← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 9976–10015 · переход к 9981.

стр. 9976

الفدع أن يصطك كعباه وتتباعد قدماه يمينًا وشمالًا. وقال ابن الأعرابي: الأفدع: الذي يمشي على ظهر، قدميه، وعن الأصمعي: هو الذي ارتفع أخمص رجله ارتفاعًا لو وطئ صاحبها على عصفور ما آذاه (١). وقال ثابت في "خلق الإنسان": إذا زاغت القدم من أصلها من الكتب وطرف الساق فذاك الفدع، رجل أفدع وامرأة فدعاء، وقد فدع فدعا. وقال في "المخصص": هو عوج في المفاصل أو داء، وأكثر ما يكون في الرسغ فلا يستطاع بسطه. وعن ابن السكيت: الفدعة موضع الفدع (٢). وقال القزاز وصاحب "الجامع" وابن دريد في "الجمهرة"، وأبو المعالي في "المنتهى": هو انقلاب الكف إلى إنسيها (٣)، زاد القزاز وقيل: هو التْوِاء رسغ الفرس من قبل الوحش، وإقبال مركب الشظاة في الجهة من وجنتها على ما يليها من رأس الشظاة من اليد الأخرى، ووطءٍ منه على وجنتي يديه جميعًا. وقال الخطابي: أصل الفدع في الرجل وهو زيغ ما بينها وبين عظم الساق، يقال: رجل أفدع إذا التوت رجله من ذلك الموضع قال: والكوع في اليدين هو (تعوج) (٤) اليدين من قبل الكوع، وهو رأس الزند مما يلي الإبهام (٥).

стр. 9977

وقال الجوهري: رجل أفدع بيِّن الفدع، وهو المعوج الرسغ من اليد والرجل فيكون منقلب الكف أو القدم إلى إنسيهما (١). وقال ابن فارس: هو عوج في المفاصل كأنها زالت عن أماكنها قال: وقيل: إنه انقلاب الكف إلى إنسيهما. يقال: فدع بكسر الدال (٢). وقال الداودي: فدعت رجلاه أي ضربت حتى أثر فيهما. ثانيها: قوله: (عامل يهود خيبر على أموالهم) يعني: التي كانت لهم قبل أن يفيئها الله على المسلمين. قال الداودي عن مالك: كانت خيبر صلحًا، وإنما أخرجهم عمر؛ لقوله ﵇: "لا يبقين دينان بأرض العرب" (٣) والصحيح أن خيبر أخذت عنوة، وقد صالحهم على النصف لما تخوفوا أن يصنع بهم ما صنع. والذي ذكره ابن عبد البر وغيره عن مالك الثاني (٤) وهو قول جماعة من المؤرخين: البخاري ومسلم، وحكاه ابن سعد، عن بشير بن يسار (٥)، وقاله غير واحد أيضًا. وقال بعضهم: فتح بعضها عنوة وبعضها صلحًا. وقوله: ("نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ") أي: إذا أمرنا في حقكم بغير ذلك فعلناه كما قاله ابن الجوزي. وفيه: جواز العقد مشاهرة ومشافهة خلافًا للشافعي. واختلف أصحاب مالك: هل يلزمه واحد مما سمى أو لا يلزمه شيء؟

стр. 9978

ويكون كل واحد منهما بالخيار كذا في "المدونة" والأول قول عبد الملك فإذا شرع في العمل في النخل لزمه سنة. وقوله: (هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهَمَتُنَا)، أي: عدواتهم متحققة في صدورنا. وفيه: أن المسلمين لم يروا أن ذلك منهم نقض للعهد أو لعلهم لم يتمالئوا عليه. وفيه: أن أموال المسلمين كانت مقسومة. والتهمة: أصلها الواو؛ لأنها من الوهم، وهي محركة الهاء، وضبطت في بعض النسخ بالسكون. وقوله: (وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ) يقال: جلا القوم عن مواضعهم جلاءً، وأجليتهم أنا إجلاءً وجلوتهم (١). قاله ابن فارس (٢)، وقال الهروي: يقال جلا عن وطنه، وأجلى وجلا بمعنى واحد، والإجلاء: الإخراج من الوطن والمال على وجه الإزعاج والكراهة. وقوله: (فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ)، أي: عزم. يقال: أجمع الأمر إجماعًا إذا عزم؛ قاله ابن عرفة وابن فارس (٣)، ويقال: أجمع على أمره عزم عليه. وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي: جعله جميعًا بعدما كان متفرقًا. وكان إجلاؤه إياهم إلى تيماء وأريحاء من أرض الشام، وبنو الحقيق هم رؤساؤهم. ثالثها: القلوص: الأنثى من النعام والإبل، وقيل: هي الناقة من

стр. 9979

النوق على السير، وقيل: هي الطويلة القوائم. وقوله: (كَانَتْ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي القَاسِمِ)، قيل: حلف عمر، وقال: ما هو بالهزل، ولكنه الفصل يريد قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالهَزْلِ (١٤)﴾ [الطارق: ١٣ - ١٤]. وفيه: دلالة أن العداوة توجب المطالبة بالجنايات، كما طالبهم عمر بفدعهم ابنه. ورجح ذلك بأن قال: (ليس لنا عدو غيرهم)، فعلق المطالبة بشاهد العداوة، فأخرجهم من الأرض على ما كان أوصى به رسول الله ﷺ ، وإنما ترك عمر مطالبتهم بالقصاص في فدع ابنه، لأنه فدع ليلًا وهو نائم، كما قاله المهلب، فلم يعرف ابن عمر أشخاص من فدعه، فأشكل الأمر كما أشكل أمر عبد الله بن سهل حين وداه رسول الله ﷺ من عند نفسه (١). وفيه: أن أفعال النبي ﷺ وأقواله محمولة على الحقيقة على وجهها لا على الهزل حتى يقوم دليل المجاز والتعريض، وإنما أقر ﵇ يهود خيبر على أن سالمهم في أنفسهم، ولا حق لهم في الأرض، واستأجرهم على المساقاة، ولهم شطر الثمرة، فلذلك أعطاهم عمر قيمة شطر الثمر من إبل وأقتاب وحبال يستقلون بها؛ إذ لم يكن لهم في رقعة الأرض شيء. رابعها: استدل بعضهم من هذا الحديث أن المزارع إذا أكرهه رب الأرض بجناية بدت منه أن له أن يخرجه بعد أن يبتدئ في العمل، ويعطيه

стр. 9980

قيمة عمله، ونصيبه كما فعل عمر، وقال غيره إنما يجوز إخراج المساقي والمزارع عند رءوس الأعوام وتمام الحصاد والجداد. خاتمة: الترجمة على جواز اشتراط الخيار من المالك إلى غير أمد، والحديث لا يدل على ذلك كما نبه عليه ابن المنير. قال: والصحيح أن الخيار لا بد من تقييده بمدة يجوز مثلها الخيار، وإن أطلق نزل في كل عقد على ما يليق به من المدة التي في مثلها يقع الخيار. والحديث غير متناول للترجمة لاحتمال أن يريد: نقركم ما لم يَشَأ الله إجلاءكم منها؛ لأن المقدور كائن، ولا ينافي وجود استرسال الأحكام الشرعية، وقد تنفسخ العقود اللازمة بأسباب طارئة، وقد لا تنفسخ، ولكن يمتنع مباشرة أحد المتعاقدين لاستيفاء المنفعة كما لو ظهر فساد العامل على المساقاة وجنايته، فإن مذهب مالك إخراجه، وكذلك مستأجر الدار إذا أفسد، فهذا -والله أعلم- مراد الحديث؛ أي يستقرون فيها ما لم يجاهروا بفساد، فإذا شاء الله إجلاءكم تعاطيتم السبب المقتضي للإخراج فأخرجتم، وليس في الحديث أنه ساقاهم مدة معينة إما لأنهم كانوا عبيدًا للمسلمين، ومعاملة السيد لعبده لا يشترط فيها ما يشترط في الأجنبي؛ لأن العبد مال السيد، وله على ماله سلطنة الانتزاع فكان الجميع ماله، وإما لأن المدة لم تنقل مع تحررها حينئذٍ (١).

стр. 9981

١٥ - باب الشُّرُوطِ فِي الجِهَادِ وَالمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الحَرْبِ وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ والشروط مع الناس ٢٧٣١ و ٢٧٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ- قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ بِالغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً فَخُذُوا ذَاتَ اليَمِينِ". فَوَاللهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ التِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ. فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلأَتِ القَصْوَاءُ، خَلأَتِ القَصْوَاءُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا خَلأَتِ القَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ" ثُمَّ قَالَ: "وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا". ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ، قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ المَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ العَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ -وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ- فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الحُدَيْبِيَةِ، وَمَعَهُمُ العُوذُ المَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ البَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الحَرْبُ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً، وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ". فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا

стр. 9982

تَقُولُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا قَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ذَوُو الرَّأْىِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ. قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَلَسْتُمْ بِالوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَوَلَسْتُ بِالوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟. قَالُوا: لَا. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ لَكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِهِ. قَالُوا: ائْتِهِ. فَأَتَاهُ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ؟ هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى؟ فَإِنِّي وَاللهِ لأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: امْصُصْ بَبَظْرَ اللاَّتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟! فَقَالَ: مَنْ ذَا قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: أَمَا وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لأَجَبْتُكَ. قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ المِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. فَقَالَ: أَيْ غُدَرُ، أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟ وَكَانَ المُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمَّا الإِسْلَامَ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا المَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَىْءٍ". ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ. قَالَ: فَوَاللهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، وَاللهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ

стр. 9983

وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا، وَاللهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، فَاقْبَلُوهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَذَا فُلَانٌ، وَهْوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ". فَبُعِثَتْ لَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: رَأَيْتُ البُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ. فَقَالَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَذَا مِكْرَزٌ، وَهْوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ". فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو. قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ". قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: هَاتِ، اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ. فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ". ثُمَّ قَالَ: "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ". فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ البَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَاللهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ". قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ "لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا". فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ البَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ". فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا

стр. 9984

ضُغْطَةً، وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ. فَكَتَبَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا. قَالَ المُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللهِ! كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟! فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلِمِينَ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ". قَالَ: فَوَاللهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَأَجِزْهُ لِي". قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ. قَالَ: "بَلَى، فَافْعَلْ". قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا؟! أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟! وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللهِ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: "بَلَى". قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: "بَلَى". قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: "إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهْوَ نَاصِرِي". قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: "بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: "فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ". قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وَهْوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ. قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَامَ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ. قَالَ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: "قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا". قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ

стр. 9985

بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا، ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ -رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ- وَهْوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا. فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللهِ إِنِّي لأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا. فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ. فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ، حَتَّى أَتَى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: "لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا". فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُتِلَ وَاللهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، قَدْ وَاللهِ أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ". فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ. قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِى بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ بِاللهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهْوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤ - ٢٦] وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ البَيْتِ. [انظر: ١٦٩٤، ١٦٩٥ - فتح: ٥/ ٣٢٩]

стр. 9986

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿مَعَرَّةٌ﴾ العُرُّ الجَرَبُ. ﴿تَزَيَّلُوا﴾ انمازوا وَحمَيْتُ القَومَ: مَنَعْتُهُمْ حِمَايَةُ، وَأحْمَيْتُ الِحمَى: جَعَلْتُة حِمى لا يُدْخَلُ وأَحْمَيْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَغْضَبْتَة إحمَاءً] ٢٧٣٣ - وَقَالَ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوا إِلَى المُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَحَكَمَ عَلَى المُسْلِمِينَ، أَنْ لَا يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ: قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الخُزَاعِيِّ، فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ، فَلَمَّا أَبَى الكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] وَالعَقِبُ مَا يُؤَدِّي المُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الكُفَّارِ، فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الكُفَّارِ اللاَّئِي هَاجَرْنَ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ المُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا. وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ الثَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي المُدَّةِ، فَكَتَبَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. [انظر: ٢٧١٣ - مسلم: ١٨٦٦ - فتح: ٥/ ٣٣٣] ذكر فيه حديث المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، وساق حديث الحديبية. وهو أتم ما جاء في سياقته، وقد شرحناه في باب كيف يكتب الصلح تعجيلًا (١). ونذكر هنا ما أهملناه هناك، وتكلمنا هناك على قوله: ("ما خَلأَتِ القَصْوَاءُ") والقصواء -ممدودة- ناقته ﵇. قال الخطابي: وكانت مقصوة الأذن؛ وهو قطع طرفها (٢).

стр. 9987

وقال الداودي: سميت بذلك؛ لأنها كانت لا تكاد أن تسبق، وكأنهم لها يقولون: أفضل السبق والجري؛ لأن آخر كل شيء أقصاه، ويقال لها: العضباء لأن طرف أذنها كان مقطوعًا. وقال ابن فارس: العضباء: لقب ناقته، وهي لغة: المشقوقة الأذن (١)، والذي قاله أهل اللغة -كما ذكره ابن التين- أن القصواء مأخوذة من القصا وهو صدف في أذن الناقة، وجاء بلفظ فاعل، ومعناه: مقصوة قال الأصمعي: ولا يقال: بعير أقص، قال: وضبط القُصوى بضم القاف والقصر في بعض النسخ، وفي بعضها بالفتح والمد وهو الصحيح في اللغة. قال في "أدب الكاتب": القُصوى -بالضم والقصر- شذ من بين نظائره وحقه أن يكون بالياء مثل: الدنيا والعليا؛ لأن الدنيا من دنوت، والعليا من علوت (٢). قوله: (مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ). قال الداودي: تهامة مكة وما حولها من البلد، وحدها من جهة المدينة العرج ومنتهاها إلى أقصى اليمن. وقال ابن فارس: التهم: شدة الحر وركود الريح. قال: وبذلك سميت تهامة. يقال: أتهم: أتى تهامة (٣). وقوله: (فقال: إِنِّي تَرَكْتُ عَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ، وكَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ) هما قبيلان من قريش.

стр. 9988

وقوله: (وهو من قوم يعظمون البدن) أي: ليسوا ممن يستحلها، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ﴾ [المائدة: ٢] فكانوا يعلمون شأنها، ولا يصدون من أمَّ البيت الحرام فأمر رسول الله ﷺ بإقامتها لهم من أجل علمه بتعظيمه لها ليخبر بذلك قومه فيخلوا بينه وبين البيت. والبدُن: من الإبل، والبقر، وقيل: لها بدن لسمنها وهي الهدايا. وقوله: (رأيت البدن قد قلدت وأشعرت) فيه دلالة على جواز ذلك، وخالف فيه أبو حنيفة كما سلف حيث قال: لا يجوز الإشعار، وصفته أن يكون عرضًا من العنق إلى الذنب، وفي كتاب ابن حبيب: طولًا، ويكون ذلك في الشق الأيسر. هذا مشهور قول مالك. وخالف في "المبسوط" فقال: في الأيمن. وقوله في مِكْرَزٍ: ("هوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ") يحتمل أن يكون أُخبر بالوحي أو أن يكون ذلك ظاهر حاله، وأراد مساوئ أفعاله غير الشرك. وأنكر سهيل البسملة؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم. وكان النبي ﷺ في بدء الإسلام يكتب كذلك فلما نزلت: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] فلما نزلت: ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] كتب: الرحمن، فلما نزلت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ [النمل: ٣٠] كتب كذلك، وأدركتهم حمية الجاهلية. والميم في قوله: ("اللَّهُمَّ") بدل من ياء في قول البصريين، وقال الكوفيون: المعنى يا الله أمنا بخير فهي مضمنة ما يسأل فيها، وفي إجابة النبي ﷺ لهم في ذلك بعض المسامحة. وفيه: إجابة النبي ﷺ لهم في أمور الدين ما لم يكن مضرًّا بأصله.

стр. 9989

وقوله: (أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً) أي: مفاجأة، قاله الداودي، وقال الجوهري: يقال: ضغطه يضغطه ضغطًا زحمه إلى حائط ونحوه ومنه ضغطة القبر. و (الضُغْطَةً) بالضم: الشدة والمشقة. يقال: ارفع عنا هذِه الضغطة، وأخذت فلانًا ضُغطةً إذا ضيقتَ عليه لتُكْرِهَهُ على الشيء (١). وسهيل أسلم بعد وحسن إسلامه، خرج في خلافة عمر إلى الجهاد فمات هناك، وكان من المؤلفة قلوبهم. وقوله: (يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ) سلف في باب الصلح مع المشركين وأنه مشي المقيد، أي: يثب وثبًا خفيفًا قدر استطاعته. وقوله: (أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ) أي: أعاقدك. وقوله: (فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا)، قد أسلفت عن ابن الجوزي أنه إشارة إلى الاستغفار والاعتذار. وقوله: (أن عمر طلق امرأتين: قريبة بنت أبي أمية، وابنة جرول الخزاعي، فتزوج قريبة معاوية، وتزوج الأخرى أبو جهم). وقال قبله: إنه تزوج إحداهما صفوان بن أمية. وذكر بكر في كتاب "الأحكام" قولين كما تقدم وهي: بنت جرول، قيل: بالحاء وقيل بالجيم. و (قريبة) (٢) -بفتح القاف- كذا بخط الدمياطي، وقال ابن التين: ضبطها بعضهم بالضم، وبعضهم بالفتح.

стр. 9990

وقوله: (فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ) أي: مات. ويقال للسيوف: البوارد، أي: القواتل (١). وقال الداودي: إذا مات برد جسمه، فلم يبق فيه من حر الضرب شيء. وقوله: ("رأى هذا ذعرًا") أي: فزعًا. يقال: ذُعر فهو مذعور. وقوله: (معه عِصَابَةٌ) أي: جماعة. وقوله: (فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ تُنَاشِدُهُ الله وَالرَّحِم) أي: يسألونه بالله. قال الداودي أي: يذكرونه بالله. وقوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ لما أرسل رسول الله ﷺ سؤال قريش من أتاه فهو آمن. وقال الداودي: ألقي في قلوبهم، ولكنه ﵇ ترك القتال، وقال قتادة: كف أيدي المشركين حين خرجوا إلى الحديبية وكف أيديهم عنكم. قال: فطلع رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: زنيم فرماه المشركون فقتلوه، فبعث النبي ﷺ فأخذوا اثني عشر فارسًا فأتوا بهم رسول الله ﷺ . فقال: "لكم عهد أو ذمة؟ "، قالوا: لا. فأطلقهم فنزلت عليه الآية (٢). وقوله: ﴿وَالهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥] أي: محبوسًا. وقوله: ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥] أي: تقتلوهم. وقوله: ﴿مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: عيب.

стр. 9991

وقوله: (نزلت: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ﴾ الآية [الممتحنة: ١١]، والعقب: ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، وقيل: أن تغزي في هذِه الغزاة غزاة أخرى فيعطوا المؤمنين من الفيء ما فاتهم من أزواجهم من المهور. وقال الزهري: هذا في المسلم تخرج زوجته إلى بلد الشرك ولا يجيء منهم أحد، فعلى المسلمين إذا غنموا أن يعطوه صداقها (١). وقال مسروق: معنى ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ أي: غنمتم (٢)، وقال الأعمش: هي منسوخة، وقيل: هذا كله مما ترك العمل به وهو معنى ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. وفيه: الحكم على الغائب، قاله الداودي والمعاقبة بمثل ما يؤتى إلى المرء في الأمانة في المال وغيره. وقوله: (بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ)، هو بالباء الموحدة المفتوحة، وكذا بالهمزة المفتوحة في أسيد. وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بضم الهمزة، وبعضهم بفتحها وكسر السين قيل: وهو الصحيح؛ لأن أبا بصير مهاجر، وكل مهاجري أسيد بفتحها، وفي الأنصار ضمها. واستثنى هذا بعضهم، وقال: هذا يوافق الأنصار أنه بالضم. وفي الحديث من الفقه: جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم إذا رأى لذلك الإمام وجهًا. وفيه: كتابة الشروط التي تنعقد بين المسلمين والمشركين والإشهاد عليها ليكون ذلك شاهدًا على من رام نقض ذلك والرجوع فيه.

стр. 9992

وفيه: الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش، وطلب غرتهم إذا بلغتهم الدعوة. وفيه: جواز التنكيب عن الطريق بالجيوش وإن كان في ذلك مشقة. وفيه: بركة التيامن في الأمور كلها. وفيه: أن ما عرض للسلطان وقواد الجيوش وجميع الناس مما هو خارج عن العادة يجب عليهم أن يتأملوه وينظروا الشبهة في قضاء الله في الأمم الخالية، ويمسكوا صواب الخير فيه، ويعلموا أن ذلك مثل ضرب لهم، ونبهوا عليه كما امتثله الشارع في أمر ناقته وبرُوكها في قصة الفيل؛ لأنها كانت إذا وجهت إلى مكة بركت، وإذا صرفت عنها مشت كما دأب الفيل، وهذا خارج عن العادة؛ فعلم أن الله صرفها عن مكة كالفيل. ولذلك قال: "لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا"، يريد بذلك موافقة الرب ﷻ في تعظيم الحرمات؛ لأنه فهم عن الله إبلاغ الأعذار إلى أهل مكة فأبقى عليهم لما كان سبق لهم في علمه أنهم سيدخلون في دينه أفواجًا، وقد سبق. وفيه: علامات النبوة وبركته عليه أفضل الصلاة والسلام وبركة السلاح المحمولة في سبيل الله، ونبع الماء من السهم، وإنما قدم ﵇ مكة غير مستأمن مما كان بينه وبين أهل مكة من الحرب والمناصبة والعداوة، ولا أخذ إذنهم في ذلك؛ لأنه جرى على العادة من أن مكة غير ممنوعة من الحجاج والمعتمرين، فلما علم الله تعالى أنهم صادُّوه ومقاتلوه حبس الناقة عن مكة كما حبس الفيل تنبيهًا له على الإبقاء عليهم. وقوله: ("إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الحَرْبُ") على وجه بذل النصيحة للقرابة التي كانت بينهم، فقال لهم: "إن شئتم ماددتكم" أي: صالحتكم

стр. 9993

مدة تستجمون فيها إن أردتم القتال، وتدعوني مع الناس، يعني: طوائف العرب، فإن ظهرت عليهم دخلتم فيما دخلوا فيه. وإنما نصحهم رسول الله ﷺ لما فهم عن الله في حبس الناقة أنهم سيدخلون في الإسلام، فأراد أن يجعل بينهم مدة يقلب الله تعالى فيها قلوبهم، وفي لين قول بديل وعروة (١) لقريش دليل على أنهم كانوا أهل إصغاء إلى رسول الله ﷺ وميل إليه كما قال في الحديث. وقول عروة له: (أرأيت إن استأصلت قومك) دليل على أنه ﵇ كان يومئذٍ في جمع يخاف منه عروة على أهل مكة الاستئصال لو قاتلهم وقد سلف ذلك. خاتمة: في مواضع مفرقة من الحديث أيضًا: تدلكهم بالنخامة منه على وجه التبرك ورجاء نفعها في أعضائهم. وفيه: طهارة النخامة بخلاف من نجسها ونجس الماء بها، إنما أكثروا من ذلك بحضرة عروة، وتزاحموا عليه لأجل قوله: (إني لأرى وجوهًا وأشوابًا من الناس .. ) إلى آخره، فأروه أنهم أشد اغتباطًا وتبركًا بأمره وتثبتًا في نصرته من القبائل التي تراعي الرحم بينهم. وفيه: التفاؤل من الاسم وغيره كما سلف، وقول سهيل: ما نعرف الرحمن. قد أخبر الرب ﷻ عن العرب بذلك حيث قال: ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]. وفي يمين المسلمين: (والله لا نكتب إلا البسملة) أن أصحاب السلاطين [يجب عليهم مراعاة أمره] (٢) وعونه وعزة الله تعالى التي

стр. 9994

بها عزة السلطان، وتركه إبرار قسمهم مع أنه أمرنا بإبراره، إنما هو مندوب إليه فيما يحسن ويجمُل. وأما من حلف عليه في أمر لا يحسن ولا يجمُل في دين ولا مروءة فلا يجيب إليه، كما لم يجب إلى ما حلف عليه أصحابه؛ لأنه كان يئول إلى انخرام المقاضاة بالصلح، مع أن ما دعا إليه سهيل لم يكن إلحادًا في أسمائه تعالى، وكذلك ما أباه سهيل من كتابة محمد رسول الله ليس فيه إلحاد في الرسالة؛ فلذلك أجابه ﵇ إلى ما دعا إليه مع أنه لم يأنف سهيل من هذا إلا أنه كان مساق العقد عن أهل مكة، وقد جاء في بعض الطرق: (هذا ما قاضى عليه أهل مكة رسول الله)، فخشي أن ينعقد في مقالهم الإقرار برسالته، وقد سلف أيضًا. وقوله: (وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ) يدل أن المقاضاة إنما انعقدت على الرجال دون النساء، فليس فيه نسخ حكم النساء على هذِه الرواية؛ لأن النساء لم يردهن كما رد الرجال؛ من أجل أن الشرط إنما وقع برد الرجال خاصة، ثم نزلت الآية في أمر النساء حين هاجرن إلى رسول الله ﷺ مبينة لما تقدم من حكم ذلك، وقد سلف ذلك أيضًا. وقوله لسهيل: ("إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ")، أراد أن يخلص أبا جندل، وقد كان تم الصلح بالكلام، والعقد قبل أن يكتب. وفيه: أن من صالح أو عاقد على شيء بالكلام ولم يوف له به، أنه بالخيار في النقض. وأما قول عمر وما قرر عليه رسول الله ﷺ من أنهم على الحق: (ولِمَ نُعْطِ الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا) أي: نرد من استجار بنا من المسلمين إلى المشركين. فقَالَ له: "إِنِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ" تنبيهًا لعمر كما سلف.

стр. 9995

وفيه: جواز المعارضة في العلم حتى تبين المعاني. وفيه: أن الكلام محمول على العموم حتى يقوم عليه دليل الخصوص. ألا ترى أن عمر حمل كلامه على الخصوص؛ لأنه طالبه بدخول البيت في ذلك العام فأخبره أنه لم يعده بذلك في ذلك العام، بل وعده وعدًا مطلقًا في الدهر حتى وقع فدل أن الكلام محمول على العموم حتى يأتي دليل الخصوص. وفي قوله: (فإنك آتيه) دليل أنه من حلف على فعل ولم يوقت وقتًا أن وقته أيام حياته. قال ابن المنذر: فإن حلف بالطلاق ليفعلن كذا إلى وقت غير معلوم. فقالت طائفة: لا يطؤها حتى يفعل الذي حلف عليه فأيهما مات لم يرثه صاحبه، هذا قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي والنخعي، وأبى عبيد. وقالت طائفة: إن مات ورثته وله وطؤها، روي هذا عن عطاء. وقال يحيى بن سعيد: ترثه إن مات، وقال مالك: إن ماتت امرأته يرثها، وقال الثوري: إنما يقع الحنث بعد الموت، وبه قال أبو ثور، وقال أبو ثور أيضًا: إذا حلف ولم يوقت فهو على يمينه حتى يموت، ولا يقع حنث بعد الموت، فإذا مات لم يكن عليه شيء. قال ابن المنذر: وهذا النظرُ. وقالت طائفة: يضرب لها أجل المولى أربعة أشهر. روي هذا عن: القاسم وسالم، وهو قول ربيعة ومالك والأوزاعي. وقال أبو حنيفة: إن قال: أنت طالق إن لم آت البصرة، فماتت امرأته قبل أن يأتي البصرة، فله الميراث، ولا يضره أن لا يأتي

стр. 9996

البصرة بعد؛ لأن امرأته ماتت قبل أن يحنث، ولو مات قبلها حنث، وكان لها الميراث؛ لأنه فارٌّ ولأن الطلاق إنما وقع عليها قبل الموت بقليل، فلها الميراث. ولو قال لها أنت طالق إن لم تأت البصرة أنت، فماتت فليس له منها ميراث، وإن مات قبلها فلها الميراث، ولا يضرها أن لا تأتي البصرة. وفيه قول سادس؛ حكاه أبو عبيد عن بعض أهل النظر قال: إن أخذ الحالف في التأهب لما حلف عليه والسعي فيه حين تكلم باليمين حتى يكون متصلًا بالبر، وإلا فهو حانث عند ترك ذلك. قال ابن المنذر: في هذا الحديث دليل أن من لم يحد ليمينه أجلًا، أنه على يمينه ولا يحنث إن وقف عن الفعل الذي حلف يفعله. وتوقُف أصحاب النبي ﷺ عن النحر والحلق لمخالفتهم العادة التي كانوا عليها، أن لا ينحر أحد حتى يبلغ الهدي محله، ولا يحلق إلا بعد الطواف والسعي حتى شاور الشارع أم سلمة، فأراه الله بركة المشورة ففعل ما قالت، فاقتدى به أصحابه. فكذلك لو فعل في حجة الوداع ما أمر به أصحابه من الحلاق والحل ما اختلف عليه اثنان. معنى هذا من الفقه: أن الفعل أقوى من القول. وفيه: جواز مشاورة النساء ذوات الفضل والرأي، وأما إسلامه ﵇ لأبي بصير وصاحبه إلى رسل مكة هو على ما انعقد في الرجال. وأما قتلُ أبي بصير لأحد الرسل بعد أن (أسلمة) (١) إليهم النبي ﷺ فليس عليه حراسة المشركين ممن يدفعه إليهم، ولا عليه القود ممن قتل

стр. 9997

في الله وجاهد؛ لأن هذا لم يكن من شرطه ولا طالب أولياء القتيل رسول الله ﷺ بالقود من أبي بصير على ما سلف. وقول أبي بصير لرسول الله ﷺ : (قد أوفى الله ذمتك) أنك رددتني إليهم كما شرطت لهم، ولا تردني الثانية فلم يرض رسول الله ﷺ إلا بما لا شك فيه من الوفاء، فسكت عنه، ونبهه على ما ينجو به من كفار قريش بتعريض عرض له به. وذلك قوله: "لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ" يعني: من ينصره ويمنعه، فعلمها أبو بصير وخرج سيف البحر، وجعل يطلب غرة أهل مكة وأذاهم، حتى لحق به أبو جندل وجماعة، فرضي المشركون بحلّ هذا الشرط، وأن يكفيهم الشارع نكايته ويكف عنهم عاديته. وقوله: (ما كانوا يؤدونه إلى المشركين عوضًا مما أنفقوا على أزواجهم المهاجرات في ذلك الصلح) فهو منسوخ عن الشعبي وعطاء ومجاهد، وقد سلف.

стр. 9998

١٦ - باب الشُّرطِ فِي القَرْضِ ٢٧٣٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارِ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. [انظر: ١٤٩٨ - فتح: ٥/ ٣٥٢] وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَعَطَاءٌ: إِذَا أَجَّلَهُ فِي القَرْضِ جَازَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارِ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. هذا الحديث سلف موصولًا والكلام عليه (١)، وما ذكره عن ابن عمر وعطاء، خالف فيه أبو حنيفة حيث قال: إذا كان القرض إلى أجل أو غير أجل، فله أن يأخذه منه متى أحب. وكذلك العارية ولا يجوز عنده تأخير القرض البتة. وبنحوه قال الشافعي وخالفهما مالك، وراجع ذلك في باب الاستقراض والديون.

стр. 9999

١٧ - باب المُكَاتَبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ التِي تُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄ فِي المُكَاتَبِ: شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ -أَوْ عُمَرُ-: كُلُّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا، عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ. ٢٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الوَلَاءُ لِي. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَكَّرْتُهُ، ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ". [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٥/ ٣٥٣] وَقَالَ جَابِرُ فِي المُكَاتَبِ: شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ. وقال ابن عمر -أو عمر-: كل شرط خالف كتاب الله فهو باطل وإن اشترط مائة شرط. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا، عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ. ثم ساق حديث عَائِشَةَ في قصة بريرة. وقد سلف ذلك في أبواب الكتابة في باب نحو هذا (١).

стр. 10000

١٨ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الاِشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا فِي الإِقْرَارِ وَالشُّرُوطِ التِي يَتَعَارَفُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا قَالَ: مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: قَالَ رَجُلٌ لِكَرِيِّهِ: أَدْخِلْ رِكَابَكَ، فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَلَمْ يَخْرُجْ، فَقَالَ شُرَيْحٌ مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: إِنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا وَقَالَ: إِنْ لَمْ آتِكَ الأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَيْعٌ. فَلَمْ يَجِىْ، فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ أَخْلَفْتَ. فَقَضَى عَلَيْهِ. ٢٧٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ". [٦٤١٠، ٧٣٩٢ - مسلم: ٢٦٧٧ - فتح: ٥/ ٣٥٤] وَقَالَ ابن عَوْنٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ: قَالَ رَجُلٌ لِكَرِيَّهِ: أَدْخِلْ رِكَابَكَ، فَإِنْ لَمْ (أَرْحَلْ) (١) مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَلَمْ يَخْرُجْ، قال شُرَيْح: مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنِ ابن سِيرِينَ: إِنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا وَقَالَ: إِنْ لَمْ آتِكَ الأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَيْع. فَلَمْ يَجِئْ، فَقَالَ شُرَيْح لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ أَخْلَفْتَ. فَقَضَى عَلَيْهِ. ثم ساق حديث أبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إِنَّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ".

стр. 10001

الشرح: وقع في بعض النسخ باب ما لا يجوز .. إلى آخره بإثبات (لا)، والصواب: حذفها كما أوردناه، وكذا هو ثابت في رواية أبي ذر وغيره، وحديث أبي هريرة يشهد له. وما ذكره عن ابن سيرين من الحظر للنهي عنه، ومن أكل أموال الناس بالباطل، ولا يجوز اشتراط ذلك عند أكثر العلماء وقضى به شريح؛ لأنه من طريق العدة والتطوع، ومن تطوع بشيء يستحب له إنجازه وإنفاذه، إلا أن جمهور الفقهاء لا يقضون بوجوب العدة وإنما يستحبون الوفاء بها، وعادة المكارين يخرجون إبلهم إلى المراعي ويتواعدون في الرحيل، فربما حصل لبعض من كاراه مانع فيتضرر بالعلف فيقول: إن لم أرحل معك يوم كذا، فلك كذا تعلف به إبلك. والأثر الثاني: قال الداودي: قال بعض أصحابنا: ولا أعلم ما يمنع منه. وقال مالك: البيع جائز والشرط باطل. وقال بعض أصحابنا: هو بيع فاسد. وقال آخر: إن ضربا من الأجل ما يجوز أن يضرب في مثل تلك السلعة للخيار جاز، وإلا لم يجز. وقال ابن بطال: اختلف العلماء في جواز ذلك؛ فقال ابن الماجشون: الشرط والبيع جائزان، وحمله محمل بيع الخيار إلى وقت مسمى، فإذا جاز الوقت فلا خيار له، ويبطل البيع، ومصيبته قبل ذلك من البائع، كان ذلك بيده أو بيد المبتاع على سنة بيع الخيار، وممن أجازهما هنا الثوري وأحمد وإسحاق وقال أبو حنيفة: إن كان الأجل ثلاثة أيام فالبيع جائز. وقال محمد بن الحسن: يجوز الأجل أربعة أيام وعشرة أيام.

стр. 10002

وقال مالك في "المدونة": من باع سلعة وشرط إن لم ينقده المشتري إلى أجل فلا بيع بينهما. فهذا بيع مكروه؛ فإن وقع ثبت البيع وبطل الشرط، ومصيبة السلعة من البائع حتى يقبضها المشتري (١). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٢) وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه أيضًا، وسرد الأسماء، ولفظه: "إن لله تسعة وتسعين أسمًا مائة إلا واحدًا، إنه وتر، من حفظها دخل الجنة" ثم ذكرها. وقال في آخره: قال زهير: فبلغنا عن غير واحدٍ من أهل العلم أن أولها يُفْتَح بقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى (٣). وأخرجه الترمذي أيضًا، وسرد الأسماء، ثم قال: غريب، وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث، وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ وليس له إسناد صحيح (٤). وخرجه الحاكم من طريق الترمذي ثم قال: هذا حديث قد خرجاه في الصحيحين بأسانيد صحيحة دون ذكر الأسامي فيه، والعلة فيه عندهما: أن الوليد بن مسلم تفرد به كذلك، ولم يذكرها غيره، وليس هذا بعلة فإني لا أعلم خلافًا بين أئمة الحديث، أن الوليد أوثق

стр. 10003

وأحفظ وأعلم من أبي اليمان وبشر بن شعيب وعلى بن عياش، وأقرانهم من أصحاب شعيب، ثم برهن لما ذكره (١). وأخرجه ابن حبان أيضًا في "صحيحه" (٢). إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: ليس فيه نفي غير هذِه الأسماء وذكرت هذِه لشُهرتها كما نبه عليه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٣). وأما ابن حزم فزعم أن من زاد شيئًا في الأسماء عن التسعة والتسعين فقد ألحد في أسمائه؛ لأنه قال: "مائة إلا واحد" فلو جاز أن يكون له اسم زائد، لكانت مائة (٤). وذكر بعض المتصوفة أن لله ألف اسم كما أن لرسوله مثلها. ثانيها: معنى: "أَحْصَاهَا": حفظها كما سلف، وقيل: عدها، فلا يقتصر على بعضها، وقيل: أطاقها بحسن المراعاة لها، وحفظ حدودها في معاملة الرب تعالى بها، وقيل معناه: عرفها وعقل معانيها وآمن بها. وقال الزجاج: "من أحصاها". يريد بها توحيد الله تعالى وإعظامه، وقال ابن الجوزي: لعل المراد من قرأ القرآن حتى يختمه، فمن حفظه إذن دخل الجنة؛ لأن جميع الأسماء فيه.

стр. 10004

ثالثها: أسماؤه تعالى منقسمة بين عقائد خمس -نبه عليها الحليمي-: إثبات الباري؛ ليقع به مفارقة التعطيل ووحدانيته؛ ليقع بها البراءة من الشرك، وأنه ليس بجوهر ولا عرض؛ ليقع به البراءة من التشبيه (١). وأن وجود كل ما سواه كان من قِبَلِ إبداعهِ واختراعه إيِّاه؛ لتقع البراءة من قول من يقول بالعلة والمعلول. وأنه مدبر ما أبدع ومصرفه على ما يشاء؛ لتقع به البراءة من قول من قال بالطبائع أو بتدبير الكواكب أو الملائكة. رابعها: قوله: ("مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا") هو تأكيد للجملة الأولى؛ ليرفع به وهم من يتوهم في النطق أو الكتابة. و ("مِائَةً"): منصوب بدلًا من ("تسعة وتسعين"). ("مَنْ أَحْصَاهَا"): خبر وهي المقصودة لعينها، والجملة الأولى مقصودة لها؛ لأنها تحصر الأسماء فيما ذكر. خامسها: الحديث نص على جواز استثناء القليل من الكثير، ولا خلاف في جوازه بين أهل اللغة والفقه والغريب، قال الداودي: وأجمعوا أن من استثنى في إقراره ما بقي بعده بقية، ما أقر به أن له ثنياه؛ فإذا قال

стр. 10005

له: علي ألف إلا تسعمائة وتسعة وتسعين صح ولزمه واحد قال: وكذلك لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين لقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]. قال ابن التين: وهذا الذي ذكره الداودي أنه إجماع ليس كذلك، ولكن هو مشهور مذهب مالك. وقد ذكر الشيخ أبو الحسن قولًا ثالثًا في قوله: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين أنه يلزمه الثلاث. وذكر القاضي في "معونته" عن عبد الملك وغيره أنه يقول: لا يصح الاستثناء الأكثر. واحتجاج الداودي بهذِه الآية غير بين، وإنما الحجة في ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٤٠] فإن جعلت المخلصين أكثرهم فقد استثناهم، وإن جعلت الغاوين الأكثر فقد استثناهم أيضًا. والخلاف شهير في استثناء الكثير من القليل، وهو مذهب الفقهاء وأهل اللغة من أهل الكوفة، وأنشد الفراء منه: أدوا التي نقضت تسعين من مائة … ثم ابعثوا حكمًا بالعدل حكامًا فاستثنى تسعين من مائة؛ ولأن الاستثناء إخراج فإذا جاز إخراج الأقل جاز إخراج الأكثر. ومذهب البصريين من أهل اللغة وابن الماجشون المنع فيه، وإليه ذهب البخاري حيث أدخل هذا الحديث هنا فاستثنى القليل من الكثير. واحتج ابن قتيبة بأن تأسيس الاستثناء على تدارك قليل من كثير أغفله لقلته ثم تداركه بالاستثناء، فلأن الشيء قد ينقص نقصانًا يسيرًا، فلا يزول

стр. 10006

عنه اسم الشيء بنقصان القليل؛ فإذا نقص أكثره زال عنه الاسم، ألا ترى أنك لو قلت: صمت هذا الشهر إلا تسعة وعشرين يومًا أحال؛ لأنه صام يومًا واليوم لا يسمى شهرًا. ومما يزيد في وضوح هذا، أنه يجوز لك أن تقول: صمت الشهر كله إلا يومًا واحدًا فيؤكد الشهر وتستقصي عده بكل، ولا يجوز: صمت الشهر كله إلا تسعة وعشرين يومًا، وتقول: لقيت القوم جميعًا إلا واحدًا أو اثنين، ولا يجوز أن تقول: القوم جميعًا إلا أكثرهم.

стр. 10007

١٩ - باب الشُّرُوطِ فِي الوَقْفِ ٢٧٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنْبَأَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُ بِهِ؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا". قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَفِي القُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ. قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ سِيرِينَ فَقَالَ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا. [انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٥/ ٣٥٤] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ، عن عمر (١) في وقفه أرضه بخيبر، وقد سلف (٢). وللواقف أن يشترط في وقفه ما شاء إذا أخرجه من يده إلى متولي النظر فيه، فيجعله في صنف واحد أو أصناف مختلفة، إن شاء في الأغنياء وإن شاء في الفقراء، أو الأقارب، أو الإناث فقط من بنيه، أو الذكور فقط، وإن كان يستحب له التسوية بين بنيه لقوله: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وسائر من ذكر، فدل أن ذلك إلى اختيار المحبس يضعه حيث يشترط، وإنما تصدق عمر بأنفس ماله؛ لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: من الآية ٩٢] فشاور الشارع في ذلك فأشار عليه بتحبيس أصله والصدقة بثمره.

стр. 10008

٥٥ كِتابُ الوَصَايَا

стр. 10009

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٥٥ - كِتابُ الوَصَايَا [١ - باب الوَصَايَا] وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ". وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَي: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾: إلي قوله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨٢]. ﴿جَنَفًا﴾: مَيْلًا، ﴿مُتَجَانِفٍ﴾ مَائِلٌ. ٢٧٣٨ - حَدَّثَنَا عبد اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا حَقُّ آمْرِئٍ مُسْلِمِ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَة عِنْدَهُ". [مسلم: ١٦٢٧ - فتح: ٥/ ٣٥٥] تَابَعَهُ محَمَّدُ بْن مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ . ٢٧٣٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، خَتَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا

стр. 10010

وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَة البَيْضَاءَ وَسِلَاحَة وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. [٢٨٧٣، ٢٩١٢، ٣٠٩٨، ٤٤٦١ - فتح: ٥/ ٣٥٦] ٢٧٤٠ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْصَى؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ. [٤٤٦٠، ٥٠٢٢ - مسلم: ١٦٣٤ - فتح: ٥/ ٣٥٦] ٢٧٤١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا ﵄ كَانَ وَصِيًّا. فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي -أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي- فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ [٤٤٥٩ - مسلم: ١٦٣٦ - فتح: ٥/ ٣٥٦] ثم ساق أربعة أحاديث: أحدها: حديث ابن عُمَرَ -تابعه محمد بن مسلم عن عمرو، عن ابن عمر- عن رسول الله ﷺ : "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمِ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَة عِنْدَهُ". من طريق مَالك عن نافع، عنه. ثانيها: حديث عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، خَتَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. ثالثها: حديث طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أوْصَى؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ. رابعها: حديث عَائِشَةَ ذكر عندها أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا. فَقَالَتْ: مَتَى

стр. 10011

َأَوْصَى إِلَيْهِ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إلى صَدْرِي -أَوْ قَالَتْ: حجْرِي- فَدَعَا بالطَّسْتِ، فَلَقَدِ أنْخَنَثَ فِي حجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أوْصَى إِلَيْهِ؟ الشرح: (الوَصَايَا): جمع وصية، أصلها من وصيت الشيء أصيه إذا وصلته، فكأنه وصل ما بعد مماته بحياته. وفي "الباهر" لابن عديس: الوصية و (الوصاية) (١). والوصاية -بفتح الواو وكسرها: الاسم من أوصى الرجل ووصاه، وحكاهما الجوهري أيضًا (٢)، أعني: الوصايا بفتح الواو وكسرها. والحديث المعلق أسنده بعد. ومعنى (﴿كُتِبَ﴾): فرض أو ندب، المعنى: إذا كنتم في حال تخافون منها الموت فأوصوا. و (الخَيْر): المال الكثير، قالته عائشة وجماعة (٣). وعن علي أنه أربعة آلاف فما دونها نفقة (٤)، وتُوقِّف في صحته عنه.

стр. 10012

وعن عائشة: من له أربعمائة دينار وله عدة من الولد، قالت: باقي هذا فضل عن ولده (١). (﴿حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ﴾): قَالَ: كانت الوصية للولد والوالدين والأقربين فنسخ الله من ذَلِكَ ما أحب إلى من يرث، وقال الحسن وجماعة: هي واجبة للقرابة (غير) (٢) الوارثين (٣)، وقيل: المراد بها من لا يرث من الأبوين كالكافر والعبد. وقال الشعبي والنخعى: إنما كانت للندب (٤). قَالَ طاوس: إن أوصى لأجنبي وترك قريبه محتاجًا نزعت منه ورُدَّت على القريب (٥). وقال الحسن وإسحاق: إذا أوصى لغير وارثه بالثلث جاز له ثلث المال، وأخذ أقاربه الثلثين (٦). (والجَنَف): الميل، كما ذكره البخاري، وهو ما ذكره أكثرهم كما قاله ابن التين، وقال الضحاك: الخطأ والإثم العمد (٧)، وقال طاوس: هو الرجل يوصي لولد ابنته (٨). يريد ابنته.

стр. 10013

قال ابن بطال: وذلك مردود بإجماع. فإن لم يرد فوصيته من الثلث، ذكره في باب: الصدقة عند الموت (١). ومعنى ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾: أي غير مائل إلى حرام، كما ذكره البخاري حيث قَالَ: (﴿مُتَجَانِفٍ﴾): مائل. وهو ما ذكره الطبري عن عطاء (٢)، وقال أبو عبيدة: جورًا عن الحق وعدولًا (٣). إذا تقرر ذَلِكَ: فحديث ابن عمر أخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع عنه كما سلف به، ورواه عبد الله بن نمير وعبدة بن سليمان، عن عبيد الله، عن نافع (٤)، كما رواه مالك، أفاده ابن حزم قَالَ: ورواه (يونس) (٥) بن يزيد عن نافع أيضًا كذلك (٦)، وكذا رواه ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، [عن ابن شهاب] (٧) عن سالم بن عبد الله، عن أبيه (٨).

стр. 10014

وأخرجه مسلم من حديث أيوب عن نافع: "ما حق امرئ يوصي بالوصية وله مال يوصي فيه؛ تأتي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده" ومن حديث يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، عن نافع أيضًا، وفي لفظ: "يبيت ثلاث ليالٍ" (١) وروى ابن عون عن نافع: "لا يحل لامرئ مسلم له مال" (٢) قَالَ أبو عمر: لم يتابع ابن عون على هذِه اللفظة. ورواه سليمان بن موسى عن نافع، وعبد الله بن نمير عن عبيد الله عن نافع: "وعنده مال" قَالَ أبو عمر: وهذا أولى عندي من قول من قَالَ: شيء؛ لأن الشيء قليل المال وكثيره، وقد أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا الشيء اليسير التافه من المال أنه لا يندب إلى الوصية (٣). قلتُ: في هذا شيء ستعرفه قريبًا عن الزهري، وذكر أبو مسعود في "تعليقه" أن مسلمًا عنده: "يبيت ليلة" ولم (يؤخذ) (٤) فيه كما نبه عليه ابن الجوزي وغيره، قَالَ ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قَالَ ذَلِكَ إلا وعندي وصيتي (٥). وقد اختلف العلماء في وجوب الوصية على من خلف مالًا بعد أن تعلم أن حديث ابن عمر، فيه الحض على الوصية؛ خشية فجأة الموت، والإنسان على غير عدة ونسيان- فقالت طائفة: الوصية واجبة على ظاهر الآية.

стр. 10015

قَالَ الزهري: جعل الله الوصية حقًا مما قل أو كثر (١). قيل لأبي مجلز: على كل عشر وصية؟ قَالَ: كل من ترك خيرًا (٢). وبهذا قَالَ ابن حزم (٣)؛ تمسكًا بحديث مالك. قَالَ: وروينا من طريق عبد الرزاق، عن الحسن بن عبيد الله. قَالَ: كان طلحة بن عبيد الله والزبير يشددان في الوصية (٤)، وهو قول عبد الله بن أبي أوفى، وطلحة بن مصرف، والشعبي، وطاوس (٥)، وغيرهم. قَالَ: وهو قول أبي سليمان وجميع أصحابنا. وقالت طائفة: ليست واجبة، كان الموصي موسرًا أو فقيرًا، هو قول النخعي (٦) والشعبي (٧)، وهو قول مالك والثوري والشافعي. قالَ: -أعني الشافعي- قوله: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمِ" يحتمل ما الحزم، ويحتمل ما المعروف في الأخلاق إلا هذا من جهةَ الفرض. واحتجوا برواية يحيى بن سعيد التي فيها: يريد أن يوصي فيه (٨). فرد الأمر إلى إرادته، والشارع لم يوص، ورووا أن ابن عمر لم يوص (٩)، وهو
следующие страницы →