← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.

стр. 10151

قَالَ الزجاج: وهذا موضع مشكل الإعراب والمعنى وفيه أقوال منها: إن (على) بمعنى: في كما قامت في مقام على في قوله: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فالمعنى: استحق فيهم الأوليان وقيل بمعنى منهم مثل: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ أي: منهم قَالَ: والمختار عندي أن المعنى: ليقم الأولى بالميت فالأولى. والأوليان بدل من الألف في يقومان فالمعنى: من الذين استحق عليهم الإيصاء، وأنكر ابن عباس هذِه القراءة، وقرأ "الأَوَّلين". وقال: أرأيت إن كان الأوليان صغيرين (١). وحكى الماوردي قولين في المراد بالأوليان: الأوليان بالميت من الورثة، أو بالشهادة من المسلمين (٢). وقوله: (﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾) أي أقرب ولما ذكر الطحاوي حديث أبي داود أن رجلاً من المسلمين توفي بدقوقاء ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب نصرانيين فقدما الكوفة على أبي موسى فقال أبو موسى: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ ، فأحلفهما بعد العصر ما خانا ولاكذبا ولا بدَّلا، وأمضى شهادتهما (٣) قَالَ: هذا يدل على أن الآية محكمة عند أبي موسى وابن عباس، ولا أعلم لهما مخالفًا من الصحابة في ذَلِكَ، وعلى ذَلِكَ أكثر التابعين. ونقل النحاس عن النعمان أنه أجاز شهادة الكفار بعضهم على بعض، وأن الزهري والحسن قالا: إن الآية كلها في المسلمين، وذهب غيرهما إلى الشهادة هنا بمعنى الحضور، وقد أسلفناه.

стр. 10152

قَالَ: وتكلموا في معنى استحلاف الشاهدين هنا فمنهم من قَالَ: لأنهما ادعيا وصية من الميت، وهو قول يحيى بن يعمر قَالَ: وهذا لا يعرف في حكم الإسلام أن يدعي رجل وصيته فيحلف ويأخذها، ومنهم من قَالَ: يحلفان إذا شهدا أن الميت أوصى بما لا يجوز أو بماله كله، وهذا أيضًا لا يعرف في الأحكام، ومنهم من قَالَ: يحلفان إذا اتهما ثم ينقل اليمين عنهما إذا اطلع على الخيانة. وزعم ابن زيد: أن ذَلِكَ كان في أول الإسلام كان الناس يتوارثون بالوصية ثم نسخت الوصية وقررت الفرائض، وقد سلف. وقال الخطابي: ذهبت عائشة إلى أن هذِه الآية ثابتة غير منسوخة، وروي ذَلِكَ عن الحسن والنخعي وهو قول الأوزاعي (١) قَالَ: وكان تميم وعدي وصيين لا شاهدين والشهود لا يحلفون، وإنما عبر بالشهادة عن الأمانة التي تحملاها في قبول الوصية. تنبيهات: أحدها: انتزع ابن شريح من هذِه الآية الشاهد واليمين فيما حكاه ابن التين عنه، قَالَ عنه: ومعنى ﴿عُثِرَ﴾ بين ﴿عَلَى أَنَّهُمَا﴾ يعني: الوصيين ﴿فَآخَرَانِ﴾ يريدوا وارثي الميت، ثم قَالَ: وقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا﴾ لا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يُقرَّا، أو يشهدا أو يشهد عليهما شاهدان، أو شاهد وامرأتان، أو شاهد واحد قَالَ: وأجمعنا أن الإقرار بعد الإنكار لا يوجب يمينًا على الطالبين وكذلك مع الشاهدين، والشاهد والمرأتين فلم يبق إلا شاهد واحد وكذلك استحلف الطالبان ورويت القصة بنحو ذلك.

стр. 10153

ثانيها: قوله (مخوص بالذهب) قَالَ ابن الجوزي: صيغت فيه صفائح مثل الخوص من الذهب. وقال ابن بطال: نقش فيه صفة الخوص، وطلي بالذهب. والخوص: ورق النخل والمقل (١). وقال ابن التين: والجام الإناء المخوص المقلت، وأغرب بعضهم فرواه بضاد معجمة حكاه المنذري والمشهور بمهملة وخاء معجمة. ثالثها: الحالفان قيل: هما عبد الله بن عمرو بن العاصي والمطلب، وقد أسلفنا من طريق الترمذي أن أحدهما عمرو بن العاصي ومن طريق غيره: عمرو بن العاصي والمطلب ابن أبي وداعة. والسهمي في رواية البخاري هو: بديل ابن أبي مريم كذا قاله ابن التين وقد قدمنا فيه أقوالًا أخر. رابعها: ما قدمناه عن ابن عباس من قبول شهادة الكفار على المسلمين في الوصية في السفر أخذًا من هذا الحديث هو ما ذكره ابن بطال، وأما ابن المنير فرده عليه بأن الشهادة كانت عبارة عن اليمين. قَالَ: ولا خلاف أن يمينه مقبولة إذا ادعى عليه فأنكر، ولا بينة، ولعل تميمًا اعترف أن الجام كان ملكه من الميت بشراء أو غيره، فكان ولي الكافر مدعي عليه فحلف واستحق وفي بعض الحديث التصريح بهذا، ولو لم يكن لكان الاحتمال كافيًا في إسقاط (الاستبدال) (٢) لأنها واقعة عين (٣). قلتُ: سلف ذكر بديل ابن مارية في الصحابة.

стр. 10154

٣٦ - باب قَضَاءِ الوَصِيِّ دُيُونَ المَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الوَرَثَةِ ٢٧٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، أَوِ الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ فِرَاسٍ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَاريُّ ﵄ أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ قَالَ: "اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَتِهِ". فَفَعَلْتُ ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "ادْعُ أَصْحَابَكَ". فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى الله أَمَانَةَ وَالِدِي، وَأَنَا وَاللهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ الله أَمَانَةَ وَالِدِي، وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، فَسَلِمَ وَاللهِ البَيَادِرُ كُلُّهَا، حَتَّى أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى البَيْدَرِ الذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً. [قَالَ أبُو عبْدِ اللهِ: أْغرُوا بي: هَيجُوا بِي ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤]. [انظر: ٢١٢٧ - فتح: ٥/ ٤١٣] ثم ساق حديث جابر في قضاء دين والده، وقد سلف غير مرة (١). ومعنى (فلما نظروا إليه أغروا بي تلك الساعة) أي: ألحوا عليه، والبيدر الأندر يقال للواحد وللجميع قاله الداودي قَالَ: ويقال له: الجرين والعوج قَالَ: وكذلك كل ما يجمع فيه للزرع وغيره، ولا خلاف

стр. 10155

بين العلماء أن الوصي يجوز له أن يقضي ديون الميت بغير محضر الورثة على حديث جابر؛ لأنه لم يحضر جميع ورثة أبيه عند اقتضاء الغرماء ديونهم، وإنما اختلفوا في مقاسمة الوصي الموصى له على الورثة فروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: تجوز الوصي على الصغار ولا يجوز على الكبير الغائب (١) وهو قول أبي حنيفة (٢). قَالَ مالك: لا يقاسم على الكبير الغائب إلا السلطان، قَالَ أبو حنيفة: ومقاسمة الورثة الوصي على الموصى له باطل؛ فإن ضاع نصيب الموصى له عند الوصي رجع به على الورثة وأجازها أبو يوسف وقال: القسمة جائزة على الغيب ولا رجوع لهم على الحضور، وإن ضاع ما أخذ الوصي. وقال الطحاوي: القياس أن لا يقسم على الكبار ولا على الموصى له؛ لأنه لا ولاية له عليهم وليس يوصي للموصى له (٣).

стр. 10156

٥٦ كتاب الجهاد والسِّيَر

стр. 10157

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن ٥٦ - كتَابُ الجِهاَد والسِّيَر الجهاد لغة أصله: الجهد وهو المشقة؛ يقال: جهدت الرجل: بلغت مشقته، وكذلك الجهاد في الله تعالى إنما هو بذل الجهد في أعمال النفس، وتذليلها في سبل الشرع، والحمل عليها بمخالفة النفس من الركون إلى الدعة واللذات واتباع الشهوات، وفي النسائي من حديث سبرة بن أبي (فاكه) (١) مرفوعًا: "تم قعد له -يعني: الشيطان- بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال" (٢). فائدة: الجهاد باليد وبالقلب واللسان. والسير جمع: سيرة؛ لأنها متلقاة من سير رسول الله ﷺ وأيامه.

стр. 10158

١ - باب فَضْلُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ وَقَوْلُ اللهِ : ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قَالَ ابن عباس الحدود: الطاعة. ٢٧٨٢ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ الْعَيْزَارِ ذَكَرَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ". فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. [انظر: ٥٢٧ - مسلم: ٨٥ - فتح: ٦/ ٣] ٢٧٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ (وسيأتي بعد الحديث ١٨٦٣) - فتح ٦/ ٣] ٢٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: "لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ". [انظر: ١٥٢٠ - فتح: ٦/ ٤] ٢٧٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حَصِينٍ، أَنَّ ذَكْوَانَ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ. قَالَ: "لَا أَجِدُهُ" قَالَ: "هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟ ". قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ. [مسلم: ١٨٧٨ - فتح: ٦/ ٤]

стр. 10159

ثم ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها: حديث ابن مَسْعُودٍ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ". ذكره من طريق مَالِك بْنِ مِغْوَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الوَلِيدَ بْنَ العَيْزَارِ ذَكَرَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ فذكره. ثانيها: حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ". ثالثها: حديث عَائِشَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُرى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: "لكن أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ". رابعها: حديث أبي هُرَيْرَةَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ. قَالَ: "لَا أَجِدُهُ" قَالَ: "هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟ ". قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ. الشرح: هذا الباب مذكور هنا في جميع النسخ والشروح خلا ابن بطال فإنه ذكره عقيب الحج والصوم قبل البيوع، ولما وصل إلى هنا وصل بكتاب الأحكام. وأحاديث الباب تقدمت إلا حديث أبي هريرة، وقد أخرجه مسلم والأربعة (١).

стр. 10160

وأما الآية فهي تمثيل مثل ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ ولما جوزوا بالجنة على ذَلِكَ عبر عنه بلفظ الشراء تجوز. وقوله: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ فيه بشرى، وهي أن القاتل والمقتول معًا في الجنة، وقال بعض الصحابة: ما أبالي قتلت في سبيل الله أو قُتلت وتلا هذِه الآية، وهذا يرد على الشعبي في قوله: إن الغالب في سبيل الله أعظم أجرًا من المقتول (١). ﴿التَّائِبُونَ﴾ من الذنوب، ﴿الْعَابِدُونَ﴾ بالطاعة، أو بالتوحيد أو بطول الصلاة، أقوال. وقال الحسن: ﴿التَّائِبُونَ﴾ من الشرك ﴿الْعَابِدُونَ﴾ لله وحده (٢). وقال الداودي: كلما كانت منهم غفلة أو سهو أو خطئة ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم. ﴿الْحَامِدُونَ﴾ مهج على السراء والضراء أو على الإسلام (٣). ﴿السَّائِحُونَ﴾ المجاهدون، أو الصائمون واستؤذن ﷺ في السياحة فقال: "سياحة أمتي الجهاد" (٤)، وفي رواية: "الصوم" وصح عن ابن

стр. 10161

مسعود أنها الصوم (١)، قيل له سائح؛ لأنه تارك للمفطرات فهو كهو، وقيل: السائحون: المهاجرون (٢)، وقيل: طلبة العلم (٣). ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ التوحيد أو الإسلام. ﴿الْمُنْكَرِ﴾ الشرك، أو الذين لم ينهوا عنه حَتَّى انتهوا عنه (٤). ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ القائمون بأمره، والعاملون بأمره ونهيه، أو بفرائض الله حلاله وحرامه، أو لشرطه في الجهاد (٥). قَالَ بعض العلماء: إذا كان (الناهون) (٦) عن المنكر الثلثَ، والعاملون له الثلثين؛ وجب على الناهين جهاد الفاعلين قياسًا على أهل الكفر (٧). وقَالَ (ابن) (٨) مجاهد: إنما يكون باليد واللسان لا بالسيف؛ إلا في

стр. 10162

المحاربين، وأتى بالواو في قوله: ﴿وَالنَّاهُونَ﴾ وما بعده؛ لأن ما بعد السبع من النعوت يأتي بالواو ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: المصدقين بما وعدوا في هذِه الآيات، أو مما ندبوا إليه فيها (١)، فلما نزلت ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى﴾ جاء رجل من المهاجرين؛ فقال: يا رسول الله، وإن زنا وإن سرق وإن شرب الخمر؟ فنزلت ﴿التَّائِبُونَ﴾. وما ذكره عن ابن عباس في تفسير الحدود أنها الطاعة (٢)، ذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في "تفسيره" عنه، وذكر الحاكم في "إكليله" أن هذِه الآية الكريمة هي أول آية نزلت في الإذن بالقتال، وفي "مستدركه" عنه على شرطهما أول آية نزلت فيه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ الآية (٣). وحديث ابن مسعود سلف شرحه في الصلاة (٤)، وأن اختلاف الأحاديث كان لاختلاف السائلين ومقاصدهم. وجمع الداودي أيضًا بأن لا اختلاف إن أوقع الصلاة في ميقاتها كان الجهاد مقدمًا على برِّ أبويه وإن أخرها عن وقتها كان بر أبويه مقدمًا على الجهاد. وقال الطبري: ومعنى الحديث أن هذِه الخصال أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله، وذلك أن من ضيع الصلاة المفروضة حتَّى خرج وقتها بغير عذر يعذر منه مع خفة مؤنتها وعظم فضلها فهو لا شك لغيرها

стр. 10163

من أمر الدين والإِسلام أشد تضييعًا، وبه أشد تهاونًا واستخفافًا، وكذلك من ترك بر والديه وضيع حقوقهما مع عظم حقهما عليه، وتربيتهما إياه، وتعطفهما عليه، ورفقهما به صغيرًا، وإحسانهما إليه كبيرًا، وخالف أمر الله ووصيته إياه فيهما فهو لغير ذَلِكَ من حقوق الله أشد تضييعًا. وكذلك من ترك جهاد أعداء الله تعالى وخالف أمره في قتاله مع كفرهم بالله، ومناصبتهم أنبياءه وأولياءه للحرب فهو كجهاد من هو دونه من فساق أهل التوحيد، ومحاربة من سواه من أهل الزيغ والنفاق أشد تركًا، فهذِه الأمور الثلاثة تجمع المحافظة عليهن الدلالة لمن حافظهن أنه محافظ على ما سواهن، ويجمع تضييعهن الدلالة على تضييع ما سواهن من أمر الدين والإسلام، فلذلك خصهن ﷺ بأنهن أفضل الأعمال (١). وحديث ابن عباس: "لا هجرة بعد الفتح" أسلفنا تأويله (٢)، وقال ابن التين: (يريد) (٣) لمن لم يكن هاجر؛ دليله الحديث الآخر: "أذن للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثًا بعد الصدر" (٤)، وكذلك في حديث سعد: أخلف بعد أصحابي فقال: "اللَّهُمَّ أمض لأصحابي هجرتهم" (٥). وقيل: كانت الهجرة (ضربان) (٦):

стр. 10164

أحدهما: أن الآحاد من القبائل كانوا إذا أسلموا وأقاموا في ديارهم بين ظهراني قومهم أوذوا فأمروا بالهجرة؛ ليسلم لهم دينهم. ثانيهما: أن أهل الدين بالمدينة كانوا في قلة من العدد وضعف من القوة، فوجب على من أسلم أن يحضر النبي ﷺ ؛ ليستعين به في حدوث حادثة، وليتفقهوا في الدين ويعلموا قومهم عند رجوعهم، فلما فتحت مكة (استغنوا) (١) عن ذَلِكَ؛ إذ كان معظم الخوف على المسلمين من أهل مكة فلما أسلموا أُمر المسلمون أن يغزوا في عقر دراهم، فقيل لهم: أقيموا في أوطانكم وقروا على نية الجهاد فإن فرضه غير منقطع مدى الدهر، وكان الجهاد في زمنه فرض كفاية، وقيل: عين. وقيل: على الأنصار. والخلاف في كونه كان فرض كفاية حكاه المالكية أيضًا. وقال سحنون: كان في أول الإسلام فرض عين والآن هو مرغب فيه (٢). وقال المهلب: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم؛ لقلتهم وحاجتهم إلى الاجتماع والتأليف، فلما فتح الله تعالى مكة دخل الناس في دينه أفواجا؛ سقط فرض الهجرة وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به، أو نزل به عدو (٣). وحديث عائشة ضبطه عند أبي ذر (لكن) بضم الكاف على معنى ضمير جماعة النساء، وعند غيره بكسرها، ويبين الأول حديث: يأتي

стр. 10165

بعد هذا "جهادكن الحج" (١)، وقد سلف فيه أيضًا (٢). والمبرور: الذي لا رفث فيه ولا فسوق ولا جدال، وإنما جعل الحج أفضل للنساء من الجهاد لقلة (غنائهن) (٣) فيه. وحديث أبي هريرة فيه أن المجاهد على كل أحواله يكتب له ما كان يكتب للمتعبد، فالجهاد أفضل من التنفل بالصلاة والصيام وقول أبي هريرة: (إن فرس المجاهد ليستن في طوله) أي: ليمرح قَالَه ابن التين (وقال ابن بطال: ليأخذ في السنن على وجه واحد ماضيًا) (٤) وهو يفتعل من السنن" يقال: فلان سنن الريح والسيل إذا كان على جهتهما (وممرها) (٥)، وأهل الحجاز يقولون: سُنن بضم السين (٦). والطول هنا -بكسر الطاء وفتح الواو-: الحبل تشد به الدابة ويمسك صاحبها بطرقه ويرسلها (ترعى) (٧) (٨). وقوله: (دلني على عمل يعدل الجهاد قَالَ: "لا أجد") يريد: إذا أتى المجاهد بالصلاة في (ميقاتها) (٩).

стр. 10166

٢ - باب أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبِيلِ اللهِ - وَقَوْلُهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ إلى قوله ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢]. ٢٧٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ". قَالُوا: ثُمَّ مَنْ قَالَ: "مُؤْمِنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ". [٦٤٩٤ - مسلم: ١٨٨٨ - فتح: ٦/ ٦] ٢٧٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ الْمُجَاهِدِ في سَبِيلِ اللهِ - وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ في سَبِيلِهِ - كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّلَ الله لِلْمُجَاهِدِ في سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ". [انظر: ٣٦ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ٦/ ٦] ثم ذكر فيه حديث عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِي، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضلُ؟ فَقَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "مؤمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ". قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي الله، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ". وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبِيلِ اللهِ -والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ في سَبيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ في سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفًّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ".

стр. 10167

الشرح: في الآية فضل الغنى والحث على الجهاد. وقوله: ("مؤمن يجاهد في سبيل الله") ليس على عمومه، فلا يريد أنه أفضل الناس؛ لأنه أفضل منه من أوتي منازل الصديقين وحمل الناس على الشرائع والسنن وقادهم إلى الخير، وسبب لهم أسباب المنفعة دينًا ودنيا، لكن إنما أراد -والله أعلم- أفضل أحوال عامة الناس؛ لأنه قد يكون في خاصتهم من أهل الدين والعلم والفضل والضبط للسنن من هو أفضل منه. وقوله: ("والله أعلم بمن يجاهد في سبيله") يريد والله أعلم بعقد نيته إن كانت لله خالصة وإعلاء كلمته، فذلك المجاهد في سبيل الله إن كان في نيته حب المال والدنيا واكتساب الذكر منها فقد شرك في سبيل الله سبيل الدنيا. وفي "المستدرك" من حديث أبي سعيد (١) على شرطهما: أي المؤمنين أكمل إيمانًا قَالَ: "الذي يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه" (٢). وقوله: ("كمثل الصائم القائم") يدل على أن حركات المجاهد (ونومه) (٣) ويقظته حسنات، وإنما مثله بالصائم؛ لأنه ممسك لنفسه عن الأكل والشرب واللذات، وكذلك المجاهد ممسك لنفسه على محاربة العدو وحابس نفسه على من يقاتله.

стр. 10168

وقوله: ("مع ما نال من أجر أو غنيمة") إنما أدخل (أو) هنا؛ لأنه قد يرجع مرة بالأجر وحده ومرة به والغنيمة جميعًا، فأدخل (أو) ليدل على اختلاف الحالين، لا أنه يرجع بغنيمة دون أجر بل أبدا يرجع بالأجر كانت غنيمة أو لم تكن، نبه عليه ابن بطال (١). وحكى ابن التين والقرطبي أن (أو) هنا بمعنى الواو الجامعة على مذهب الكوفيين، وقد سقطت في أبي داود (٢) وفي بعض روايات مسلم. وذهب بعضهم إلى أنها على بابها وليست بمعنى الواو، أي: أجر لمن لم يغنم أو غنيمة ولا أجر، وليس صحيح لحديث عبد الله بن عمرو: "ما من غازية تغزو ويصيبوا ويغنموا إلا تعجلوا ثلثي أجرهم ويبقى الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم" أخرجه مسلم (٣)، وهو نص في حصول المجموع بالوجه الأول (٤). وقال ابن أبي صفرة: تفاضلهم بالأجر وتساويهم في الغنيمة دليل قاطع أن الأجر يستحقونه (بنياتهم) (٥)، فيكون أجر كل واحد على قدر عنائه، وأن الغنيمة لا يستحقونها بذلك لكن بتفضل الله عليهم ورحمته لهم؛ لما رأى من ضعفهم فلم يكن لأحد فضل على غيره إلا أن يكون يفضله قاسم الغنيمة فينفله من رأسها، كما نفل أبا قتادة،

стр. 10169

أو من الخمس كما نفلهم في حديث ابن عمر (١)، والله يؤتي (فضله) (٢) من يشاء، وإدخاله الجنة يحتمل أن يدخلها إثر وفاته تخصيصًا للشهيد أو بعد البعث، ويكون فائدة تخصيصه أن ذَلِكَ كفارة لجميع خطايا المجاهد ولا يوزن مع حسناته، ذكره ابن التين. وفيه: فضل العزلة والانفراد عن الناس والفرار عنهم ولا سيما في زمن الفتن وفساد الناس، وإنما جاءت الأحاديث بذكر الشعاب والجبال؛ لأنها في الأغلب مواضع الخلوة والانفراد، فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في هذا المعنى كالمساجد والبيوت، وقد قَالَ عقبة بن عامر: ما النجاة يا رسول الله؟ قَالَ: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك" (٣).

стр. 10170

٣ - باب الدُّعَاءِ بِالْجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَقَالَ عُمَرُ ﵁: ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سبيلك. ٢٧٨٨، ٢٧٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يدخلُ على أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً في سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ"، أَوْ: "مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ". شَكَّ إِسْحَاقُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ". كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ". فَرَكِبَتِ البَحْرَ في زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ. ٢٧٨٨ - [٢٧٩٩/ ٢٨٧٧، ٢٨٩٤، ٦٢٨٢، ٧٠٠١ - مسلم: ١٩١٢] ٢٧٨٩ - [٢٨٠٠، ٢٨٧٨، ٢٨٩٥، ٦٢٨٣، ٧٠٠٢ - مسلم: ١٩١٢ - فتح: ٦/ ١٠] ثم ساق عن أنس دخوله ﷺ على أم حرام ودعاءه لها بالشهادة بطوله. وأثر عمر أسنده آخر الحج كما مضى (١)، وأخرجه ابن سعد في "طبقاته" أيضًا عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن حفصة أم المؤمنين أنها

стр. 10171

سمعت أباها يقول: اللَّهُمَّ ارزقني قتلاً في سبيلك، ووفاةً في بلد نبيك. قالت: قلتُ: وأنى ذاك؟ قَالَ: إن الله يأتي بأمره أنى شاء. وأنا معن بن عيسى، ثنا مالك، عن زيد بن أسلم أن عمر كان يقول في دعائه: اللَّهُمَّ إني أسألك شهادة في سبيلك ووفاة ببلد رسولك. وأنا عبد الله بن جعفر الرقي، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، عن أبيه قَالَ: رأى عوف بن مالك منامًا قصه على عمر بالشام فيها: وإن عمر شهيد مستشهد، فقال عمر: أنى لي الشهادة وأنا بين- ظهراني جزيرة العرب، ولست أغزو والناس حولي؛ ثم قَالَ: ويلي! ويلي! يأتي الله بها إن شاء الله (١)، زاد بعضهم: على يدي عدوك. وفي "الموطأ": اللَّهُمَّ لا تجعل قتلي بيد رجل صلى لك سجدة واحدة يحاجني بها يوم القيامة عندك (٢). وجاء -كما قَالَ ابن العربي- مرفوعًا: "خير الشهداء من قتله أهل ملته فيأخذ من حسناته". إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام على حديث الباب من وجوه - وقد أخرجه مسلم أيضًا (٣). وذكره في قتال الروم (٤)، والرؤيا أيضًا (٥).

стр. 10172

وأخرجه الأربعة في الجهاد أيضًا (١)، وقال الترمذي: حسن صحيح. أحدها: هذا الحديث ذكره (أيضًا) (٢) في باب: ركوب البحر. عن (أبي) (٣) النعمان، عن حماد، عن يحيى، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أنس قَالَ: حدثتني أم حرام فذكره (٤)، جعله من مسند أم حرام. وفي حديث عمير بن الأسود العنسي أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحل حمص في بناءٍ له ومعه أم حرام، قَالَ عمير: فحدثتنا أم حرام عن النبي ﷺ بنحوه (٥)، وأخرجه أيضًا في باب: غزو المرأة في البحر، عن عبد الله بن محمد، ثَنَا معاوية بن عمرو، حَدَّثَنَا أبو إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس به (٦). قَالَ الجياني: كذا رويناه من جميع طرق البخاري. وقال أبو مسعود: سقط بين أبي إسحاق الفَزَاري وبين أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن زائدة بن قدامة (٧). قَالَ الجياني: قابلته في "مسند أبي إسحاق الفزاري" فوجدته كما عند البخاري، وكذا رواه ابن وضاح عن أبي مروان المصيصي، عن أبي إسحاق.

стр. 10173

قَالَ الجياني: ومع هذا فالحديث محفوظ الزائدة، عن أبي طوالة رواه عنه حسين بن علي (الجعفي) (١) ومعاوية بن عمرو، ورواه الإسماعيلي من حديث حسين بن علي، عن زائدة (٢). وقال الدارقطني: روى بشر بن عمر الزهراني هذا عن مالك، عن إسحاق عن أنس، عن أم حرام. ثانيها: في رواية في "الصحيح" تأتي قريبًا: "يركبون هذا البحر الأخضر" (٣). وفي رواية: فخرجت مع زوجها غازية أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية، فلما انصرفوا من غزاتهم قربت لها دابتها (٤)، ولابن حبان: قبرها في جزيرة في بحر الروم يقال لها: قبرس من المسلمين إليها ثلاثة أيام (٥). وللدارقطني رواه عنها أيضًا عطاء بن يسار. ثالثها: قَالَ ابن عبد البر: أم حرام هذِه خالة أنس، ولا أقف لها على اسم (٦). وأظنها أرضعت النبي ﷺ ، وأم سليم أرضعته أيضًا إذ لا يشك مسلم أنها كانت منه بمحرم، وقد أخبرنا غير واحد من شيوخنا، عن أبي

стр. 10174

محمد بن فطيس، عن يحيى بن إبراهيم بن مُزين قَالَ: إنما استجاز رسول الله ﷺ أن تفلي أم حرام رأسه؛ لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته؛ لأن أم عبد المطلب كانت من بني النجار، وقَالَ يونس بن عبد الأعلى: قَالَ لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات رسول الله ﷺ من الرضاعة. قَالَ ابن عبد البر: فأي ذَلِكَ كان فأم حرام محرم منه (١). ونقل ابن التين، عن ابن وهب أنها كانت خالته ولم يزد، ثم قَالَ: وقال جماعة غيره: كانت خالته من الرضاعة. وقال ابن الحذاء: قَالَ لنا أبو القاسم بن الجوهري: وأم حرام هي إحدى خالاته من الرضاعة، وكذا قاله المهلب. قَالَ ابن بطال: وقال غيره: إنها كانت خالة لأبيه أو لجده؛ لأن أم عبد المطلب كانت من بني النجار، وكان يأتيها زائرًا لها والزيارة من صلة الرحم (٢)، وذكر ابن العربي عن بعض العلماء أن هذا مخصوص برسول الله ﷺ ، أو يحمل على أنه كان قبل الحجاب إلا أن (تفلي رأسه) يضعف هذا (٣). وزعم ابن الجوزي أنه سمع بعض الحفاظ يقول: كانت أم سليم أخت آمنة من الرضاعة، وقد أسلفنا كلام الدمياطي في دخوله على أم سليم. وقوله: ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بها. فلعل ذاك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع، والعادة تقتضي المخالطة بين المخدوم وأهل الخادم لا سيما إذا كن مسنات مع ما ثبت له ﷺ من العصمة،

стр. 10175

ولعل هذا قبل الحجاب؛ فإنه كان في سنة خمس وقتل أخيها حرام الذي كان يرحمها لأجله كان سنة أربع. رابعها: فيه إباحة ما قدمته المرأة إلى ضيفها من مال زوجها؛ لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون ذلك من مال زوجها (لعلمها) (١) أنه كان يُسر بذلك، ويحتمل أن يكون من مالها. قال ابن بطال (٢)، وقال ابن العربي: ومن المعلوم أن عبادة وكل المسلمين يسرهم أكل سيدنا رسول الله ﷺ في بيته. واعترضه القرطبي فقَالَ: حين دخوله ﷺ على أم حرام لم تكن زوجًا لعبادة كما يقتضيه ظاهر اللفظ إنما تزوجته بعد ذَلِكَ بمدة كما جاء في رواية عند مسلم (٣): فتزوجها عبادة بعد (٤). خامسها: (تفلي) بفتح التاء وسكون الفاء، وقتل القمل وغيره من المؤذيات، مستحب. ونوم القائلة أصله في (معونة) (٥) البدن لقيام الليل، وفرحه ﵇ لما عاين من ظهور أمته اتساع ملكهم حَتَّى يغزوا في البحر وتفتح البلاد. قال أبو عمر: أراد أنه رأى الغزاة في البحر على الأسرة في الجنة، ورؤيا الأنبياء وحي، يشهد له قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦].

стр. 10176

وبه جزم ابن بطال حيث قَالَ: إنما رآهم ملوكًا على الأسرة في الجنة في رؤياه، ويحتمل كما قال القرطبي: أن يكون خبرًا عن حالهم في غزوهم أيضًا (١). سادسها: فيه دلالة على ركوب البحر للغزو، قَالَ ابن المسيب: كان أصحاب النبي ﷺ يتجرون في البحر منهم طلحة وسعيد بن زيد (٢)، وهو قول جمهور العلماء إلا عمر بن الخطاب وابن عبد العزيز فإنهما منعا من ركوبه مطلقًا، ومنهم من حمله على ركوبه لطلب الدنيا لا الآخرة، وكره مالك ركوبه للنساء مطلقًا لما يخاف عليهن من أن يطلع منهن أو يطلعن على عورة، وخصه بعضهم بالسفن الصغار دون الكبار والحديث يخدش فيه (٣). وأما حديث ابن عمرو مرفوعًا: "لا يركب البحر إلا حاجًا أو معتمرًا أو غازيًا فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا" فأخرجه أبو داود وهو ضعيف (٤)، ولما ذكره الخلال (٥) من حديث ليث، عن مجاهد، عنه؛ قَالَ ابن معين: هذا عن رسول الله ﷺ منكر.

стр. 10177

سابعها: فيه أيضًا إباحة الجهاد للنساء في البحر، وقد ترجم له بذلك كما ستعلمه (١). قالت أم عطية: كنا نغزوا مع رسول الله فنداوي الكلمى ونقوم على المرضى (٢). ثامنها: فيه أن الوكيل والمؤتمن إذا علم أنه يسر صاحب المنزل مما يفعله في ماله جاز له فعل ذلك، ومعلوم أن عُبادة كان يسره نزول رسول الله ﷺ في بيته، واختلف العلماء في عطية المرأة من مال زوجها بغير إذنه، وسيأتي إيضاحه في موضعه وسلف في الزكاة أيضًا (٣). تاسعها: ثبج -بثاء مثلثة ثم باء موحدة ثم جيم- وهو الظهر، وقال الخطابي: أعلى متن الشيء ومعظمه، وثبج كل شيء وسطه (٤)، ويؤيد الأول رواية: "يركبون ظهر هذا البحر"، والثبج ما بين الكتفين (٥)، وفي "أمالي القالي" ثبج البحر ظهره، وقيل: معظمه، وقيل: قوته. وضحكه سرور منه مما يدخله الله على أمته من الأجر وما ينالونه من الخير كما سلف. العاشر: فيه أيضًا أنَّ الجهاد تحت راية كل إمام جائر ماضٍ إلى يوم القيامة؛ لأنه رأى الآخرين ملوكًا على الأسرة كما رأى الأولين ولا نهاية للآخرين إلى يوم القيامة، قَالَ تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ

стр. 10178

الْآخَرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠] (١). الحادي عشر: قولها: (ادع الله أن يجعلني منهم) فيه تمني الغزو والشهادة وهو موضع تبويب البخاري الشهادة للرجال والنساء؛ وقال غيره أيضًا: إن فيه تمني الشهادة وليس في الحديث، وإنما فيه تمني الغزو لا تمني الشهادة. كذا قاله ابن التين (٢). وقال ابن المنير: حاصل الدعاء بالشهادة أن يدعو الله أن يمكن منه كافرًا يعصي الله فيقتله، وهذا مشكل على القواعد؛ إذ مقتضاها ألا يتمنى معصية الله لا له ولا لغيره، ووجه تخريجه أنَّ الدعاء قصدًا إنما هو نيل الدرجة المرفوعة المعدة للشهداء، وأما قتل الكافر فليس مقصود الداعي وإنما هو من ضروريات الوجود؛ لأن الله تعالى أجرى حكمه ألا ينال تلك الدرجة إلا شهيد (٣). قلتُ: قد أسلفنا أن عمر ﵁ تمناها على يد كافر (٤). الثاني عشر: قيل: إن رؤياه ﵇ الثانية كانت في (شهيد) (٥) البر فوصف حال البر والبحر بأنهم ملوكٌ على الأسرة، حكاه ابن التين وغيره، قَالَ: وقيل: يحتمل أن يكون حالهم في الدنيا كالملوك على الأسرة ولا يبالون بأحد. الثالث عشر: هذا الحديث من أعلام نبوته وذلك أنه أخبر فيه

стр. 10179

بضروب من الغيب قبل وقوعها، منها: جهاد أمته في البحر، وضحكه دال على أن الله تعالى يفتح لهم ويغنمهم. ومنها: الإخبار بصفة أحوالهم في جهادهم، وهو قوله: "يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة". ومنها: قوله لأم حرام: ("أنت من الأولين") فكان كذلك، غزت مع زوجها في أول غزوة كانت إلى الروم في البحر مع معاوية زمن عثمان، سنة ثمان وعشرين وقال ابن (زيد) (١): سنة سبع وعشرين، وقيل: بل كان ذَلِكَ في خلافة معاوية على ظاهره، والأول أشهر وهو ما ذكره أهل السير، وفيه هلكت. ومنها: الإخبار ببقاء أمته من بعده وأن تكون لهم شوكة، وأن أم حرام تبقى إلى ذلك الوقت، وكل ذلك لا يعلم إلا بوحي على ما أوحي به إليه في نومه. وفيه: أن رؤيا الأنبياء وحي، وقد سلف (٢). وفيه: ضحك المبشر إذا بشر مما يسره كما فعل الشارع. وفيه: كما قَالَ المهلب: فضل لمعاوية وأن الله قد بشر به نبيه في النوم؛ لأنه أول من غزا في البحر وجعل من غزا تحت رايته من الأولين (٣).

стр. 10180

وفيه: أن الموت في سَبيل الله شهادة. قَالَ ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون: ثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي العجفاء السلمي قَالَ: قَالَ عمر: قَالَ محمد ﷺ : "من قتل في سَبيل الله أو مات فهو في الجنة" (١). الرابع عشر: فيه دلالة على أن من مات في طريق الجهاد من غير مباشرة ومشاهدة له من الأجر مثل ما للمباشر، (وكن) (٢) النساء إذا غزون يسقين الماء ويداوين الكلمى ويصنعن لهم طعامهم وما يصلحهم، كما سلف. قَالَ ابن عبد البر: وفيه أن الموت في سَبيل الله والقتل سواء أو قريب من السواء في الفضل، قَالَ: وإنما قلتُ أو قريب من السواء لاختلاف الناس في ذَلِكَ، فمن أهل العلم من جعل الميت في سبيل الله والمقتول سواء، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج: ٥٨] الاثنين جميعًا، وبقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [النساء: ١٠٠] (٣)، وبقوله ﷺ في حديث عتيك: "من خرج مجاهدًا في سَبيل الله فخر عن دابته فمات أو لدغته حية فمات أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله" (٤).

стр. 10181

وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من قتل في سَبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد" (١)، ومن حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "من صرع عن دابته في سبَيل الله فمات فهو شهيد" (٢). وفي أبي داود من حديث بقية، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن ابن غنم، عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا: "من وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله فهو شهيد"، واستدركه الحاكم؛ وقال: صحيح على شرط مسلم (٣). قَالَ ابن عبد البر: وقد ثبت عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه سُئل: أي الجهاد أفضل؟ فقال: "من أهريق دمه وعقر جواده" (٤)، فإذا كان هذا أفضل الشهداء؛ اعلم أن من ليس كذلك أنه مفضول (٥). قلتُ: وفي "صحيح الحاكم": وقال: صحيح الإسناد من حديث

стр. 10182

كعب بن عجرة قَالَ النبي ﷺ لعمر يوم بدرٍ ورأى قتيلاً: "يا عمر إنَّ للشهداء سادة وأشرافًا وملوكًا، وإن هذا منهم" (١). وروى الحلواني في "معرفته": حدثنا أبو على الحنفي، ثَنَا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عمير قال: قَالَ علي بن أبي طالب: من حبسه السلطان وهو ظالم له فمات في محبسه ذَلِكَ فهو شهيد، ومن ضربه السلطان ظالمًا فمات من ضربه (ذَلِكَ) (٢) فهو شهيد وكل (موت) (٣) يموت بها المسلم فهو شهيد غير أن الشهادة تتفاضل (٤). قَالَ ابن عبد البر: وكان عمر بن الخطاب يضرب من يسمعه يقول: من قتل في سبيل الله فهو شهيد. ويقول لهم: قولوا: في الجنة، قَالَ أبو عمر: وذَلِكَ أن شرط الشهادة شديد فمن ذَلِكَ ألا يغل ولا يجبن، وأن يُقتل مقبلًا غير مدبر، وينفق (الكريمة) (٥) وألا يؤدي جارًا ولا رفيقًا ولا ذميًّا ولا يخفي (غلولا) (٦)، ولا يسب إمامًا ولا يفر من الزحف (٧). قلت: ومقالة عمر أخرجها الحاكم عنه، ولفظه: لعله يكون قد أوقر دابته ذهبًا أو ورقًا يلتمس التجارة، فلا تقولوا ذاكم، ولكن قولوا كما قَالَ النبي ﷺ : "من قتل في سبيل الله أو مات فهو في الجنة" ثم قَالَ: حديث

стр. 10183

صحيح ولم يخرجاه (١). وعن أبي عبيدة، عن أبيه: إياكم وهذِه الشهادات أن يقول الرجل: قتل فلان شهيدًا، فإن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل في طلب الدنيا، ويقاتل وهو جريء الصدر (٢). قَالَ: واختلفوا في شهيد البحر أهو أفضل أم شهيد البر؟ فقال: قوم: شهيد البر، وقال قوم: شهيد البحر (٣). قَالَ: ولا خلاف بين أهل العلم أن البحر إذا ارتج لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه (٤). والذين رجحوا شهيد البحر؛ احتجوا مما رواه الطبراني في أكبر معاجمه من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "يغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ويغفر لشهيد البحر الذنوب كلها والدين" (٥). ورواه ابن أبي عاصم في كتاب "الجهاد" عن الحسن بن الصباح، ثَنَا يحيى بن عباد، ثَنَا يحيى بن عبد العزيز، (عن عبد العزيز) (٦) بن يحيى، ثَنَا سعيد بن صفوان، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن أبي بردة، سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ : "الشهادة تكفر كل

стр. 10184

شيء إلا الدين (والغزو) (١) في البحر يكفر ذلك كله" (٢). ومن حديث عبد الله بن صالح، عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عطاء بن يسار، عن ابن عمرو مرفوعًا: "غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر" (٣). ومن حديث هلال بن ميمون، عن أبي ثابت يعلي بن شداد بن أوس، عن أم حرام قالت: ذكر رسول الله ﷺ غزاة البحر فقال: "إن للمائد فيه أجر شهيد، وإن للغريق أجر شهيدين" (٤). ولابن ماجَهْ من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "لشهيد البحر مثل شهيد البر والمائد في البحر كالمتشحِّط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله تعالى وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض روحه، ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ولشهيد البحر الذنوب كلها والدين" (٥)، وقد سلف هذا عن الطبراني أيضًا (٦).

стр. 10185

٤ - باب دَرَجَاتِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ يُقَالُ: هَذِهِ سَبِيلِي، وهذا سَبِيلِي. ﴿غُزًّا﴾ [آل عمران: ١٥٦] وَاحِدُهَا غازٍ. ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [آل عمران: ١٦٣]: لَهُمْ دَرَجَاتٌ. ٢٧٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟. قَالَ: "إِنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ -أُرَاهُ: فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ- وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ: "وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ". [٧٤٢٣ - فتح: ٦/ ١١] ٢٧٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا قَالَا: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ". [انظر: ٨٤٥ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٦/ ١١] ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ آمَنَ باللهِ وَرَسُولِهِ وَأَقامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ التِي وُلِدَ فِيهَا". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "إِنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَألتُمُ الله فَاسْألوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ -أُرَاهُ: وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ- وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ". قَالَ

стр. 10186

مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ: "وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ". وحديث سَمُرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَالَا: أَمَّا هذِه الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ". الشرح: السبيل كما قَالَ يذكر ويؤنث؛ قَالَ ابن سيده: السبيل الطريق وما وضح منه، وسبيل الله: (طريق الله) (١) الذي دعا إليه، واستُعمل السبيل في الجهاد (أكثر) (٢) لأنه السبيل الذي يقاس به (على) (٣) عقد الدين والجمع سُبُل (٤). وما ذكره في تصير (غزًّا) ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ (٥)؛ ثابت في بعض النسخ. وتعليق محمد بن فليح أسنده البخاري في التوحيد عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فليح به (٦). قَالَ الجياني: وفي نسخة أبي الحسن القابسي: ثَنَا محمد بن فليح، وهو وهم؛ لأن البخاري لم يدرك محمدًا هذا، وإنما يروي عن ابن المنذر ومحمد بن سنان، عنه، والصواب: وقال محمد بن فليح كما

стр. 10187

رواه الجماعة (١)، وحديثه هذا من أفراد البخاري (٢)، ويأتي أيضًا في باب من أصابه سهم غرب (٣)، وحديث سمرة تقدم (٤). ولا شك أن الجنة تستحق بالإيمان بالله ورسوله تفضلًا وإحسانًا، وفي الحديث: "ثمن الجنة لا إله إلا الله" (٥). والأعمال الصالحة تنال بها الدرجات والمنازل في الجنة. والفردوس، قَالَ ابن عزيز (٦): هو البستان بلغة الروم (٧). وقال الزجاج: بالسريانية؛ وقال غيرهما: بالنبطية، أي: فنقل إلى لسان العرب (٨). وقيل: هو البستان الذي

стр. 10188

يجمع كل ما في البساتين من شجر وزهر ونبات مونق، وهو قول الزجاج وعبارته فيه: الفردوس: الأودية التي تنبت ضروبًا من النبت (١). وقوله: ("إنه أوسط الجنة") أي أفضلها، ومنه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: خيارًا؛ وفي الترمذي: هو ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها (٢). قَالَ الداودي: قَالَ بعد الفردوس باب من أبواب الجنة وقال أبو أمامة: هو سرة الجنة (٣)، ونقل الجواليقي عن أهل اللغة: أنه مذكر وإنما أنث في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١١]. وقال ابن بطال: وسط الجنة يحتمل أن يريد موسطتها والجنة قد حفت بها من كل جهة. وقوله: ("وأعلى الجنة") يريد أرفعها؛ لأن الله تعالى مدح الجنات إذا كانت في علو فقال: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. وقوله: ("وفوقه عرش الرحمن") قَالَ ابن التين: أي فوق الجنة كلها. وقوله: ("ومنه تفجر أنهار الجنة") يدل أنها عالية في الارتفاع. وقوله: ("من آمن بالله ورسوله .. ") إلى آخره؛ فيه تأنيس لمن حرم الجهاد في سبيل الله، فإن له من الإيمان بالله تعالى والتزام الفرائض

стр. 10189

ما يوصله إلى الجنة؛ لأنها هي غاية الطالبين ومن أجلها تبذل النفوس في الجهاد؛ خلافًا لما يقوله بعض جهلة الصوفية. فلما قيل لرسول الله: (أفلا نبشر الناس؟) أخبر ﷺ بدرجات المجاهدين في سبيل الله وفضيلتهم في الجنة؛ ليرغب أمته في جهاد المشركين؛ لإعلاء كلمة الإسلام، ولم يذكر فيه الزكاة والحج. قَالَ ابن بطال: لأنه كان قد فرضهما (١)؛ وفيه نظر فإن الزكاة فرضت قبل عام خيبر (٢) كما سلف، والحج فُرِضَ سنةَ ستًّ على ما تقدم. ورواه أبو هريرة وهو أسلم عام خيبر، وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس مرفوعًا: "من طلبَ الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم تصبه" (٣)، وفي "المستدرك": "من سأل القتل في سبيل الله صادقًا ثم مَات أعطاه الله أجر شهيد" (٤)، وفي النسائي من حديث معاذ مرفوعًا: "من سأل الله القتل من عند نفسه صادقًا، ثم مات أو قتل فله أجر شهيد" (٥)، وفي "المستدرك" -وقال: صحيح على شرط الشيخين- من حديث سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" (٦).

стр. 10190

وحديث أبي هريرة يشبه هذا المعنى؛ لأن قوله: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى" خطاب لجميع أمته يدخل فيه المجاهد وغيره؛ فدل ذَلِكَ على أنه قد يعطي الله لمن لم يجاهد قريبًا من درجة المجاهد؛ لأن الفردوس إذا كان أعلى الجنة ولا درجة فوقه، وقد أمر الشارع جميع أمته بطلبه من الله دل أن من بوأه الله إياه وإن لم يجاهد فقد تقاربت درجته من درجات المجاهدين في العلو وإن اختلفت الدرجات في الكثرة والله يؤتي فضله من يشاء.
следующие страницы →