← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10221–10260 · переход к 10226.

стр. 10221

الضمير في أراني، ووقع في بعض نسخه: ليرين -بياء مثناة تحت- مفتوحة بعد الراء ونون مشددة، كما في البخاري -أي: يراه الله واقعًا بارزًا- وضُبِط أيضًا بضم الياء وكسر الراء، أي: ليرين الله للناس ما أصنع ويبرزه لهم كأنه ألزم نفسه إلزامًا (مؤكدًا) (١) ولم يظهره مخافة ما يتوقع من التقصير في ذلك، ويؤيده رواية مسلم فهاب أن يقول غيره؛ ولذلك سماه الله عهدًا بقوله: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾. وقوله: (أجد ريحها من دون أُحُدٍ)، وفي مسلم: واهًا لريح الجنة أجده دون أحد، يعني بقوله: (واهًا) إما تفجعًا وإما تلهفًا وتحننًا، ويمكن أن يكون حقيقة -كما (بحثه) (٢) ابن بطال- لأن ريحها يوجد من خمسمائة عام، فيجوز أن يشم رائحة طيبة تشهيه الجنة وتحببها له، قال: ويمكن أن يكون مجازًا فالمعنى إني لأعلم أن الجنة في هذا الموضع الذي يقاتل فيه؛ لأن الجنة في هذا الموضع تُكْتَسب وتُشْتَرى (٣)، (وأخته التي عرفت بنانه) أي: الأصابع وأطرافها -هي: الرُّبَيِّع المذكورة بعد- وذكر بعضهم أنها سميت بنانًا: لأن بها صلاح الأحوال التي يستعين بها الإنسان. وحديث خزيمة ذكره في سورة براءة (٤). وقوله: (ففقدت آية من الأحزاب فلم أجدها إلا مع خزيمة) لم يرد أن حفظها قد ذهب عن جميع الناس فلم تكن عندهم؛ لأن زيد بن ثابت قد حفظها فهما اثنان، والقرآن إنما يثبت بالتواتر لا باثنين، ويدل على

стр. 10222

أن معنى وجدها عنده يريد: مكتوبة، وقد روي أن عمر قَالَ: أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ ، وروي أن أُبي بن كعب قَالَ مثل ذلك، وعن هلال بن أمية أيضًا مثله. فهؤلاء جماعة، وإنما أمر أبو بكر عند جمع المصحف عمرَ بنَ الخطاب وزيدًا بأن يطلبا على ما ينكرانه شهادة رجلين يشهدان سماع ذلك من رسول الله ﷺ ؛ ليكون ذَلِكَ أثبت وأشد في الاستظهار ومما لا يسرع (أحد) (١) إلى دفعه وإنكاره، قاله القاضي أبو بكر بن الطيب، وقد ذكر في ذَلِكَ وجوهًا (أخر) (٢) هذا أحسنها ستأتي في باب: جمع القرآن في فضائله (٣) إن شاء الله تعالى. فائدة: خزيمة هو ابن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن عنان بن عامر بن خطمة، واسمه عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس، أبو عمارة كانت معه راية بني خطمة يوم الفتح، من ولده عبد الله بن محمد بن عمارة بن خزيمة، له أخوان: وحوح؛ لا عقبَ له، وعبد الله بن ثابت؛ له عقب. وسبب كون شهادته بشهادتين، وذكرها هنا ليأتي بالقصة على وجهها أنه ﷺ كَلَّمَ رجلاً في شيء فأنكره، فقال خزيمة: أنا أشهد؛ فقال ﷺ : "أتشهد ولم تُستشهد" فقال: نحن نصدقك على خبر السماء فكيف بهذا؛ فأمضى شهادته وجعلها شهادتين وقال له: "لا تعد" (٤).

стр. 10223

١٣ - باب عَمَلٌ صَالِحٌ قَبْلَ الْقِتَالِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ. وَقَوْلُهُ تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ إلى قوله ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. [الصف: ٢ - ٤] ٢٨٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أُقَاتِلُ وَأُسْلِمُ؟ قَالَ: "أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ". فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ، فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَمِلَ قَلِيلاً وَأُجِرَ كَثِيرًا". [مسلم: ١٩٠٠ - فتح: ٦/ ٢٤] ثم ساق حديث البَرَاءِ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَاتِلُ وَأُسْلِمُ؟ قَالَ: "أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ". فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -: "عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا". هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: جاء رجل من بني النبيت -قبيل من الأنصار- قَالَ: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ثم قاتل حتى قتل، فقال رسول الله ﷺ : "عمل هذا يسيرًا وأجر كثيرًا" وأخرجه النسائي بلفظ: يا رسول الله: أرأيت لو أني أسلمت كان خيرًا لي؟ قَالَ: "نعم". فأسلم ثم قَالَ: يا رسول الله أرأيت لو أني حملت على القوم فقاتلت حتى أقتل أكان خيرًا لي ولم أصلِ صلاة واحدة؟ قَالَ: "نعم" (١). وأما الآية فنزلت في الأنصار: عبد الله بن رواحة وغيره، كما قاله مقاتل في "تفسيره" أن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعظهم بذلك وذلك أن المؤمنين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله:

стр. 10224

﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾ يعني: في طاعته، ﴿صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فأخبر الله تعالى بأحب الأعمال إليه بعد الإيمان فكرهوا القتال فوعظهم الله وأدبهم فقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ نزلت هذِه الآية في الأنصار عبد الله بن رواحة وغيره، تمنوا الجهاد فلما نزل فرضه كرهوه قاله ابن عباس ومجاهد (١)، وحكى ابن التين: أنها نزلت في المنافقين، والتقدير على هذا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حكم لهم بحكم الأيمان. ومعنى: ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ أي: ثبتوا كثبات ما رُصَّ من البناء. وفيه: أن الله تعالى يعطي الثواب الجزيل على العمل اليسير؛ تفضلًا منه على عباده فاستحق بهذا نعيم الأبد في الجنة بإسلامه وإن كان عمله قليلاً، لأنه اعتقد أنه لو عاش لكان مؤمنًا طول حياته فنفعته نيته وإن كان قد تقدمها قليل من العمل، وكذلك الكافر إذا مات ساعة كفره يجب عليه التخليد في النار؛ لأنه انْضَافَ إلى كفره اعتقادُه أنه يكون كافرًا طول حياته؛ لأن الأعمال بالنيات، قاله المهلب (٢). وقال ابن التين: أما عمله فقليل وأما ما بذله فكثير. قَالَ ابن المنيِّر: والمطابقة بين الترجمة وبين ما تلاه أن الله عاتب من قَالَ: إنه يفعل الخير ولم يفعله، ثم أعقب ذَلِكَ بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ وهو ثناء على من وفى وثبت ثم قاتل وفي الآية بالمفهوم الثناء على من قَالَ وفعل. فقوله المتقدم وتأهبه للجهاد عمل صالح قدمه على الجهاد (٣).

стр. 10225

١٤ - باب مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ ٢٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ البَرَاءِ -وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ- أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ؟ قَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى". [٣٩٨٢، ٦٥٥٠، ٦٥٦٧ - فتح: ٦/ ٢٥] ذكر فيه حديث شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بنْتَ البَرَاءِ -وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ- أَتَتِ النَّبِيَّ - صلي الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، ألَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْم غَرْبٌ- فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي البُكَاءِ؟ فَقَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَان فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابنكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى". هذا الحديث من أفراده، وفي لفظ له في المغازي: "أهبلتِ أجنةٌ واحدة هي إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى"، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من حديث أنس (١). والكلام عليه من وجوه: أحدها: قوله: (أن أم الربيع بنت البراء) (٢) غيرُ جيد إنما هي: أم

стр. 10226

حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. الرُّبيع بنت النضر أخت أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي، وهي عمة أنس بن مالك بن النضر بن مالك بن النضر هي التي كسرت ثنية امرأة؛ بَيَّن ذَلِكَ الترمذي في التفسير من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس أن الربيع بنت النضر أتت رسول الله ﷺ وكان ابنها حارثة أصيب يوم بدر، وكذا نبه الإسماعيلي في "مستخرجه"، وأبو نعيم وغيرهما وحارثة هو الذي قَالَ له رسول الله ﷺ : "كيف أصبحت يا حارثة" فقال: أصبحت مؤمنًا بالله حقًّا .. الحديث (١)، وفيه: يا رسول الله ادع لي

стр. 10227

بالشهادة فجاء يوم بدر ليشرب من الحوض فرماه حِبَّان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فقتله. قَالَ أبو موسى المديني: وكان خرج نظارًا وهو غلام؛ ولما قَالَ رسول الله لأمه ما قَالَ رجعت وهي تضحك وتقول: بخ بخ لك يا حارثة، وهو أول قتيل من الأنصار ببدر. وأما قول ابن منده: أنه شهد بدرًا واستشهد بأحد فغير جيد (١)، وعند أبي نعيم (٢): كان كثير البر بأمه قَالَ - صلي الله عليه وسلم -: "دخلت الجنة فرأيت حارثة كذلك البر"، هو غير جيد؛ لأن المقتول فيه هنا هو حارثة بن النعمان كما بينه أحمد في "مسنده" وغيره (٣). ثانيها: قوله: (سهم غريب): هو الذي لا يعلم راميه ولم يدر من حيث أتاه، قَالَ أبو عبيد: يقال: أصابه سَهم غريب إذا كان لا يعلم من رماه (٤). وقال ابن السكيت: سهم غربٍ، وسهم غرَّب وغَرَب إذا لم يدر من أي جهة رمي به (٥)، وقال غيره: سهم غربٍ. وحكى الخطابي عن أبي زيد قَالَ: سهم غرْب ساكنة الراء إذا أتاه من حيث لا يدري، وسهم غَرب -بفتح الراء- إذا رماه فأصاب غيره (٦)،

стр. 10228

وقال ابن دريد: سهم غائر لا يدرى من رماه، وقال ابن فارس: يقال: سهم غريب وغرب إذا لم يدر راميه (١)، وقال ابن الجوزي: روي لنا سهم بالتنوين وغرب بإسكان الراء مع الرفع والتنوين. وقال ابن قتيبة: كذا تقوله العامة، والأجود سهم غريب بفتح الراء، وإضافة الغرب إلى السهم، وذكره الأزهري بفتح الراء لا غيره (٢). وقال ابن سيدَهْ: يقال: أصابه سهم غرْب وغرَب إذا كان لا يدرى من رماه (٣). وقيل: إذا أتاه من حيث لا يدري، وقيل: إذا تعمد غيره فأصابه، وقد يوصف به. وفي "المنتهى": سهم غرْب وغرَب بفتح الراء وسكونها يضاف ولا يضاف، إذا أصابه سهم لا يعرف من رماه، ومثله سهم عرض، فإن عرف فليسَ بغرب ولا عرض، وبنحوه ذكره القزاز وغيره، فعلى هذا لا يقال في السهم الذي أصاب حارثة: غَرْب؛ لأن راميه قد عرف. ثالثها: هذا الحديث نحو حديث أم حرام إذ سقطت عن دابتها فماتت، وهذا وشبهه مما يستحق به الجنة، إذا صحت فيه النية. وقولها: (اجتهدت في البكاء) قَالَ الخطابي: لم يعنفها عليه (٤)، قلتُ: لعله المقصود الذي لا حرج على فاعله فهو مباح، فكذا لم يعنفها بل هو رحمة، ويجوز أن يحمل البكاء هنا على الدعاء والرقة (٥)،

стр. 10229

يؤَيده رواية الترمذي: اجتهدت في الدعاء (١). وهو نص في وصوله له وهو إجماع، ولهذا شرعت الصلاة عليه، والجنان: جمع جنة: وهي البستان، ويقال: هي النخل الطوال، وقال الأزهري: كل شجر متكاثف يستر بعضه بعضًا فهو جنة، مشتق من جننته إذا سترته (٢).

стр. 10230

١٥ - باب مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا ٢٨١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ". [انظر: ١٢٣ - مسلم: ١٩٠٤ - فتح: ٦/ ٢٧] ذكر فيه حديث أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى رسول الله ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ اللهِ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وفي لفظ له: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً أي ذَلِكَ في سبيل الله؟ فذكره (١). وفي آخر: يقاتل غضبًا، فرفع إليه رأسه، وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائمًا (٢). وهذا السائل ورد في "الصحيح" أنه من الأعراب (٣)، ولا يحضرني اسمه (٤)، والمراد: بالذَّكْرِ: الشجاعةُ، وهي ضد الجُبْن، وهي شدة القلب عند البأس.

стр. 10231

وقوله: (ليرى مكانه (في سبيل الله) (١)): أي: للإخلاص. والحديث دال على وجوب الإخلاص في الجهاد، ومصرح بأن القتال للذكر، ونحوه (خارج) (٢) عن ذَلِكَ ودال أيضًا على أن الإخلاص هو العمل على وفق الأمر. ودال أيضًا على تحريم الفخر بالذكر، اللَّهُمَّ إلا أن يقصد بذلك إظهار النعمة. ودال أيضًا على حرمة الرياء وعلى السؤال عن الأعمال القلبية. وبيان أحوال الناس في جهادهم ونياتهم، واعلم أن القتال للذكر إن قصد به إظهار ليقال: إن فلانًا شجاع فهذا ليس بمخلص، وهو الذي يقال فيه في الحديث الصحيح: "لكي يقال، وقد قيل" (٣)، ويكون الفرق بين هذا القسم وبين قوله بعد: (والرجل يقاتل ليُرى) أن يكون المرادُ به إظهار المقاتلة لإعلاء كلمة الله، وبذل النفس في رضاه، والرغبة فيما عنده، وهو في الباطن بخلاف ذلك، فيقال: إنه شجاع، والذي قلنا: إنه قاتل إظهارًا للشجاعة ليس مقصوده إلا تحصيل المدح على الشجاعة من الناس فافترقا إذًا، وإن كان طبعًا لا قصدًا فهذا لا يقال: إنه كالأول؛ لعدم قصده الإظهار، ولا أنه أخلص، وإن كان يقصد إعلاء كلمة الله تعالى به فهو أفضل من القسم الذي قبله.

стр. 10232

قَالَ المهلب: إذا كان في أجل النية إعلاء كلمة الله تعالى ثم دخل عليها من حب الظهور والمغنم ما دخل فلا يضرها ذلك "ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا" فخليق أن يحب الظهور بإعلاء كلمة الله وأن يحب الغني لإعلاء كلمة الله فهذا لا يضره إن كان عقده صحيحًا، (والحمية) في الرواية التي أوردناها هي الأنفة، والغيرة عن عشيرته والغضب وحميت عن كذا حمية بالتشديد وتحمية إذا أنفت منه، والرياء أيضًا يمد وقد يقصر وهو قليل، وقد أسلفنا أنه ضد الإخلاص. وقال الغزالي: إنه إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة (١)، أي: إما متمحضا أو مشاركًا.

стр. 10233

١٦ - باب مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ﴾ الآية [التوبة: ١٢٠]. ٢٨١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْسٍ هُوَ -عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ". [انظر: ٩٠٧ - فتح: ٦/ ٢٩] حَدَّثنَا إِسْحَاقُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُبَارَكِ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، ثَنَا يَزِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنَا عَبَايَةُ بْنُ رفاعة بن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْسٍ -هُوَ محمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبْرٍ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا (اغْبَرَّتا) (١) قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ". الشرح: أمَّا الآية: فقال مقاتل: ذكر الله -جل وعز- الذين لم يتخلفوا عن غزوة تبوك فقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ وقوله: ﴿عَنْ رَسُولِ اللهِ﴾ في غزوة تبوك قَالَ الثعلبي: ظاهره خبر ومعناه: أمر. و (الأعراب) سُكَّان البوادي: مُزينة وجُهينة وأَشْجع وأَسْلم وغِفَار. (﴿أَن يتًخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اْللهِ﴾) إذ غزا. قَالَ ابن عباس: يكتب لهم بكل روعة تنالهم في سبيل الله (سبعين) (٢) ألف حسنة.

стр. 10234

قَالَ قتادة: هذا خاص برسول الله - صلي الله عليه وسلم - إذا غزا بنفسه، فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر، فأما غيره من الأئمة والولاة فمن شاء أن يتخلف تخلف (١). وقال الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما: هذِه الآية لأول هذِه الأمة وآخرها (٢). وقال ابن زيد: كان هذا وأول الإسلام قليل فلما كثروا نسخها الله، وأباح التخلف لمن شاء فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٣) [التوبة: ١٢٢] وقال غيره: لا نسخ، والأولى توجب إذا نفر الشارع أو احتيج إلى المسلمين فاستنفروا لم يسع أحدًا التخلف وإذا بعث الشارع سرية خلف طائفة، وهذا مذهب ابن عباس والضحاك وقتادة، وقال ابن الحصار: قول ابن زيد أنه نسخ بالتأويل الفاسد قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ تعريض لمن تخلف منهم عن تبوك، فهذا النهي يتوجه على كل من استنفر فلم ينفر خاصًّا وعامًّا، ومن لم يستنفر لم يدخل تحته، والآية التي زعمها ناسخة؛ إنما نزلت في الحض على طلب العلم والرِّحْلة فيه، ولا معارضة بين الاثنين، وحديث أبي عبس سلف في الجمعة، وهو من أفراده بل لم يخرج مسلم عن أبي عبس في "صحيحه" شيئًا. وشيخه هنا إسحاق، قَالَ الجياني: نسبه الأصيلي في نسخته فقال: ابن منصور، وكذا قاله الكلاباذي (٤)، وجدُّه ابن بَهْرام أبو يعقوب الكَوْسَج المروزي مات بنيسابور سنة إحدى وخمسين ومائتين، ويحتمل

стр. 10235

أن يكون إسحاق (١) هذا ابن زيد الخطابي، ساكن حران، ومن طريقه أخرجه الإسماعيلي عن عبد الله بن زياد الموصلي ثَنَا إسحاق بن زيد الخطابي وكان يسكن حران، ثَنَا محمد بن المبارك الصوري، فذكره كما ذكره البخاري، ومحمد بن المبارك الصوري الشامي مات ما بين سنة إحدى عشرة إلى خمس عشرة ومائتين. وموضع الترجمة من الآية قوله تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة: ١٢٠] فأثابهم الله بخطواتهم وإن لم يلقوا قتالاً، ففسر ذَلِكَ العمل الصالح، أنه لا يمس النار من اغبرت قدماه في سبيل الله، وهذا وعدٌ منه، وهو منجز لا يتخلف، وسبيل الله جميع طاعاته.

стр. 10236

١٧ - باب مَسْحِ الغُبَارِ عَنِ الرَّأْسِ فِي السَّبِيلِ ٢٨١٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ وَلِعَلِىِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ: ائْتِيَا أَبَا سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا يَسْقِيَانِهِ، فَلَمَّا رَآنَا جَاءَ فَاحْتَبَى وَجَلَسَ فَقَالَ: كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ المَسْجِدِ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَكَانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الْغُبَارَ وَقَالَ: "وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ". [انظر: ٤٤٧ - فتح: ٦/ ٣٠] ذكر فيه حديث عِكْرِمَةَ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ وَلِعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ: ائْتِيَا أَبَا سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا يَسْقِيَانِهِ، فَلَمَّا رَآنَا جَاءَ فَاحْتَبَي وَجَلَسَ فَقَالَ: كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ المَسْجِدِ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَكَانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ - صلي الله عليه وسلم - وَمَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الغُبَارَ وَقَالَ: "وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ". قد سلف في بناء المسجد، أنه كان ينقل لبنة عنه ولبنة عن رسول الله ﷺ ، وقال له: "تَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ". وقوله: (وأخوه) اعترضه الدمياطي الحافظ فقال: لم يكن له أخ من النسب إلا قتادة بن النعمان الظَّفْرِي، فإنه كان أخاه لأمه، وقتادة مات زمن عمر، وكان عُمُرُ أبي سعيد أيامَ بناء المسجد نحوَ عشر سنين أو دونها، قَالَ ابن بطال (١): وقوله: "يدعوهم إلى الله": أريد -والله أعلم- أهل مكة الذين أخرجوا عمارًا من دياره، وعذبوه في ذات الله، قَالَ: ولا يمكن أن يتأول على المسلمين؛ لأنهم أجابوا دعوة الله، وإنما يدعى إلى الله من كان خارجًا عن الإسلام.

стр. 10237

وقوله: ("وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ") تأكيد للأول؛ لأن المشركين إذ ذاك طالبوه بالرجوع عن دينه. فإن قلت: فتنة عمار كانت أول الإسلام، وهنا قَالَ: "يَدْعُوهُمْ" بلفظ المستقبل وما قلته لفظ الماضي؟ فالجواب: أن العرب قد تخبر عن المستقبل بالماضي إذا عرف المعنى كعكسه، فمعنى يدعوهم: دعاهم إلى الله، فأشار إلى ذكر هذا لما تطابقت شدته في نقله لبنتين شدته في صبره بمكة على العذاب؛ تنبيهًا على فضيلته، وثباته في أمر الله، ومسحه - صلي الله عليه وسلم - الغبار عن رأس عمار رضًا من رسول الله بفعله، وشكرًا له على عزمه في ذات الله، قاله المهلب (١). وقوله: (لبنة): هو بفتح اللام وكسر الباء ويجوز كسر اللام وإسكان الباء قَالَ ابن فارس: اللَّبِنَة من اللَّبِن، معروفة وضبطها بالثانى قَالَ: ويقال: لَبْنَة (٢). وقوله: ("وَيْحَ عَمَّارٍ" ترجم له، وذلك أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] نزلت فيه كما قاله المفسرون (٣).

стр. 10238

١٨ - باب الغَسْلِ بَعْدَ الحَرْبِ وَالْغُبَارِ ٢٨١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الغُبَارُ فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ، فَوَاللهِ مَا وَضَعْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَأَيْنَ". قَالَ هَا هُنَا. وَأَوْمَأَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ . [انظر: ٤٦٣ - مسلم: ١٧٦٩ - فتح: ٦/ ٣٠]. حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ، ثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الغُبَارُ فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ، فَوَاللهِ مَا وَضعْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَأَيْنَ؟ ". قَالَ: هَا هُنَا. وَأَوْمَأَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ . الشرح: محمد هذا هو ابن سلام فيما ذكره الجياني (١)، وساقه في بني قريظة عن عبد الله بن أبي شيبة، عن ابن نمير، عن هشام به (٢). وقوله: (فأتاه جبريل) هذِه الفاء زائدة. قَالَ القرطبي: كذا وقع في الرواية" والصواب: وطرحها فإنه جواب لما، ولا تدخل الفاء في جوابها، وكأنها زائدة كما زيدت الواو في جوابها في قول امرئ القيس: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى … بنا بطن حتف ذي ركام عقنقل

стр. 10239

وإنما انتحى هو فزاد الواو (١)، وإنما اغتسل للتنظيف كما قاله المهلب، وإن كان الغبار في سبيل الله شاهدًا من شواهد الجهاد وقد قَالَ ﷺ : "ما أغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار" (٢)، ألا ترى أن جبريل لم يغسله عن نفسه تبركًا به في سبيل الله، وفيه: دلالة أنه ﷺ لم يخرج إلى حرب إلا بإذن، قاله ابن بطال (٣). وعَصبَ: مخفَّف، يقال: عَصَبَهُ وعَصَبَهُ الغُبَار إذا رَكِبَهُ، وعَلِقَ بِهِ ولَصِقَ، ومنه: سميت العصبة: وهم قرابة الرجل من أبيه، قَالَ ابن التين: معناه أحاط به كالعصابة. وقيل: معناه ركب رأسه الغبار وعلق به، يقال: عَصَبَ الريقُ بِفَمِي، إذا جفَّ فبَقيت منه لُزُوجة تمسك الفم. وفيه: قتال الملائكة بسلاح. وفيه: دلالة على أن الملائكة تصحب المجاهدين في سبيل الله، وأنها في عونهم ما استقاموا فإن خانوا وغُلُّوا فارقتهم، يدل على ذَلِكَ قوله ﷺ : "مع كل قاض ملكان يسددانه ما أقام الحق فإذا جار تركاه" (٤). والمجاهد حاكم بأمر الله في أعوانه وأصحابه.

стр. 10240

قَالَ (ابن المنير) (١): إنما بوب البخاري على هذا الحديث هنا؛ لئلا يتوهم كراهية غسل الغبار؛ لأنه من حميد الآثار كما كره بعضهم مسح ماء الوضوء بالمنديل، وبين جوازه بالعمل المذكور (٢). وفيه: يمين الصادق تأكيدًا لقوله: (وَأَوْمَأَ: أَشَارَ) ويقال: وَمَأَ بمعناه. فائدة: قَالَ مالك: كانت غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب سنة أربع، وقيل: سنة خمس، قال: وكانت في برد شديد ولم يستشهد يومئذ إلا أربعة أو خمسة، ويومئذ نزلت: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] جاءت قريش من هاهنا، واليهود من هنا، ونجد -يريد هوازن- من هنا، قَالَ: وانصرف من قريظة لأربع خلون من ذي الحجة.

стр. 10241

١٩ - باب فَضْلِ قَوْلِ اللهِ : ﴿وَلَا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا﴾ إلى ﴿أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١] ٢٨١٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ ثَلَاثِينَ غَدَاةً، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ أَنَسٌ: أُنْزِلَ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنٌ قَرَأْنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ: بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ. ٢٨١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: اصْطَبَحَ نَاسٌ الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ. فَقِيلَ لِسُفْيَانَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ؟ قَالَ لَيْسَ هَذَا فِيهِ. [٤٠٤٤، ٤٦١٨ - فتح: ٦/ ٣١] ثم ساق حديث أَنَسٍ: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَهُ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، وقد سلف قريبا (١)، ويأتي في المغازي (٢)، وأخرجه مسلم في الصلاة (٣). وحديث جَابِرٍ: اصْطَبَحَ نَاسٌ الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ. فَقِيلَ لِسُفْيَانَ: مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ؟ قَالَ: لَيْسَ هذا فِيهِ. قلتُ: لا شك أنه كان قبل تحريمها، فما منعهم ذَلِكَ من الشهادة؛ لأن ما قبل النهي عفو، وأما الآية فروى الحاكم في "مستدركه" صحيحًا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله

стр. 10242

أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد من أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة (في ظل) (١) العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، فقالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق؟ لئلا يزهدوا في الجهاد، ويتكلوا عن الحرب، فقال الله : أنا أبلغهم عنكم" فأنزل الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية (٢). [آل عمران: ١٦٩]. وذكره الطبري عن ابن مسعود مرفوعًا (٣)، وروى الواحدي من حديث طلحة بن خراش عن جابر أنها نزلت في والد جابر (٤)، وقال سعيد .. بن جبير: نزلت في حمزة، ومصعب بن عمير، لما أصيبا يوم أحد (٥)، وقال سعيد بن جبير: نزلت في أهل أحد خاصة، وقال جماعة منهم: نزلت في شهداء بئر معونة، وقيل: نزلت تنفيسًا لأولياء الشهداء وإخبارًا عن حال قتلاهم، فإنهم كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وأبناؤنا في القبور، وقال مقاتل: نزلت في قتلى بدر، وكانوا أربعة عشر شهيدًا. وقوله: (﴿فَرِحِينَ﴾) هو مثل فارحين، قَالَ الداودي: وقد يقال الفرحين الآمنين في الدنيا، المغترين بزينتها. ومعنى (﴿لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾) أي: في الفضل، وإن كان لهم فضل ﴿وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ﴾ المعنى: ويستبشرون ﴿بِأَنَّ اللهَ﴾ وقرأ الكسائي:

стр. 10243

(وإن الله) (١)، بكسر الألف على أنه مقطوع من الأول المعنى، وهو لا يضيع أجر المؤمنين ثم جيء بـ (إن) توكيدًا، وحديث أنس سلف طرف منه أيضًا في القنوت (٢)، وسيأتي في غزوة الرجيع أيضًا. وفي "غرائب مالك" للدارقطني يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ اشدد وطأتك على مضر الفدادين أهل الوبر، اللَّهُمَّ سنين كسني يوسف" (٣). تفرد به أحمد بن صالح، عن ابن نافع، عن مالك بهذا الإسناد، وللطبري من حديث أنس: لا أدري أكانوا أربعين أو سبعين، وعلى ذَلِكَ الماء عامر بن الطفيل الجعفري (٤). وفيه: أن حرام بن ملحان الأنصاري هو الذي بلغ الرسالة، وأن عامر بن الطفيل قتلهم أجمع، وأنزل الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ الآية. وفي "سير ابن إسحاق" أن بعثهم كان على رأس أربعة أشهر من أحد وكان أبو براء (عامر) (٥) بن مالك ملاعب الأسنة هو الذي طلبهم، وأنه قَالَ: أنا لهم جار، فبعث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - المنذر بن عمرو في أربعين رجلاً من خيار المسلمين، فيهم الحارث بن الصمَّة، وحرام بن ملحان، وعروة بن أسماء ونافع بن ورقاء وعامر بن فهيرة فساروا حَتَّى نزلوا بئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرَّة بني سليم، واستصرخ عليهم عامر بن الطفيل بني عامر، فأبوا أن يجيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء فاستصرخ تلك القبائل عصيَّة وغيرها فقتلوهم إلا كعب بن زيد فتركوه

стр. 10244

وبه رمق، فعاش حَتَّى قتل يوم الخندق، وأسر عمرو بن أمية وكان على سرح القوم، ثم أطلق لما أخبر أنه من مضر أطلقه عامر، وجزّ ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه فيما يزعم، فلما أخبر عمرو رسول الله ﷺ الخبر قَالَ: "هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارهًا" (١). وفي "مغازي موسى بن عقبة" فقال: كان أمير السرية مرثد بن أبي مرثد. ولمسلم: أن ناسًا جاءوا إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فقالوا: ابعث معنا رجالًا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار، يقال لهم: القراء قَالَ أنس: منهم خالي حرام، فتعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان (٢). وللبيهقي في "دلائله" عن أنس أيضًا: لما أصيب خبيب بعثهم رسول الله ﷺ فأتوا على حي من بني سليم قَالَ: فقال خالي حرام لأميرهم: دعني فلأخبر هؤلاء أنا ليس إياهم نريد، فيخلون وجوهنا قَالَ: فأتاهم، فاستقبله رجل منهم برمح فأنفذه به ثم انطووا عليهم فما بقي منهم مخبر (٣). قَالَ ابن التين: ويقال: إن عامر بن فهيرة لم يوجد، يرون أن الملائكة وارته. و (مَعُونة) بالنون وفتح الميم وضم العين، بين مكة وعسفان أرض لهذيل، وعن الكندي هي جبال يقال لها: أبلى في طريق المصعد من

стр. 10245

المدينة إلى مكة وهي لبني سليم، وقال أبو عبيدة في "كتاب المقاتل": هي ماء لبني عامر بن صعصعة، وقال الواقدي: هي أرض لبني سليم وأرض بني كلاب (١). و (رِعْل) بكسر الراء ثم عين مهملة ساكنة ثم لام؛ ابن مالك بن عوف بن أمرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة. و (ذَكْوان) هو ابن ثعلبة بن سليم بن منصور، قَالَ ابن دريد: اشتقاقه من شيئين: إما من الذكاء ممدود، وهو تمام السن أو من ذكا النار مقصور (٢)، واشتقاق رِعل من الرعلة، وهي النخلة الطويلة، والجمع رعال، والرعلة القطعة من الخيل، والراعل نخل من النخل معروف بالمدينة، وناقة رعلاء إذا قطعت أذنها فتركت منها قطعة معلقة، وعصية قَالَ الهجري: هو الخفاف بنُ امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور (٣). تتمات: أحدها: قَالَ الداودي: قوله: (ثم نسخ بعد) يريد سقطت عن ذكره؛ لتقادم عهده إلا أن تذكر بمعنى الرواية ليس النسخ الذي يبدل مكانه خلافه؛ لأن الخبر لا يدخله نسخ، وعبارة غيره: إن القرآن ربما نسخ لفظه، وبقي حكمه مثل: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. فمعنى النسخ هنا أنه أسقط من التلاوة. وقال السهيلي: هذا المذكور -أعني: ما نزل ونسخ- ليس عليه (رونق) (٤) الإعجاز، قَالَ: ويقال: إنه لم ينزل بهذا النظم، ولكن بنظم

стр. 10246

معجز كنظم القرآن، ولا يقال: إنه خبر، والخبر لا ينسخ، إنما نسخ منه الحكم فقط، فإن حكم القرآن التلاوة، وأن لا يمسه إلا طاهرٌ وأن يكتب بين الدفتين، وأن يكون تعلمه من فروض الكفاية، فكل ما نسخ، (ورفعت) (١) منه هذِه الأحكام وإن بقي محفوظًا فإنه منسوخ، فإن تضمن حكمًا جاز أن يبقى ذَلِكَ الحكم معمولًا به، وأنكرت ذَلِكَ المعتزلة، وإن تضمن خبرًا بقي ذَلِكَ الخبر مصدقًا به، وأحكام التلاوة منسوخة عنه، كما نزل: لو أن لابن آدم وادِيَان من ذهب. فهذا خبر حق، والخبر لا ينسخ، لكن نسخ منه أحكام التلاوة له، وكان قوله: لو أن لابن آدم، في سورة يونس بعد قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] كذا قَالَ ابن سلام (٢). ثانيها: فيه دلالة كما قَالَ المهلب: أن من قُتل غدرًا شهيد؛ لأن أصحاب بئر معونة قتلوا غدرًا بهم. ثالثها: اختلف الناس في كيفية حياة الشهيد، وأولاها -كما قَالَ ابن بطال- أن تكون الأرواح ترزق، وكذا جاء الخبر: "إنما نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة" (٣)، قَالَ أهل اللغة: يعني يأكل منها (٤). قَالَ صاحب "المطالع" تعلق: بضم اللام أي: تتناوله، وقيل: نسمة وبالفتح أيضًا، ومعناه: تتعلق وتلزم ثمارها وتأوي إليها، وقيل: هما

стр. 10247

سواء، وقد روي تسرح، وهو يشهد للضم ومن رواه بالتاء على النسمة، ويحتمل أن يرجع إلى التطير على أن يكون جمعًا، ويكون ذكر النسمة؛ لأنه أراد الجنس لا الواحد، وقد يكون التأنيث للروح؛ لأنها تذكر وتؤنث، وهذا الحديث أنها تعلق عام والقرآن ذكر في الشهداء. قَالَ الداودي: وقيل: تمثل أرواحهم طيرًا تسرح في الجنة، قَالَ: وذكر بإسناد ضعيف أنها تجعل في حواصل طير، ولا يصح في النقل ولا الاعتبار؛ لأنها إن كانت هي أرواح الطير. فكيف يكون في الحواصل دون سائر الجسد؟ وإن كان لها أرواح غيرها فكيف يكون لها روحان في جسد؟ وكيف تصل لهم الأرزاق التي ذكر الله تعالى؛ قَالَ: وإنما الصحيح أن أرواحهم طائر تعلق في شجر الجنة، (أي) (١) ترعى حَتَّى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه ويعرض عليه مقعده بالغداة والعشي. قلتُ: وما أنكره هو ثابت في "صحيح مسلم"، وهو معدود من أفراده من حديث مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذِه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذَلِكَ فقال: "إن أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربكم إِطْلاعةً فقال: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرحِ في الجنة حيث شئنا، ثم نأوي إلى تلك القناديل، فقال لهم ذَلِكَ ثلاثًا. فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا" (٢).

стр. 10248

وفي "مستدرك الحاكم" وقال: على شرط مسلم من حديث محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير -زاد ابن أبي عاصم:- وسعيد بن جبير، عن ابن عباس قَالَ: قَالَ رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "لما أصيب إخوانكم بأُحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد من أنهار الجنة وتأكل من ثمارها .. " الحديث (١). ومن حديث الحسين بن واقد -عند ابن أبي عاصم- عن الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود أن الثمانية عشر من أصحاب رسول الله ﷺ جعل الله أرواحهم في الجنة في طير خضر (٢)، وفي لفظ: "أرواح الشهداء عند الله كطير خضر في قناديل تحت العرش". ومن حديث عطية، عن أبي سعيد مرفوعًا: "أرواح الشهداء في طير خضر ترعى في رياض الجنة، ثم يكون مأواها قناديل معلقة يالعرش". ومن حديث موسى بن عبيدة الرَّبَذَي عن (عبيد الله بن يزيد) (٣)، عن أم فلانة -أظنها: أم (مبشر) (٤) - قَالَ رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "إن أرواح المؤمنين طير خضر في حجر من الجنة يأكلون من الجنة، ويشربون من الجنة". وبإسناد جيد إلى كعب بن مالك مرفوعًا: "أرواح الشهداء في طير خضر" (٥).

стр. 10249

ولمالك في "الموطأ": "نسمة المؤمن طائر" (١). وأَوَّلَ بعض العلماء (في) بمعنى (على) أي: أرواحهم على جوف طير خضر، كما قَالَ تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على جذوع، وجائز أن يسمى الطير جوفًا لهم أو هو محيط به ومشتمل عليه كالحامل والجنين، كما نبه عليه عبد الحق.

стр. 10250

٢٠ - باب ظِلِّ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الشَّهِيدِ ٢٨١٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقِيلَ: ابْنَةُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو. فَقَالَ: "لِمَ تَبْكِي -أَوْ: لَا تَبْكِي- مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا". قُلْتُ لِصَدَقَةَ: أَفِيهِ "حَتَّى رُفِعَ؟ " قَالَ: رُبَّمَا قَالَهُ. [انظر: ١٢٤٤ - مسلم: ٢٤٧١ - فتح ٦/ ٣٢] ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَسَمِعَ صوْتَ (صَائِحَةٍ) (١)، فَقِيلَ ابنةُ عَمْرٍو -أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو- فَقَالَ: "لِمَ تَبْكِي -أَوْ: لَا تَبْكِي- مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا". قُلْتُ لِصَدَقَةَ -أي: ابن الفضل؛ شيخ البخاري-: أَفِيهِ: "حَتى رُفِعَ"؟ قَالَ: رُبَّمَا قَالَهُ. هذا الحديث سلف، وفيه من فضل الشهادة وضع الملائكةِ أجنحَتها عليه رحمة له، كما نبه عليه المهلب. وفيه: أن النياحة ليست الشدة في النهي عنها إلا إذا كان معها شيء من أفعال الجاهلية، من شق وخمش ودعوى الجاهلية، على ما سلف في الجنائز. وفيه: أن الشهيد والرجل الصالح ومن يرجى له الخير لا يحب أن يبكى عليه، ألا ترى أنه قَالَ لها: "لم تبكي؟ " فأخبرها بالأمن عليه في الآخرة، وإنما البكاء لمن يُخشى عليه النار، وشهد لهذا المعنى حديث

стр. 10251

أم حارثة إذ قالت لرسول الله - صلي الله عليه وسلم -: أخبرني بمنزلة ابني، فإن كان في الجنة صبرت واحتسبت (١). وفيه: أن الشهيد لا يضره بكاء من بكى عليه من النساء وأن أهل الشهيد من النساء أعذر في البكاء ممن يموت حتف أنفه؛ إذ لم يقل لهن هاهنا شيئًا؛ كذا قَالَ الداودي. قَالَ ابن التين: والذي في الحديث شك، هل هو نهاها أو قَالَ: "لم تبكي" يقوله لغيرها، أو لو خاطبها لقال: لم تبكين.

стр. 10252

٢١ - باب تَمَنِّي المُجَاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا ٢٨١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أَحَدٌ يدخلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيءٍ، إِلاَّ الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ". [انظر: ٢٧٩٥ - مسلم: ١٨٧٧ - فتح: ٦/ ٣٢] ذكر فيه حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أَحَدٌ يدخلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيء إِلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرى مِنَ الكَرَامَةِ". هذا الحديث أخرجه أبو داود أيضًا (١)، وفي لفظ له: "لما يرى من فضل الشهادة" (٢). وهذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة والحض عليها والترغيب فيها، وإنما يتمنى الشهيد أن يقتل عشر مرات -والله أعلم- لعلمه بأن ذَلِكَ مما يرضي الله ، ويقرب منه؛ لأن من بذل نفسه ودمه في إعزاز دين الله ونصرة دينه ونبيه فلم يبق غاية وراء ذَلِكَ، وليس في أعمال البر ما تُبذل فيه النفس غير الجهاد؛ فلذلك عظم الثواب عليه والله أعلم.

стр. 10253

٢٢ - باب الجَنَّةُ تَحْتَ بَارِقَةِ السُّيُوفِ وَقَالَ المُغِيرَةُ: بْنُ شُعْبَةَ أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا: "مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الجَنَّةِ". وَقَالَ عُمَرُ ﵁ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ في النَّارِ؟ قَالَ: "بَلَى". ٢٨١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَكَانَ كَاتِبَهُ- قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ". تَابَعَهُ الأُوَيْسِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. [٢٨٣٣، ٢٩٣٣، ٢٩٦٥، ٢٩٦٦، ٣٠٢٥، ٣٠٢٥، ٤١١٥، ٦٣٩٢، ٧٢٣٧، ٧٤٨٩ - مسلم: ١٧٤٢ - فتح: ٦/ ٣٣] ثم ساق حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ". قال أبو عبد الله: تَابَعَهُ الأيويسِيُّ، عَنِ ابن أَبِي الزّنَادِ، عَنْ مُوسَي بْنِ عُقْبَةَ. الشرح: التعليق الأول: أسنده في الجزية عن الفضل بن يعقوب، عن عبد الله بن جعفر الرقي، عن المعتمر بن سليمان، عن سعيد بن عبيد الله الثقفي، عن بكر بن عبد الله المزني وزياد بن جبير كلاهما، عن جبير بن حية الثقفي عنه مطولًا يذكر إسلام المرزبان ومشاورة عمر له في أمر القتال (١).

стр. 10254

و (المعتمر) (هذا) (١) هو ابن سليمان بن طرخان التيمي كما قاله أصحاب الأطراف، والمستخرجات والمترجمون. وأما الحافظ الدمياطي فقال: إنه وَهَمٌ، والصواب: المُعَمَّرُ بنُ سليمان الرَّقِّي؛ لأن عبد الله بن جعفر الرقي لا يروي عن التيمي (٢). ولم نره لغيره؛ بل ولا ذكر المعمر في رجالج البخاري (٣) ولما ذكروا ابن جعفر قالوا: روى عن المعتمر التيمي (٤). والتعليق الثاني: عن عمر خرجه أيضًا عن أحمد بن إسحاق، عن يعلق بن عبيد، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن سهل بن حنيف قَالَ: قَال عمر .. فذكره (٥). وحديث ابن أبي أوفى متفق عليه. وقوله: (تابعه .. إلى آخره): يعني: أن الأويسي تابع معاوية بن عمر، والذي رواه عن أبي إسحاق، عن موسى بن عقبة.

стр. 10255

قَالَ ابن المنير (١): كأن البخاري أراد بالترجمة أن السيوف لما كانت لها بارقة شعاع كان لها أيضًا ظل تحتها، وترجم ببارقة، يريد لمع السيوف، من قولهم ناقة بروق إذا لمعت بذنبها من غير لقاح وهو مثل: "الجنة تحت ظلال السيوف" وكذا قَالَ ابن بطال (٢): هو من البريق، وهو معروف. قَالَ الخطابي: يقال: أبرق الرجل بسيفه إذا لمع به، ويسمى السيف إبريقًا، وهو أفعل من البريق (٣). إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجهين: أحدهما: قَالَ المهلب: فيه: أنه قد يجوز أن يُقطع لقتلى المسلمين كلهم بالجنة؛ لقول عمر على الجملة من غير أن يُشخص من هذِه الجملة واحد فيقال: إن هذا في الجنة إلا بخبر فيه بعينه لقوله - صلي الله عليه وسلم -: "والله أعلم بمن يجاهد في سبيله" (٤)، فنحن نقطع بظاهر الحديث في الجملة ونكل التفصيل والغائب من النيات لله تعالى؛ لئلا يقطع في علم الله بغير (خبر) (٥) ألا ترى أنه ﷺ حين سُئل فقيل له: منا من يقاتل للمغنم، وليُرى مكانه، وللدنيا. وغير ذَلِكَ فلما فصل له تَبرأ من القطع على الغيب فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (٦). وهذا القول يقضي على سائر معاني الحديث، والمسألة والترجمة صحيحة، وأن من قَتَل أو قُتِل في إعلاء كلمة الله فهو في الجنة.

стр. 10256

ثانيهما: قوله: ("واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف") أي: ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله ومشي المجاهدين في سبيله، فأحضروا فيه بصدق وأثيبوا، وهذا من كلامه البديع النفيس الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ وعذوبته، فإنه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقارنة العدو واستعمال السيوف والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزحف حَتَّى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدو، وبعضها يرتفع عنهم حَتَّى كأن السيوف أظلت الضاربين بها، قَالَ ابن الجوزي: والمراد أن دخوله الجنة يكون بالجهاد، والظلال: جمع ظل، فإذا دنا الشخص من الشخص صار تحت ظل سيفه، وقَالَ في موضع آخر: وإذا تدانا الخصمان صار كل واحد منهما تحت ظل سيف الآخر، فالجنة تنال بهذا.

стр. 10257

٢٣ - باب مَنْ طَلَبَ الْوَلَدَ لِلْجِهَادِ ٢٨١٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ -أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ- كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ الله. فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ الله، فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ". [٣٤٢٤، ٥٣٤٢، ٦٦٣٩، ٦٧٢٠، ٧٤٦٩ - فتح: ٦/ ٣٤] ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ -معلقا- فَقَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ -أَوْ تِسْعِ وتِسْعِينَ- كلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ. فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ". هذا الحديث كذا أخرجه البخاري هنا معلقا وأسنده في (ستة) (١) مواضع منها في الأيمان والنذور عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج. وفي لفظ: "ستين امرأة"، وفي لفظ: "سبعين"، وفي آخر: "مائة"؛ من غير شك، وفي آخر: "تسعة وتسعين"؛ من غير شك، ولا منافاة بين هذِه الروايات؛ لأنه ليس في ذكر القليل نفي الكثير، وهو من باب مفهوم العدد، ولا يعمل به جمهور أهل الأصول، وفي آخر: "فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل ونسي"، وطريق الليث أخرجها أبو نعيم من

стр. 10258

حديث يحيى بن بكير عنه، وكذلك مسلم في "صحيحه" من حديثه (١). إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجوه: أحدها: فيه: الحض على طلب الولد بنية الجهاد في سبيل الله، وقد يكون الولد بخلاف ما أمله فيه فيكون كافرًا، ولكن قد تم له الأجر في نيته وعمله. ثانيها: أن من قَالَ: إن شاء الله وتبرأ من المشيئة إلا لله ولم يعط (الخاصة) (٢) لنفسه في أعماله أنه حري بأن يبلغ أمله ويُعطي أُمنيَّته، ألا ترى أن سليمان لما لم يرد المشيئة إلى الله ولم يستثن ما لله في ذَلِكَ حُرم أمله، ولو استثنى بلغ أمله. كما أخبر الصادق، وليس كل من قَالَ قولًا ولم يستثن فيه المشيئة فواجب ألا يبلغ أمله، بل منهم من يشاء الله إتمام أمله، ومنهم من لا يشاء بسابق علمه، ولكن هذِه التي أخبر عنها الصادق أنها مما لو استثنى المشيئة لتم له أمله، فدل هذا على أن الأقدار في علم الله على ضروب، فقد يُقدر للإنسان الولد والرزق والمنزلة إن فعل كذا، أو قَالَ أو دعا، فإن لم يفعل ولا قَالَ لم يعط ذَلِكَ الشيء وأصل هذا في قصة يونس ﷺ قَالَ تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤] فبان بهذِه الآية أن تسبيحه كان سبب خروجه من بطن الحوت، ولو لم يسبح ما خرج منه. ثالثها: أن الاستثناء قد يكون بإثر القول، وإن كان فيه سكوت يسير لم تنقطع به دونه الأفكار الحائلة بين الاستثناء واليمين، وستعلم ذَلِكَ في موضعه.

стр. 10259

رابعها: أن الأنبياء يعتريهم السهو، نبه عليه ابن التين. خامسها: قوله: ("لأطوفن") كذا روي هنا، وفي رواية أخرى: "لأطيفن" (١)، وكلاهما صحيح كما قَالَ المبرد، يقال: طاف بالشيء وأطاف به وأصله: الدوران حول الشيء، وهو (هنا) (٢) كناية عن الجماع، وهو قال على ما خص الله به أنبياءه من صحة البنية، وكمال الرجولية مع ما كانوا عليه من الجد والاجتهاد في العبادة، والعادة في مثل هذا لغيرهم الضعف عن الجماع، لكن خرق الله تعالى لهم العادة في أبدانهم، كما خرقها لهم في معجزاتهم وأحوالهم، فحصل لسليمان من الإطاقة أن يطأ في ليلة مائة امرأة ينزل في كل واحدة منهن. وسيدنا رسول الله ﷺ أعطي (فيه) (٣) أكثر من ذَلِكَ قوى ثلاثين رجلاً، وفي "الطبقات": أربعين. قَالَ مجاهد: أعطي قوة أربعين رجلاً كل رجل من أهل الجنة (٤). وقد أوضحت الكلام عليه في "الخصائص" (٥)، وكان إذا صلى الغداة دخل على نسائه فطاف عليهن بغسل واحد ثم يبيت عند التي هي ليلتها (٦)، وإن روي من حديث عائشة طوافه عليهن من غير مسيس ولا مباشرة.

стр. 10260

واللام في "لأطوفن" داخلة على جواب القسم، وكثيرًا ما تحذف معها العرب المقسم به اكتفاء بدلالتها على المقسم به، لكنها لا تدل على مقسم معين، ويؤيده قوله: "لو قَالَ إن شاء الله لم يحنث" لأن عدم الحنث ووجوده لا يكون إلا عن قسم، ويبعد أن يكون ابتدأ به، وأن ذَلِكَ حكايته عن قول سليمان من غير قسم. سادسها: قوله: ("بفارس") وفي روا ية: "بغلام" ظاهرُهُ الجزمُ على أن الله تعالى يفعل ذَلِكَ لصدق رجائه في حصول الخير، وظهور الدين والجهاد، ولا يظن به أنه قطع بذلك على الله تعالى إلا مَن جَهِل حال الأنبياء في معرفتهم بالله وتأدبهم معه. وقوله: ("فقال له صاحبه") يعني: المَلَك، كما ذكره في النكاح (١)، وفي مسلم: "فقال له صاحبه أو الملك" وهو شك من (واحد من) (٢) رواته، وفي رواية له: "فقال لصاحبه" بالجزم من غير تردد. قَالَ القرطبي: فان كان صاحبه فيعني به وزيره من الإنس أو من الجن، وإن كان الملك فهو الذي كان يأتيه بالوحي، قَالَ: وقد أبعد من قَالَ هو خاطره (٣). وقال النووي: قيل: المراد بصاحبه، الملك، وهو الظاهر من لفظه، وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدمي (٤). قلتُ: الصواب الأول كما أسلفناه عن رواية البخاري في أثناء النكاح.
следующие страницы →