← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.

стр. 10081

١٦ - باب إِذَا تَصَدَّقَ أَوْ أَوْقَفَ بَعْضَ مَالِهِ، أَوْ بَعْضَ رَقِيقِهِ أَوْ دَوَابِّهِ، فَهُوَ جَائِزٌ ٢٧٥٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ؟ قَالَ: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذِي بِخَيْبَرَ. [٢٩٤٧، ٢٩٤٨، ٢٩٤٩، ٢٩٥٠، ٣٠٨٨، ٣٥٥٦، ٣٨٨٩، ٣٩٥١، ٤٤١٨، ٤٦٧٣، ٤٦٧٦، ٤٦٧٧، ٤٦٧٨، ٦٢٥٥، ٦٦٩٠، ٧٢٢٥ - مسلم: ٧١٦، ٢٧٦٩ - فتح: ٥/ ٣٨٦] ذكر فيه حديث كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ؟ قَالَ: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذِي بِخَيْبَرَ. هذا الحديث تقدم في الزكاة (١)، وفيه أحكام: أحدها: صدقة المرءِ بجميع ماله، وقال بعضهم: لا يجوز، والصواب استحبابه لمن يصبر على الضير والإضاقة، كما فعل الصديق حيث تصدق بمالِه كله (٢) وأقره الشارع عليه (٣).

стр. 10082

قَالَ ابن بطال: واتفق مالك والكوفيون والشافعي وأكثر العلماء على أنه يجوز للصحيح أن يتصدق بمَاله كله في صحته، إلا أنهم استحبوا أنه يُبقي لنفسه منه ما يعيش به خوف الحاجة، وما يتقي من الآفات مثل الفقر وغيره؛ لقوله ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" ويروى: "أمسك عليك ثلث مالك" (١) فحض على الأفضل (٢). قَالَ ابن التين: ومذهب مالك أنه يجوز إذا كان له صناعة أو حرفة يعود بها على نفسه وعياله وإلا فلا ينبغي له ذلك. ثانيها: أن الغنى أفضل من الفقر، وأن الكفاف أفضل منهما؛ لقوله: "فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" وقد سلف ذَلِكَ في الزكاة في باب: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" (٣). ثالثها: استدل البخاري بأنه لما جازت الصدقة بالعقار، ووقف غلاتها على المساكين جاز ذَلِكَ في الرقيق والدواب، إذ المعنى واحد في انتفاع المساكين بغلاتها وبقاء أصولها، وقد سلف ذَلِكَ في باب: الشروط في الوقف، وسيأتي الاختلاف في وقف الرقيق والحيوان بعد. رابعها: أن من تاب الله عليه أو خلصه من (مسألة) (٤) نزلت به ينبغي له أن يشكر الله تعالى على ذلك بالصدقة وبما شاكلها من أفعال البر. خامسها: قَالَ الداودي: وفيه أن السمع شهادة.

стр. 10083

١٧ - باب مَنْ تَصَدَّقَ إِلَى وَكِيلِهِ ثُمَّ رَدَّ الوَكِيلُ إِلَيْهِ ٢٧٥٨ - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَقُولُ اللهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بِيرُحَاءَ -قَالَ: وَكَانَتْ حَدِيقَةً كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَسْتَظِلُّ بِهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا- فَهِيَ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ، أَرْجُو بِرَّهُ وَذُخْرَهُ، فَضَعْهَا- أَيْ رَسُولَ اللهِ- حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَخْ يَا أَبَا طَلْحَةَ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَبِلْنَاهُ مِنْكَ وَرَدَدْنَاهُ عَلَيْكَ، فَاجْعَلْهُ فِي الأَقْرَبِينَ". فَتَصَدَّقَ بِهِ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى ذَوِي رَحِمِهِ، قَالَ: وَكَانَ مِنْهُمْ أُبَيٌّ وَحَسَّانُ، قَالَ: وَبَاعَ حَسَّانُ حِصَّتَهُ مِنْهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَقِيلَ لَهُ: تَبِيعُ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ؟! فَقَالَ: أَلَا أَبِيعُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِصَاعٍ مِنْ دَرَاهِمَ؟ قَالَ: وَكَانَتْ تِلْكَ الحَدِيقَةُ فِي مَوْضِعِ قَصْرِ بَنِي حُدَيْلَةَ الذِي بَنَاهُ مُعَاوِيَةُ. [انظر: ١٤٦١ - مسلم: ٩٩٨ - فتح: ٥/ ٣٨٧] ذكر فيه حديث إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قال: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَنَسٍ، فذكر حديث بيرحاء السالف في الزكاة بطوله من حديث ابن يوسف، عن مالك، عن إسحاق أنه سمع أنسًا فذكره (١)، وموضع الدلالة منه قوله: (فهي إلى الله وإلى رسوله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال: "قد قبلناه منك ورددناه عليك فاجعله في الأقربين" فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه.

стр. 10084

والبخاري ساقه هنا فقال: حدثنا إسماعيل، أخْبرَنِي عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن إسحاق به. والمزي في (١) "أطرافه" بلفظ: وقال إسماعيل -هو ابن أبي أويس- أخْبرَنِي عبد العزيز. فذكره، كذا ذكره معلقًا (٢)، والذي ألفيناه في أصل الدمياطي مسندًا. وفي كتاب أبي مسعود وخلف: وقال إسماعيل بن جعفر. والصواب: ابن أبي أويس.

стр. 10085

١٨ - باب قَوْلِ اللهِ : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] ٢٧٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ، وَلَا وَاللهِ مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ، هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ، وَذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ، وَوَالٍ لَا يَرِثُ، فَذَاكَ الَّذِي يَقُولُ بِالمَعْرُوفِ، يَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ. [٤٥٧٦ - فتح: ٥/ ٣٨٨] ثم ساق عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هذِه الآيَةَ نُسِخَتْ، وَلَا والله مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ بها، هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ، وَذَلكَ الذِي يَرْزُقُ، وَوَالٍ لَا يَرِثُ، فَذَاكَ الذِي يَقُولُ بِالمَعْرُوفِ، يَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ. هذا الحديث من أفراده وذكره في: التفسير من حديث عكرمة ثم قَالَ: تابعه سعيد عن ابن عباس -يعني هذا- بزيادة. قَالَ: هي (محكمة) (١) وليست منسوخة (٢). وادعى أبو مسعود في "أطرافه" إرساله، والوافي بالاصطلاح أنه موقوف، قَالَ ابن أبي حاتم في "تفسيره": وممن قَالَ: إنها محكمة جماعة، وعدد فوق العشرة منهم عطاء، ثم ساق، عن عطاء، عن ابن عباس أنه نسختها آية المواريث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك مما قل منه أوكثر (٣).

стр. 10086

قَالَ: وروي عن جماعة عددهم نحوه، ونقل نسخها أبو داود في "ناسخه" عن سعيد بن المسيب والضحاك، وقال النحاس: أحسن ما قيل في الآية أنها على الندب (١). قلتُ: وهو قول أكثر أهل العلم. وقيل: إن الآية محمولة على الوصية لمن ذكر في الآية وفيمن حضر، ولو كان الوارث صغيرًا فهل يجب على وليه الإخراج من نصيبه؟ قولان: حكاهمَا الماوردي في "تفسيره" على أنها محكمة، أحدها: لا، ويقول الولي لهم قولًا معروفًا. -أي: خذوا بورك لكم-. كما قاله سعيد بن جبير، وأكثر أهل العلم على أنها محكمة (٢). قَالَ مجاهد: هي محكمة، وواجب عند قسم الميراث ما طابت به أنفسهم. قَالَ البخاري: هذا مجاهد يقول بوجوبها بالإسناد الذي يدفع صحته، وهذا خلاف ما روي عنه عن ابن عباس، غير أن هذا الإسناد أصح، وأمر ابن المسيب أن يوصي بثلثه في قرابته. قَالَ الطبري: وأولى هذِه الأقوال من قَالَ: إنها محكمة، وإنه عني بها الوصية لأولي قربى الموصي، وعنى باليتامى والمساكين أن يقال لهم قول معروف (٣). وأما ابن حزم فقَالَ في "محلاه": فرض على الورثة البالغين وعلى وصي الصغار ووكيل الغائب أن يعطوا حين القسمة ما طابت به أنفسهم مما لا يجحف بالورثة، ويجبرهم الحاكم على ذَلِكَ إن أبوا، وتلا الآية الكريمَة، وذكر ما روي عن ابن عباس، وأبي موسى وقسم لحطان (٤)

стр. 10087

بقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] قَال: وصح أيضًا عن عروة وابن سيرين وحميد بن عبد الرحمن الحميري ويحيى بن يعمر والشعبي والنخعي والزهري والحسن وأبي العالية والعلاء بن بدر وسعيد بن جبير ومجاهد، وروي عن عطاء، وهو قول أبي سليمان قَال: وروي أنها ليست بواجبة عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وأبي مالك وزيد بن أسلم، وبقول أبي حنيفة ومالك والشافعي قَال: ولا نعلم لأهل هذا القول حجة أصلًا (١). ونقل ابن الجوزي عن أكثر المفسرين أنهم قالوا: المراد بأولي القرابة هنا: من لا يرث. وفسروا قوله: ﴿فَاَرْزُقوُهُم﴾ أعطوهم من المال. وقال آخرون: أطعموهم. وذلك على سَبيل الاستحبَاب، ومن قَال بالإيجاب قَال: إن كانوا كبارًا تولوا الإعطاء وإلا فوليهم (٢). وقول ابن عباس: (ولكنها مما تهاون الناس) أي: بتأويلها. ورأى غيره أنها محكمة كما سلف، وأن يطعم من حضر ممن سمى غير الورثة، وكان بعضهم يصنع الطعام من تركة الميت ويطعم من حضر ممن ذكر في الآية، وذكر إسماعيل القاضي أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حيَّة، فلم يدع في الدار مسكينًا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، وتلا الآية. قَال القاسم بن محمد: فذكرت ذَلِكَ لابن عباس فقال: ما أصاب، إنما ذَلِكَ في الوصية يريد الميت أن يوصي. وقال ابن المسيب: إنما ذَلِكَ في الثلث عند الوصية (٣). وقد فعله كما تقدم.

стр. 10088

وروى قتادة عن يحيى بن يعمر قَالَ: ثلاث آيات في كتاب الله محكمات مدنيات قد ضيعهن الناس، فذكر هذِه الآية وآية الاستئنذان: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ [النور: ٥٨] في العورات الثلاث، وهذِه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (١) [الحجرات: ١٣] قال قتادة في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [النساء: ٩] قَالَ: إذا حضرت وصية ميت فأمره بما كنت تأمر به نفسك مما يتقرب به إلى الله، وخف في ذلك ما كنت تخافه على ضعفهم لو تركتهم بعدك، فاتق الله وقيل قولًا سديدًا إن هو زاغ (٢).

стр. 10089

١٩ - باب مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُتَوَفَّى فَجْأَةً أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُ، وَقَضَاءِ النُّذُورِ عَنِ المَيِّتِ ٢٧٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسَهَا، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا". [انظر: ١٣٨٨ - مسلم: ١٠٠٤ - فتح: ٥/ ٣٨٨] ٢٧٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ. فَقَالَ: "اقْضِهِ عَنْهَا". [٦٦٩٨، ٦٩٥٩ - مسلم: ١٦٣٨ - فتح: ٥/ ٣٨٩] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسها، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصدَّقَتْ، أَفَأَتَصدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا". وحديث ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْزٌ. فَقَالَ: "اقْضِهِ عَنْهَا". الشرح: معنى: (افتلتت): أخذت نفسها فجأة يقال: افتلت الشيء إذا أخذته فجأة، وكل شيء عوجل مبادرة فهو فلتة. قَالَ صاحب "المطالع": كذا ضبطناه (نفسها) بالفتح على المفعول به الثاني، وبضمها على الأول، والنفس مؤنثة وهي هنا: الروح، وقد تكون بمعنى الذات، و (أُراها) بضم الهمزة: أظنها. أما حكم الباب:

стр. 10090

ففيه: أن الولد ينبغي أن يفعل عن والده ما يظن أنه يود فعله. وفيه: قضاء النذر، وقد أخرجه من حديث مالك، ومالك إنما يراه في المال، وقد جاء مفسرًا في الصوم وغيره (١)، وقد سلف الخلف فيه، ولم يأخذ به أصحاب مالك سوى محمد بن عبد الحكم. وقام الإجماع على أن الصدقة تنفع الميت، عملًا بقوله: "نَعَمْ" وقيل: يحتمل أن يكون المتصدق عنها يهبها الأجر بعد وقوع الصدقة عن المتصدق وظاهر الحديث خلافه، ولا يبعد أن يثاب المرء بفعل غيره كما يغتاب ويسرق ماله، يوضحه الحديث السالف: "إذا تصدقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها بما كسب، وللخازن مثل ذلك" (٢) ويدل على نفعه بالصدقة حديث أبي هريرة الثابت: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية" (٣) وحديث سعد بن عبادة لما أمره ﷺ أن يتصدق عن أمه: أي الصدقة أفضل؟ قَالَ: "سقي الماء" (٤) ودلت عليه الآيات عن رسول الله ﷺ أن تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] على الخصوص. قَالَ ابن المنذر: وأما العتق عن الميت فلا أعلم فيه خبرًا يثبت عن رسول الله ﷺ ، وقد ثبت عن عائشة أنها أعتقت عبيدًا عن أخيها عبد الرحمن، وكان مات ولم يوص.

стр. 10091

وأجاز ذَلِكَ الشافعي. قَالَ بعض أصحابه: لما جاز أن يتطوع بالصدقة وهي مال، فكذا العتق. وفرق غيره بينهما فقال: إنما أجزناها للأخبار الثابتة، والعتق لا خبر فيه بل في قوله: "الولاء لمن أعتق" (١) دلالة على منعه؛ لأن الحي هو المعتق بغير أمر الميت فله الولاء، فإذا ثبت له الولاء فليسَ للميت منه شيء، وليس بصحيح؛ لأنه قد روي في حديث سعد بن عبادة أنه قَالَ للنبي ﷺ : إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ قَالَ: "نَعَمْ" (٢) فدل أن العتق ينفع الميت، ويشهد لذلك فعل عائشة السالف. وقد اختلفت الآثار في النذر الذي كان على أم سعد، فقيل: كان غير عتق. وذلك مذكور في النذور في باب: من مات وعليه نذر (٣). وقَالَ ابن المنذر: وممن كان يجيز الحج التطوع عن الميت الأوزاعي والشافعي وأحمد، ومنعها غيرهم. وقد سلف ذَلِكَ في الحج. قَالَ ابن المنذر: وفي ترك الشارع إنكار فعل المرأة التي افتلتت نفسها حَتَّى ماتت ولم توص، دلالة على أن تارك الوصية غير عاص إذ لو كان فرضًا لأخبر أنها تركت فرضًا. وأما قضاء الدين عن الميت فما لزم الذمة فلا خلاف في قضائه عن الميت، وما لزم البدن ففيه الخلاف (٤)، وقد سلف أيضًا.

стр. 10092

واعلم أن حديث ابن عباس في قصة سعد ذكره البخاري قريبًا في باب: إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود (١)، كما ستعلمه وفي لفظ: (وأراها لو تكلمت تصدقت). وفي "الموطأ" أنه قَالَ لها: أوصي. قالت: فيم أوصي؟ (إنما) (٢) (المال لابني) (٣) سعد (٤). فإن كان هذِه قصة أخرى أو لم يبلغ ذَلِكَ سعدًا فقال: (لو تكلمت تصدقت).

стр. 10093

٢٠ - باب الإِشْهَادِ فِي الوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ ٢٧٦٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- يَقُولُ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵃ -أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ- تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ [عَنْهَا] فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا. [انظر: ٢٧٥٦ - فتح: ٥/ ٣٩٠] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ السالف في باب إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة عن أمي (١). ولا شك في مطلوبية الإشهاد فيه وإذا أمر به في البيع، وهو خروج ملك عن ملك بعوض ظاهر، فالوقف أولى بذلك؛ لأن الخروج عنه بغير عوض، مع أن الأكثر في الصدقات والأوقاف أن يكون على غير عوض في الأعيان، وعبارة ابن بطال: الإشهاد واجب في الوقف ولا يتم إلا به (٢)، ولا نوافقه عليه.

стр. 10094

٢١ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢ - ٣] ٢٧٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٤] قَالَتْ: هِيَ اليَتِيمَةُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ نِسَائِهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ، إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ اسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدُ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] قَالَتْ: فَبَيَّنَ اللهُ فِي هَذِهِ أَنَّ اليَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا، وَلَمْ يُلْحِقُوهَا بِسُنَّتِهَا بِإِكْمَالِ الصَّدَاقِ، فَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ المَالِ وَالجَمَالِ تَرَكُوهَا وَالتَمَسُوا غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا، إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا الأَوْفَى مِنَ الصَّدَاقِ وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا. [انظر: ٢٤٩٤ - مسلم: ٣٠١٨ - فتح: ٥/ ٣٩١] وذكر فيه حديث عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ففسرتها وسيأتي أيضًا في النكاج (١). ومعنى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] الحرام بالحلال، أو أن تجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين، أو استعجال أكل الحرام قبل مجيء الحلال، أو كانوا لا يرثون الصغار والنساء،

стр. 10095

ويأخذ الرجل الأكثر فيتبدل نصيبه من الميراث بأخذه الكل، وهو خبيث. وقوله: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] قيل: (إلى) بمعنى: مع، والأجود أن تكون في موضعها ويكون المعنى: ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم. (حُوبًا): إنما تحوَّب من كذا: توقى إثمه، قال الفراء: الحَوْب لأهل الحجاز، والحُوْب لتميم، وقال ابن عزير: هو بالضم الاسم، وبالفتح المصدر. وروي عن ابن عباس في تفسير الآية أنه قَالَ: قصر الرجل على أربع من أجل اليتامى (١). وروي عن جماعة من التابعين أيضًا، وكان المسلمون يسألون عن أمر اليتامى لما شدد في ذَلِكَ فنزلت الآية، وتفسير عائشة عليه أهل النظر، وجماعة من أهل اللغة على قول ابن عباس. قَالَ المبرد: التقدير: وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى. ثم حذف. قَالَ مجاهد: معناه: إن خفتم ألا تعدلوا وتحرجتم أن (تلوا) (٢) أموال اليتامى تحرجوا من (الزنا) (٣) (٤) وقال غيره: المعنى: وإن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، فكذلك ينبغي أن تخافوا ألا تعدلوا بين الأربع، فانكحوا واحدة.

стр. 10096

قَالَ الداودي: وفسره ابن عباس بما هو قريب من تفسير عائشة، فقال: كما خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فخافوا مثل ذَلِكَ في يتامى النساء، فانكحوا ما طابَ لكم من النساء في ولايتكم (١). قَالَ: وفي القول اختصار، وهو أنه من القسط لهن أن يستأمرن في أنفسهن ولا يعضلن على نكاح من لم يشأن، وبينه الشارع بقوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها" (٢) وقيل: كانت قريش في الجاهلية تكثر التزوج بلا حصر، فإذا كثرت عليهم المؤن، وقيل ما بأيديهم أكلوا ما عندهم من أموال اليتامى، فقيل لهم: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا إلى الأربع حصر العدد. وقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ من طاب أو فانكحوا نكاحًا طيبًا.

стр. 10097

٢٢ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا اليَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ إلي قوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٦ - ٧] وَمَا (١) لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ اليَتِيمِ، وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ. ٢٧٦٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ -مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ- حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ثَمْغٌ، وَكَانَ نَخْلًا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ". فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ، فَصَدَقَتُهُ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِذِي القُرْبَى، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ. [انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٥/ ٣٩٢] ٢٧٦٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ. [انظر: ٢٢١٢ - مسلم: ٣٠١٩ - فتح: ٥/ ٣٩٢]

стр. 10098

ثم ساق حديث ابن عمر في صدقة عمر بثمغ وكان نخلًا. وفي آخره: (وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ) إلى آخره، وقد سلف (١)، والبخاري رواه عن هارون، وهو ابن الأشعث الهمداني الثقة، وهو من أفراده عن أبي سعيد مولى بني هاشم واسمه: عبد الرحمن (خ س ق) بن عبد الله بن عبيد البصري، نزل مكة يلقب جردقة (٢). وذكر فيه أيضًا حديث عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦]. قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ. وقد سلف أيضًا (٣)، ومعنى: ﴿وَابْتَلُوا اليَتَامَى﴾ اختبروهم في عقولهم، تميزهم وأذهانهم، وذلك أن يختبر بعد البلوغ بشيء من ماله، وظاهر القرآن أنه قبله، والمراد بالنكاح هنا: الحكم بالإنفاق، ومعنى: ﴿آنَسْتُمْ﴾ علمتم ﴿رُشْدًا﴾ عقلًا، كما قاله أبو حنيفة؛ لأنه لا يرى الحجر على حر مسلم وصلاحًا في الدين، أو صلاحًا في الدين والمال كما قَالَ الحسن والشافعي، أو صلاحًا وعلما بما يصلح، والأنثى كالذكر عند الشافعي وأبي حنيفة، ومشهور مذهب مالك أن يضاف إلى ذَلِكَ دخول الزوج بها ﴿إِسْرَافًا﴾ مجاوزة المباح، فإن فرط قيل: أسرف إسرافًا؛ فإن قصر قيل: سرف يسرف ﴿وَبِدَارًا﴾ هو أن يأكله مبادرة أن يكبر فيحول بينه وبين ماله.

стр. 10099

وقوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ قَالَ زيد بن أسلم وغيره: نسختها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وهذا ليس تجارة. وقال جماعة: غير منسوخة واختلفوا في معناها، فقالت عائشة ما في الكتاب، وقال عمر: إن غنيت تركت وإذا احتجت أكلت بالمعروف (١). وقاله ابن عباس (٢)، وفي حديث مرفوع: "كُلْ من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالك بماله" (٣) وعندنا يأكل أقل الأمرين من أجره ونفقته وقيل: أجرته. وفي رد البدل قولان أصحهما: لا. وقيل: نعم، وهو قرض، وهو قول عطاء وجماعات، وروي ذَلِكَ عن عمر وابن عباس، وتأوله الداودي على قول عمر: (إنما) (٤) أنا في هذا المال كولي اليتيم إذا استغنى عفَّ، وإن احتاج أكل ورد (٥). وتأوله الجماعة على أنه لا يرد شيئًا كما سلف. وقال ابن بطال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ هو للندب، وإن أكل بالمعروف لم يكن عليه حرج (٦).

стр. 10100

وقال ربيعة ويحيى بن سعيد: الأكل ها هنا لليتيم لا للولي، إن كان فقيرًا أنفق عليه بقدر فقره (١). وقال عكرمة وعروة والشعبي، وروي عن ابن عباس: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ قَالَ: يتقوت من ماله حَتَّى لا يصيب من مال اليتيم شيئًا (٢). والإشهاد من باب الندب خوف إنكار اليتيم، وقيل: الإشهاد منسوخ بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ أي: شهيدًا (٣) أو كافيًا من الشهود وهذا قول أبي حنيفة أن القول قول الوصي في الدفع. وقيل: معناه فيمن اقترض منه فعليه أن يشهد عند الدفع، وفسر: ﴿حَسِيبًا﴾ في رواية أبي ذر: كافيًا. وقيل: عالمًا. وقيل: مقتدرًا. وقيل: محاسبًا. وقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ نزلت بسبب أن الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث، ويقولون: لا يرث إلا من طعن بالرمح (٤). وذكر حديث عمر في الباب؛ لذكره أكل الولي منه، وليس من الباب في شيء كما قاله ابن التين؛ لأن عمر شرط ذَلِكَ وشرط إطعام الصديق بخلاف الوصي. (وثَمْغٌ) بإسكان الميم، وقد فسره بقوله: (وَكَانَ نَخْلًا). وقوله: (وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ). أي: خطير يتنافس فيه. وقال الداودي: اشتقاقه أنه يأخذ بالأنفس، وقال المهلب: إنما أدخل هذا الحديث في الباب، لأن عمر حبس ماله على أصناف وجعله إلى من يليه وينظر فيه، كما جعل مال اليتيم إلى من يليه وينظر فيه، فالنظر لهؤلاء الأصناف

стр. 10101

كالنظر لليتامى، لأنهم من جملة هذِه الأصناف (١). وقال ابن المنير: حديث عمر غير مطابق للترجمة؛ لأن عمر هو المالك لمنافع وقفه ولا كذلك الموصي على أولاده، فإنهم إنما يملكون المال بقسمة الله تعالى وتمليكه، ولا حق لمالكه فيه بعد موته، فكذلك كان المختار أن وصي اليتيم ليس له الأكل من ماله إلا أن يكون فقيرًا فيأكل (٢). وفيه من الفقه: أن عمر فهم عن الله تعالى أن لولي هذا المال أن يأكل منه بالمعروف كما قَالَ تعالى، وقوله (غير متمول) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ فدل أن ما ليس بسرف أنه جائز لولي اليتيم أن يأكله. وقوله: (لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَليَهُ) ولم يخص غنيًّا من فقير. فيه: إجازة أكل الغني مما يلي. وقال ابن بطال: جمهور علماء التأويل إنما أباحوا للولي الأكل من مال اليتيم إذا كان فقيرًا، ولم يذكروا في ذَلِكَ الغني (٣). والفقهاء على أنه لا رد، وقد روى حديث عمر ولم يذكر فيه الرد، رواه سعيد عن قتادة عن أبي مجلز عنه، ومن رأى الرد فذلك مخالف لظاهر القرآن.

стр. 10102

وأباح ابن عباس للغني أن يشرب من لبن إبل اليتيم بالمعروف من أجل قيامه عليها وخدمته لها، فكيف يجب أن يكون على الفقير أن يقضي ما أكل منها بالمعروف إذا أيسر، والنظر في ذَلِكَ أيضًا يبطل وجوب القضاء؛ لأن عمر شبه مال الله بمال اليتيم، وقد أجمعت الأمة: أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف؛ لأن الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله، فلا حجة لهم في قول عمر: (ثم قضيت) إن صح (١).

стр. 10103

٢٣ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا﴾. [النساء: ١٠] ٢٧٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ المَدَنِيِّ، عَنْ أَبِي الغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ". [٥٧٦٤، ٦٨٥٧ - مسلم: ٨٩ - فتح: ٥/ ٣٩٣] ثم ساق حديث أَبِي الغَيْثِ -واسمه سالم- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَات". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ باللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكلُ الرِّبَا، وَأَكلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّخفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ". الشرح: اليتيم في اللغة: المنفرد، وهو لمن مات أبوه، ومن البهائم: من ماتت أمه (١). ﴿نَارًا﴾ يصيرون به إلى النار، أو تمتلئ بها بطونهم عيانا يوجب النار، وعبر عن الأخذ بالأكل؛ لأنه المقصود الأغلب منه، والصلا: لزوم النار. قَالَ الداودي: وهذِه الآية أشد ما في القرآن على المؤمنين؛ لأنها

стр. 10104

خير إلا أن تريد مستحلين. وقرئ: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ بفتح الياء وضمها، والفتح أولى: ﴿سَعِيرًا﴾ مسعورة. أي: موقدة شديدًا حرها. وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم (١)، و (الموبقات): المهلكات، جمع موبقة من أوبق ووابقة: اسم فاعل من يبق وبوقًا إذا هلك، والموبق مفعل منه كالموعد؛ يقال: وبق يبق ووبق. زاد القزاز: بائق ويبيق. وذكرهما النحاس ومعناه: هلك، وعدَّ منها التولي يوم الزحف، وهو حجة على الحسن في قوله: كان الفرار كبيرة يوم بدر؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] والزحف أصله المشي المتثاقل، كالصبي يزحف قبل أن يمشي، وسمي الجيش زحفا؛ لأنه يزحف فيه، وإنما يكون الفرار كبيرة إذا فر إلى غير فئة، وإلا إذا كان العدو زائدًا على ضعفي المسلمين. و"المُحْصَنَاتِ" -بفتح الصاد وكسرها- العفيفات الغافلات عن الفواحش، وليس ذكر هذِه السبع بناف أن لا تكون كبيرة إلا هذِه، فقد ذكر في غير هذا الموضع: قول الزور، وزنا الرجل بحليلة جاره، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، واستحلال بيت الله الحرام، وغير ذلك، ويحتمل أن يكون الشارع أعلم بها في ذَلِكَ الوقت ثم أوحي إليه بعد ذَلِكَ غيرها، أو تكون السبع هي التي دعت إليها الحاجة ذَلِكَ الوقت، وكذلك القول في كل حديث خص عددًا من الكبائر (٢) قَالَ الشافعي: وأكبرها بعد الإشراك القتل. ودعوى بعضهم أنها سبع كأنه أخذ ذَلِكَ من هذا الحديث، وقال بعضهم: إحدى

стр. 10105

عشرة. وقال ابن عباس: إلى السبعين أقرب (١). وروي عنه: إلى سبعمائة. والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة (٢). "وَالسِّحْرُ" حق، ونفاه بعضهم وهو كبيرة، وقيل: لا يحرم. وتقبل توبته، خلافًا لمالك كالزنديق عنده (٣)، وقال في الذمي: لا يقتل إلا أن يدخل سحره ضررًا على المسلمين فيكون ناقضًا للعهد فيقتل ولا تقبل منه توبة غير الإسلام، وأما إن كان لم يسحر إلا أهل ملته فلا يقتل إلا إذا قتل أحدًا منهم. والمشهور انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، وادعى بعضهم أنها كلها كبائر. وعبارة بعض المالكية أن عد الفرار من الزحف من الكبائر، المراد: تغليظ أمره وتأكيد منعه وشدة العقاب عليه مما ليس في غيره. قَالَ: وليس المراد أن في المعاصي صغيرًا -على ما يقوله المعتزلة- لأن معاصيه كلها كبائر إلا أن بعضها أكثر عقابًا من بعض وأشد إثمًا، كما أن طاعته كلها يثاب عليها وفيها ما ثوابه أكثر من بعض، وسيأتي الكلام على الكبائر في كتاب: الأدب -إن شاء الله تعالى- ومقصوده هنا أن أكل مال اليتيم من الكبائر كما نص عليه في الحديث، وقد أخبر الله تعالى أن من أكله ظلمًا أنه يأكل النار ويصلى السعير، وهو عند أهل السنة إن أنفذ الله عليه الوعيد؛ لأنه عندهم تحت المشيئة كما سلف.

стр. 10106

قَالَ سعيد بن جبير: لما نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] أمسك الناس فلم يخالطوا اليتامى في طعامهم حَتَّى نزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (١) [البقرة: ٢٢٠] وليس في القرآن ويسألونك إلا ثلاث عشرة مسألة من قلة ما كانوا يسألونه، وقد بسطت الخلاف في حد الصغيرة والكبيرة في "شرح المنهاج" وقل ما سلم منها، والإصرار على الصغائر أن يتكرر مثله تكررًا يشعر بقلة مبالاته إشعار مرتكب الكبيرة، ومثله إجماع صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر، وقيل: إنه استمرار العزم على المعاودة أو استدامة الفعل بحيث يدخل فيه ذنبه في حيز ما يطلق عليه الوصف لصيرورته كبيرًا عظيمًا، وليس لزمنه وعدّه حصر، وقيل: إنه يمضي عليه وقت صلاة وما استغفر من ذَلِكَ الذنب. قَالَ ابن مسعود: الكبائر جميع ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (٢) [النساء: ٣١] وعن الحسن هي كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب (٣). وعن ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة (٤)، وبه قَالَ الأستاذ

стр. 10107

أبو إسحاق وغيره، ونقله القاضي عياض عن (مذهب) (١) المحققين (٢)؛ لأن كل مخالفة فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرة. قَالَ القرطبي: وما أظنه صحيحًا عنه -يعني ابن عباس- من عدم التفرقة بين المنهيات، فإنه قد فرق بينهما في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ﴾ [النساء: ٣١] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] فجعل من المنهيات كبائر وصغائر، وفرق بينهما في الحكم لما جعل تكفير السيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللممَ من الكبائر والفواحش، فالرواية عنه لا تصح أو ضعيفة (٣).

стр. 10108

٢٤ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٠] ﴿لأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] لأَحْرَجَكُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ، ﴿وَعَنَتْ﴾ [طه: ١١١]: خَضَعَتْ. ٢٧٦٧ - وَقَالَ لَنَا سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: مَا رَدَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّةً. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ أَحَبَّ الأَشْيَاءِ إِلَيْهِ فِي مَالِ اليَتِيمِ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ. وَكَانَ طَاوُسٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اليَتَامَي قَرَأَ: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وَقَالَ عَطَاءٌ فِي يَتَامَى الصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ: يُنْفِقُ الوَلِيُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ. [فتح: ٥/ ٣٩٤] وَقَالَ أنبأنا سُلَيْمَانُ: أنبأنا حَمَّاد، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: مَا رَدَّ ابن عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّةً. وَكَانَ ابن سِيرِينَ أَحَبَّ الأَشْيَاءِ إِلَيْهِ فِي مَالِ اليَتِيمِ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ. وَكَانَ طَاووسٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اليَتَامَى قَرَأَ: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾. وَقَالَ عَطَاءٌ فِي يَتَامَى الصَّغِير وَالكَبِير: يُنْفِقُ الوَلِيُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ. الشرح: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] تحرجوا من خلط طعامهم بأطعمة اليتامى، فعزلوا أطعمة اليتامى حَتَّى ربما فسدت عليهم، فنزلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ أي: في الطعام والشراب والسكنى واستخدام العبيد ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ وقالوا لرسول الله ﷺ : بقيت الغنم لا راعي لها والطعام ليس له صانع. فنزلت ونسخ

стр. 10109

ذَلِكَ: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ أي: يعلم من يخالطهم للخيانة، ومن لا يريد الخيانة. وقوله: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لشدد عليكم في عدم المخالطة أو يجعل ما أصبتم به من أموال اليتامى موبقًا، ولكنه يسر ووسع، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الآية [النساء: ٦]. وقول البخاري: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ (١) [طه: ١١١]. لا وجه له في هذا الموضع؛ لأن ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ (مشتق) (٢) من عنت يعنت عنتًا لام الفعل منه تاء، وهو غير معتل، وعنت الوجوه من عنا يعنو إذا خضع، معتل، لام الفعل منه واو ذهبت مع هاء التأنيث من قوله: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ عزيز في سلطانه، قادر على الإعنات، حكيم في تدبيره بترك الإعنات. قَالَ أبو عبيد: لما ذكر ما سلف أنه ناسخ. هو عندي أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار أنهم يتخارجون النفقات بينهم بالسوية، وقد يتساوون في قلة الطعام وكثرته، وليس كل من قل طعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه، فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعًا كان في غيرهم أوسع.

стр. 10110

وقوله: (ما رد ابن عمر على أحد وصيته). لعله كان يبتغي في ذَلِكَ الأجر لقوله ﷺ : "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى (١).

стр. 10111

٢٥ - باب اسْتِخْدَامِ اليَتِيمِ فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ، إِذَا كَانَ صَلَاحًا لَهُ، وَنَظَرِ الأُمِّ وَزَوْجِهَا لِلْيَتِيمِ ٢٧٦٨ - حَدَّثَنَا يَعْقوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا ابن عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الَمدِينَةَ لَيْسَ لَه خَادِمٌ، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَنَسًا غُلَام كَيِّسٌ، فَلْيَخْدُمْكَ. قَالَ: فَخَدَمْتهُ فِي السَّفَرِ وَالَحْضَرِ، مَا قَالَ لِي لِشَئ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هذا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَئ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هذا هَكَذَا؟ [٦٠٣٨، ٦٩١١ - مسلم: ٣٣٠٩ - فتح: ٥/ ٣٩٥] ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النبي ﷺ المَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خَادِم، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ، فَلْيَخْدُمْكَ. قَالَ: فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالحَضرِ، مَا قَالَ لِشَئ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هذا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَئ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصنَعْ هذا هَكَذَا؟ الشرح: فيه: نظر الرجل لربيبه إذا كان عنده. قَالَ ابن التين: وأكثر أصحاب مالك على أن الأم وغيرها لهم ولاية التصرف في مصالح من في كفالتهم ويعقدون له وعليه، وإن لم يكونوا أوصياء ويكون حكمهم حكم الأوصياء. وقيل: حَتَّى يكون بينه وبين الطفل قرابة. وقال ابن القاسم: لا يفعل ذَلِكَ إلا أن يكون وصيًّا. ووافقهم ابن القاسم في اللقيط. وقول: أنس كيس هو ضد الأحمق. وفيه: السفر باليتيم إذا كان ذَلِكَ من الصلاح.

стр. 10112

وفيه: الثناء على المرء بحضرته إذا أومن عليه الفتنة. قَالَ أنس: خدمته وأنا ابن عشر، وتوفي وأنا ابن عشرين. وتوفي أنس سنة ثلاث وتسعين أو اثنتين، وقد زاد على المائة، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، وكان في كبره ضعف عن الصوم في رمضان، وكان يفطر ويطعم. قَالَ المهلب: وفيه: جواز استخدام اليتيم الحر الصغير الذي لا يحوز أمره. وفيه: أن خدمة العالم والإمام واجبة على المسلمين، وأن ذَلِكَ شرف لمن خدمهم لما يرجى من بركة ذلك (١).

стр. 10113

٢٦ - باب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنِ الحُدُودَ فَهْوَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ ٢٧٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، [وَكَانَ] أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَاءَ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بِيرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. فَقَالَ: "بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ -أَوْ رَايِحٌ شَكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ- وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ". قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ: "رَايِحٌ". [انظر: ١٤٦١ - مسلم: ٩٩٨ - فتح: ٥/ ٣٩٦] ٢٧٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ، أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَإِنَّ لِي مِخْرَافًا، وَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ [به] عَنْهَا. [انظر: ٢٧٥٦ - فتح: ٥/ ٣٩٦] ذكر فيه حديث أَنَسِ في قصة بيرحاء. وفيه: "بَخْ بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ أَوْ رَايِحٌ" شك ابن مسلمة، وقال في آخره: (وقال إسماعيل وعبد الله بن يوسف ويحيى بن يحيى عن مالك: رايح.

стр. 10114

وحديث ابن عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ، أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَإِنَّ لِي مِخْرَافًا، وَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ [بِهِ] عَنْهَا. وقد سلف أيضًا (١)، وقوله: (مخرافًا). قَالَ الدمياطي: صوابه مَخْرَفًا، وكذا يرويه مالك في "موطئه" من حديث أبي قتادة (٢)، والمخرف -بكسر الميم- ما يجتنى فيه الثمار. قَالَ المهلب: إذا لم يبين الحدود في الوقف، فإنما يجوز إذا كان للأرض اسم معلوم يقع عليها ويتعين به كما كان بيرحاء، ولما كان المخراف معينًا عند من أشهده، وعلى هذا الوجه تصح الترجمة، وأما إذا لم يكن الوقف معينًا، وكانت له مخاريف وأموال كثيرة، فلا يجوز الوقف إلا بالتحديد والتعيين في هذا (٣). وقال ابن المنير: الوقف لازم (بالنية) (٤) واللفظ المشار به للمقصود فقد يتلفظ باسمه العلم وبحدوده، وقد يتلفظ باسمه المتواطئ خاصة، وقد يذكر العلم ولا يذكر المحدود به. والمخراف: الحائط، وقد ذكره منكرًا متواطئا، لكنه قصد مكانًا أشار إليه مطابقًا لنيته، وكلاهما لازم والترجمة مطابقة. ووهم المهلب في قوله: لا خلاف في هذا، بل لا خلاف فيما أورده البخاري في أنه إنما يفرض لجواز الوقف، وقد ثبت أن الوقف على هذِه الصورة لازم له.

стр. 10115

قَالَ ابن بطال: وفيه أن لفظ الصدقة تخرج الشيء المتصدق به عن ملك الذي يملكه قبل أن يتصدق ولا رجوع له فيه، وهو حجة لمالك في إجازته للموهوب له وللمتصدق عليه المطالبة بالصدقة وإن لم يحزها حَتَّى يحوزها، وتصح له ما دام المتصدق والواهب حيًّا، بخلاف ما ذهب إليه الكوفيون والشافعي أن اللفظ بالصدقة والهبة لا يوجب شيئًا لمعين وغيره حَتَّى يقبض، وليس للموهوب له ولا للمتصدق عليه المطالبة بها على ما سلف في كتاب: الهبات. وفي هذا الحديث دليل أن الكلام بها قد أوجب حكمًا فله المطالبة للمعين على ما قاله مالك؛ لقوله: (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ يا رسول اللهِ، فَضعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ). فلم يجز لأبي طلحة الرجوع فيها بعد قوله: إنها صدقة يا رسول الله. لأنه قد صح إخراجه لها عن ملكه بهذا اللفظ إلى من يجوز له أخذها. وفيه: أن من أخرج شيئًا من ماله لله ولم يملكه أحدًا، فجائز أن يضعه حيث أراه الله من سبل الخير، على ما تقدم قريبًا في باب: إذا وقف شيئًا ولم يدفعه إلى غيره فهو جائز، وأنه يجوز أن يشاور فيه من يثق برأيه، وليس لذلك وجه معلوم لا يتعدى، كما قَالَ بعض الناس: معنى قول الرجل: لله، وفي سبيل الله كذا دون كذا، ألا ترى أن الصدقة الموقوفة رجعت إلى قرابة أبي طلحة، ولو سبلها في وجه من الوجوه لم تصرف إلى غيره. وذهبَ مالك والشافعي إلى أن من حبس دارًا على قوم معينين أو تصدق عليهم بصدقة ولم يذكر أعقابهم، أو ذكر ولم يجعل نقدها بعدهم مرجعًا إلى المساكين أو إلى من لا يعدم وجوده من وجوه البر فمات المحبس عليهم وانقرضوا، أنها لا ترجع إلى الذي حبسها

стр. 10116

أبدًا، ورجع حبسًا على أقرب الناس بالحبس يوم رجع لا يوم حبس (١)، ألا ترى أن أبا طلحة جعل حائطه ذَلِكَ صدقة لله تعالى ولم يذكر وجهًا من الوجوه التي توضع فيه الصدقة أمره الشارع أن يجعلها في أقاربه، وكذلك كل صدقة لا يذكر لها مرجع تصرف على أقاربه للتصدق بهذا الحديث، وهذا عند مالك فيما لم يرد به صاحبه حياة المتصدق عليه، فإذا أراد ذَلِكَ فهي عنده عمرى ترجع إلى صاحبها بعد انقراض المتصدق عليه. ولمالك فيها قول ثان: إنه إذا حبس على قوم معينين ولم يجعل لها مرجعًا إلى المساكين أنها ترجع ملكًا إلى ربها كالعمرى، قيل لمالك: فلو قَالَ في صدقته هي حبس على فلان هل تكون بذلك محبسة؟ قَالَ: لا؛ لأنها لمن ليسَ بمجهول، وقد حبسها على فلان فهي عمرى؛ لأنه أخبر أن تحبسها غير دائم ولا ثابت، وأنه إلى غاية، ولم يختلف قوله: إذا قَالَ: هي حبس صدقة لأنها لا ترجع إليه أبدًا، والألفاظ التي ينقطع بها ملك الشيء عن ربه، ولا تعود إليه أبدًا عند مالك وأصحابه أن يقول حبس صدقة، أو حبس على أعقاب مجهولين مثل الفقراء والمساكين، أو في سبيل الله. فهذا كله عندهم مؤبد لا ترجع إلى صاحبها ملكًا أبدًا، وأما إذا قَالَ: حياة المحبس عليه، أو إلى أجل من الآجال. فإنها ترجع إلى صاحبها ملكًا أو إلى ورثته وهي كالعمرى والسكني. قَالَ ابن المنذر: واختلفوا في الرجل يأمر وصيه أن يضع ثلثه حيث أراه الله، فقالت طائفة: يجعله في (سبيل) (٢) الخير ولا يأكله، هذا قول مالك، وبه قَالَ الشافعي وزاد: ولا يعطيه وارثًا للميت؛ لأنه إنما كان يجوز له

стр. 10117

منه ما كان يجوز للميت. وقال أبو ثور: يجوز أن يعطيه لنفسه أو لولده أو لمن شاء ويجعله لبعض ورثة الميت، وليست هذِه وصية للميت إنما هذا أمر الموصي أن يضعه حيث شاء، وهو قول الكوفيين غير أنهم قالوا: ليس له أن يجعلها لأحد من ورثة الميت، فإن جعله لبعضهم فهو باطل مردود على جميع الورثة. وفيه: أن من تصدق بشيء من ماله بعينه أن ذَلِكَ يلزمه، وإن كان أكثر من ثلث ماله؛ لأنه ﷺ لم يقل لأبي طلحة هو ثلث مالك؟ كما قَالَ لأبي لبابة، وقال لسعد: "الثلث والثلث كثير" (١).

стр. 10118

٢٧ - باب إِذَا أَوْقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهْوَ جَائِزٌ ٢٧٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا". قَالُوا: لَا. وَاللهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ. [انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٥/ ٣٩٨] ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكمْ هذا". قَالُوا: لَا والله، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إلى اللهِ. هذا الحديث سلف في المساجد (١) وأنه كان مربدًا لتمر ليتيمين من الأنصار في حجر سعد بن زرارة فطلبه منهما وبناه مسجدًا، ووقف المشاع جائز عندنا وعند مالك (٢) وأبي يوسف كهبته وإجارته، وقال محمد بن الحسن: لا يجوز بناؤه على أصلهم (في الامتناع من إجازة المشاع (٣)، وحجة من أجازه أن بني النجار جعلوا حائطهم لمكان المسجد) (٤) وقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. وأجاز الشارع ذَلِكَ من فعلهم وكان ذَلِكَ وقفًا للمشاع، والحجة في السنة لا في خلافها.

стр. 10119

٢٨ - باب الوَقْفِ وكَيْفَ يُكْتَبُ ؟ ٢٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا". فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، فِي الفُقَرَاءِ وَالقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. [انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٥/ ٣٩٩]

стр. 10120

٢٩ - باب الوَقْفِ لِلْغَنِيِّ وَالفَقِيرِ وَالضَّيْفِ ٢٧٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ وَجَدَ مَالًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: "إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا". فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَذِي القُرْبَى وَالضَّيْفِ. [انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٥/ ٣٩٩] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ وَجَدَ مَالًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فقَالَ: "إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا". فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَذِي القُرْبَى وَالضيْفِ. وذكر قبله: باب الوقف كيف يكتب ثم ساق فيه الحديث المذكور. وأخره ابن بطال بعده (١)، ولا شك أنه ليس من شرط الوقف أن يكون للفقراء والمساكين خاصة، ألا ترى أن عمر شرط في وقفه معهما ذا القربى والضيف وقد يكون فيهم أغنياء، وكذلك قَالَ ﷺ لأبي طلحة: "إني أرى أن تجعلها في الأقربين" فجعلها لحسان (بن ثابت) (٢) وأبي بن كعب ولم يكونوا فقراء، ولم يحرم الله على الأغنياء من الصدقات إلا الزكاة وصدقة الفطر خاصة، وأحل لهم الفيء والجزية وصدقات التطوع كلها، فجائز للواقف أن يجعل وقفه لمن شاء من أصناف الناس أغنياء كانوا أو فقراء، قرباء كانوا أو بعداء له شرط في ذَلِكَ وهذا لا خلاف فيه (٣). وحديث عمر هذا أصل في إجازة الحبس والوقف، وهو قول أهل
следующие страницы →