← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10186–10225 · переход к 10191.

стр. 10186

مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ: "وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ". وحديث سَمُرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَالَا: أَمَّا هذِه الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ". الشرح: السبيل كما قَالَ يذكر ويؤنث؛ قَالَ ابن سيده: السبيل الطريق وما وضح منه، وسبيل الله: (طريق الله) (١) الذي دعا إليه، واستُعمل السبيل في الجهاد (أكثر) (٢) لأنه السبيل الذي يقاس به (على) (٣) عقد الدين والجمع سُبُل (٤). وما ذكره في تصير (غزًّا) ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ (٥)؛ ثابت في بعض النسخ. وتعليق محمد بن فليح أسنده البخاري في التوحيد عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فليح به (٦). قَالَ الجياني: وفي نسخة أبي الحسن القابسي: ثَنَا محمد بن فليح، وهو وهم؛ لأن البخاري لم يدرك محمدًا هذا، وإنما يروي عن ابن المنذر ومحمد بن سنان، عنه، والصواب: وقال محمد بن فليح كما

стр. 10187

رواه الجماعة (١)، وحديثه هذا من أفراد البخاري (٢)، ويأتي أيضًا في باب من أصابه سهم غرب (٣)، وحديث سمرة تقدم (٤). ولا شك أن الجنة تستحق بالإيمان بالله ورسوله تفضلًا وإحسانًا، وفي الحديث: "ثمن الجنة لا إله إلا الله" (٥). والأعمال الصالحة تنال بها الدرجات والمنازل في الجنة. والفردوس، قَالَ ابن عزيز (٦): هو البستان بلغة الروم (٧). وقال الزجاج: بالسريانية؛ وقال غيرهما: بالنبطية، أي: فنقل إلى لسان العرب (٨). وقيل: هو البستان الذي

стр. 10188

يجمع كل ما في البساتين من شجر وزهر ونبات مونق، وهو قول الزجاج وعبارته فيه: الفردوس: الأودية التي تنبت ضروبًا من النبت (١). وقوله: ("إنه أوسط الجنة") أي أفضلها، ومنه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: خيارًا؛ وفي الترمذي: هو ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها (٢). قَالَ الداودي: قَالَ بعد الفردوس باب من أبواب الجنة وقال أبو أمامة: هو سرة الجنة (٣)، ونقل الجواليقي عن أهل اللغة: أنه مذكر وإنما أنث في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١١]. وقال ابن بطال: وسط الجنة يحتمل أن يريد موسطتها والجنة قد حفت بها من كل جهة. وقوله: ("وأعلى الجنة") يريد أرفعها؛ لأن الله تعالى مدح الجنات إذا كانت في علو فقال: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. وقوله: ("وفوقه عرش الرحمن") قَالَ ابن التين: أي فوق الجنة كلها. وقوله: ("ومنه تفجر أنهار الجنة") يدل أنها عالية في الارتفاع. وقوله: ("من آمن بالله ورسوله .. ") إلى آخره؛ فيه تأنيس لمن حرم الجهاد في سبيل الله، فإن له من الإيمان بالله تعالى والتزام الفرائض

стр. 10189

ما يوصله إلى الجنة؛ لأنها هي غاية الطالبين ومن أجلها تبذل النفوس في الجهاد؛ خلافًا لما يقوله بعض جهلة الصوفية. فلما قيل لرسول الله: (أفلا نبشر الناس؟) أخبر ﷺ بدرجات المجاهدين في سبيل الله وفضيلتهم في الجنة؛ ليرغب أمته في جهاد المشركين؛ لإعلاء كلمة الإسلام، ولم يذكر فيه الزكاة والحج. قَالَ ابن بطال: لأنه كان قد فرضهما (١)؛ وفيه نظر فإن الزكاة فرضت قبل عام خيبر (٢) كما سلف، والحج فُرِضَ سنةَ ستًّ على ما تقدم. ورواه أبو هريرة وهو أسلم عام خيبر، وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس مرفوعًا: "من طلبَ الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم تصبه" (٣)، وفي "المستدرك": "من سأل القتل في سبيل الله صادقًا ثم مَات أعطاه الله أجر شهيد" (٤)، وفي النسائي من حديث معاذ مرفوعًا: "من سأل الله القتل من عند نفسه صادقًا، ثم مات أو قتل فله أجر شهيد" (٥)، وفي "المستدرك" -وقال: صحيح على شرط الشيخين- من حديث سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" (٦).

стр. 10190

وحديث أبي هريرة يشبه هذا المعنى؛ لأن قوله: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى" خطاب لجميع أمته يدخل فيه المجاهد وغيره؛ فدل ذَلِكَ على أنه قد يعطي الله لمن لم يجاهد قريبًا من درجة المجاهد؛ لأن الفردوس إذا كان أعلى الجنة ولا درجة فوقه، وقد أمر الشارع جميع أمته بطلبه من الله دل أن من بوأه الله إياه وإن لم يجاهد فقد تقاربت درجته من درجات المجاهدين في العلو وإن اختلفت الدرجات في الكثرة والله يؤتي فضله من يشاء.

стр. 10191

٥ - باب الغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ ٢٧٩٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَغَدْوَةٌ في سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". [٢٧٩٦، ٦٥٦٨ - مسلم: ١٨٨٠ - فتح: ٦/ ١٣] ٢٧٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَقَابُ قَوْسٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ". وَقَالَ: "لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ". [٣٢٥٣ - مسلم: ١٨٨٢ - فتح: ٦/ ١٣] ٢٧٩٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". [٢٨٩٢، ٣٢٥٠، ٦٤١٥ - مسلم: ١٨٨١ - فتح: ٦/ ١٤] ذكر فيه حديث أَنَسِ: "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ: "لَقَابُ قَوْسِ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ". وَقَالَ: "لَغَدْوَة أَو رَوْحَة فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ". وحديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: "الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". الشرح: حاصل ما ذكره البخاري ثلاث طرق وكلها في مسلم أيضًا.

стр. 10192

وله طريق رابع من طريق أبي أيوب انفرد به مسلم (١). وخامس من طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب، وأخرجه أحمد أيضًا (٢). وسادس من طريق (عمر) (٣) أخرجه ابن عساكر وقال: حديث غريب. وسابع من طريق عبد الله بن بسر، أخرجه أيضًا. وثامن من طريق الزبير بن العوام، أخرجه أبو يعلى الموصلي (٤). وتاسح من طريق معاوية بن خديج، أخرجه المحاملي. وعاشر من طريق أبي الدرداء، أخرجه ابن أبي عاصم (٥). وحادي عشر من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة أخرجه أبو أحمد. ولأحمد من حديث ابن لهيعة، عن زبان، عن سهل بن معاذ، عن أبيه أنه تأخر عن بعثٍ بُعث فيه حَتَّى صلى الظهر؛ فقال له رسول الله ﷺ : "أتدري بكم سبقك أصحابك؟ " قَالَ: نعم، سبقوني بغدوتهم. فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لقد سبقوك بأبعد ما بين المشرقين والمغربين في الفضيلة" (٦).

стр. 10193

إذا تقرر ذَلِكَ: فالغدوة -بفتح الغين المعجمة-: المرة من الغدو، وهو من أول النهار إلى الزوال، أما بالضم فمن صلاة الغداة إلى طلوع الشمس، والروحة -بفتح الراء- المرة من الرواح أي وقتٍ كان، والمراد به هنا: من الزوال إلى الغروب. و (أو) هنا للتقسيم لا للشك، واللفظ مشعر بأنها تكون فعلا واحدًا، ولا شك أنها قد تقع على اليسير والكثير من الفعل الواقع في هذين الوقتين، ففيه زيادة ترغيب وفضل عظيم، فالروحة تحصل هذا الثواب وكذا الغدوة، قَالَ النووي: والظاهر أنه لا يختص ذَلِكَ بالغدو أو الرواح من بلدته بل يحصل هذا الثواب بكل غدوة وروحة في طريقه إلى الغزو، وكذا غدوه ورواحه من موضع القتال؛ لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله (١)، وكذا قَالَ الداودي: الصحيح أن الغدوة والروحة الخرجة الواحدة ووقتها كما سلف. وقوله: ("في سبيل الله") يعني: ليقاتل فيها أو يكون فيها بأرض العدو. وقوله: ("خير من الدنيا") يعني: ثواب ذَلِكَ في الجنة خير من الدنيا، وقيل في مثل هذا: خير من أن يتصدق مما في الدنيا إذا ملكها مالك فأنفقها في وجوه البر والطاعة غير الجهاد. وقال القرطبي: أي الثواب الحاصل على مشية واحدة في الجهاد خير لصاحبه من الدنيا كلها لو جمعت له بحذافيرها (٢). وقال المهلب: هما خير من زمن الدنيا؛ لأنهما في زمن قليل، أي: ثواب هذا الزمن القليل في الجنة خير من زمن الدنيا كلها، وكذا قوله:

стр. 10194

"لقاب قوس أحدكم" أو "موضع سوط" يريد أن ما صغر في الجنة من المواضع خير من المواضع كلها من بساتينها وأرضها، فأخبر في هذا الحديث أن قصير الزمان وصغر المكان في الآخرة خير من طويل الزمان وكبر المكان (في الدنيا) (١) تزهيدًا فيها وتصغيرًا لها وترغيبًا في الجهاد بالغدوة والروحة فيه، ومقدار قوس المجاهد يعطيه الله في الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها، فما ظنك بمن أتعب فيه نفسه وأنفق ماله (٢)؟ والقاب: القدر؛ قَالَ صاحب "العين": قاب القوس: قدر طولها (٣). وقال الخطابي: هو ما بين السية والمقبض (٤). وعن مجاهد: قدر ذراع. والقوس: الذراع بلغة أزد شنوءة. وقال ابن عباس وسفيان: القوس: ذراع يقاس به. قَالَ مجاهد: في ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: أي قدر ذراعين (٥). والأشهر أن القاب القدر، وكذلك القيب والقتيبة والقاد والقدى، وقال الداودي: قاب القوس ما بين الوتر والقوس، وقيد السَّوط قدره. قَالَ في "المخصص": والقوس أنثى وتصغيرها بغير هاء. والجمع: أقواس وقياس وقِسِي وقِسْي (٦).

стр. 10195

وهذا منه ﷺ إنما هو على ما استقر في النفوس من تعظيم ملك الدنيا، وأما عند التحقيق فلا تدخل الجنة مع الدنيا تحت أفعل إلا كما يقال: العسل أحلى من الخل؛ فالغدوة والروحة في سبيل الله وثوابها خير من نعيم الدنيا كلها لو ملكها وتصور تنعمه بها كلها؛ لأنه زائل ونعيم الآخرة باق.

стр. 10196

٦ - باب الحُورُ الْعِينُ وَصِفَتُهُنَّ يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ شَدِيدَةُ سَوَادِ العَيْنِ شَدِيدَةُ بَيَاضِ العَيْنِ. ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤]: أَنْكَحْنَاهُمْ. ٢٧٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلاَّ الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى". [٢٨١٧ - مسلم: ١٨٧٧ - فتح: ٦/ ١٤] ٢٧٩٦ - وَسَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ -يَعْنِي: سَوْطَهُ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". [انظر: ٢٧٩٢ - مسلم: ١٨٨٠ - فتح: ٦/ ١٥] ثم ساق حديث أبي إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللهِ خير، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى". وَسَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ : "لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ غَدْوَةٌ خير مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ -يَعْنِي: سَوْطَهُ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلعَتْ إلى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".

стр. 10197

الشرح: القطعة الأولى أخرجها مسلم، ومن عند قوله: "ولقاب قوس .. " إلى آخره من أفراد البخاري. ومعنى قوله: (يَحَارُ فيها الطَّرْفُ) يتحيَّرُ البصر فيها لحسنها؛ يقال: حار يحار، وأصله حير وليس اشتقاقه من اشتقاق الحور كما ظنه البخاري؛ لأن الحور من حور والحيرة من حير نبه عليه ابن التين، واللغة تساعده. وقول البخاري: (شديدة سواد العين وبياضها) زاد غيره: إذا كانت بيضاء. وأصل الحَوَر البياض، وكذلك قيل لنساء الحاضرة: الحواريات (لبيض) (١) ألوانهن وثيابهن إلا أن العرب لا تستعمله إلا للبيضاء الشديدة سواد الحدقة في شدة بياضها. قَالَ ابن سيده في "محكمه": الحور هو أن يشتد بياضُ بياضِ العين وسوادُ سوادِها وتستدير حدقتها وترق جفونها ويبيض ما حواليها، وقيل: الحور: شدة سواد المقلة في شدة بياضها في شدة بياض الجسد ولا تكون الأدماء حوراء. وقال أبو عمرو: الحور أن تسود العين كلها مثل الظباء والبقر، وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء حور العيون؛ لأنهن يشبهن بالظباء والبقر. وقال كراع: الحور أن يكون البياض محدقًا بالسواد كله، وإنما يكون هذا في البقر والظباء ثم يستعار للناس، وهذا إنما حكاه أبو عبيد في البرج (٢) غير أنه لم يقل إنما يكون في الظباء والبقر. وقال الأصمعي: لا أدري ما الحور في العين؟ وقد حَوِر حَوَرًا واحْور، وهو أَحْور، وامرأة حَوْراء، وعين حوراء، والجمع حُور.

стр. 10198

أما قوله: (عيناء حوراء) من العين الحير؛ فعلى الاتباع لعين، والحوراء: البيضاء لا يقصد بذلك حور عينها، والأعرابُ تُسَمَّي نساء الأمصار حواريات؛ لبياضهن وتباعدهن عن قشف الأعرابية بنظافتهن (١)، وقد سلف. ويحتمل أن البخاري أراد أن الطرف يحار فيهن ولا يهتدي سبيلًا لفرط حسنهن، لا أنه أراد الاشتقاق، فلأن كان كذلك فلا إيراد. والعِين قَالَ الضحاك: هي الواسعة العَيْن: (الحسان) (٢)، واحدها: عيناء، وذكر العلماء أن الحور على أصناف مصنفة صغار وكبار، وعلى ما اشتهت نفس أهل الجنة. وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قَالَ: والذي لا إله إلا هو لو أن امرأة من الحور اطلعت سوارًا لها لأطفأ نور سوارها نور الشمس والقمر، فكيف المسورة، وإن خلق الله شيئًا (تلبسه) (٣)؛ إلا عليه مثل ما عليها من ثياب وحلي. وقال أبو هريرة: إن في الجنة حوراء يقال لها العيناء إذا مشت مشى حولها سبعون ألف وصيفة عن يمينها وعن يسارها كذلك، وهي تقول: أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؟ وقال ابن عباس: في الجنة حوراء يقال لها اللعبة لو بزقت في البحر لعذب ماؤه (٤). وقال ﷺ : "رأيت ليلة الإسراء حوراء جبينها كالهلال في رأسها مائة

стр. 10199

ضفيرة، ما بين الضفيرة والضفيرة سبعون ألف ذؤابة، والذوائب أَضْوَءُ من البدر وخلخالها مكلَّلٌ بالدر، وصفوف الجواهر، على جبينها سطران مكلل بالدر، والجوهر في الأول بسم الله الرحمن الرحيم، وفي الثاني: من أراد مثلي فليعمل بطاعة ربي ؛ فقال لي جبريل: هذِه وأمثالها لأمتك" وقال ابن مسعود: إن الحوراء ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم ومن تحته سبعون حلة كما يرى الشراب في الزجاج الأبيض (١). وروي أنه ﷺ سُئل عن الحور من أي شيء خلقن؟ فقال: "من ثلاثة أشياء أسفلهن من المسك، وأوسطهن من العنبر، وأعلاهن من الكافور، وحواجبهن سواد خط في نور" وفي لفظ: "سألت جبريل عن كيفية خلقهن، فقال: يخلقهن رب العالمين من قضبان العنبر والزعفران، مضروبات عليهن الخيام، أول ما يُخلق منهن نهد من مسك أَذْفَر أبيض عليه يلتئم البدن". وقال ابن عباس: خلقت الحوراء من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزعفران، ومن ركبتيها إلى ثديها من المسك الأَذْفر، ومن ثديها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن عنقها (وثم) (٢) من الكافور الأبيض،

стр. 10200

(تلبس سبعون) (١) ألف حُلة مثل شقائق النعمان، إذا أقبلت يتلألأ وجهها ساطعًا كما تتلألأ الشمس لأهل الدنيا، إذا أقبلت ترى كبدها من رقة ثيابها وجلدها، في رأسها سبعون ألف ذؤابة من المسك، لكل ذؤابة منها وصيفة ترفع ذيلها (٢). وما ذكره في معنى ﴿وَزَوَّجْنَاهُم﴾: أنكحناهم سيأتي الكلام عليه في بَابه (٣). و (قَيْد الرمح): قدره وقيسه. و (النصيف): الخمار. قاله صاحب "العين" (٤). قَالَ النابغة: سقط النصيف ولم تُرِدْ إسقاطه … فتناولته واتقتنا باليد وقيل: المِعْجَر؛ ذكره الهروي. فائدة: أسلفنا بعضها: قَالَ الأزهري في "تهذيبه" عن النضر: الشهيد: الحي. وقال ابن الأنباري: سُمي (٥)؛ لأن الله وملائكته شهود له

стр. 10201

بالجنة. وقيل: لأنه يشهد يوم القيامة مع نبينا على الأمم الخالية (١). وقال الكسائي: أشهد الرجل: إذا استشهد في سبيل الله فهو شهَد بفتح الهاء. وقيل: لأن أزواجهم أحضرت دار السلام وأزواج غيرهم لا تشهدها إلى يوم القيامة. وقال في "الجامع": العرب تكسر الشين، وذلك إذا كان يأتي فعيل حرف حلق، ومنهم من كسر وإن لم يكن حرف حلق. وقال في "المغيث": سمي شهيدًا لسقوطه بالأرض وهي (الشاهدة) (٢). وقيل: لأنه يُبَيِّن إيمانه وإخلاصه ببذله روحه في الطاعة من قوله: ﴿شَهِدَ الله﴾ أي: بَين وأخبر (وأعلم) (٣)، وقيل: لأنه يشهد عند ربه. أي: يحضر. أو لأنه يشهد الملكوت (٤)، فعيل بمعنى مفعول. فائدة أخرى: قَالَ المهلب: إنما ذكر حديث أنس في الباب؛ لأن المعنى الذي يتمنى الشهيد من أجله أن يرجع إلى الدنيا فيقتل هو لما يرى ما يُعطي الله الشهداء من النعيم ويرزقه من الحور العين، وكل واحدة منهن لو اطلعت إلى الدنيا لأضاءت الدنيا كلها ليستزيد من كرامة الله وتنعيمه وفضله، وفي ذلك حض على طلب الشهادة وترغيب فيها (٥).

стр. 10202

٧ - باب تَمَنِّي الشَّهَادَةِ ٢٧٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ -قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ". [انظر: ٣٦ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ٦/ ١٦] ٢٧٩٨ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ" وَقَالَ: "مَا يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ عِنْدَنَا". قَالَ أَيُّوبُ أَوْ قَالَ: "مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا". وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. [انظر: ١٢٤٦ - فتح: ٦/ ١٦] ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ: سمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أًجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ". وحديث أَنَسٍ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ"، وَقَالَ: "مَا يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ عِنْدَنَا". قَالَ أَيُّوبُ: أَوْ قَالَ: "مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا". وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.

стр. 10203

الشرح: الحديث الأول: أخرجه مسلم والثاني من أفراده ويأتي في غزوة مؤتة (١)، وفيه: "حَتَّى أخذ الراية سيف من سيوف الله حَتَّى فتح الله عليهم". وفي بعض طرقه أنه ﷺ سماهم قبل أن يأتي خبرهم (٢)، وأخذ خالد الراية هو من باب التمني، إقامة للفعل مقام (الأول) (٣). وفيه: أنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - كان يتمنى من أفعال الخير ما يعلم أنه لا يعطاه؛ حرصًا منه على الوصول إلى أعلى درجات الشاكرين وبذلًا لنفسه في مرضاةِ ربه وإعلاء كلمة دينه، ورغبة في الازدياد من ثواب ربه ولتتأسى به أمته في ذَلِكَ، وقد يثاب المرء على نيته لحديث: "إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته" (٤)، وسيأتي في كتاب: التمني (٥) ما تمناه الصالحون مما لا سبيل إلى كونه. وفيه: إباحة القسم بالله على كل ما يعتقده المرء مما يحتاج فيه إلى يمين وما لا يحتاج، وكثيرًا ما كان يقول في كلامه: "لا ومقلب القلوب" (٦)؛ لأن اليمين بالله توحيدٌ وتعظيم له تعالى، وإنما يكره تعمد الحنث.

стр. 10204

وفيه: أن الجهاد ليس بفرض معين على كل أحد، ولو كان معينًا ما تخلف الشارع ولا أباح لغيره التخلف عنه، ولو شق على أمته إذا كانوا يطيقونه هذا إذا كان العدو لم يفجأ المسلمين في دارهم ولا ظهر عليهم، وإلا فهو عين على كل من له قوة. وفيه: أنه يجوز للإمام والعالم ترك فعل الطاعة إذا لم يطق أصحابه، ونصحاؤه على الإتيان بمثل ما يقدر عليه هو بها إلى وقت قدرة الجميع عليها، وذلك من كرم الصحبة و (أدب) (١) الأخلاق. وفيه: عظم فضل الشهادة؛ ولذلك قَالَ ﷺ : "وما يسرنا أنهم عندنا" لعلمه مما صاروا إليه من رفيع المنزلة والترغيب في الجهاد والإخبار عن جزيل فضله. وقوله: ("ثم أُقتل ثم أُحيا") (يحتمل) (٢) كما قَالَ ابن التين حكايته أنه قاله قبل نزول: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وقيل بعده، والخبر على المبالغة في فضل الجهاد والقتل فيه قَالَ: وهذا أشبه، ورأيت من ينقل أن قوله: (لوددت) من كلام أبي هريرة وهو بعيد، وفي "صحيح الحاكم" من حديث أنس -وقال: على شرط مسلم-: "أسألك يا رب أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سَبيلك عشر مرات" لما رأى من فضل الشهادة (٣). وله عن جابر -صحيحًا-: كان ﷺ إذا ذكر أصحاب أحد قَالَ: "والله لوددت أني غودرت مع أصحابي (بنُحص) (٤) الجبل" (٥).

стр. 10205

وحديث قتل زيد وجعفر يأتي إن شاء الله تعالى في المغازي (١)، وتقدم لك هنا أن فيه: الخطبة في الفتح وفي نعيٍ يأتي وكان ذَلِكَ في جمادى الأولى سنة ثمان بعثهم إلى مؤتة من أرض الشام، فالتقوا مع هرقل في جموعه، يقال: مائة ألف (٢) غير من انضم إليه من المستعربة، فاجتمعوا بقرية يقال لها: مؤتة (من أرض الشام) (٣)، فمات من سَمَّى رسول الله، ثم اتفق المسلمون على خالد ففتح الله عليه وقتلهم، وقدم البشير بذلك إلى رسول الله ﷺ وقد أخبرهم بذلك قبل قدومه، وكان فتح مكة في ذَلِكَ العام بعد ذَلِكَ (٤). وفيه: الولاية عند الضرورة من غير إمرة الأمير الأعظم. وقوله: (وعيناه تذرفان). أي: تذرفان الدمع.

стр. 10206

٨ - باب فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَمَاتَ فَهُوَ مِنْهُمْ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [النساء: ١٠٠] ﴿وَقَعَ﴾: وَجَبَ. ٢٧٩٩، ٢٨٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ قَالَتْ: نَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ. فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: "أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ هَذَا البَحْرَ الأَخْضَرَ، كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ ". قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَهَا، فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا، فَقَالَتِ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ". فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ المُسْلِمُونَ البَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ. [انظر: ٢٧٨٨، ٢٧٨٩ - مسلم: ١٩١٢ - فتح: ٦/ ١٨] ثم ساق حديث أنس في قصة أم حرام السالف (مرتبًا) (١)، وفي آخره: ﴿فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ (٢) قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا، فَمَاتَتْ﴾ ومصداق هذا الحديث في الآية الأولى فنزلت على ما دل عليه الحديث: أن من مات في سبيل الله فهو شهيد، وقد أسلفنا هناك حديث عقبة بن عامر (٣) فيه وأنه شهيد.

стр. 10207

وفي حديث أنس أن حكم المنصرف من سبيل الله في الأجر مثل حكم المتوجه إليه في خطاه، وتقلبه وحركاته وأن له ثواب المجاهد في كل ما ينويه ويشق عليه ويتكلفه من نفقة، وغيرها حَتَّى ينصرف إلى بيته. وقوله: (﴿وَقَعَ﴾: وجب) مثل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وجب، والآية، قَالَ سعيد بن جبير: نزلت في ضمرة رجل من خزاعة كان مصابًا ببصره؛ فقال: أخرجوني، فلما صاروا به إلى التنعيم مات فنزلت (١)، قَالَ الأزهري: وأصل المهاجرة عند العرب خروج البدوي من البادية إلى المدن (٢). وقوله: (فلما انصرفوا قافلين) أي: راجعين من غزوهم، وأتى به البخاري هنا؛ لما ذكر أنها صرعت فكان لها بذلك كأجر من استشهد.

стр. 10208

٩ - باب مَنْ يُنْكَبُ فِي سَبِيلِ اللهِ ٢٨٠١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الحَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ -قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا، قَالَ لَهُمْ خَالِي: أَتَقَدَّمُكُمْ، فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِلاَّ كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا. فَتَقَدَّمَ، فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ فَقَالَ: الله أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ. ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ، إِلاَّ رَجُلاً أَعْرَجَ صَعِدَ الْجَبَلَ. قَالَ هَمَّامٌ: فَأُرَاهُ آخَرَ مَعَهُ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ ﵇ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، فَكُنَّا نَقْرَأُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا. ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ وَبَنِي عُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ . [انظر: ١٠٠١ - مسلم: ٦٧٧ - فتح: ٦/ ١٨] ٢٨٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ المَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ: "هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ". [٦١٤٦ - مسلم: ١٧٩٦ - فتح: ٦/ ١٩] ذكر فيه حديث (إِسْحَاقَ) (١)، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَعَثَ رسول الله ﷺ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ .. الحديث في قتلهم وهم القراء وأنه دعا عليهم أربعين صباحًا على رعل وذكران وبني لحيان ويأتي في المغازي (٢).

стр. 10209

وحديث جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ النبي ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ تِلْكَ المَشَاهِدِ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ: "هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ … وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ". وقوله: (من بني سليم): وهم، وصوابه من الأنصار كما ثبت في "صحيح مسلم" من حديث ثابت عن أنس (١)؛ لأن بني سليم هم الذين قتلوا السبعين المذكورين كما نبه عليه الدمياطي ومن خطه نقلت (٢)، وإنما دعا عليهم في القنوت في الخمس؛ لأجل غدرهم وقبيح نكثهم بعد تأمينهم، وقد سلف في القنوت (٣)، (ويأتي في الغزوات) (٤)، وترك الدعاء عليهم لما أعطي في دعائه من الإجابة (قيل) (٥) قتل يوم معونة سبعون ويوم أحد كذلك ويوم اليمامة في خلافة الصديق كذلك سبعون وآنس الله نبيه مما أنزل الله عليه في حقهم: (أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا). ثم نسخ بعد، فيؤخذ منه جواز الدعاء على أهل الغدر وانتهاك المحارم والإعلان باسمهم والتصريج بذكرهم. وجاء من حديث أنس في باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] أنه دعا عليهم ثلاثين صباحًا (٦)،

стр. 10210

وهنا فدعا عليهم أربعين صباحًا، وفي "المسند": قنت رسول الله ﷺ عشرين يومًا (١). وقوله: (لقينا ربنا)، يقال: الأرواح يعرج بها إلى الله فتسجد له ثم يهبط بها؛ لمعاينة الملكين وتصير أرواح الشهداء إلى الجنة، وحديث جندب بن سفيان قال على أن كل ما أصيب به المجاهد في سبيل الله من نكبة أو غيره فإن له أجر ذَلِكَ على قدر نيته واحتسابه. وقوله: ("هل أنت إلا إصبع .. ") إلى آخره: هو رجز موزون وقد يقع على لسانه ﷺ مقدار البيت من الشعر أو البيتين من الرجز، كقوله ﷺ : "أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب" (٢). فلو كان هذا شعرًا لكان خلاف قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ والله يتعالى أن يقع شيء من خبره أو يوجد على خلاف ما أخبر به، وهذا من الحجاج اللازم لأهل السنة والجماعة، ويقال للملحدين: إنَّ ما وقع من كلامه الموزون في النادر من غير قصد فليس بشعر لأن ذَلِكَ غير ممتنع على أحد من العامة والباعة أن يقع له كلام موزون، فلا يكون بذلك شعرًا مثل قولهم: اسقني في الكوز ماء يا فلان … واسرج البغل وجئني بالطعام وقولهم: من يشتري باذنجانْ، فهذا (المقدار) (٣) ليس بشعر، والرجز ليس بشعر، ذكره القاضي أبو بكر بنُ الطيب وغيره (٤)، وقال ابن التين: هذا الشعر لابن رواحة؛ قَالَ: وقد اختلفَ (الناس في هذا

стр. 10211

وشبهه) (١) من الرجز الذي جرى على لسانه فقيل: ليسَ بشعر وقيل: قاله حكايةً أو لأنه سبب صنعته، ونفى قوم أن يكون البيت الواحد شعرًا حكاه القزاز، وقال قوم: الرجز شعر، وقيل: إنه أمر اتفاقي لم يقصد ذلِكَ وقع في القرآن: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]. وقيل: معنى الآية لا يلزمه هذا الاسم ولا يوجب أن يكون شاعرًا، والرواية المعروفة كما قَالَ النووي: كسر التاء وسكنها بعضهم (٢)، ووقع في مسلم: كان ﷺ في غار فنكبت إصبعه (٣)، قَالَ عياض: لعله غازيا فتصحف (٤)، قَالَ: ويحتمل أن يريد بالغار هنا الجيش لا الكهف (٥)، وجعلهما ابن العربي واقعتين: واحدة في غزوة، وأخرى في كهف (٦)، وقال بعضهم: لما دعا ﷺ للوليد بن الوليد باع مالاً له بالطائف، وهاجر على رجليه إلى المدينة فقدمها وقد تقطعت رجلاه وأصابعه، فقال: هل أنتِ إلا إصبع .. إلى آخره، يا نفس إلا تقتلي تموتي، ومات في زمنه ﷺ . فائدة: في الإصبع عشر لغات بتثليث الهمزة مع تثليث الباء، والعاشرة: إصبوع، واقتصر منها ابن التين على أربعة تبعًا لابن قتيبة (٧).

стр. 10212

١٠ - باب مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللهِ - ٢٨٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ- إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ". [انظر: ٢٣٧ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ٦/ ٢٠] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قال النبي ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ -والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ". هذا الحديث سلف في باب: ما يقع من النجاسات. و (الكلم): الجرح، والمراد بسبيل الله: الجهاد، ويدخل فيه بالمعنى كل من جرح في سبيل بر أو وجه مما أباحه الله كقتال أهل البغي، والخوارج، واللصوص، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر ألا ترى قوله: "من قتل دون ماله فهو شهيد" (١). وقال ابن التين: يحتمل أن يريد الجهاد، ويحتمل أن يريد كل من جرح في ذات الله، وكل ما دافع فيه المرء بحق فأصيب فهو مجاهد. وقوله: ("والله أعلم بمن يكلم في سبيله") فإنه يدل على أنه ليس كل من جرح في الغزو تكون هذِه حاله عند الله حَتَّى تصحَّ نيته، ويعلم الله من قلبه أنه يريد وجهه ولم يخرج رياءً ولا سُمعة ولا ابتغاء دنيا يصيبها. وفيه: أن الشهيد يبعث (في حاله) (٢) وهيئته التي قبض عليها، وقد

стр. 10213

احتج الطحاوي به لمن لا يرى غسل الشهيد في المعترك (١)، وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه: "يبعث الميت في ثيابه التي قبض فيها" (٢)، أي: يعاد خلق ثيابه كما يعاد خلقه، وقد أُوِّلَ بالعَمَلِ أيضًا. وقوله: ("اللون لون الدم، والريح ريح المسك") فيه دلالة أن الشيء إذا حال عن حالة إلى غيرها كان الحكم إلى الذي حال إليه، ومنه الماء تحل فيه نجاسة فتغير أحد أوصافه فتخرجه عن الماء المطلق، فإن لم تغير شيئًا منها فهو على حكمه كما أسلفناه هناك، ومنه: إذا انتقلت النحل إلى الخمر، وعُورض بأن المراد بالخبر التذاذ المجروح باجر جرحه كالتذاذ المتمضخ بالمسك برائحته. ولا يشبه الأحكام الشرعية.

стр. 10214

١١ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] وَالْحَرْبُ سِجَالٌ ٢٨٠٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ سَأَلْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاه؟ فَزَعَمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ. [انظر: ٧ - مسلم: ١٧٧٣ - فتح: ٦/ ٢٠] ثم ساق فيه حديث ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ: سَأَلْتُكَ: كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّ الحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ. هذا الحديث سيق أول الكتاب بطوله، والمراد بالآية: الفتح والغنيمة، أو الشهادة والجنة، كما قاله المهلب، وهو قول جماعة أهل التأويل (١)، واللفظ لفظ استفهام، والمعنى التوبيخ. فإن قلتَ: أغفل البخاري أن يذكر تفسير الآية في الباب، وذكر حديث ابن عباس: أن الحرب سجال؛ فما تعلقه بالآية التي ترجم لها؟ فالجواب: تعلقه بها صحيح، والآية مصدقة للحديث، والحديث مبين للآية، وإذا كان الحرب سجالًا فذلك إحدى الحسنيين؛ لأنها إن كانت علينا فهي الشهادة، وتلك أكبر الحسنيين، وإن كانت لنا فهي الغنيمة وتلك أصغر الحسنيين؛ فالحديث مطابق لمعنى الآية، فكل

стр. 10215

فتح يقع إلى يوم القيامة أو غنيمة فإنه من إحدى الحسنيين، وكل قتيل يقتل في سبيل الله إلى يوم القيامة فهو من إحدى الحسنيين له، وإنما يبتلي الله الأنبياء؛ ليعظم لهم الأجر والثواب، ولمن معهم ولئلا يخرق العادة الجارية بين الخلق، ولو أراد الله خَرْقها لأهلك الكفار كلهم بغير حرب، ولثبط أيديهم عن المدافعة حَتَّى يؤسروا أجمعين، ولكن أجرى الله تعالى الأمور على العوائد ليأجر الأنبياء ومن معهم ويأتوا يوم القيامة مكلومين (١)، وقد سلف تفسير: الحرب سجال. في أول الكتاب فراجعه، وهو جمع: سَجْل مثل: عبد وعباد، والسَّجْل: الدلو إذا كانت ملأى ماء ولا تكون الفارغة سَجْلاً، وسجال من المساجلة وهي المنازلة في الأمر، وهو أن يفعل كل من المتساجلين مثل صاحبه، أي: له مرة ولصاحبه مرة. وقال ابن المنير: التحقيق أن البخاري ساق الحديث لقوله: (وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة)، فهذا يتحقق أنهم على إحدى الحسنين، ففي تمام حديث هرقل تظهر المطابقة (٢). (ودولًا): جمع دولة، يقال: دَولة ودُولة، ومعناه: رجوع الشيء إليك مَرةً وإلى صاحبك أخرى تتداولانه. وقال أبو عمرو: هي بالفتح: الظفر في الحرب، وبالضم: ما يتداوله الناس من المال. وعن الكسائي بالضم: مثل العارية، يقال: اتخذوه دولة يتداولونه، وبالفتح: من قال عليهم الدهر دولة، ودالة الحرب بهم، وقيل: الدولة: بالضم الاسم، وبالفتح المصدر.

стр. 10216

وقال القزاز: العربُ تقول الأيام دَول، ودُول، ودِول؛ ثلاث لغات. زاد غيره: دولات، فدول ودولات جمع دُولة بالضم. وقال ابن عديس في "باهره" عن الأحمر: جاء بالتؤلة والدؤلة تهمز ولا تهمز. وفي "البارع" عن أبي زيد: دَولة بفتح الدال وسكون الواو، ودَوَل بفتح الدال والواو، وبعض العرب يقول: دُولة. وقوله: (وكذلك الرسل تبتلى) أي تختبر وعاقبة الشيء: آخر أمرِه ومصيره الذي يصير إليه.

стр. 10217

١٢ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (١٢)﴾ [الأحزاب: ٢٣] ٢٨٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ -قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ الله أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ الله مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي: أَصْحَابَهُ- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ- ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الجَنَّةَ، وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ. قَالَ: سَعْدٌ فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَنَعَ. قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلاَّ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الحزاب: ٢٣] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. [٤٥٤٨، ٤٧٨٣ - مسلم: ١٩٠٣ - فتح: ٦/ ٢١] ٢٨٠٦ - وَقَالَ: إِنَّ أُخْتَهُ -وَهْيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. فَرَضُوا بِالأَرْشِ وَتَرَكُوا الْقِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ". [٢٧٠٣ - مسلم: ١٦٧٥ - فتح: ٦/ ٢١] ٢٨٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، أُرَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: نَسَخْتُ الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ

стр. 10218

سُورَةِ الأَحْزَابِ، كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلاَّ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ الذِي جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ، وَهْوَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. [٤٠٤٩، ٤٦٧٩، ٤٧٨٤، ٤٩٨٦، ٤٩٨٨، ٤٩٨٩، ٧١٩١، ٧٤٢٥ - فتح: ٦/ ٢١] ثم ساق حديث حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ .. فذكر قتله يوم أحد. قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ تِسْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ ببَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرى -أَوْ نَظُنُّ- أَنَّ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أًشْبَاهِهِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةِ [الأحزاب: ٢٣]. ثم ذكر قصة الرُّبَيِّع في كسر الثَّنِيَّةِ بطوله. وحديث خَارِجَةَ بْنِ زيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: نَسَخْتُ الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ، فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ الأَحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ الذِي جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَهْوَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾. الشرح: ﴿نَخْبَهُ﴾: عهده (١). وقال السهيلي: عُذْرَهُ، وقال ابن عباس: أي:

стр. 10219

مات على ما عاهد عليه (١) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ (ذَلِكَ) (٢) ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، وروى الواحدي من حديث إسماعيل بن يحيى البغدادي، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي قَالَ: قالوا له: حَدَّثَنا عن طلحة، فقال: ذَاكَ امرؤ نزلت فيه آية من كتاب الله ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] طلحة ممن قضى نحبه لا حساب عليه فيما يستقبل (٣). ومن حديث (عيسى بن طلحة) (٤) أنه ﷺ مَرَّ عليه طلحة فقال: "هذا ممن قضى نحبه" (٥). وقال مقاتل في "تفسيره": ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ ليلة العقبة بمكة. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: أجله فمات على الوفاء؛ يعني: حمزة وأصحابه المقتولين بأحد. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾: يعني: المؤمنين من ينتظر أجله على الوفاء بالعهد. ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ كما بدل المنافقون.

стр. 10220

وحديث أنس قَالَ الترمذي فيه: حديث حسن مشهور عن حميد (١). قلتُ: وفيه: الأخذ بالشدة واستهلاك الإنسان نفسه في الطاعة. وفيه: الوفاء بالعهد (لله) (٢) بإهلاك النفس ولا يعارض قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] لأن هؤلاء عاهدوا الله فوفوا مما عاهدوه من العناء في المشركين وأخذوا بالشدة بأن باعوا نفوسهم من الله بالجنة -كما قَالَ تعالى- ألا ترى قول سعد بن معاذ: فما استطعت ما صنع، يريد ما استطعت أن أصف ما صنع من كثرة ما أعيا وأبلى في المشركين (٣). وقوله: (ليرين الله ما أصنع)، وقال في غزوة أحد: ليرين الله ما (أجد) (٤) -بفتح (٥) الهمزة وضمها وتشديد الدال، وبفتح الهمزة وتخفيف الدال- أي ما أفعل ووقع في مسلم: ليراني الله (٦). بالألف؛ وهو الصحيح -كما قَالَ النووي (٧) - ويكون (ما أصنع): بدلاً من

стр. 10221

الضمير في أراني، ووقع في بعض نسخه: ليرين -بياء مثناة تحت- مفتوحة بعد الراء ونون مشددة، كما في البخاري -أي: يراه الله واقعًا بارزًا- وضُبِط أيضًا بضم الياء وكسر الراء، أي: ليرين الله للناس ما أصنع ويبرزه لهم كأنه ألزم نفسه إلزامًا (مؤكدًا) (١) ولم يظهره مخافة ما يتوقع من التقصير في ذلك، ويؤيده رواية مسلم فهاب أن يقول غيره؛ ولذلك سماه الله عهدًا بقوله: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾. وقوله: (أجد ريحها من دون أُحُدٍ)، وفي مسلم: واهًا لريح الجنة أجده دون أحد، يعني بقوله: (واهًا) إما تفجعًا وإما تلهفًا وتحننًا، ويمكن أن يكون حقيقة -كما (بحثه) (٢) ابن بطال- لأن ريحها يوجد من خمسمائة عام، فيجوز أن يشم رائحة طيبة تشهيه الجنة وتحببها له، قال: ويمكن أن يكون مجازًا فالمعنى إني لأعلم أن الجنة في هذا الموضع الذي يقاتل فيه؛ لأن الجنة في هذا الموضع تُكْتَسب وتُشْتَرى (٣)، (وأخته التي عرفت بنانه) أي: الأصابع وأطرافها -هي: الرُّبَيِّع المذكورة بعد- وذكر بعضهم أنها سميت بنانًا: لأن بها صلاح الأحوال التي يستعين بها الإنسان. وحديث خزيمة ذكره في سورة براءة (٤). وقوله: (ففقدت آية من الأحزاب فلم أجدها إلا مع خزيمة) لم يرد أن حفظها قد ذهب عن جميع الناس فلم تكن عندهم؛ لأن زيد بن ثابت قد حفظها فهما اثنان، والقرآن إنما يثبت بالتواتر لا باثنين، ويدل على

стр. 10222

أن معنى وجدها عنده يريد: مكتوبة، وقد روي أن عمر قَالَ: أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ ، وروي أن أُبي بن كعب قَالَ مثل ذلك، وعن هلال بن أمية أيضًا مثله. فهؤلاء جماعة، وإنما أمر أبو بكر عند جمع المصحف عمرَ بنَ الخطاب وزيدًا بأن يطلبا على ما ينكرانه شهادة رجلين يشهدان سماع ذلك من رسول الله ﷺ ؛ ليكون ذَلِكَ أثبت وأشد في الاستظهار ومما لا يسرع (أحد) (١) إلى دفعه وإنكاره، قاله القاضي أبو بكر بن الطيب، وقد ذكر في ذَلِكَ وجوهًا (أخر) (٢) هذا أحسنها ستأتي في باب: جمع القرآن في فضائله (٣) إن شاء الله تعالى. فائدة: خزيمة هو ابن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن عنان بن عامر بن خطمة، واسمه عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس، أبو عمارة كانت معه راية بني خطمة يوم الفتح، من ولده عبد الله بن محمد بن عمارة بن خزيمة، له أخوان: وحوح؛ لا عقبَ له، وعبد الله بن ثابت؛ له عقب. وسبب كون شهادته بشهادتين، وذكرها هنا ليأتي بالقصة على وجهها أنه ﷺ كَلَّمَ رجلاً في شيء فأنكره، فقال خزيمة: أنا أشهد؛ فقال ﷺ : "أتشهد ولم تُستشهد" فقال: نحن نصدقك على خبر السماء فكيف بهذا؛ فأمضى شهادته وجعلها شهادتين وقال له: "لا تعد" (٤).

стр. 10223

١٣ - باب عَمَلٌ صَالِحٌ قَبْلَ الْقِتَالِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ. وَقَوْلُهُ تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ إلى قوله ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. [الصف: ٢ - ٤] ٢٨٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُقَاتِلُ وَأُسْلِمُ؟ قَالَ: "أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ". فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ، فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَمِلَ قَلِيلاً وَأُجِرَ كَثِيرًا". [مسلم: ١٩٠٠ - فتح: ٦/ ٢٤] ثم ساق حديث البَرَاءِ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَاتِلُ وَأُسْلِمُ؟ قَالَ: "أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ". فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -: "عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا". هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: جاء رجل من بني النبيت -قبيل من الأنصار- قَالَ: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ثم قاتل حتى قتل، فقال رسول الله ﷺ : "عمل هذا يسيرًا وأجر كثيرًا" وأخرجه النسائي بلفظ: يا رسول الله: أرأيت لو أني أسلمت كان خيرًا لي؟ قَالَ: "نعم". فأسلم ثم قَالَ: يا رسول الله أرأيت لو أني حملت على القوم فقاتلت حتى أقتل أكان خيرًا لي ولم أصلِ صلاة واحدة؟ قَالَ: "نعم" (١). وأما الآية فنزلت في الأنصار: عبد الله بن رواحة وغيره، كما قاله مقاتل في "تفسيره" أن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعظهم بذلك وذلك أن المؤمنين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله:

стр. 10224

﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾ يعني: في طاعته، ﴿صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فأخبر الله تعالى بأحب الأعمال إليه بعد الإيمان فكرهوا القتال فوعظهم الله وأدبهم فقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ نزلت هذِه الآية في الأنصار عبد الله بن رواحة وغيره، تمنوا الجهاد فلما نزل فرضه كرهوه قاله ابن عباس ومجاهد (١)، وحكى ابن التين: أنها نزلت في المنافقين، والتقدير على هذا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حكم لهم بحكم الأيمان. ومعنى: ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ أي: ثبتوا كثبات ما رُصَّ من البناء. وفيه: أن الله تعالى يعطي الثواب الجزيل على العمل اليسير؛ تفضلًا منه على عباده فاستحق بهذا نعيم الأبد في الجنة بإسلامه وإن كان عمله قليلاً، لأنه اعتقد أنه لو عاش لكان مؤمنًا طول حياته فنفعته نيته وإن كان قد تقدمها قليل من العمل، وكذلك الكافر إذا مات ساعة كفره يجب عليه التخليد في النار؛ لأنه انْضَافَ إلى كفره اعتقادُه أنه يكون كافرًا طول حياته؛ لأن الأعمال بالنيات، قاله المهلب (٢). وقال ابن التين: أما عمله فقليل وأما ما بذله فكثير. قَالَ ابن المنيِّر: والمطابقة بين الترجمة وبين ما تلاه أن الله عاتب من قَالَ: إنه يفعل الخير ولم يفعله، ثم أعقب ذَلِكَ بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ وهو ثناء على من وفى وثبت ثم قاتل وفي الآية بالمفهوم الثناء على من قَالَ وفعل. فقوله المتقدم وتأهبه للجهاد عمل صالح قدمه على الجهاد (٣).

стр. 10225

١٤ - باب مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ ٢٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ البَرَاءِ -وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ- أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ؟ قَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى". [٣٩٨٢، ٦٥٥٠، ٦٥٦٧ - فتح: ٦/ ٢٥] ذكر فيه حديث شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بنْتَ البَرَاءِ -وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ- أَتَتِ النَّبِيَّ - صلي الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، ألَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْم غَرْبٌ- فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي البُكَاءِ؟ فَقَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَان فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابنكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى". هذا الحديث من أفراده، وفي لفظ له في المغازي: "أهبلتِ أجنةٌ واحدة هي إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى"، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من حديث أنس (١). والكلام عليه من وجوه: أحدها: قوله: (أن أم الربيع بنت البراء) (٢) غيرُ جيد إنما هي: أم
следующие страницы →