← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10046–10085 · переход к 10051.

стр. 10046

٨ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١] وَيُذْكَرُ أَنَّ شُرَيْحًا وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ وَطَاوُسًا وَعَطَاءً وَابْنَ أُذَيْنَةَ أَجَازُوا إِقْرَارَ المَرِيضِ بِدَيْنٍ. وَقَالَ الحَسَنُ: أَحَقُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالحَكَمُ: إِذَا أَبْرَأَ الوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِئَ. وَأَوْصَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنْ لَا تُكْشَفَ امْرَأَتُهُ الفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُهَا. وَقَالَ الحَسَنُ: إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ المَوْتِ: كُنْتُ أَعْتَقْتُكَ. جَازَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا قَالَتِ المَرْأَةُ عِنْدَ مَوْتِهَا إِنَّ زَوْجِي قَضَانِي وَقَبَضْتُ مِنْهُ. جَازَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ، ثُمَّ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالوَدِيعَةِ وَالبِضَاعَةِ وَالمُضَارَبَةِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ". [٥١٤٣] وَلَا يَحِلُّ مَالُ المُسْلِمِينَ بالظَّنَّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "آيَةُ المُنَافِقِ إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ". وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فَلَمْ يَخُصَّ وَارِثًا وَلَا غَيْرَهُ. فِيهِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٣٤] ٢٧٤٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ". [انظر: ٣٣ - مسلم: ٥٩ - فتح: ٥/ ٣٧٥]

стр. 10047

ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ .. ". الشرح: هذِه القطعة اشتملت على عدة أحكام ونفائس، أما ما ذكر عن شريح وغيره في إقرار المريض بالدين. أما إقراره لأجنبي فالإجماع قائم عليه. قَالَ ابن المنذر: أجمع العلماء أن إقرار المريض بالدين لغير الوارث جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة (١). واختلفوا إذا أقر لأجنبي وعليه دين في الصحة ببينة، فقالت طائفة: يبدأ بدين الصحة، هذا قول النخعي والكوفيين، قالوا: فإذا استوفاه صاحبه فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصون، وقالت طائفة: هما سواء، دين الصحة والدين الذي يقر به في المرض إذا كان لغير وارث، هذا قول الشافعي وأبي ثور وأبي عُبيد، وقال: إنه قول أهل المدينة، ورواه عن الحسن. وممن أجاز إقرار المريض بالدين للأجنبي الثوري وأحمد وإسحاق (٢). قَالَ: واختلفوا في إقرار المريض للوارث بالدين، فأجازه طائفة، هذا قول الحسن وعطاء (٣)، وبه قَالَ إسحاق وأبو ثور. قَالَ: وروينا عن شريح والحسن أنهما أجازا إقرار المريض لزوجته بالصداق، وبه قَالَ الأوزاعي. وقال الحسن بن صالح: لا يجوز إقراره لوارث في مرضه إلا لامرأته بالصداق (٤).

стр. 10048

وقالت طائفة: يجوز (١) إقرار المريض في الصحة. والظاهر أنه لا يقر إلا عن حقيقة ولا يقصد حرمانًا؛ لأنه انتهى إلى حالة يصدق فيها الكاذب ويتوب فيها الفاجر. وفيها قول ثالث قاله مالك، قَالَ: إذا أقر المريض لوارثه بدين نظر فإن كان لا يتهم فيه قبل إقراره، مثل أن يكون له بنت وابن عم فيقر لابن عمه بدين فإنه يقبل إقراره، ولو كان إقراره لبنته لم يقبل؛ لأنه يتهم في أن يزيد ابنته على حقها من الميراث وينقص ابن عمه، ولا يتهم في أن يفضل ابن عمه على ابنته. قَالَ: ويجوز إقراره لزوجته في مرضه إذا كان له ولد منها أو من غيرها، فإن كان يعرف منه انقطاع إليها ومودة، وقد كان الذي بينه وبين ولده متفاقمًا، ولعل هذا الولد الصغير منه، فلا يجوز إقراره لها (٢). واحتج من أبطل إقرار المريض للوارث بأن الوصية للوارث لما لم تجز، فكذلك الإقرار في المرض، ويتهم المريض في إقراره بالدين للوارث أنه أراد بذلك الوصية. واحتج من أجاز ذَلِكَ بقول الحسن: إن أحق ما تصدف به الرجل آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة؛ لأنه في حالة يرد فيها على الله، فهو في حالة يتجنب المعصية والظلم ما لا يتجنبه في حال الصحة، والتهمة منفية عنه. وقد نهى رسول الله ﷺ عن الظن وقال: "إِنَّه أَكْذَبُ الحَدِيثِ". وقال: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".

стр. 10049

وقد قام الإجماع على أنه إذا وصى رجل لوارثه بوصية وأقر له بدين في صحته، ثم رجع عنه أن رجوعه عن الوصية جائز، ولا يقبل رجوعه عن الإقرار، ولا خلاف أن المريض لو أقر لوارث (١) نسخ إقراره، وذلك يتضمن الإقرار بالمال وشيئًا آخر، وهو النسب والولاية، فإذا أقر بمال فهو أولى أن يصح، وهذا معنى صحيح، وقد يناقض أبو حنيفة، وهو المراد بقوله: وقال بعض الناس في استحسانه جواز الإقرار بالوديعة والبضاعة والمضاربة، ولا فرق بين ذَلِكَ وبين الإقرار بالدين؛ لأن ذَلِكَ كله أمانة ولازم للذمة. قَالَ ابن التين: إن أراد الوارث فقد ناقض، وإن أراد غيره فلا يلزمه ما ذكره البخاري. واحتج أصحاب مالك بأنه يجوز إقراره في الموضع الذي ينفي عنه التهمة، وذلك أن المريض يوجب حجرًا في حق الورثة، يدل على ذَلِكَ أن الثلث الذي يملك التصرف فيه من جميع الجهات، لا يملك وضعه في وارثه على وجه الهبة والمنحة، فلما لم يصح هبته في المرض لم يصح إقراره له، ويجوز أن يهب ماله كله في الصحة للوارث، وفي المرض لا يصح، فاختلف حكم الصحة والمرض. تنبيهات: أحدها: من الغريب ما حكاه إمام الحرمين في كتاب "الوصايا" قولًا أن إقرار المريض لأجنبي معتبر من الثلث، والمشهور خلافه، وأغرب منه ما حكاه العبدري عن أبي ثور أنه قدم الوصية. ثانيها: اختار الروياني مذهب مالك: لا تقبل في المتهم وتقبل في غيره، ويجتهد الحاكم في ذَلِكَ لفساد الزمان.

стр. 10050

ثالثها: إذا قلنا بالمنع فالاعتبار بكونه وارثًا بحالة الموت وقبل الإقرار، واختاره الروياني ولا نظر إلى الحالة المتخللة بينهما اتفاقًا. ويتعلق بالمسألة فروع محلها كتب الفروع، وقد شرحناها فيها ولله الحمد. وما ذكره البخاري في البراءة من الدين والإقرار عن إبراهيم والحكم قد خولفا فيه في الإبراء والإقرار، وقول مالك أنه إن اتهم بالميل إلى من أبرأه أو أقر له لم يجز ذلك. وقول الشعبي محمول على أنها لا تتهم بالميل إلى زوجها مثل أن يكون له منها الولد الصغير وشبه ذلك، وكذا قول رافع في القرابة، يحتمل أن يكون لا يتهم بميل إليها ولا ولد له منها. وقد قَالَ ابن بطال: لا خلاف عن مالك أن كل زوجة فإن جميع ما في بيته لها وإن لم يشهد لها زوجها بذلك، وإنما يحتاج إلى الإشهاد والإقرار إذا علم أنه تزوجها فقيرة وأن ما في بيتها من متاع الرجال، أو في أم الولد (١). وقول الحسن يخالف (قول) (٢) مالك؛ لأنه يتهم أن يكون أراد عتقه من رأس ماله وهو ليس له من ماله إلا ثلث، فكأنه أراد الهروب بثلثي المملوك عن الورثة، ولو أعتقه عند موته كان من ثلثه. وقال غيره من أصحابه: يعتق من الثلث. وحديث: "آيَةُ المُنَافِقِ" تقدم في الإيمان (٣).

стр. 10051

٩ - باب تَأْوِيلِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وَيُذْكَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ. وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، فَأَدَاءُ الأَمَانَةِ أَحَقُّ مِنْ تَطَوُّعِ الوَصِيَّةِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يُوصِى العَبْدُ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "العَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ". [انظر: ١٤٢٦، ١٤٢٧] ٢٧٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ لِي: "يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى". قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ العَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الذِي قَسَمَ اللهُ لَهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ ﵀. [انظر: ١٧٤٢ - مسلم: ١٠٣٥ - فتح: ٥/ ٣٧٧] ٢٧٥١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّخْتِيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ

стр. 10052

وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: "وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ". [انظر: ٨٩٣ - مسلم: ١٨٢٩ - فتح: ٥/ ٣٧٧] ثم ذكر حديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَانِي .. إلى آخره. وسلف في الزكاة (١). وحديث ابن عُمَرَ "كُلُّكُمْ رَاعٍ .. " بطوله. الشرح: ما احتج به البخاري فيما ترجم عليه في تقديم الدين على الوصية هو قول جميع العلماء إلا أبا ثور، وما ذكره معلقًا أخرجه الترمذي وابن ماجه (٢)، وللحاكم من حديث عليٍّ كرم الله وجهه قَالَ: إنكم تقرءون هذِه الآية ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية. وفيه: الحارث الأعور (٣)، ويعضده الإجماع على مقتضاه. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق. وقد تكلم الناس في الحارث (٤)، وقال ابن التين: إنه حديث لا يثبته العلماء بالنقل، والآية نزلت في عثمان بن طلحة، قبض النبي ﷺ مفتاح الكعبة يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذِه الآية فدفع إليه المفتاح، ذكره الواحدي في "أسبابه" عن مجاهد (٥).

стр. 10053

وحديث: "لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى" هذا قدمه مسندًا (١)، وما ذكره عن ابن عباس هو إجماع، كما قاله ابن التين، وقد أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص، عن شبيب بن غرقدة عن جندب قَالَ: سأل طهمان ابن عباس: أيوصي العبد؟ قَالَ: لا إلا أن يأذن له أهله (٢). وحديث: "العَبْدُ رَاعٍ" قدمه مسندًا في الصلاة من حديث ابن عمر (٣)، وحديث ابن عمر أخرجه ( … ) (٤). إذا لقرر ذَلِكَ، فوجه إدخال حديث حكيم هنا أنه جعله من باب الديون وإن لم يعرفوا بها؛ لأنه لما رآه قد سماه له، ورأى الاستحقاق من حكيم متوجهًا إلى المال إن رضيه وقبله أجراه مجرى مستحقات الديون. وقال ابن المنير: دخوله هنا من وجهين: أحدهما: زهده في العطية وجعل يد آخذها السفلى تنفيرًا عن قبولها، ولم يرد مثل هذا في تقاضي الدين، فالحاصل أن قابض الوصية يده السفلى، وقابض الدين استيفاءً لحقه إما أن تكون يده العليا؛ لأنه المتفضل، وإما أن تكون يده السفلى، هذا أقل حالتيه، فتحقق تقديم الدين على الوصية بذلك. ثانيهما: ذكره المهلب، وهو أن عمر: اجتهد أن يوفيه حقه في بيت المال، وبالغ في خلاصه من عهدته هذا وليس دينًا، ولكن فيه شبه الدين؛ لكونه حقًّا في الجملة -وهذا ما قدمته- قَالَ: والوجه الأول

стр. 10054

أقوى (من) (١) مقصود البخاري (٢). وأما حديث ابن عمر فوجهه هنا -والله أعلم- أنه لما كان العبد متبرعًا في مال سيده صح أن المال للسيد وأن العبد لا ملك له فيه، فلم تجز وصية العبد بغير إذن سيده كما قَالَ ابن عباس (٣)، وأشبه في المعنى الموصي الذي عليه الدين فلم تنفذ وصيته إلا بعد قضاء دينه؛ لأن المال الذي بيده إنما هو لصاحب الدين ومسترعى فيه ومسئول عن رعيته، فلم يجز له تفويته على ربه بوصية وغيرها إلا أن تبقى منه بعد أداء الدين بقية، كما أن العبد مسترعى في مال سيده ولا يجوز له تفويته على سيده، فاتفقا في الحكم لاتفاقهما في المعنى. قَالَ ابن المنير: والحديث أصل يندرج تحته مقصود الترجمة؛ لأنه لما تعارض في ماله حقه وحق السيد قدم الأقوى وهو حق السيد، وجعل (السيد) (٤) مسئولًا عنه مؤاخذًا بحفظه وكذلك حق الدين لما عارضه حق الوصية، والدين واجب والوصية تطوع؛ وجب تقديمه (٥). فائدة: البداءة في الآية بالوصية قبل الدين لا يقضي أن يكون مبدأها على الدين، وإنما يقتضي الكلام أن يكون الدين والوصية يخرجان قبل قسمة الميراث؛ لأنه لما قيل: من بعد كذا وكذا. علم أنه من بعد هذين الصنفين. قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أي: لا تطع أحدًا من هذين الصنفين. وتقول: مررت بفلان وفلان. ولا توجب

стр. 10055

ترتيبًا بينهما. قَالَ تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣] فأمرت بذلك كله، ولم يقتضِ أن يكون السجود قبل الركوع، ولو قلت: مررت بفلان ففلان أو بفلان ثم فلان. اقتضى أن يكون الذي بدأ بتسميته هو الذي مر به أولًا، فلما قَالَ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] اقتضى أن تكون القسمة بعدهما، لا تبدية لأحدهما على الآخر، نعم فهم بالسنة التي مضت والمعنى أن الدين قبلها؛ لأن الوصية إنما هي تطوع يتطوع (به) (١) الموصي، وأداء الدين فرض عليه، والفرض أولى من التطوع.

стр. 10056

١٠ - باب إِذَا وَقَفَ أَوْ أَوْصَى لأَقَارِبِهِ، وَمَنِ الأَقَارِبُ وَقَالَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ: "اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ أَقَارِبِكَ". فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ قَالَ: "اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ قَرَابَتِكَ". قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنِّي، وَكَانَ قَرَابَةُ حَسَّانَ وَأُبَيٍّ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ وَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ المُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ فَيَجْتَمِعَانِ إِلَى حَرَامٍ، وَهْوَ الأَبُ الثَّالِثُ، وَحَرَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَهْوَ يُجَامِعُ حَسَّانُ أَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيٌّ إِلَى سِتَّةِ آبَاءٍ (١) إِلَى عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، وَهْوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ يَجْمَعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيًّا. وَقَالَ بَعْضُهْمْ: إِذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ فَهْوَ إِلَى آبَائِهِ فِي الإِسْلَامِ. ٢٧٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِى طَلْحَةَ: "أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ". قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. [انظر: ١٤٦١ - مسلم: ٩٩٨ - فتح: ٥/ ٣٧٩]

стр. 10057

وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَادِي: "يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ". لِبُطونِ قُرَيْشٍ [٣٥٢٥ - مسلم: ٢٠٨] وَقَالَ أَبُو هُريرَةَ: لَّمَا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ". [٢٧٥٣ - مسلم: ٢٠٦] ثم ذكر حديث أَنَسٍ أنه ﵇ قال لأَبِي طَلْحَةَ: "أَرى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ". قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ينَادِي: "يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ". لِبُطُونِ قُرَيْشٍ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ". الشرح: قول ابن عباس هذا أسنده في: الفضائل والتفسير (١). وعند مسلم: صعد على الصفا (٢). وفي لفظ: خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل ينادي: "يا صباحاه" (٣). وللترمذي: وضع إصبعيه في أذنيه ورفع صوته فقال: "يا بني عبد مناف، يا صباحاه" (٤).

стр. 10058

وقول أبي هريرة قد أسنده في الباب بعده. وقوله: (وهو يُجَامِعُ حَسَّان وَأَبَا طَلْحَةَ وأبيًّا). كذا وقع في رواية المروزي والهروي، وفي أخرى: فهو يجمع حسان وأبو طلحة وأبي، برفع الجميع. وهو صواب أيضًا. وهذا الكلام يحتاج إلى إيضاح، نبه عليه الدمياطي الحافظ النسابة، وذلك أن أبا طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، فيجتمع أبو طلحة وحسان وأبي بن كعب في عمرو بن مالك بن النجار، فيجتمع أبو طلحة وحسان في حرام بن عمرو جد أبويهما. وبنو عدي بن عمرو بن مالك يقال لهم: بنو مغالة. وبنو معاوية بن عمرو بن مالك يقال لهم: بنو جديلة، بطنان من بني مالك بن النجار. فقوله: (فهو يُجَامِعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيًّا) هو ضمير الشأن. إذا تقرر ذَلِكَ: فالبخاري ترجم على أنه يخص بالعطية أقرب الناس إلى المعطي وإن كان ثم قرابة فوقه. وقال الداودي: لا حجة فيه في الوصايا؛ لأنه ﵇ إنما أشار عليه أن يضع ماله في أقاربه، ففعل فبدأ بأقرب أقاربه، وهذا لا يرفع اسم القرابة عمن فوقهم، والآية التي ذكرها البخاري تدل على خلاف ذلك؛ لأنه لم يرد بها بني عبد المطلب خاصة؛ لأنهم أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ . وقد اختلف العلماء إذا أوصى بثلثه لأقاربه أو لأقارب فلان من

стр. 10059

الأقارب الذين يستحقون الوصية، فقال الكوفيون والشافعي: يدخل في ذَلِكَ من كان من قبل الأب والأم، غير أنهم رتبوا أقوالهم على ترتيب مختلف (١). وقال أبو حنيفة: القرابة هم كل ذي رحم محرم من قبل الأب والأم ممن لا يرث غير أنه يبدأ بقرابة الأب على قرابة الأم، وتفسير ذَلِكَ أن يكون له خال وعم، فيبدأ بعمه على خاله فيجعل له الوصية (٢). وقال صاحباه والشافعي: سواء في ذَلِكَ قرابة الأب والأم، ومن بعد منهم أو قرب، ومن كان ذا رحم محرم أو لم يكن، وهو قول أبي ثور، وقال أبو يوسف ومحمد: القرابة من جمعه أب وأم. منذ كانت الهجرة، قالا: ولا يدخل في ذَلِكَ الولد ولا الوالدان. وقال آخرون: القرابة: كل من جمعه والموصي أبوه الرابع إلى من هو أسفل منه، وهو قول أحمد. وقال آخرون: القرابة: كل من جمعه والموصي أب واحد في الإسلام أو الجاهلية ممن يرجع بآبائه وأمهاته إليه أبًا عن أب أو أمًّا عن أم إلى أن يلقاه. وقال مالك: لا يدخل في الأقارب إلا من كان من قبل الأب، خاصة العم وابنه والأخ وشبههم، ويبدأ بالفقراء حَتَّى يغنوا، ثم بعطاء الأغنياء. هذا ما نقله ابن بطال عنه (٣)، ونقل عنه ابن التين: أنه إذا أوصى للقرابة يعطي القرابة من الرجال والنساء؛ لأن اسم القرابة يقع عليهم. قَالَ: وبه قَالَ الشافعي (٤)، وزاد بعضهم: وأقربهم وأغناهم وأفقرهم سواء؛ لأنهم أعطوا باسم القرابة كما أعطي من شهد القتال بالحضور. قَالَ: وقيل: لا يدخل من كان من قبل الأم. وإنما جوز

стр. 10060

أهل هذِه المقالات الوصية للقرابة إذا كانت تلك القرابة تحصى وتعرف كما نبه عليه الطحاوي (١)، فإن كانت لا تحصى ولا تعرف فإن الوصية لها باطل في قولهم جميعًا إلا أن يوصي لفقرائهم، فتكون جائزة لمن رأى الموصي دفعها إليه منهم، وأقل ما يجوز أن يجعلها فيهم اثنان فصاعدا في قول محمد، وقال أبو يوسف: إن دفعها إلى واحد أجزأه، واحتج للصاحبين بأنه ﷺ لما قسم سهم ذوي القربى أعطى بني هاشم جميعًا، وفيه من رحمه منهم محرمة وغير محرمة، وأعطى بني المطلب وأرحامهم جميعًا منه غير محرمة؛ لأن بني هاشم أقرب إليه من بني عبد المطلب، فلما لم يقدم في ذَلِكَ رسول الله من قربت رحمه على من بعدت، وجعلهم كلهم قرابة يستحقون ما جعل إليه لقرابته؛ سقط قول أبي حنيفة في اعتباره ذا الرحم المحرم واعتباره بالأقرب، وسقط قول من جعل أهل الحاجة منهم أولى؛ لأنه ﷺ عم بعطيته بني هاشم وفيهم أغنياء (٢)، وحجة أخرى على أبي حنيفة، وذلك أنه ﷺ لما أمر أبا طلحة أن يجعل أرضه في فقراء قرابته جعلها لحسان وأُبَيّ، وأُبَيّ إنما يلقى أبا طلحة عند أبيه السابع، ويلتقي مع حسان مع أبيه الثالث، فلم يقدم أبو طلحة حسانًا لقرب رحمه على أُبي لبعد رحمه منه، ولم ير واحدًا منهما مستحقًّا لقرابة منه في ذَلِكَ إلا كما يستحق منه الآخر، فثبت فساد قوله، واحتج له بأنه ﷺ أعطى حسان بن ثابت وأُبَيًّا لقربهما إليه، ولم يعط أنسًا شيئًا والأقرب أولى كالميراث، ولأنا لو سوينا بينه وبين القريب والبعيد أدى ذَلِكَ إلى إبطالها؛ لأن المقصود بها الأدنى فإذا اشترك فيها من لا يحصى دخل

стр. 10061

الغني والفقير إلى آدم؛ لأنه ليس أب ينسب إليه بالقرابة أولى من أب. والوصية والوقف سواء، وفي رواية: (فجعلها أبو طلحة على ذوي رحمه) (١)، ولأن المقصود بها الصلة فالرحم المحرم أولى كالنفقة، وإيجاب العتق، وذو الرحم المحرم أولى بالصلة من ذي الرحم غير المحرم، واحتج من صرف للتعدد بحديث أبي طلحة من حيث إنه لو اكتفي بالواحد لأعطى حسان وحده دون أُبي؛ لأنه أقرب إليه من أُبي، فلما كان المعتبر في ذَلِكَ الاثنين أعطاهما وإن كانا ليس متساويين في الدرجة مع قول السهيلي: كان ابن عمة أبي طلحة أمه سهيلة بنت الأسود بن حرام (٢). وكذا قوله: في (الأقربين) (٣)، وفي أقاربك. وأقل الجمع اثنان. واحتج بعض أصحابنا فقال: إنما استحقوا باسم القرابة فيستوي في ذلك القريب والبعيد والغني والفقير كما أعطى من شهد القتال باسم الحضور (٤)، ثم نظرنا في قول من قَالَ: هو إلى آبائه في الإسلام. فرأينا الشارع أعطى سهم ذي القربى بني هاشم وبني المطلب، ولا يجتمع هو مع أحد منهم إلى أب منذ كانت الهجرة، وإنما يجتمع معهم في آباء كانوا في الجاهلية، وكذلك أبو طلحة وأبي وحسان لا يجتمعون عند أب إسلامي، ولم يمنعهم ذَلِكَ أن يكونوا قرابة يستحقون ما جعل للقرابة فبطل قول صاحب الصاحبين كما قَالَ الطحاوي (٥).

стр. 10062

وثبت أن الوصية لكل من تُوقف على نسبه عن أب أو أم حَتَّى يلتقي هو والموصي لقرابته إلى جد واحد في الجاهلية أو في الإسلام. وأما الذين قالوا: إن القرابة هم الذين يلتقون عند الأب الرابع، فإنهم ذهبوا إلى أنه ﷺ لما قسم سهم ذي القربى أعطى بني هاشم وبني المطلب، وإنما يلتقي هو وبنو المطلب عند أبيه الرابع؛ لأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، والآخرون هم بنو المطلب بن عبد مناف، فإنما يلتقي معهم عند عبد مناف وهو أبوه الرابع فمن الحجة عليهم في ذَلِكَ للآخرين: أنه ﷺ لما أعطاها حرم بني أمية وبني نوفل، وقرابتهم منه لقرابة بني المطلب، فلم يحرمهم لأنهم ليسوا قرابة، ولكن لمعنى غير القرابة فكذلك من فوقهم لم يحرمهم؛ لأنهم ليسوا قرابة، ولكن لمعنى غيرها، وكذلك أعطى أبو طلحة لحسان وأُبي، وإنما يلتقي مع أُبي لأبيه السابع فلم ينكر ﷺ على أبي طلحة ما فعل وقد أمر الله تعالى نبيه أن ينذر عشيرته الأقربين، فدعا عشائر قريش كلها ومنهم من يلقاه عند أبيه الثاني وعند أبيه الثالث والرابع والخامس والسابع، ومنهم من يلقاه عند آبائه الذين فوق ذَلِكَ إلا أنه ممن جمعته وإياهم قريش، فبطل قول من جعل إلى الأب الرابع، وثبت قول من جعل إلى أب واحد في الجاهلية أو الإسلام. واحتج أصحاب مالك لقوله: إن القرابة قرابة الأب خاصة؛ لأنه ﷺ لما أعطى ذوي القربى لم يعط قرابته من قبل أمه شيئًا، وسيأتي إيضاحه في الباب بعده، وقد سلف كثير من معنى حديث أبي طلحة في باب: فضل الزكاة على الأقارب من كتاب الزكاة (١).

стр. 10063

فرع: اختلف قول مالك في دخول القرابة وكذا البنات، فمنعه ابن القاسم، وكذا من كان من قبل الأم، وقال ابن الماجشون بالدخول، واختلف فيما إذا قَالَ: لآبائي. هل تدخل العمومة والخالات؟ والمختار عندهم: الدخول، لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] يعني: أباه وخالته (١)، وكذلك اختلف إذا قَالَ: بني. هل تدخل البنات؟ (٢) خاتمة: قَالَ ابن التين: قول من قَالَ في البخاري: إذا أوصى لقرابته فهو إلى آبائه في الإسلام، ثم نقل عن أبي يوسف أن الوصية لقرابته ذوي رحمه المحرمة وغيرهم من الرجال والنساء، الأقرب والأبعد في ذَلِكَ سواء إلى أقصى أب له في الإسلام من الرجال والنساء، ثم نقل عن الداودي أنه قَالَ: إن أراد القائل في البخاري من عدي مضر وقحطان، فهو معنى قول مالك، وترتيب القربة وأما عدنان وقحطان فهم يتناسبون إليها، وكذلك يتعاقلون؛ لأنهم سواء في دارهم [و] (٣) تناسبوا في حياة رسول الله ﷺ ، وليس كذلك غيرهم. أخرى: في قوله في حديث أبي هريرة: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] دلالة أنه لا يخص بالقرابة أقربهم إلى الموصي. وبنو عبد مناف أربع قبائل تقدمت: بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو عبد شمس، وبنو نوفل، وأقربهم للنبي ﷺ بنو هاشم، وأقرب بني هاشم عبد المطلب، وأدخل النبي ﷺ الرجال والنساء والقبائل على

стр. 10064

أن بعضهم أبعد من بعض قَالَ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] فالشعوب: القبائل العظام كمضر وربيعة وتميم وقيس، والقبائل دون ذَلِكَ كقريش ونحوها، والأفخاذ: بني هاشم وبني عبد شمس. تنبيه: وقع في شرح بعض شيوخنا هنا أن قَالَ بعد ترجمة البخاري: وقال إسماعيل بن جعفر: أخبرني عبد العزيز بن عبد الله عن إسحاق بن عبد الله قَالَ: لا أعلمه إلا عن أنس فذكر حديث بَيْرُحَاء في الزكاة (١)، ثم نقل عن الطرقي أنه قَالَ: إن البخاري أخرجه عن الحسن بن شوكر عن إسماعيل بن جعفر، وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله (٢). انتهى ما ذكره. وهو عجيب منه فهذا الحديث ليس في الباب، وإنما ساقه البخاري بعدُ بأبواب في باب: من تصدق إلى وكيله ثم رد الوكيل إليه، ولم يسقه منقطعًا، إنما ساقه مسندًا عن إسماعيل بن جعفر، قَالَ: نا إسماعيل، أخْبرَنِي عبد العزيز. فذكره (٣). قلت: والحسن بن شوكر من رجال أبي داود فقط (٤) (٥) (٦).

стр. 10065

١١ - باب هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالوَلَدُ فِي الأَقَارِبِ ٢٧٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا". تَابَعَهُ أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. [٣٥٢٧، ٤٧٧١ - مسلم: ٢٠٦ - فتح: ٥/ ٣٨٢] ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ قَال: قَامَ رَسُول اللهِ ﷺ حينَ أَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ قَال: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ" أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا .. الحديث بطوله. قَال الإسماعيلي: وحديث أبي هريرة هذا وحديث ابن عباس في الباب قبله مرسلان لأن الآية نزلت بمكة -شرفها الله- وابن عباس كان صغيرًا، وأبو هريرة إنما أسلم بالمدينة. قلتُ: والسماع ممكن أو من صحابي آخر فلا إرسال (يقدح) (١). وقام الإجماع على أن اسم الولد يقع على البنين والبنات، وأن النساء التي من صلبه وعصبته كالعمة والابنة والأخت يدخلن في الأقارب، إذا وقف على أقاربه، ألا ترى أنه ﷺ خص عمته بالنذارة كما خص ابنته، فكذلك من كان في معناهما ممن يجمعه معه أب واحد.

стр. 10066

وروى أشهب عن مالك أن الأم لا تدخل في مرجع الحبس، وقال ابن القاسم: تدخل الأم في ذَلِكَ، ولا تدخل الأخوات لأم. واختلفوا في ولد البنات أو ولد العمات ممن لا يجتمع في أب واحد مع الموصي والمحبس هل يدخلون في القرابة أم لا؟ فقال أبو حنيفة والشافعي: إذا وقف وقفًا على ولده دخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا، وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولد البنات. والقرابة عند أبي حنيفة: كل ذي رحم. فيسقط عنده ابن العم والنعمة، وابن الخال والخالة؛ لأنهم ليسوا محرمين. والقرابة عند الشافعي: كل ذي رحم محرم وغيره، فلم يسقط عنده ابن العم ولا غيره. قلتُ: صحح أصحابه أنه لا يدخل في القرابة الأصول والفروع، ويدخل كل قرابة وإن بعد، وقال مالك: لا يدخل في ذَلِكَ ولد البنات. وقوله: (لقرابتي وعقبي) كقوله: لولدي وولد ولدي يدخل فيه ولد البنين. ومن يرجع إلى عصبة الأب وصلبه، ولا يدخل ولد البنات. حجة من أدخل ولد البنت الحديث السالف: "إن ابني هذا سيد" (١) في الحسن بن علي، ولا يظن أن أحدا يمتنع أن يقول في ولد البنات أنهم ولد لأبي أمهم، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأن الولد في اللغة مشتق من التولد، وهم متولدون عن أبي أمهم لا محالة؛ لأنه أحد أصليهم الذين يرجعون إليه، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] فللذكر حظه وللأنثى حظها والتولد عن جهة الأم كالتولد عن جهة الأب، وقد دل القرآن على ذَلِكَ قَالَ تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إلى أن قَالَ: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٤، ٨٥] فجعل

стр. 10067

عيسى من ذريته وهو ابن بنته، ولم يفرق في الاسم بين نبي الله وبين ابنته. وأجيب بأنه ﷺ إنما سمى الحسن ابنا على وجه التحنن، وأبوه في الحقيقة علي وإليه نسبه، وقد قَالَ ﷺ في العباس: "اتركوا لي أبي" (١) وهو عمه، وإن كان الأب حقيقة خلافه، قلتُ: وأعلى من هذا أن من خصائصه أن أولاد بناته ينسبون إليه، كما أوضحته في "الخصائص" (٢)، وعيسى جرى عليه اسم الذرية على طريق الاتساع والتغليب للأكثر المذكور، وهذا شائع في كلام العرب. ودليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] والمراد الذكر وابنه خاصة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَلِذِي القُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] اختص به بنو أعمامه ومن يرجع نسبه إليه؛ لأنه ﷺ أعطى سهم القرابة بني أعمامه دون بني أخواله، فكذلك ولد البنات؛ لأنهم لا ينتمون إليه بالنسب، ولا يلتقون معه في أب، قَالَ الشاعر: بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأباعد وفي إعطائه ﷺ بني المطلب، وهم بنو أعمامه حجة على أبي حنيفة أن ابن العم داخل في القرابة، ولما أعطى بني المطلب وبني هاشم جاء عثمان وجبير بن مطعم إليه فقالا: قد عرفنا فضل بني هاشم لمكانك الذي وضعك الله فيهم، فما بالنا وبني المطلب أعطيتهم ومنعتنا وقرابتنا واحدة؟ فقال ﷺ : "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام" (٣)

стр. 10068

وعثمان من بني عبد شمس، وجبير بن مطعم من بني نوفل، وهو أخو عبد شمس بن عبد مناف والمطلب بن عبد مناف وهاشم بن عبد مناف، فأعطى بني المطلب وهم بنو أعمامه، وأعطى بني هاشم و (هم) (١) جده، وليس فيهم من يرجع إلى أجداد الأمهات مثل ولد البنات والأخوال وغيرهم من ذوي الأرحام، فدل ذَلِكَ على رد قول القائل: إن القرابة تقع على قرابة الأب والأم؛ لأنه ﷺ لم يعط إلا من رجع إلى عصبته، وكذا من سوى بين الأقرب والأبعد؛ لأنه لما أعطى الأولين ومنع الآخرين علم أنه لا يستحق بالقرابة إلا على وجه الاجتهاد، وقد يدخل في القرابة جميع قريش بقوله: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ" وخص بعضهم بالعطاء، فصح البداءة بالفقراء قبل الأغنياء. وفي قوله لابنته: "سَلِينِي مَا شِئْتِ" أن الائتلاف للمسلمين وغيرهم بالمال جائز، وذلك في الكافر آكد (٢).

стр. 10069

١٢ - باب هَلْ يَنْتَفِعُ الوَاقِفُ بِوَقْفِهِ ؟ وَقَدِ اشْتَرَطَ عُمَرُ ﵁ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ. وَقَدْ يَلِي الوَاقِفُ وَغَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ بَدَنَةً أَوْ شَيْئًا للهِ فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا كَمَا يَنْتَفِعُ غَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ. [انظر: ٢٣١٣] ٢٧٥٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ لَهُ: "ارْكَبْهَا". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ" أَوْ "وَيْحَكَ". [انظر: ١٦٩٠ - مسلم: ١٣٢٣ - فتح: ٥/ ٣٨٣] ٢٧٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ". فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ. [انظر: ١٦٨٩ - مسلم: ١٣٢٢ - فتح: ٥/ ٣٨٣] ثم ساق حديث أَنَسٍ وأَبِي هُرَيْرَةَ "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ". وقد سلفا في الحج (١). وما ذكره عن عمر أسلفه مسندًا (٢)، وذكره لاشتراط عمر لا حجة فيه كما نبه عليه الداودي؛ لأن عمر أخرجها عن يده ووليها غيره، فجعل لمن وليها أن يأكل على شرطه، ولو اعتبر هذا بقوله ﷺ : "العائد في هبته وفي صدقته كالعائد في قيئه" (٣)،

стр. 10070

أو "كالكلب يعود في قيئه" (١) فإذا انتفع ببعض صدقته فقد عاد فيها، وإن اشترط في أصل عطيته أن ينتفع فلم تخرج عطيته عن يده فيحاز عنه، ولا يقل ما تصدق به بما ينتفع به منها، فهي باقية على ملكه إذ لا يعلم الجزء الذي تصدق به. وقال ابن المنير: وجه المطابقة فيه أن المخاطب يدخل في خطابه، وهو أصل مختلف فيه، ومالك في مثل هذا يحكم بالعرف حَتَّى يخرج غير المخاطب أيضًا من العموم لقرينة عرفية، كما إذا أوصى بمال للمساكين وله أولاد فلم يقسم حَتَّى افتقروا (٢)، ففيه قول ابن القاسم ومطرف -يعني: الاثنين (٣). وقال ابن التين: يحتمل. وقال ابن بطال (٤): لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه؛ لأنه أخرجه لله تعالى وقطعه عن ملكه، فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته، وقد نهى الشارع عن ذلك. قَالَ: وإنما يجوز له الانتفاع به إن شرط ذَلِكَ في الوقف، أو أن يفتقر المحبس أو ورثته فيجوز لهم الأكل منه. قَالَ ابن القصار: من حبس دارًا أو سلاحًا أو عبدًا في سبيل الله فأنفذ ذَلِكَ في وجوهه زمانًا ثم أراد الانتفاع به مع الناس فإن كان من حاجة فلا بأس. وذكر ابن حبيب عن مالك قَالَ: من حبس أصلًا تجري غلته على المساكين فإن ولده يعطون منه إذا افتقروا، كان يوم مات أو حبس فقراء أو أغنياء، غير أنهم لا يعطون جميع الغلة مخافة أن يندرس الحبس، ولكن يبقى منه سهم المساكين ليبقى اسم الحبس، ويكتب

стр. 10071

على الولد كتاب أنهم إنما يعطون منه ما أعطوا على المسكنة وليس على حق لهم فيه دون المساكين. واختلفوا إذا أوصى بشيء للمساكين، فغفل عن قسمته حَتَّى افتقر بعض ورثته، وكانوا يوم أوصى أغنياء أو مساكين، فقال مطرف: أرى أن يعطوا من ذَلِكَ على المسكنة، وهم أولى من الأباعد. وقال ابن الماجشون: إن كانوا يوم أوصى أغنياء ثم افتقروا أعطوا منه، وإن كانوا مساكين لم يعطوا منه؛ لأنه أوصى وهو يعرف حاجتهم، فكأنه أزاحهم عنه. وقال ابن القاسم: لا يعطون منه شيئًا مساكين كانوا أو أغنياء يوم أوصى. قَالَ (١): وقول مطرف أشبه بدلائل السنة (٢). وقوله: (وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ جَعَلَ بَدَنَةً أَوْ شَيْئًا لله فله أن ينتفع بها كما ينتفع غيره وإن لم يشترط). فإنما ينتفع من ذَلِكَ إذا لم يشترط ما لا مضرة فيه على من سبل له الشيء، وإنما جاز ركوب البدنة التي أخرجها لله -عزوجل-؛ لأنه يركبها إلى موضع النحر، ولم يكن له غنى عن سوقها إليه، ولم يركبها في منفعة له، ألا ترى أنه لو كان ركوبها مهلكًا لها لم يجز له ذَلِكَ كما لا يجوزله أكل شيء من لحمها. وقوله: (يَلِي الوَاقِفُ وغَيْرُهُ). فاختلف العلماء فيه، فذكر ابن المواز عن مالك أنه إن شرط في حبسه أن يليه لم يجز. وقاله ابن القاسم وأشهب، وقال ابن عبد الحكم عن مالك: إن جعل الوقف بيد غيره يحوزه ويجمع غلته ويدفعها إلى الذي حبسه يلي تفرقته، وعلى ذَلِكَ حبس، أن ذَلِكَ جائز. وقال ابن كنانة: من حبس ناقته في سبيل الله فلا ينتفع بشيء منها، وله أن ينتفع بلبنها لقيامه عليها.

стр. 10072

فمن أجاز للواقف أن يليه، فإنما يجيز له الأكل منه بسبب ولايته وعمله، كما كان يأكل الوصي مال يتيمه بالمعروف من أجل ولايته وعمله، وإلى هذا المعنى أشار البخاري في الباب، ومن لم يجز للواقف أن يلي وقفه فإنما منع ذَلِكَ قطعًا للذريعة إلى الانفراد بغلته، فيكون ذَلِكَ رجوعًا فيه (١). وسيأتي اختلاف السلف في الباب بعد. وعندنا: إن شرط النظر لنفسه أو غيره اتبع وإلا فالنظر للقاضي. وحديث ركوب البدنة سلف الكلام عليه في الحج، ومشهور مذهب مالك أنه لا يركبها إلا عند الضرورة إليه، وقال في "المبسوط": لا بأس أن يركبها ركوبًا غير فادح، فلا يركبها بالمحمل، ولا يحمل عليها زاده ولا شيئًا يتعبها به (٢). وقال أحمد وإسحاق: يركبها. ولم يذكرا ضرورة، وفي "صحيح مسلم" تقييده بالاضطرار (٣). واختلف إذا استراح، فقال ابن القاسم: لا أرى عليه أن ينزل. وخالفه ابن الجلاب؛ لأنه ﷺ قَالَ له: "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ" في الثانية أو الثالثة، وإنما استحسن الناس أن لا يركبها حَتَّى يحتاج إليها. وقوله: " (وَيْلَكَ") هي كلمة جرت على ألسنتهم، لا يريد الدعاء، وهي تقال لمن وقع في هلكة يستحقها، والمترحم عليه، وإن كان لا يستحقها يقال له: ويحك، وقد سلف. والحديث يحتمل ذَلِكَ، وذلك أنه لما ترك رخصة سائغة في الشرع وأمره بذلك مرات كان كالواقع فيما يستحقه من مكروه، ويحتمل الثاني

стр. 10073

تحريجًا على ما فعله لله أن يعود فيه أو في شيء منه، وهو مضطر إلى ركوبها، والأول أولى لموافقة رواية أبي هريرة له، وفي رواية أنس شك، هل قَالَ له ذَلِكَ في الثالثة أو الرابعة؟ وفي رواية أبي هريرة: في الثانية أو الثالثة. قَالَ الداودي: وليس في الحديث حجة لما بوب له؛ لأن مهديها إنما جعلها لله إذا بلغت محلها وأبقى بملكه عليها مع ما عليه فيها من الخدمة من السوق والعلف، ألا ترى أنها إن كانت واجبة أن عليه بدلها إذا عطبت قبل محلها قَالَ: وإنما أمره الشارع بذلك لمشقة السفر، ولم ير له مركبًا غيرها. قَالَ ابن التين: وقوله: (إنما جعلها إذا بلغت محلها). فيه نظر؛ لأنها تجب بالتقليد والإشعار، ولا تجزي حَتَّى تبلغ محلها، ليس أنها تجزي بالتقليد والإشعار، وإنما تجوز بشرط السلامة إلى أن تنحر.

стр. 10074

١٣ - باب إِذَا وَقَفَ شَيْئًا فَلَمْ يَدْفَعْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ جَائِزٌ لأَنَّ عُمَرَ وْقَفَ (١) وَقَالَ: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ، وَلَمْ يَخُصَّ إِنْ وَلِيَهُ عُمَرُ أَوْ غَيْرُهُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ "أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ". فَقَالَ: أَفْعَلُ. فَقَسَمَهَا فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. [فتح: ٥/ ٣٨٤]

стр. 10075

١٤ - باب إِذَا قَالَ: دَارِي صَدَقَةٌ للهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ. فَهُوَ جَائِزٌ، وَيَضَعُهَا فِي الأَقْرَبِينَ أَوْ حَيْثُ أَرَادَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ، حِينَ قَالَ: أَحَبُّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله، فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يُبَيِّنَ لِمَنْ. وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. [فتح: ٥/ ٣٨٤] الشرح: في بعض النسخ: أوقف. وهي لغة، وهي ثابتة في كتاب ابن بطال (١)، وابن التين، وقَالَ: ضرب على الألف في بعض النسخ، وإسقاطها صواب، ولا يقال: أوقف -بالألف- إلا إن فعل شيئًا ثم نزع عنه، وجعل ابن بطال البابين ترجمة واحدة وزاد عليها ثالثة، وهي: باب إذا قَالَ: أرضي أو بستاني صدقة عن أمي فهو جائز، وإن لم يبين لمن ذلك. ثم ساق حديث سعد بن عبادة (٢). قَالَ الداودي: الذي قَالَ البخاري هنا هو حمل الشيء على ضده وتمثيله بغير جنسه؛ لأنه هو يروي عن عمر ولاها ابنه، وأن أبا طلحة دفعها إلى حسان وأُبي. قَالَ: وهذا يحكم. ودفع الظاهر عن وجهه، وهذا يقدر عليه كل أحد إلا من منعته الديانة والحياء. وقال غير الداودي: إنما أراد البخاري أنه ﷺ أخرج عن أبي طلحة ملكه بنفس قوله: (هي صدقة). وهذا كقول مالك: إن الصدقة تلزم بالقول وتتم بالقبض. وقول الداودي أشبه؛ لأنه أتى في الباب بوقف عمر.

стр. 10076

وقول بعضهم: لا تجوز حَتَّى يبين لمن هي. معناه: لا يحكم عليه به. يريد: لما لم يعين المعطى. وقد اختلف القول في مذهب مالك إذا جعل شيئًا للمساكين في غير تعيين هل يجب عليه إخراجه؟ ففي "المدونة": لا يجب. وقال الداودي: قول من قَالَ: لا يجوز. ليس بشيء وإن لم يكن فيه وضعها حيث شاء، فكأنه تأوله على خلاف ما أسلفنا أن معناه: لا يحكم. واختلف العلماء في الوقف إذا لم يخرجه الواقف من يده إلى أن مات، فقالت طائفة: يصح الوقف ولا يفتقر إلى قبض، وهو قول أبي يوسف والشافعي. وقالت طائفة: لا يصح الوقف حَتَّى يخرجه عن يده ويقبضه غيره، هذا قول ابن أبي ليلى ومالك ومحمد بن الحسن (١). وحجة الأول أن عمر وعليًّا وفاطمة وقفوا أوقافًا أو أمسكوها بأيديهم، وكانوا يصرفون الانتفاع بها في وجوه الصدقة، فلم تبطل (٢). واحتج الطحاوي لأبي يوسف فقال: رأينا أفعال العبادات على ضروب، فمنها العتاق وينفذ بالقول، ومنها الهبات والصدقات لا تنفذ بالقول حَتَّى يكون معه القبض من الذي ملكها، فأردنا أن ننظر حكم الأوقاف بأيها هي أشبه فنعطفه عليه، فرأينا الرجل إذا وقف أرضه، فإنما ملك الذي وقفها عليه منافعها، ولم يملكه من رقبتها شيئًا، إنما أخرجها من ملك نفسه إلى الله تعالى فثبت أن نظير ذَلِكَ ما أخرجه من ملكه إلى الله تعالى، فكما كان ذَلِكَ لا يحتاج فيه إلى قبض مع القول، كذلك الوقف لا يحتاج فيه إلى قبض مع القول، وأيضًا فإن

стр. 10077

القبض لو أوجبناه لكان القابض يقبض ما لم يملك بالوقف فقبضه إياه وغير قبضه سواء (١)، وإليه ذهب البخاري. واستدل من قوله: (فَقَسَمَهَا أبو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ). أن الوقف لم يخرج من يد أبي طلحة، وحجة من جعله شرطًا في صحة الوقف إجماع أئمة الفتوى على أنه لا تنفذ الهبات والصدقات بالقول حَتَّى يقبضها الذي ملكها. ألا ترى أن الصديق قَالَ في مرضه لابنته، وقد كان نحلها جداد عشرين وسقا: لو كنت حزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث. وقد سلف، فكان حكم الوقف حكم الهبات. وقوله لأبي طلحة "أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأقرَبينَ" لا حجة فيه لمن أجاز الوقف وإن لم يخرج عن يد (من وقفه) (٢)؛ لأنه ليس في الحديث أن أبا طلحة لم يخرج الوقف عن يده، ولو استدل مستدل بقوله: (فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) أنه أخرجها عن يده لشاع ذلك، ولم يكن من استدل أنه لم يخرجها عن يده أولى منه بالتأويل. واختلفوا إذا قَالَ: هذِه الدار أو هذِه الضيعة وقف. لم يذكر وجوهًا تصرف فيه، فعند مالك أنه يصح الوقف، وكذا لو قَالَ: على أولادي وأولادهم. ولم يذكر بعدهم الفقراء أو بني تميم ممن لم ينقطع نسلهم، فإنه يصح الوقف، ويرجع ذَلِكَ إلى فقراء عصبته، وإن لم

стр. 10078

يكونوا فقراء فإلى فقراء المسلمين، وبه قَالَ أبو يوسف ومحمد، وهو أظهر قولي الشافعي، والثاني: لا يصح من أصله .. وحجة الأول أنه إذا قَالَ: وقف. فإنما أراد به البر والقربة، وأن لا ينتفع هو بشيء من ذلك، والانتفاع يكون محبوسًا على ولده وولد ولده، فإذا انقرضوا صرف ذَلِكَ إلى أقرب الناس به من فقراء عصبته، وهذا المعنى يحصل به البر والقربة، وكذا إذا قَالَ: هذا وقف محرم؛ لأنه معلوم أنه قصد به البر والقربة، فحمل على ما علم من قصده، كرجل أوصى بثلث ماله، فإن ذَلِكَ يفرق في الفقراء المساكين وإن لم يسمهم؛ لأنه قد علم ذَلِكَ من قصده. ألا ترى قول سعد بن عبادة لرسول الله ﷺ : وإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها. لم يسم على من يتصدق بالحائط، ولم ينكره عليه بل أقره. قَالَ المهلب: ولا حاجة بنا إلى أن يذكر على من يكون الوقف؛ لأن الله تعالى قد بين أصناف الذين تجب لهم الصدقات في كتابه، وقد مضى من سنة رسول الله ﷺ في قصة أبي طلحة ما فيه شفاء. فرأى الشارع فيها أن تصرف الصدقة إلى صنف واحد، وهم أقارب أبي طلحة. قَالَ ابن القصار: ولا يقاس هذا على ما إذا وقف على من لا يولد له ولم يكن له ولد في الحال؛ لأنه وقفه على غير موجود؛ لأنه قد يجوز أن لا يولد له، وإذا وقفه ولم يذكر له مصرفًا، فالفقراء موجودون ففي أيها جعلها الإمام صح الوقف (١).

стр. 10079

١٥ - باب إِذَا قَالَ أَرْضِي أَوْ بُسْتَانِي صَدَقَةٌ عَنْ أُمِّي. فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنْ ذَلِكَ ٢٧٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا. [٢٧٦٢، ٢٧٧٠ - فتح: ٥/ ٣٨٥] ذكر فيه حديث يَعْلَى عن عِكْرِمَةَ أَنْبَأَنَا ابن عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفَيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عنها. هذا الحديث ذكره البخاري في باب: الإشهاد في الوقف والصدقة (١) وشيخه في حديث الباب محمد، وهو (ابن سلام) (٢) كما هو ثابت في أصل الدميَاطي وعلَّم عليه، وكذا قَالَ الجياني: نسبه شيوخنا ابن سلام (٣) (خت)، ويعلى: هو ابن مسلم كما صرح به الإسماعيلي وأبو نعيم والحميدي (٤)، وقال الطرقي: هو ابن حكيم.

стр. 10080

و (المخْرَافَ): جماعة النخل بفتح الميم، قاله القزاز، قَالَ: وبكسرها: الزنبيل الذي يخترف فيه الثمار. وأحسب المخراف المذكور اسم هذا الحائط الذي تصدق به عن أمه، وقال الخطابي: المخراف: الثمرة، صوابه: الشجرة، سماها مخرافًا لما يخترف من ثمارها (١)، كما قيل: امرأة مذكار: وقد يستوي هذا في نعت الذكور والإناث. وقال أبو عبيد والأصمعي: المخرف جناء النخل (٢). وأنكره ابن قتيبة وقال: إنما المخرف: النخل، ولا يكون جناء النخل مخروفًا، وليسَ بمخرف. وخطئ فيه، بل يقع عليهما جميعًا على الرطب والنخل، كالمشرب يقع على الماء المشروب وعلى الشرب، والمطعم يقع على المأكول، والمركب على المركوب (٣). وقوله: (عَنْهَا). وفي الباب الآخر: عليها وهي بمنعاها، وفقه الباب سلف في الباب قبله.

стр. 10081

١٦ - باب إِذَا تَصَدَّقَ أَوْ أَوْقَفَ بَعْضَ مَالِهِ، أَوْ بَعْضَ رَقِيقِهِ أَوْ دَوَابِّهِ، فَهُوَ جَائِزٌ ٢٧٥٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ؟ قَالَ: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذِي بِخَيْبَرَ. [٢٩٤٧، ٢٩٤٨، ٢٩٤٩، ٢٩٥٠، ٣٠٨٨، ٣٥٥٦، ٣٨٨٩، ٣٩٥١، ٤٤١٨، ٤٦٧٣، ٤٦٧٦، ٤٦٧٧، ٤٦٧٨، ٦٢٥٥، ٦٦٩٠، ٧٢٢٥ - مسلم: ٧١٦، ٢٧٦٩ - فتح: ٥/ ٣٨٦] ذكر فيه حديث كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ؟ قَالَ: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذِي بِخَيْبَرَ. هذا الحديث تقدم في الزكاة (١)، وفيه أحكام: أحدها: صدقة المرءِ بجميع ماله، وقال بعضهم: لا يجوز، والصواب استحبابه لمن يصبر على الضير والإضاقة، كما فعل الصديق حيث تصدق بمالِه كله (٢) وأقره الشارع عليه (٣).

стр. 10082

قَالَ ابن بطال: واتفق مالك والكوفيون والشافعي وأكثر العلماء على أنه يجوز للصحيح أن يتصدق بمَاله كله في صحته، إلا أنهم استحبوا أنه يُبقي لنفسه منه ما يعيش به خوف الحاجة، وما يتقي من الآفات مثل الفقر وغيره؛ لقوله ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" ويروى: "أمسك عليك ثلث مالك" (١) فحض على الأفضل (٢). قَالَ ابن التين: ومذهب مالك أنه يجوز إذا كان له صناعة أو حرفة يعود بها على نفسه وعياله وإلا فلا ينبغي له ذلك. ثانيها: أن الغنى أفضل من الفقر، وأن الكفاف أفضل منهما؛ لقوله: "فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" وقد سلف ذَلِكَ في الزكاة في باب: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" (٣). ثالثها: استدل البخاري بأنه لما جازت الصدقة بالعقار، ووقف غلاتها على المساكين جاز ذَلِكَ في الرقيق والدواب، إذ المعنى واحد في انتفاع المساكين بغلاتها وبقاء أصولها، وقد سلف ذَلِكَ في باب: الشروط في الوقف، وسيأتي الاختلاف في وقف الرقيق والحيوان بعد. رابعها: أن من تاب الله عليه أو خلصه من (مسألة) (٤) نزلت به ينبغي له أن يشكر الله تعالى على ذلك بالصدقة وبما شاكلها من أفعال البر. خامسها: قَالَ الداودي: وفيه أن السمع شهادة.

стр. 10083

١٧ - باب مَنْ تَصَدَّقَ إِلَى وَكِيلِهِ ثُمَّ رَدَّ الوَكِيلُ إِلَيْهِ ٢٧٥٨ - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَقُولُ اللهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بِيرُحَاءَ -قَالَ: وَكَانَتْ حَدِيقَةً كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَسْتَظِلُّ بِهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا- فَهِيَ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ، أَرْجُو بِرَّهُ وَذُخْرَهُ، فَضَعْهَا- أَيْ رَسُولَ اللهِ- حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَخْ يَا أَبَا طَلْحَةَ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَبِلْنَاهُ مِنْكَ وَرَدَدْنَاهُ عَلَيْكَ، فَاجْعَلْهُ فِي الأَقْرَبِينَ". فَتَصَدَّقَ بِهِ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى ذَوِي رَحِمِهِ، قَالَ: وَكَانَ مِنْهُمْ أُبَيٌّ وَحَسَّانُ، قَالَ: وَبَاعَ حَسَّانُ حِصَّتَهُ مِنْهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَقِيلَ لَهُ: تَبِيعُ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ؟! فَقَالَ: أَلَا أَبِيعُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِصَاعٍ مِنْ دَرَاهِمَ؟ قَالَ: وَكَانَتْ تِلْكَ الحَدِيقَةُ فِي مَوْضِعِ قَصْرِ بَنِي حُدَيْلَةَ الذِي بَنَاهُ مُعَاوِيَةُ. [انظر: ١٤٦١ - مسلم: ٩٩٨ - فتح: ٥/ ٣٨٧] ذكر فيه حديث إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قال: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَنَسٍ، فذكر حديث بيرحاء السالف في الزكاة بطوله من حديث ابن يوسف، عن مالك، عن إسحاق أنه سمع أنسًا فذكره (١)، وموضع الدلالة منه قوله: (فهي إلى الله وإلى رسوله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال: "قد قبلناه منك ورددناه عليك فاجعله في الأقربين" فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه.

стр. 10084

والبخاري ساقه هنا فقال: حدثنا إسماعيل، أخْبرَنِي عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن إسحاق به. والمزي في (١) "أطرافه" بلفظ: وقال إسماعيل -هو ابن أبي أويس- أخْبرَنِي عبد العزيز. فذكره، كذا ذكره معلقًا (٢)، والذي ألفيناه في أصل الدمياطي مسندًا. وفي كتاب أبي مسعود وخلف: وقال إسماعيل بن جعفر. والصواب: ابن أبي أويس.

стр. 10085

١٨ - باب قَوْلِ اللهِ : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] ٢٧٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ، وَلَا وَاللهِ مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ، هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ، وَذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ، وَوَالٍ لَا يَرِثُ، فَذَاكَ الَّذِي يَقُولُ بِالمَعْرُوفِ، يَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ. [٤٥٧٦ - فتح: ٥/ ٣٨٨] ثم ساق عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هذِه الآيَةَ نُسِخَتْ، وَلَا والله مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ بها، هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ، وَذَلكَ الذِي يَرْزُقُ، وَوَالٍ لَا يَرِثُ، فَذَاكَ الذِي يَقُولُ بِالمَعْرُوفِ، يَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ. هذا الحديث من أفراده وذكره في: التفسير من حديث عكرمة ثم قَالَ: تابعه سعيد عن ابن عباس -يعني هذا- بزيادة. قَالَ: هي (محكمة) (١) وليست منسوخة (٢). وادعى أبو مسعود في "أطرافه" إرساله، والوافي بالاصطلاح أنه موقوف، قَالَ ابن أبي حاتم في "تفسيره": وممن قَالَ: إنها محكمة جماعة، وعدد فوق العشرة منهم عطاء، ثم ساق، عن عطاء، عن ابن عباس أنه نسختها آية المواريث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك مما قل منه أوكثر (٣).
следующие страницы →