← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10326–10365 · переход к 10331.

стр. 10326

٤٠ - باب فَضْلِ الطَّلِيعَةِ ٢٨٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ يَوْمَ الأَحْزَابِ؟ ". قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا. ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ؟ ". قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ". [٢٨٤٧، ٢٩٩٧، ٣٧١٩، ٤١١٣، ٧٢٦١ - مسلم: ٢٤١٥ - فتح: ٦/ ٥٢] ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلي الله عليه وسلم -: "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ يَوْمَ الأَحْزَاب؟ ". قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا. ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ؟ ". قَالَ الزُّبَيْرُ: أنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ".

стр. 10327

٤١ - باب هَلْ يُبْعَثُ الطَّلِيعَةُ وَحْدَهُ ٢٨٤٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ -قَالَ صَدَقَةُ: أَظُنُّهُ- يَوْمَ الخَنْدَقِ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ". [انظر: ٢٨٤٦ - مسلم: ٢٤١٥ - فتح: ٦/ ٥٣] ذكر فيه حديث محمد بنِ المُنْكَدِرِ أيضًا، عن جَابِرٍ المذكور: نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ -قَالَ صَدَقَةُ: أَظُنُّهُ يَوْمَ الخَنْدَقِ- فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ". الشرح: حديث جابر هذا يأتي في الخندق أيضًا (١)، وفي النسائي: قَالَ وهب بن كيسان: أشهد لسمعت جابرًا يقول: لما اشتد الأمر يوم بني قريظة، قال رسول الله ﷺ : "من يأتينا بخبر القوم" فلم يذهب أحد فذهب الزبير، فجاء بخبرهم ثم اشتد الأمر، أيضًا قال: "من يأتينا بخبرهم" فلم يذهب أحد، فذهب الزبير ثم اشتد الأمر أيضًا فقال: "إن لكل نبي حواري وإن حواري الزبير" (٢)، ورواه ابن أبي عاصم من حديث وهب هذا، وفيه أن ذَلِكَ يوم الخندق. وفي الترمذي: الحواري: الناصر (٣). وقال عبد الرزاق عن معمر: قَالَ قتادة: الحواري: الوزير (٤).

стр. 10328

وله من طريقٍ ثانٍ من حديث على مرفوعًا: "إن لكل نبي حواري وإن حواري الزبير" أخرجه ابن أبي شيبة عن حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن زر، عنه، (به) (١). ثم اعلم أنه وقع هنا ما ذكرنا، والمشهور كما قاله شيخنا فتح الدين اليعمري أن الذي توجه ليأتي بخبر القوم حذيفة بن اليمان، كما روينا عنه من طريق ابن إسحاق وغيره قَالَ -يعني رسول الله ﷺ : "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع" يشترط له رسول الله ﷺ الرجعة: "أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة" فما قام رجل من القوم من شدة الخوف والجزع والبرد، فلما لم يقم أحد دعاني فلم يكن (لي) (٢) بد من القيام حين دعاني فقال: "يا حذيفة اذهب فأدخل في القوم" وذكر الحديث (٣). وذكر ابن عقبة وغيره خروج حذيفة إلى المشركين ومشقة ذَلِكَ عليه إلى أن قَالَ له ﷺ : "قم فحفظك الله من أمامك ومن خلفك، وعن يمينك وعن شمالك حَتَّى ترجع إلينا" فقام حذيفة مستبشرًا بدعاء رسول الله ﷺ كأنه احتمل احتمالًا فما شق عليه شيء مما كان فيه. وعند ابن عائذ: فقبض حذيفة على يد رجل عن يمينه فقال: من أنت؟ وعلى يد آخر عن يساره فقال: من أنت؟ فعل ذَلِكَ خشية أن يفطن له فبدرهم بالمسألة، وقد روينا في خبر ابن مسعود غير ما ذكرناه. إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه:

стр. 10329

أحدها: ما ترجم له وهو فضل الطليعة وبعثها وحدها، وأن الطليعة تستحق اسم النصرة؛ لأنه ﷺ سماه حواري. والطليعة: من يبعث ليطلع على العدو. والحواري: الناصر أو الوزير كما سلف، وهو بمعناه، وهو اسم لكل من نصر نبيًّا، وبه سمي أصحاب عيسى بذلك فإنه لما قَالَ لقومه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] فلم يجب غيرهم فكذلك لما قال ﷺ : "من يأتيني بخبر القوم؟ " مرتين أو ثلاثًا فلم يجبه غير الزبير، فشبهه بالحواريين أنصار عيسى، وسماه باسمهم، وإذا اتضح أنه ناصر فأجره أجر المقاتل المدافع. ومن ثم قَال مالك: إن طليعة اللصوص تقتل معها وإن لم تقتل ولم تسلب، ولذلك قَال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به. (١) وقيل: الحواري: الخالص من الأصحاب وقيل: سمي أصحاب عيسى بذلك لشدة بياض ثيابهم. وقيل: كانوا قصارين، وكلُّ ما بيَّضْتَهُ فقد حَوَّرْتَه، قَال أبو بكر: ومعنى "حواري الزبير" أنه مختص من بين أصحابي ومفضل؛ وسمي خبز الحواري لأنه أشرف الخبز، أو لبياضه. قَالَ الداودي: ولا أعلم رجلاً جمع له النبي ﷺ أبويه إلا الزبير وسعد بن أبي وقاص كان يقول له: "ارم فداك أبي وأمي" (٢)، وإنما كان يقول لغيرهما: "ارم فداك أبي" أو "فدتك أمي" وهي كلمة تقال للتبجيل ليس على الدعاء ولا على الخبر.

стр. 10330

وكان الزبير من أول من أسلم، وكان ممن استجاب لله من بعد ما أصابهم القرح، مات يوم الجمل؛ قتل وهو منصرف، وهو ابن أربع وستين سنة، قتله ابن جرموز من بني تميم، وقال له علي: سمعت النبي ﷺ يقول: "بشر قاتل ابن صفية بالنار" (١)، كنيته: أبو عبد الله، وهو يلتقي في النسب الشريف في قُصَي، وليس أحد من العشرة بعد عثمان وعلى أقرب نسبًا منه. ثانيها: فيه شجاعة الزبيروتقدمه وفضله، واختلف في ضبطه كما قَالَ القاضي، فضبطه جماعة من المحققين بفتح الياء من (حواري) (٢) كمصرخي، وضبطه أكثرهم بكسرها. ومعنى: (انتدب): أجاب، ففيه الأدب من الإمام في الندب إلى القتال والمخاوف؛ لأنه كان له أن يقول لرجل بعينه: قم فأتني بخبر القوم. فيلزم الرجل ذَلِكَ لقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٢٤]. ثالثها: زعم بعض المعتزلة أن هذا الحديث يعارضه حديث "الراكب شيطان" (٣) ونهيه أن يسافر الرجل وحده (٤)، وليس كما زعم فلا تعارض؛ كما نبه عليه المهلب؛ لأن النهي إنما جاء في المسافر وحده؛ لأنه لا يأنس بصاحب ولا يقطع طريقه بمحدث يهون عليه مؤنة السفر،

стр. 10331

كالشيطان الذي لا يأنس بأحد ويطلب الوحيد ليغويه بتذكار قتلة و (تزيين) (١) شهوة، حضًّا منه - صلي الله عليه وسلم - على الصحبة والمرافقة؛ لقطع المسافة وطي بعيد الأرض بطيب الحكاية وحسن المعاونة على المؤنة، وقصة الزبير بضد هذا بعثه طليعة متجسسًا على قريش ما يريدونه من حرب رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، فلو أمكن أن يتعرف ذَلِكَ منهم بغير طليعة لكان أسلم وأخف، ولكن أراد أن يسن لنا جواز الغرر في ذَلِكَ لمن احتسب نفسه وسخى بها في نفع المسلمين وحماية الدين، ومن خرج في مثل هذا الخطير من أمر الله لم يعط الشيطان أذنه فيصغي إلى خُدَعِه، بل عليه من الله حافظ ومؤنس، وهذا. ألا ترى تثبيت الله تعالى له حين نادى أبو سفيان في المشركين ليعرف كل إنسان منهم جليسه (قال الزبير لمن قرب: [من] (٢) أنت؟ فسبق بحضور ذهنه إلى) (٣) ما لو سبقه إليه جليسه لكان سبب فضيحته، كذا قَالَ: إنه الزبير، وإنما هو حذيفة حين سار إلى قريش في الأحزاب متحسسًا -كما ذكره ابن سعد وغيره كما سلف- ولو أرسل معه غيره لكان أقرب إلى أن يُعْثَرَ عليهما، فالوحدة في هذا هي الحكمة البالغة، وفي المسافر هي العورة البينة، ولكل وجه من الحكمة غير وجه الآخر لتباين القصص واختلاف المعاني. وحمله الطبري على من لا يهوله هول، ألا ترى أن عمر لما بلغه أن سعدًا بني قصرًا أرسل شخصًا وحده ليهدمه (٤).- وذكر ابن أبي عاصم أنه

стр. 10332

- ﷺ أرسل عبد الله بن أنيس سرية وحده (١)، وبعث عمر وابن أمية وحده عينا، ولابن سعد: أرسل سالم بن عمير سرية وحده (٢)، فإن لم يكن الرجل كذلك فممنوع من السفر وحده خشية على عقله أو يموت فلا يُدري خبره أحد ولا يَشْهده أحد، كما قَالَ عمر: أرأيتم إذا سار وحده ومات من أسأل عنه؟ ويحتمل أن يكون النهي نهي تأديب وإرشاد إلى ما هو الأولى. وحديث "الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة رَكْبٌ" أخرجه الترمذي وحسنه (٣)، وعزاه ابن التين إلى رواية الشيخ أبي محمد في "جامع مختصره"، قَالَ: وذكره مالك في "موطئه" (٤) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٥) قَالَ: وقيل: أخبار عمرو عن أبيه عن جده واهية لم يسمع بعضهم من بعض. قلتُ: معاذ الله من ذلك. وسفر الواحد مباح لتوجيه النبي - صلي الله عليه وسلم - العيون والطوالع وِحْدَانًا، قَالَ: وقال النبي - صلي الله عليه وسلم -: "إن الشيطان يهم بالواحد والاثنين، وإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم" (٦)، ثم نقل عن الشيخ: أبي محمد أنه يريد في السفر الذي تقصر فيه الصلاة. وقد ترجم البخاري فيما سيأتي باب: السير وحده، وذكر فيه حديث

стр. 10333

ابن عمر: "لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده" (١)، واعترض الإسماعيلي في دخوله فيه فقال: لا أعلم هذا الحديث كيف يدخل في هذا الباب وهو عجيب، فدخوله ظاهر، وفي "مستدرك الحاكم" من حديث ابن عباس: خرج (رجلان) (٢) من خيبر فتبعه رجلان ورجل يتلوهما يقول: ارجعا حَتَّى أدركهما فردهما ثم قال: إن هذين شيطانان فأقرأ على رسول الله السلامَ، وأعلمَهُ أنَّ في جمع صدقاتنا لو كانت تصلح له لبعثناها إليه. فلما قدم على رسول الله ﷺ وحدثه نهى عند ذَلِكَ عن الوحدة، ثم قَالَ: صحيح على شرط البخاري (٣). قلتُ: فيجوز أن يكون النهي بعد فتح خيبر. وعنده أيضًا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده السالف، وقال لرجل قدم من سفر وقال له: "ما صحبت؟ " فقال: ما صحبت أحدا .. ذكره ثم قَالَ: صحيح الإسناد (٤). فائدة أجنبية لغوية: في حقيقة السرية والغزو وغيرهما ذكرها المسعودي في كتاب "التنبيه والإشراف": فالسرايا: ما بين الثلاث إلى الخمسمائة، والسرية التي تخرج ليلاً، وبالنهار ساربة ومنه: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]. وما زاد على الخمسمائة فهي المناسر. وما بلغ ثمانمائة فهو الجيش القليل. وما زاد على الأربعة آلاف فهو الجحفل.

стр. 10334

وما بلغ اثني عشر ألفا فهو الجيش الجرار. وإذا افترقت السرايا والسوارب بعد خروجها فما كان دون الأربعين فهي الجرائد، وما كان من الأربعين إلى دون الثلاثمائة فهي المقانب، وما كان من الثلاثمائة إلى دون الخمسمائة فهي الجمرات. وكانوا يسمون الأربعين إذا توجهوا العصبة ورأى قوم أن المقنب مثل المنسر، وأن كل واحدة منهما ما بين الثلاثين رجلاً إلى الأربعين وذكروا له شاهدًا. والكتيبة: ما جمع ولم ينتشر. والحصيرة: يغزى بهم دون العشرة فمن دونهم. والهبطة: جماعة يغزى بهم وليسوا بجيش. والأرعن: الجيش الكبير الذي مثل الجبل. والخميس: الجيش العظيم. والجرار: الذي لا يسير إلا زحفًا. والبحر: أكبر ما يكون من الجيش إذا عظم وثقل.

стр. 10335

٤٢ - باب سَفَرِ الاثْنَيْنِ ٢٨٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ قَالَ: انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَنَا أَنَا وَصَاحِبٌ لِي "أَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا". [انظر: ٦٢٨ - مسلم: ٦٧٤ - فتح: ٦/ ٥٣] ذكر فيه حديث مَالِكٍ بنِ الحُوَيْرِثِ قَالَ: انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَنَا أَنَا وَصَاحِبٌ لِي "أَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكبَرُكمَا". هذا الحديث سلف في الصلاة. وهو حديث مطابق لما بوب له فإنه قَالَ: "أَذِّنَا وَأَقِيمَا .. " إلى آخره فلما قدم (ذكر) (١) سفر الرجل وحده أردفه بالاثنين، وغَلِطَ الداودي فقال: ليس في الحديث ذكر سفر يوم الاثنين، وإنما أتى من حديث كعب بن مالك، وفيه: كان ﷺ يحب أن يسافر يوم الاثنين ويوم الخميس (٢). فتأوله الداودي على سفر يوم الاثنين، وهو عجيب فإن مراده سفر الرجلين، لم يرد يوم الاثنين، وهذا الحديث لا يعارض الحديث السالف: "الاثنان شيطانان" لما سلف.

стр. 10336

٤٣ - باب الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ٢٨٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْخَيْلُ في نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". ٢٨٥٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ وَابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الجَعْدِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". قَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ. [٣٦٤٤ - مسلم: ١٨٧ - فتح: ٦/ ٥٤] تَابَعَة مُسَدَّدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ غرْوَةَ بْنِ أَبي الجَعْدِ. [٢٨٥٣، ٣١١٩، ٣٦٣٤ - مسلم: ١٨٧٣ - فتح: ٦/ ٥٤] ٢٨٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْبَرَكَةُ في نَوَاصِي الخَيْلِ". [٣٦٤٥ - مسلم:١٨٧٤ - فتح: ٦/ ٥٤] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -: "الخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". وحديث حُصَيْنٍ وَابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الجَعْدِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مثله. قَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الجَعْدِ. وَتَابَعَهُ مُسَدَّدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِي، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الجَعْدِ. حَدَّثنَا مُسَدَّدٌ، أَنَا يَحْييَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -: "الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الخَيْلِ". ثم ترجم له:

стр. 10337

٤٤ - باب الجِهَادُ مَاضٍ مَعَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ .. ". ٢٨٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا عُرْوَةُ البَارِقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ". [انظر: ٢٨٥٠ - مسلم: ١٨٧٣ - فتح: ٦/ ٥٦] فذكره، ثم ذكر حديث عُرْوَةَ البَارِقِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْخَيْلُ .. " فذكره، وزاد في آخره: "الأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ". الشرح: هذِه الأحاديث الثلاثة أخرجها مسلم أيضًا وانفرد بإخراجه من حديث جرير. و (ابن أبي السفر) أسمه عبد الله بن أبي السفر سعيد بن يُحمد -ويقال: ابن أحمد- الهَمْدَاني (البكلي) (١) الثوري الكوفي، توفي في خلافة مروان بن محمد، وتوفي والده في ولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق، وكانت من سنة خمس ومائة إلى سنة عشرين ومائة. و (حصين بن عبد الرحمن) كوفي أيضًا، ابن عم منصور بن المعتمر. و (هشيم) هو ابن بشير. و (أبو التياح) هو يزيد بن حميد. والتعليق عن سليمان وحصين أخرجه أبو نعيم عن فاروق، ثَنَا إبراهيم بن عبد الله، ثَنَا سليمان بن حرب، ثَنَا شعبة، عن عبد الله بن

стр. 10338

أبي السفر وحصين، عن الشعبي، عن عروة، وحَدَّثَنَا أبو إسحاق بن حمزة، ثَنَا حامد، ثَنَا شريح، عن هشيم. وقال أحمد: ثَنَا هشيم، فذكره، وقال: (عروة البارقي) (١). وخرج البخاري في الخمس: حَدَّثنَا مسدد، عن خالد، عن حصين، فقال: (عروة البارقي) (٢). ورواه ابن أبي عاصم، عن غندر، عن شعبة، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي قَالَ: عن عروة البارقي. قَالَ الحميدي: زاد البرقاني في حديث الشعبي من رواية عبد الله بن إدريس عن حصين يرفعه: "الإبل عز لأهلها والغنم بركة" (٣)، ورواه الإسماعيلي من حديث ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن العَيْزَار بن حُرَيث، عن عروة بن أبي الجعد، قَالَ شعبة: وحَدَّثَني حصين وعبد الله، سَمِعَا الشعبيَّ يحدث عن عروة بن أبي الجعد. قَالَ الإسماعيلي: قَالَ ابن أبي عدي وسليمان: عن شعبة بن أبي الجعد. وقال أبو داود وروح وأبو الوليد عنه: ابن الجعد، وكذلك قَالَ غُنْدَر. وفي الباب عن عتبة بن عبد السلمي أخرجه أبو داود (٤)، وسلمة بن نفيل أخرجه البزار وزيادة: "وأهلها معانون" (٥)، والمغيرة وجابر وسوادة بن الربيع وجد يزيد بن عبد الله بن غريب المليكي، عن أبيه،

стр. 10339

عن جده، ذكرهم ابن أبي عاصم، وأبي هريرة ذكره أبو بكر بن المقرئ، وأسماء بنت يزيد ذكره أحمد (١)، وعلى ذكره ابن منده، وابن مسعود والبراء ذكرهما أبو القاسم البغوي، وحذيفة وسهل بن الحنظلية ذكرهما ابن عساكر (٢)، وأبي أمامة ذكره أبي طاهر الذهلي، وأبي ذر ذكره عبد الله بن وهب. إذا تقرر ذَلِكَ؛ ففيه الترغيب في الغزو على الخيل أي المعدة للجهاد بخلاف المعدة للخيلاء، وأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وفي الحديث: "الجهاد ماضٍ منذ بعث الله نبيه إلى آخر عصابة تبقى من أمتي تقاتل الدجال" (٣). وترجم البخاري به على استمراره تحت راية كل بر وفاجر، وفي رواية أبي الحسن: (على البر والفاجر) وفي رواية أبي ذر وغيره، وتبويب الإسماعيلي (مع) بدل (على) فعلى الأولى أنه يجب على كل أحد، وعلى الثاني يجب مع الإمام العدل ومع غير العدل، وأنه واجب لا يجوز تركه. "والأجر والمغنم": هو معنى ما بوب له البخاري؛ لأن الغنيمة إنما تَنْشَأُ غالبًا عن الجهاد. واستدلاله أيضًا: أن الجهاد ماض معهما صحيح من أجل أنه أبقى الخير في نواصيها إلى يوم القيامة، وقد علم أن من أمته أئمة جور لا يعدلون ويستأثرون بالمغانم، فأوجب الغزو معهم. ويقوي هذا

стр. 10340

المعنى أمره بالصلاة وراء كل بر وفاجر من السلاطين، وأمره بالسمع والطاعة ولو كان عبدًا حبشيًا. وفيه: الحث على ارتباط الخيل في سبيله تعالى يريد أن من ارتبطهما كان له ثواب ذَلِكَ فهو خير آجل، وما يصيبه على ظهورها من المغانم وفي بطونها من النتاج خير عاجل. و (الناصية): قصاص الشعر، وهو المراد بقول الخطابي: إنها الشعر المسترسل على الجبهة (١). وخص النواصي بالذكر لأن العرب تقول غالبًا: فلان مبارك الناصية. فيكني به عن الإنسان. والمراد بالخير هنا: المال. قَالَ تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٠٨] وقال تعالى في قوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] وقد سلف تفسير الخير في الحديث بالأجر والمغنم. وفي "مسند أبي داود الطيالسي" أيضًا بإسناد على شرط البخاري. قيل: يا رسول الله، ما الخير؟ قَالَ: "الأجر والمغنم" (٢) وهو أيضًا تفسير قوله - صلي الله عليه وسلم -: " مع ما نَالَ من أجر أو غنيمة" أن "أو" بمعنى الواو فكأنه قَالَ: مع ما نال من أجر وغنيمة أو أجر.

стр. 10341

٤٥ - باب مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا في سَبِيلِ اِلله لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] ٢٨٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا المَقْبُرِيُّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللهِ إِيمَانًا بِاللهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ". [فتح: ٦/ ٥٧] وذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللهِ إِيمَانًا باللهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ". الشرح: هذا الحديث أخرجه البخاري من حديث طلحة بن أبي سعيد عن المقبري عنه، وفي الباب عن أسماء بنت يزيد وعلى وزيد بن ثابت وسهل بن الحنظلية وسوادة بن الربيع. أخرج الأول أحمد بلفظ: "من ارتبط فرسًا في سبيل الله فأنفق عليه احتسابًا كان شبعه وجوعه وريه وظمؤه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة، ومن ارتبط فرسًا رياء وسمعة كان ذَلِكَ خسرانًا في ميزانه يوم القيامة" (١). وأخرج الثاني: ابن بنت منيع من حديث الحارث عنه بلفظ: "من ارتبط فرسًا في سبيل الله فعلفه وأثره في موازينه يوم القيامة". والثالث: عبد بن حميد في "مسنده" بإسناد فيه ضعف بلفظ: "من حبس فرسًا في سبيل الله كان سترة من النار" (٢).

стр. 10342

والرابع: ابن أبي عاصم من حديث المطعم بن المقدام، عن الحسن، عن سهل بلفظ: "من ارتبط فرسًا في سبيل الله كانت النفقة عليه كالماد يده بصدقه لا يقبضها". والخامس: أخرجه أيضًا بلفظ: "ارتثوا الخيل"، وأخرج مثله من حديث يزيد بن غريب المليكي عن أبيه عن جده مرفوعًا، ومن حديث محمد بن عقبة القاضي عن أبيه عن جده عن تميم الداري مرفوعًا: "من ارتبط فرسًا في سبيل الله فعالج علفه كان له بكل حبة حسنة". إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالحديث قال على أن الأحباس جائزة في الخيل (والرباع وغيرها؛ لأنه إذا جاز في الخيل) (١) للمدافعة عن المسلمين وعن الدين والنفع لهم بجر الغنائم والأموال إليهم، فكذلك تجوز في الرباع المثمرة لهم، نبه عليه المهلب. وما وصفه من الروث وغيره إنما يريد ثوابه لا أن الروث هو الموزون، بل أجره، ولا نقول: إن زنة الأجر زنة الروث، بل أضعافه إلى ما شاء الله تعالى. وفيه: أن النية قد يؤجر الإنسان بها كما يؤجر العامل؛ لأن هذا إنما أحتبس فرسه ليقاتل عليه ويغير، فعوض من أجر العمل المعدوم في ترك أستعماله فيه بعدِّ نفقاته وأرواثه أجرًا له، مع أنه في رباطه نافع؛ لأن الإرهاب بارتباطه في نفس العدو وسماعهم عنه نافع. وفيه: أن الأمثال تضرب لصحة المعاني وإن كان فيها بعض المكروهات الذكر.

стр. 10343

٤٦ - باب اسْمِ الفَرَسِ وَالْحِمَارِ ٢٨٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَتَخَلَّفَ أَبُو قَتَادَةَ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ وَهْوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رَآهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ يُقَالُ لَهُ الْجَرَادَةُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا، فَتَنَاوَلَهُ فَحَمَلَ فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ فَأَكَلُوا، فَنَدِمُوا فَلَمَّا أَدْرَكُوهُ قَالَ: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ ". قَالَ: مَعَنَا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَكَلَهَا. [انظر: ١٨٢١ - مسلم: ١١٩٦ (٦٣) - فتح: ٦/ ٥٨] ٢٨٥٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ اللُّحَيْفُ. [فتح: ٦/ ٥٨] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ بَعْضُهُم: اللُّخَيْفُ. ٢٨٥٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ يَحْيَى بْنَ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ على حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟ ". قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: "لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا". [٥٩٦٧، ٦٢٦٧، ٦٥٠٠، ٧٣٧٣ - مسلم: ٣٠ - فتح: ٦/ ٥٨] ٢٨٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لَنَا يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ. فَقَالَ: "مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا". [انظر: ٢٦٢٧ - فتح: ٦/ ٥٨]

стр. 10344

ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها: حديث أبي قتادة في قصة الحمار الوحشي وأنه كان راكبًا على فرس يقال له الجرادة. وقد سلف. ثانيها: حديث أُبي بن العَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ: اللُّحَيْفُ. وقال بعضهم: اللخيف. بالخاء؛ وهو من أفراده. ثالثها: حديث مُعَاذٍ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيْزٌ، فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ على اللهِ؟ ". قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذَبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "لَا تبشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا". رابعها: حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ فَزَع بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسا لَنَا يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ. فَقَالَ: "مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعِ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا". وقد سلف. ثم الكلام من وجوه: أحدها: شيخ البخاري في الأول (محمد بن أبي بكر)، وهو الصواب. قَالَ الجياني: وفي نسخة أبي زيد المروزي: محمد بن بكر، وهو خطأ، والصواب الأول وهو المقدمي، قَالَ: وليس في شيوخ البخاري محمد بن بكر (١). ثانيها: اختلف في ضبط اللحيف، فضبطه عامة الشيوخ كما قال

стр. 10345

صاحب "المطالع": بضم اللام وفتح الحاء المهملة. قلتُ: وعليه اقتصر الهروي، سمي؛ بذلك لطول ذنبه، فعيل بمعنى فاعل، فكأنه يلحف الأرض بجريه، يقال: لحفت الرجل باللحاف: إذا طرحته عليه (١)، قال: وعن ابن سراج: فتح اللام وكسر الحاء على وزن رغيف. وقال ابن السكيت: سمي اللحيف لكثرة سبائبه: يعني ذنبه. وقال ابن الجوزي: بنون وحاء مهملة، وقال في "المغيث": بلام مفتوحة وجيم مكسورة. قَالَ أبو موسى: المحفوظ بالحاء، فإن روي بالجيم فيراد به السرعة؛ لأن اللجيف سهم نصله عريض، قاله صاحب "التتمة"، وصح عن البخاري أنه قال: إنه بالخاء المعجمة (٢). قَالَ ابن الأثير: ولم يتحققه، والمعروف الأول (٣). وهذا الفرس أهداه لرسول الله - صلي الله عليه وسلم - ربيعة بن البراء فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب. وقال ابن أبي خيثمة في "تاريخه": أهداه له فروة بن عمرو الجذامي من أرض البلقاء. ثالثها: (عُفَير) تصغير أعفر، إلا أنهم أخرجوه عن بناء أصله، كما قالوا في تصغير أسود: سويد. وهو بعين مهملة على المشهور، وزعم القاضي عياض: أنه بغين معجمة، وَرُدَّ ذَلِكَ عليه. قَالَ ابن عَبْدُوس في أسماء خيله ودوابه - صلي الله عليه وسلم -: كان (أخضر) (٤) أخذ ذَلِكَ من العفر وهو التراب، وكذا قَالَ الخطابي: سمي بذلك لعفرة لونه، والعفرة: حمرة يخالطها بياض، يقال له: أعفر ويعفور، وأخضر

стр. 10346

ويخضور، وأصفر ويصفور، وأحمر ويحمور (١). وقال ابن بطال: عفير من العفرة وهو تصغير أعفر (٢). وقال الدمياطي: إنه شبه في عدوه باليعفور -وهو الظبي- وهذا الحمار أهداه لرسول الله - صلي الله عليه وسلم - المقوقس، وأهدى له فروة بن عمرو حمارًا يقال له: يعفور. ويقال: هما واحد، حكاه ابن عبدوس. قَالَ الواقدي: نَفَقَ يَعْفُور مُنْصَرف رسول الله ﷺ من حجة الوداع. وذكر السهيلي أنه طرح نفسه في بئر يوم مات رسول الله - صلي الله عليه وسلم - (٣)، وذكر ابن عساكر عن أبي منصور: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر أصاب حمارًا أسود، فقال له ﷺ : "ما اسمك؟ " قَالَ: يزيد بن شهاب -وعند السهيلي: زياد بن شهاب- أخرج الله من نسل جدي ستين حمارًا، كلهم لم يركبه إلا نبي، وقد كنت أتوقعك أن تركبني؛ لأنه لم يبق من نسل جدي غيري ولا من الأنبياء غيرك. فذكر حديثًا طويلًا فيه: فلما توفي رسول الله - صلي الله عليه وسلم - جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان، فترَدى فيها جَزَعًا على رسول الله، فصارت قبره (٤). قَالَ أبو القاسم: هذا حديث غريب، وفي إسناده غير واحد من المجهول (٥). وقال ابن حبان في "ضعفائه": لا أصل لهذا الحديث، وإسناده ليس بشيء (٦).

стр. 10347

فائدة: روينا في "الإرداف" لابن منده أبي زكريا يحيى أنه - صلي الله عليه وسلم - كان له حمار آخر أعطاه إياه سعد بن عبادة. ثانية مهمة: في عدد أفراسه: عند ابن سعد أول فرس ملكه رسول الله ﷺ فرس ابْتَاعه بالمدينة من رجل من بني فَزَارة بعشرة أواقي، وكان اسمه عند الأعرابي الضرس، فسماه رسول الله: السكب، وأول ما غزا عليه أُحدًا، وكان أغر محجلًا طلق اليمين (١). وفي "المنمق" لمحمد بن حبيب البغدادي: كان كميتًا. وللطبراني عن ابن عباس: كان أدهم، وله أيضًا السكب (٢)، سمي بذلك؛ لأن لونه يشبه لون الشقائق. وللواقدي: كان له أيضًا فرس أشقر يسمى: المرتجز وهو الذي شهد له فيه خزيمة، وكان لأعرابي من بني مُرَّة. ولابن أبي عاصم: كان أشقر، سمي المرتجز لحسن صهيله. وزعم ابن قتيبة أن الذي شهد فيه خزيمة الظرب، وفي رواية: النجيب (٣). و (الأعرابي) قيل: هو سواء بن الحارث بن ظالم المزني، وقيل: هو سواء بن قيس المحاربي.

стр. 10348

وذكر الرشاطي: أن المرتجز أهداه له عصيم بن الحارث بن ظالم المحاربي فأثابه ﷺ ناقة تدعى القرعى. وعند الواقدي: كان له ﷺ أفراس ثلاث عند سهل بن سعد: لزاز، والظرب، واللحيف، أهدى الظرب له فروة بن عمرو الجذامي، وفي "تاريخ ابن عساكر": أهداه له ربيعة بن أبي البراء (١)، وذكر أبو سعيد النيسابوري في "شرف المصطفى": أنه كان لجنادة بن المعلى المحاربي، وذكر ابن الجوزي أن لزازًا (أهدى له) (٢) المقوقس. وعند السهيلي: كان معه في المريسيع، وذكر سليمان بن بنين النحوي المصري (٣): أنه من هدايا المقوقس، قَالَ: وكان تحته ببدر. وفيه نظر؛ لأن هدايا المقوقس لم تأت إلا بعد سنة ست. وعند ابن سعد: كان له فرس يقال له: الورد أهداه له تميم الداري، فأعطاه عمر، فحمل عليه في سبيل الله فوجده يباع، الحديث (٤). وعنده أيضًا: المرواح، أهداه له الرُّهَاوِيُّون (٥). وعند ابن حبيب: وكان له فرس يقال له: ذو اللمة.

стр. 10349

وعند ابن خالويه: والمرتجل والسرحان والعسوب، ذكره قاسم بن ثابت في "الدلائل". وكذلك اليعسوب والبحر. قَالَ ابن بنين: اشتراه من تجار قدموا به من اليمن. والشحاء والسجل، قَالَ ابن الأثير: أخاف أن يكون أحدهما تصحيف من الآخر. وملاوح، ذكره في "شرف المصطفى" قال: وكان لأبي بردة بن نيار. ومندوب، ذكره أبو عبد الله محمد بن علي بن حضر بن عسكر المالقي في "ذيل التعريف". وسبخة، ففي "سنن الدارقطني" عن أنس: كانت له فرس يقال لها: سبخة (١). وذو العقال (٢)، ذكره ابن عساكر. والسقب، (ففي) (٣) "الجهاد" لابن أبي عاصم عن ابن عباس: كان لرسول الله فرس أدهم يسمى: دلدل، وفي "المستدرك": كان له بغلة يقال لها: دلدل (٤). وقال الواقدي: عن موسى بن محمد، عن أبيه: هي أول بغلة (رئيت) (٥) في الإسلام، أهداها له المقوقس وبقيت إلى زمن معاوية.

стр. 10350

وفي "تاريخ دمشق": قاتل عليها في خلافته الخوارج (١). وعند ابن إسحاق: كانت في منزل عبد الله بن جعفر يحش لها الشعير؛ لأن أسنانها ذهبت، وكانت شهباء. وعند الواقدي: أهداها له فروة الجذامي. وعند المرزباني: لما أهداها لرسول الله ﷺ طلبه الحارث بن أبي شمر الغساني، فلما ظفر به صلبه. وفي مسلم: أهدى ابن العَلْمَاء -يعني: يوحنا بن رؤبة- له في تبوك بغلة بيضاء، فكتب له النبي ﷺ يجيرهم وأهدى له بردًا (٢). وعند ابن سعد: وأرسل إليه صاحب دومة بغلة (٣). وفي الثعلبي -بإسناد فيه ضعف- عن ابن عباس: أهدى كسرى بغلةً لرسول الله ﷺ فركبها (بجُل) (٤) من شعر وأردفه خلفه. وفيه نظر؛ لأن كسرى مزق كتابه. وفي "أخلاقه ﷺ " لأبي الشيخ ابن حَيَّان: عن ابن عباس أن النجاشي أهدى له ﷺ بغلة؛ فكان يركبها (٥)، وهو غريب. وروى الطبري عن ابن عبد الرحيم البرقي: ثنا عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد قَالَ: اسم راية رسول الله ﷺ : العقاب، وفرسه: المرتجز، وناقته: العضباء والجدعاء، والحمار: يعفور، والسيف:

стр. 10351

ذو الفقار، والدرع: ذات الفضول، والرداء: الفتح، والقدح: الغمر. رابعها: فقه الباب: جوازُ تسمية الدواب بأسماء تخصها غير أسماء أجناسها. وقوله: ("وإن وجدناه لبحرا") أي: واسع الجري. قَالَ الأصمعي: يقال: فرس بحر وفيض وحث وغمر. وقال نفطويه: معناه كثير الجري لا يفنى جريه كما لا يفنى ماء البحر، فإذا كان ذَلِكَ من فعله ﷺ في أملاكه وكان الرب ﷻ قد ندب خلقه إلى الاستنان به والتأسي فيما لم ينْهَهُم عنه، فالصواب لكل من أنعم الله عليه وخوله رقيقًا أو حيوانًا من البهائم أو الطير أو غير ذَلِكَ أن يسميه باسم كما فعل ﷺ ، وعلم بذلك أن المولدين لما ادعوا أنساب الخيل لم يتعدوا في ذلك، إذ كان لها من الأسماء ما لبني آدم تميزوا بها من أعيانها وأشخاصها، إذ الأسماء إما هي أمارات وعلامات يفصل بها بين مسمياتها، وذكر هنا في حديث أبي قتادة: أنه ﷺ أخذ منه رجل الحمار وأكله، وهو حجة على أحد قولي أبي حنيفة وغيره الذين منعوا المحرم من أكل لحم الصيد وإن لم يصد من أجله. وفيه: إرداف النبي ﷺ أفاضل الصحابة. ومعاذ أحد الأربعة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ وزيد بن ثابت وأُبي وأبو زيد الأنصاري، ويقال: إنه يأتي يوم القيامة يقدم العلماء برتوة (١)، مات ابن ثلاث وستين.

стр. 10352

وفيه: جواز الإرداف على الدابة والحمل عليها ما أقلت ولم يضر بها. فائدة: الخيل: جمع لا واحد له وجمعه: خيول، قاله في "المخصص"، وكان أبو عبيد يقول: واحدها خايل لاختيالها، فهو على هذا الاسم للجمع عند سيبويه، وجمع عند أبي الحسن (١). قَالَ في "المحكم": وقول أبي عبيد ليس بمعروف. قَالَ: وقول أبي ذؤيب: فتنازلا وتواقفت خيلاهما … وكلاهما بَطَلُ اللقاءِ مُخدَّع ثناه على قولهم: هما لقاحان أسودان وجمالان، والجمع: أخيال عن ابن الأعرابي، والأول أشهر (٢). وقال ابن رضوان أبو عبد الله في "الاحتفال" (٣): وقد جاء فيه الجمع أيضًا على أخيل في شعر الحطيئة وإذا صغرت قلتَ: خُيَيْلَة، ولو حذفها لكان وجهًا، والخول -بالفتح-: جماعة الخيل.

стр. 10353

٤٧ - باب مَا يُذْكَرُ مِنْ شُؤْمِ الفَرَسِ ٢٨٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: في الفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ". [انظر: ٢٠٩٩ - مسلم: ٢٢٢٥ - فتح: ٦/ ٦٠] ٢٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنْ كَانَ فِي شَيءٍ فَفِي المَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ". [٥٠٩٥ - مسلم: ٢٢٢٦ - فتح: ٦/ ٦٠] حَدَّثنَا أَبُو اليَمَانِ، أَنَا شُعَيْب، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عن أبيه قَالَ: سمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ". حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دَينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - قالَ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي المَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ". الشرح: الحديثان في مسلم أيضًا ويأتيان في النكاح [أيضًا] (١). وفي مسلم عن جابر: "إن كان في شيء ففي الربع والفرس والمرأة" (٢)، يعني: الشؤم. وهو من أفراده. وروى الترمذي الأول من حديث سفيان عن الزهري، عن سالم وحمزة عن أبيهما، قَالَ: ورواه مالك، عن الزهري فقال: عن سالم

стр. 10354

وحمزة (١)، ورواه أبو عمر من طريق معمر، عن الزهري، فقال: عن سالم أو حمزة أو كليهما -شك معمر- وفي آخره قَالَ: قالت أم سلمة: والسيف. قَالَ أبو عمر: وقد روى جويرية (٢)، عن مالك، عن الزهري أن بعض أهل أم سلمة -زوج النبي ﷺ أخبره أن أم سلمة كانت تزيد: السيف. يعني في حديث الزهري، عن حمزة وسالم في الشؤم (٣). إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالشؤم نقيض اليمن وهو الفحش، وروينا في "الحلية" من حديث عائشة مرفوعًا: "الشؤم سوء الخلق" قَالَ أبو نعيم: تفرد به عن حبيب بن عبيد أبو بكر بن أبي مريم (٤)، وكانت عائشة تنكر الشؤم وتقول: إنما حكاه رسول الله - صلي الله عليه وسلم - عن أهل الجاهلية وأقوالهم. ثم ذكر بإسناده إلى أبي حسان أن رجلين دخلا عليها فقالا: إن أبا هريرة يحدث أنه ﷺ قَالَ: "إنما الطيرة في المرأة والدار والدابة" فذكرت كلمة معناها أنه غلط، ولكن كان رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يقول: "كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في ذلك" (٥)، ومن طريق أنس مرفوعًا: "لا طيرة، والطيرة على من تطير، وإن يكن في شيء ففي المرأة والدار والفرس" (٦).

стр. 10355

وتخيل بعضهم أن التطير بهذِه الأشياء من قوله: "لا طيرة" وأنه مخصوص بها، فكأنه قَالَ: لا طيرة إلا في هذِه الثلاثة، فمن تشاءم بشيء منها نزل به ما كره من ذلك، وممن صار إلى ذَلِكَ ابن قتيبة، وعضده بحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الطيرة على من تطير". وسُئل مالك عن تفسير الشؤم في ذَلِكَ فقال: هو كذلك فيما نرى، كم من دار سكنها ناس فهلكوا ثم آخرون من بعدهم فهلكوا. ويعضده حديث يحيى بن سعيد: جاءت امرأة إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، دار سكناها والعدد كثير والمال وافر، فقل العدد وذهب المال، فقال: "دعوها ذميمة" (١)، أي: عندكم لاعتيادكم ذلك، فالناس يتطيرون بهذِه الثلاثة أكثر من سواها، ولا يظن بهذا القول أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذِه الثلاثة الأشياء هو على ما كانت الجاهلية تعتقد فيها فإنها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ولا تفعله بوجه، بناء على أن الطيرة تضر قطعًا، فإن هذا ظن خطأ، وإنما يعني بذلك أن هذِه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها. فمن وقع في نفسه شيء من ذَلِكَ فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره مما يغلب به نفسه، ويسكن خاطره له، ولم يلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه أو امرأة يكرهها بل قد فسح الله له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله هو الفعال لما يريد. وليس لشيء من هذِه الأشياء أثر في الوجود، وهذا على نحو ما ذكر في المجذوم.

стр. 10356

لا يقال: هذا يجري في كل متطير به، فما وجه خصوصية هذِه الثلاثة بالذكر؟ لأن الضرورة في الوجود لابد للإنسان منها ومن ملازمتها غالبًا، وأكثر ما يقع التشاؤم في الثلاثة، فكذلك خصت بالذكر. فإن قلتَ: ما الفرق بين الدار وموضع الوباء الذي منع من الخروج منه؟ قلتُ: الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام، ذكرها بعضهم: أحدها: ما لا يقع التأذي به ولا اطردت عادة به، فلا يصغى إليه، وقد أنكر الشارع الالتفات إليه كتلقي الغراب في بعض الأسفار أو صراخ بومةٍ في داره، فمثل هذا قَالَ: "لا طيرة ولا تطير" وسيأتي حديث: "لا عدوى ولا طيرة" في الطب (١)، وأخرجه جمع من الصحابة منهم ابن عمر -وصححه الترمذي- وابن عباس، أخرجه ابن ماجَهْ (٢)، ورواه أيضًا ثلاثة عشر صحابيًا أُخَرُ، ذكرهم أبو محمد بن عساكر في "تحقيق المقال في الطيرة والفال": وهذا هو الذي كانت العرب تعمل به. ثانيها: ما يقع به الضرر عامًّا نادرًا كالوباء، فلا يقدم عليه عملًا بالجزم والاحتياط، ولا يفر منه لاحتمال أن يكون وصل الضرر بها إلى الضار، فيكون سفره زيادة في محنته وتعجيلًا لهلكة. ثالثها: سبب يخص ولا يعم ويلحق منه الضرر بطول الملازمة كالمذكورات في الحديث، فيباح له الاستبدال والتوكل على الله والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال.

стр. 10357

وثَمَّ تأويلات أُخَرُ للحديث، منها: أن شؤم الدار: ضيقها وسوء جيرانها أو أن لا يسمع فيها أذان، وشؤم المرأة: عدم ولادتها، وسلاطة لسانها، وتعرضها للريبة. قلتُ: قَالَ عروة: أول شؤمها كثرة مهرها. وشؤم الفرس: ألا يُغزى عليها، وغلاء ثمنها. وشؤم الخادم: سوء خلقه، وقلة تعهده لما فوض إليه. ووردت هذِه الألفاظ على أنحاء في هذا: إن كان الشؤم ففي كذا الشؤم في كذا، إنما الشؤم في كذا، فالأول: معناه: إن خلقه الله فيما جرى في بعض العادة به فإنما يخلقه في الغالب في هذِه الثلاثة. والثاني: حصر للشؤم فيها، وهو حصر عادة لا خلقة، فإن الشؤم قد يكون بين الاثنين في الصحبة، وقد يكون في السفر، وقد يكون في الثوب يستجده العبد، ولهذا قَالَ ﷺ : "إذا لبسَ أحدكم ثوبًا جديدًا فليقل: اللَّهُمَّ إني أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له" (١). وقال ابن التين في الأولى: قيل: معناه يكون لقوم دون قوم، وذلك كله (بقدرة) (٢) الله لا على أنها فعالة بنفسها، ولكنها سبب للقضاء والقدر. وقيل: إن الراوي لم يسمع أول الحديث، وهو: الجاهلية تقول: الشؤم في ثلاث. فحكى ما سمع. وقال الخطابي: المراد: إبطال مذهبهم في التطير والسوانح

стр. 10358

والبوارح، ويكون مجْرى الحديث مجْرى استثناء الشيء من غير جنسه، وسبيله سبيل الخروج من شيء إلى غيره (١). قَالَ بعض العلماء: وقد يكون الشؤم هنا على غير المفهوم من معنى التطير، لكن بمعنى قلة الموافقة وسوء الطباع كما في الحديث: "من سعادة المرءِ ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقوته: المرأة السوء والمسكن السوء". رواه أحمد من حديث إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده (٢). ومن حديث معاوية بن حكيم عن عمه حكيم بن معاوية: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا شؤم، وقد يكون اليمن في المرأة والفرس والدار" (٣). وروى يوسف بن موسى القطان: ثَنَا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه يرفعه: "البركة في ثلاثة: في الفرس، والمرأة، والدار". وسُئل سالم عن معنى هذا الحديث فقال: قَالَ رسول الله ﷺ : "إذا كان الفرس ضروبًا فهو مشئوم، وإذا كانت المرأة قد عرفت زوجًا قبل زوجها فحنت إلى الزوج الأول فهي مشئومة، وإذا كن بغير هذا الوصف فهن مباركات". ويحتمل - (كما) (٤) قَالَ أبو عمر- أن يكون قوله: "الشؤم في ثلاث"

стр. 10359

كان في أول الإسلام ثم نسخ ذَلِكَ وأبطله قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢٢] الآية (١). وقال المهلب: حقق في ظاهر اللفظ وهو قوله: "إنما الشؤم في ثلاثة" حين لم يستطع أن ينسخ التطير من نفوس الناس، فأعلمهم أن الذي يتعذبون به من الطيرة لمن التزمها إنما هي في ثلاثة أشياء، وهي الملازمة لهم مثل دار المنشأ والمسكن، والزوجة التي هي ملازمة في حال العسر واليسر، والفرس الذي به عيشه وجهاده وتقلبه، فحكم بترك هذِه الثلاثة الأشياء لمن التزم التطير حين قَالَ في الدار التي سكنت والمال وافر والعدد كثير: "اتركوها ذميمة" خشية أن لا يطول تعذب النفوس مما تكره من هذِه الأمور الثلاثة وتتطير بها، وأما غيرها من الأشياء التي إنما هي خاطرة وطارئة وإنما تحزن بها النفوس ساعة أو أقل، مثل الطائر المكروه الاسم عند العرب يمر برجل منهم، فإنما يعرض له في حين مروره به، فقد أمر ﷺ في مثل هذا وشبهه لا يضر من عرض له. وأمر في هذِه الثلاثة بخلاف ذَلِكَ لطول التعذب بها، وقد قَالَ - صلي الله عليه وسلم -: "ثلاث لا يسلم منهن أحد: الطيرة، والظن، والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق" (٢)، وسيأتي لنا عودة إلى ذَلِكَ في الطب والنكاح إن شاء الله، وظهر أن لا تعارض بين هذا وبين حديث: "لا طيرة" وإن توهم بعضهم المعارضة، ولله الحمد.

стр. 10360

٤٨ - باب الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ٢٨٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَطَالَ فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ المَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ أَرْوَاثُهَا وَآثَارُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِئَاءً وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلَامِ فَهْيَ وِزْرٌ عَلَى ذَلِكَ". وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الحُمُرِ، فَقَالَ: "مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ " [الزلزلة: ٧ - ٨]. [انظر: ٢٣٧١ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٦/ ٦٣] ثم ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ النبي ﷺ : "الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ .. " إلى آخره، سلف في أبواب الشرب، واستدل به على عدم أكل الخيل، لكنه ثابت بالسنة: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] قيل: إنه عام. وقيل: هو السوس في الثياب. والطِّيل: الحبل الذي تربط به الدابة، ويقال بالواو بدل الياء أيضًا، والمعنى أن فرس المجاهد ليمضي على وجهه في الحبل الذي أطيل له؛ فيكتب له بذلك حسنات. ومعنى (استنت): أفلتت فمرحت تجري، والاستنان: أن تأخذ في سنن على وجه واحد ماضيًا، وهو يفتعل من السنن، وهو القصد،

стр. 10361

ويقال: فلان يستن الريح إذا كان على جهتها وممرها، وأهل الحجاز يقولون: يستنها، ويقال في مثل هذا: استنت الفصال حَتَّى القرعَى تضرب مثلًا للرجل الضعيف يرى الأقوياء يفعلون شيئًا فيفعل مثله (١). والشَّرَف: ما ارتفع من الأرض. وقوله: ("ولو أنها مرت بنهر .. ") إلى آخره. قيل: إنما ذَلِكَ لأنه وقت لا ينتفع بشربها فيه فيغتم لذلك فيؤجر، ويحتمل أن يريد أنه كره شربها من ماء غيره بغير إذن. وقوله: ("ونواء") هو بكسر النون والمد، وقال الداودي: هو بفتح النون والقصر. وقال بعض أهل اللغة: هو بكسر النون والمد. وهذا الذي حكاه عن بعضهم هو قول جماعة منهم، قَالَ: النواء: المعاداة، يقال: ناوأت الرجل نواء ومناوأة: إذا عاديته؛ وأصله من ناء إليك ونؤت إليه. أي: نهضت إليه، ونهض لك. وقال ابن بطال: هو مصدر ناوأت وهي المساواة ثم ذكر المعاداة عن كتاب "العين" (٢). الوزر: الثقل المثقل للظهر. وقوله: ("الجامعة الفاذة") يعني: جمعت أعمال البر كلها دقيقها وجليلها، وكذلك جمعت أعمال المعاصي، وفاذة: منفردة في معناها، ويقال: فاذة وفذة وفاذ وفذ، ومنه: "تفضل على صلاة الفذ" (٣). ومعنى ذَلِكَ أنها منفردة في عموم الخير والشر لا آية أعم منها، والمعنى أنه من أحسن إلى الحُمر رأى إحسانه في الآخرة، ومن أساء إليها وكلفها فوق طاقتها رأى إساءته في الآخرة.

стр. 10362

وقوله: ("لم ينزل عليَّ في الحمر إلا هذِه الآية" ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]: فيه تعليم منه لأمته الاستنباط والقياس، وكيف تفهم معاني التنزيل؛ لأنه شبه ما لم يذكر الله وهي الحمر مما ذكره، من عمل مثقال ذرة من خير، إذ كان معناهما واحدًا، وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا تحصيل له ولا فهم عنده؛ لأن هذِه الآية يدخل فيها مع الحمر جميع أفعال البر، ألا ترى إلى فهم عائشة وغيرها من الصحابة هذا المعنى من هذِه الآية حين تصدقوا بحبة عنب وقالوا: كم فيها من مثاقيل الذر. وفيه من الفقه: أن الأعمال لا يؤجر المرء في اكتسابها لاعبًا بها، وإنما يؤجر بالنية الخالصة في استعمال ما ورد الشرع بالفضل في علمه؛ لأنها خيل كلها، وقد اختلف أحوال مكتسبها لاختلاف النيات فيها. وفيه: أن الحسنات تكتب للمرء إذا كان له فيها سبب وأصل تفضلًا من الله على عباده المؤمنين؛ لأنه ذكر حركات الخيل ونقلها ورعيها وروثها، وأن ذَلِكَ حسنات للمجاهد.

стр. 10363

٤٩ - باب مَنْ ضَرَبَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الغَزْوِ ٢٨٦١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: سَافَرْتُ مَعَهُ في بَعْضِ أَسْفَارِهِ -قَالَ أَبُو عَقِيلٍ: لَا أَدْرِي غَزْوَةً أَوْ عُمْرَةً- فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلْنَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلَى أَهْلِهِ فَلْيُعَجِّلْ". قَالَ جَابِرٌ: فَأَقْبَلْنَا وَأَنَا عَلَى جَمَلٍ لِي أَرْمَكَ لَيْسَ فِيهِ شِيَةٌ، وَالنَّاسُ خَلْفِي، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ قَامَ عَلَيَّ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "يَا جَابِرُ اسْتَمْسِكْ". فَضَرَبَهُ بِسَوْطِهِ ضَرْبَةً، فَوَثَبَ البَعِيرُ مَكَانَهُ، فَقَالَ: "أَتَبِيعُ الجَمَلَ". قُلْتُ نَعَمْ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ المَسْجِدَ في طَوَائِفِ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ، وَعَقَلْتُ الْجَمَلَ فِي نَاحِيَةِ الْبَلَاطِ. فَقُلْتُ لَهُ هَذَا جَمَلُكَ. فَخَرَجَ، فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْجَمَلِ وَيَقُولُ: "الْجَمَلُ جَمَلُنَا". فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَاقٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: "أَعْطُوهَا جَابِرًا". ثُمَّ قَالَ: "اسْتَوْفَيْتَ الثَّمَنَ". قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: "الثَّمَنُ وَالْجَمَلُ لَكَ". [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ٦/ ٦٥] ذكر فيه حديث جابر السالف في الصلاة (وغيره) (١). و (أبوعقيل) بفتح العين، واسمه: بشير بن عقبة الدورقي الناجي. و (أبو المتوكل الناجي) اسمه (علي بن دواد) (٢)، وقيل: ابن داود. وقوله: (وأنا على جمل لي أرمك ليس فيه شية). الأرمك من الإبل: ما في لونه غبرة يخالطها سواد، وذلك اللون هو الرمك والرمكة، والجمل أرمك، وعبارة الأصمعي فيما حكاه أبو عبيد: إذا خالط

стр. 10364

حمرته سواد فتلك الرمكة، وبعير أرمك، وناقة رمكاء. وقال صاحب "العين": الرمكة: لون في وُرْقةٍ وسواد (١)، والوُرْقة شبه بالغبرة. وعن ابن دريد: الرمك كل شيء خالطت غبرته سوادًا كدرًا (٢). وفي "الكفاية": وقال حنيف الحناتم: العمرة صبرى، والرمكة: بهيا، والخوارة: غزرى، والصهباء: سرعى. وقيل: الرمكة: الرماد. وقال صاحب "المطالع": يقال: أربك بالباء الموحدة أيضا، والميم أشهر. وقوله: (ليس فيه شية). أي: لمعة من غير لونه. قَالَ صاحب "العين": الشية: لمعة من سواد أو بياض (٣). وعبارة غيره: بياض فيما يخالفه من الألوان، وكذلك السواد في البياض. وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١] لا عيب، وأصلها من الوشي، وهي محذوفة الفاء كما حذفت في دية وعدة، وجمعها شيات. وقوله: (إذ قام عليَّ). أي: الجمل، معناه: وقف من الإعياء والكلال، قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] أي: وقفوا. وفيه تفسير آخر، قَالَ أبو زيد: يقال: قام بي ظهري أي: أوجعني، وكل ما أوجعك من جسدك فقد قام بك، والمعنى متقارب. وفيه: المعونة في الجهاد لسوق الدابة وقودها، وقد رأي ﷺ رجلاً يحط رحل رجل ضعيف فقال: "ذهب هذا بالأجر". يعني المعين، وكذلك المعين في سوقها يؤجر عليه. وفيه: جواز إيلام الحيوان لما يصلحه والحمل عليها بعض ما يشق

стр. 10365

بها؛ لأنه جاء أنه أعيى فإذا ضرب (المعنى) (١) فقد كلف ما يشق عليه، وإذا صح هذا فكذا يجوز أن يكلف العبد والأمة بعض ما يشق عليهما إذا كان في طاقتهما ووسعهما، ويؤدبا على تقصيرهما فيما يلزمهما من الخدمة. وفيه: أن السلطان قد يتناول الضرب بيده؛ لأنه إذا ضرب الدابة فأحرى أن يضرب الإنسان الذي يعمل تأديبًا له. وفيه: بركة الشارع؛ لأنه ضربه فأحدث الله له بضربه قوة، وأذهب عنه الإعياء. قَالَ ابن المنذر: واختلفوا في المكتري يضرب الدابة فتموت، فقال مالك: إذا ضربها ضربًا لا تضرب مثله، أو حيث لا تقدر ضمن. وبه قَالَ أحمد وإسحاق وأبو ثور، قالوا: إذا ضربها (ضربا) (٢) يضرب صاحبها مثله ولم يتعد فليس عليه شيء. واستحسن هذا القول أبو يوسف ومحمد، وقال الثوري وأبو حنيفة: هو ضامن إلا أن يكون أمره أن يضرب. (٣) والقول الأول أولى كما قَالَ ابن بطال، وعليه يدل الحديث؛ لأنه ﷺ لم يضرب الجمل إلا مما يشبه أن يكون أدبًا له مثله ولم يقعد عليه، فكان ذَلِكَ مباحًا، فلو مات الجمل من ذَلِكَ لم يضمنه؛ لأنه لم يكن متعديًا، والضمان في الشريعة إنما يلزم بالتعدي (٤).
следующие страницы →