وقال في "تاريخه الأوسط": (حَدَّثنَا) (١) علي بن نصر، ثَنَا سليمان بن حرب، عن حماد، عن يحيى بن عتيق قال: سمعت يحيى بن سيرين، ومحمد بن سيرين يتذاكران الساعة التي في الجمعة. لعله بعد موت أنس بن مالك، قَالَ البخاري: وإنما أراد (يحيى) (٢) مات بعد أنس، وأن حديث حفصة خطأ (٣).
قلتُ: فهذا علة في إيراده، فلعله اطلع على هذا بعد أن أخرجه، أو لم يعتمد على قول على على أن جماعة ذكروا وفاة يحيى قبل أخيه محمد المتوفى سنة عشر ومائة.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فلنقدم أن البخاري بوب الشهادة سبع سوى القتل، وأتى بحديث فيه خمس أحدها القتل ولم يأت بحديث "الموطأ" عن عبد الله بن عبد الله بن جابر، (عن) (٤) عتيك بن الحارث بن عتيك، وهو جد عبد الله (بن عبد الله) (٥) أبو أمه أنه أخبره أن جابر بن عتيك أخبره أن رسول الله ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به فلم يجبه، وذكر الحديث، وقال فيه رسول الله ﷺ : "الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجَمْعٍ شهيدة" (٦)،
стр. 10292
وأخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان والحاكم، وقال: صحيح الإسناد رواته قرشيون مدنيون (١). وفي رواية لأبي نعيم في "معرفة الصحابة" فيه: "وسادن بيت المقدس".
واعترض ابن بطال فقال: لا تخرج هذِه الترجمة من الحديث أصلاً قَالَ: وهذا يدل أن البخاري مات ولم يهذب كتابه لأنه لم يذكر فيه الحديث الذي فيه أن الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله (٢).
وقال الإسماعيلي: الترجمة مخالفة للحديث.
قلتُ: البخاري أشار إليه في الترجمة وليس على شرطه فكذا لم يسقه؛ وبه أجاب ابن المنير فقال: يحتمل عندي أن يكون أراد التنبيه على أن الشهادة لا تنحصر في القتل بل لها أسباب أخر وتلك الأسباب أيضًا اختلفت الأحاديث فيها ففي بعضها خمسة وهو ما صح عنده، ووافق، وفي بعضها سبع لكن لم يوافق شرطه، فنبه عليه في الترجمة إيذانًا بأن الوارد في عددها من الخمسة أو السبعة ليس على معنى التحديد الذي لا يزيد ولا ينقص بل هو إخبار عن خصوص فيما ذكر والله أعلم بحصرها (٣).
قلتُ: وحاصل ما وقع لي أن الشهداء جم غفير، ومجموع ما ذكر في هذا الباب ثمانية، أعلاها القتل في سبيل الله، والمطعون والمبطون والغرق والحرق وصاحب الهدم وذات الجنب والمرأة تموت بجمع، وفي "الصحيح": "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو
стр. 10293
شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، من قتل دون دينه فهو شهيد" (١).
وقد أسلفنا في باب الدعاء بالجهاد، ومن وقصه فرسه، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله فهو شهيد، ومن حبسه السلطان ظالمًا له أو ضربه فمات فهو شهيد، وكل موتة يموت بها المسلم فهو شهيد، وفي حديث ابن عباس: "المرابط يموت على فراشه في سبيل الله شهيد، والشَّرِقُ شهيد، والذي يفترسه السبع شهيد"، وعن ابن مسعود من عند ابن عبد البر: "من تردى من الجبال شهيد" (٢).
قَالَ ابن العربي: وصاحب النظرة -هو المعين- والغريب شهيدان قَالَ: وحديثهما حسن (٣)، ولما ذكر الدارقطني حديث ابن عمر: "الغريب شهيد"، صححه، ولابن ماجَه مرفوعًا من حديث أبي هريرة: "من مات مريضًا مات شهيدًا ووقي فتنة القبر وغُدي عليه وريح برزقه من الجنة" (٤)، وله عن ابن مسعود: "وإن الرجل ليموت على فراشه وهو شهيد" (٥) وجاء من حديث ابن عباس: "من عشق وعف وكتم ومات مات شهيدًا" (٦)، وقد ضعفوه، والفقهاء ذكروه من الشهداء.
стр. 10294
وفي النسائي من حديث سويد بن مقرن: "من قتل دون مظلمة فهو شهيد" (١)، وفي الترمذي من حديث معقل بن يسار: "من قَالَ حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العلم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، فإن مات من يومه مات شهيدًا".
ثم قَالَ: حسن غريب (٢)، وفي "معرفة الصحابة" لأبي موسى الحافظ عن علي بن الأقمر عن أبيه مرفوعًا وفيه: "ومن مات يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله".
وفي "علل ابن أبي حاتم" سالت أبي عن حديث ابن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده أبي ليلى مرفوعًا: "من أكله السبع فهو شهيد، ومن أدركه الموت وهو يكد على عياله من حلال فهو شهيد" فقال: حديث منكر (٣).
وفي حديث آخر من طريق ابن عباس مرفوعًا: "اللديغ شهيد والشريق شهيد، والذي يفترسه السبع شهيد، والخار عن دابته شهيد" (٤) علته عمرو بن عطية الوادعي، ضعفه الدارقطني (٥)، وفي الثعلبي من حديث يزيد الرقاشي عن أنس: "من قرأ آخر سورة الحشر فمات من ليلته مات شهيدًا".
وروى الآجري: نَا أنس إن استطعت أن تكون (أبدًا) (٦) على وضوء فافعل، فإنَّ ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له
стр. 10295
شهادة، وللنسائي من حديث عقبة بن عامر: "والنفساء في سبيل الله شهادة" (١)، وللبزار من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: "والنفساء شهادة"، ولأبي نعيم عن ابن عمر: "من صلى الضحى، وصام ثلاثة أيام من كل شهر، ولم يترك الوتر كتب له أجر شهيد" (٢)، وعن جابر: "من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء" قَالَ أبو نعيم: غريب من حديث جابر وابن المنكدر، تفرد به عمر بن موسى الوجهي -وفيه لين- عن ابن المنكدر (٣).
وعند الطبراني وأبي موسى من حديث عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده مرفوعًا فذكر حديثًا فيه: "والسل شهيد والغريب شهيد" (٤)، وعبد الملك ووالده ضعيفان، وجده لم يذكره في الصحابة إلا الطبراني وفي "الأفراد والغرائب" للدارقطني من حديث أنس مرفوعًا: "المحموم شهيد" ثم قَالَ: تفرد به الموقري عن ابن شهاب عنه ولأبي عمر في كتاب "العلم" من حديث أبي ذر وأبي هريرة "إذا جاء الموت طالب العلم وهو على حاله مات شهيدًا" (٥)، ولابن أبي عاصم في "الجهاد" من حديث ابن سلام عن ابن معانق الأشعري عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا: "من خرج به خراج في سبيل الله كان عليه طابع الشهداء" (٦).
стр. 10296
وذكر أبو عمر المنتجالي في "تاريخه" عن ابن سيرين قال: رأيت كثير بن أفلح مولى أبي أيوب في المنام فقلت: كيف أنت؟ قَالَ: بخير، قلتُ: أنتم الشهداء؟ قَالَ: إن المسلمين إذا اقتتلوا فيما بينهم لم يكونوا شهداء، ولكنا نُدَبَاء قَالَ محمد: وأعياني أن أعرف النُّدَبَاء وغلبني على ذلك، وللنسائي بإسناد جيد عن العرباض بن سارية: "يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا في الذين يتوفون زمن الطاعون، فيقول الشهداء: قتلوا كما قتلنا، ويقول المتوفون على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقول ربنا تعالى: انظروا إلى جراحهم فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم منهم، فإذا جراحهم أشبهت (جراح المقتولين) (١) " (٢)، ولابن عبد البر في "تمهيده" عن عائشة: أن "فناء أمتي بالطعن والطاعون" قالت: يا رسول الله، أما الطعن فقد عرفناه فما الطاعون قَالَ: "غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط من مات منها مات شهيدًا" (٣)، ولابن أبي عاصم في "الجهاد" من حديث كريب بن الحارث، عن أبي بردة بن قيس أخي أبي موسى أنه ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ اجعل فناء أمتي قتلًا في سبيلك بالطعن والطاعون" وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد (٤).
قَالَ ابن العربي: يريد به الذي مات في الطاعون ولم يفر منه، وقيل: الذي أصابه الطعن، وهو الوجع الغالب الذي (يطفئ) (٥) الروح،
стр. 10297
كالذبحة ونحوها. وروى أسامة عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - أنه قَالَ: "الطاعون رجز أرسل على من كان قبلكم" (١)، وإنما سمي طاعونًا لعموم مصابه وسُرعة قتله فيدخل فيه مثله مما يصلح اللفقاله (٢)، وهو الوباء وهو مرض عام يفسد الأمزجة والأبدان فيخرج له خراج في بعض الأرفاغ (٣)، وسيأتي له تتمة في ذكر بني إسرائيل.
وفي الإسلام عدة طواعين جمعتها في جزء، وذكرت ما أدركناه أيضًا، ومنها طاعون عمواس موضع بالشام مات منه معاذ وابنه وجميع أهله، ما بين الجمعة إلى الجمعة، واستشهد به أبو عبيدة، وكثير من المسلمين.
والمبطون: هو الذي يموت بعلة البطن كالاستسقاء وانتفاخ البطن أو الإسهال، وقيل: هو الذي يشتكي بطنه ويموت بدائه، وعبارة ابن بطال: إنه المجنوب، وقيل: هو صاحب انخراق البطن بالإسهال (٤).
وعبارة ابن التين: أنه الذي يكون به بطن منخرق ويسمى الاستسقاء، وقال الداودي: إنه من يموت بإسهال البطن، وذات الجنب وهي الشوصة، وفي بعض الآثار المجنوب شهيد، يريد صاحب ذات الجنب، يقال منه: رجل جنب بكسر النون إذا كان به
стр. 10298
ذلك، وفي الحديث: "إنها نخسة من الشيطان"، ولهذا أنهم لما ظنوا أنه - صلي الله عليه وسلم - به ذات الجنب لدوه فقال: "إن هذا الداء لم يكن الله ليسلطه علي" وعبارة ابن التين: هو داء بالجانب. وجع بالخاصرة وسيأتي له عودة في الطب إن شاء الله.
والجُمع: بضم الجيم وفتحها وكسرها والضم أشهر كما قَالَهُ النوويُّ (١)، وفيه قولان:
أحدهما: المرأة تموت من الولادة وولدها في بطنها قد تم خلقه، قَالَ مالك: وقيل: إذا ماتت من النفاس فهي شهيدة سواء ألقت ولدها وماتت، أو ماتت وهو في بطنها (٢).
والثاني: هي التي تموت عذراء قبل أن تحيض لم يمسها الرجال، (والأول أشهر في اللغة كما قاله ابن بطال) (٣).
وفي "المثلث" لابن عديس: يقال للمرأة إذا لم تفتض: هي بجمع، وجمع بالكسر والضم، وكذلك إذا ماتت وفي بطنها ولد، ويقال للمرأة إذا كانت حاملة مثقلة هي بجمع وجمع بالضم والكسر، وقال ابن التياني في "موعبه": يقال للمرأة إذا كانت حبلى هي بجمع، وإن لم تمت، وكذلك إذا كانت بكرًا لم تزوج، وكذا ذكره ابن سيده، والجوهري (٤) وغيرهما، وفي الحديث: "أيما امرأة ماتت بجمع لم تطمث دخلت الجنة" ذكرهَا الأزهري (٥) كأنها اجتمعت لها السلامة إذ لم يمسها
стр. 10299
أحد، وحكاه بعضهم أنها التي تموت قبل أن تحيض، وقيل هي المرأة تموت بمزدلفة، حكاه ابن التين عن الداودي وهو غريب، وهذِه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، بلغهم بها مراتب الشهداء والمراد بشهادة غير المقتول في سبيل الله أن يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم.
والحاصل أن الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة وهو المقتول في حرب الكفار بسبب من أسبابه، وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا وهم من ذكر في الباب غيره، وشهيد في الدنيا دُون الآخرة وهو من غل من الغنيمة أو من قتل مدبرًا وما في معناه.
الشرح:
حديث البراء أخرجه مسلم، وحديث زيد من أفراده، ويأتيان في التفسير.
وفيه لطيفة: (وهو) (١) صحابي: وهو سهل بن سعد، يروي عن مروان وهو تابعي، وقيل: إن جبريل صعد وهبط في مقدار ألف سنة، قبل أن يجف القلم، أي: بسبب أولى الضرر، حكاه ابن التين، ثم قَالَ: وهذا يحتاج أن يكون جبريل يتناول ذَلِكَ من السماء الدنيا والأمر كذلك؛ لأن القرآن نزل جملة إليها ليلة القدر، ثم نزل بعدها متفرقًا.
وهو دال على أن من حبسه العذر وغيره عن الجهاد وغيره من أعمال البر مع نيته فيه فله أجر المجاهد والعامل؛ لأن نصّ الآية على المفاضلة بين المجاهد والقاعد، ثم استثنى من المفضولين أولى الضرر، وإذا استثناهم منهم فقد ألحقهم بالفاضلين، وقد بين الشارع هذا المعنى فقال: "إن بالمدينة أقوامًا ما سلكنا واديًا أو شعبًا إلا وهم معنا حبسهم العذر" (٢)، وكذا جاء عنه في كل من كان يعمل شيئًا من الطاعات ثم حبسه مرض أو سفر أو غيره أنه يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم، وكذا من نام عن حزبه، نومًا (غالبًا) (٣) كتب له أجر حزبه وكان نومه صدقة عليه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٦]، أي: غير مقطوع بزمانة أو كبر أو ضعف؛ ففي هذا أن الإنسان يبلغ بنيته أجر العامل إذا كان
стр. 10302
لا يستطيع العمل الذي ينويه، وسيأتي (أيضًا) (١) في باب يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة.
وفيه: اتخاذ الكاتب وتقييد العلم.
وفيه: قرب الكاتب من مستمليه حَتَّي تمس ركبته ركبته لقوله: (وفخذه على فخذي).
стр. 10303
٣٢ - باب الصَّبْرِ عِنْدَ القِتَالِ
٢٨٣٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كَتَبَ، فَقَرَأْتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا". [انظر: ٢٨١٨ - مسلم: ١٧٤٢ - فتح: ٦/ ٤٥]
ذكر فيه حديثَ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كَتَبَ، فَقَرَأْتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا".
هذا الحديث بعض من حديثه المذكور في باب الجنة تحت بارقة السيوف، ولا شك أن الصبر سبب لكل خير، وقد نص الله تعالى عليه في غير موضع من كتابه، فأمر بالصبر عند اللقاء رجاء بركته، ولئلا يأنس بالكسل والفشل اللذين هما آفة الحرمان دنيا وأخرى، والصبر على مطلوبات الدنيا والآخرة؛ ضمان لإدراكها.
وقوله: ("فاصبروا") معناه الحض والندب؛ لأن الذي فرض الله على المسلمين عند اللقاء إنما هو عند المثلين فما كان أكثر فإنما هو ندب وحض.
стр. 10304
٣٣ - باب التَّحْرِيضِ عَلَى القِتَالِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلى الْقِتَالِ﴾. [الأنفال: ٦٥].
٢٨٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الخَنْدَقِ فَإِذَا المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ:
"اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ … فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ"
فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا … عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
[٢٨٣٥، ٢٩٦١، ٣٧٩٥، ٣٧٩٦. ٤١٠٠، ٦٤١٣، ٧٢٠١ - مسلم: ١٨٠٥ - فتح: ٦/ ٤٥]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الخَنْدَقِ فَإِذَا المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ:
"اللَّهُمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ … فَاغْفِرْ للِأنصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ"
فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا … عَلَى الجهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
فيه أحكام وفوائد:
أحدها: أن الحفر في سبيل الله والتحصين للديار وسد العورة، منها أجره كأجر القتال والنفقه فيه محسوبة في نفقات المجاهدين إلى سبعمائة ضعف.
ثانيها: استعمال الرجز والشعر إذا كانت فيه إقامة النفوس في الحرب وإثارة الأنفة والعزة فيها.
стр. 10305
قاله ابن بطال (١).
قَالَ ابن التين: وهذا البيت ليس بموزون على الشعر ولا الرجز، وقال الداودي في قوله: "اللَّهُمَّ لا عيش إلا عيش الآخره" إنما قَالَهُ ابن رواحة: لَاهُمَّ بلا ألف، ولا لام فأتى به بعض الرواة على المعنى، وهذا الذي ذكر موزونٌ: لَاهُمَّ إن العيش .. إلى آخره.
ثالثها: المجاوبة بالشعر على الشعر، قَالَ ابن بطال: وليس هو من قول رسول الله ﷺ هو من قول ابن رواحة، ولو كان من لفظه، لم يكن بذلك شاعرًا، ولا ممن ينبغي له الشعر، وإنما يسمى (به) (٢) من قصد صناعته، وعلم السبب والوتد والشطر وجميع معانيه من الزحاف والخرم والقبض وما شاكل ذلك (٣).
وَالنَّبِيُّ - صلي الله عليه وسلم - يُجِيبُهُمْ:
"اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَهْ … فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ"
ثانيها: حديث البَرَاءِ قال: فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ وَيَقُولُ: "لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا".
ثالثها: حديث البَرَاءِ أيضًا: رَأَيْتُ النبي - صلي الله عليه وسلم - يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ -وَقَدْ وَارى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ- وَهُوَ يَقُولُ:
"لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزلنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتِ الأقدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا … إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا"
الشرح:
حديث أنس يأتي في الخندق مطولاً، وأخرجه مسلم من طرق وكذا حديث البراء.
والمتون: جمع متن، وهو مكتنف (الصلب) (١) من العصب واللحم، وقولهم: (نحن الذين بايعوا محمدًا على الإسلام) هو غير موزون وإنما هو على الجهاد.
وقوله: ("ولولا أنت ما اهتدينا") كذا هو روي وهي: "تالله لولا أنت ما اهتدينا".
وقوله: ("إن الألى .. ") إلى آخره؛ ليس يتزن هكذا روي كما روي،
وإنما هو: (أن الألى هم قدا بغوا علينا)؛ لأن وزنه مستفعل، مستفعل، فعول.
стр. 10308
قَالَ الداودي: وفي رواية: "إن الأعادي بغوا علينا" وهو لا يتزن إلا بزيادة هم أو قد، ذكره كله ابن التين.
وفيه: كما قَالَ المهلب: امتهان الإمام نفسه في التحصين على المسلمين وما يتأسى به الناس ويقتدون به فيه شرف له وتحريض وتنشيط، وإثارة النية والعزم على العمل في الطاعة.
стр. 10309
٣٥ - باب مَنْ حَبَسَهُ العُذْرُ عَنِ الغَزْوِ
٢٨٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ قَالَ رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ . [٢٨٣٩، ٤٤٢٣ - فتح: ٦/ ٤٦]
٢٨٣٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ في غَزَاةٍ فَقَالَ: "إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا، مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إِلاَّ وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ". [انظر: ٢٨٣٨ - فتح: ٦/ ٤٦]
وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: الأَوَّلُ أَصَحُّ.
ذكر فيه حديث زُهَيْرٍ، عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسٍ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ - صلي الله عليه وسلم -.
وفي رواية حَمَّادٍ -هُوَ ابن زَيْدٍ- عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: "إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا، مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ".
وَقَالَ مُوسَى: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ: قَالَ النَّبِيُّ - صلي الله عليه وسلم -. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.
هذا الحديث من أفراده؛ وانفرد به مسلم عن جابر وقال: "حبسهم المرض" وفي رواية: "إلا شركوكم في الأجر" (١)، ولما ذكر الإسماعيلي حديث حميد عن أنس ساقه من حديث عفان: ثَنَا حماد بن سلمة، أنا حميد، عن موسى بن أنس، عن أبيه أنس فذكره، ثم قَالَ: وحماد عالم بحديث حميد، متقدم فيه على غيره. ووصله أيضًا أبو نعيم من حديث حجاج عن حماد به، وعند الإسماعيلي: "وهم معكم بالنية"
стр. 10310
ولأبي داود: "ولا أنفقتم نفقة" (١).
وهذا الحديث قال على أن من حبسه العذر من أعمال البر مع نيته فيها، أنه يكتب له أجر العامل بها كما قَالَ ﷺ فيمن غلبه النوم عن صلاة الليل أنه يكتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه (٢)، وقد سلف هذا المعنى قريبا.
стр. 10311
٣٦ - باب فَضْلِ الصَّوْمِ فِي سَبِيلِ اللهِ
٢٨٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا". [مسلم: ١١٥٣ - فتح: ٦/ ٤٧]
ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ الخدري: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا".
أي: مسيرة سبعين عامًا، وهو مبالغة في البعد عنها، والمعافاة منها، وكثيرًا ما يجيء السبعون عبارة عن التكثير، وفي النسائي من حديث عقبة "مسيرة مائة عام" (١)، وهذا لمن لا يضعفه الصوم.
و (الخريف): آخر فصول السنة، وهو الزمان الذي تخترف فيه الثمار أي: تجتني، وهذا الحديث يدل أن الصيام في سائر أعمال البر أفضل إلا أن يخشى ضعفًا عند اللقاء كما سلف -لأنه قد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قَالَ لأصحابه في بعض المغازي، حين قرب من الملاقاة بأيام يسيرة: "تقووا لعدوكم" (٢) فأمرهم بالإفطار- ولأن نفسه ضعيفة، وقد جبل الله الأجساد على أنها لا قوام لها إلا بالغذاء، ولهذا (المعنى) (٣) قَالَ ﷺ لعبد الله بن عمرو: "أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى" (٤)، فلا يكره الصوم البتة إلا عند اللقاء
стр. 10312
وخشية الضعف عند القتال؛ لأن الجهاد وقتل المشركين أعظم أجرًا من الصوم لمن فيه قوة.
فائدة:
روي مثل هذا الحديث من طريق أبي هريرة، أخرجه الترمذي بلفظ: "أربعين" وفي لفظ: "سبعين" ثم قَالَ: غريب من هذا الوجه (١). ونقل في "علله" عن البخاري أنه قَالَ: لا أعلم رواه إلا ابن لهيعة عن أبي الأسود (٢) وأبي أمامة، أخرجه الترمذي من حديث القاسم بن عبد الرحمن عنه: "جعل الله بينه وبين النار كما بين السماء والأرض" ثم قَالَ: غريب (٣).
ولابن عساكر: "بعده الله من النار مسيرة مائة سنة حُضر الفرس الجواد" (٤).
وأنس أخرجه أيضًا الترمذي من حديث أبان عنه: "من صام يومًا في سبيل الله تباعدت منه جهنم خمسمائة عام" (٥).
وابن عمر أخرجه أيضًا من حديث مِنْدل بن علي، عن عبد الله بن مروان، عن بعجة، عن أبيه عنه: "من صام يومًا في سبيل الله فهو بسبعمائة يوم" (٦).
стр. 10313
وعقبة بن عامر؛ أخرجه النسائي (١).
وعمرو بن عنبسة؛ أخرجه الطبراني (٢).
وجابر؛ أخرجه ابن جميع (٣).
وسهل بن معاذ؛ أخرجه أبو يعلى (٤).
وعتبة بن عبد السلمي؛ أخرجه ابن أبي عاصم (٥).
فائدة أخرى:
(سبيل الله) الأكثر في الشرع واللغة استعماله في الجهاد، وسببه هنا آجتماع العبادتين الجهاد والصوم، ويحتمل أن يريد به طاعته كيف كانت.
زَهْرَةَ الدُّنْيَا .. الحديث إلى قوله: "وَإِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالمَسَاكينِ وابْنِ السَّبِيلِ".
الشرح:
الحديث الأول سلف في الصوم، والثاني سلف في الزكاة (١).
وقوله: ("من أنفق زوجين") أراد أن يشفع المنفق ما ينفقه من دينار أو درهم أو سلاح أو غير ذَلِكَ، قَالَ الداودي: يقع الزوج على الواحد والاثنين، وهو هنا على الواحد، واحتج بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ [النجم: ٤٥] واعترضه ابن التين فقال: ليس قوله ببين، وقد ذكره ابن قتيبة أيضًا فقال: (إن) (٢) الزوج يقع على الواحد والاثنين.
وقوله: ("أَيْ فُل هلم") أي: يا فلان، فرخم كقولك: يا حار إذا رخمت حارثًا، وكقول الشاعر في محمد: أمسك فلانًا عن فل، والعرب تقول في النداء: يا فلان، وأي فلان وأفلان.
ومعنى: (لا توى) لا ضياع، وقيل: لا هلاك، من قولك: توى المال يتوى تواء، قَالَ ابن فارس: والتوى يمد ويقصر وأكثرهم على أنه مقصور (٣).
ومعنى الكلام أن هذا الرجل لا بأس عليه أن يترك بابًا ويدخل آخر.
و (الرُّحَضَاء) -في حديث أبي سعيد-: العرقال في أدره عند نزول الوحي عليه، يقال: رحض الرجل إذا أصابه ذلك، فهو مرحوض ورحيض.
стр. 10316
وقوله: (كأن على رءوسهم الطير). قَالَ الداودي: يعني: أن كل واحد صار كمن على رأسه طائر يريد صيده فلا يتحرك لئلا يطير به.
وقوله: ("يقتل حبطا أو يلم") كذا هو في الأصول، وذكره ابن التين بحذف "حبطا" ثم قَالَ: هذا محذوف منه. وروي تامًّا فذكره، والحبط: انتفاخ البطن من داء يصيب الآكل من أكله.
وفيه: كما قَالَ المهلب: فضل الجهاد على سائر الأعمال، وأن للمجاهد أجر المصلي والصائم والمتصدق، وإن لم يفعل ذلك، ألا ترى أن باب الريان هو للصائمين خاصة، وقد قَالَ في هذا الحديث: "يدعى من كل باب" فاستحق ذَلِكَ بإنفاق قليل من مال الله في سبيله، ففيه أن الغني إذا أنفق في سبيل الله أفضل الأعمال، قَالَ: إلا أن طلب العلم ينبغي أن يكون أفضل من الجهاد وغيره؛ لأن الجهاد لا يكون إلا بعلم حدوده وما أحل الله منه وحرم، ألا ترى أن المجاهد متصرف بين أمر العالم ونهيه، ففضل عمله كله في ميزان العالم الآمر له بالمعروف، والناهي له عن المنكر، والهادي له إلى السبيل، فكما أن أجر المسلمين كلهم مدخور لرسول الله ﷺ من أجل تعلمه لهم وهدايته إياهم سبيل العلم، فكذلك يجب أن يكون أجر العالم فيه أجر من عمل بعلمه.
وفيه: دليل على أن من دعي من أبواب الجنة كلها لم يكن ممن استحق عقوبة في نار -والله أعلم- لقول أبي بكر: (ذَلِكَ الذي لا توى عليه) أي: لا هلاك، فلم ينكره رسول الله ﷺ .
وفيه: القول بالدليل في أحكام الدنيا والآخرة لاستدلال أبي بكر وبالدعاء له من كل باب أنه لا هلاك عليه، ولتصديق رسول الله ﷺ -
стр. 10317
ذَلِكَ الاستدلال وتبشيره لأبي بكر أنه منهم من أجل أنه أنفق في سبيل الله كلها أزواجًا كثيرة من كل شيء، وروى ابن المنذر من حديث أبي عبيدة بن الجراح مرفوعًا: "من أنفق في سبيل الله فسبعمائة ضعف".
ومن حديث خريم بن فاتك مرفوعًا مثله (١)، وقد جاء أن الذكر وأعمال البرقي سبيل الله أفضل من النفقة؛ فيه من حديث معاذ بن أنس الجهني أنه قَالَ: "يضعف الذكر والعمل في سبيل الله على تضعيف الصدقة سبعمائة ضعف" (٢)، وعن ابن المسيب مثله.
стр. 10318
٣٨ - باب فَضْلِ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا أَوْ خَلَفَهُ بِخَيْرٍ
٢٨٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا". [مسلم: ١٨٩٥ - فتح: ٦/ ٤٩]
٢٨٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يدخلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي". [مسلم: ٢٤٥٥ - فتح: ٦/ ٥٠]
ذكر فيه حديث بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ -هو بالسين المهملة وبضم أوله- عَنْ زَيْدٍ بنِ خَالِدٍ أَنَّ النبي - صلي الله عليه وسلم - قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا".
ومن حديث أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صلي الله عليه وسلم - لَمْ يَكُنْ يدخلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي".
الشرح:
حديث بسر بن سعيد أخرجه مسلم والأربعة (١).
وفي أفراد مسلم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له نصف أجر الخارج" (٢)، ومن حديث بريدة بن الحصيب مرفوعًا: "حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلاً من
стр. 10319
المجاهدين في أهله فيخونه (فيهم) (١) إلا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟ " وفي لفظ له: "خذ من حسناته ما شئت" فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: "فما ظنكم" (٢).
ولابن أبي عاصم في كتاب "الجهاد" من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: "من أظل رأس غاز أظله الله يوم القيامة، ومن جهز غازيًا حتى يستقل كان له مثل أجره حَتَّى يموت أو يرجع" (٣).
ومن حديث سهل بن حنيف مرفوعًا: "من أعان مجاهدًا في غزوة أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" (٤).
ومن حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من لم (يغزو) (٥) أو يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير أصابه الله بقارعة يوم القيامة" (٦).
ومن حديث أبي أمامة مثله سواء (٧)، وللحاكم -وقال: صحيح الإسناد- من حديث أبي سعيد: "من خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف (أجر) (٨) الخارج" (٩).
стр. 10320
وحديث أنس ذكره هنا لقوله: "قُتل أخوها معي" أي: في (سبيلي؛ لأنه) (١) قتل ببئر معونة، ولم يشهدها رسول الله ﷺ : "فأنا أرحمها" وإنه نوع من خلافة المغازي بالخير، ولأنها كانت أختها أم حرام خالتُه من الرضاعة، وكانت أم حرام أختها تسكن قباء، كما قاله ابن أبي صفرة.
وقال ابن التين: يريد أنه كان يكثر ذَلِكَ وإلا فقد دخل على أختها أم حرام، ولعلها كانت شقيقة للمقتول أو وجدت عليه أكثر من أم حرام.
وحديث أنس هذا أخرجه مسلم في الفضائل.
ومعنى ("غزا") حصل له أجر المغازي، وهو من باب المجاز والاتساع وإن لم يفعله.
وفيه من الفقه: أن كل من أعان مؤمنًا على عمل بر فللمعين عليه مثل أجر العامل كما فيمن فطر صائمًا أو قواه على صومه، فكل من أعان حاجًّا أو معتمرًا على حجته أو عمرته حَتَّى يأتي به على تمامه فله مثل أجره.
وكذا من أعان قائمًا بحق من الحقوق بنفسه أو بماله حَتَّى يعليه على الباطل بمعونته فله مثل أجر القائم به ثم كذلك سائر أعمال البر، وإذا كان ذَلِكَ حكم المعونة على أعمال البر فمثله المعونة على المعاصي ومكروه الرب تعالى للمعين عليها من الوزر والإثم مثل ما لعاملها، ولذلك نهى ﷺ عن بيع السيوف في الفتنة (٢)، ولعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه (٣)، وكذلك سائر أعمال الفجور.
стр. 10321
وذهب بعض الأئمة -فيما حكاه القرطبي- إلى أن المثل المذكور في هذا الحديث وشبهه إنما هو بغير تضعيف؛ لأنه يجتمع في تلك الأشياء أفعال أخر وأعمال من البر كثيرة لا يفعلها الدال الذي ليس عنده إلا مجرد النية الحسنة، وقد قَالَ - صلي الله عليه وسلم -: "أيكم يخلف الخارج في أهله وماله بخير فله مثل نصف أجر الخارج" وقال: "لينبعث من كل رجلين أحدهما والآخر بينهما" ولا حجة فيه لأن المطلوب أن الناوي للخير المعوق عنه هل له مثل أجر الفاعل من غير تضعيف، والحديث إنما اقتضى المشاركة والمشاطرة في المضاعف فانفصلا، وأيضًا أن القائم على مال المغازي وأهله نائب عن المغازي في عمل لا يتأتى للغازي غزوة إلا بأن يكفى ذَلِكَ العمل، فصار كأنه مباشر معه الغزو، فكذلك كان له مثل أجر المغازي كاملًا مضاعفًا بحيث إذا أضيف ونسب إلى أجر المغازي كأنه نصفٌ له.
وبهذا يجتمع معنى قوله: "من خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا"
ويبين معنى قوله في اللفظ الأول: "فله مثل نصف أجر المغازي"، ويبقى للغازي النصف، فإن المغازي لم يطرأ عليه ما يوجب تنقيصًا لثوابه وإنما هذا كما قَالَ: "من فطر صائمًا فله مثل أجره لا ينقصه من أجره شيئًا" (١)، وعلى هذا فقد صارت كلمة: "نصف" مقحمة هنا بين "مثل" و"أجر"، وكأنها زيادة ممن تسامح في إيراد اللفظ بدليل قوله: "والأجر بينهما" ويشهد له ما ذكرنا، وأما من تحقق عجزه وصدق نيته فلا ينبغي أن يختلف أن أجره مضاعف كأجر العامل المباشر لما تقدم، ولما سبق فيمن نام عن حزبه (٢).
стр. 10322
٣٩ - باب التَّحَنُّطِ عِنْدَ القِتَالِ
٢٨٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ -قَالَ وَذَكَرَ يَوْمَ اليَمَامَةِ- قَالَ: أَتَى أَنَسٌ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهْوَ يَتَحَنَّطُ فَقَالَ: يَا عَمِّ مَا يَحْبِسُكَ أَنْ لَا تَجِيءَ؟ قَالَ: الآنَ يَا ابْنَ أَخِي. وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ -يَعْنِي: مِنَ الحَنُوطِ- ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ، فَذَكَرَ فِي الحَدِيثِ انْكِشَافًا مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا حَتَّى نُضَارِبَ الْقَوْمَ، مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ.
رَوَاهُ حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. [فتح: ٦/ ٥١]
ذكر فيه حديث مُوسَى بْنِ أَنَسٍ -قَالَ وَذَكَرَ يَوْمَ اليَمَامَةِ- قَالَ: أَتَى أَنَسٌ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهْوَ يَتَحَنَّطُ فَقَالَ: يَا عَمِّ، مَا يَحْبِسُكَ أَلَّا تَجِيءَ؟ قَالَ: الآنَ يَا ابن أَخِي. وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ -يَعْنِي: مِنَ الحَنُوطِ- ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ، فَذَكَرَ فِي الحَدِيثِ انْكِشَافًا مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ: هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا حَتَّى نُضَارِبَ القَوْمَ، مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -، بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ.
رَوَاهُ حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ.
هذا الحديث من أفراده، وهذا التعليق ادعى الحميدي في "جمعه" أن البرقاني وصله عن العباس بن حمدان بالإسناد، عن قبيصة بن عقبة، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بلفظ: انكشفنا يوم اليمامة فجاء ثابت بن قيس بن شماس، فقال: بئس ما عودتم أقرانكم منذ اليوم وإني أبرأ إليكم مما جاء به هؤلاء القوم وأعوذ بك مما صنع هؤلاء، وخلوا بيني وبين أقراننا ساعة، وقد كان تكفن وتحنط فقاتل حَتَّى قتل، قَالَ: وقتل يومئذ سبعون من الأنصار، فكان أنس يقول: يا رب سبعين من
стр. 10323
الأنصار يوم أحد وسبعين يوم مؤتة وسبعين يوم بئر معونة وسبعين يوم اليمامة (١).
ورواه ابن سعد، عن سليمان بن حرب وعفان، عن ابن سلمة، ورواه الطبراني، عن علي بن عبد العزيز وأبي مسلم الكشي قَالَ: ثنا حجاج بن منهال (ح)، وحَدَّثنَا محمد بن العباس المؤدب، ثَنَا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوم اليمامة وقد تحنط ونشر أكفانه وقال: اللَّهُمَّ إني أبرأُ إليك مما جاء به هؤلاء، وأعتذر مما صنع هؤلاء فقتل، وكانت له درع فسرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال: إن درعي في قدر تحت كانون في مكان كذا وكذا وأوصاه بوصايا، فطلبوا الدرع فوجدوها وأنفذوا الوصايا (٢).
وقال الحميدي: كذا فيما عندنا من كتاب البخاري أن موسى بن أنس قَالَ: أتى أنس ثابتا، لم يقل عن أنس، وهو عند البرقاني من حديث موسى بن أنس، عن أبيه قَالَ: أتيت ثابتًا (٣).
وعند ابن سعد: أخْبرنَا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، عن أيوب، عن ثمامة بن عبد الله، عن أنس قَالَ: أتيت على ثابت يوم اليمامة الحديث. وحَدَّثَنَا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا ابن عون، ثَنَا موسى، عن أنس.
وعند (الترمذي) (٤) قَالَ أنس: لما انكشف الناس يوم اليمامة، قلتُ
стр. 10324
لثابت فذكر الحديث، وكان عليه درع نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها، وفيه: لما رؤي في المنام ودل على الدرع قالا: لا تقل هذا منام، فإذا جئت أبا بكر فأعلمه أن على من الدين كذا، وفلان من رقيقي عتيق، وفلان، فأنفذ أبو بكر وصيته، ولا نعلم أحدًا أجيزت وصيته بعد موته سواه.
وفي كتاب "الردة" للواقدي بإسناده عن بلال أنه رأى سالمًا مولى أبي حذيفة وهو قافل إلى المدينة من غزوة اليمامة: إن درعي مع الرفقة الذين معهم الفرس الأبلق تحت قدرهم فإذا أصبحت فخذها من هناك وأدها إلى أهلي، وإن عليَّ شيئًا من دين فمرهم يقضونه، فأخبرت أبا بكر بذلك فقال: نصدق قولك ونقضي عنه دينه الذي ذكرته. وذكر أن الذي رأى ثابتًا أيضًا بلال، وأن الذي أخذ الدرع رجل من ضاحية نجد، وكانت نفيسة ورثها من آبائه، وفيه: إن عَبْدَيَّ سعدًا وسالمًا حران.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالحديث دال على الأخذ بالشدة في استهلاك النفس وغيرها في ذات الله، وترك الأخذ بالرخصة لمن قدر عليها؛ لأنه لا يخلو أن تكون الطائفة من المسلمين التي غزَت اليمامة أكثر منهم أو أقل فإن كانوا أكثر فلا يتعين الفرض على أحد بعينه أن يستهلك نفسه فيه، وإن كانوا أقل وهو المعروف في الأغلب أنه لا يغزو جيش أحدًا في عقر داره إلا وهم أقل من أهل الدار، فإذا كان هذا فالفرار مباح، وإن تعذر معرفة الأكثر من الفريقين، فإن الفار لا يكون عاصيًا إلا باليقين أن عدوهم
مثلان فأقل، وما دام الشك فالفرار مباح للمسلمين ذكره المهلب، والذي نقله الإخباريون أن أهل اليمامة كانوا أضعاف المسلمين.
وفيه: أن التطيب للموت سنة من أجل مباشرة الملائكة للميت.
стр. 10325
وفيه: اليقين بصحة ما هو عليه من الدين، وصحة النيَّة بالاغتباط في استهلاك نفسه في طاعة الله تعالى.
وفيه: التداعي للقتال؛ لأن أنسًا قَالَ لعمه: (ما يحبسك ألا تجيء).
ومعنى قوله: (بئس ما عودتم أقرانكم) يعني: العدو في تركهم اتباعكم وقتلكم حَتَّى اتخذتم الفرار عادة للنجاة وطلب الراحة من مجالدة الأقران.
ومعنى (حسر عن فخذيه): كشف.
٤١ - باب هَلْ يُبْعَثُ الطَّلِيعَةُ وَحْدَهُ
٢٨٤٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ -قَالَ صَدَقَةُ: أَظُنُّهُ- يَوْمَ الخَنْدَقِ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ". [انظر: ٢٨٤٦ - مسلم: ٢٤١٥ - فتح: ٦/ ٥٣]
ذكر فيه حديث محمد بنِ المُنْكَدِرِ أيضًا، عن جَابِرٍ المذكور: نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ -قَالَ صَدَقَةُ: أَظُنُّهُ يَوْمَ الخَنْدَقِ- فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ".
الشرح:
حديث جابر هذا يأتي في الخندق أيضًا (١)، وفي النسائي: قَالَ وهب بن كيسان: أشهد لسمعت جابرًا يقول: لما اشتد الأمر يوم بني قريظة، قال رسول الله ﷺ : "من يأتينا بخبر القوم" فلم يذهب أحد فذهب الزبير، فجاء بخبرهم ثم اشتد الأمر، أيضًا قال: "من يأتينا بخبرهم" فلم يذهب أحد، فذهب الزبير ثم اشتد الأمر أيضًا فقال: "إن لكل نبي حواري وإن حواري الزبير" (٢)، ورواه ابن أبي عاصم من حديث وهب هذا، وفيه أن ذَلِكَ يوم الخندق. وفي الترمذي: الحواري: الناصر (٣). وقال عبد الرزاق عن معمر: قَالَ قتادة: الحواري: الوزير (٤).
стр. 10328
وله من طريقٍ ثانٍ من حديث على مرفوعًا: "إن لكل نبي حواري وإن حواري الزبير" أخرجه ابن أبي شيبة عن حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن زر، عنه، (به) (١).
ثم اعلم أنه وقع هنا ما ذكرنا، والمشهور كما قاله شيخنا فتح الدين اليعمري أن الذي توجه ليأتي بخبر القوم حذيفة بن اليمان، كما روينا عنه من طريق ابن إسحاق وغيره قَالَ -يعني رسول الله ﷺ : "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع" يشترط له رسول الله ﷺ الرجعة: "أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة" فما قام رجل من القوم من شدة الخوف والجزع والبرد، فلما لم يقم أحد دعاني فلم يكن (لي) (٢) بد من القيام حين دعاني فقال: "يا حذيفة اذهب فأدخل في القوم" وذكر الحديث (٣).
وذكر ابن عقبة وغيره خروج حذيفة إلى المشركين ومشقة ذَلِكَ عليه إلى أن قَالَ له ﷺ : "قم فحفظك الله من أمامك ومن خلفك، وعن يمينك وعن شمالك حَتَّى ترجع إلينا" فقام حذيفة مستبشرًا بدعاء رسول الله ﷺ كأنه احتمل احتمالًا فما شق عليه شيء مما كان فيه. وعند ابن عائذ: فقبض حذيفة على يد رجل عن يمينه فقال: من أنت؟ وعلى يد آخر عن يساره فقال: من أنت؟ فعل ذَلِكَ خشية أن يفطن له فبدرهم بالمسألة، وقد روينا في خبر ابن مسعود غير ما ذكرناه.
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه:
стр. 10329
أحدها: ما ترجم له وهو فضل الطليعة وبعثها وحدها، وأن الطليعة تستحق اسم النصرة؛ لأنه ﷺ سماه حواري.
والطليعة: من يبعث ليطلع على العدو.
والحواري: الناصر أو الوزير كما سلف، وهو بمعناه، وهو اسم لكل من نصر نبيًّا، وبه سمي أصحاب عيسى بذلك فإنه لما قَالَ لقومه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] فلم يجب غيرهم فكذلك لما قال ﷺ : "من يأتيني بخبر القوم؟ " مرتين أو ثلاثًا فلم يجبه غير الزبير، فشبهه بالحواريين أنصار عيسى، وسماه باسمهم، وإذا اتضح أنه ناصر فأجره أجر المقاتل المدافع.
ومن ثم قَال مالك: إن طليعة اللصوص تقتل معها وإن لم تقتل ولم تسلب، ولذلك قَال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به. (١)
وقيل: الحواري: الخالص من الأصحاب وقيل: سمي أصحاب عيسى بذلك لشدة بياض ثيابهم. وقيل: كانوا قصارين، وكلُّ ما بيَّضْتَهُ فقد حَوَّرْتَه، قَال أبو بكر: ومعنى "حواري الزبير" أنه مختص من بين أصحابي ومفضل؛ وسمي خبز الحواري لأنه أشرف الخبز، أو لبياضه.
قَالَ الداودي: ولا أعلم رجلاً جمع له النبي ﷺ أبويه إلا الزبير وسعد بن أبي وقاص كان يقول له: "ارم فداك أبي وأمي" (٢)، وإنما كان يقول لغيرهما: "ارم فداك أبي" أو "فدتك أمي" وهي كلمة تقال للتبجيل ليس على الدعاء ولا على الخبر.
стр. 10330
وكان الزبير من أول من أسلم، وكان ممن استجاب لله من بعد ما أصابهم القرح، مات يوم الجمل؛ قتل وهو منصرف، وهو ابن أربع وستين سنة، قتله ابن جرموز من بني تميم، وقال له علي: سمعت النبي ﷺ يقول: "بشر قاتل ابن صفية بالنار" (١)، كنيته: أبو عبد الله، وهو يلتقي في النسب الشريف في قُصَي، وليس أحد من العشرة بعد عثمان وعلى أقرب نسبًا منه.
ثانيها: فيه شجاعة الزبيروتقدمه وفضله، واختلف في ضبطه كما قَالَ القاضي، فضبطه جماعة من المحققين بفتح الياء من (حواري) (٢) كمصرخي، وضبطه أكثرهم بكسرها.
ومعنى: (انتدب): أجاب، ففيه الأدب من الإمام في الندب إلى القتال والمخاوف؛ لأنه كان له أن يقول لرجل بعينه: قم فأتني بخبر القوم. فيلزم الرجل ذَلِكَ لقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٢٤].
ثالثها: زعم بعض المعتزلة أن هذا الحديث يعارضه حديث "الراكب شيطان" (٣) ونهيه أن يسافر الرجل وحده (٤)، وليس كما زعم فلا تعارض؛ كما نبه عليه المهلب؛ لأن النهي إنما جاء في المسافر وحده؛ لأنه لا يأنس بصاحب ولا يقطع طريقه بمحدث يهون عليه مؤنة السفر،