ويقال: فلان يستن الريح إذا كان على جهتها وممرها، وأهل الحجاز يقولون: يستنها، ويقال في مثل هذا: استنت الفصال حَتَّى القرعَى تضرب مثلًا للرجل الضعيف يرى الأقوياء يفعلون شيئًا فيفعل مثله (١).
والشَّرَف: ما ارتفع من الأرض.
وقوله: ("ولو أنها مرت بنهر .. ") إلى آخره. قيل: إنما ذَلِكَ لأنه وقت لا ينتفع بشربها فيه فيغتم لذلك فيؤجر، ويحتمل أن يريد أنه كره شربها من ماء غيره بغير إذن.
وقوله: ("ونواء") هو بكسر النون والمد، وقال الداودي: هو بفتح النون والقصر. وقال بعض أهل اللغة: هو بكسر النون والمد. وهذا الذي حكاه عن بعضهم هو قول جماعة منهم، قَالَ: النواء: المعاداة، يقال: ناوأت الرجل نواء ومناوأة: إذا عاديته؛ وأصله من ناء إليك ونؤت إليه. أي: نهضت إليه، ونهض لك. وقال ابن بطال: هو مصدر ناوأت وهي المساواة ثم ذكر المعاداة عن كتاب "العين" (٢).
الوزر: الثقل المثقل للظهر.
وقوله: ("الجامعة الفاذة") يعني: جمعت أعمال البر كلها دقيقها وجليلها، وكذلك جمعت أعمال المعاصي، وفاذة: منفردة في معناها، ويقال: فاذة وفذة وفاذ وفذ، ومنه: "تفضل على صلاة الفذ" (٣).
ومعنى ذَلِكَ أنها منفردة في عموم الخير والشر لا آية أعم منها، والمعنى أنه من أحسن إلى الحُمر رأى إحسانه في الآخرة، ومن أساء إليها وكلفها فوق طاقتها رأى إساءته في الآخرة.
стр. 10362
وقوله: ("لم ينزل عليَّ في الحمر إلا هذِه الآية" ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]: فيه تعليم منه لأمته الاستنباط والقياس، وكيف تفهم معاني التنزيل؛ لأنه شبه ما لم يذكر الله وهي الحمر مما ذكره، من عمل مثقال ذرة من خير، إذ كان معناهما واحدًا، وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا تحصيل له ولا فهم عنده؛ لأن هذِه الآية يدخل فيها مع الحمر جميع أفعال البر، ألا ترى إلى فهم عائشة وغيرها من الصحابة هذا المعنى من هذِه الآية حين تصدقوا بحبة عنب وقالوا: كم فيها من مثاقيل الذر.
وفيه من الفقه: أن الأعمال لا يؤجر المرء في اكتسابها لاعبًا بها، وإنما يؤجر بالنية الخالصة في استعمال ما ورد الشرع بالفضل في علمه؛ لأنها خيل كلها، وقد اختلف أحوال مكتسبها لاختلاف النيات فيها.
وفيه: أن الحسنات تكتب للمرء إذا كان له فيها سبب وأصل تفضلًا من الله على عباده المؤمنين؛ لأنه ذكر حركات الخيل ونقلها ورعيها وروثها، وأن ذَلِكَ حسنات للمجاهد.
стр. 10363
٤٩ - باب مَنْ ضَرَبَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الغَزْوِ
٢٨٦١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: سَافَرْتُ مَعَهُ في بَعْضِ أَسْفَارِهِ -قَالَ أَبُو عَقِيلٍ: لَا أَدْرِي غَزْوَةً أَوْ عُمْرَةً- فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلْنَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلَى أَهْلِهِ فَلْيُعَجِّلْ". قَالَ جَابِرٌ: فَأَقْبَلْنَا وَأَنَا عَلَى جَمَلٍ لِي أَرْمَكَ لَيْسَ فِيهِ شِيَةٌ، وَالنَّاسُ خَلْفِي، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ قَامَ عَلَيَّ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "يَا جَابِرُ اسْتَمْسِكْ". فَضَرَبَهُ بِسَوْطِهِ ضَرْبَةً، فَوَثَبَ البَعِيرُ مَكَانَهُ، فَقَالَ: "أَتَبِيعُ الجَمَلَ". قُلْتُ نَعَمْ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ المَسْجِدَ في طَوَائِفِ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ، وَعَقَلْتُ الْجَمَلَ فِي نَاحِيَةِ الْبَلَاطِ. فَقُلْتُ لَهُ هَذَا جَمَلُكَ. فَخَرَجَ، فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْجَمَلِ وَيَقُولُ: "الْجَمَلُ جَمَلُنَا". فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَاقٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: "أَعْطُوهَا جَابِرًا". ثُمَّ قَالَ: "اسْتَوْفَيْتَ الثَّمَنَ". قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: "الثَّمَنُ وَالْجَمَلُ لَكَ". [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ٦/ ٦٥]
ذكر فيه حديث جابر السالف في الصلاة (وغيره) (١).
و (أبوعقيل) بفتح العين، واسمه: بشير بن عقبة الدورقي الناجي.
و (أبو المتوكل الناجي) اسمه (علي بن دواد) (٢)، وقيل: ابن داود.
وقوله: (وأنا على جمل لي أرمك ليس فيه شية). الأرمك من الإبل: ما في لونه غبرة يخالطها سواد، وذلك اللون هو الرمك والرمكة، والجمل أرمك، وعبارة الأصمعي فيما حكاه أبو عبيد: إذا خالط
стр. 10364
حمرته سواد فتلك الرمكة، وبعير أرمك، وناقة رمكاء. وقال صاحب "العين": الرمكة: لون في وُرْقةٍ وسواد (١)، والوُرْقة شبه بالغبرة. وعن ابن دريد: الرمك كل شيء خالطت غبرته سوادًا كدرًا (٢). وفي "الكفاية": وقال حنيف الحناتم: العمرة صبرى، والرمكة: بهيا، والخوارة: غزرى، والصهباء: سرعى. وقيل: الرمكة: الرماد. وقال صاحب "المطالع": يقال: أربك بالباء الموحدة أيضا، والميم أشهر.
وقوله: (ليس فيه شية). أي: لمعة من غير لونه. قَالَ صاحب "العين": الشية: لمعة من سواد أو بياض (٣). وعبارة غيره: بياض فيما يخالفه من الألوان، وكذلك السواد في البياض. وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١] لا عيب، وأصلها من الوشي، وهي محذوفة الفاء كما حذفت في دية وعدة، وجمعها شيات.
وقوله: (إذ قام عليَّ). أي: الجمل، معناه: وقف من الإعياء والكلال، قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] أي: وقفوا. وفيه تفسير آخر، قَالَ أبو زيد: يقال: قام بي ظهري أي: أوجعني، وكل ما أوجعك من جسدك فقد قام بك، والمعنى متقارب.
وفيه: المعونة في الجهاد لسوق الدابة وقودها، وقد رأي ﷺ رجلاً يحط رحل رجل ضعيف فقال: "ذهب هذا بالأجر". يعني المعين، وكذلك المعين في سوقها يؤجر عليه.
وفيه: جواز إيلام الحيوان لما يصلحه والحمل عليها بعض ما يشق
стр. 10365
بها؛ لأنه جاء أنه أعيى فإذا ضرب (المعنى) (١) فقد كلف ما يشق عليه، وإذا صح هذا فكذا يجوز أن يكلف العبد والأمة بعض ما يشق عليهما إذا كان في طاقتهما ووسعهما، ويؤدبا على تقصيرهما فيما يلزمهما من الخدمة.
وفيه: أن السلطان قد يتناول الضرب بيده؛ لأنه إذا ضرب الدابة فأحرى أن يضرب الإنسان الذي يعمل تأديبًا له.
وفيه: بركة الشارع؛ لأنه ضربه فأحدث الله له بضربه قوة، وأذهب عنه الإعياء.
قَالَ ابن المنذر: واختلفوا في المكتري يضرب الدابة فتموت، فقال مالك: إذا ضربها ضربًا لا تضرب مثله، أو حيث لا تقدر ضمن. وبه قَالَ أحمد وإسحاق وأبو ثور، قالوا: إذا ضربها (ضربا) (٢) يضرب صاحبها مثله ولم يتعد فليس عليه شيء. واستحسن هذا القول أبو يوسف ومحمد، وقال الثوري وأبو حنيفة: هو ضامن إلا أن يكون أمره أن يضرب. (٣)
والقول الأول أولى كما قَالَ ابن بطال، وعليه يدل الحديث؛ لأنه ﷺ لم يضرب الجمل إلا مما يشبه أن يكون أدبًا له مثله ولم يقعد عليه، فكان ذَلِكَ مباحًا، فلو مات الجمل من ذَلِكَ لم يضمنه؛ لأنه لم يكن متعديًا، والضمان في الشريعة إنما يلزم بالتعدي (٤).
стр. 10366
٥٠ - باب الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ الصَّعْبَةِ وَالْفُحُولَةِ مِنَ الخَيْلِ
وَقَالَ رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ الْفُحُولَةَ مِنَ الخَيْلِ لأَنَّهَا أَجْرَى وَأَجْسَرُ.
٢٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ، فَرَكِبَهُ، وَقَالَ: "مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا". [مسلم: ٢٣٠٧ - فتح: ٦/ ٦٦]
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ، أنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ - صلي الله عليه وسلم - فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ، فَرَكِبَهُ، وَقَالَ: "مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا".
وقد سبق غير مرة، وأثر راشد حكاه غيره عن أنس عنهم.
و (أحمد) هذا هو ابن محمد بن موسى مردويه، كما قاله الحاكم، أو ابن محمد بن ثابت شبويه، كما قاله الدارقطني.
وفيه: أن ذكور الخيل أفضل للركوب من الإناث لشدتها وجُرْأَتِها، ومعلوم أن المدينة لم تخل من إناث الخيل، ولم ينقل أنه ﷺ ولا جملة أصحابه أنهم ركبوا غير الفحول، ولم يكن ذَلِكَ إلا لفضلها على الإناث، إلا ما ذكر عن سعد بن أبي وقاص أنه كان له فرس أنثى بَلْقَاء، نبه عليه ابن بطال (١)، وذكر سيف في "الفتوح": أنها التي
стр. 10367
ركبها أبو محجن حين كان عند سعد مُقَيَّدًا بالعراق، وفي "سنن الدارقطني": عن المقداد قَالَ: غزوت مع رسول الله ﷺ يوم بدر على فرس لي أنثى (١).
وروي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يقاتل إلا على أنثى؛ لأنها تدفع البول وهي تجري، والفحل يحبس البول في جوفه حَتَّى يَنْفَتِق؛ ولأن الأنثى أقل صهيلاً، وروى الوليد، عن إسماعيل، عمن أخبره، عن عبادة بن نسيًّ -أو ابن محيريز- أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات. ولما خفي من أمور الحرب، وكانوا يستحبون فحول الخيل في الصفوف والحصون (والمتستر) (٢) من العسكر، ولما ظهر من أمور الحرب، وكانوا يستحبون خصيان الخيل في الكمين والطلائع؛ لأنها أصبر وأبقى في الجهد، وروى أبو عبد الرحمن، عن معاذ بن العلاء، عن يحيى بن أبي كثير رفعه: "عليكم بإناث الخيل، فإن ظهورها عز وبطونها كنز". وفي لفظ: "ظهورها حرز".
وقوله: ("وإن وجدناه لبحرا") أي: واسع الجري كما سلف، و (إن) في قول الكوفيين بمعنى (ما) (٣)، والسلام بمعنى (إلا) وهي عند البصريين مخففة من الثقيلة.
стр. 10368
٥١ - باب سِهَامِ الفَرَسِ
٢٨٦٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أبي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلصَاحِبِهِ سَهْمًا. وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْهَم لِلْخَيْلِ وَالْبَرَاذِينِ مِنْهَا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] وَلَا يُسْهَمُ لأكثَرَ مِنْ فَرَسٍ. [٤٢٢٨ - مسلم: ١٧٦٢ - فتح: ٦/ ٦٧]
وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْهَمُ لِلْخَيْلِ وَالْبَرَاذِينِ مِنْهَا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] وَلَا يُسْهَمُ لأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ.
وذكر فيه حديث أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وأخرجه الدارقطني من حديث حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن عبيد الله، عن نافع .. فذكره، وفيه: للفارس سهمين وللراجل سهمًا (١).
ومن حديث ابن أبي شيبة: ثنا أبو أسامة وابن نمير قالا: ثَنَا عبيد الله، عن نافع بمثله (٢). قَالَ الرمادي: كذا يقول ابن نمير.
وقال أبو بكر النيسابوري شيخ الدارقطني: هذا عندي وَهَمٌ من ابن أبي شيبة أو من الرمادي؛ لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير بخلاف هذا.
قلتُ: ورواه ابن أبي عاصم عن ابن أبي شيبة كما سلف، ولفظه: جعل للفرس سهمين وللرجل سهمًا. ثم ساقه الدارقطني من حديث نعيم بن حماد، ثَنَا ابن المبارك عن عبيد الله، وفيه: أسهم للفارس
стр. 10369
سهمين وللراجل سهمًا. قَالَ أحمد بن منصور: كذا لفظ أبي نعيم عن ابن المبارك، والناس يخالفونه. قَالَ النيسابوري: لعل الوَهَمَ من نعيم (١). ورواه القعنبي عن ابن وهب عن عبيد الله بالشك في الفارس أو الفرس.
قَالَ ابن حزم: رواه عبيد الله بن عمر عن نافع بلفظ: جعل للفارس سهمين وللراجل سهمًا (٢).
وفي الباب أحاديث:
أحدها: حديث مُجمِّع بن جارية قَالَ: شهدت الحديبية وكان الجيش ألفًا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، وقسمت خيبر على أهل الحديبية فأعطى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - الفارس سهمين والراجل سهمًا. رواه أبو داود عن محمد بن يحيى عن مُجمِّع بن يعقوب بن مجمِّع: سمعت أبي، عن عمه عبد الرحمن بن زيد، عن مُجمِّع بن جارية، به.
قَالَ أبو داود: وحديث أبي معاوية أصح والعمل عليه. (يعني) (٣): أنَّ الوَهَمَ في حديث مجمع ثلاثمائة فارس، وإنما كانوا مائتين (٤)، كما في حديث أبي معاوية؛ ولهذا قال البيهقي: حديث مجمِّع خولف فيه، ففي حديث جابر أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وفي حديث صالح بن كيسان وبشير بن يسار: كان الخيل مائتي فرس (٥).
وأعلَّهُ ابن حزم بمجمِّع بن يعقوب؛ فقال: مجهولان (٦)؛ وأخطأ
стр. 10370
فمجمِّع روى عنه جماعة، منهم قتيبة والقعنبي، ووثقوه، منهم ابن معين، وأبوه روى عنه ابن أخيه أيضًا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمِّع، وعبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (١).
ثانيها: حبيب بن أبي عمرة، عن أبيه. قَالَ: أتينا النبي - صلي الله عليه وسلم - أربعة نفر، فأعطى كل إنسان منا سهما وأعطى الفرس سهمين أخرجه أبو داود من حديث عبد الرحمن المسعودي، عن ابن أبي عمرة، عن أبيه به (٢)، وأخرجه الدارقطني من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبيه، عن جده بشير بن عمرو بن محصن قَالَ: أسهم لي النبي ﷺ لفرسي أربعة أسهم ولي سهمًا، فأخذت خمسة (٣).
ثالثها: حديث يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده قَالَ: ضرب رسول الله - صلي الله عليه وسلم - عام خيبر للزبير أربعة أسهم: سهم للزبير، وسهم لصفية، وسهمين للفرس. رواه النسائي من حديث يحيى به (٤)، ورواه الدارقطني من حديث إسماعيل بن عياش، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير (٥).
رابعها وخامسها: رواه أحمد من حديث ياسين بن معاذ، عن الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر وطلحة بن عبيد الله والزيير قالوا: كان رسول الله ﷺ يسهم للفرس سهمين.
سادسها: رواه الدارقطني من حديث أبي الوليد بن برد الأنطاكي: ثَنَا
стр. 10371
الهيثم بن جميل: ثَنَا قيس: ثَنَا محمد بن علي السلمي، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي حازم مولى أبي رهم قَالَ: غزونا أنا والنبي ﷺ أنا وأخي ومعنا فرسان، فأعطانا ستة أسهم: أربعة لفرسينا وسهمين لنا (١).
سابعها: رواه الدارقطني أيضًا من حديث محمد بن الحسين الحنيني: ثَنَا معلي بن أسد: ثَنَا محمد بن حمران، عن عبد الله بن بسر، عن أبي كبشة الأنماري قَالَ: لما فتح رسول الله ﷺ قَالَ: "إني جعلت للفرس سهمين وللفارس سهمًا، فمن نقصهما نقصه الله -جل وعز-" (٢).
ثامنها: رواه أيضًا من حديث قريبة بنت عبد الله، عن أمها بنت المقداد، عن ضباعة بنت الزبير، عن المقداد قَالَ: أسهم لي رسول الله ﷺ يوم بدر سهمًا ولفرسي سهمين (٣).
تاسعها: رواه أيضًا من حديث يحيى بن أيوب قَالَ: قَالَ لي إبراهيم عن كثير مولى بني مخزوم، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قسم لمائتي فرس (بحنين) (٤) سهمين سهمين (٥).
عاشرها: رواه أيضًا من حديث محمد بن يزيد بن سنان: ثَنَا أبي: ثَنَا هشام بن عروة، عن أبي صالح، عن جابر قال: شهدت مع رسول الله ﷺ غزاة فأعطى الفارس منا ثلاثة أسهم، وأعطى الراجل سهمًا (٦).
стр. 10372
الحادي عشر: رواه أيضًا من حديث الواقدي: ثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، عن جده أنه شهد حنينًا مع رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فأسهم لفرسه سهمين وله سهمًا.
قَالَ محمد بن عمر: وحَدَّثنَا أبو بكر بن يحيى بن النضر، عن أبيه أنه سمع أبا هريرة يقول: أسهم رسول الله - صلي الله عليه وسلم - للفرس سهمين ولصاحبه سهما (١)، وهذا هو الثاني عشر.
الثالث عشر: رواه البيهقي من حديث الزنبري عن مالك عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قَالَ: أعطى النبي - صلي الله عليه وسلم - الزبير يوم (حنين) (٢) أربعة أسهم: سهمين للفرس، وسهمًا له، وسهمًا للقرابة، ثم قَالَ: هذا من غرائب الزنبري عن مالك، وإنما يعرف بإسناد يحيى بن عبد الله بن الزبير يعني السالف. قَالَ: وفيه كفاية (٣).
وفي "مراسيل أبي داود" من حديث عبد العزيز بن رفيع، عن رجل من أهل مكة أن النبي - صلي الله عليه وسلم - قسم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهمًا، وللدارع سهمين (٤).
إذا تقرر ذَلِكَ؛ قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] ورسوله قد قسم للفارس ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه، واتباعه وطاعته فرض، وكذا فعله عمر بن الخطاب وعلي، ولا مخالف لهما من الصحابة، وهو قول عامة العلماء قديمًا، وحَديثًا غير أبي حنيفة فإنه قَالَ: لا يسهم للفرس إلا سهم واحد، وقال: أكره
стр. 10373
أن أفضل بهيمة على مسلم. وخالفه أصحابه، فبقي وحده، وخالفه العلماء الثلاثة: الشافعي ومالك وأحمد، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن (١)، وذكر المنذري أن قوله روي عن علي وأبي موسى.
وقال ابن حزم: روى ليث عن الحكم أن أول من جعل للفرس سهمين عمر بن الخطاب (٢).
قَالَ ابن سحنون: ما أرى أن يدخل قول أبي حنيفة هذا في الاختلاف لمخالفته جميع العلماء (٣)، وما ذكره من تفضيل الفرس على المسلم شبهة ضعيفة؛ لأن السهام كلها في الحقيقة للرجل، وحجته رواية المقداد أنه ﷺ أعطاه يوم بدر سهمًا له وسهمًا لفرسه، وجوابه أن ما سلف أكثر، فهو أولى، ولأنه متأخر (فهو) (٤) ينسخ المتقدم، ذكره ابن التين.
وما نقله البخاري عن مالك هو في "موطئه" بزيادة: والبراذين والهَجِين من الخيل إذا أجازها الوالي (٥). وبقول مالك يقول أبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور أنه يسهم للبراذين والهجين؛ لأنها من الخيل فيسهم (لها) (٦)(٧).
وقال الليث: لهما سهم دون سهم الفرس ولا يلحقان بالعراب.
стр. 10374
وقال ابن المناصف: وأول من أسهم للبِرْذَوْن رجل من هَمْدَان يقال له: المنذر الوادِعي، وكتب بذلك إلى عمر فأعجبه، فجرت سنة للخيل والبراذين، وفي ذَلِكَ يقول شاعرهم:
ومِنَّا الذي قَدْ سَنَّ في الخيل سُنَّةً … وكانت سواءً قبلَ ذاك سهامُها
وفي "مراسيل أبي داود" عن مكحول أنه ﷺ هجن الهجين يوم خيبر وعرب العربي، للعربي سهمان، وللهجين سهم (١).
قَالَ عبد الحق: وروي موصولاً بزيادة زياد بن (جارية) (٢) عن حبيب بن (سلمة) (٣) مرفوعًا، والمرسل أصح (٤)، وروى مكحول: أول من أسهم للبرذون خالد بن الوليد، قسم لها نصف سهمان الخيل، وبه قَالَ أحمد. قَالَ ابن المناصف: وروي أيضًا عن الحسن.
وقال مكحول: لا شيء للبراذين، وهو قول الأوزاعي (٥).
قَالَ ابن حزم (للراجل) (٦) وراكب البغل والحمار والجمل سهم واحد فقط، وهو قول مالك والشافعي وأبي سليمان.
وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان: له سهم ولفرسه أو لسائر ما ذكرنا سهم، (وهو قول أبي موسى الأشعري. وقال أحمد: للفارس ثلاثة أسهم) (٧)، ولراكب البعير سهمان (٨)، واحتج مالك في "الموطأ" بالآية السالفة (٩).
стр. 10375
واسم الخيل يقع على الهجين والبراذين، وهي تغني غناها في كثير من المواضع، فمن زعم فرقا بينهما فعليه الدليل، واحتج مالك أيضًا بقول سعيد بن المسيب أنه سئل: هل في البراذين صدقة؟ قَالَ: وهل في الخيل صدقة (١)؟
وذهب مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي إلى أنه لا يسهم لأكثر من فرس الذي يقاتل عليه، وبه قَالَ أهل الظاهر. وقال الثوري والأوزاعي وأبو يوسف والليث وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين. وهو قول ابن وهب وابن الجهم من المالكية، ونقله ابن أبي عاصم عن الحسن ومكحول وسعيد بن عثمان. قَالَ ابن الجهم: أنا بريء من قول مالك، فإنه لم (يشاهد فيشاهد) (٢) الحال، ولعله ذهب هذا عليه (٣).
قَالَ القرطبي: فلم يقل أحد: إنه يسهم لأكثر من فرسين إلا شيئًا روي عن سليمان بن موسى الأشدق قَالَ: يسهم لمن عنده أفراس، لكل فرس سهمان، وهو شاذ (٤).
وحجة القول الأول أنهم أجمعوا على أن سهم فرس واحد يجب مع ثبوت الخبر بذلك عن رسول الله، فثبت القول به إذ هو سُنة وإجماع، ووجب التوقف عن القول بأكثر من ذَلِكَ إذ لا حجة مع القائلين به، وعن مالك فيما ذكره ابن المناصف: إذا كان المسلمون في سفن
стр. 10376
فلقوا العدو فغنموا، أنه يضرب للخيل التي معهم في السفن بسهمهم، وهو قول الشافعي والأوزاعي وأبي ثور.
وقال بعض الفقهاء: القياس أنه لا يسهم لها.
واختلف في الفرس يموت قبل حضور القتال، فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: لا يسهم له إلا إذا حضر القتال. (١)
وقال مالك وابن القاسم وأشهب وعبد الملك بن الماجشون: بالإدراب يستحق الفرس الإسهام. وإليه ذهب ابن حبيب، (قَالَ) (٢): ومن حطم فرسه أو كسر بعد الإيجاف أسهم له. قَالَ مالك: ويسهم للرهيص من الخيل وإن لم يزل رهيصًا من حين دخل إلى (حين) (٣) خرج بمنزلة الإنسان المريض (٤)، وقاله ابن الماجشون وأشهب وأصبغ.
وقال اللخمي: وروي عن مالك أنه لا يسهم للمريض من الخيل. (٥)
وقال الأوزاعي في رجل دخل دار الحرب بفرسه ثم باعه من رجل دخل دار الحرب راجلاً، وقد غنم المسلمون غنائم قبل شرائه وبعده أنه يسهم للفرس فما غنموا قبل الشراء للبائع، وما غنموا بعد الشراء فسهمه للمشتري، فما اشتبه من ذَلِكَ قسم بينهما. وبه قَالَ أحمد وإسحاق. (٦)
قَالَ ابن المنذر: وعلى هذا مذهب الشافعي إلا فيما اشتبه، فمذهبه أن يوفر الذي أشكل من ذَلِكَ بينهما حَتَّى يصطلحا (٧).
стр. 10377
وقال أبو حنيفة: إذا دخل أرض العدو غازيًا راجلًا ثم ابتاع فرسًا يقاتل عليه وأحرزت الغنيمة وهو فارس، أنه لا يضرب له إلا بسهم راجل (١).
فائدة:
في قسمته ﷺ للفرس سهمين حض على إكساب الخيل واتخاذها، لما جعل الله فيها من البركة في إعلاء (كلمة الله) (٢) وإعزاز حزبه، وليعظم شوكة المسلمين بالخيل الكثير. قَالَ تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فائدة:
(البرذون) (٣) كما قَالَ ابن حبيب هو: العظيم. يريد: الجافي الخلقة العظيم الأعلى، وليست العراب كذلك فإنها أضمر وأرق أعضاء وأعلى خلقة. قَالَ ابن التين: والمعروف من قول مالك أن البراذين كالخيل. وقد سلف ذلك.
وقال ابن حبيب: إذا اشتبهت الخيل في القتال عليها والطلب أسهم لها. قَالَ في "المعونة": لأنها (تراد للشعاب) (٤) والجبال بخلاف الخيل، والهجين، والبراذين: خيل الروم والفرس (٥).
قَالَ غيره: وهو الذي أبوه نبطي وأمه نبطية.
قَالَ ابن فارس: اشتقاق البرذون من برذن الرجل برذنة إذا ثقل (٦).
стр. 10378
وقال مكحول والأوزاعي: لا يسهم إلا للعربي، وهي عند مالك كالخيل كما سلف.
واستدلال مالك بالآية لأن اسم الخيل جِ يتناول البراذين؛ لأنه تعالى قَالَ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] فكأنه تعالى استوعب ذكر جميع الحيوان المشار إلى ركوبه والحمل عليه لتعدد النعمة منه علينا، فذكر الأنعام وما يحمل عليه منها ثم ذكر الثلاثة، فكأنه استوعب هذا الجنس ولم يذكر البراذين ولا الهجين، فدل على أن اسم الخيل يتناولها (١). وقيل: في قول مالك: (يسهم للخيل، والبراذين منها). أن حكمهما واحد وإن لم يتناولها اسم الخيل لقوله ﷺ : "إن الأشعريين إذا (أملقوا) (٢) جمعوا أزوادهم فتساووا فيها، فهم مني وأنا منهم" (٣)، لم يرد أنه منهم في النسب ولا أنهم من قريش، وإنما أراد أن خلقهم في المساواة أقرب إلى خلقه العظيم (٤).
وفي موضع آخر: قال إسرائيل وزهير: نزل رسول الله ﷺ عن بغلته (١)، وفي رواية قال البراء: رجل من قيس (٢).
ثم الكلام عليه من وجوه:
أحدها: (حنين) بالحاء المهملة: وادٍ بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب الطائف قاله الواقدي.
وقال البكري: بضعة عشر ميلاً، والأغلب فيه التذكير؛ لأنه اسم ماء، وربما أنثته العرب جعلته اسمًا للبقعة، وهو وراء عرفات، سمي بحنين بن قانية بن مهلاييل (٣).
وقال الزمخشري: هو إلى جَنْبِ ذِي المَجَازِ، وتأتي في الغزوات، وكانت سنة ثمان، وسببها أنه لما أجمع ﵇ على الخروج من مكة لنصرة خزاعة أتى الخبر إلى هوازن أنه يريدهم، فاستعدوا للحرب حتى أتوا سوق ذي المجاز فسار ﵇ حتى أشرف على وادي حنين مساء ليلة الأحد، ثم صابحهم يوم الأحد نصف شوال.
ثانيها: قوله: (ولكن رسول الله ﷺ لم يفر) هذا معلوم من حاله وحال الأنبياء؛ لفرط إقدامهم وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله في رغبتهم في الشهادة ولقائه، ولم يثبت عن واحد منهم -والعياذ بالله- أنه فر، ومن قال ذلك في رسول الله ﷺ قتل، ولم يستتب عند مالك؛ لأنه صار بمنزلة من قال: إنه كان أسودَ أو أعجميًّا؛ لإنكاره ما علم من وصفه قطعًا وذلك كُفْرٌ.
стр. 10381
قال القرطبي: وحُكِيَ عن بعض أصحابنا الإجماعُ على قتل من أضاف إليه نقصًا أو عيبًا، وقيل: يستتاب فإن تاب وإلا قتل (١).
وقال ابن بطال: من زعم أنه انهزم فقد رماه بأنه كذب وحي الله بالعصمة من الناس، فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه كافر إن لم يتأول ويعذر بتأويله، وستكون لنا عودة إليه قريبًا في باب: من صف أصحابه عند الهزيمة (٢).
والذين فروا يومئذ إنما فتحه عليهم من كان في قلبه مرض من مسلمة الفتح المؤلفة ومشركيها، والذين لم يكونوا أسلموا، والذين خرجوا لأجل الغنيمة، وإنما كانت هزيمتهم فجأة.
ثالثها: ركوبه يومئذ بغلتَهُ البيضاءَ هو النهاية في الشجاعة والثبات، لاسيما في نزوله عنها وتقدمه يركض على بغلته إلى جمع المشركين حين فر الناس، وليس معه إلا اثنا عشر نفرًا، وكان العباس وأبو سفيان -كما ذكر هنا، وهو ابن الحارث كما سيأتي- آخذين بلجامها يمنعانها، ففي مسلم: كانت بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة (٣)، وفي لفظ: كانت شهباء (٤).
وعند ابن سعد: كان راكبا دلدل التي أهداها له المقوقس (٥).
стр. 10382
فيجوز أن يكون ركوبه متعددًا بعد أن نزل.
رابعها: قوله: ("أنا النبي لا كذب") كان بعض العلماء يرويه "لا كذبَ" بنصب الباء ليخرجه عن وزن الشعر، حكاه ابن التين، وقد قيل: إنما قيل: أنت النبي لا كذب، أنت ابن عبد المطلب فقال حكايته قولهم "أنا النبي لا كذب".
وفيه: إثبات النبوة، أي: أنا ليس بكاذب فيما أقول، فيجوز عليّ الانهزام، وإنما ينهزم من ليس على يقين من النصرة وهو على خوف من الموت، والشارع على يقين من النصرة مما أوحى الله إليه في كتابه وأعلمه أنه لابد له من كمال هذا الأمر، فمن زعم بعد هذا أنه انهزم فقد رماه بأنه كذب وحي الله أن الله يعصمه، وقد سلف حكمه.
خامسها: إن قلت: نهى عن الافتخار بالآباء وقال هنا ما قال، قلت: عنه قولان:
أحدهما: أنه أشار بذلك إلى رؤية رآها عبد المطلب دالة على نبوته مشهورة عند العرب فأخبر بها قريشًا، فعبرت بأن سيكون له ولد يسود الناس ويهلك أعداؤه على يديه، وكان أمر تلك الرؤيا مشهورة في قريش، فذكرهم بقوله هذا أمر تلك الرؤيا؛ ليقوى بذلك من انهزم من أصحابه فيرجعوا وليثقن بأن الظفر لهم.
ثانيها: أنه أشار بذلك إلى خبر نقل عن سيف بن ذي يزن أنه أخبر عبد المطلب وقت وجوده، وأنه في جماعة قريش وهو أن يكون في ولده.
وعنه: جواب ثالث: لشهرة جده فإنها أكبر من شهرة والده؛ لأنه توفي شابًّا في حياة أبيه، وكان كثيرا ما ينسب إليه عملًا بالعادة في الشهرة؛ ولهذا قال ضمام بن ثعلبة لما وفد عليه قال: أيكم ابن
стр. 10383
عبد المطلب (١)؟
سادسها: فيه: خدمة السلطان في الحرب، وسياسة دوابه لأشراف الناس من قرابته وغيرهم.
وفيه: جواز الانتماء في الحرب، وإنما كره من ذلك ما كان على وجه الافتخار في غير الحرب؛ لأنه رخص في الخيلاء فيه مع نهيه عنهما في عرفنا، وفي الترمذي محسنًا عن ابن عمر: لقد رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين موليتين وما مع رسول الله ﷺ إلا مائة رجل (٢).
ولعله عند البلاء حق كما قال ابن إسحاق، وعند الزبير ممن ثبت منهم يومئذ عتبة ومعتب ابنا أبي لهب. ولابن إسحاق: وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وأبو بكر وعمر وعلى والفضل بن العباس وأسامة وقثم بن العباس وأيمن بن أم أيمن -وقتل يومئذ- وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (٣)، وعقيل بن أبي طالب فيما ذكره ابن الأثير (٤)، وأم سليم أم أنس بن مالك. قال العباس:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة … وقد فر من قد فر عنه وأقشعوا
وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه … لما مسه في الله لا يتوجع
ويروى: سبعة وثامننا.
وقال العباس -فيما رواه ابن أبي عاصم في "الجهاد"- شهد النبي ﷺ يوم حنين وما معه إلا أنا وأبو سفيان (٥).
стр. 10384
فإن قلتَ: كيف فر القوم، وهو كبيرة؟
قلتُ: ذاك أن ينوي عدم العود عند وجدان القوة، وأما من تحيز إلى فئة أو كان فراره لكثرة عدد العدو أو نوى العود إذا أمكنه فلا محذور فيه ولا داخل في الوعيد، ولقد قال تعالى في حق هؤلاء: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦].
وفيه: جواز الأخذ بالشدة، والتعرض للهلكة في سبيل الله؛ لأن الناس فروا عن رسول الله ﷺ ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً، والمشركون في أضعافهم عددًا جرارًا كثيرًا فلزموا مكانهم ومصافهم، ولم يأخذوا بالرخصة من الفرار.
وفيه: ركوب البغال في الحرب للإمام كما سلف؛ ليكون أثبت له؛ ولئلا يظن به الأستعداد للفرار والتولي، وهو من باب السياسة لنفوس الأتباع؛ لأنه إذا ثَبَتَ ثَبَتَ أتباعه، وإذا ربي منه العزم على الثبات عزم معه عليه.
стр. 10385
٥٣ - باب الرِّكَابِ وَالْغَرْزِ لِلدَّابَّةِ
٢٨٦٥ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الغَرْزِ وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ. [انظر: ١٦٦ - مسلم: ١١٨٧، ١٢٦٧ - فتح: ٦/ ٦٩]
ذكر فيه حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الغَرْزِ وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ. وقد سلف في الحج (١).
والغرز للرحل بمنزلة الركاب للسرج؛ ليستعين به الراكب عند ركوبه ويعتمد عليه وهو شيء قديم معروف عندهم، وهذا يفسر ما جاء عن عمر -أنه قال: اقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبًا (٢) - أنه لم يرد بذلك منع إيجاد الركب أصلاً وإنما أراد به تمرينهم وتدريبهم على ركوب الخيل؛ حتى يسهل عليهم ذلك من غير استعانة بالركب، لا أنه أراد منع الركب البتة؛ لأنه ﵇ اتخذها واستعان بها في ركوبه.
٥٥ - باب الفَرَسِ القَطُوفِ
٢٨٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ كَانَ يَقْطِفُ -أَوْ كَانَ فِيهِ قِطَافٌ- فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: "وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرًا". فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى. [انظر: ٢٦٢٧ - مسلم: ٢٣٠٧ - فتح ٦/ ٧٠]
وساق فيه حديث أنس أيضًا أَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ رسول الله ﷺ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ كَانَ يَقْطِفُ -أَوْ كَانَ فِيهِ قِطَافٌ- فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: "وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هذا بَحْرًا". فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارى. وقد سلف.
وركوبه الفرس عريًا من باب التواضع.
وفيه: رياضة وتدريب للفروسية، ولا يفعله إلا من أحكم الركوب.
وفيه: أنه يجب على الفارس أن يتعهد صنعته، ويروض طباعه عليها لئلا يثقل إذا احتاج إلى نفسه عند الشدائد.
وفيه: تعليق السيف في العنق.
ومعنى (يقطف): يقارب الخطو في سرعته، ودابة قطوف: بينة القطاف، وهو ضد الوساع، يقال: قطفت الدابة: أبطأت السير مع تقارب الخطو فهي قطوف.
وفيه: أن الإمام لا بأس أن يركب دون الدواب ليروضها ويؤدبها حتى تمرن على تأديبه، وذلك من التواضع.
وفيه: بركة الشارع؛ لأن ركوب الفرس أزال عنه اسم البطء والقطاف وسار لا يجارى بعد ذلك أي: لا يسابق لشدة سرعته، فهذِه من علامات نبوته.
стр. 10388
٥٦ - باب السَّبْقِ بَيْنَ الخَيْلِ
٢٨٦٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ -قَالَ: أَجْرَى النَّبِيُّ ﷺ مَا ضُمِّرَ مِنَ الخَيْلِ مِنَ الحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَجْرَى مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرَى. قَالَ عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ. قَالَ سُفْيَانُ: بَيْنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ، وَبَيْنَ ثَنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ. [انظر: ٤٢٠ - مسلم: ١٨٧٠ - فتح: ٦/ ٧١]
ذكر فيه حديث ابن عمر من ثلاثة طرق في ثلاثة أبواب: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَجْرى النَّبِيُّ ﷺ مَا ضُمِّرَ مِنَ الخَيْلِ مِنَ الحَفْيَاءِ إلى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وَأَجْرى مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إلى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ. وقَالَ ابن عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرى. قَالَ عَبْدُ اللهِ: عن سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ. قَالَ سُفْيَانُ: بَيْنَ الحَفْيَاءِ إلى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ، وَبَيْنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ.
هذا الحديث سبق في أحكام المساجد في باب هل يقال: مسجد بني فلان، ثم ترجم عليه هنا:
٥٨ - باب غَايَةِ السَّبْقِ لِلْخَيْلِ الْمُضَمَّرَةِ
٢٨٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَابَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ فَأَرْسَلَهَا مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ -فَقُلْتُ لِمُوسَى: فَكَمْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ- وَسَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ، فَأَرْسَلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَانَ أَمَدُهَا مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ، قُلْتُ: فَكَمْ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ سَابَقَ فِيهَا. [انظر: ٤٢٠ - مسلم: ١٨٧٠ - فتح: ٦/ ٧٢]
ثم ساقه: حَدَّثنَا عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُعَاوِيَةُ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ. فذكره، قال ابن عقبة في الأول: بين ذلك ستة أميال، أو سبعة، وتضمير الخيل أن تدخل في بيت وينقص من علفه ويخلل حتى يكثر عرقه فينقص لحمه، فيكون أقوى لجريه، وقيل: ينقص علفه ويخلل بخل مبلول.
وفيه: تجويع البهائم على وجه الإصلاح عند الحاجة إلى ذلك، وإنما سابق ﵇ ليعلم الناس إجراء الخيل لملاقاة العدو، وجعل بعضهم المسابقة سنة، وبعضهم أباحه.
وفيه: جواز المسابقة بينها وذلك مما خص به، وخرج من باب القمار بالسنة، وكذلك هو خارج من باب تعذيب البهائم؛ لأن الحاجة إليها تدعو إلى تأديبها وتدريبها.
وفيه: رياضة الخيل المعدة للجهاد، ومسابقة الأميال، والميل من الأرض: قدر مد البصر. كما قال ابن فارس (١)، والأمد الغاية التي ينتهى إليها من موضع أو وقت.
стр. 10391
و (الحفياء) بالحاء المهملة، ثم فاء، ثم ياء: موضع خارج المدينة.
و (الثنية): الجبل وترى عن بعد.
و (بنو زريق) -بتقديم الزاي على الراء- قبيل من الأنصار.
و (ثنية الوداع) مما يلي من طريق مكة (١) وهو خارج المدينة.
وبوب إضمار الخيل للسبق ولم يأت في الباب بذكر الإضمار، ويجاب بأنه أشار بطرق من الحديث إلى بقيته، وأحال على سائره؛ لأن تمام الحديث: سابق بين الخيل التي ضمرت وبين الخيل التي لم تضمر؛ وذلك كله موجود في حديث واحد فلا حرج عليه في تبويبه.
قال ابن المنير: البخاري يترجم على الشيء من الجهة العامة، فقد يكون بائنًا وقد يكون متفهمًا، فمعنى الترجمة أنه هل هو شرط أم لا؟ فبين أنه ليس بشرط؛ لأنه ﵇ سابق بها مضمرة وغير مضمرة، وهذا أقعد بمقاصد البخاري (٢).
قال الأخفش: كان أهل المدينة يوادعون الحاج إليها، أي: إلى ثنية الوداع، فإن أراد أن ذلك كان في الجاهلية فهو كما قال، وإلا فليس كذلك؛ لأنه لما قدم ﵇ مهاجرًا إلى المدينة تلقته الأنصار يرتجزون:
طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا … ما دعا لله داع
وفيه: أن المسابقة بين الخيل يجب أن يكون أمدادها معلومًا، وأن تكون الخيل متساوية الأحوال أو متقاربة، وأن لا يسابق المضمر مع
стр. 10392
غيره، وهذا إجماع من العلماء؛ لأن صبر الفرس المضمر المجوع في الجري أكثر من صبر المعلوف؛ ولذلك جعلت غاية المضمرة ستة أميال أو سبعة وجعلت غاية المعلوفة ميلًا واحدًا.
واختلف العلماء في صفة المسابقة، فقال سعيد بن المسيب: ليس بِرِهان الخيل بأسٌ إذا أدخل فيها محلل لا يأمنان أن يسبق، فإن سبق أخذ السبق، وإن سُبق لم يكن عليه شيء (١).
وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: إذا أدخل فرشا بين فرسين وقد أمن من أن يسبق فهو قمار لا يجوز.
وقال مالك: ليس عليه العمل، وفسر العلماء قول سعيد أن معنى دخول المحلل بينهم؛ للخروج عن معنى القمار المحرم فيجعل عنده كل واحد من المتراهنين سبقا فمن سبق منهما أخذ السبقين جميعاً، وكذلك إن سَبَق المحلل أخذهما، وإن سُبِقَ لم يؤخذ منه شيء، ولا يقول مالك بالسبق بالمحلل، وإنما يجوز عنده أن يجعل الرجل سبقه ولا يرجع إليه بكل حال كسبق الإمام، فمن سبق كان له، وإن أجرى جاعل السبق معه فسبق هو كان للمصلي، وهو الذي يليه إن كانت خيلًا كثيرة، وإن كانا فرسين فسبق جاعل السبق فهو طعمة لمن حضر، وإن سبق الآخر أخذه، وهو قول ربيعة وابن القاسم، وروى ابن وهب عن مالك أنه أجاز أن يشترط واضع السبق أخذ السبق، وإن سبق هذا أخذ سبقه، وبه أخذ أصبغ وابن وهب. قال ابن المواز: وكراهة مالك المحلل إنما هو على قوله أنه يجب إخراج السبق بكل حال، وفي قياس قوله الآخر أنه جائز، وبه أقول، وهو
стр. 10393
قول ابن المسيب وابن شهاب، وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي: الإسباق على (مالك) (١) أربابها، وهم فيها على شروطهم، ولا يجوز أن يملك السبق إلا بالشرط المشروط فيه، فإن لم يكن ذلك انصرف السبق إلى من جعله.
وقال محمد بن الحسن في أصحابه: إذا جعل السبق واحد فقال: إن سبقتني ذلك كذالأولم يقل: إن سبقتك فعليك كذا فلا بأس به، ويكره أن يقول: إن سبقتك فعليك كذا، وإلا فعلي كذا، هذا لا خير فيه، وإن قال رجل غيرهما: أينما سبق فله كذا، فلا بأس به، وإن كان بينهما محلل إن سُبق لم يغرم، وإن سَبَق أخذ فلا بأس به، وذلك إذا كان يَسبق ويُسبق. قالوا: وما عدا هذِه الأشياء فهي قمار (٢).
стр. 10394
٥٩ - باب نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ -
قَالَ ابْنُ عُمَرَ أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ عَلَى الْقَصْوَاءِ. وَقَالَ المِسْوَرُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ".
٢٨٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهَا: العَضْبَاءُ. [٢٨٧٢ - فتح: ٦/ ٧٣]
٢٨٧٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ لَا تُسْبَقُ -قَالَ حُمَيْدٌ: أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ- فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى عَرَفَهُ، فَقَالَ: "حَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ وَضَعَهُ". طَوَّلَهُ مُوسَى عَنْ حَمَّادٍ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٢٨٧١ - فتح: ٦/ ٧٣].
ثم ساق حديث أنس: كَانَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهَا: العَضْبَاءُ.
وعنه قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةٌ تُسَمَّى العَضْبَاءَ لَا تُسْبَقُ -قَالَ حُمَيْدٌ: أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ- فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ، فَقَالَ: "حَقُّ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَئ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ". طَوَّلَهُ مُوسَى، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ.
الشرح:
التعليق الأول أخرجه ابن منده أبو زكريا يحيى من طريق عاصم بن عبد الله، عن سالم، عن أبيه، فذكره من غير ذكر القصواء. والثاني سلف، وحديث أنس من أفراده، وأخرجه أبو داود في الأدب (١).
و ("القصواء") بفتح القاف وبالمد، قال ابن التين: ضبطت بالضم
стр. 10395
والقصر، وهي عند أهل اللغة بالفتح والمد. قال الداودي: سميت بذلك؛ لأنها كانت غايةً في الجَرْي، قال: وآخر كل شيء أقصاه. والذي عند أهل اللغة أنها المقطوعة الأذن. قال صاحب "المطالع": هي المقطوعة ربع الأذن، والقَصْرُ خطأٌ، وهي التي هاجر عليها ﵇ ويقال لها: العضباء، ابتاعها الصديق من نعم بني الحريش.
والجدعاء: وكانت شهباء، وكان لا يحمله إذا نزل عليه الوحي غيرها، وتسمى أيضًا الحناء والسمراء والعريس والسعدية والبغوم واليسيرة والرياء (١) وبردة والمروة والجعدة ومهرة والشقراء. قال أبو العباس في كتاب "المعجمين" عن أنس: خطبنا النبي ﷺ على ناقته العضباء وليست بالجدعاء، وذكر حديثا.
وفي "المحكم" العضباء: حذف في طرف أذن الناقة والشاة، وهو أن يقطع منه شيء قليل، وقد قصاها قَصْوًا وقَصَّاهًا، وناقة قصواء ومقصوة وجمل مقصو وأقصى. وأنكر بعضهم أقصى، وقال اللحياني: بعير أقصى ومقصى ومقصوة، وناقة قصواء ومقصاة ومقصوة: مقطوعة طرف الأذن، والقصية من الإبل: الكريمة التي لا تجهد في حلب ولا حمل. وقيل: القصية من الإبل رذالتها (٢). عن ثعلب.
وقال الجوهري: كانت ناقة لم تكن مقطوعة الأذن (٣).
وجزم ابن بطال بأن القصواء من النوق التي في أذنها حذف، يقال منه: ناقة قصواء وبعير مقصى، ولا يقاكْ: بعير أقصى. قال: وذكر الأصمعي في الناقة أنه يقال منها قصوة (٤).
стр. 10396
والقعود من الإبل: ما يقتعده الإنسان للركوب والحمل. وعبارة ابن بطال أنه الجمل المسن (١)، قال الأزهري: ولا يكون إلا المذكر، ولا يقال للأنثى قعودة. قال: وأخبرني المنذري أنه قرأ بخط أبي الهيثم ذكر الكسائي، (أنه) (٢) سمع من يقول: قعودة للقلوص، والذكر قعود. قال: وهما عند الكسائي من نوادر الكلام الذي سمعه من بعضهم، وكلام أكثر العرب على غيره (٣).
وجمع القعود: قعدان، والقعادين جمع الجمع. وقال صاحب "الموعب" عن صاحب "العين" في غير هذا الموضع أن القعود لا يكون إلا ذكرًا، ولا يقال للأنثى قعودة.
وقال ابن سيده في "المحكم": القُعدة والقَعودة والقَعُود من الإبل: ما اتخذه الراعي للركوب، والجمع (قِعْدة) (٤) وقُعَد وقعديد (٥). وقال الجوهري: هو بالفارسية: رخت لش (٦)، (وبتصغيره جاء) (٧) المثل: اتخذوه قُعْيد الحاجات. إذا امتهنوا الرحل في حوائجهم (٨)، وهو حين يركب، وأدنى ذلك أن يأتي عليه سنتان إلى أن يثني، أي: دخل في الثالثة، فإذا أثنى سمي جملًا.
وقوله: ("ما خلأت") أي: ما حزنت.
стр. 10397
و (العضباء) قال الداودي: أحسب أنها إنما قيل لها ذلك لقطع كان في بعض أطرافها، إما طرف الذنب أو شيء من الأذن. وقال ابن فارس: إنما كان ذلك لقبًا لها. وقاله أبو عبيد (١)، قال: والعضباء: المشقوقة الأذن (٢).
وظاهر الحديث -كما قال ابن فارس- أنه لقب لها؛ لقوله: (تسمى العضباء) لو كانت عضباء لما قال ذلك. والعضباء من الشاة: المكسورة القرن الداخل، وهو المشاش.
وقال صاحب "العين": ناقة عضباء: مشقوقة الأذن، وشاة عضباء: مكسورة القرن، وقد عَضبَ عَضَبًا. والعَضْب: القَطْعُ، ومنه قيل للسيف القاطع: عَضْب، وقد عَضب يَعْضِب: إذا قطع (٣).
وفيه: اتخاذ الأمراء والأئمة الإبل للركوب، وجواز الارتداف للعلماء والصالحين.
والتزهيد في الدنيا، والتقليل لأمورها؛ لإخباره أن كل شيء يرتفع من الدنيا فحق على الله أن يضعه، وبه نطق القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] وما وصفه الله تعالى بأنه قليل فقد وضعه وصغر قدره، وقال تعالى تسليةً عن متاع الدنيا: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧] وقال: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١] إرشادًا لعباده وتنبيهًا لهم على طلب الأفضل.
وتعليق أبي حميد أسنده في الجزية كما سيأتي (١).
وفيه: جواز ركوب العلماء والأمراء الداوب والبغال، وأن ذلك من المباح وليس من السرف؛ لأن الإمام يلزمه التصرف والتعاهد لأمور رعيته والجهاد بنفسه والنظر في مصالح المسلمين، وكذلك له أن يتخذ السلاح، وكل ما به إليه حاجة من الآلات والقوت لأهله من الخمس.
وقوله: (سرعان الناس) قال ابن التين: بكسر السين وضمها.
قلت: ويجوز فتح السين مع فتح الراء وسكونها، وهم الذين واجهوا العدو، فلما ولى أولئك ضاقت عليهم الأرض.
و (النبل) قال الزبيدي في "مختصر كتاب العين": لا واحد لها من لفظها وإنما واحدها سهم.
стр. 10400
٦٢ - باب جِهَادِ النِّسَاءِ
٢٨٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ -قَالَتِ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الجِهَادِ. فَقَالَ: "جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ". وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَلِيدِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بِهَذَا. [انظر: ١٥٢٠ - فتح: ٦/ ٧٥]
٢٨٧٦ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بِهَذَا. وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلَهُ نِسَاؤُهُ عَنِ الجِهَادِ فَقَالَ: "نِعْمَ الْجِهَادُ الْحَجُّ". [انظر: ١٥٢٠ - فتح: ٦/ ٧٥]
ذكر فيه حديث عائشة: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: "جِهَادُكُنَّ الحَجُّ" وقد سلف في أول الجهاد (١)، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَلِيدِ: ثَنَا سُفْيَانُ، ثنا مُعَاوِيَةُ بهذا.
حَدَّثنَا قَبِيصَةُ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثنا مُعَاوِيَةَ بهذا.
وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلَهُ نِسَاؤُهُ عَنِ (الْجِهَادِ) (٢)، فَقَالَ: "نِعْمَ الجِهَادُ الحَجُّ".
وهو دال على أن النساء لا جهاد عليهن، وأنهن غير داخلات في قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] وهو إجماع، وليس في قوله: "جهادكن الحج" أنه ليس لهن أن يتطوعن به، فإنما فيه أنه الأفضل لهن، وسببه أنهن لسن من أهل القتال للعدو ولا قدرة لهن عليه ولا قيام به، وليس للمرأة أفضل من الاستتار وترك مباشرة الرجال بغير قتال، فكيف في حال القتال التي هي أصعب، والحج