← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10256–10295 · переход к 10261.

стр. 10256

ثانيهما: قوله: ("واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف") أي: ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله ومشي المجاهدين في سبيله، فأحضروا فيه بصدق وأثيبوا، وهذا من كلامه البديع النفيس الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ وعذوبته، فإنه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقارنة العدو واستعمال السيوف والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزحف حَتَّى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدو، وبعضها يرتفع عنهم حَتَّى كأن السيوف أظلت الضاربين بها، قَالَ ابن الجوزي: والمراد أن دخوله الجنة يكون بالجهاد، والظلال: جمع ظل، فإذا دنا الشخص من الشخص صار تحت ظل سيفه، وقَالَ في موضع آخر: وإذا تدانا الخصمان صار كل واحد منهما تحت ظل سيف الآخر، فالجنة تنال بهذا.

стр. 10257

٢٣ - باب مَنْ طَلَبَ الْوَلَدَ لِلْجِهَادِ ٢٨١٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ -أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ- كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ الله. فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ الله، فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ". [٣٤٢٤، ٥٣٤٢، ٦٦٣٩، ٦٧٢٠، ٧٤٦٩ - فتح: ٦/ ٣٤] ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ -معلقا- فَقَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ -أَوْ تِسْعِ وتِسْعِينَ- كلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ. فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ". هذا الحديث كذا أخرجه البخاري هنا معلقا وأسنده في (ستة) (١) مواضع منها في الأيمان والنذور عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج. وفي لفظ: "ستين امرأة"، وفي لفظ: "سبعين"، وفي آخر: "مائة"؛ من غير شك، وفي آخر: "تسعة وتسعين"؛ من غير شك، ولا منافاة بين هذِه الروايات؛ لأنه ليس في ذكر القليل نفي الكثير، وهو من باب مفهوم العدد، ولا يعمل به جمهور أهل الأصول، وفي آخر: "فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل ونسي"، وطريق الليث أخرجها أبو نعيم من

стр. 10258

حديث يحيى بن بكير عنه، وكذلك مسلم في "صحيحه" من حديثه (١). إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجوه: أحدها: فيه: الحض على طلب الولد بنية الجهاد في سبيل الله، وقد يكون الولد بخلاف ما أمله فيه فيكون كافرًا، ولكن قد تم له الأجر في نيته وعمله. ثانيها: أن من قَالَ: إن شاء الله وتبرأ من المشيئة إلا لله ولم يعط (الخاصة) (٢) لنفسه في أعماله أنه حري بأن يبلغ أمله ويُعطي أُمنيَّته، ألا ترى أن سليمان لما لم يرد المشيئة إلى الله ولم يستثن ما لله في ذَلِكَ حُرم أمله، ولو استثنى بلغ أمله. كما أخبر الصادق، وليس كل من قَالَ قولًا ولم يستثن فيه المشيئة فواجب ألا يبلغ أمله، بل منهم من يشاء الله إتمام أمله، ومنهم من لا يشاء بسابق علمه، ولكن هذِه التي أخبر عنها الصادق أنها مما لو استثنى المشيئة لتم له أمله، فدل هذا على أن الأقدار في علم الله على ضروب، فقد يُقدر للإنسان الولد والرزق والمنزلة إن فعل كذا، أو قَالَ أو دعا، فإن لم يفعل ولا قَالَ لم يعط ذَلِكَ الشيء وأصل هذا في قصة يونس ﷺ قَالَ تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤] فبان بهذِه الآية أن تسبيحه كان سبب خروجه من بطن الحوت، ولو لم يسبح ما خرج منه. ثالثها: أن الاستثناء قد يكون بإثر القول، وإن كان فيه سكوت يسير لم تنقطع به دونه الأفكار الحائلة بين الاستثناء واليمين، وستعلم ذَلِكَ في موضعه.

стр. 10259

رابعها: أن الأنبياء يعتريهم السهو، نبه عليه ابن التين. خامسها: قوله: ("لأطوفن") كذا روي هنا، وفي رواية أخرى: "لأطيفن" (١)، وكلاهما صحيح كما قَالَ المبرد، يقال: طاف بالشيء وأطاف به وأصله: الدوران حول الشيء، وهو (هنا) (٢) كناية عن الجماع، وهو قال على ما خص الله به أنبياءه من صحة البنية، وكمال الرجولية مع ما كانوا عليه من الجد والاجتهاد في العبادة، والعادة في مثل هذا لغيرهم الضعف عن الجماع، لكن خرق الله تعالى لهم العادة في أبدانهم، كما خرقها لهم في معجزاتهم وأحوالهم، فحصل لسليمان من الإطاقة أن يطأ في ليلة مائة امرأة ينزل في كل واحدة منهن. وسيدنا رسول الله ﷺ أعطي (فيه) (٣) أكثر من ذَلِكَ قوى ثلاثين رجلاً، وفي "الطبقات": أربعين. قَالَ مجاهد: أعطي قوة أربعين رجلاً كل رجل من أهل الجنة (٤). وقد أوضحت الكلام عليه في "الخصائص" (٥)، وكان إذا صلى الغداة دخل على نسائه فطاف عليهن بغسل واحد ثم يبيت عند التي هي ليلتها (٦)، وإن روي من حديث عائشة طوافه عليهن من غير مسيس ولا مباشرة.

стр. 10260

واللام في "لأطوفن" داخلة على جواب القسم، وكثيرًا ما تحذف معها العرب المقسم به اكتفاء بدلالتها على المقسم به، لكنها لا تدل على مقسم معين، ويؤيده قوله: "لو قَالَ إن شاء الله لم يحنث" لأن عدم الحنث ووجوده لا يكون إلا عن قسم، ويبعد أن يكون ابتدأ به، وأن ذَلِكَ حكايته عن قول سليمان من غير قسم. سادسها: قوله: ("بفارس") وفي روا ية: "بغلام" ظاهرُهُ الجزمُ على أن الله تعالى يفعل ذَلِكَ لصدق رجائه في حصول الخير، وظهور الدين والجهاد، ولا يظن به أنه قطع بذلك على الله تعالى إلا مَن جَهِل حال الأنبياء في معرفتهم بالله وتأدبهم معه. وقوله: ("فقال له صاحبه") يعني: المَلَك، كما ذكره في النكاح (١)، وفي مسلم: "فقال له صاحبه أو الملك" وهو شك من (واحد من) (٢) رواته، وفي رواية له: "فقال لصاحبه" بالجزم من غير تردد. قَالَ القرطبي: فان كان صاحبه فيعني به وزيره من الإنس أو من الجن، وإن كان الملك فهو الذي كان يأتيه بالوحي، قَالَ: وقد أبعد من قَالَ هو خاطره (٣). وقال النووي: قيل: المراد بصاحبه، الملك، وهو الظاهر من لفظه، وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدمي (٤). قلتُ: الصواب الأول كما أسلفناه عن رواية البخاري في أثناء النكاح.

стр. 10261

سابعها: قوله: ("فلم يقل إن شاء الله") أي: بلسانه، لا أنه غفل عن التفويض إلى الله بقلبه، فإنه لا يليق بمنصب النبوة، وإنما هذا كما اتفق لنبينا - عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام - لما سُئل عن الروح والخضر وذي القرنين؟ فوعدهم أن يأتي بالجواب غدًا جازمًا مما عنده من معرفة الله وصدقه وعده في تصديقه وإظهار كلمته، لكنه ذهل عن النطق بها لا عن التفويض بقلبه، فاتفق أن تأخر الوحي: عنه ورمِيَ مما رُمِيَ لأجل ذَلِكَ، ثم علمه الله بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله﴾ الآية [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. فكان بعد ذَلِكَ يستعمل هذِه الكلمة حتى في الواجب. وهذا لعلو مناصب الأنبياء وكمال معرفتهم بالله تعالى يعاتبون على ما لا يعاتب عليه غيرهم. ثامنها: قوله: ("لو قَالَ: إن شاء الله لم يحنث") فيه دلالة على أنه أقسم على شيئين: الوطء والولادة، فإنه فعل الوطء حقيقة والاستيلاد لم يتم، إذ لو تم (الاستيلاد) (١) لم يقل فيه ذلك، وهذا محمول على أنه ﵇ أوحي إليه بِذَلِكَ في حق سليمان، لا أن كل من فعل هذا يحصل له هذا، وهذا من خصائص نبينا في اطلاعه على أخبار الأنبياء السالفة والأمم الماضية. تاسعها: فيه دلالة على جواز قول: لو ولولا بعد وقوع المقدور، و (قد) (٢) جاء في القرآن كثير وفي كلام الصحابة والسلف، وسيأتي ترجمة البخاري على هذا: باب ما يجوز من اللو (٣)، وأما النهي عن ذَلِكَ وأنها تفتح عمل الشيطان فمحمول على من يقول ذَلِكَ معتمدًا على الأسباب معرضًا عن المقدور أو متضجرًا منه وقد أوضحت ذَلِكَ

стр. 10262

في "شرح العمدة" (١)، فإني أمعنت في شرح هذا الحديث فيه، وهنا اقتصرنا على أطراف خشية الطول. العاشر: إن قلت من أين لسليمان أن الله تعالى يخلق من مائِهِ في تلك الليلة مائة غلام لا جائز أن يكون بوحي لأنه ما وقع، ولا أن يكون الأمر في ذَلِكَ إليه؛ لأنه لا يكون إلا ما يريد؟ فالجواب ما ذكره ابن الجوزي: أنه من جنس التمني على الله، والسؤال له جل وعز أن يفعل والقسم عليه، كقول أنس بن النضر: والله لا تكسر ثَنيَّة الرُّبيِّع. قلتُ: الشارع سماه قسمًا فقَالَ: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّ قسمه" (٢). الحادي عشر: قوله: ("فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل") وفي رواية: "بشق غلام"، وفي أخرى: "نصف إنسان"، وفي أخرى له: "فلم يحتمل شيئًا إلا واحدًا ساقطًا إحدى شقيه". الثاني عشر: قوله: ("فلم يقل") قد فسر في الرواية الأخرى: "فنسي" وقيل: صُرف عن الاستثناء ليتم سابق حكمه تعالى، وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي: فلم يقل إن شاء الله، فقيل له: قل: إن شاء الله. تتمات: أحدها: سليمان أحد المؤمنَيْنِ اللذَيْنِ ملكهما الله الدنيا كلها، والآخر ذو القرنين، وملكها كافران: نمروذ وبختنصر. ويقال: إنه

стр. 10263

ملك بعد أبيه وله اثنتا عشر سنة من عمره، وسخر (الله) (١) له الجن والإنس والطير والريح، وكان إذا جلس في مجلسه عكفت عليه الطير، فقام له الإنس والجن، عاش ثلاثًا وخمسين سنة. ثانيها: قَالَ بعض المتكلمين: نبه ﷺ هنا على آفة التمني والإعراض عن التسليم والتفويض، قَالَ: ومن آفته نسيانه الاستثناء؛ ليمضي فيه القدر السابق كما سبق. ثالثها: في رواية للبخاري ستأتي: "وكان أرجى لحاجته" (٢)، وفي أخرى في "الصحيح": "وكان دركًا لحاجته" (٣)، وهو -بفتح الراء- اسم من الإدراك، أي: لحاقا قَالَ تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] والمعنى أنه كان يحصل له ما أراد. رابعها: فيه أن الاستثناء لا يكون إلا باللفظ ولا تَكفي فيه النيةُ، وهو قول الأربعة والعلماء كافة، وادعى بعضهم أن قياس قول مالك: أن اليمين تنعقد بالنية صحت الاستثناء بها من غير لفظ ومنع. خامسها: جواز الإخبار عن الشيء، ووقوعه في المستقبل بناء على الظن فإن هذا الإخبار راجع إلى ذلك، وأجاز أصحابنا الحلف على الظن الماضي، وقالوا: يجوز أن يحلف على خط مورثه إذا وثق بخطه، وأمانته، وجوزوا العمل به واعتماده. سادسها: فيه استحباب التعبير باللفظ الحسن عن غيره، فإنه عبر عن الجماع بالطواف كما سلف، نعم لو دعت ضرورة شرعية إلى التصريح به لم يعدل عنه.

стр. 10264

٢٤ - باب الشَّجَاعَةِ في الحَرْبِ وَالْجُبْنِ ٢٨٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ، وَقَالَ: "وَجَدْنَاهُ بَحْرًا". [٢٦٢٧ - مسلم: ٢٣٠٧ - فتح: ٦/ ٣٥] ٢٨٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ النَّاسُ، مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ العِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلاً وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا". [٣١٤٨ - فتح: ٦/ ٣٥] ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزعَ أَهْلُ المَدِينَةِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ، قَالَ: "وَجَدْنَاهُ بَحْرًا". وحديث جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ النَّاسُ، مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، تَعَلَّقَت الأَعْرَابُ يَسْأَلُونهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى شجَرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَالَ: "أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هذِه العِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا".

стр. 10265

الشرح: الحديث الأول سلف قريبًا في باب من استعار من الناس الفرس ويأتي في الأدب (١)، وأخرجه مسلم في الفضائل، والترمذي في الجهاد؛ وقال: صحيح، وكذا النسائي وابن ماجه (٢). وحديث جبير يأتي في الخمس. والفرق بين الجبن والبخل: البخل: أن يضن الإنسان بماله أن يبذله في المكارم. والجبن: ضد الشجاعة، وإنما يكون من ضعف القلب و (خشية) (٣) النفس. ثم الكلام من وجوه: أحدها: فيه: -كما قَالَ المهلب- أن الرئيس قد يتشجع في بعض الأوقات إذا وجد في نفسه قوة، وإن كان اللازم له أن يحوط أمرَ المسلمين بحياطة نفسه، لكنه لما رأى الفزع المستولي، علم أنه لم يُكاد مما أخبره الله به من العصمة، وأنه لا بد أن يتم أمره حَتَّى تمر المرأة من الحيرة حَتَّى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، فلذلك أمن فزعهم باستبراء الصحراء، وكذلك كل رئيس إذا استولى على قومه الفزع ووجد من نفسه قوة فينبغي له أن يُذهب عنهم الفزع باستبرائه بنفسه. ثانيها: فيه: استعمال المجاز في الكلام؛ لقوله في الفرس: "وجدناه بحرًا"، فشبهه بذلك لأن الجري منه لا ينقطع كما لا ينقطع

стр. 10266

ماء البحر، وأول من تكلم بهذا رسول الله ﷺ ، ويأتي له تتمة في باب: اسم الفرس والحمار بعد إن شاء الله (١). ثالثها: فيه: استعارة الدواب للحرب وغيره، وقد سلف، وركوب الدابة عُريًا لاستعجال الحركة. رابعها: في الحديث الثاني: أنه لا بأس للرجل الفاضل أن يخبر عن نفسه فيما فيه من الخلال الشريفة عندما يخاف من سوء ظن أهل الجهالة به. خامسها: فيه: أن البخل والجبن والكذب من الخلال المذمومة التي لا تصلح أن تكون في رؤساء الناس، وأن من كانت فيه خلة منها لم يتخذه المسلمون إمامًا ولا خليفة، وكذلك من كان كذوبًا فلا يتخذ إمامًا في دين الله؛ لأن الكذب فجور ويهدي إليه كما نطق الشارع به، ولا يؤمن على وحي الله وسنة رسوله الفجار، وإنما يؤمن عليه أهل العدل، كما قَالَ ﷺ : "يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له" (٢). سادسها: (فيه): (٣) أن الإلحاف في المسألة قد يرد بالقول والعدة كما قَالَ: "لو كان لي عدد هذِه العضاه نعما لقسمته بينكم" والوعد منه في حكم الإنجاز واجب، لقوله: "ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا". وفيه: الصبر لجهلة الناس وجفاة السؤال، وإن ناله في ذَلِكَ أذى، وسؤاله رداءه تأنيسًا لهم من الأذى بالجفاء عليه، والمزاحمة في الطريق

стр. 10267

ثم رد إلحافهم بأن أعلمهم أن ما ملكه مقسوم بينهم، وأن وعده منجز لهم، وأن الذي يسألونه من قتالهم وعونهم له ليسوا بالمتقدمين عليه فيه، بل هو المقدم عليهم في القتال، وفي كل حاله لقوله: "ولا جبانًا" ولم ينكر أحد ما وصف به نفسه لاعترافهم به. سابعها: "العضاه" كما قَالَ أبو عبيد: من الشجر كل ما له شوك ومن أعرف ذَلِكَ الطلح والسَّلم والسَّيال والعُرْفُط والسَّمُر، وقال غيره: والقتال، قَالَ ابن التين: وتقرأ بالهاء وقفًا ووصلاً، وهو شجر الشوك كالطلح والعوسج والسدر، الواحدة عضاهة وعضهة، (وعِضَةٌ) (١)، وإنما ذَلِكَ لأنهم حذفوا منها الهاء الأصلية كما حذفت في شفه، ثم ردت في عضاه كما ردت في شفاه، وقال ابن فارس: الواحدة عضه الهاء أصلية، قَالَ: وقد يقال: عضة مثل عزة، وهذا بعير عضه إذا كان يأكل العضاه (٢). ثامنها: قوله: (مقفله من حنين) أي: مرجعه، وذلك سَنة ثمان. و (السمرة) واحدة السمر، وهي شجر طوال متفرق الرءوس، قليل الظل، صغار الورق، قصار الشوك، جيد الخشب، ولم يواره صفر أو صمغ أبيض، قليل المنفعة، ويخرج من السمرة شيء يشبه الدم، يقال: حاضت السمرة إذا خرج منها ذلك. تاسعها: قوله: ("نعمًا") وفي بعض النسخ: "نعم" وهما صحيحان، فـ "نعم" اسم كان و"عدد" خبرها، ومن رواه "نعمًا" فهو خبر كان، قَالَ ابن التين: وهذا أولى؛ لأن نعمًا نكرة، وهو أولى أن

стр. 10268

يكون خبرًا، ويصح نصبه على التمييز، والنعم الإبل خاصة، كذا قال أكثر أهل التفسير. وقال أبو جعفر النحاس: قيل: النعم للإبل والبقر والغنم، وإن انفردت الإبل قيل لها نعم، وإن انفردت البقر والغنم لم يقل لها نعم (١). واختلف في (الأنعام) فقيل هي جمع نعم، فيكون للإبل خاصة، وقيل: إذا قلتَ (أنعام) دخل فيه البقر والغنم. واختلف في النعم هل تؤنث فنقول هذِه نعم، فأكثرهم على جوازه، وقال الفراء: لا يؤنث. العاشر: قوله: ("ثم لا تجدوني بخيلا") قد تقدم بيانه. وقال القزاز: البخيل: الشحيح، وقال ابن مسعود: لا يعطي شيئًا، والشح: أخذك مال أخيك بغير حق، وقال طاوس: البخل: أن تبخل مما في يديك، والشح: أن تشح مما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيدي الناس بالحلال والحرام، وقيل: البخل في اللغة دون الشح، والشح أشد منه، يقال: جوزة شحيحة إذا كانت صحيحة، يقال: بخل يبخل بُخْلا وبَخَلاً، والجبان: الذي يرع في الحرب ويضعف، وذلك يؤدي إلى الفرار من الزحف، وهي كبيرة، يقال: جَبُنَ يَجْبُن جُبْنا وجُبُنًا، وجمع الجبان جبن. (قَالَ الشاعر: جهلًا علينا وجبنًا عن عدوكم … لبئست الخلتان الجهل والجبن) (٢)

стр. 10269

٢٥ - باب مَا يُتَعَوَّذُ مِنَ الجُبْنِ ٢٨٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ الأَوْدِيَّ قَالَ: كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ المُعَلِّمُ الغِلْمَانَ الكِتَابَةَ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". فَحَدَّثْتُ بِهِ مُصْعَبًا فَصَدَّقَهُ. [٦٣٦٥، ٦٣٧٠، ٦٣٧٤، ٦٣٩٠ - فتح ٦/ ٣٥] ٢٨٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". [٤٧٠٧، ٦٣٦٧، ٦٣٧١ - مسلم: ٢٧٠٦ - فتح: ٦/ ٣٦] ذكر فيه حديث عَمْرو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ: كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هؤلاء الكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ المُعَلِّمُ الغِلْمَانَ الكِتَابَةَ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ كل صلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". وحديث أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ".

стр. 10270

الشرح: حديث سعد من أفراده، وحديث أنس يأتي في الدعوات، وأخرجه مسلم أيضًا، وأخرجه أبو داود في الصلاة، والنسائي في الاستعاذة (١)، وسلف في باب الدعاء قبل السلام من حديث عائشة (٢)، نحو حديث أنس. أما استعاذته من الجبن فلأنه يؤدي إلى عذاب الآخرة كما قَالَهُ المهلب؛ لأنه يفر من قرنه في الزحف، فيدخل تحت وعبد الله فيمن ولَّى ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ [الأنفال: ١٦] وربما يفتتن في دينه فيرتد لجبن أدركه وخوف على مهجته من الأسر والعبودية. و ("أرذل العمر"): أَرْدَأَهُ، وهو حالة الهرم والضَّعْفِ عن أداء الفرائض وعن خدمة نفسه مما يتنظف فيكون كلاًّ على أهله مستثقلًا فيهم. و ("فتنة الدنيا") أن يبيع الآخرة مما يتعجله في الدنيا من حال أو مال. وتعوذه من العجز؛ لئلا يعجز عما يلزمه فعله من منافع الدين والدنيا. ("والعجز"): ذهاب القدرة في وجد، وهو الكسل عن الشيء مع القدرة على الأخذ في عمله، وكلاهما يجوز أن يتعوذ منه، وقال ابن بطال: اختلف في معنى العجز، فأهل الكلام يجعلونه ما لا استطاعة لأحد على ما عجز عنه؛ لأنها عندهم مع الفعل، وأما الفقهاء فيقولون: إنه هو ما يستطيع أن يعمله إذا أراد؛ لأنهم يقولون: إن الحج ليس على الفور، ولو كان على المهلة عند أهل الكلام لم

стр. 10271

يصح معناه؛ لأنها لا تكون إلا مع الفعل، والذين يقولون بالمهلة يجعلونها قبله. قال: ("والكسل") مجمعون على أنه ضعف الهمة، وإيثار الراحة للبدن على التعب، وإنما استعيذ منه؛ لأنه يبعد عن الأفعال الصالحة للدنيا والآخرة وسيأتي أيضًا في الدعاء (١).

стр. 10272

٢٦ - باب مَنْ حَدَّثَ بِمَشَاهِدِهِ في الحَرْبِ قَالَهُ أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ. ٢٨٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: صَحِبْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَسَعْدًا وَالْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵃ فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِلاَّ أَنِّي سَمِعْتُ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ. [٤٠٦٢ - فتح: ٦/ ٣٦] ثم ساق حديث السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: صَحِبْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَسَعْدًا وَالْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِلَّا أَنّي سَمِعْتُ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ. الشرح: قوله: (قاله أبو عثمان عن سعد" يعني: معلقًا وقد ذكره مسندًا في "صحيحه" عن محمد بن أبي بكر وحامد بن عمر ومحمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن أبيه عن أبي عثمان (١)، وإنما لم يحدث هؤلاء عن رسول الله ﷺ -والله أعلم- خشية الزيادة والنقصان؛ لئلا يدخلوا في معنى قوله: "من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار" (٢)، فاحتاطوا على أنفسهم أخذًا بقول عمر: أقلّوا الحديث عن رسول الله

стр. 10273

- صلي الله عليه وسلم -، وأنا شريككم (١)، وقد سلف ذَلِكَ في كتاب العلم واضحًا، وإنما حدث طلحة عن مشاهده يوم أحد. ففيه: أن للرجل أن يحدث عما تقدم له من (العناء) (٢) في إظهار الإسلام وإعلاء كلمته، وما يعد فيه من أعمال البر والموجبات غير النوافل؛ لأنه كان عليهم نصره - صلي الله عليه وسلم -، وبذل أنفسهم دونه فرضًا ليتأسى بذلك المتأسي، ولا يدخل ذَلِكَ في باب الرياء؛ لأن إظهار الفرائض أفضل من سترها ليشاد منار الإسلام، ولتظهر أعلامه، وكان طلحة من أهل النجدة (٣) وثبات القدم في الحرب، ذكر البخاري عن قيس في المغازي قَالَ: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها رسول الله ﷺ يوم أحد (٤)، وعن أبي عثمان أنه لم يبق مع رسول الله (تلك الأيام) (٥) غير طلحة وسعد (٦)، فلهذا حدث طلحة عن مشاهده يوم أحد ليقتدى به ويرغب الناس في مثل فعله.

стр. 10274

٢٧ - باب وُجُوبِ النَّفِيرِ وَمَا يَجِبُ مِنَ الجِهَادِ وَالنِّيَّةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَي: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ الآيَةَ. إلى قوله ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤١] إلى قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٣٨]. يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فانفروا ثبات﴾ [النساء: ٧١]: سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ، يُقَالُ: أَحَدُ الثُّبَاتِ: ثُبَةٌ. ٢٨٢٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٦/ ٣٧] ثم ساق حديث ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الفَتْحِ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". الشرح: نسخ هذِه الآية قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ وذلك أن قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية قَالَ أبو مالك الغفاري وابن النحاس: هذِه أول آية نزلت من براءة (١)، ثم نزل أولها وآخرها. واختلف في الخفاف والثقال، فقال أبو طلحة: شبابًا وشيوخًا (٢)،

стр. 10275

وقال الحسن: في العسر واليسر (١)، وقال مجاهد: مشاغيل وغير مشاغيل، وقال الأوزاعي: ركبانًا ومشاة (٢)، وقال قتادة: نشاطًا وغير نشاط (٣)، وقال زيد بن أسلم: المثقل من له عيال، والمخف: من لا عيال له، وهي أقوال متقاربة وقريب منه أصحاء ومرضى، عُزَّابًا ومتأهلين، جمع خفيف وثقيل أي: خف عليكم ذَلِكَ أو ثقل. وقوله: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ أصله: تثاقلتم أدغمت التاء في الثاء فسكنت الأولى فأتي بألف الوصل ليتوصل به إلى النطق بالساكن، قَالَ مجاهد: في غزوة تبوك أمروا بالخروج في شدة الحر وقد طابت الثمار، ومالوا إلى أهل الظلال (٤). وقوله: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أي: رضيتم بنعيم الدنيا عن نعيم الآخرة. ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ فعلًا قريب المتناول، والعرض: ما يعرض من منافع الدنيا لو كانت غنيمة قريبة. و ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أي: سهلًا وسطًا. ﴿الشُّقَّةُ﴾: المسافة والغاية التي يقصد إليها. وما ذكره البخاري عن ابن عباس ذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في "تفسيره" عنه. و (السرية): من يدخل دار الحرب مستخفيًا وعند أهل اللغة: الثبات: الجماعات في تفرقة أي: حلقة حلقة كل جماعة منها ثبة، و (الثُّبَّة): مشتقةٌ من قولهم: ثَبَّيْتُ الرجل إذا أَثْنَيتَ عليه في حياته،

стр. 10276

كأنك جمعت محاسنه (١)، ووقع في رواية أبي الحسن (ثباتًا) بالألف، ولا وجه له؛ لأنه جمع المؤنث السالم مثل الهندات. وحديث: "لا هجرة بعد الفتح" سلف تأويله فلعله يريد: لا هجرة لمن لم يهاجر قبل الفتح، وكان في بدء الإسلام فرض على كل مسلم الهجرة إليه فليقاتل معه، فلما فتح مكة وكسر شوكة صناديد قريش، ودخل الناس في دين الله أفواجًا قَالَ ذَلِكَ. وسيأتي في آخر الجهاد، باب لا هجرة بعد الفتح. قَالَ المهلب: والنفير والجهاد يجب وجوب فرض، ووجوب سنة، فأما من استنفر لعدو غالب ظاهر فالنفير فرض عليه، ومن استنفر لعدو غير غالب ولا قوي (للمسلمين) (٢) فوجوب سنة؛ من أجل أن طاعة الإمام (المستنفر لأن المستنفر للعدو) (٣) الغالب قد لزم الجهاد فيه كل أحد بعينه، وأما العدو المقاوم أو المغلوب فلم يلزم الجهاد فيه لزوم التشخيص لكل إنسان، وإنما لزم الجماعة فمن انتدب له قام به ومن قعد عنه فهو في سعة. (٤)

стр. 10277

٢٨ - باب الكَافِرِ يَقْتُلُ المُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ فَيُسَدِّدُ بَعْدُ وَيُقْتَلُ ٢٨٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَضْحَكُ الله إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ الله عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ". [مسلم: ١٨٩٠ - فتح: ٦/ ٣٩] ٢٨٢٧ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحُوهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْهِمْ لِي. فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا قَاتِلُ ابْنِ قَوْقَلٍ. فَقَالَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: وَاعَجَبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَأْنٍ، يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ الله عَلَى يَدَيَّ وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ. [٤٢٣٧، ٤٢٣٨، ٤٢٣٩ - فتح: ٦/ ٣٩] قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: السَّعِيدِيُّ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ. ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - قَالَ: "يَضْحَكُ اللهُ تَعَالَى إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هذا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ". وحديثه أيضًا قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحَهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْهِمْ لِي. فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ العَاصِي: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هذا قَاتِلُ ابن قَوْقَلٍ. فَقَالَ

стр. 10278

ابن سَعِيدِ بْنِ العَاصِي: وَاعَجَبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَانٍ، يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ اللهُ عَلَى يَدَيَّ وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ. قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: السَّعِيدِيُّ هو: عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ. الشرح: الحديث الأول: أخرجه مسلم؛ والثاني: من أفراده. وللنسائي في الأول "يعجب من رجلين" (١)، وذكره أبو داود وقال: لم يسهم له رسول الله ﷺ ، وذكر أنه أبان بن سعيد بن العاصي (٢). وخرج البخاري الثاني في المغازي عاليًا عن موسى، عن عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جده (٣). ولأبي داود: أنه ﷺ بعث أبان وسعيد بن العاص على سرية من المدينة قِبَل نجد، فقدم أبان وأصحابه على رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بخيبر بعد أن فتحها؛ فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله. قَالَ أبو هريرة: فقلت لا تقسم لهم يا سول الله فقال: (أبان) (٤): أنت (بها) (٥) يا وبر تحدر علينا من رأس (ضأل) (٦)؛ فقال ﷺ :

стр. 10279

"اجلس يا أبان" ولم يقسم لهم، وفي لفظ فقال سعيد بن العاصي: يا عجبًا لوبر (١). قَالَ الخطيب: كذا عند أبي داود فَقَالَ سعيد: وإنما هو ابن سعيد، واسمه أبان. قَالَ: والصحيح أن أبا هريرة هو السائل كما تقدم. قلتُ: ويجوز أن يكونا سألا جميعًا، وأن أحدهما جاز الآخر بقوله: لا تقسم له. إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام على ما أوردناه من وجوه بعد أن يعلم أن ترجمة الباب صحيحة، ومعناها عند العلماء: أن القاتل الأول كان كافرًا وتوبته إسلامه: أحدها: (الضحك) مفسر برواية النسائي السالفة "يعجب من رجلين" ونقل ابن الجوزي عن أكثر السلف أنهم كانوا يمنعون من تفسير مثل هذا ويمرونه كما جاء، قَالَ: وينبغي أن تُرَاعَى قاعدة في هذا قبل الإمرار وهي: أنه لا يجوز أن يحدث لله صفة ولا تشبه صفاته صفات الخلق فيكون والعياذ بالله معنى إمرار الحديث الجهل بتفسيره (٢). قَالَ الخطابي: الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح، أو يستفزهم الطرب غير جائز على الله تعالى، وإنما هو مثل مضروب لهذا الصنيع الذي يحل محل التعجب عند البشر، فإذا رأوه أضحكهم، ومعنى الضحك في صفة الله: الإخبار عن الرضا بفعل أحد هذين والقبول من الآخر ومجازاتهما (على صنيعهما) (٣) الجنة مع تباين

стр. 10280

مقاصدهما (١). وقال ابن حبان في "صحيحه": يريد أضحك الله ملائكته وعجبهم من وجود ما قضى (٢). وقال ابن فورك: أن يُبْدِي الله من فضله ونعمه توفيقًا لهذين الرجلين كما تقول العرب: ضحكت الأرض بالنبات إذا ظهر فيها، وكذلك قالوا للطلع إذا انفتق عنه: كافره الضحك؛ لأجل أن ذَلِكَ يبدو منه البياض الظاهر كبياض الثغر (٣). وقال الداودي: أراد قبول أعمالهما ورحمتهما والرضا عنهما. وكذا قَالَ ابن بطال: المعنى: يتلقاهما بالرحمة والرضوان، والضحك منه على المجاز؛ لأنه لا يكون منه تعالى على ما يكون من البشر؛ لأنه ليس كمثله شيء (٤). ثانيها: فيه: أن الرجل قد يوبخ مما سلف إلا أن يتوب فلا توبيخ عليه، ولا تثريب ألا ترى أن أبا هريرة لما وبخ ابن سعيد على قتل ابن قوقل كيف رد عليه أقبح الرد، وصارت له عليه الحجة كما صارت لآدم على موسى؛ من أجل أنهما وبخا بعد التوبة من الذنب. وفيه: أن التوبة تمحو ما سلف قبلها من الذنوب القتل وغيره؛ لقوله: (أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه) لأن ابن قوقل

стр. 10281

وجبت له الجنة بقتل ابن سعيد له، ولم تجب لابن سعيد النار؛ لأنه تاب وأسلم، ويصحح ذَلِكَ سكوته ﷺ على قوله، ولو كان غير صحيح لما لزمه السكوت، لأنه بعث للبيان. قَالَ ابن الجوزي: وقوله: (قاتل ابن قوقل) بقافين لا أدري من يعني قال العباس بن عبادة والنعمان بن مالك بن ثعلبة، وهو قوقل قتلهما صفوان بن أمية. قلتُ: قوله: (ابن) (١) قوقل ليس كذلك، إنما قوقل اسمه غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج كذا ذكره الكلبي وأبو عبيد وابن دريد (٢) وغيرهم. ثالثها: (الوَبْر) بإسكان الباء قَالَ صاحب "المطالع": كذا لأكثر الرواة، وهي دويبة غبراء، ويقال بيضاء، على قدر السِّنَّور، حسنة العينين من دواب الجبال، وإنما قَالَ له ذَلِكَ احتقارًا به ونسبة إلى قلة المقدرة على القتال، وضبطه بعضهم بفتح الباء وتأوله، وهو جمع وبرة، وهو شعر الإبل، أي: إن شأنه كشأن الوبرة؛ لأنه لم يكن لأبي هريرة عشيرة. قَالَ القزاز: هي ساكنة الباء دويبة أصغر من السنور طحلاء اللون، يعني: تشبه الطحال لا ذنب لها، وهي من دواب الغور والجمع وبار، وعن الخطابى أحسب أنها تؤكل لأنى وجدت بعض السلف يوجب فيها الفدية (٣).

стр. 10282

وقال ابن سيده في "محكمه": الوبر على قدر السنور، والأنثى وبرة، والجمع وُبُر. ووُبُور ووِبَار، ووُبَارَةٌ، وأبَارَةٌ (١). وقال الجوهري: (تَدْجُنُ) (٢) في البيوت (٣). أي: تُقيم بها وتألفها. وثالثها: وقال أبو موسى المديني في "مغيثه": في قتلها على المحرم شاة؛ لأنها تَجْتَرُّ كالشاة، وقيل: لأن لها كَرْشًا مثل الشاة (٤)، وقال مجاهد فيما حكاه في "مجمع الغرائب" مثله، وفي "البارع" لأبي على، عن أبي حاتم: الطائفيون يقولون لما يكون في الجبال من الحشرات: الوَبْر، جمعها الوِبارة، ولغة أخرى الوَبارة، وأخرى الإبارة بالكسر والهمز. وذكر ابن دحية في "مرج البحرين": وكَلْب بن وَبْرة بن تَغْلب بن حلوان- بسكون الباء وهي دويبة كالسنور، ووهم الجواليقي حيث فتح (الواو) (٥). قلتُ: لكن وافق النسابين وأهل اللغة. وقال ابن بطال: روي رأس بدل قدوم قَالَ: ومن روى بفتح الباء من وبر فمعناه تشبيه أبي هريرة بالوبر الذي لا خطب له ولا مقدار؛ لأنه لم يكن لأبي هريرة عشيرة ولا قوم يمتنع بهم، ولا يغني في قتال ولا لقاء عدو، كان ابن سعيد وأبو هريرة قدما عليه بخيبر، وقد سلف.

стр. 10283

ومن رواه بإسكانها فمعناه أنه شبهه بالوبر وهي دويبة على قدر السنور في السباع؛ وإنما سكت ﷺ عن الإنكار على أبي سعيد؛ لأنه لم يَرْمِ أبا هريرة بحد ولا تنقصه في دين، إنما تنقصه في قلة العشيرة والقدر، أو بضعف (المنة) (١)، وجمع الخلاف ابن التين فقال: الوبر دويبة يقال: إنها تشبه السنور قاله الخطابي (٢). وقال الهروي: على قدره، وقال ابن فارس: الوبر دابة، والجمع وبار (٣). وقوله: (تدلى علينا) أي: انحدر ولا يخبر بهذا إلا عمن جاء من موضع عال هذا الأشهر عند العرب. قَالَ أبو ذر الهروي: (ضأن): جبل بأرض دوس، وهو بلد أبي هريرة، وقال ابن التين: شبهه في قدومه بتدلي الوبر من موضعه، قَالَ: و (قدوم ضأن): اسم موضع. قَالَ الخطابي: وهو في أكثر الروايات ضأل باللام، وهو جبل أو ثنية أو نحوها (٤)، وذكر عن الشيخ أبي الحسن أنه قَالَ: شبهه مما يُعلق -بزند الشاة- أي: هو ملصق من قريش وليس منهم، ويلزم على هذا أن تقرأ (وَبَر) بفتح الباء ولم نسمعه كذلك، إنما هو بالإسكان. قلتُ: قد حكي كما سلف، وقال صاحب "المطالع": هو بفتح القاف وتخفيف الدال اسم موضع، وضم المروزي القاف، والأول أكثر وتأوله بعضهم: قدوم ضأن أي: المتقدم فيها، وهي رءوسها، وهووَهَمٌ بَيِّنٌ.

стр. 10284

وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون قدوم: جمع قادم مثل راكع وركوع وساجد وسجود، ذكر ذَلِكَ سيبويه، فيكون المعنى تدلَّى (علينا) (١) من جملة القوم القادمين، أقام الصفة مقام الموصوف، ويكون (من) في قوله: (من قدوم) تبيينًا للجنس كما لو قَالَ تدلى من علينا من ساكني ضأن، ولا تكون من مرتبطة بتدلى كما هي مرتبطة بالفعل في قولك: تَدَلَّيْتُ من الجبل؛ لاستحالة تدليه من قوم، ولا يقال: تدليت من بني فلان. ويحتمل أن يكون قدوم مصدرًا وصف به الفاعلون ويكون في الكلام حذف وتقديره: تدلى علينا من ذوي قدوم، فحذف الموصوف وأقام المصدر مقامه، كما قالوا رجل صوم ورجل فطر، أي ذو صوم وذو فطر، و (من) على هذا التقدير تبيين للجنس كما كانت في الوجه الأول قَالَ: ويحتمل أن يكون معناه تدلى علينا من مكان قدوم ضأن ثم حذف المكان وأقام القدوم مكانه، كما قالت العرب: ذهب به مذهب وسلك به مسلك، يريد المكان الذي يسلك فيه ويذهب، ويشهد لهذا رواية من رأس ضأن. وفيه قول يحتمل أن يكون (قدوم) (٢) اسمًا لمكان من الجبل متقدم منه ولا يكون مصدرًا ولا جمعًا ويدل على هذا رواية من روى: (تدلى علينا من رأس ضأن). ويحتمل أن يكون (اسم) (٣) المكان قدوم بفتح القاف دون الضم لقلة الضم في هذا البناء في الأسماء وكثرة الفتح.

стр. 10285

ويحتمل أن يكون (قدُّوم ضأن) بتشديد الدال، وفتح القاف لو ساعدته رواية؛ لأنه من بناء أسماء المواضع، وطرف القدوم موضع بالشام (١). قلتُ: الحازميُّ ضبطَ القرية التي اختتن بها إبراهيم والجبل الذي بقرب المدينة بتخفيف الدال، ثم ذكر عن ثعلب أنه قَالَ: بتشديد الدال اسم موضع فإن أراد أحد هذين فلا يتابع عليه؛ لاتفاق أئمة النقل على خلافه، وإن أراد موضعًا ثالثًا فالله أعلم. وقال أبو موسى في "مغيثه" عن ابن دريد: (قدوم) ثنية لسراة أرض دَوْس (٢)، وقال أبو عبيد: رواه الناس عن البخاري ضأن بالنون إلا الهَمْدَاني فإنه رواه باللام، وهو الصواب إن شاء الله، والضأل: السدر البري. وأما إضافة هذِه الثنية إلى الضأن فلا أعلم لها معنى، وقد قدمنا من عند أبي داود أنه باللام، وقال ابن الجوزي: كذا هو في أكثر الروايات، وزعم أبو ذر الهروي أنه بالنون جبل بأرض دوس، بلد أبي هريرة، وقيل: ثنية. قَالَ صاحب "المطالع": وتأوله بعضهم على أنه الضأن من الغنم، وجعل قدومها، أي: رءوسها -يعني: المتقدم منها-، والوبر بفتح (الباء) (٣): شعر رءوسها. قَالَ: وهذا تكلف وتحريف. فتحصلنا إسكان الباء وفتحها وضأن بالنون والسلام، وقدوم بفتح القاف وضمها.

стр. 10286

رابعها: فيه حجة على الكوفيين في قولهم في المدد يلحق بالجيش في أرض الحرب بعد الغنيمة أنهم شركاؤهم في الغنيمة. وسائر الفقهاء إنما تجب عندهم الغنيمة لمن شهد الوقعة، واحتجوا بحديث أبي هريرة هذا؛ لأنه لم يسهم له، كما أخرجه أبو داود كما سلف، وأبو حنيفة إنما يسهمُ لمن غاب عن الوقعة لشغل شغله الإمام من أمور المسلمين، كما فعل بعثمان حين قسم له من غنائم بدر بسهمه ولم يحضرها؛ لأنه كان غائبًا في حاجة الله ورسوله فكان كمن حضرها، أو مثل أن يبعثه الإمام لقتال قوم آخرين فتصيب الإمام غنيمة بعد مفارقة ذَلِكَ الرجل إياه، أو يبعث رجلاً ممن معه في "ر الحرب إلى دار الإسلام؛ ليمده بسلاح ورجال فلا يعود ذَلِكَ الرجل إلى الإمام حَتَّى يغتنم غنيمة فهو شريك فيها، وهو كمن حضرها، وكذلك فن أراد الغزو فرده الإمام، وشغله شيء من أمور المسلمين فهو كمن حضرها. قَالَ الطحاوي: وأما حديث أبي هريرة فإنما ذَلِكَ والله أعلم؛ لأنه وجَّه أبان إلى نجد قبل أن يتهيأ خروجه إلى خيبر، فتوجه أبان ثم حدث خروجه إليها فكان ما غاب فيه أبان ليس هو شُغْلٌ شُغِلَ به عن حضورها بغير إرادته إياها، فيكون كمن حضرها (١). وقال الكوفيون: لا حجة في حديث أبي هريرة؛ لأن خيبر حين فتحت سارت دار إسلام، وهذا لا شك فيه، قالوا: وقد روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة قَالَ: ما شهدت لرسول الله ﷺ مغنمًا إلا قسم لي، إلا خيبر

стр. 10287

فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة شهدوها أو لم يشهدوها؛ لأن الله تعالى كان وعدهم بها بقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١] واحتجوا بما رواه أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى قَالَ: قدمنا على النبي ﷺ مع جعفر من أرض الحبشة بعد فتح خيبر بثلاث، فقسم لنا، ولم يقسم لأحد لم يشهد فتحها غيرنا، قَالَ الطحاوي: وهذا يحتمل أن يكون؛ لأنهم كانوا من أهل الحديبية، أو يكون استطاب أنفسَ أهلِ الغنيمة، وعلى قوله لا حجة لأصحابهم في حديث أبي موسى، وسيأتي قريبًا تمام هذِه المسألة في باب: إذا بعث الإمام رسولاً في حاجة. وقوله: (ينعى عليَّ قتل رجل مسلم): أي يُعِيْبُني وُيوَبِّخُني. وقوله: (أكرمه الله على يدي) يعني: للشهادة و (لم يهني على يديه) يعني: لم يقدر موتي بقتله إياي كافرًا فأدخل النار. وقوله: (قَالَ: فلا أدري أسهم لي، أو لم يسهم له) هو من قول عنبسة، أو من دونه إلى شيخ البخاري، قاله ابن التين.

стр. 10288

٢٩ - باب مَنِ اخْتَارَ الغَزْوَ عَلَى الصَّوْمِ ٢٨٢٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ البُنَانِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ لَا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَجْلِ الْغَزْوِ، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إِلاَّ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى. [فتح: ٦/ ٤١] ذكر فيه حديث ثَابِتٍ البُنَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ لَا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلي الله عليه وسلم - مِنْ أَجْلِ الغَزْوِ، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إِلَّا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى. هذا الحديث من أفراده، وكأن أبا طلحة اعتمد على قوله ﷺ : "تقووا لعدوكم بالإفطار" (١)، وكان فارسه (٢)، و (من) (٣) له الغَنَاءُ في الحرب، فلذلك كان يفطر ليتقوى على العدو، وأيضًا فالمجاهد يكتب له أجر الصائم القائم، وقد مثله ﷺ بالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر (٤)، فدل هذا كله على فضل الجهاد على سائر أعمال التطوع فلما مات ﷺ وكثر الإسلام واشتدت وطأة أهله على عدوهم، ورأى أنه في سعة عما كان عليه من الجهاد، رأى أن يأخذ بحظه من الصوم ليجتمع له هاتان الطاعتان العظيمتان وليدخل يوم القيامة من باب الريان، قَالَ ابن التين: وامتناع أبي طلحة أن يصوم من أجل الغزو صحيح، وذلك لمن خاف أن يضعف عن الجهاد

стр. 10289

فيقوى مما لا يضر به ذَلِكَ يجتمع له طاعتان، قَالَ: وقوله: (لم أره مفطرًا إلا يوم فطر أو أضحى) لعله يرى صيام المعدودات والفقهاء على خلافه (١). وفيه: جواز صيام الدهر، وقد سلف في بابه.

стр. 10290

٣٠ - باب الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى القَتْلِ ٢٨٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ". [انظر: ٦٥٣ - مسلم: ١٩١٤ - فتح: ٦/ ٤٢] ٢٨٣٠ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ". [٥٧٣٢ - مسلم: ١٩١٦ - فتح: ٦/ ٤٢] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ". وحديث حَفْصَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الطَّاعُونُ شَهَادَة لِكُلِّ مُسْلِمٍ". الشرح: حديث أبي هريرة أخرجه مسلم وله: "ما تعدون الشهادة فيكم" قالوا: يا رسول الله من قتل فهو شهيد قَالَ: "إن شهداء أمتي إذاً لقليل" قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ فعد القتل في سبيله، والموت في سبيله، والمبطون، والطاعون، وزاد أبو طلحة (١): الغريق (٢). وحديث أنس أخرجه مسلم أيضًا، وقال: عن حفصة بنت سيرين قالت: قَالَ لي أنس: بِمَ مات يحيى بن أبي عمرة؟ قلتُ: بالطاعون فذكر الحديث.

стр. 10291

وقال في "تاريخه الأوسط": (حَدَّثنَا) (١) علي بن نصر، ثَنَا سليمان بن حرب، عن حماد، عن يحيى بن عتيق قال: سمعت يحيى بن سيرين، ومحمد بن سيرين يتذاكران الساعة التي في الجمعة. لعله بعد موت أنس بن مالك، قَالَ البخاري: وإنما أراد (يحيى) (٢) مات بعد أنس، وأن حديث حفصة خطأ (٣). قلتُ: فهذا علة في إيراده، فلعله اطلع على هذا بعد أن أخرجه، أو لم يعتمد على قول على على أن جماعة ذكروا وفاة يحيى قبل أخيه محمد المتوفى سنة عشر ومائة. إذا تقرر ذَلِكَ؛ فلنقدم أن البخاري بوب الشهادة سبع سوى القتل، وأتى بحديث فيه خمس أحدها القتل ولم يأت بحديث "الموطأ" عن عبد الله بن عبد الله بن جابر، (عن) (٤) عتيك بن الحارث بن عتيك، وهو جد عبد الله (بن عبد الله) (٥) أبو أمه أنه أخبره أن جابر بن عتيك أخبره أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به فلم يجبه، وذكر الحديث، وقال فيه رسول الله ﷺ : "الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجَمْعٍ شهيدة" (٦)،

стр. 10292

وأخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان والحاكم، وقال: صحيح الإسناد رواته قرشيون مدنيون (١). وفي رواية لأبي نعيم في "معرفة الصحابة" فيه: "وسادن بيت المقدس". واعترض ابن بطال فقال: لا تخرج هذِه الترجمة من الحديث أصلاً قَالَ: وهذا يدل أن البخاري مات ولم يهذب كتابه لأنه لم يذكر فيه الحديث الذي فيه أن الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله (٢). وقال الإسماعيلي: الترجمة مخالفة للحديث. قلتُ: البخاري أشار إليه في الترجمة وليس على شرطه فكذا لم يسقه؛ وبه أجاب ابن المنير فقال: يحتمل عندي أن يكون أراد التنبيه على أن الشهادة لا تنحصر في القتل بل لها أسباب أخر وتلك الأسباب أيضًا اختلفت الأحاديث فيها ففي بعضها خمسة وهو ما صح عنده، ووافق، وفي بعضها سبع لكن لم يوافق شرطه، فنبه عليه في الترجمة إيذانًا بأن الوارد في عددها من الخمسة أو السبعة ليس على معنى التحديد الذي لا يزيد ولا ينقص بل هو إخبار عن خصوص فيما ذكر والله أعلم بحصرها (٣). قلتُ: وحاصل ما وقع لي أن الشهداء جم غفير، ومجموع ما ذكر في هذا الباب ثمانية، أعلاها القتل في سبيل الله، والمطعون والمبطون والغرق والحرق وصاحب الهدم وذات الجنب والمرأة تموت بجمع، وفي "الصحيح": "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو

стр. 10293

شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، من قتل دون دينه فهو شهيد" (١). وقد أسلفنا في باب الدعاء بالجهاد، ومن وقصه فرسه، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله فهو شهيد، ومن حبسه السلطان ظالمًا له أو ضربه فمات فهو شهيد، وكل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد، وفي حديث ابن عباس: "المرابط يموت على فراشه في سبيل الله شهيد، والشَّرِقُ شهيد، والذي يفترسه السبع شهيد"، وعن ابن مسعود من عند ابن عبد البر: "من تردى من الجبال شهيد" (٢). قَالَ ابن العربي: وصاحب النظرة -هو المعين- والغريب شهيدان قَالَ: وحديثهما حسن (٣)، ولما ذكر الدارقطني حديث ابن عمر: "الغريب شهيد"، صححه، ولابن ماجَه مرفوعًا من حديث أبي هريرة: "من مات مريضًا مات شهيدًا ووقي فتنة القبر وغُدي عليه وريح برزقه من الجنة" (٤)، وله عن ابن مسعود: "وإن الرجل ليموت على فراشه وهو شهيد" (٥) وجاء من حديث ابن عباس: "من عشق وعف وكتم ومات مات شهيدًا" (٦)، وقد ضعفوه، والفقهاء ذكروه من الشهداء.

стр. 10294

وفي النسائي من حديث سويد بن مقرن: "من قتل دون مظلمة فهو شهيد" (١)، وفي الترمذي من حديث معقل بن يسار: "من قَالَ حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العلم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، فإن مات من يومه مات شهيدًا". ثم قَالَ: حسن غريب (٢)، وفي "معرفة الصحابة" لأبي موسى الحافظ عن علي بن الأقمر عن أبيه مرفوعًا وفيه: "ومن مات يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله". وفي "علل ابن أبي حاتم" سالت أبي عن حديث ابن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده أبي ليلى مرفوعًا: "من أكله السبع فهو شهيد، ومن أدركه الموت وهو يكد على عياله من حلال فهو شهيد" فقال: حديث منكر (٣). وفي حديث آخر من طريق ابن عباس مرفوعًا: "اللديغ شهيد والشريق شهيد، والذي يفترسه السبع شهيد، والخار عن دابته شهيد" (٤) علته عمرو بن عطية الوادعي، ضعفه الدارقطني (٥)، وفي الثعلبي من حديث يزيد الرقاشي عن أنس: "من قرأ آخر سورة الحشر فمات من ليلته مات شهيدًا". وروى الآجري: نَا أنس إن استطعت أن تكون (أبدًا) (٦) على وضوء فافعل، فإنَّ ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له

стр. 10295

شهادة، وللنسائي من حديث عقبة بن عامر: "والنفساء في سبيل الله شهادة" (١)، وللبزار من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: "والنفساء شهادة"، ولأبي نعيم عن ابن عمر: "من صلى الضحى، وصام ثلاثة أيام من كل شهر، ولم يترك الوتر كتب له أجر شهيد" (٢)، وعن جابر: "من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء" قَالَ أبو نعيم: غريب من حديث جابر وابن المنكدر، تفرد به عمر بن موسى الوجهي -وفيه لين- عن ابن المنكدر (٣). وعند الطبراني وأبي موسى من حديث عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده مرفوعًا فذكر حديثًا فيه: "والسل شهيد والغريب شهيد" (٤)، وعبد الملك ووالده ضعيفان، وجده لم يذكره في الصحابة إلا الطبراني وفي "الأفراد والغرائب" للدارقطني من حديث أنس مرفوعًا: "المحموم شهيد" ثم قَالَ: تفرد به الموقري عن ابن شهاب عنه ولأبي عمر في كتاب "العلم" من حديث أبي ذر وأبي هريرة "إذا جاء الموت طالب العلم وهو على حاله مات شهيدًا" (٥)، ولابن أبي عاصم في "الجهاد" من حديث ابن سلام عن ابن معانق الأشعري عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا: "من خرج به خراج في سبيل الله كان عليه طابع الشهداء" (٦).
следующие страницы →