← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10396–10435 · переход к 10401.

стр. 10396

والقعود من الإبل: ما يقتعده الإنسان للركوب والحمل. وعبارة ابن بطال أنه الجمل المسن (١)، قال الأزهري: ولا يكون إلا المذكر، ولا يقال للأنثى قعودة. قال: وأخبرني المنذري أنه قرأ بخط أبي الهيثم ذكر الكسائي، (أنه) (٢) سمع من يقول: قعودة للقلوص، والذكر قعود. قال: وهما عند الكسائي من نوادر الكلام الذي سمعه من بعضهم، وكلام أكثر العرب على غيره (٣). وجمع القعود: قعدان، والقعادين جمع الجمع. وقال صاحب "الموعب" عن صاحب "العين" في غير هذا الموضع أن القعود لا يكون إلا ذكرًا، ولا يقال للأنثى قعودة. وقال ابن سيده في "المحكم": القُعدة والقَعودة والقَعُود من الإبل: ما اتخذه الراعي للركوب، والجمع (قِعْدة) (٤) وقُعَد وقعديد (٥). وقال الجوهري: هو بالفارسية: رخت لش (٦)، (وبتصغيره جاء) (٧) المثل: اتخذوه قُعْيد الحاجات. إذا امتهنوا الرحل في حوائجهم (٨)، وهو حين يركب، وأدنى ذلك أن يأتي عليه سنتان إلى أن يثني، أي: دخل في الثالثة، فإذا أثنى سمي جملًا. وقوله: ("ما خلأت") أي: ما حزنت.

стр. 10397

و (العضباء) قال الداودي: أحسب أنها إنما قيل لها ذلك لقطع كان في بعض أطرافها، إما طرف الذنب أو شيء من الأذن. وقال ابن فارس: إنما كان ذلك لقبًا لها. وقاله أبو عبيد (١)، قال: والعضباء: المشقوقة الأذن (٢). وظاهر الحديث -كما قال ابن فارس- أنه لقب لها؛ لقوله: (تسمى العضباء) لو كانت عضباء لما قال ذلك. والعضباء من الشاة: المكسورة القرن الداخل، وهو المشاش. وقال صاحب "العين": ناقة عضباء: مشقوقة الأذن، وشاة عضباء: مكسورة القرن، وقد عَضبَ عَضَبًا. والعَضْب: القَطْعُ، ومنه قيل للسيف القاطع: عَضْب، وقد عَضب يَعْضِب: إذا قطع (٣). وفيه: اتخاذ الأمراء والأئمة الإبل للركوب، وجواز الارتداف للعلماء والصالحين. والتزهيد في الدنيا، والتقليل لأمورها؛ لإخباره أن كل شيء يرتفع من الدنيا فحق على الله أن يضعه، وبه نطق القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] وما وصفه الله تعالى بأنه قليل فقد وضعه وصغر قدره، وقال تعالى تسليةً عن متاع الدنيا: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧] وقال: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١] إرشادًا لعباده وتنبيهًا لهم على طلب الأفضل.

стр. 10398

[٦٠ - باب الغَزْوِ عَلَى الحَمِيرِ] (١) ٦١ - باب بَغْلَةِ النَّبِيِّ ﷺ البَيْضَاءِ قَالَهُ أَنَسٌ وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ إلى النبِي ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ. ٢٨٧٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الحَارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ إِلاَّ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً. [انظر: ٢٧٣٩ - فتح: ٦/ ٧٥] ٢٨٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا، وَاللهِ مَا وَلَّى النَّبِيُّ ﷺ وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ، فَلَقِيَهُمْ هَوَازِنُ بِالنَّبْلِ وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ" [انظر: ٢٨٦٤ - مسلم: ١٧٧٦ - فتح: ٦/ ٧٥] ثم ساق حديث عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ: مَا تَرَكَ رسول الله ﷺ إِلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً. وقد سلف. وحديث البراء: قَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا، والله مَا وَلَّى النَّبِيُّ ﷺ -ولكن وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ .. الحديث. وقد سلف قريبًا في باب: من قاد دابة غيره في الحرب.

стр. 10399

وتعليق أبي حميد أسنده في الجزية كما سيأتي (١). وفيه: جواز ركوب العلماء والأمراء الداوب والبغال، وأن ذلك من المباح وليس من السرف؛ لأن الإمام يلزمه التصرف والتعاهد لأمور رعيته والجهاد بنفسه والنظر في مصالح المسلمين، وكذلك له أن يتخذ السلاح، وكل ما به إليه حاجة من الآلات والقوت لأهله من الخمس. وقوله: (سرعان الناس) قال ابن التين: بكسر السين وضمها. قلت: ويجوز فتح السين مع فتح الراء وسكونها، وهم الذين واجهوا العدو، فلما ولى أولئك ضاقت عليهم الأرض. و (النبل) قال الزبيدي في "مختصر كتاب العين": لا واحد لها من لفظها وإنما واحدها سهم.

стр. 10400

٦٢ - باب جِهَادِ النِّسَاءِ ٢٨٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ -قَالَتِ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الجِهَادِ. فَقَالَ: "جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ". وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَلِيدِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بِهَذَا. [انظر: ١٥٢٠ - فتح: ٦/ ٧٥] ٢٨٧٦ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بِهَذَا. وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلَهُ نِسَاؤُهُ عَنِ الجِهَادِ فَقَالَ: "نِعْمَ الْجِهَادُ الْحَجُّ". [انظر: ١٥٢٠ - فتح: ٦/ ٧٥] ذكر فيه حديث عائشة: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: "جِهَادُكُنَّ الحَجُّ" وقد سلف في أول الجهاد (١)، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَلِيدِ: ثَنَا سُفْيَانُ، ثنا مُعَاوِيَةُ بهذا. حَدَّثنَا قَبِيصَةُ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثنا مُعَاوِيَةَ بهذا. وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلَهُ نِسَاؤُهُ عَنِ (الْجِهَادِ) (٢)، فَقَالَ: "نِعْمَ الجِهَادُ الحَجُّ". وهو دال على أن النساء لا جهاد عليهن، وأنهن غير داخلات في قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] وهو إجماع، وليس في قوله: "جهادكن الحج" أنه ليس لهن أن يتطوعن به، فإنما فيه أنه الأفضل لهن، وسببه أنهن لسن من أهل القتال للعدو ولا قدرة لهن عليه ولا قيام به، وليس للمرأة أفضل من الاستتار وترك مباشرة الرجال بغير قتال، فكيف في حال القتال التي هي أصعب، والحج

стр. 10401

يمكنهن (فيه) (١) مجانبة الرجال والاستتار عنهم، فلذلك كان أفضل لهن من الجهاد.

стр. 10402

٦٣ - باب غَزْوِ المَرْأَةِ فِي البَحْرِ ٢٨٧٧، ٢٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنَةِ مِلْحَانَ فَاتَّكَأَ عِنْدَهَا، ثُمَّ ضَحِكَ فَقَالَتْ: لِمَ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ البَحْرَ الأَخْضَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَثَلُهُمْ مَثَلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ". فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مِنْهُمْ". ثُمَّ عَادَ فَضَحِكَ، فَقَالَتْ لَهُ: مِثْلَ -أَوْ مِمَّ- ذَلِكَ، فَقَالَ لَهَا: مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَتِ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ، وَلَسْتِ مِنَ الآخِرِينَ". قَالَ: قَالَ أَنَسٌ فَتَزَوَّجَتْ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَرَكِبَتِ البَحْرَ مَعَ بِنْتِ قَرَظَةَ، فَلَمَّا قَفَلَتْ رَكِبَتْ دَابَّتَهَا فَوَقَصَتْ بِهَا، فَسَقَطَتْ عَنْهَا فَمَاتَتْ. [انظر: ٢٧٨٨، ٢٧٨٩ - مسلم: ١٩١٢ - فتح: ٦/ ٧٦] ذكر فيه حديث أنس في قصة أم حرام. وقد سلف غير مرة. وسقط في البخاري هنا بين أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري وعبد الله الأنصاري الراوي عن أنس زائدة بن قدامة الثقفي، نبه عليه أبو مسعود الدمشقي. قَالَ الجياني: وتأملته في كتب أبي إسحاق عن عبد الله، فليس هو فيه، ومع هذا فالحديث محفوظ لزائدة عن أبي طوالة عبد الله، رواه عنه حسين بن علي الجعفي وغيره، وقد رواه معاوية بن عمرو أيضًا عن زائدة عنه (١). ومعنى: (وقصت بها): نفرت. قاله الداودي. وقال الهروي: ركب فرسًا فجعل يتوقص به. أي: ينزو به ويقارب الخطو (٢). والنزو: الوثبان.

стр. 10403

وقَالَ أبو عبيد وابن فارس: إنه كسر العنق (١)، وبينه قوله بعد هذا: (فاندقت عنقها). وقول أنس: (فتزوجت عبادة فركبت البحر مع بنت قرظة). ظاهره أنها تزوجته بعد هذِه الرؤيا، وقد سلف ما ظاهره أنها كانت زوجة له قبل ذَلِكَ، فيجوز أن يكون طلقها ثم تزوجها. وفيه: جواز جهاد النساء في البحر، وقد سلف واضحًا.

стр. 10404

٦٤ - باب حَمْلِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي الْغَزْوِ دُونَ بَعْضِ نِسَائِهِ ٢٨٧٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، كُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ يَخْرُجُ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِى، فَخَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ. [انظر: ٢٥٩٣ - مسلم: ٢٧٧٠ - فتح: ٦/ ٧٧] ذكر فيه حَدِيثَ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذاً أَرَادَ سفرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيّتُهُنَّ خرج سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رسول الله ﷺ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ. هذِه الترجمة لا تصح إلا بذكر القرعة فيها؛ لأن العدل بين النساء فريضة إذا قلنا أن القسم يجب في حقه، فلو خرج بواحدة من أزواجه دون قرعة لم يكن ذَلِكَ عدلاً بينهن وكان ميلاً، فكانت القرعة فصلاً في ذَلِكَ وحكمًا يرجع إليه، كما يحكم بها في كثير مما يشكل أمره من أمور الشريعة. وهذا الحديث هو بعض من حديث الإفك، وقد سلف بعضه، ويأتي أيضًا (١)، وقد سلف الإقراع.

стр. 10405

٦٥ - باب غَزْوِ النِّسَاءِ وَقِتَالِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ ٢٨٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ -وَقَالَ غَيْرُهُ: تَنْقُلَانِ القِرَبَ- عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ. [٢٩٠٢، ٣٨١١، ٤٠٦٤ - مسلم: ١٨١١ - فتح: ٦/ ٧٨] ذكر فيه حديث أَنَسٍ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْم وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرى خَدَمَ سُوقِهِمَا، تَنْقُزَانِ القِرَبَ -وَقَالَ غَيْرُهُ: تَنْقلَانِ القِرَبَ- عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ، وتَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِه فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا. ثم الكلام عليه من وجوه: أحدها: الخدم: الخلاخيل، الواحدة: خدَمة، وتجمع أيضًا على خدام. كثمرة وثمار. والمخدم: موضع الخلخال من الساق. وعبارة صاحب "المطالع": قد يسمى خدَمة. أي لأنه موضع الخلخال، وهو الخدمة، وأصله أن الخدمة سير (غليظ) (١) مثل الحلقة يشد في رسغ البعير ثم تشد إليها شرائح فنعلها، فسمي الخلخال خدمة لذلك. وقَالَ أبو عبيد: أصل الخدمة: الحَلْقة المسنديرة (٢). وقيل: الخدمة: مخرج الرِّجْل من السراويل. والسُّوق: جمع ساق.

стр. 10406

ثانيها: (تنقزان) بالزاي أي: تثبان. والنواقز: القوائم، يقال: نقز ينقز، وينقز نقزانًا ونقزا (إذا) (١) وثب. وقال الداودي: يسرعان المشي كالهرولة. وقال غيره: معناه: الوثوب. ونحوه في حديث ابن مسعود: أنه كان يصلي الظهر والجنادب تنقز من الرمضاء (٢)، أي تثب. يقال: نقز وقفز: (وثب) (٣) وكذا قحز. وقال صاحب "المطالع": كأنه من سرعة السير. وقَالَ أبو سليمان: أحسبه تزفران. والزفر: حمل القرب الثقال، والجمع: أزفار. واحتج بالحديث الآتي بعد: فإنها كانت تزفر العرب يوم أحد. ويقال للقربة نفسها: الزفر. وكذلك قيل للإماء: الزوافر، وذلك لأنهن يزفرْنَ القرب (٤). وقيل: الزفر: البحر النزع الفياض، فعلى هذا كانت تملأ لهم القرب حَتَّى تحيض (٥). قَالَ صاحب "المطالع": وضبط الشيوخ (القرب) بنصب الباء، ووجهه بعيد (على) (٦) الضبط المتقدم، وأما مع (تنقلان) فصحيح، وكان بعض شيوخنا يقرؤه بضم الباء يجعله مبتدأ، كأنه قَالَ: والقرب على متونهما. وقد يأول النصب على عدم الخافض كأنه قَالَ: ينقزان بالقرب. وقد وجدته في بعض الأصول بضم (التاء) (٧)، ويستقيم على هذا نصب القرب. أي: يحركان القرب لشدة عدوهما بها، فكانت القرب ترتفع وتنخفض مثل الوثب على ظهورهما.

стр. 10407

ثالثها: اعترض ابن المنير فقال: بوب على غزوهن وقتالهن، وليس فيه أنهن قاتلن، فإما أن يريد أن إعانتهن الغزاة غزو، وإما أن يريد ما ثبتن للمداواة ولسقي الجرحى إلا وهن يدافعن عن أنفسهن، وهو الغالب، فأضاف إليهن القتال لذلك (١). قلتُ: لا شك في شجاعتهن ودفعهن، ويؤيده ما ذكره ابن إسحاق (٢) لما قَالَ ﷺ : "يا أم سليم، ما هذا الخنجر؟ " قالت: يا رسول الله، أَبْعَجُ به بطنَ من يَدْنُو مني (٣). وسيأتي. رابعها: رؤية أنس لذلك كان لضرورة ذَلِكَ العمل في ذَلِكَ الوقت. وقال الداودي: يعني: نظر فجأة، ويحتمل أن يكون حينئذ صغيرًا، ويحتمل أن يكون قبل نزول الحجاب كما قَالَ القرطبي (٤)، ولا شك فيه؛ لأنه (٥) إما في صفية أو زينب، وكلاهما بعد أحد، وقد يتمسك به من يرى أن تلك المواضع ليست بعورة من المرأة، وليس كذلك. خامسها: قد سلف أن النساء لا غزو عليهن، ولا شك أن عونهن للغزاة بسقي الماء، وسقيهن وتشميرهن ضرب من القتال؛ لأن العون على الشيء ضرب منه، وقد روي عن أم سليم أنها كانت تسبق الشجعان في الجهاد، وثبتت يوم حنين والأقدام قد زلت، والصفوف

стр. 10408

قد انتقضت، والمنايا فَغَرَتْ فَاها، فالتفت إليها رسول الله ﷺ وفي يدها خنجر، فقالت: يا رسول الله، أقتل بهذا الذين ينهزمون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يحاربونك، فليسوا بِشَرٍّ مِنْهُمْ. أخرجه مسلم بنحوه من حديث أنس (١). وهو من أفراده، وفيه: "يا أم سليم، إن الله قد كفى وأحسن" وروى معمر عن الزهري قَالَ: كان النساء يشهدن المشاهد مع رسول الله ﷺ ويسقين المقاتلة ويداوين الجرحى، ولم أسمع (امرأة) (٢) قُتلت معه، وقد قاتل نساء من قريش يوم اليرموك حين دهمتهم جموع الروم وخالطوا عسكر المسلمين، فضربن نساء يومئذ بالسيوف وذلك في خلافة عمر ﵁ (٣). فرع: هل يسهم للمرأة؟ قَالَ الأوزاعي: نعم، وقد أسهم رسول الله ﷺ للنساء بخيبر وأخذ المسلمون بذلك (٤). قلتُ: في أبي داود: عن حشرج بن زياد، عن جدته أن رسول الله ﷺ أسهم لنا بخيبر كما أسهم للرجال (٥). قَالَ الخطابي: سنده ضعيف لا تقوم به حجة (٦). وقال الثوري والكوفيون والليث والشافعي: لا يسهم لهن ولكن

стр. 10409

يرضخ. واحتجوا بكتاب ابن عباس إلى نجدة أن النساء كن يحضرن فيداوين المرضى ويحذين من الغنيمة ولم يضرب لهن بسهم، أخرجه مسلم (١). وروى ابن وهب عن مالك أنه (سئل) (٢) عن النساء هل يحذين من المغانم في الغزو؟ قَالَ: ما سمعت ذلك (٣). قال ابن بطال: وقول مالك أصح؛ لأن النساء لا جهاد عليهن، وإنما يجبُ السهم والرَّضْخُ لمن كان مقاتلًا (أورد المسلمين) (٤)، وجملة النساء لا غناء لهن ولا نكاية للعدو فيهن، فأما إذا قاتلت المرأة وكان لها غناء وعون فلو أسهم لها كان صوابًا؛ لأنه إنما جعل لأهل الجيش لقتالهم العدو ودفعهم عن المسلمين، فمن وجدت هذِه الصفة فيه فهو مستحق للسهم سواء كان رجلاً أو امرأة، والمراد أنه لا يسهم للغالب من حالهن، فإن المقاتلة منهن لا تكاد توجد (٥). قلتُ: حديث ابن عباس يرد عليه، وبقول الأوزاعي قَالَ ابن حبيب: بشرط قتالها (٦)، حكاه ابن المناصف. وَرَدُّهُ ﷺ في بعض غزواته نساءً خرجن معه، فالحديث فيه ضعف، أو يحتمل أن يكن شابات فردهن لأجل الفتنة، وقد خرجت أم المؤمنين عائشة ﵂، أو لأن العدو كان فيه قوة فخاف عليهن.

стр. 10410

فرع: يُرْضخ للصبي خلافًا للأوزاعي ولمالك إذا أطاقه. فرع: ذكر الترمذي أن بعض أهل العلم قَالَ: يسهم للذمي إذا شهد القتال مع المسلمين. وروي عن الزهري أنه ﷺ أسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه (١). وهو قول الزهري والأوزاعي وإسحاق (٢)، فيما حكاه ابن المنذر، وعندنا: يُرْضخ له إذا حضر بإذن الإمام. ووقع في بعض مسائل المالكية -فيما قاله ابن المناصف- أنه يسهم له إذا أذن له الإمام في الغزو معه. فرع: المجنون المطبق لا يسهم له، فإن كان عنده من العقل ما يمكنه به القتال فقيل: يسهم له. والظاهر المنع، ذكره أيضًا. فرع: المريض الذي لا يستطيع شيئًا في الحال، ولا يرجى في المآل، ولا ينتفع به في عمل الجهاد بأمر، فالمروي عن أصحاب مالك أنه لا يسهم له وذلك كالمفلوج اليابس، ذكره أيضًا، قَالَ: واختلفوا في الأعمى والأقطع اليدين والمقعد لاختلافهم هل يمكن لهم نوع من أنواع القتال، كإدارة الرأي إن كانوا من أهله، وكقتال المقعد راكبًا، والأعمى يناول النبل، ونحو ذَلِكَ، ويكثرون السواد؟ فمن رأى لمثل ذَلِكَ أثرًا في استحقاق الغنيمة أسهم (لهم) (٣)، ومن لم يره منع.

стр. 10411

وأما من به مرض يرجى برؤه فعند المالكية فيه خلاف في الإسهام له، فإن مرض بعد الإدراب ففيه خلاف، والأكثرون لا يسهم (لهم) (١)، ولم يختلفوا أن من مرض بعد القتال يسهم له. فرع: الأجير والتاجر والمحترف (٢) يسهم لهم عندنا إذا قاتلوا، والخلاف عند المالكية أيضًا (٣). ثالثها: إن قاتلوا استحقوا وإلا فلا، ولم يختلف عن مالك أنه إن لم يقاتل ولم يشهد لا شيء له. وقَالَ أبو حنيفة وأصحابه: إن قاتلوا استحقوا. وعن مالك: يسهم لكل حر قاتل، وهو قول أحمد. وقال الحسن بن حي: يسهم للأجير. وروي مثل ذَلِكَ عن الحسن وابن سيرين في التاجر والأجير إذا حضرا وإن لم يقاتلا. ونقل ابن عبد البر عن جمهور العلماء الإسهام للتجار إذا حضروا القتال. وقال الأوزاعي وإسحاق: لا يسهم للأجير المستأجر على خدمة القوم ولا للعبد (٤).

стр. 10412

٦٦ - باب حَمْلِ النِّسَاءِ القِرَبَ إِلَى النَّاسِ في الغَزْوِ ٢٨٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَسَمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ الْمَدِينَةِ، فَبَقِىَ مِرْطٌ جَيِّدٌ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعْطِ هَذَا ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ التِي عِنْدَكَ. يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ. فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ. وَأُمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: تَزْفِرُ: تَخِيطُ. [٤٠٧١ - فتح: ٦/ ٧٩] ذكر حديث ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَسَمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ المَدِينَةِ، فَبَقِيَ مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَعْطِ هذا بنت رَسُولِ اللهِ ﷺ التِي عِنْدَكَ -يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ- فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ. وَأُمُّ سَلِيطٍ امرأة مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ لَنَا القِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ. الشرح: هذا الحديث من أفراده. وثعلبة بن أبي مالك القرظي ولد على عهد رسول الله ﷺ . واسم أبي مالك: عبد الله -ويكني أبا يحيى- من كندة، قدم أبوه أبو مالك من اليمن على دين اليهود. فنزل في بني قريظة، فنسب إليهم ولم يكن منهم، فأسلم. قَالَ ابن معين: ثعلبة قد رأى النبي ﷺ . ذكر ذَلِكَ كله أبو عمر (١)، ولم يذكر أباه في الأسماء ولا في "الكنى" وهو

стр. 10413

إمام بني قريظة، وطال عمره، روى عنه ابنه أبو مالك وصفوان، له حديثان مرسلان. ومعنى (تزفر): تحمل، وهو ثلاثي من زفر يزفر. أي: يحمل، ومنه قيل للسقاءات: الزوافر. قَالَ صاحب "العين" و"الأفعال": زفر بالحمل زفرًا: نهض به (١). وفي رواية أبي ذر: تخيط، كما سلف، وبعضهم قَالَ: الزفر: القربة المملوءة ماء. وقد سلف في الباب قبله. والمروط: الأكسية، قاله الهروي (٢). وقال ابن فارس: المرط: ملحفة يؤتزر به، وضبطه (بكسر) (٣) الميم. وأم سليط -بفتح السين- مبايعة ولا يعرف اسمها، وليس في الصحابيات من شاركها في هذِه الكنية، وهي أم قيس بنت عبيد بن زياد بن ثعلبة بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار، وزوجها أبو سليط أُسيرة بن أبي خارجة عمرو بن قيس بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، فولدت له سليطًا. وقيل: سبرة بن عمرو. والأول أصح، وأمه آمنة أخت كعب بن عجرة، شهد بدرًا، وعنه ابنه عبد الله، وأخته أنيسة بنت أبي خارجة ولدت للنعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر قتادة، ثم خلف عليها مالك بن سنان فولدت له أبا سعيد الخدري سعد بن مالك. وفي بني عدي أيضًا سليط بن قيس بن عمرو بن عبيد بن مالك بن عدي، كان يكسر أصنام بني عدي حين أسلم هو وأبو صرمة يوم بدر، فقتل يوم جسر أبي عبيد، روى عنه ابنه عبد الله، وقد انقرض عقبه.

стр. 10414

وسليط في الصحابة جماعة أخر. وأم كلثوم زوج عمر بن الخطاب أمها فاطمة، أمهرها أربعين ألفا، خطبها إلى أبيها، فقال له: هي صغيرة. فقال عمر: أريدها، فأرسل إليه بها وقال: قد زوجته إن قبل. فلما أقبلت إليه قَالَ: قد قبلت. فلما وقفت عليه رفع طرف ثوبها، فقالت: أرسل الثوب فلولا أنك أمير المؤمنين للطمت وجهك. توفيت هي وابنها زيد بن عمر في يوم واحد أيام حرب زجاجة، فيما ذكره ابن المعلى الأزدي في كتاب "الترقيص"، وذكرها ابن عبد البر في "استيعابه" (١)؛ لأنها ولدت في حياته ﷺ . وفيه: دليل كما قَالَ المهلب: أن الأولى برسول الله ﷺ من أتباعه أهل السابقة إليه والنصرة له، لا يستحق أحد ولايته ببنوة ولا قرابة إذا لم يقارنها الإسلام، ثم إذا قارنها الإسلام يفاضل أهله بالسابقة والنصرة والمعونة بالمال والنفس، ألا ترى أن عمر جعل أم سليط أحق بالقسمة لها من المروط من حفيدة رسول الله ﷺ بالبنوة لتقدم أم سليط بالإِسلام والنصرة والتأييد، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] الآية. وكذلك يجب ألا تُستحق الخلافة بعده ببنوة ولا بقرابة، وإنما تستحق مما ذكر الله من السابقة والإنفاق والمقاتلة. وفيه: الإشارة بالرأي على الإمام، وإنما ذلك للوزير والكاتب وأهل النصيحة. والبطانة له، ليس ذَلِكَ لغيرهم، إلا أن يكون من أهل العلم والبروز في الإمامة، فله الإشارة على الإمام وغيره (٢).

стр. 10415

٦٧ - باب مُدَاوَاةِ النِّسَاءِ الجَرْحَى فِي الغَزْوِ ٢٨٨٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَسْقِي وَنُدَاوِي الجَرْحَى، وَنَرُدُّ القَتْلَى إِلَى المَدِينَةِ. [٢٨٨٣، ٥٦٧٩ - فتح: ٦/ ٨٠] ذكر فيه حديث الربيعِ -بضم الراء- بِنْتِ مُعَوِّذٍ -بكسر الواو (١) - قَالَتْ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نسْقِي وَنُدَاوِي الجَرْحَى، وَنَرُدُّ القَتْلَى. ثم ترجم له:

стр. 10416

٦٨ - [باب] رَدِّ النِّسَاءِ الجَرْحَى وَالْقَتْلَى ٢٨٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَسْقِي الْقَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى المَدِينَةِ. [انظر: ٢٨٨٢ - فتح: ٦/ ٨٠]. ثم ساقه بلفظ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَسْقِي القَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى المَدِينَةِ. وهو من أفراده، ويأتي في الطب أيضًا، وانفرد مسلم بحديث أنس: كان النبي ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء ويداوين الجرحى (١). وكانوا يوم أحد يجعلون الرجلين والثلاثة من الشهداء على الدابة، وتردهن النساء إلى موضع قبورهم، ولما انصرف رسول الله ﷺ لقيته حمنة بنت جحش فقال لها: "أعظم الله أجرك في خالك حمزة" فقالت: آجرك الله. قَالَ: "وفي أخيك عبد الله بن جحش" فقالت: آجرك الله. ثم قَالَ: "وفي زوجك مصعب بن عمير" فقالت: واحزناه. وسقطت على الأرض فقال: "إن الرجل الصالح ليحل من المرأة محلًّا لا يحله أحد" (٢). وفيه كما قَالَ المهلب: مباشرة المرأة غير ذي محرم منها في المداواة وما شاكلها من إلطاف المرضى ونقل الموتى، فإن قلت: كيف ساغ ذَلِكَ؟ فأجاب بأنه يجوز للمتجالات منهن؛ لأن موضع

стр. 10417

الجرح لا يلتذ بمسه بل تقشعر منه الجلود وتهابه النفوس، (ولمسه) (١) عذاب للَّامس والملموس، وأما غيرهن فيعالجن بغير مباشرة منهن لهم، بأن يصنعن الدواء ويضعه غيرهن على الجرح، وقد يمكن أن يضعنه من غير مس شيء من جسده. وأيده غيره بأنا لم نجد أحدًا من سلف العلماء يقول في المرأة تموت مع الرجل وعكسه غير ذوي المحارم لا يحضره غيرهم أن أحدًا منهما يغسل صاحبه دون حائل وثوب يستره. وقال الحسن البصري: يصب عليها من فوق الثياب. وهو قول النخعي وقتادة والزهري، وبه قَالَ إسحاق. وقالت طائفة: تيمم بالصعيد، روي (ذَلِكَ) (٢) عن سعيد بن المسيب والنخعي أيضًا. وبه قَالَ مالك والكوفيون وأحمد، وهو أصح الأوجه عند الشافعية. وقال الأوزاعي: تدفن كما هي ولا تيمم، وهذا كله بدل من قولهم: إنه لا يجوز عندهم مباشرة غير ذوي المحارم؛ لأن حالة الموت أبعد من (التسبب) (٣) إلى دواعي اللذة والذريعة إليها من حال الحياة، فلما اتفقوا أنه لا يجوز للأجنبي غسل الأجنبية مباشرًا لها دون ثوب يسترها دل بأن مباشرة الأحياء الأجنبيين أولى بالمنع (٤).

стр. 10418

٦٩ - باب نَزْعِ السَّهْمِ مِنَ البَدَنِ ٢٨٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: رُمِىَ أَبُو عَامِرٍ في رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: انْزِعْ هَذَا السَّهْمَ. فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ". [٤٣٢٣، ٦٣٨٣ - مسلم: ٢٤٩٨ - فتح: ٦/ ٨٠] ذكر فيه حديث أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: رُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فقَالَ: انْزعْ هذا السَّهْمَ. فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ المَاءُ، فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا وفي لفظ: فلما جئت رسول الله ﷺ وسألته أن يستغفر له، فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: "اللهم اغفر لأبي عامر عبدك" حَتَّى رأيت بياض إبطيه، ثم قَالَ: "اللَّهُمَّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك - أو من الناس" (١). ومعنى (نزا) -بالزاي- ظهر وارتفع وجرى ولم ينقطع، قاله أبو موسى. وعبارة ابن التين: النزو الوثبان، معناه: خرج الماء. وقال صاحب "العين": نزا ينزو نزوًّا ونزوانًا وتَنَزى: إذا وثب. وقال أبو زيد: النزا والنقاز داء يأخذ النساء فتنزو منه وتنقز حتى تموت. وفيه: كما قَالَ المهلب: جواز نزع السهام من البدن، وإن خشي بنزعها الموت، وكذلك البَطُّ والكَيُّ وما شاكله، يجوز للمرء أن يفعله رجاء الانتفاع بذلك، وإن كان في غبتها خشية الموت، وليس من يصنع ذَلِكَ بِمُلْقٍ نفسه للتهلكة؛ لأنه بين الخوف والرجاء، وإنما دعا له ﷺ ؛ لأنه علم أنه ميت من ذَلِكَ السهم (٢).

стр. 10419

٧٠ - باب الحِرَاسَةِ فِي الغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللهِ ٢٨٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ سَهِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ: "لَيْتَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِي صَالِحًا يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ". إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ سِلَاحٍ فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ ". فَقَالَ: أَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، جِئْتُ لأَحْرُسَكَ. وَنَامَ النَّبِيُّ ﷺ . [٧٢٣١ - مسلم: ٢٤١٠ - فتح: ٦/ ٨١] ٢٨٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ". لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ. [٢٨٨٧، ٦٤٣٥ - فتح: ٦/ ٨١] ٢٨٨٧ - وَزَادَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ وَقَالَ تَعْسًا. كَأَنَّهُ يَقُولُ فَأَتْعَسَهُمُ الله. طُوبَى: فُعْلَى مِنْ كُلِّ شَيءٍ طَيِّبٍ، وَهْيَ يَاءٌ حُوِّلَتْ إِلَى الوَاوِ، وَهْيَ مِنْ يَطِيبُ. [انظر: ٢٨٨٦ - فتح: ٦/ ٨١] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ في حراسة سعد بن أبي وقاص رسول الله ﷺ . وحديث أبي بكر -يعني ابن عياش- عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ".

стр. 10420

وَزَادَ لنا عَمْرٌو أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ .. " الحديث أو قال: "تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي حَصينٍ. الشرح: قَالَ الإسماعيلي: تابع أبا بكر شريك وقيس. وعمرو شيخ البخاري هو ابن مرزوق، وقد أسنده أبو نعيم من حديث يوسف القاضي عنه به، وابن عساكر من حديث أبي (مسلم) (١) عنه، ورواه ابن ماجه عن ابن كاسب، عن إسحاق بن إبراهيم بن سعيد المدني، عن صفوان بن سليم، عن عبد الله بن دينار (٢). ورواه الإسماعيلي من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه به. ثم الكلام من وجوه: أحدها: (التَّعْسُ): الكَبُّ أي: عثر فسقط لوجهه، قَالَه ابن التين، قَالَ: وضبط بكسر العين، وذكره بعض أهل اللغة بفتحها. وقال ابن الأنباري، عن أبي العباس أحمد بن يحيى: التعس: الشر قَالَ تعالى: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٨] وقيل: هو البعد، وذكر ابن التياني،

стр. 10421

عن قطرب فتح العين وكسرها: شقي. وعن علي بن حمزة: بالكسر والفتح: هلك. وفي "البارع": تعسه الله وأتعسه: نكسه. وقال شمر في "التهذيب": لا أعرف تعسه الله، ولكن يقال: تعس (بنفسه) (١) وأتعسه الله، قَالَ: وقال الفراء: يقال: تعست إذا خاطبت الرجل فإذا صوت إلى أن تقول: فَعِل قلت: تعس بالكسر، وقال بعض الكلابيين: تعس هو أن يخطئ حجته إن خاصم، وبغيته إن طلب، وقال الرُّسْتُمِيُّ: التَّعْس: أن غير على وجهه، والنكس: أن يخر على رأسه (٢). وقَالَ الليث: التعس ألا ينتعش من عثرته وأن ينكس في سفال، والتعس في اللغة: الانحطاط، ذكره الزجاج (٣)، (وقال صاحب "المحكم": هو السقوط على أي وجه كان) (٤)، وقال ابن السكيت: هو أن غير على وجهه، ومنه: نكست الشيء: نكبته على رأسه، قَالَ ابن فارس: ويقال: تعسًا له ونكسًا، وقد يضم الثاني (٥). ثانيها: معنى: "تعس عبد الدينار والدرهم": أي: إن طلب ذَلِكَ قد استعبده وصار عمله كله في طلبها كالعبادة لهما. وقوله: ("إن أعطي رضي") أي: إن أعطي ما له عمل رضي عن معطيه، وهو خالقه تعالى وإن لم يُعط سخط ما قدر له خالقه، ويسر له من رزقه، فصح بهذا أنه عبد في طلب هذين، فوجب الدعاء عليه

стр. 10422

بالتعس؛ لأنه أوقف عمله على متاع الدنيا الفاني، وترك العمل لأجل نعيم الآخرة الباقي، والتعس: أن لا ينتعش ولا يفيق من عثرته، "وانتكس" أي عاوده المرض كما بدأه، هذا قول الخليل (١). قَالَ صاحب "المطالع": وذكره بعضهم بالشين المعجمة، وفسره بالرجوع، وجعله دعاء له لا عليه. وقوله: ("وإذا شيك"): أي: أصابته شوكة. وعن المروزي: "شيب"، وهو خطأ قبيح، ومعنى الأول: إذا أصابته الشوكة في قدمه فلا يقدر على إخراجها، يقال: انتقش الرجل إذا سل الشوكة من قدمه بالمنقاش. قال الخطابي: يقال: نقشت الشوك، إذا استخرجته، وبه يسمى المنقاش (٢). وقال ابن التين: معناه عند الهروي: لا أخرجه من الموضع الذي أدخله، وعند الخطابي: لا قدر على إخراجها ولا استطاعه. و ("الخميصة") كساء مربع له أعلام أو خطوط، قاله الخطابي، وقال ابن فارس: كساء أسود معلم، فإن لم يكن معلمًا فليس بخميصة (٣). زاد القزاز ويكون من خز أو صوف، قَالَ: ولذلك أمر الشارع أن يذهب بها إلى أبي جهم، ويأتوا بأنبجانية، وقال الداودي: هي كساء من صوف. ثالثها: قوله: ("طوبى") هي فعلى من الطيب، أصلها: طُيْبَى، قُلِبَت ياؤه واوًا لانضمام ما قبلها، وقيل: هي الشجرة التي في الجنة.

стр. 10423

وقوله: ("إن كان في الحراسة"، "وإن كان في الساقة") يعني: أنه خامل الذكر لا يقصد السمو فأي موضع اتفق له كان ممن لزم هذِه الطريقة، كان حريًّا إن استأذن ألا يؤذن له، وإن شفع ألا يشفع. رابعها: قوله: في حديث عائشة: ("ليت رجلاً صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة"). إن قُلتَ: كيف طلب الحراسة مع توكله ويقينه بالقدر؟ قلتُ: له ثلاثة أجوبة نبه عليها ابن الجوزي (١): أحدها: أنه سن هذِه الأشياء لا لحاجته إليها، كما ظاهر بين درعين، ويدل على غنائه أنهم كانوا إذا اشتد العباس قدموه واتقوا به العدو. ثانيها: الثقة بالله لا تنافي العمل على الأسباب، بدليل "اعقلها وتوكل" وهذا؛ لأن التوكل يخص القلب، والتعرض بالأسباب أفعال تخص البدن فلا تناقض. ثالثها: وساوس النفس وحديثها لا يدفع إلا بمراعاة الأسباب، ومنه قول إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ومنه أن سليمان رئي يحمل طعامًا ويقول: إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت. وأجاب ابن بطال بأن قَالَ: في الحديث دليل أن ذَلِكَ كان قبل أن تنزل آية العصمة، وقبل نزول: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٥]؛ لأنه جاء في الحديث أنه لما نزلت هذِه الآية ترك الاحتراس بالليل (٢)؛ ولأن في حديث عائشة في بعض الروايات أن ذَلِكَ كان عند أول قدومه المدينة.

стр. 10424

قلت: نزول: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ كان قبله، وزعم القرطبي أن آية العصمة ليس فيها ما يناقض الحراسة من الناس ولا ما يمنعه، كما أن إخبار الله عن نصره وإظهار دينه ليس فيه ما يمنع الأمر بالقتال وإعداد العدد والعدة والأخذ بالحزم والحذر، وسبب ذَلِكَ أن هذِه أخبار عن عاقبة الحال ومآله، ولكن هل تحصل تلك العاقبة عن سبب معتاد أو غير سبب، ووجدنا الشريعة طافحة بالأمر له ولغيره بالتحصن، وأخذ الحذر من الأعداء، والإعداد لهم، وقد عمل بذلك ﷺ وأخذ به فلا تعارض في ذلك (١). خامسها: في فوائده: فيه: كما قَالَ المهلب: التزام السلطان للحذر، والخوف على نفسه حضرًا وسفرًا، ألا ترى فعله مع ما عرفه الله أنه يستكمل به دينه ويعلي به كلمته، التزم الحذر خوف فتك الفاتك وأذى المؤذي بالعداوة في الدين والحسد في الدنيا. وفيه: أن على الناس أن يحرسوا سلطانهم ويحفوا به خشية الفتك وانخرام الأمر. وفيه: أن من شرع بشيء من الخير أن يسمى صالحًا لقوله: "ليت رجلاً صالحًا" أي: يبعثه صلاحه على حراسة سلطانه فكيف بنبيه. وفيه: أنه متى سمع الإنسان حس سلاح في الليل أن يقول: من هذا، ويعلم أنه ساهر؛ لئلا يطمع فيه أهل الطلب للغرة والغفلة، فإذا علموا أنه مستيقظ ردعهم بذلك.

стр. 10425

وفيه: تأكيد الدعاء بقوله: "وإذا شيك فلا انتقش" أي: إذا أصابته شوكة فلا أخرجها بمنقاشها، فيمتنع السعي للدينار والدرهم. وفيه: الحض على الجهاد حيث قَالَ: "طوبى لعبد ممسك بعنان فرسه .. " إلى آخره، فجمع في هذا الذي مدح من العمل خير الدنيا والآخرة لقوله: "الخيل معقود في نواصيها الخير الأجر والمغنم" (١)، ونعيم الآخرة لقوله: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١١]. وفيه: ترك حب الرئاسة والشهرة، وفضل الخمول، ولزوم التواضع لله بأن يُجهل المؤمن في الدنيا ولا تعرف عينه، فيشار إليه بالأصابع وبهذا أوصى ﷺ ابن عمر قَالَ له: "يا عبد الله، كن في الدنيا كأنك غريب" (٢)، والغريب مجهول العين غالبًا فلا يؤبه لصلاحه فيلزم من أجله. فائدة: جاء في الحراسة عدة أحاديث: أحدها: من حديث سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين فقال: "من يحرسنا الليلة؟ " فقال ابن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله. أخرجه أبو داود (٣). ثانيها: من حديث عثمان مرفوعًا: "حَرَسُ ليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها" رواه ابن ماجَهْ (٤).

стр. 10426

ثالثها: من حديث عقبة بن عامر: "رحم الله حارس الحرس" (١). رابعها: من حديث أنس: "من حرس ليلة على ساحل البحر كان أفضل من عبادة ألف سنة" أخرجه ابن ماجَهْ أيضًا (٢). خامسها: من حديث سهل بن معاذ عن أبيه: "من حرس من وراء المسلمين متطوعًا لا تأخذه ناجزة سلطان لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم" أخرجه أحمد (٣)، وللطبراني: "بعث مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين" (٤). سادسها: من حديث يحيى بن صالح الوحاظي، ثنا جميع بن ثوب، ثَنَا خالد بن معدان، عن أبي أمامة مرفوعًا: "لأن أحرس ثلاث ليال مرابطًا من وراء بيضة المسلمين أحب إلى من أن تصيبني ليلة القدر في مسجد المدينة، أو بيت المقدس" (٥)، رواه ابن عساكر ثم قَالَ: حديث حسن، وعن قيس بن الحارث مثله. قَالَ الحاكم: (حديث) (٦) غريب من حديث عمر بن عبد العزيز عن قيس، وهو صحابى معمِّر. قلتُ: فهذا سابع. ثامنها: من حديث أبي ريحانة: "حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله" رواه النسائي (٧).

стр. 10427

تاسعها: من حديث أبي هريرة: "حرم الله عينًا سهرت في طاعة الله على النار" أخرجه في "الخلعيات" من حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة (١)، ومن حديث بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده: "ثلاثة لا ترى أعينهم النار يوم القيامة: عين حرست في سبيل الله" (٢) الحديث أخرجه أيضًا، ولابن عساكر من حديث إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم، عن أبي عمران الأنصاري: "ثلاث أعين لا تحرقهم النار"، فذكر مثله، وللترمذي من حديث عطاء الخراساني عن (ابن أبي رباح) (٣) عن ابن عباس: "حرم على عينين أن تنالهما النار: عين باتت تحرس في سبيل الله" الحديث (٤)، ولعبد بن حميد في "مسنده" من حديث أبي عبد الرحمن عن أبي هريرة مثله (٥)، ولابن عساكر من حديث الفضل بن عباس وعطية عن أبي سعيد الخدري وابن عمر نحوه.

стр. 10428

٧١ - باب فَضْلِ الخِدْمَةِ فِي الغَزْوِ ٢٨٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَحِبْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، فَكَانَ يَخْدُمُنِي. وَهْوَ أَكْبَرُ مِنْ أَنَسٍ، قَالَ جَرِيرٌ: إِنِّي رَأَيْتُ الأَنْصَارَ يَصْنَعُونَ شَيْئًا لَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلاَّ أَكْرَمْتُهُ. [مسلم: ٢٥١٣ - فتح: ٦/ ٨٣] ٢٨٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو -مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ - أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ رَاجِعًا، وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ". ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كَتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا". [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح: ٦/ ٧٣] ٢٨٩٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ مُوَرِّقٍ العِجْلِيِّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرُنَا ظِلاًّ الذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ". [مسلم: ١١١٩ - فتح: ٦/ ٨٤] ذكر فيه حديث أَنَسٍ: صَحِبْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، فَكَانَ يَخْدُمُنِي. وَهْوَ أَكْبَرُ مِنْ أَنَسٍ، قَالَ جَرِيرٌ: إِنِّي رَأَيْتُ الأَنْصَارَ يَصْنَعُونَ شَيْئًا لَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا أَكْرَمْتُهُ. وحديثه أيضًا: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: "هذا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ". ثُمَّ أَشَارَ بيَدِهِ إِلَى المَدِينَةِ فقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ مَكًّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا".

стр. 10429

وحديثه أيضًا قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، (أَكْثَرُنَا) (١) ظِلًّا الذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ". الشرح: معنى: (بدا له أحد): ظهر. ومعنى: ("يحبنا ونحبه") حقيقةً لأن الجماداتِ تعقل في بعض الأحيان قَالَ تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢] أو يحبنا أهله وَهُمْ سُكَّانُ المدينة، يريد: الثناء على الأنصار كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقوله: ("لابتيها") يريد الحرتين، واحدهما: لابة، ويجمع على لوب ويجمع لابات ما بين الثلاث إلى العشر، فإذا كثرت جمعت على اللاب واللوب، قَالَ الأصمعي: اللابة الأرض ذات الحجارة التي قد ألبستها حجارة سود، وأصله أن المدينة ما بين لابتين، فحرّم رسول الله ﷺ ما بين لابتيها يقال: ما بين لابتيها أجهل من فلان، يراد: ما بين طرفيها. وقوله: ("اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا") أي الطعام الذي يُكال بهما. وقوله: (أكثرنا) (٢) ظلًّا من يستظل بكسائه): يريد: لم يكن لهم أخبية، وذلك لما كانوا عليه من القلة.

стр. 10430

وفيه: أن أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصيام إذا كان (المفطر) (١) أقوى على الجهاد وطلب العلم وسائر الأعمال الفاضلة من معاونة ضعيف وحمل ما بالمسلمين إلى حمله حاجة. وفيه: أن التعاون في الجهاد والتفاوض في الخدمة من حل وترحال واجب على جميع المجاهدين. وفيه: جواز خدمة الكبير للصغير إذا راعى له شرفًا في قومه أو في نفسه أو نجابة في علم أو دين أو شبهه، وأما في الغزو فالخادم المحتسب أفضل أجرًا من المخدوم الحسيب.

стр. 10431

٧٢ - باب فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ في السَّفَرِ ٢٨٩١ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». [انظر: ٢٧٠٧ - مسلم: ١٠٠٩ - فتح: ٦/ ٨٥] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِله عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ". الشرح: يريد بالسلامى كل عظم في البدن، وقال الداودي: هي المفاصل قَالَ: وأكثر ما يقال ذَلِكَ في صغارها، كعظام الكفين والقدمين، وأصل السلامى عظم فِرْسن البعير. وعبارة صاحب "العين": السُّلامَى: عِظامُ الأصابع والأكارع (١). قلتُ: وهي ثلاثمائة وستون مفصلًا كما ثبت في "صحيح مسلم": "فمن كبر الله وحمده وهلله في يوم عددها أمسى وقد زحزح نفسه عن النار" (٢)، كما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل ذكره عن عائشة مرفوعًا به (٣).

стр. 10432

و ("يحامله عليها") يعينه في الحمل فيحملا بينهما. و ("ويرفع ") معناه يحمل ويرفعه، ومنه الحديث أنه ﷺ مرَّ بقوم (يربعون) (١) حجرًا؛ فقالوا: هذا حجر الأشد (٢). أي: يرفعون حجرًا يتداولون حمله بينهم يمتحنون به الشدة والقوة. كذا قاله الخطابي (٣)، والذي في الأصول ما أوردناه: "أو يرفع له عليها متاعه". و (الخطوة) قَالَ ابن فارس: خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْوَةً أي: مرة، والخطوة ما بين الرجلين (٤). وقال في "أدب الكاتب": خَطَوْتُ خُطْوَةً وخَطْوَةً (٥)، وسلف. قَالَ ابن التين: وضبطه (في) (٦) البخاري بالضم. وقوله: (ودل الطريق) أي: الدلالة عليه، وهذا الحديث فيه الحضُّ والنَّدْبُ على الصدقة كما أمر الله تعالى المؤمنين بالتعاون والتناصر في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقال - عليه أفضل الصلاة والسلام -: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا" (٧)، "والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه" (٨)؛ فهذِه كلها وما شاكلها من حقوق المسلمين بعضهم على بعض مندوب إليها.

стр. 10433

والمراد بهذا الحديث أن الحامل في السفر لمتاع غيره إنما معناه أن الدابة للمعان فيؤجر الرجل على عونه لصاحبها في ركوبها، أو في رفع متاعه عليها، وقد جاء هذا الحديث بينًا بهذا المعنى بعد هذا، وترجم له باب من أخذ بالركاب ونحوه، وذكر فيه حديث الباب وقال هنا: "فيعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة" فدل قوله: من أخذ بالركاب ونحوه أنه أراد لدابة غيره، وإذا أجر من فعل (هذا) (١) في دابة غيره فأجره إذا حمل على دابة نفسه أكثر، (والله أعلم بالصواب) (٢).

стр. 10434

٧٣ - باب فَضْلِ رِبَاطِ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ الآيَةِ [آل عمران: ٢٠٠]. ٢٨٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا". [انظر: ٢٧٩٤ - مسلم: ١٨٨١ - فتح: ٦/ ٨٥] ذكر فيه حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا (عَلَيْهَا) (١)، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، (وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) (٢) ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا بدون الزيادة الأخيرة، وفي الآية أقوال: أحدها: عن الحسن وقتادة وابن جريج والضحاك: اصبروا على طاعة الله وصابروا أعداءه ورابطوا في سبيله (٣). ثانيها: عن محمد بن كعب القرظي: اصبروا على دينكم، وصابروا (وعدي) (٤)، ورابطوا أعداءكم واتقوا الله فيما يبني وبينكم

стр. 10435

لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتموني (١). ثالثها: عن زيد بن أسلم: اصبروا على الجهاد وصابروا العدو ورابطوا الخيل عليه (٢). رابعها: رابطوا: انتظروا الصلاة بعد الصلاة في المساجد؛ لأنه لم يكن حينئذ رباط ولا فتحت البلدان التي يكون فيها الرباط (٣). خامسها: اصبروا على المصائب وصابروا الصلوات الخمس ورابطوا أعداء الله وروي عن الحسن (٤). والرباط ضربان: المقام بالثغر وهو غير الوطن فإن كان وطنه فليس برباط، قاله مالك فيما نقله ابن حبيب (٥)، والأصل فيه الآية المذكورة وحديث الباب: "رباط يوم .. " إلى آخره. و ﴿رِبَاطِ الخَيْلِ﴾: أصله من الربط بالحبل والمِقْوَد، فمعنى ربطها في سبيل الله: اتخاذها لهذا، قَالَ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. قَالَ ابن قتيبة: أصل الرباط والمرابطة أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم في الثغر، كل يُعد لصاحبه (٦)، وإنما صار رباط يوم في سبيل الله خيرًا من الدنيا وما فيها؛ لأنه عمل يؤدي إلى الجنة،
следующие страницы →