حينئذ هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، وكلاهما يوجب فرض الوصية (١). قلتُ: [و] (٢) ذكر النخعي لما نقل أن طلحة والزبير كانا يشددان في الوصية، فقال: ما كان عليهما أن لا يفعلا، توفي رسول الله وما أوصى، وأوصى أبو بكر، فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فلا بأس (٣). قَالَ ابن العربي (٤): السلف الأول لا نعلم أحدًا قَالَ بوجوبها، وأما الحسن بن عبيد الله فلم يسمع أحدًا من الصحابة (٥) ولا سيما هذين القديمين الوفاة. وأظنه استنبط من حديث ابن أبي أوفى في الباب، وقول طلحة له: إن هذا مذهبهما والأمر فمحمول على الندب، وقد أوصى ﷺ عدة وصايا منها ما سلف (٦).

стр. 10018

ومنها: "لا يبقين دينان بجزيرة العرب" (١)، وإجازة الوفد (٢)، و"الصلاة وما ملكت أيمانكم" (٣). وحديث عمرو بن الحارث السالف (٤)، وعند ابن إسحاق: أوصى عند موته لجماعة من قبائل العرب بجداد أوساق من تمر سهمه بخيبر (٥)، وأوصى بالأنصار خيرًا (٦)، نعم مات ودرعه مرهونة ولم يوص بفكها (٧). وأما ما ذكره ابن حزم عن طاوس، فذكر سعيد بن منصور في "سننه" عن ابن عيينة، عن ابن طاوس عنه أنه كان يقول: إن الوصية كانت قبل الميراث، فلما نزل الميراث نسخ من يرث وبقيت الوصية لمن لا يرث، فهي ثابتة، فمن أوصى لغير ذي قرابة (٨) لم تجز وصيته (٩). قلتُ: فهذا كما ترى، قَالَ: ثابتة. ولم يقل: واجبة.

стр. 10019

وقال الشافعي: لما احتملت الآية ما ذهب إليه طاوس، وجب عندنا على أهل العلم طلب الدلالة على خلاف قوله أو موافقته، فوجدنا الشارع حكم في ستة مملوكين، كانوا لرجل لا مال له غيرهم فأعتقهم، فجزأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة (١)، فكانت دلالة السنة في هذا بينة؛ لأنه ﷺ أنزل عتقهم في المرض وصية، والذي أعتقهم رجل من العرب، والعربي إنما يملك من لا قرابة بينه وبين العجم، فأجاز ﷺ الوصية، فدل ذَلِكَ على أن الوصية لو كانت تبطل لغير قرابة بطلت للعبيد المعتقين (٢). قلتُ: وأسند أبو داود في "ناسخه ومنسوخه" عن ابن عباس: أنها منسوخة بآية الميراث (٣). قلتُ: وقاله ابن عمر أيضًا (٤)، وهو قول مالك والشافعي وجماعة. ونقل العدوي البصري في "ناسخه" عن بعض أهل العلم نسخ الوالدين وثبت الأقربون، وهو قول الحسن وطاوس وجماعة (٥)، وليس العمل عليه، وقال بعضهم: والعمل به، نسخها: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ﴾ [النساء: ١١] ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] وهو قول ابن عباس وجماعة (٦).

стр. 10020

وقال النحاس في "ناسخه": في هذِه الآية خمسة أقوال. فمن قَالَ: القرآن يجوز أن ينسخ بالسنة قال: نسخها: "لا وصية لوارث" (١) ومن منع قَالَ: نسخها الفرائض. قَالَ ابن عباس: نسخها: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] (٢). وقال مجاهد: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ﴾ (٣). وقال الحسن: نسخت للوالدين وثبتت للأقربين الذين لا يرثون (٤)، وكذا روي عن ابن عباس (٥). وقال النخعي والشعبي: الوصية للوالدين، والأقربين على الندب (٦). وقال الضحاك وطاوس: الوصية للوالدين والأقربين واجبة بنص القرآن إذا كانوا لا يرثون. قَالَ طاوس: من أوصى لأجانب وله أقرباء فردت للأقرباء (٧).

стр. 10021

وقال الضحاك: من مات وله شيء ولم يوص لأقربائه فقد مات عن معصية لله (١). وقال الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن يعلى فيما ذكره الطبري: إذا أوصى رجل لقوم غرباء بثلثه وله أقرباء أعطى الغرباء ثلث المال، ورد الباقي على الأقرباء (٢). قَال الطبري: وحكي عن طاوس أن جميع ذَلِكَ ينتزع من الموصى لهم ويدفع لقرابته؛ لأن آية البقرة عندهم محكمة (٣). قَال النحاس: فالواجب أن لا يقال: إنها منسوخة؛ لأن حكمها ليس بناف حكم ما فرض الله من الفرائض، فوجب أن يكون ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] (٤). وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] هذا الفرض بإجماع نسخته آيات المواريث التي في النساء، وهذا مجمع عليه. وقال قوم: إن المنسوخ من هذا ما نسخته المواريث، وأمر الوصية في الثلث باق. وهذا ليس بشيء؛ لأن الإجماع أن ثلث الرجل إن شاء أن يوصي فيه بشيء فله، وإن ترك ذَلِكَ فجائز، والآية في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٠] الوصية منسوخة بإجماع كما وصفنا. وقال الطبري بإسناده إلى جهضم، عن عبد الله بن بدر، عن ابن عمر في قوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] نسختها آية المواريث. قَال ابن يسار: قَال ابن مهدي: فسألت جهضمًا عنه فلم يحفظه (٥).

стр. 10022

ولما ذكر ابن الحصار في "ناسخه" قول ابن عباس وابن عمر قَالَ: هذا إنما هو نقل وتصريح بالنسخ، وليس برأي ولا اجتهاد. وفي ابن ماجه بإسناد ضعيف من حديث جابر مرفوعًا: "من مات على وصية مات على سبيل وسنة وتقى وشهادة، ومات مغفورًا له" (١) ومن حديث أنس مرفوعًا: "المحروم من حرم وصيته" (٢). وفي المسألة قول ثالث، قاله أبو ثور: إنها ليست واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال لقوم، فواجب أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه؛ لأن الله فرض أداء الأمانات، فمن لا حق عليه ولا أمانة قبله فليس. بواجب عليه أن يوصي (٣)، يقويه قوله: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمِ" (٤) فأضاف الحق إليه؛ كقوله: هذا حق زيد فلا ينبغي أن يتركه، فإذا تركه لم يلزمه. وقد سلف رواية: يريد الوصية، فعلق ذَلِكَ بإرادة الموصي، ولو كانت واجبة لم يعلقها بإرادته، وهو رأي الجماعة.

стр. 10023

قَالَ ابن بطال: ومما يدل على ذَلِكَ أيضًا أن ابن عمر راوي الحديث لم يوص، ومحال أن يخالف ما رواه لو كان واجبًا، ولكنه عقل منه للاستحباب (١). وقد أسلفنا رد هذا. ثم اعلم أن الحق في اللغة هو الثابت مطلقًا، فإذا أطلق في الشرع فالمراد به ثبوت الحق فيه، ثم الحكم الثابت في الشرع أعم من كونه واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا إذ كل واحد منها ثابت وموجود فيه، لكن إطلاق الحق على المباح قلما يقع في الشريعة، وإنما يؤخذ فيه بمعنى الواجب والندب، فإن اقترن به على ما في معناها ظهر فيه قصد الوجوب وإلا فهو محتمل كما جاء في هذا الحديث. وعلى هذا فلا حجة لداود وأتباعه في التمسك به على الوجوب (٢)؛ لأنه لم تقترن به قرينة تزيل إجماله، فإن أبي إلا دعوى ظهوره قابلناه بما قاله بعض أصحابنا في هذا الحق، أنه قد اقترن به ما يدل على الندب، وهو تعلقها على الإرادة، فإقرار مثل هذا يقوي إرادة الندب، ولو أنَّا سلمنا أن ظاهره الوجوب، نقول بموجبه فيمن كان عليه حقوق يخاف ضياعها، أو له حقوق كما قال أبو ثور. والترخيص في الليلتين أو الثلاث رفع الحرج والعسر أو أراد الموصي يتأمل ويقدم في هذِه الليالي ما يريد الوصاة به. وقوله: ("مَكْتُوبَة عِنْدَهُ") فيه: أن الوصية نافذة وإن كانت عند صاحبها، ولم يجعلها عند غيره، وكذلك إن جعلها عند غيره وارتجعها.

стр. 10024

وفيه: أن الكتاب يكفي من غير إشهاد، وبه قَالَ محمد بن نصر المروزي، وهو ظاهر الحديث، ولولا أنه كاف لما كان لذكره فائدة. وحمله المتأخرون، منهم النووي على أن المراد: إذا أشهد عليه بها لا أنه يقتصر على مجرد الكتابة، بل لايعمل بها ولا ينتفع إلا إذا كانت بإشهاد، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور (١)، وكذا قَالَ القرطبي: ذكر الكتابة مبالغة في زيادة الاستيثاق، فلو كتبها ولم يشهد بها فلم يختلف قول مالك أنه لا يعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه، يلزمه تنفيذه (٢). وأما حديث عمرو بن الحارث: فقد أسلفته في الكلام على أم الولد وكونه ختنه؛ لأنه أخو جويرية أم المؤمنين، وهذا قول ابن الأعرابي وابن فارس والأصمعي أن الختن من قبل المرأة، والصهر من قبل الزوج. وقال محمد بن الحسن: الختن: الزوج ومن كان من ذوي رحمه، والصهر من قبل المرأة (٣). وقوله: (أَرْضًا جَعَلَهَا صدَقَة) إنما تصدق بها في صحته وأخبر بالحكم بعد وفاته، وهي: فدك والتي بخيبر، قاله ابن التين وقد أسلفنا هناك أن فيه دلالة على أن أم الولد تعتق بموت السيد، وقال ابن المنير: ووجه دخوله هنا احتمال كون الصدقة هنا موسى بها (٤)، وهو مخالف لما ذكره ابن التين.

стр. 10025

وأما حديث ابن أبي أوفى: فقد سلف الجواب عنه، والمراد فيه أنه لم يوص، إنما أراد الوصية التي زعم بعض الشيعة أنه أوصى بالأمر إلى علي، وقد تبرأ علي من ذَلِكَ حين قَالَ له: أعهد إليك رسول الله بشيء لم يعهده إلى الناس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذِه الصحيفة (١). وهو راد لما أكثره الشيعة من الكذب على أنه أوصى له بالخلافة (٢). وأما أرضه وسلاحه وبغلته، فلم يوص فيها على جهة ما يوصي الناس في أموالهم؛ لأنه قَالَ: "لا نورث، ما تركناه صدقة" (٣) ورفع الميراث عن أزواجه وأقاربه، وإنما تجوز الوصية لمن لا يجوز لأهله وراثته. وأما حديث عائشة: فيه: أنه انخنث. أي: انثنى. ومنه سمي: المخنث؛ لتثنيه وتكسره. قَالَ صاحب "العين": الخنث: السقاء (٤). وخنث: إذا سأل. وخنثته أنا. ووصيته بكتاب الله في الحديث الذي قبله غير معنى قول عائشة: بما أوصى؟ وقوله فيه: (أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ). قد فسره علي بقوله: ما عندنا إلا كتاب الله. وكذلك قَالَ عمر: حسبنا كتاب الله حين أراد أن يعهد عند موته (٥).

стр. 10026

٢ - باب أَنْ يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ (١) ٢٧٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، وَهْوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ التِي هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ: "يَرْحَمُ اللهُ ابْنَ عَفْرَاءَ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: "لَا". قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: "لَا". قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: "فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةُ التِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ، وَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ". وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ. [انظر: ٥٦ - مسلم: ١٦٢٨ - فتح: ٥/ ٣٦٣] ذكر فيه حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وفيه: "فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ". بطوله، وقد سلف في الجنائز (٢). وقوله: ("يَرْحَمُ اللهُ ابن عَفْرَاءَ") قَالَ الداودي: أراه غير محفوظ، والصواب: ابن خوْلة (٣). كما ذكره البخاري في: الفرائض من حديث الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه (٤)، ولعل الوهم أتى من سعد بن إبراهيم راويه عن عامر، والزهري أحفظ من سعد.

стр. 10027

واعلم أن الله تعالى ذكر الوصية في كتابه ذكرًا مجملًا، ثم بين رسوله ﷺ أن الوصايا مقصورة على الثلث؛ لإطلاقه لسعد الوصية بالثلث في هذا الحديث، وليس بجور إذ لو كان جورًا لبيّنه، وأجمع العلماء على القول به، واختلفوا في القدر الذي يستحب أن يوصي به الميت، وسيأتي بعد هذا، إلا أن الأفضل لمن له ورثة أن يقصر في وصيته عن الثلث، غنيًا كان أو فقيرًا؛ لأنه ﷺ لما قَالَ لسعد: "الثُّلُثُ كثِيرٌ" أتبعه بقوله: "إنك إن تذر" إلى آخره، ولم يكن لسعد يومئذ إلا ابنة واحدة كما ذكر هنا وفيما بعد، فدل أن ترك المال للورثة خير من الصدقة به، وأن النفقة على الأهل من الأعمال الصالحة. وروى ابن أبي شيبة من حديث ابن أبي مليكة، عن عائشة قَالَ لها رجل: إني أريد أن أوصي. قالت: كم مالك؟ قَالَ: ثلاثة آلاف. قالت: فكم عيالك؟ قَالَ: أربعة. قالت: إن الله يقول: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وإن هذا شيء يسير، فدعه لعيالك، فإنه أفضل (١). وروى حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه ذكر له الوصية في مرضه فقال: أما مالي فالله أعلم ما كنت أفعل فيه، وأما رباعي فلا أحب أن يشارك فيها أحد ولدي (٢)، وعن علي أنه دخل على رجل من بني هاشم يعوده وله ثمانمائة درهم وهو يريد أو يوصي، فقال له: يقول الله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ ولم تدع خيرًا توصي به (٣).

стр. 10028

وعن ابن عباس: من ترك سبعمائة درهم فلا يوصي، فإنه لم يترك خيرًا (١). وقال قتادة في الآية: ألف درهم فما فوقها (٢). قَالَ ابن المنذر: وقد (دلت) (٣) هذِه الآثار على أن من ترك مالًا قليلًا، فالاختيار له ترك الوصية، وإبقاؤه للورثة (٤). وقوله: ("عَسَى اللهُ أَنْ يَرْفَعَكَ، فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ") انتفع به من أدخله الإسلام، وضر به من هو كافر. أو أن ابنه عمر ولاه عبيد الله بن زياد على الجيش الذين لقوا الحسين فقتلوه. وهذا من أعلام نبوته. ووقع كما أخبر. وكيف لا ولا ينطق عن الهوى. وقال ابن بطال: ثبت أن سعدًا أُمِّر على العراق، فأتي بقوم ارتدوا عن الإسلام، فاستتابهم، فأبى بعضهم فقتلهم. ففر أولئك، وتاب بعضهم، فانتفعوا (٥). وعاش سعد بعد حجة الوداع خمسًا وأربعين سنة (٦). وقوله: ("خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ") العالة: جمع عائل، وهو الفقير الذي لا شيء له، ومنه: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٨].

стр. 10029

و"يَتَكَفَّفُونَ": يبسطون أكفهم لمسألتهم. قَالَ صاحب "العين": استكف: بسط كفه (١). فرع: أكثر أهل العلم على أن هبة المريض وصدقاته من ثلثه إذا مات منه كسائر الوصايا. واتفق على ذَلِكَ فقهاء الحجاز والعراق. وقالت فرقة: هي من جميع المال كأفعاله، وهو صحيح. حكاه الطحاوي وقال: هذا قول لم نعلم أحدًا من المتقدمين قاله (٢). وأظنه قول أهل الظاهر: إذا قبضت وصية المريض وعطاياه فهي من رأس ماله، لأن ما قبض قبل الموت ليس وصية، وإنما الوصية ما يستحق بموت الموصي. وسواءً قُبضت عند جماعة الفقهاء أو لم تُقبض هي من الثلث. وحديث عائشة في "الموطأ" أن أباها نحلها جادَّ عشرين وَسْقًا بالغابة، فلما مرض قَالَ: لو كنت حزتيه كان لك (٣)، وإنما هو اليوم مال الوارث. فأخبر الصديق أنها لو كانت قبضته في الصحة تم لها ملكه، وأنها لا تستطيع قبضه في المرض قبضًا يتم لها به ملكه، وجعل ذَلِكَ غير جائز كما لا تجوز الوصية لها به، ولم تنكر ذَلِكَ عائشة على والدها، ولا سائر الصحابة، فدل أن مذهبهم جميعًا كان فيه مثل مذهبه. وفي هذا أعظم حجة على من خالف قول جماعة العلماء. وكذلك فعل الشارع في الذي أعتق ستة أعبد له عند الموت لا مال له غيرهم. فأقرع بينهم، وأعتق اثنين، وأرق أربعة، فجعل

стр. 10030

العتق في المرض من الثلث. فكذا الهبة والصدقة لاشتراكها في تفويت المال. وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابنةٌ). حدث له بعد ذَلِكَ خمسة من الولد. واختلف متى عاده ﷺ . والصواب: في حجة الوداع، وبه قَالَ الزهري (١). وقال ابن عيينة: في يوم الفتح (٢)، وغلطوه (٣).

стр. 10031

٣ - باب الوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ وَقَالَ الحَسَنُ: لَا يَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ وَصِيَّةٌ إِلَّا الثُّلُثُ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾. [المائدة: ٤٩]. ٢٧٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبْعِ؛ لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" أَوْ "كَبِيرٌ". [مسلم: ١٦٢٩ - فتح: ٥/ ٣٦٩] ٢٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: مَرِضْتُ فَعَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ لَا يَرُدَّنِي عَلَى عَقِبِي. قَالَ: "لَعَلَّ اللهَ يَرْفَعُكَ وَيَنْفَعُ بِكَ نَاسًا". قُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ، وَإِنَّمَا لِي ابْنَةٌ. قُلْتُ: أُوصِي بِالنِّصْفِ قَالَ: "النِّصْفُ كَثِيرٌ". قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟. قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" أَوْ "كَبِيرٌ". قَالَ: فَأَوْصَى النَّاسُ بِالثُّلُثِ، وَجَازَ ذَلِكَ لَهُمْ. [انظر: ٥٦ - مسلم: ١٦٢٨ - فتح: ٥/ ٣٦٩] ثم ذكر حديث ابن عَبَّاسٍ لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبْعِ؛ لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ". وحديث سعد المذكور قبله. ومعنى (غَضَّ): نقص. يقال: غضضت السقاء إذا (نقصته) (١). وقول سعد: ادعُ الله ألا يردني على عقبي. وفي رواية مالك: أخلف بعد أصحابي (٢). قيل: معناه بمكة، فتخلف لمرضه. وقيل: يعيش بعدهم. وقوله في الحديث السالف: أوصي بمالي؟ قَالَ: "لَا" قلتُ: فالشطر؛ قَالَ: "لَا". احتج به أهل الظاهر في أن من أوصى بأكثر من

стр. 10032

ثلث ماله أنه لا يجوز، وإن أجازته الورثة؛ لأنه لم يقل: إن أجازه ورثتك جاز. وقام الإجماع على أن الوصية بالثلث جائزة. وأوصى الزبير بالثلث (١). واختلف العلماء في القدر الذي يستحب الوصية به، هل هو الخمس؟ أو السدس؟ أو بالربع؟ فعن أبي بكر أنه أوصى بالخمس، وقال: إن الله تعالى رضي من غنائم المؤمنين بالخمس (٢). وقال معمر عن قتادة: أوصي بالربع (٣). وذكره البخاري عن ابن عباس، حكاه ابن بطال (٤). وقال إسحاق: السنة الربع (٥)، مثل ابن عباس (٦). وروي عن علي: لأن أوصي بالخمس أحب إليَّ من الربع، ولأن أوصي بالربع أحب إليَّ من الثلث (٧). واختار آخرون السدس. قَالَ إبراهيم: كانوا يكرهون أن يوصوا بمثل نصيب أحد الورثة، حَتَّى يكون أقل. وكان السدس أحب إليهم من الثلث (٨). واختار آخرون العشر. روي في حديث سعد بن أبي وقاص أنه قَالَ: بعشر مالك. فلم يزل يناقصني وأناقصه حَتَّى قَالَ: "أوص بالثُّلُث، وَالثُلُثُ كثِيرٌ" (٩). فجرت سنة يأخذ بها الناس إلى اليوم.

стр. 10033

قَالَ أبو عبد الرحمن السلمي -الراوي عن سعد-: فمن ينتقص من الثلث لقول رسول الله ﷺ : "وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ". واختار آخرون لمن كان ماله قليلًا وله وارث ترك الوصية. روي ذَلِكَ عن علي، وابن عباس، وعائشة على ما سلف. وقال رجل للربيع بن خثيم: أوصِ لي بمصحفك. فنظر إليه ابنه، وقرأ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] (١). وقام الإجماع من الفقهاء: أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث، إلا أبا حنيفة وأصحابه، وشريك بن عبد الله فقالوا: إن لم يترك الموصي ورثة فجائز له أن يوصي بماله كله. وقالوا: إن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان لأجل أن يدع ورثته أغنياء، ومن لا وارث له فليس ممن عُني بالحديث، وروي هذا القول عن ابن مسعود (٢)، وبه قَالَ عبيدة ومسروق (٣)، وإليه ذهب إسحاق. وقال زيد بن ثابت: لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه، وإن لم يكن له وارث، وهو قول مالك والأوزاعي والحسن بن حي والشافعي (٤). قَالَ بعض المالكية فيما حكاه ابن التين: إذا كان بيت المال في يد من يصرفه في وجوهه، واحتجوا بقوله: "الثُّلُثُ كَثِيرٌ" وبما رواه آدم بن أبي إياس، ثنا عقبة بن الأصم، نا عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم عند الموت زيادة في

стр. 10034

أعمالكم" (١) وروى أبو اليمان، نا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء مرفوعًا: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم" (٢) ولم يخص من كان له وارث من غيره. وفي المسألة قول شاذ آخر، وهو جوازها بالمال كله وإن كان له وارث. روى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي قَالَ: أخبرني هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قَالَ: قَالَ عمرو بن العاصي حين حضرته الوفاة: إني قد أردت الوصية. فقلت له: أوص في مالك ومالي. فدعا كاتبًا وأملى عليه. قال عبد الله: حَتَّى قلتُ: ما أراك إلا قد أتيت على مالك ومالي، فلو دعوت إخوتي فاستحللتهم (٣). وعلى هذا القول وقول أبي حنيفة رد البخاري في هذا الباب وكذلك صدر بقول الحسن، ثم حكم الشارع أن الثلث كثير هو الحكم بما أنزل الله، فمن تجاوز ما حده وزاد عليه فقد وقع في النهي، وعصى إذا كان بالنهي عالمًا. قَالَ الشافعي: وقوله: "الثُّلُثُ كَثِيرٌ" يريد أنه غير قليل، وهذا أولى معانيه، ولو كرهه لقال: غض منه (٤).

стр. 10035

وفي قول سعد: لا يرثني إلا ابنة. إبطال قول من يقول بالرد على الابنة؛ لأنها لا تحيط بالميراث، وقد كان لسعد عَصَبَةٌ يرثونه إذ ذاك، ثم حدث له أولاد كما أسلفنا (١).

стр. 10036

٤ - باب قَوْلِ المُوصِي لِوَصِيِّهِ: تَعَاهَدْ وَلَدِي. وَمَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ مِنَ الدَّعْوَى ٢٧٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ. فَلَمَّا كَانَ عَامُ الفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ: ابْنُ أَخِي، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أَخِي، وَابْنُ أَمَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي، كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ ابْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ". ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: "احْتَجِبِي مِنْهُ". لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللهَ. [انظر: ٢٠٥٣ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح: ٥/ ٣٧١] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ في قصة ابن وليدة زمعة. وقد سلف بفوائده في باب: أم الولد (١)، ولا يجوز عند أحد من أهل العلم دعوى أحد لغيره لحي أو ميت إلا بوصية تثبت أو وكالة، فإذا ثبت ذَلِكَ كلف حينئذ ما يكلف المدعي لنفسه إذا ادعى، ولا بينة عليه. وفيه: ادعاء أخي الميت، وفي ذَلِكَ ثبوت حق على الأب، ولا يستلحق عند جمهور العلماء إلا الأب (٢).

стр. 10037

٥ - باب إِذَا أَوْمَأَ المَرِيضُ بِرَأْسِهِ إِشَارَةً بَيِّنَةً جَازَتْ ٢٧٤٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ يَهُوِدِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ؟ أَفُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِئَ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالحِجَارَةِ. [انظر: ٢٤١٣ - مسلم: ١٦٧٢ - فتح: ٥/ ٣٧١] ذكر فيه حديث أَنَسٍ السالف في المرضوضة رأسها. وفيه: فأومأت برأسها. وقد اختلف العلماء في إشارة المريض، فذهب مالك والليث والشافعي إلى أنه إذا ثبتت إشارة المريض على ما يعرف من حضره جازت وصيته، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي أنه إذا سئل المريض عن الشيء فأومأ برأسه أو بيده فليس بشيء حَتَّى يتكلم (١). قَالَ أبو حنيفة: وإنما تجوز إشارة الأخرس ومن مرت عليه سنة لا يتكلم، وأما من اعتقل لسانه، ولم يدم به ذَلِكَ فلا تجوز إشارته. واحتج الطحاوي عليه بحديث الباب حيث أشارت المرضوضة فجعل إشارتها بمنزلة دعواها ذَلِكَ بلسانها من غير اعتبار دوام ذَلِكَ عليها مدة من الزمان، فدل على أن من اعتقل لسانه فهو بمنزلة الأخرس في جواز إقراره بالإيماء والإشارة (٢). وقد ثبت أنه ﷺ صلى وهو قاعد، فأشار إليهم أن اقعدوا (٣).

стр. 10038

واحتج الشافعي بأنه قد أصمتت أمامة بنت أبي العاص، فقيل لها: لفلان كذا، ولفلان كذا؟ فأشارت أن نعم. فنفذت وصيتها (١)، وأصل الإشارة في كتاب الله في قصة مريم: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] يعني: سلوه. ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] وقبله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١].

стр. 10039

٦ - باب لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ٢٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبْعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ. [٤٥٧٨، ٦٧٣٩ - فتح: ٥/ ٣٧٢] ذكر فيه عَنِ ابن عَبَّاسٍ (١) قَالَ: كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبْعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ. الشرح: لفظ الترجمة حديث مروي من طرق: أحدها: من طريق أبي أمامة الباهلي قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" أخرجه الترمذي من حديث إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة به ثم قَالَ: حسن. وفي بعضها: صحيح (٢). فإن صحت فكأنه صحح رواية إسماعيل عن الشاميين (٣).

стр. 10040

وهو رأي أحمد والبخاري وغيرهما (١). وأخرجه أبو داود وابن ماجه أيضًا (٢). ثانيها: من طريق عمرو بن خارجة مرفوعًا مثله، أخرجه الترمذي أيضًا من حديث شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو به، ثم قَالَ: حسن صحيح (٣). وأخرجه النسائي وابن ماجه (٤). ثالثها: من طريق أنس، أخرجه ابن ماجه من حديث سعيد بن أبي سعيد عنه به (٥). رابعها: من طريق جابر، أخرجه الدارقطني وقال: الصواب إرساله (٦). خامسها: من طريق ابن عباس مرفوعًا: "لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة" رواه الدارقطني من حديث حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء عنه به (٧). زاد ابن حزم من طريق مرسلة: "فإن أجازوا فليس لهم أن يرجعوا" (٨).

стр. 10041

سادسها: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده يرفعه: "إن الله قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث إلا من الثلث" وذلك بمنى (١). سابعها: عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: قَالَ رسول الله ﷺ : "إلا وصية لوارث، ولا إقرار بدين" أخرجهما الدارقطني (٢)، ولابن أبي شيبة من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: ليس لوارث وصية (٣). وأما حديث ابن عباس فشيخ البخاري فيه: محمد بن يوسف، وهو الفريابي كما بينه أبو نعيم الحافظ. إذا عرفت ذَلِكَ فقام الإجماع كما حكاه ابن بطال (٤): على أن الوصية للوارث لا تجوز. قَالَ ابن المنذر: وقد روي عن النبي ﷺ بمثل ما اتفق عليه من ذَلِكَ، فساق حديث أبي أمامة من طريق سعيد بن منصور، عن إسماعيل، ثم ساقه من حديث قتادة عن شهر. وقال: عمرو بن جارية. وصوابه: خارجة كما أسلفناه. واختلفوا إذا أوصى لبعض ورثته، فأجازه بعضهم في حياته ثم بدا لهم بعد وفاته، فقالت طائفة: ذَلِكَ جائز عليهم، وليس لهم الرجوع فيه،

стр. 10042

هذا قول عطاء والحسن وابن أبي ليلى والزهري وربيعة، والأوزاعي، وقالت طائفة: لهم الرجوع في ذَلِكَ إن أحبوا. هذا قول ابن مسعود وشريح والحكم وطاوس، وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور، وقال مالك: إذا أذنوا له في صحته فلهم أن يرجعوا، وإن أذنوا له في مرضه وحين يحجب عن ماله فذلك جائز عليهم، وهو قول إسحاق. وعن مالك أيضًا: لا رجوع لهم إلا أن يكونوا في كفالته فرجعوا. وقال المنذري: إنما تبطل الوصية للوارث في قول أكثر أهل العلم من أجل حقوق سائر الورثة، فإذا أجازوها جازت كما إذا أجازوا الزيادة على الثلث، وذهب بعضهم إلى أنها لا تجوز وإن أجازوها؛ لأن المنع لحق الشرع، فلو جوَّزناها كنا قد استعملنا الحكم المنسوخ، وذلك غير جائز، وهذا قول أهل الظاهر. قَالَ أبو عمر: وهو قول عبد الرحمن بن كيسان والمزني (١). قَالَ ابن حزم: إلا أن يبتدأ الورثة هبة لذلك من عند أنفسهم (٢). حجة الأول أن المنع إنما وقع من أجل الورثة، فإذا أجازوه جاز وصار بمنزلة أن يجب لهم على إنسان مال فيبرئوه منه، وقد اتفقوا على أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث لأجنبي جاز بإجازتهم، فكذلك هذا. وحجة من أجاز الرجوع أنهم أجازوا شيئًا لم يملكوه في ذَلِكَ الوقت، وإنما يملك المال بعد وفاته، وقد يموت الوارث المستأذن قبله ولا يكون وارثًا، وقد يرثه غيره، وقد أجاز من لا حق له فيه فلا يلزمه شيء.

стр. 10043

وحجة مالك أن الرجل إذا كان صحيحًا فهو أحق بماله كله يصنع فيه ما شاء، فإذا أذنوا له في صحته فقد تركوا شيئًا لم يجب لهم، وذلك بمنزلة الشفيع يترك شفعته قبل البيع، أو الولي إذا عما عمن يقتل وليه فتركه لما لم يجب له غير لازم، هاذا أذنوا له في مرضه فقد تركوا ما وجب لهم من الحق، فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفذه؛ لأنه قد فات، فإن لم ينفذ المريض ذَلِكَ كان للوارث الرجوع فيه؛ لأنه لم يفت التنفيذ، ذكره الأبهري. وذكر ابن المنذر عن إسحاق أن قول مالك في هذِه المسألة أشبه بالسنن من غيره. قَالَ ابن المنذر: واتفق مالك والثوري والكوفيون والشافعي وأبو ثور أنه إذا أجازوا ذَلِكَ بعد وفاته لزمهم، وهل هو ابتداء عطية منهم أو لا؟ فيه خلاف: الصحيح أنه ينفذ، وقد بسطته في كتب الفروع مع تحقيقات فيه (١).

стр. 10044

٧ - باب الصَّدَقَةِ عِنْدَ المَوْتِ ٢٧٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأْمُلُ الغِنَى، وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ". [انظر: ١٤١٩ - مسلم: ١٠٣٢ - فتح: ٥/ ٣٧٣] ذكر فيه حديث سُفْيَانَ -وهو الثوري فيما قاله أبو نعيم- عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح". الحديث سلف في الزكاة (١)، وهو دال على أن أفضل الصدقات ما جاهد الإنسان فيه نفسه، وغلَّب طاعة الله على شهواته، وجاهدها أيضًا على حب الغنى وجمع المال. وقوله: "إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ" فيه ذم من أذهب طيباته في حياته، ولم يقدم لنفسه من ماله في وقت شحه وحب غناه، حَتَّى إذا رأى المال لغيره جعل ينتزع بالوصية، لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا، ويتورع عن التبعات والمظالم. وروي عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قَالَ: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر (٢). وقال قتادة: يا ابن آدم، اتق الله ولا تجمع إسائتين في مالك، إساءة في الحياة الدنيا، وإساءة عند الموت، انظر قرابتك الذين يحتاجون

стр. 10045

ولا يرثونك، أوص لهم من مالك بالمعروف (١). وقال ابن عباس: الضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآية (٢). وقال عطاء دي قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢] قَالَ: ميلًا (٣). وقد أسلفنا ذَلِكَ عن البخاري أيضًا بزيادة ويستحب له أن يوصي لقرابته الذين لا يرثون؛ لقوله ﷺ : "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة، وصلة" (٤) والذي يجب أن يرد من الوصية من باب الميل والجور الوصية بأكثر من الثلث، والوصية للوارث، والوصية في أبواب المعاصي. وقوله: ("قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كانَ لِفُلَانٍ") قَالَ الداودي: معناه أن يقر لفلاق ويوصي لفلان أن ما كان من الإقرار ما كان ينبغي له تأخيره، والوصية سبقت في علم الله أنه سينالها، فلو كان ذَلِكَ في الصحة كان أفضل. وقال الخطابي: معنى: "وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ". أي: صار المال للوارث، فهو غير في إجازة ذلك (٥).

стр. 10046

٨ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١] وَيُذْكَرُ أَنَّ شُرَيْحًا وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ وَطَاوُسًا وَعَطَاءً وَابْنَ أُذَيْنَةَ أَجَازُوا إِقْرَارَ المَرِيضِ بِدَيْنٍ. وَقَالَ الحَسَنُ: أَحَقُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالحَكَمُ: إِذَا أَبْرَأَ الوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِئَ. وَأَوْصَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنْ لَا تُكْشَفَ امْرَأَتُهُ الفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُهَا. وَقَالَ الحَسَنُ: إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ المَوْتِ: كُنْتُ أَعْتَقْتُكَ. جَازَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا قَالَتِ المَرْأَةُ عِنْدَ مَوْتِهَا إِنَّ زَوْجِي قَضَانِي وَقَبَضْتُ مِنْهُ. جَازَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ، ثُمَّ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالوَدِيعَةِ وَالبِضَاعَةِ وَالمُضَارَبَةِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ". [٥١٤٣] وَلَا يَحِلُّ مَالُ المُسْلِمِينَ بالظَّنَّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "آيَةُ المُنَافِقِ إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ". وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فَلَمْ يَخُصَّ وَارِثًا وَلَا غَيْرَهُ. فِيهِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٣٤] ٢٧٤٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ". [انظر: ٣٣ - مسلم: ٥٩ - فتح: ٥/ ٣٧٥]

стр. 10047

ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ .. ". الشرح: هذِه القطعة اشتملت على عدة أحكام ونفائس، أما ما ذكر عن شريح وغيره في إقرار المريض بالدين. أما إقراره لأجنبي فالإجماع قائم عليه. قَالَ ابن المنذر: أجمع العلماء أن إقرار المريض بالدين لغير الوارث جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة (١). واختلفوا إذا أقر لأجنبي وعليه دين في الصحة ببينة، فقالت طائفة: يبدأ بدين الصحة، هذا قول النخعي والكوفيين، قالوا: فإذا استوفاه صاحبه فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصون، وقالت طائفة: هما سواء، دين الصحة والدين الذي يقر به في المرض إذا كان لغير وارث، هذا قول الشافعي وأبي ثور وأبي عُبيد، وقال: إنه قول أهل المدينة، ورواه عن الحسن. وممن أجاز إقرار المريض بالدين للأجنبي الثوري وأحمد وإسحاق (٢). قَالَ: واختلفوا في إقرار المريض للوارث بالدين، فأجازه طائفة، هذا قول الحسن وعطاء (٣)، وبه قَالَ إسحاق وأبو ثور. قَالَ: وروينا عن شريح والحسن أنهما أجازا إقرار المريض لزوجته بالصداق، وبه قَالَ الأوزاعي. وقال الحسن بن صالح: لا يجوز إقراره لوارث في مرضه إلا لامرأته بالصداق (٤).

стр. 10048

وقالت طائفة: يجوز (١) إقرار المريض في الصحة. والظاهر أنه لا يقر إلا عن حقيقة ولا يقصد حرمانًا؛ لأنه انتهى إلى حالة يصدق فيها الكاذب ويتوب فيها الفاجر. وفيها قول ثالث قاله مالك، قَالَ: إذا أقر المريض لوارثه بدين نظر فإن كان لا يتهم فيه قبل إقراره، مثل أن يكون له بنت وابن عم فيقر لابن عمه بدين فإنه يقبل إقراره، ولو كان إقراره لبنته لم يقبل؛ لأنه يتهم في أن يزيد ابنته على حقها من الميراث وينقص ابن عمه، ولا يتهم في أن يفضل ابن عمه على ابنته. قَالَ: ويجوز إقراره لزوجته في مرضه إذا كان له ولد منها أو من غيرها، فإن كان يعرف منه انقطاع إليها ومودة، وقد كان الذي بينه وبين ولده متفاقمًا، ولعل هذا الولد الصغير منه، فلا يجوز إقراره لها (٢). واحتج من أبطل إقرار المريض للوارث بأن الوصية للوارث لما لم تجز، فكذلك الإقرار في المرض، ويتهم المريض في إقراره بالدين للوارث أنه أراد بذلك الوصية. واحتج من أجاز ذَلِكَ بقول الحسن: إن أحق ما تصدف به الرجل آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة؛ لأنه في حالة يرد فيها على الله، فهو في حالة يتجنب المعصية والظلم ما لا يتجنبه في حال الصحة، والتهمة منفية عنه. وقد نهى رسول الله ﷺ عن الظن وقال: "إِنَّه أَكْذَبُ الحَدِيثِ". وقال: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".

стр. 10049

وقد قام الإجماع على أنه إذا وصى رجل لوارثه بوصية وأقر له بدين في صحته، ثم رجع عنه أن رجوعه عن الوصية جائز، ولا يقبل رجوعه عن الإقرار، ولا خلاف أن المريض لو أقر لوارث (١) نسخ إقراره، وذلك يتضمن الإقرار بالمال وشيئًا آخر، وهو النسب والولاية، فإذا أقر بمال فهو أولى أن يصح، وهذا معنى صحيح، وقد يناقض أبو حنيفة، وهو المراد بقوله: وقال بعض الناس في استحسانه جواز الإقرار بالوديعة والبضاعة والمضاربة، ولا فرق بين ذَلِكَ وبين الإقرار بالدين؛ لأن ذَلِكَ كله أمانة ولازم للذمة. قَالَ ابن التين: إن أراد الوارث فقد ناقض، وإن أراد غيره فلا يلزمه ما ذكره البخاري. واحتج أصحاب مالك بأنه يجوز إقراره في الموضع الذي ينفي عنه التهمة، وذلك أن المريض يوجب حجرًا في حق الورثة، يدل على ذَلِكَ أن الثلث الذي يملك التصرف فيه من جميع الجهات، لا يملك وضعه في وارثه على وجه الهبة والمنحة، فلما لم يصح هبته في المرض لم يصح إقراره له، ويجوز أن يهب ماله كله في الصحة للوارث، وفي المرض لا يصح، فاختلف حكم الصحة والمرض. تنبيهات: أحدها: من الغريب ما حكاه إمام الحرمين في كتاب "الوصايا" قولًا أن إقرار المريض لأجنبي معتبر من الثلث، والمشهور خلافه، وأغرب منه ما حكاه العبدري عن أبي ثور أنه قدم الوصية. ثانيها: اختار الروياني مذهب مالك: لا تقبل في المتهم وتقبل في غيره، ويجتهد الحاكم في ذَلِكَ لفساد الزمان.

стр. 10050

ثالثها: إذا قلنا بالمنع فالاعتبار بكونه وارثًا بحالة الموت وقبل الإقرار، واختاره الروياني ولا نظر إلى الحالة المتخللة بينهما اتفاقًا. ويتعلق بالمسألة فروع محلها كتب الفروع، وقد شرحناها فيها ولله الحمد. وما ذكره البخاري في البراءة من الدين والإقرار عن إبراهيم والحكم قد خولفا فيه في الإبراء والإقرار، وقول مالك أنه إن اتهم بالميل إلى من أبرأه أو أقر له لم يجز ذلك. وقول الشعبي محمول على أنها لا تتهم بالميل إلى زوجها مثل أن يكون له منها الولد الصغير وشبه ذلك، وكذا قول رافع في القرابة، يحتمل أن يكون لا يتهم بميل إليها ولا ولد له منها. وقد قَالَ ابن بطال: لا خلاف عن مالك أن كل زوجة فإن جميع ما في بيته لها وإن لم يشهد لها زوجها بذلك، وإنما يحتاج إلى الإشهاد والإقرار إذا علم أنه تزوجها فقيرة وأن ما في بيتها من متاع الرجال، أو في أم الولد (١). وقول الحسن يخالف (قول) (٢) مالك؛ لأنه يتهم أن يكون أراد عتقه من رأس ماله وهو ليس له من ماله إلا ثلث، فكأنه أراد الهروب بثلثي المملوك عن الورثة، ولو أعتقه عند موته كان من ثلثه. وقال غيره من أصحابه: يعتق من الثلث. وحديث: "آيَةُ المُنَافِقِ" تقدم في الإيمان (٣).
следующие страницы →