أبدًا، ورجع حبسًا على أقرب الناس بالحبس يوم رجع لا يوم حبس (١)، ألا ترى أن أبا طلحة جعل حائطه ذَلِكَ صدقة لله تعالى ولم يذكر وجهًا من الوجوه التي توضع فيه الصدقة أمره الشارع أن يجعلها في أقاربه، وكذلك كل صدقة لا يذكر لها مرجع تصرف على أقاربه للتصدق بهذا الحديث، وهذا عند مالك فيما لم يرد به صاحبه حياة المتصدق عليه، فإذا أراد ذَلِكَ فهي عنده عمرى ترجع إلى صاحبها بعد انقراض المتصدق عليه. ولمالك فيها قول ثان: إنه إذا حبس على قوم معينين ولم يجعل لها مرجعًا إلى المساكين أنها ترجع ملكًا إلى ربها كالعمرى، قيل لمالك: فلو قَالَ في صدقته هي حبس على فلان هل تكون بذلك محبسة؟ قَالَ: لا؛ لأنها لمن ليسَ بمجهول، وقد حبسها على فلان فهي عمرى؛ لأنه أخبر أن تحبسها غير دائم ولا ثابت، وأنه إلى غاية، ولم يختلف قوله: إذا قَالَ: هي حبس صدقة لأنها لا ترجع إليه أبدًا، والألفاظ التي ينقطع بها ملك الشيء عن ربه، ولا تعود إليه أبدًا عند مالك وأصحابه أن يقول حبس صدقة، أو حبس على أعقاب مجهولين مثل الفقراء والمساكين، أو في سبيل الله. فهذا كله عندهم مؤبد لا ترجع إلى صاحبها ملكًا أبدًا، وأما إذا قَالَ: حياة المحبس عليه، أو إلى أجل من الآجال. فإنها ترجع إلى صاحبها ملكًا أو إلى ورثته وهي كالعمرى والسكني. قَالَ ابن المنذر: واختلفوا في الرجل يأمر وصيه أن يضع ثلثه حيث أراه الله، فقالت طائفة: يجعله في (سبيل) (٢) الخير ولا يأكله، هذا قول مالك، وبه قَالَ الشافعي وزاد: ولا يعطيه وارثًا للميت؛ لأنه إنما كان يجوز له
стр. 10117
منه ما كان يجوز للميت. وقال أبو ثور: يجوز أن يعطيه لنفسه أو لولده أو لمن شاء ويجعله لبعض ورثة الميت، وليست هذِه وصية للميت إنما هذا أمر الموصي أن يضعه حيث شاء، وهو قول الكوفيين غير أنهم قالوا: ليس له أن يجعلها لأحد من ورثة الميت، فإن جعله لبعضهم فهو باطل مردود على جميع الورثة.
وفيه: أن من تصدق بشيء من ماله بعينه أن ذَلِكَ يلزمه، وإن كان أكثر من ثلث ماله؛ لأنه ﷺ لم يقل لأبي طلحة هو ثلث مالك؟ كما قَالَ لأبي لبابة، وقال لسعد: "الثلث والثلث كثير" (١).
стр. 10118
٢٧ - باب إِذَا أَوْقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهْوَ جَائِزٌ
٢٧٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا". قَالُوا: لَا. وَاللهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ. [انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٥/ ٣٩٨]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكمْ هذا". قَالُوا: لَا والله، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إلى اللهِ.
هذا الحديث سلف في المساجد (١) وأنه كان مربدًا لتمر ليتيمين من الأنصار في حجر سعد بن زرارة فطلبه منهما وبناه مسجدًا، ووقف المشاع جائز عندنا وعند مالك (٢) وأبي يوسف كهبته وإجارته، وقال محمد بن الحسن: لا يجوز بناؤه على أصلهم (في الامتناع من إجازة المشاع (٣)، وحجة من أجازه أن بني النجار جعلوا حائطهم لمكان المسجد) (٤) وقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. وأجاز الشارع ذَلِكَ من فعلهم وكان ذَلِكَ وقفًا للمشاع، والحجة في السنة لا في خلافها.
٢٩ - باب الوَقْفِ لِلْغَنِيِّ وَالفَقِيرِ وَالضَّيْفِ
٢٧٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ وَجَدَ مَالًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: "إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا". فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَذِي القُرْبَى وَالضَّيْفِ. [انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٥/ ٣٩٩]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ وَجَدَ مَالًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فقَالَ: "إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا". فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَذِي القُرْبَى وَالضيْفِ.
وذكر قبله: باب الوقف كيف يكتب ثم ساق فيه الحديث المذكور. وأخره ابن بطال بعده (١)، ولا شك أنه ليس من شرط الوقف أن يكون للفقراء والمساكين خاصة، ألا ترى أن عمر شرط في وقفه معهما ذا القربى والضيف وقد يكون فيهم أغنياء، وكذلك قَالَ ﷺ لأبي طلحة: "إني أرى أن تجعلها في الأقربين" فجعلها لحسان (بن ثابت) (٢) وأبي بن كعب ولم يكونوا فقراء، ولم يحرم الله على الأغنياء من الصدقات إلا الزكاة وصدقة الفطر خاصة، وأحل لهم الفيء والجزية وصدقات التطوع كلها، فجائز للواقف أن يجعل وقفه لمن شاء من أصناف الناس أغنياء كانوا أو فقراء، قرباء كانوا أو بعداء له شرط في ذَلِكَ وهذا لا خلاف فيه (٣).
وحديث عمر هذا أصل في إجازة الحبس والوقف، وهو قول أهل
стр. 10121
المدينة والبصرة ومكة والشام والشعبي من أهل العراق، وبه قَالَ أبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي. وقَالَ أبو حنيفة وزفر: الحبس باطل ولا يخرج عن ملك الذي وقفه ويرثه ورثته، ولا يلزم الوقف عنده إلا أن يحكم به حاكم وينفذه، أو يوصي به بعد موته، وإذا أوصى به اعتبر من الثلث، فإن جمله الثلث جاز وإلا رد.
وحجة الجماعة قوله ﷺ لعمر: "إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا" وهذا يقتضي أن الشيء إذا حبس صار محبوسًا ممنوعًا منه لا يجوز الرجوع فيه؛ لأن هذا حقيقة الحبس ألا ترى أن عمر لما أراد التقرب بفعل ذَلِكَ رجع في صفته إلى بيان الشارع، وذلك قوله: (فتصدق بها عمر أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث)، وعند المخالف أن هذا باطل وليس في الشريعة صدقة بهذِه الصفة، وأيضًا فإن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن الخلفاء الأربعة وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاصي وابن الزبير وجابرًا كلهم وقفوا الوقوف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة.
واحتجاج أبي حنيفة بما رواه عطاء عن ابن المسيب قَالَ: سألت شريحًا عن رجل جعل داره حبسًا على الأخِرِ فالآخِرِ من ولده. وقالوا: لا حبس على فرائض الله قالوا: فهذا شريح قاضي عمر وعثمان وعلى والخلفاء الراشدين حكم بذلك (١) وبما رواه ابن لهيعة عن أخيه عيسى، عن عكرمة، عن ابن عباس قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول بعدما أنزلت سورة النساء وأنزل الله فيها الفرائض:
стр. 10122
"نهي عن الحبس" (١)(٢) وفي لفظ: "لا حبس بعد سورة النساء" (٣) فلا حجة فيه لضعف ابن لهيعة، -يعني: عبد الله- ونسب إلى الاختلاط، وأخوه لا يعرف (٤) ووقع في العقيلي: عثمان بدل عيسَى (٥).
ولا حجة أيضًا في قول شريح؛ لأن من تصدق بماله في صحة بدنه فقد زال ملكه عنه، ومحال أن يقال لمن زال ملكه عنه قبل موته بزمان: حبسه عن فرائض الله. ولو كان حابسًا عن فرائض الله من أزال ملكه عما ملكه لم يجز لأحد التصرف في ماله، وفي إجماع الأمة أن ذَلِكَ ليس كذلك ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول شريح أنه بمعنى إبطال الصدقات المحرمات، وثبت أن الحبس عن فرائض الله إنما هو لما يملكه في حال موته، فبطل حبسه كما قَالَ شريح ويعود ميراثًا بين ورثته.
مثاله أن يحبس مالًا على إنسان بعينه فيجعل له غلته دون رقبته، أو على قوم بأعيانهم ولا يجعل لحبسه مرجعًا في السبل التي لا يفقد أهلها بحال، فإن ذَلِكَ يكون حبسًا (عن) (٦) فرائض الله.
стр. 10123
وليس في حديث عطاء أن الرجل جعل لحبسه مرجعًا بعد انقراض ورثته ولا أخرجها من يده إلى من حبسها عليه ولا إلى (ناقض) (١) حَتَّى يحدث به الوفاة، فكانت لا شك أن صاحبها هلك وهي في ملكه ولورثته بعد وفاته، فيكون هذا من الحبس عن فرائض الله إذ كانت الصدقة لا تتم لمن تصدق بها عليه إلا بقبضه لها، وأما الصدقة التي أمضاها المتصدق بها في حياته على ما أذن الله به على لسان رسوله وعمل بها الأئمة الراشدون فليس من الحبس عن فرائض الله.
ولا حجة في قول شريح ولا أحد مع مخالفة السنة وعمل أئمة الصحابة (٢) الذين هم الحجة على جميع الخلق، ويقال لمن احتج بقول شريح في إبطال الصدقات المحرمات في الصحة إن شريحًا لم يقل: لا حبس عن فرائض الله في الصحة، فكيف وجب أن تكون صدقة المتصدق في حال الصحة من الحبس عن فرائض الله، ولا يجب أن تكون صدقته في مرضه الذي يموت فيه أو في وصيته من الحبس عن فرائض الله، ومعنى الصدقتين واحد، وكما أن في مرضه يتصدق في ثلثه كيف شاء كذا في صحته في كل ماله، فلما كان ما يفعله في ثلثه لا يدخل في "لا حبس" كذا ما كان في صحته من باب أولى.
وحديث ابن عباس مؤول بأولى من تأويل شريح، وهو أن المراد نفي ما كانت الجاهلية تفعله من السائبة ونحوها، فإنهم كانوا يحبسون ما يجعلونه كذلك، ولا يورثونه أحدًا فلما نزلت آية المواريث قَالَ:
стр. 10124
"لا حبس" (١)(٢) وهو مروي عن مالك، فإن قلت: مقتضاه نفي كل حبس فعل في الإسلام وكان في الجاهلية. قلتُ: هو نفي لما كانوا يفعلونه وهم كفار بعد الإسلام، فإن قلت: كيف تخرج من ملك أربابها لا إلى ملك مالك؟ قلتُ: لا إنكار فيخرج عن ملك مالكه إلى المالك الحقيقي، وهو الرب ﷻ بدليل المسجد (٣). قَالَ الطحاوي: وتأوله بعضهم على ما كان من الأحباس منقطع بانقطاع ما حبس عليه وبموت من حبس عليه، فيرجع جانبًا من الحبس.
تنبيهات:
أحدها: قوله: (وَجَدَ مَالًا بِخَيْبَرَ). المال هنا هو الأرض المذكورة في أوله في الرواية الأخرى، وفي الباب بعده. وذكر الطحاوي في كتابه "اختلاف العلماء" أن المال كان مائة سهم اشتراها (استجمعها) (٤) وفي "المحلى" لابن حزم: وتصدق بمائة وسق حبسها بوادي القرى (٥).
ثانيها: فيه أن خيبر قسمت و (أخذ) (٦) كل أحد ماله. والأنفس: الأجود. قَالَ الداودي: اشتقاقه أنه يأخذ بالأنفس من جلالته قَالَ: وفيه: أن مفهوم الخطاب يجري مجرى الخطاب لقوله: كيف تأمرني به؟
ثالثها: الحبس: المنع. وحكى الداودي عن الكوفي وأصحابه وشريح أن الأحباس تورث، وإنما يجوز ما قبض في حياته، قَالَ:
стр. 10125
وهم يقولون: يرجع في صدقته ما لم يقبض. والذي حكاه في "المعونة" عن الكوفي أنه لا يزول الوقف عن اسم ملك مالكه قبض أو لم يقبض، ويرجع فيه بالبيع والهبة، ويورث عنه إلا أن يحكم به حاكم أو يكون الوقف مسجدًا أو سقاية أو يوصي به فيكون في ثلثه (١)، وأتى أبو (سفيان) (٢) البصرة فذكر له أمر الحبس فأخبر بحديث ابن عمر في حبس والده عمر وقيل له: أيوب يرويه عن نافع عن ابن عمر. قَالَ: فمن يحدثنا به عن أيوب؟ فحدثه ابن علية، فرجع وقال: هذا شيء لم يكن عندنا. وروي عن عيسى بن أبان أن أبا يوسف لما قدم بغداد من الكوفة كان على رأي أبي حنيفة في بيع الأوقاف، فلما أخبر بحديث ابن عون عن نافع حديث عمر قَالَ: هذا لا يسع أحدًا خلافه ولو تناهى إلى أبي حنيفة لقال به، ولما خالفه (٣)، وسمعت بكارًا أيضًا يقول: قدم أبو يوسف البصرة وهو على مذهب أبي حنيفة في بيع الوقف، فجعل لا يرى أرضًا نفيسة إلا وجدها وقفًا عن الصحابة، ثم صار إلى المدينة فرأى بها أوقافًا كثيرة عن الصحابة وعن رسول الله ﷺ ، فدفع كلام أبي حنيفة.
стр. 10126
٣٠ - باب وَقْفِ الأَرْضِ لِلْمَسْجِدِ
٢٧٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: - لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ وَقَالَ: " يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا". قَالُوا: لَا وَاللهِ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللهِ. [انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٥/ ٤٠٤]
ذكر فيه حديث أَنَسِ: لَمَّا قَدِمَ النبي ﷺ المَدِينَةَ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ وَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هذا". قَالُوا: لَا والله، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ.
وقد سلف (١) وترجم عليه بعد باب: إذا قَالَ الواقف: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله فهو جائز (٢)، وهو حجة على أبي حنيفة في إبطاله الأوقاف والأحباس؛ لأن الأمة مجمعة أن من جعل أرضًا له مسجدًا للمسلمين في صحته فإنه ليس لورثته ردها ميراثًا بينهم. وقال أبو حنيفة في الرجل يحبس داره على المساكين يسكنونها: إنها ترجع ميراثًا بين ورثته، ويجيز ذَلِكَ إن فعله في مرضه أو في وصيته، ويكون في ثلثه، فإن قَالَ: إن المسجد لا يجوز له ولا لورثته الرجوع فيه بعد أن أخرجه في صحته وجعله مسجدًا لجماعة المسلمين.
فيقال له: ما الفرق بين جعله مسجدًا أو سقاية أو مقبرة أو مرفقًا لجماعة المسلمين؟ وهل بينك وبين من عكس هذا عليك فأجاز ما أبطلت وأبطل ما أجزت فرق من أصل أو قياس؟ فليس تقول في شيء من
стр. 10127
ذَلِكَ قولاً إلا ألزم في الآخر مثله، وقد أجاز العلماء أوقاف أهل الذمة ولم يرو نقضها، فكيف أهل الإسلام؟ وسُئل أبو الحسن علي بن ميسرة البغدادي عن رجل كان له على نصراني دين، فأفلس النصراني ولا مال له سوى وقفه على أهل ملته قبل استحداثه الدين، هل يجوز نقض الوقف وأخذ المسلم له قضاء من دينه أم لا؟ فأجاب: بأن أهل الذمة ليست أملاكهم مسندة، وإنما لهم شبهة ملك على ما في أيديهم، فإذا اختاروا رفع أيديهم عن الشبه ارتفعت، ولم يعترض عليهم في نقض ما عقدوه مما لو كان في شريعتنا لم يجز نقضه؛ لأنهم على ذَلِكَ صولحوا، ولما جاز إقرارهم على غير دين الحق إذا أعطوا الجزية وجب ألا يعترض عليهم في نقض وقف ولا غيره مما يتعلق بحق الله تعالى (١)(٢).
стр. 10128
٣١ - باب وَقْفِ الدَّوَابِّ وَالْكُرَاعِ وَالْعُرُوضِ وَالصَّامِتِ
قَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ جَعَلَ أَلْفَ دِينَارٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدَفَعَهَا إِلَى غُلَامٍ لَهُ تَاجِرٍ يَتْجُرُ بِهَا، وَجَعَلَ رِبْحَهُ صَدَقَةً لِلْمَسَاكِينِ وَالأَقْرَبِينَ، هَلْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ رِبْحِ تِلِكَ الأَلْفِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَعَلَ رِبْحَهَا صَدَقَةً في الْمَسَاكِينِ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا.
٢٧٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَعْطَاهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا رَجُلاً، فَأُخْبِرَ عُمَرُ أَنَّهُ قَدْ وَقَفَهَا يَبِيعُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبْتَاعَهَا، فَقَالَ: "لَا تَبْتَعْهَا، وَلَا تَرْجِعَنَّ فِي صَدَقَتِكَ". [انظر: ١٤٨٩ - مسلم: ١٦٢١ - فتح: ٥/ ٤٠٥]
ثم ذكر حديث ابن عُمَرَ عن عُمَرَ في قصة حَملِ الفَرَس وأخبر أنها تباع فقال له ﵇ "لَا تَبْتَعْهَا، وَلَا تعد فِي صَدَقَتِكَ". وقد سلف (١).
واختلف العلماء في وقف الحيوان والعروض والدنانير والدراهم، فأجاز ذَلِكَ مالك إلا أنه كره وقف الحيوان أن يكون على العقب، فإن وقع أمضاه، وأجاز ابن القاسم وأشهب وقف الثياب، وقال ابن التين: مشهور مذهب مالك جوازه في الحيوان والعروض، ويجوز في الريع قولًا واحدًا عنده. وأجاز الشافعي (٢) ومحمد بن الحسن وقف الحيوان. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يجوز [وقفها، ويجوز أيضًا] (٣) وقف
стр. 10129
الحيوان والعروض والدراهم والدنانير وقالوا: إن هذِه أعيان لا تبقى على حالة أبد الدهر فلا يجوز (وقفها) (١)، وأيضًا فإن الوقف يصح على وجه التأبيد، فمن أجازه فيما لا يتأبد صار كمن وقف وقفًا مؤقتًا يومًا أو شهرًا أو سنة، ولا يجوز، ولو صح الوقف فيما لا يتأبد لصح في جميع الأثمان وسائر ما يملك كالهبة والوصية، وحكاه الطحاوي في "اختلاف العلماء" عن زفر والحسن بن زياد أيضًا، قَالَ: وعلى هذا عامة علماء أهل الكوفة. وقال ابن القصار: الوقف المؤقت يجوز عند مالك ويجوز في جميع الأنواع مما لا يبقى غالبًا (٢).
وجه من أجاز وقف الحيوان والسلاح حديث عمر في الفرس الذي حمل عليها في سبيل الله.
وقوله في حق خالد: "إنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله" (٣)، والأعتاد: الخيل، فأخبر أنه حبس ذَلِكَ في سبيل الله. ولفظ: حبس يقتضي أن يكون محبوسًا عن جميع المنافع إلا على الوجه الذي حبس فيه، ولو لم يصح تحبيس ذَلِكَ لم يكونوا ظالمين فيما طلبوا من ذَلِكَ، ولكان يبطله.
فإن قلت: لا حجة في حديث عمر على جواز وقف الحيوان؛ لأن هذا الفرس الذي حمل عليه عمر في سبيل الله إنما كان هبة منه له فلذلك جاز له بيعه، ولو كان حبسًا لم يجز بيعه. ولذلك قَالَ الشافعي وابن الماجشون: لا يجوز بيع الفرس الحبس ويترك أبدًا.
стр. 10130
قلتُ: ربيعة ومالك أجازا بيعه إذا لم يبق فيه قوة للغزو، ويجعل ثمنه في آخر. قَالَ ابن القاسم: فإن لم يبلغ شورك به فيه، وكذلك الثياب إذا لم يبق فيها منفعة بيعت واشتري بثمنها ما ينتفع به، فإن لم يمكن تصدق في سبيل الله.
وأما صحة الحجة بحديث عمر في الباب، فلا يخلو أن يكون هذا الفرس الذي حمل عليه عمر حبسًا أو هبة وتمليكًا، وعليهما فقد جاز للرجل بيعه ولم يأمره بفسخه حين بلوغه، ونهيه عن شرائه للتنزيه، إذ لو كان حرامًا لبينه، وقد سلف شيء من ذَلِكَ في باب: إذا حمل على فرس في سبيل الله فهو كالعمرى والصدقة في آخر أبواب المنحة والهبات.
واختلفوا في وقف الدراهم والدنانير على من تكون زكاتها، فقال مالك في "المدونة": لو أن رجلاً حبس مائة دينار موقوفة يسلفها الناس ويردونها، هل ترى فيها زكاة؟ قَالَ: نعم، الزكاة فيها قائمة كل عام (١). وخالف في ذَلِكَ ابن القاسم فقال في رجل قَالَ لرجل: هذِه المائة في ينار تتجر فيها ولك ربحها وليس عليك فيها ضمان. فليس على الذي في يده أن يزكيها ولا على الذي هي له زكاتها حَتَّى يقبضها، فيزكيها زكاة واحدة. قَالَ سحنون: أراها كالسلف وعليه ضمانها إن تلفت، بمنزلة الرجل يحبس المال على الرجل فينتقص أنه ضامن له.
وأما قول الزهري السالف في الرجل يجعل ألف دينار في سبيل الله أنه لا يأكل من ربحها فإنما ذَلِكَ إذا كان في غنى عنها، وأما إن احتاج وافتقر فمباح له الأكل منها ويكون كأحد المساكين. قَالَ ابن حبيب:
стр. 10131
وهذا مالك وجميع أصحابنا يقولون: إنه ينفق على ولد الرجل وولد ولده من حبسه إذا احتاجوا، وإن لم يكن لهم في ذَلِكَ اسمًا فإذا استغنوا فلا حق لهم. واستحسن مالك أن لا يرغبوها إذا احتاجوا، وأن يكون لهم سهم منها جار على الفقراء لئلا يدرس، وقاله ربيعة ويحيى بن سعيد (١).
تنبيهات:
أحدها: قَالَ الإسماعيلي في الترجمة: وإيراده الحديث إذا كان أجل الوقف ما ذكره من أرض عمر، وأنها لا تباع إلى آخره، فكيف جاز أن يباع فرس عمر الموقوف في سبيل الله؟ وكيف لا ينهى بائعه عنه أو يمنع من بيعه؟ فلعل معناه أن عمر كان جعله صدقة يعطيها من يرى رسول الله ﷺ ، فأعطاها رجلاً فباعها. قَالَ: وما ذكره في وقف الصامت خلاف ما ذكره في أجل الوقف؛ لأن الوقف الذي أذن فيه ما حبس أصله، ولا ينتفع بالصامت إلا بأن يخرج الصامت الموقوف
بعينه إلى شيء غيره، فليس هذا بحبمس الأصل وإنما يقع الحبس على ما يعود البيع من فضله من ثمر أو غلة أو ما يرتفق به والعين قائمة محبوسة على أصلها لا على ما ينتفع به إلا بإفادة عينه.
ثانيها: الكراع: اسم لجميع الخيل، وأنَّث الفرس هنا بقوله: أعطاها رسول الله ﷺ ليحمل عليها.
ثالتها: قَالَ ابن حزم: أبطلت طائفة الحبس جملة، وهو قول شريح، وروي عن أبي حنيفة، وطائفة قالت: لا حبس إلا في سلاح أو كراع.
стр. 10132
روي ذَلِكَ عن على وابن مسعود وابن عباس (١)، ولم يصح عن واحد منهم، أما من أبطله جملة فإن عبد الملك بن حبيب روى عن الواقدي أنه قَالَ: ما من أحد من الصحابة إلا وقد وقف وقفًا وحبس أرضًا إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه كان يكره الحبس (٢).
ثم ذكر حديث شريح وابن لهيعة السالفين (٣)، وذكر حديث شريح من طريق ابن عيينة عن عطاء بن السائب عنه ورده بالانقطاع (٤) وقال في حديث ابن لهيعة: إنه موضوع، ولا خير في ابن لهيعة، وأخوه مثله. وبيان وضعه أن سورة النساء نزلت أو بعضها بعد أحد، وحبس الصحابة أذن فيه رسول الله ﷺ بعد خيبر، تواتر ذلك عنه، فلو صح خبر ابن لهيعة لكان منسوخًا (٥).
واحتجوا أيضًا لما رويناه من طريق ابن وهب ثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار ومحمد وعبد الله ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، كلهم عن أبي بكر بن محمد قَالَ: إن عبد الله بن زيد قَالَ: يا رسول الله، إن حائطي هذا صدقة -وفي لفظ: موقوفة- وهو إلى الله ورسوله فجاء أبواه فقالا: يا رسول الله، كان قوام عيشه منه. فرده رسول الله ﷺ . وهذا حديث منقطع؛ لأن أبا بكر لم يلق عبد الله بن زيد قط، وأيضًا فليس لأحد أن يتصدق بقوام عيشه، بل هو منسوخ إن فعله، قَالَ: ولفظ: موقوفة. انفرد بها من لا خير فيه (٦).
стр. 10133
قَالَ: وقالوا: لما كانت الصدقات لا تجوز إلا حين تحاز، وكان الحبس لا مالك له وجب أن يبطل.
قَالَ: ثم تناقضوا فأجازوا تحبيس المسجد والمقبرة وإخراجهما إلى غير مالك، وأجازوا الحبس بعد الموت في أشهر أقوالهم.
قَالَ: ومن العجائب احتجاجهم أنه ﷺ ساق الهدي بالحديبية وقلدها، وهذا يقتضي إيجابه لها ثم صرف هذا عما أوجبها له وجعلها للإحصار، وكذلك أبدلها عامًا ثانيًا، وما اقتضى ذَلِكَ إيجابه قط؛ لأنه لم ينص على أنه صار التطوع بذلك واجبًا بل أباح ركوب البدنة المقلدة (١).
وقولهم: إنه أبدله من قابل. فهذا لم يصح قط، ونقول لهم: أنتم تقولون له أن يحبس ثم يفسخ. وقستموه على الهدي المذكور، فهل له الرجوع في الهدي بعد أن يوجبه فيبيعه؟ وجائز أن يحبس على نفسه وعلى من شاء؛ لقوله ﷺ : " ابدأ بنفسك فتصدق عليها" وهو قول أبي يوسف (٢).
стр. 10134
٣٢ - باب نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقْفِ
٢٧٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ". [٣٠٩٦، ٦٧٢٩ - مسلم: ١٧٦٠ - فتح: ٥/ ٤٠٦]
٢٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ، وَيُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالاً. [انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٥/ ٤٠٦]
وذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي دِينَارًا ولا دِرْهَمًا، مَا تَرَكتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ".
وحديث ابن عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ يَأكُلَ مَنْ وَلِيَهُ، وُيوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا.
وهذا الحديث سلف (١)، وذكره هنا عن قتيبة ثَنَا حمّاد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر به. قَالَ الإسماعيلي: الذي عندنا عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، أن عمر ليس فيه ابن عمر ثم ساقه كذلك، وساقه بإسقاط نافع أيضًا قَالَ: ووصله يزيد بن ذريع وابن علية. ثم ساقه من حديث يزيد بن ذريع بإثباته ثَنَا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: أصاب عمر أرضًا.
ورواه أبو نعيم من حديث القواريري عن حماد: سمعت أيوب يذكر عن نافع قَالَ: أوصى عمر واشترط في وقفه. وساقه البيهقي من حديث الهيثم بن سهل التستري عن حماد بإثباته ثم قَالَ: وكذا رواه يونس بن
стр. 10135
محمد عن حماد (١). ووقع للدارقطني أنه قَالَ في حديث أيوب: لا أعلم حدث به عن حماد غير يونس (٢). وفي البخاري حدث به عنه قتيبة، وفي الإسماعيلي: سليمان بن حرب وأبو الربيع وأحمد الموصلي والقواريري من عند أبي نعيم، والهيثم من عند البيهقي، وقال الحميدي: زعم أبو مسعود أن البخاري رواه في الوصايا عن قتيبة عن حماد، ولم أجده (٣). قلتُ: هو موجود في سائر نسخ البخاري كما أسلفناه.
إذا تقرر ذَلِكَ، فإنما أراد البخاري بالترجمة ليبين أن المراد بقوله: "مؤنة عاملي" أنه عامل أرضه التي أفاءها الله عليه من بني النضير وفدك وسهمه من خيبر، وليس عامله حافر قبره، كما تأوله بعض الفقهاء، واستشهد على ذَلِكَ البخاري بحديث عمر الذي أردفه بعده أنه شرط في وقفه أن يأكل من وليه بالمعروف، فبان بهذا أن العامل في الحبس له منه أجرة عمله وقيامه عليه، وليس ذَلِكَ بتغيير للحبس ولا نقض لشرط المحبس إذا حبس على قوم بأعيانهم لا غنى عن عامل يعمل المال.
وفي هذا من الفقه جواز أخذ أجرة القسام من المال المقسوم، وإنما كره العلماء أجرة القسام؛ لأن على الإمام أن يرزقهم من بيت المال، فإن لم يفعل فلا غناء بالناس عن قاسم يقسم بينهم، كما لا غنى عن عاملٍ يعمل في المال، ويشبه هذا المعنى ما رواه ابن القاسم عن مالك في الإمام يذكر أن له ناحية من عمله كثيرة العشور قليلة المساكين، وناحية أخرى عكسه، فهل له أن يتكارى ببعض العشور حَتَّى يحملها
стр. 10136
إلى الناحية الكثيرة المساكين. فكره ذَلِكَ وقال: أرى أن يتكارى عليه من الفيء أو يبيعه ويشترى هنا طعامًا. وقال ابن القاسم: لا يتكارى عليه من الفيء ولكن يبيعه ويشتري بثمنه طعامًا (١).
وقوله: ("مَا تَرَكْتُ") إلى آخره يبين فساد قول من أبطل الأوقاف والأحباس من أجل أنها كانت مملوكة قبل الوقف، وأنه لا يجوز أن يكون ملك مالك ينتقل إلى غير مالك فيقال له: إن أموال بني النضير وفدك وخيبر لم تنتقل بعد وفاة رسول الله ﷺ إلى أحدٍ ملكها، بل هي صدقة منه ثابتة على الأيام والليالي، تجري عنه في السبل الذي أجراها فيها منذ قبض، فكذلك حكم الصدقات المحرمة قائمة على أصولها جارية عليها فيما سبلها فيه، لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يملك.
تنبيهات:
أحدها: قوله: ("لَا يقتَسِمُ") هو برفع الميم على الخبر، أي: ليس يقتسم. وفي رواية يحيى بن يحيى الأندلسي "دنانير" (٢) وتابعه ابن كنانة، وأما سائر الرواة فيقولون: دينارًا. نبه عليه أبو عمر قَالَ: وهو الصواب؛ لأن الواحد في هذا الموضع أعم عند أهل اللغة، وكذا رواه ورقاء عن أبي الزناد. وقال ابن عيينة عن أبي الزناد: "لا يقتسم ورثتي بعد ميراثي"، وأراد بعامله خادمه في حوائطه، وقيمه، ووكيله، وأجيره (٣). وأبعد من قَالَ: حافر قبره. كما سلف، وحكاه المنذري أيضًا في "حواشيه"،
ومما يبعده أنهم لم يكونوا يحفرون بأجرة، فكيف له ﷺ ؟ وقيل: أراد الخليفة بعده.
стр. 10137
وقال الطبري في "تهذيبه": "يقتسم ورثتي" ليس بمعنى النهي؛ لأنه لم يترك دينارًا ولا درهمًا، فلا يجوز النهي عما لا سبيل إلى فعله، ومعنى الخبر: ليس يقتسم ورثتي. قال الخطابي: بلغني عن ابن عيينة أنه كان يقول: أمهات المؤمنين في معنى المعتدات؛ لأنهن لا يجوز لهن أن ينكحن أبدًا، فجرت لهن النفقة وتركت حجرهن لهن يسكنَّها (١).
ثانيها: إن قلت: كيف يصح هذا الحديث في النهي عن القسمة، وحديث عائشة: لم يترك دينارًا ولا درهمًا (٢)؟ وكيف ينهي أهله عن قسمة ما يعلم أنه لم يخلفه؟ وقد أسلفنا أن معناه الخبر لا النهي، وأجاب القاضي أبو بكر بجوابين:
أحدهما: أنه نهاهم على غير قطع بأنه لا يخلف عينا، بل جوَّز أن يملك ذَلِكَ قبل موته، فنهاهم عن قسمته.
ثانيهما: أنه علم ذَلِكَ وقال: لا يقتسم. على الخبر برفع الميم. ليس ينقسم ذَلِكَ لأني لم أخلفهما بعدي.
ثالثها: فإن قلت: الخبر يرده آية الوصية، قاله الشيعة. وأجاب القاضي بأن الآية وإن كانت عامة فإنها توجب أن يورث رسول الله ﷺ ما يملكه، فدلوا على أنه كان بملك سلمناه، ولا دلالة فيها؛ لأنها ليست عندنا. وعند منكري العموم لاستغراق المالكين، وإنما تنبئ عن أقل الجمع، وما فوقه مجمل فوجب التوقف فيه، وعند كثير من القائلين بالعموم أن هذا الخطاب وسائر العموم لا يدخل فيها الشارع؛ لأن شرعه ورد بالتفرقة بينه وبين أمته، ولو ثبت العموم
стр. 10138
لوجب تخصيصه، وقد روى أبو بكر وعمر وحذيفة وعائشة أنه ﷺ قَالَ: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة" (١) وهذا الحديث في نظائر لهذِه الأحاديث كلها تنبئ عن معنى واحد، وهو أنه لا يورث، فوجب تخصيص الآية لهذِه الأخبار، ولو كانت خبر آحاد التي لا يقطع بصحتها، فكيف وقد خرجت عن هذا الحد وصارت من سبيل ما يقطع بصحته.
الشرح:
أثر أنس أخرجه البيهقي من حديث ثمامة عنه أنه وقف دارًا بالمدينة، فكان إذا حج مرَّ بالمدينة فنزل داره (١). وصدقة الزبير أخرجها أيضًا من حديث أبي عبيد، ثَنَا أبو يوسف، عن هشام، عن أبيه أن الزبير جعل دوره صدقة إلى آخره. وقال: فلا شيء لها -بدل- فليس لها حق. قَالَ الأصمعي: المردودة: المطلقة (٢).
وحديث عثمان تقدم في: الشرب (٣).
وأسلفنا عن ابن المنير أنه قَالَ: ليس في حديث عثمان المذكور عنده مثل دلاء المسلمين. وبينا هناك أن في بعض طرقه ما بوب له. قَالَ: وليس في الباب بجملته ما يوافق الترجمة إلا وقف أنس خاصة، ووقف عمر بالطريقة المتقدمة من دخول المخاطب في خطابه. قَالَ: وقد ظهر لي مقصود البخاري من بقية حديث الباب، فيطابق الترجمة، ووجهها أن الزبير يكون قصد من تلزمه نفقته من بناته كالتي لم تزوج لصغر مثلًا والتي تزوجت ثم طلقت قبل الدخول؛ لأن تناول هاتين أو إحداهما من الوقف إنما يحمل عنه الإنفاق الواجب، فقد دخل في الوقف الذي وقفه بهذا الاعتبار. قَالَ: ووجه مطابقة الترجمة من قوله: وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجة من آل عبد الله، فيقال: كيف يدخل ابن عمر في وقفه؟ فنقول: نعم يدخل، فإن الآل يطلق على الرجل نفسه، كان الحسن بن أبي الحسن يقول في الصلاة على رسول الله ﷺ : اللَّهُمَّ صل على آل محمد. وقال
стр. 10141
- ﷺ : "اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى" (١) وقال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٢).
فائدة:
أبو عبد الرحمن الراوي عن عثمان هو: عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي، لأبيه صحبة.
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام على ما في الباب من أوجه:
أحدها:
لا خلاف بين العلماء -كما قاله ابن بطال- أن من شرط لنفسه ولورثته نصيبًا في وقفه أن ذَلِكَ جائز، وقد سلف هذا المعنى في باب: هل ينتفع الواقف بوقفه. قَالَ: وأما حديث بئر رومة فإنه وقع هنا أن عثمان قَالَ: ألستم تعلمون إلى آخره، من رواية شعبة كما أسلفناه، وهو وهم ممن دون شعبة، والمعروف في الأخبار أن عثمان اشتراها لا أنه حفرها، ثم عزاه إلى رواية الترمذي من حديث زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن (٣)، ورواه معمر بن سليمان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد -مولى بني أسد- عن عثمان قَالَ: ألستم تعلمون أني اشتريت. رواه عباس الدوري، عن يحيى بن أبي الحجاج المنقري، عن أبي مسعود الجريري، عن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: ألستم تعلمون أنه قدم المدينة؟ فذكره، وفيه: "من يشتري بئر رومة ويجعل
стр. 10142
دلوه فيها كدلاء المسلمين، وله بها مشرب في الجنة؟ " فاشتراها عثمان (١)، هذا الذي نقله أهل الأخبار والسير، ولا يوجد أن عثمان حفرها إلا في حديث شعبة، فالله أعلم ممن جاء الوهم. وذكر ابن الكلبي: أنه كان يشتري منها قربة بدرهم قبل أن يشتريها عثمان (٢).
ثانيها:
قَالَ الداودي: أثر أنس صحيح؛ لأنه أنابها عن يده واشترط النزول، ولا يحمل أنه عاد في بعض عطيته من غير شرط اشترطه؛ لأنه يكون كالكلب يعود في قيئه، وتعقبه ابن التين فقال: الاشتراط ظاهر البخاري خلافه، ولعله رآه مفسرًا، وأما من حبس شيئًا ورجع إلى يده فكان يليه ويصرف غلاته فلا يبطل إذا أخرجه من يده سنة، قاله ابن القاسم قياسًا على إقامة البكر عند العنين. وكان الأبهري يقول: القياس أن لا يصح ولو طالت المدة (٣). فأما من حبس ماله عليه وكان بيده وهو يقسم غلاته ففي "المدونة": يبطل ويعود ميراثًا (٤). وقال مالك والمغيرة وابن سلمة في "المبسوط": هي ماضية، وإن كانت الأصول في يد غيره وهو يقسم غلتها. بطلت عند ابن القاسم وأشهب، وقيل: تصح.
وأما السلاح والخيل إذا حبسها تدفع إلى من يغزو بها ثم يعيدها إليه، فكذلك جوز إذا كان لا ينتفع بها إذا رجعت إليه، وإن كان ينتفع بها حين رجعت إليه بطلت إن مات وهي في يديه، وإن مات وهي خارجة نفذت، وهذا أشبه بفعل أنس إن كان اشترط. قال: وعليه يدل
стр. 10143
تبويب البخاري، وإن كان لم يشترط فلعله نزل بها بعد مدة سنة على ما تقدم.
ثالثها:
ما ذكره عن الزبير: مشهور قول مالك أنه إن نزل مثل هذا أمضى، وفي "العتبية" عنه وكتاب ابن شعبان: إن أخرج البنات إن تزوجن بطل وقفه، وعليه عمل القضاة، والنقض أحب، قاله في "الزاهي".
وإذا قَالَ: لا حق لها ما دامت عند زوج.
ففي كتاب أبي محمد: إذا تزوجت ووقف لها نصيبها فإذا تأيمت أخذته، وعارضه بعضهم، وقال: يفسر الأخذ وهي تحت زوج.
وإن قَالَ: من تزوج لا حق لها. قَالَ محمد: إذا تأيمت يرجع إليها. وقال بعضهم: كان ينبغي أن ينقطع حقها بالتزويج.
رابعها:
قول عثمان ﵁: (أنشدكم). أي: أسألكم.
وقوله: (من جهز) يقال: جهزت الجيش. إذا هيأت جهاز سفره. قَالَ الداودي: واستدلال البخاري من قول عمر.
وقوله: (وقد يليه الواقف وغيره) غلط؛ لأن عمر جعل الولاية إلى غيره وهو يحدث أنه نهاه أن يشتري صدقته، ولو كان عمر شرط أن يأكل منه وأزاله عن يده لكان محتملًا أن ينال منه ويطعم إذا كان ذَلِكَ أيسر وقفه، وإن كان أكثره لم يجز؛ لأنه لا يعرف ما أنفذ مما أبقى على ملكه، وحكم الأقل يتبع الأكثر.
стр. 10144
٣٤ - باب إِذَا قَالَ الوَاقِفُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللهِ. فَهْوَ جَائِزٌ
٢٧٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ". قَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللهِ. [انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٥/ ٤٠٩]
تقدم قريبًا بحديثه (١).
وإنما قال لهم رسول الله: "ثَامِنُونِي" أي: اطلبوا ثمن حائطكم مني ليبتاعه لمكان المسجد، فقالوا له: لا نبتغي الثمن فيه إلا من الله. فكان ذَلِكَ تسليمًا منهم للحائط وإخراجًا له من ملكهم لله لا يجوز رجوعهم فيه، وأجاز ذَلِكَ، وكان من فعلهم بمنزلة ما لو اشتراه ووقفه لمكان المسجد.
فإن قلت: قولهم: (لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى الله). ليسَ من الألفاظ الموجبة للتحبيس والوقف عند الفقهاء، وإنما يوجب التحبيس عندهم قوله: هو حبس صدقة، أو: حبس مؤبد، أو: حبس. فقط عند مالك على ما سلف. قلتُ: لما اقترن ذَلِكَ مما علموه من ابتياعه منهم لمكان المسجد قام ذَلِكَ مقام قولهم: هو حبس لله. ولا خلاف أنه لو قَالَ رجل: جعلت داري هذِه مسجدًا. أنها وقف غير ملك.
وقولهم: (لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى الله). كما تقول: طلبت إلى الله، ومن الله. بمعنى واحد.
الجَامَ لِصَاحِبِهِمْ. وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].
الشرح:
علي بن عبد الله هذا هو: ابن المديني، ولعله أخذه عنه مذاكرة أو عرضًا. ويجوز أن يكون علقه؛ لأن محمد بن أبي القاسم (د. ت) ليس على شرطه، فإن عمر بن بجير ذكر عنه أنه قَالَ: لا أعرفه كما أشتهي.
قيل له: فرواه غيره؟ قَالَ: لا، وكان ابن المديني يستحسن هذا الحديث، حديث محمد بن أبي القاسم قَالَ: وقد روى عنه أبو أسامة إلا أنه غير مشهور (١).
قلتُ: وأخرجه أبو داود في: القضاء عن الحسن بن علي (٢)، والترمذي في: التفسير عن سُفيان بن وكيع كلاهما عن يحيى بن آدم، عن يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة به، قَالَ الترمذي: حديث حسن غريب (٣).
ومحمد بن أبي القاسم: الطويل. وقيل فيه: الأسدي، قَالَ فيه ابن المديني: لا أعرفه، ونقل الحميدي عن ابن المدينى أنه قَالَ فيه: حديث غريب لا نعرفه إلا بهذا الإسناد.
وقال ابن طاهر: ليس لمحمد ولا لعبد الملك في "صحيح البخاري" غير هذا الحديث الواحد (٤).
ورواه الواحدي من حديث الحارث بن شريح، عن يحيى بن زكريا به.
стр. 10147
وفيه: فأوصى لهما بتركته فدفعاها إلى أهله، وكتما جامًّا. وفيه: فأحلفهما ما كتما، ولا اطلعا وخلا سبيلهما (١).
وفي الترمذي من حديث ابن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان مولى أم هانئ، عن ابن عباس عن تميم في هذِه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قَالَ: (برئ منها) (٢) الناس غيري وغير عدي وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام، وقدم عليهما مولى لبني هاشم يقال له: بديل بن أبي مريم بتجارة ومعه جامّ من فضة يريد به الملك وهو عُظم تجارته، وفيه: فلما مات أخذنا الجامّ فبعناه بألف درهم. قَالَ تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة تأثمت من ذَلِكَ، فأتيت أهله وأخبرتهم الخبر وأديت لهم خمسمائة درهم فأمرهم أن يستحلفوه مما يعظم به على أهل دينه فحلف، فنزلت فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي.
قَالَ الترمذي: حديث غريب وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر هو عندي: محمد بن السائب الكلبي، وقد تركه أهل الحديث، وقال محمد: محمد بن السائب يكنى أبا النضر ولا يعرف لسالم بن أبي النضر المدني رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ (٣).
وفي "تفسير مقاتل": خرج بديل ابن أبي مارية -وفي كتاب النحاس: (بريل) (٤)، وقال ابن ماكولا: بالزاي (٥). وفي "الصحابة"
стр. 10148
للذهبي: بديل بن سارية كذا قَالَ ابن منده، وأبو نعيم: وإنما هو بزيل مولى العاصي بن وائل- مسافرًا في البحر إلى النجاشي، فمات بديل في السفينة وكان كتب وصية وجعلها في متاعه ثم دفعه إلى تميم وصاحبه عدي فأخذا منه ما أعجبهما وكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوش مموَّه بالذهب، فلما ردَّا بقية المتاع إلى ورثته نظروا في الوصية ففقدوا بعض متاعه فكلموا تميمًا وعديا فقالا: ما لنا به علم. وفيه: فقام عمرو بن العاصي والمطلب ابن أبي وداعة السهميان فحلفا فاعترف تميم بالخيانة، فقال له ﷺ : "ويحك يا تميم، أسلم يتجاوز الله عنك ما كان في شركك" فأسلم وحسن إسلامه ومات عدي بن بداء نصرانيًّا.
وفي "تفسير الثعلبي": كان بُديل ابن أبي ماوية وقيل: ابن أبي مارية وقيل: ابن أبي مريم مولى عمرو بن العاصي وكان بديل مسلما ومات بالشام.
وروى ابن بطال عن ابن جريج، عن عكرمة في هذِه الآية قَالَ: كان تميم الداري وأخوه نصرانيين وهما من لخم وكان متجرهما إلى مكة، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة حولا متجرهما إلى المدينة فقدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاصي المدينة وهو يريد الشام تاجرا فخرجوا جميعًا حَتَّى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية، فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما، فلما مات فتحا متاعه (فوجدا) (١) فيه أشياء فأخذاها فلما قدمَا على أهله الحديث.
فنزلت هذِه الآية إلى قوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] فاستحلفهما فحلف ثم ظهر على إناء من فضة منقوش بذهب معهمَا
стр. 10149
فقالوا: هذا من متاعه فقالا: اشتريناه منه فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ فنزلت: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ إلى قوله: ﴿مَقَامَهُمَا﴾ من أولياء الميت فأمر رسول الله ﷺ رجلين من أهل الميت فكان يقول: صدق الله ورسوله وبلغ، إني لأنا أخذت الإناء. والجام: إناء يشوب به (١). كما سيأتي.
إذا تقرر ذَلِكَ فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ هي: الشهادة بالحقوق عند الحكام، أو شهادة الحضور للوصية وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ﴾ أي أمانته، أو أيمان، عبَّر عنها بلفظ الشهادة كاللعان أقوال
وقوله: (﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾) أي: شهادة هذا الحال شهادة اثنين ويحتمل ليكن أن يشهد اثنان.
وقوله تعالى: (﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾) قَالَ ابن عباس: تجوز شهادة أهل الكفر على المسلمين في الوصية في السفر، وأخذ في ذَلِكَ بالحديث الشعبيُّ وابنُ المسيب وجماعة التابعين، ورأوا الآية محكمة غير منسوخة (٢).
وقالت طائفة: إنها منسوخة بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وهو قول زيد بن أسلم ومالك والكوفيين والشافعي واحتجوا بقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وأهل الكتاب ليسوا بعدول، ولا ممن ترضى شهادتهم.
قَالَ ابن زيد: لم يكن الإسلام إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب، واليوم طبق الإسلام الأرض.
стр. 10150
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المسلمون، وقال عكرمة وعبيدة من حي الموصي (١) ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ من قبلتكم (٢).
وقيل: من غير ملتكم من أهل الكتاب قاله سعيد بن المسيب وابن جبير والنخعي ومجاهد وعبيدة ويحيى بن يعمر، وأبو مجلز (٣) وحكاه ابن التين عن أحمد، قالوا: فإن لم يجد مسلمين فليشهد كافرين إذا كان في سفر و ﴿أَوْ﴾ هنا للتخيير.
وهل هو في المسلم والكتابي أو الكتابي مرتب على المسلم قاله ابن عباس: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ توقفونهما للأيمان خطاب للورثة ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ﴾ أي: وقد أصبتم إليها ﴿الصَّلَاةَ﴾ العصر، أو الظهر والعصر أو صلاة أهل دينهما من أهل الذمة قَالَه ابن عباس (٤)، فدعا رسول الله ﷺ تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر إن ارتبتم في الوصيتين بالخيانة أحلفهما الورثة، أو بعدالة الشاهدين أحلفهما الحاكم لتزول الريبة، وهذا في السفر فقط ثمنًا رشوة (٥) أو لا يعتاض عليه بحقير ولو كان ذا قربى أي: وإن عثر اطلع على أنهما كذبا وخانا عبر عنهما بالإثم لحدوثه عنهما استحقا الشاهدان أو الوصيان فآخران من الورثة يقومان مقامها في اليمين.
стр. 10151
قَالَ الزجاج: وهذا موضع مشكل الإعراب والمعنى وفيه أقوال منها: إن (على) بمعنى: في كما قامت في مقام على في قوله: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فالمعنى: استحق فيهم الأوليان وقيل بمعنى منهم مثل: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ أي: منهم قَالَ: والمختار عندي أن المعنى: ليقم الأولى بالميت فالأولى. والأوليان بدل من الألف في يقومان فالمعنى: من الذين استحق عليهم الإيصاء، وأنكر ابن عباس هذِه القراءة، وقرأ "الأَوَّلين". وقال: أرأيت إن كان الأوليان صغيرين (١).
وحكى الماوردي قولين في المراد بالأوليان: الأوليان بالميت من الورثة، أو بالشهادة من المسلمين (٢).
وقوله: (﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾) أي أقرب ولما ذكر الطحاوي حديث أبي داود أن رجلاً من المسلمين توفي بدقوقاء ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب نصرانيين فقدما الكوفة على أبي موسى فقال أبو موسى: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ ، فأحلفهما بعد العصر ما خانا ولاكذبا ولا بدَّلا، وأمضى شهادتهما (٣) قَالَ: هذا يدل على أن الآية محكمة عند أبي موسى وابن عباس، ولا أعلم لهما مخالفًا من الصحابة في ذَلِكَ، وعلى ذَلِكَ أكثر التابعين. ونقل النحاس عن النعمان أنه أجاز شهادة الكفار بعضهم على بعض، وأن الزهري والحسن قالا: إن الآية كلها في المسلمين، وذهب غيرهما إلى الشهادة هنا بمعنى الحضور، وقد أسلفناه.
стр. 10152
قَالَ: وتكلموا في معنى استحلاف الشاهدين هنا فمنهم من قَالَ: لأنهما ادعيا وصية من الميت، وهو قول يحيى بن يعمر قَالَ: وهذا لا يعرف في حكم الإسلام أن يدعي رجل وصيته فيحلف ويأخذها، ومنهم من قَالَ: يحلفان إذا شهدا أن الميت أوصى بما لا يجوز أو بماله كله، وهذا أيضًا لا يعرف في الأحكام، ومنهم من قَالَ: يحلفان إذا اتهما ثم ينقل اليمين عنهما إذا اطلع على الخيانة.
وزعم ابن زيد: أن ذَلِكَ كان في أول الإسلام كان الناس يتوارثون بالوصية ثم نسخت الوصية وقررت الفرائض، وقد سلف.
وقال الخطابي: ذهبت عائشة إلى أن هذِه الآية ثابتة غير منسوخة، وروي ذَلِكَ عن الحسن والنخعي وهو قول الأوزاعي (١) قَالَ: وكان تميم وعدي وصيين لا شاهدين والشهود لا يحلفون، وإنما عبر بالشهادة عن الأمانة التي تحملاها في قبول الوصية.
تنبيهات:
أحدها: انتزع ابن شريح من هذِه الآية الشاهد واليمين فيما حكاه ابن التين عنه، قَالَ عنه: ومعنى ﴿عُثِرَ﴾ بين ﴿عَلَى أَنَّهُمَا﴾ يعني: الوصيين ﴿فَآخَرَانِ﴾ يريدوا وارثي الميت، ثم قَالَ: وقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا﴾ لا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يُقرَّا، أو يشهدا أو يشهد عليهما شاهدان، أو شاهد وامرأتان، أو شاهد واحد قَالَ: وأجمعنا أن الإقرار بعد الإنكار لا يوجب يمينًا على الطالبين وكذلك مع الشاهدين، والشاهد والمرأتين فلم يبق إلا شاهد واحد وكذلك استحلف الطالبان ورويت القصة بنحو ذلك.
стр. 10153
ثانيها: قوله (مخوص بالذهب) قَالَ ابن الجوزي: صيغت فيه صفائح مثل الخوص من الذهب. وقال ابن بطال: نقش فيه صفة الخوص، وطلي بالذهب. والخوص: ورق النخل والمقل (١). وقال ابن التين: والجام الإناء المخوص المقلت، وأغرب بعضهم فرواه بضاد معجمة حكاه المنذري والمشهور بمهملة وخاء معجمة.
ثالثها: الحالفان قيل: هما عبد الله بن عمرو بن العاصي والمطلب، وقد أسلفنا من طريق الترمذي أن أحدهما عمرو بن العاصي ومن طريق غيره: عمرو بن العاصي والمطلب ابن أبي وداعة. والسهمي في رواية البخاري هو: بديل ابن أبي مريم كذا قاله ابن التين وقد قدمنا فيه أقوالًا أخر.
رابعها: ما قدمناه عن ابن عباس من قبول شهادة الكفار على المسلمين في الوصية في السفر أخذًا من هذا الحديث هو ما ذكره ابن بطال، وأما ابن المنير فرده عليه بأن الشهادة كانت عبارة عن اليمين.
قَالَ: ولا خلاف أن يمينه مقبولة إذا ادعى عليه فأنكر، ولا بينة، ولعل تميمًا اعترف أن الجام كان ملكه من الميت بشراء أو غيره، فكان ولي الكافر مدعي عليه فحلف واستحق وفي بعض الحديث التصريح بهذا، ولو لم يكن لكان الاحتمال كافيًا في إسقاط (الاستبدال) (٢) لأنها واقعة عين (٣).
قلتُ: سلف ذكر بديل ابن مارية في الصحابة.
стр. 10154
٣٦ - باب قَضَاءِ الوَصِيِّ دُيُونَ المَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الوَرَثَةِ
٢٧٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، أَوِ الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ فِرَاسٍ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَاريُّ ﵄ أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ قَالَ: "اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَتِهِ". فَفَعَلْتُ ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "ادْعُ أَصْحَابَكَ". فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى الله أَمَانَةَ وَالِدِي، وَأَنَا وَاللهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ الله أَمَانَةَ وَالِدِي، وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، فَسَلِمَ وَاللهِ البَيَادِرُ كُلُّهَا، حَتَّى أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى البَيْدَرِ الذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً. [قَالَ أبُو عبْدِ اللهِ: أْغرُوا بي: هَيجُوا بِي ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤]. [انظر: ٢١٢٧ - فتح: ٥/ ٤١٣]
ثم ساق حديث جابر في قضاء دين والده، وقد سلف غير مرة (١).
ومعنى (فلما نظروا إليه أغروا بي تلك الساعة) أي: ألحوا عليه، والبيدر الأندر يقال للواحد وللجميع قاله الداودي قَالَ: ويقال له: الجرين والعوج قَالَ: وكذلك كل ما يجمع فيه للزرع وغيره، ولا خلاف
стр. 10155
بين العلماء أن الوصي يجوز له أن يقضي ديون الميت بغير محضر الورثة على حديث جابر؛ لأنه لم يحضر جميع ورثة أبيه عند اقتضاء الغرماء ديونهم، وإنما اختلفوا في مقاسمة الوصي الموصى له على الورثة فروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: تجوز الوصي على الصغار ولا يجوز على الكبير الغائب (١) وهو قول أبي حنيفة (٢).
قَالَ مالك: لا يقاسم على الكبير الغائب إلا السلطان، قَالَ أبو حنيفة: ومقاسمة الورثة الوصي على الموصى له باطل؛ فإن ضاع نصيب الموصى له عند الوصي رجع به على الورثة وأجازها أبو يوسف وقال: القسمة جائزة على الغيب ولا رجوع لهم على الحضور، وإن ضاع ما أخذ الوصي. وقال الطحاوي: القياس أن لا يقسم على الكبار ولا على الموصى له؛ لأنه لا ولاية له عليهم وليس يوصي للموصى له (٣).