٧٢ - باب فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ في السَّفَرِ
٢٨٩١ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». [انظر: ٢٧٠٧ - مسلم: ١٠٠٩ - فتح: ٦/ ٨٥]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِله عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ".
الشرح:
يريد بالسلامى كل عظم في البدن، وقال الداودي: هي المفاصل قَالَ: وأكثر ما يقال ذَلِكَ في صغارها، كعظام الكفين والقدمين، وأصل السلامى عظم فِرْسن البعير.
وعبارة صاحب "العين": السُّلامَى: عِظامُ الأصابع والأكارع (١).
قلتُ: وهي ثلاثمائة وستون مفصلًا كما ثبت في "صحيح مسلم": "فمن كبر الله وحمده وهلله في يوم عددها أمسى وقد زحزح نفسه عن النار" (٢)، كما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل ذكره عن عائشة مرفوعًا به (٣).
стр. 10432
و ("يحامله عليها") يعينه في الحمل فيحملا بينهما.
و ("ويرفع ") معناه يحمل ويرفعه، ومنه الحديث أنه ﷺ مرَّ بقوم (يربعون) (١) حجرًا؛ فقالوا: هذا حجر الأشد (٢). أي: يرفعون حجرًا يتداولون حمله بينهم يمتحنون به الشدة والقوة. كذا قاله الخطابي (٣)، والذي في الأصول ما أوردناه: "أو يرفع له عليها متاعه".
و (الخطوة) قَالَ ابن فارس: خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْوَةً أي: مرة، والخطوة ما بين الرجلين (٤). وقال في "أدب الكاتب": خَطَوْتُ خُطْوَةً وخَطْوَةً (٥)، وسلف. قَالَ ابن التين: وضبطه (في) (٦) البخاري بالضم.
وقوله: (ودل الطريق) أي: الدلالة عليه، وهذا الحديث فيه الحضُّ والنَّدْبُ على الصدقة كما أمر الله تعالى المؤمنين بالتعاون والتناصر في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقال - عليه أفضل الصلاة والسلام -: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا" (٧)، "والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه" (٨)؛ فهذِه كلها وما شاكلها من حقوق المسلمين بعضهم على بعض مندوب إليها.
стр. 10433
والمراد بهذا الحديث أن الحامل في السفر لمتاع غيره إنما معناه أن الدابة للمعان فيؤجر الرجل على عونه لصاحبها في ركوبها، أو في رفع متاعه عليها، وقد جاء هذا الحديث بينًا بهذا المعنى بعد هذا، وترجم له باب من أخذ بالركاب ونحوه، وذكر فيه حديث الباب وقال هنا: "فيعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة" فدل قوله: من أخذ بالركاب ونحوه أنه أراد لدابة غيره، وإذا أجر من فعل (هذا) (١) في دابة غيره فأجره إذا حمل على دابة نفسه أكثر، (والله أعلم بالصواب) (٢).
стр. 10434
٧٣ - باب فَضْلِ رِبَاطِ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ الآيَةِ [آل عمران: ٢٠٠].
٢٨٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا". [انظر: ٢٧٩٤ - مسلم: ١٨٨١ - فتح: ٦/ ٨٥]
ذكر فيه حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا (عَلَيْهَا) (١)، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، (وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا) (٢) ".
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا بدون الزيادة الأخيرة، وفي الآية أقوال:
أحدها: عن الحسن وقتادة وابن جريج والضحاك: اصبروا على طاعة الله وصابروا أعداءه ورابطوا في سبيله (٣).
ثانيها: عن محمد بن كعب القرظي: اصبروا على دينكم، وصابروا (وعدي) (٤)، ورابطوا أعداءكم واتقوا الله فيما يبني وبينكم
стр. 10435
لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتموني (١).
ثالثها: عن زيد بن أسلم: اصبروا على الجهاد وصابروا العدو ورابطوا الخيل عليه (٢).
رابعها: رابطوا: انتظروا الصلاة بعد الصلاة في المساجد؛ لأنه لم يكن حينئذ رباط ولا فتحت البلدان التي يكون فيها الرباط (٣).
خامسها: اصبروا على المصائب وصابروا الصلوات الخمس ورابطوا أعداء الله وروي عن الحسن (٤).
والرباط ضربان: المقام بالثغر وهو غير الوطن فإن كان وطنه فليس برباط، قاله مالك فيما نقله ابن حبيب (٥)، والأصل فيه الآية المذكورة وحديث الباب: "رباط يوم .. " إلى آخره.
و ﴿رِبَاطِ الخَيْلِ﴾: أصله من الربط بالحبل والمِقْوَد، فمعنى ربطها في سبيل الله: اتخاذها لهذا، قَالَ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].
قَالَ ابن قتيبة: أصل الرباط والمرابطة أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم في الثغر، كل يُعد لصاحبه (٦)، وإنما صار رباط يوم في سبيل الله خيرًا من الدنيا وما فيها؛ لأنه عمل يؤدي إلى الجنة،
стр. 10436
وصار موضع سوط في الجنة خيرًا من الدنيا وما فيها من أجل أن الدنيا فانية، وكل شيء في الجنة باق، وإن صغر في التمثيل قلنا: (وليس) (١)، لباقيها صغير فهو أدوم وأبقى من الدنيا الفانية المنقطعة، فكان الباقي الدائم خيرًا من المنقطع.
وقال هنا: ("حتى أخرج إلى خيبر") وهذا ليس بمحفوظ؛ لأن أنسًا قَالَ: خدمته عشر سنين، فكان أول خدمته قبل خيبر بست سنين؛ لأن خيبر سنة ست، ويحتمل أن يكون هذا القول منه حين خروجه إلى خيبر يخدمه غير أنس بالمدينة حَتَّى يخرج، أو أخذه للسفر فقط. ونقل ابن بطال عن أبي (عبد) (١) الله أن في حديث هذا وأنا غلام راهقت الحلم، وفي طريق آخر: وأنا ابن عشر سنين، وكذلك في حديث ابن عباس: ناهزت الحلم (٢)، وفي طريق آخر: توفي رسول الله وأنا ابن عشر سنين، وقد حفظت المحكم الذي يدعونه المفصل (٣)، فسمي أنس وابن عباس ابن عشر سنين مراهقًا.
وفيه: جواز استخدام اليتامى بشبعهم وكسوتهم، وجواز الاستخدام لهم بغير نفقة ولا كسوة إذا كان في خدمة عالم أو إمام في الدين؛ لأنه لم يذكر في حديث أنس أن له أجرة الخدمة، وإن كان قد يجوز أن تكون نفقته من عند رسول الله ﷺ ، وأما الأجرة فلم يذكرها أنس في (حديثه) (٤) ولا ذكرها أحد عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أبي طلحة، ولا عن أم سليم، وهما اللذان أتيا به إلى رسول الله ﷺ وأسلماه لخدمته، ولم يشترطا أجرة ولا نفقة ولا غيرها، فجائز على اليتيم إسلام أمه ووصيه و (ذي) (٥) الرأي من أهله في الصناعات واستئجاره في المهنة، وذلك لازم (له) (٦) وينعقد عليه.
стр. 10439
وفيه: جواز حمل الصبيان في الغزو كما بوب له (١).
وقوله: (يحوي لها وراءه) فالحوية: مركب يهيأ للمرأة، قاله في "العين" (٢)، فكان ﷺ يجعل العباءة حوية، يجعلها حول سنام البعير.
وقوله: ("اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز الكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال") قَالَ الخطابي: أكثر الناس لا يفرقون بين الهم والحزن، وهما على اختلافهما في الاسم متقاربان في المعنى، إلا أن الحزن إنما يكون على أمر قد وقع، والهم إنما هو فيما يتوقع ولما يكون بعد (٣).
وقال القزاز: الهم: هو الغم والحزن. تقول: أهمني هذا الأمر أحزنني وهو مُهِم، ويحتمل أن يكون من همه المرض إذا أذابه وأنحله، مأخوذ من هم الشحم إذا أذابه، والشيء مهموم أي: مذاب، فيكون تعوذه من المرض الذي ينحل جسمه، (وضلع الدين): ثقله وغلظه، يقال: رجل ضليع إذا كان بدينًا قويًّا.
وقوله: (وكانت عروسًا) قَالَ الخليل: (رجل) (٤) عروس في رجال عرس، وامرأة عروس في نساء عرائس قَالَ: والعروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في تعريسهما أياما، وأحسن ذَلِكَ أن يقال للرجل مُعرس؛ لأنه قد أعرس أي: اتخذ عروسًا، وسيأتي طرف منه في المغازي.
стр. 10440
٧٥ - باب رُكُوبِ البَحْرِ
٢٨٩٤، ٢٨٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَرَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا في بَيْتِهَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: "عَجِبْتُ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ، كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ". فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: "أَنْتِ مَعَهُمْ". ثُمَّ نَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَيَقُولُ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ" فَتَزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَخَرَجَ بِهَا إِلَى الغَزْوِ، فَلَمَّا رَجَعَتْ قُرِّبَتْ دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا، فَوَقَعَتْ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا. [انظر: ٢٧٨٨، ٢٧٨٩،
مسلم: ١٩١٢ - فتح: ٦/ ٨٧]
ذكر فيه حديث أنس في قصة أم حَرَام، وقد سلف.
وقدمنا أن فيه جواز ركوب البحر للجهاد، وإذا جاز للجهاد فالحج أجوز، لا جرم أن الأظهر عند الشافعي وجوب ركوبه له إن غلبت السلامة.
وبه قَالَ مالك وأبو حنيفة؛ وكره مالك للمرأة الحج في البحر، وهو للجهاد أكره، وسببه أن المرأة لا تكاد تستر عن الرجال ولا يستترون عنها، ونظرها إلى عَورات الرجال ونظرهم إليها حرام، فلم (ير لها) (١) استباحة فضيلة ولا أداء فريضة بمواقعة محرم.
وذكر مالك أن عمر بن الخطاب كان يمنع الناس من ركوب البحر فلم يركبه أحد طول حياته، فلما مات استأذن معاوية عثمان بن عفان في ركوبه فأذن له، فلم يزل يركب حَتَّى كان عمر بن عبد العزيز فمنع من
стр. 10441
ركوبه، ثم ركب بعده إلى الآن (١).
ولا حجة لمن منع ركوبه؛ لأن السنة أَبَاحَتْهُ (للجهاد) (٢) للرجال والنساء في حديث الباب وغيره، وهي الحجة وفيها الأسوة، وقد ذكر أبو عبيد أنه ﷺ نهى عن ركوبه في وقت ارتجاجه وصعوبته، ساقه من حديث أبي عمران الجوني عن زهير بن عبد الله يرفعه: "من ركب البحر إذ التَجَّ" أو قَالَ: "ارْتَجَّ فقد برئت منه الذمَّة" أو قَالَ: "فلا يلومن إلا نفسه" (٣)، قَالَ أبو عبيد: وأكثر ظني أنه قَالَ التج باللام (٤)، فدل على أن ركوبه مباح في غير هذا الوقت في كل شيء في التجارة وغيرها وقد سبق في باب التجارة في البحر من البيوع واضحًا.
الشرح:
التعليق عن ابن عباس سلف أول الكتاب وغيره مسندًا (١).
وحديث سعد من أفراده وعند الإسماعيلي: "إنما نصر" وفي لفظ: "نصر الله هذِه الأمة بضعفائهم بدعواتهم وصلواتهم وإخلاصهم" وفي لفظ: ظن أن له فضلاً على من دونه من أصحاب رسول الله ﷺ .
وللنسائي: "بصومهم وصلاتهم ودعائهم" (٢).
ولعبد الرزاق عن مكحول أن سعدًا قَالَ: يا رسول الله، أرأيت رجلاً يكون حامية القوم، ويدفع عن أصحابه أيكون نصيبه كنصيب غيره؛ فقال ﷺ : "ثكلتك أمك يا ابن أم سعد، وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟! " (٣).
وحديث أبي سعيد سيأتي في أعلام النبوة وغيرها، وتأويل ذَلِكَ أن عبادة الضعفاء ودعاءهم أشد إخلاصًا وأكثر خشوعًا لخلو قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وزينتها، وصفاء ضمائرهم مما يقطعهم عن الله تعالى، فجعلوا همَّهم همًّا واحدًا فزكت أعمالهم، وأجيب دعاؤهم. وعبارة ابن التين تعني: أنهم قليلو المال والعشائر؛ لأنهم من قبائلَ شتى، يدعون من أقاصي البلاد، وهم أهل الصُّفَّة، حبسوا أنفسهم لله، فأكثر قصدهم الغزو والصلاة والدعاء.
قَالَ المهلب: إنما أراد ﷺ بهذا القول لسعد الحض على التواضع، ونفي الكبر والزهو عن قلوب المؤمنين.
стр. 10444
ففيه من الفقه: أن مَنْ زَهَا على مَنْ هو دونه، أنه يَنْبغي أَنْ يُبَيَّنَ من فضله ما يُحْدِثُ له في نفس المَزْهُوِّ مِقْدَارًا وفضلًا حَتَّى لا يحتقر أحدًا من المسلمين، ألا ترى أنه ﷺ أبان من حال الضعفاء ما ليس لأهل القوة من الغناء، فأخبر أن بدعائهم وصومهم وصلاتهم ينصرون.
ويمكن أن يكون هذا المعنى الذي لم يذكره في حديث سعد الذي (ذكرناه) (١) الذي رأى به الفضل لنفسه على من دونه، وفي حديث أبي سعيد ما يشهد لصحته، ويوافق معناه قوله ﷺ : "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٢)؛ لأنه يفتح لهم لفضلهم ثم يفتح للتابعين لفضلهم، ثم يفتح لتابعيهم، فأوجب الفضل للثلاثة القرون، ولم يذكر الرابع، ولم يذكر له فضلاً فالنصر منهم أقل.
وفيه: معجزة لسيدنا رسول الله ﷺ وفضله لأصحابه وتابعيهم.
والفئام: بفاء مكسورة وهمزة، ويقال بتخفيفها، وثالثة فتح الفاء ذكره ابن عديس، قَالَ الأزهري والجوهري: العامة تقول فيام بلا همز (٣)، وهي الجماعة من الناس وغيرهم، قاله صاحب "العين" (٤)، ولا واحد له من لفظه.
وجاء في لفظ: "هل فيكم من رأى رسول الله ﷺ " بدل من "صحب"، وهو رد لقول جماعة من المتصوفة القائلين أن سيدنا رسول الله ﷺ لم يره أحد في صورته، ذكره السمعاني.
أنه جرح نفسه؛ فقتل نفسه .. الحديث، وفي آخره: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ".
الشرح:
التعليق الأول سلف قريبًا مسندًا (١).
وحديث سهل يأتي في غزوة خيبر أيضًا، وقال ابن الجوزي: كان يوم أحد، (قَالَ) (٢): واسم الرجل قزمان وهو معدود في المنافقين، وكان تخلف يوم أحد فعيره النساء، وقلن له: ما أنت إلا امرأة فخرج، فكان أول من رَمَى بسهم، ثم كسر جفن سيفه ونادى: يا للأوس قاتلوا على الأحساب، فلما جرح مَرَّ به قتادة بن النعمان فقال له: هنيئًا لك الشهادة، فقال: إني والله ما قاتلت على دين ما قاتلت إلا على الحناط (٣) ثم قتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" (٤).
واعترض المحب الطبري فقال: كذا زعم ابن الجوزي أن اسمه قزمان، وأنه ﵇ قال: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"، وذكر أنها كانت بأحد، ويؤيده سياق ابن إسحاق في "سيرته" (٥)، لعل
стр. 10447
ابن الجوزي وَهِمَ في تسميته ذلك بقزمان لتشابه اللفظ.
قال: وفي رواية: كان ذلك بخيبر، وفي أخرى: بحنين. إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها: اعترض المهلب فقال: في الحديث ضد ما ترجم به البخاري أنه لا يقال: فلان شهيد، ثم أدخل هذا الحديث وليس فيه من معنى الشهادة شيء، وإنما فيه ضدها، والمعنى الذي ترجم به قولهم: (ما أجزأ منا اليوم أحد، ما أجزأ فلان)، فمدحوا جزاءه وغَنَاءَهُ، ففهم منهم (أنهم) (١) قضوا له بالجنة في نفوسهم بغنائه ذَلِكَ، فأوحى الله إليه بغيب مآل أمره لئلا يشهدوا لحي شهادة قاطعة عند الله ولا لميت كما قَالَ رسول الله ﷺ في عثمان بن مظعون: "والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل به" (٢)، وكذلك لا يعلم شيئًا من الوحي حَتَّى يوحى إليه به، ويعرف بغيبه فقال: "إنه في النار" بوحي من الله له.
ثانيها: الشاذة والفاذة: بذالين معجمتين، والشين في الأولى معجمة: ما شذت عن صواحبها، وكذا الفاذة التي انفردت، وصفه بأنه لا يبقى شيء إلا أتى عليه، وأنثها على وجه المبالغة كما قالوا: علامة ونسابة. وعن ابن الأعرابي: فلان لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إذا كان شجاعًا لا يلقاه أحد، وقيل: أنث الشاذة؛ لأنها بمعنى النسمة.
وقال الخطابي: الشاذة: هي التي كانت في القوم ثم شذت منهم، والفاذة: من لم تختلط معهم أصلاً (٣)، وقال الداودي: يعني هما ما صغر وكبر ويركب كل صعب وذلول.
стр. 10448
و (أجزأ) مهموز، أي: ما أغنى منا ولا كفى. قَالَ القرطبي: كذا صحت روايتنا فيه رباعيًّا (١). وفي "الصحاح" أجزأني الشيء: كفاني، وجزأ عني هذا الأمر، أي: قضى (٢).
و (ذباب السيف) طرفه كما قاله القزاز، (وحدُّه) (٣) كما قاله ابن فارس (٤).
وقوله: (بين ثدييه) قَالَ ابن فارس: الثدي للمرأة، والجمع الثُّدى، ويذكر ويؤنث، وثُنْدُؤَةُ الرجل كثدي المرأة، وهو مهموز إذا ضم أوله، فإذا فتحت لم يهمز، ويقال: هو طرف الثدي (٥).
ووصفه الرجل بأنه من أهل النار يحتمل أمورًا:
أحدها: لنفاقه في الباطن ويؤيده ما أسلفناه.
ثانيها: أنه لم (يكن ليقاتل) (٦) لتكون كلمة الله هي العليا.
ثالثها: أنه ارتاب عند الجزع فمات على شك.
رابعها: أنه لم يبلغ به الجراح إلى أن أنفذت مقاتِلَهُ ليكون كمن استسرع الموت، وكمن احترق مركب وهو فيه فرمى بنفسه إلى البحر وإن كان ربيعة يكره ذَلِكَ، قَالَ ابن التين: وذكره أن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة يدل أنه لم يكن منافقًا ولا قاتل لغير الله، وإنما ذَلِكَ لقتله نفسه.
ثالثها: فيه صدق الخبر عما يكون وخروجه على ما أخبر به المخبر زيادة في زكاته، وهو من الشارع من علامات النبوة، وزيادة في يقين
стр. 10449
المؤمنين به، ألا ترى قول الرجل حين رأى قَتْلَهُ لِنَفْسِهِ: أشهد أنك رسول الله، وهو قد كان شهد قبل ذلك، وقد قال ذلك الصديق في غير ما قصة، حين كان يرى صدق ما أخبر به، كان يقول: أشهد أنك رسول الله.
وفيه: جواز الإغياء (١) في الوصف لقوله: (ما أجزأ منا اليوم أحد مثل ما أجزأ)، ولا شك أن في الصحابة من كان فوقه، وأنه قد ترك شاذات وفاذات لم يدركها، وإنما خرج كلامه على الإغياء والمبالغة، وهو جائز عند العرب.
وقوله: (إلا اتبعها بسيفه) معناه: يضرب الشيء المتبوع؛ لأن المؤنث قد يجوز تذكيره على معنى أنه شيء وأنشد الفراء (للأعرابية) (٢): تركتني في الحي ذا غربة
تريد ذات (غربة) (٣)، لكنها ذكرت على تقدير تركتني في الحي (إنسان) (٤) ذا غربة أو شخصا ذا غربة، قَال القرطبي في حديث أبي هريرة: "إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له بعمل أهل النار فيدخلها" وهو غير حديث سهل، لأن ذاك لم يكن مخلصًا، وهنا يتأول -على بُعْدٍ- على من كان مخلِصًا في أعماله قائمًا على شروطها، لكن سبقت عليه سابقة القدر الذي لا محيص عنه فبدل به عند خاتمته (٥).
الشرح:
أما الآية: فالقوة المذكورة فيها هو الرمي، كما أخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] ألا إن القوة الرمي" ثلاثًا (١). وقال ابن المنذر أيضًا: إنه ثابت. والقوة: التقوِّي بإعداد ما يحتاج إليه من الدروع والسيوف وسائر آلات الحرب، إلا أنه لما كان الرمي أنكاها في العدو، وأنفعها على ما هو مشاهد، فسرها به وخصها بالذكر وأكدها ثلاثًا.
وفيه أيضًا من هذا الوجه مرفوعًا: "من علم الرمي ثم تركه فليس منا" (٢)، وفي رواية الحاكم "فهي نعمة كفرها". ثم قَالَ: صحيح الإسناد (٣). ولأبي داود: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة، صانعه يحتسب به، والرامي به، ومنبله، فارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليَّ من أن تركبوا، ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها" أو قَالَ: "كفرها" (٤).
وللترمذي من طريق منقطعة: "ألا إن الله سيفتح عليكم الأرض، وستكفون المؤنة، فلا يعجزن أحدكم أن يلهو بسهمه" (٥).
стр. 10452
وحديث سلمة: من أفراده، وفي رواية للحاكم: فلقد رموا عامة يومهم ذَلِكَ ثم تفرقوا على السواء ما يضل بعضهم بعضا. وقال في أوله: "حسن هذا اللهو" (١) مرتين أو ثلاثًا، ثم قَالَ: صحيح الإسناد (٢). وروى ابن (مطير) (٣) في كتاب "الرمي" بإسناده عن أبي العالية عن ابن عباس أنه ﷺ مر بنفر يرمون فقال: "رميًا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا" (٤).
وروى ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة خرج النبي ﷺ وأسلم يرمون، فقال: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا، ارموا وأنا مع ابن الأدرع". فأمسك القوم قسيهم قالوا: من كنت معه غلب. قَالَ: "ارموا وأنا معكم كلكم" (٥).
قلتُ: وابن الأدرع اسمه محجن كما أفاده ابن عبد البر (٦)، وفي حديث سلمة هذا تقويةٌ لما رواه ابن سعد من حديث ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، أخبرني بكر بن سوادة، سمع علي بن رباح يقول: قَالَ رسول الله ﷺ : "كل العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم" (٧)، وذكره ابن هشام أيضًا عن بعض أهل اليمن يعني
стр. 10453
النسابين (١)، وفي كتاب الزبير: حَدَّثَني إبراهيم الجزامي، حَدَّثَني عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن صالح الحميري، عن ثور، عن مكحول قَالَ رسول الله ﷺ : "العرب كلها بنو إسماعيل إلا أربع قبائل: السلف، والأوزاع، وحضرموت، وثقيف". ورواه صاعد في "فصوصه" من حديث عبد العزيز بن عمران، عن معاوية أخبرني مكحول، عن مالك بن يخامر وله صحبة، فذكره (٢).
قَالَ ابن عبد البر: قَالَوا: قحطان بن تيمن بن هميسع بن نبت وهو ثابت بن إسماعيل، وقيل: قحطان بن يمن بن هميسع بن ثابت، وقيل: قحطان بن هميسع بن أصياف بن هميسع بن أصياف بن هميسع بن أصياف بن هود بن شروان بن الثيان بن العامل بن مهران بن يحيى بن يقظان بن (سادب) (٣) وهو ثابت بن تيمن بن النبت بن إسماعيل ﷺ ، ومن جعل قحطان من ولد إسماعيل يشهد له قول المنذر بن حرام جد حسان بن ثابت حيث يقول:
ورثنا من البهلول عمرو بن عامر … وحارثة الغِطْرِيف مجدًا مؤثَّلا
مآثر من نبت بن نبت بن مالك … ونبت بن إسماعيل ما إن تحولا
وحديث أبي أُسيد -بضم الهمزة- ذكره في المغازي عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن أبي أحمد الزبيري، عن ابن الغسيل، عن حمزة والزبير بن المنذر بن أبي أسيد، عن أبيهما.
وخالف في ذَلِكَ أبو نعيم الحافظ فأدخل بين حمزة وابن الغسيل عباس بن سهل بن سعد من طريق أبي أحمد الزبيري، عن
стр. 10454
عبد الرحمن، عن عباس، عن حمزة، عن أبيه، ورواه الطبراني من طريق يحيى الحماني وأي نعيم الدكيني، عن ابن الغسيل، عن عباس وحمزة بن أبي أسيد (١). وقال أبو نعيم مرة: عن المنذر بن أبي أسيد. ولم يقل: الزبير بن المنذر بن أبي أسيد. وكأنه أشبه لقوله: عن أبيهما.
فائدة:
قيل: سمي الغسيل لأن الملائكة غسلته. وعبد الرحمن قيل: عاش مائة وستين سنة حكاه ابن التين.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فمعنى: (يَنْتَضِلُون): بالضاد المعجمة يَرْتَمُون، يقال: ناضلت الرجل: رميته.
والنَّضْلُ الرمي مع الأصحاب، وقال ابن فارس: نَضَلَ فَلانٌ فلانًا في المُرَاماة إذا غلبه، ونَاضَلْت فلانًا غلبته، وانْتَضَل القوم وتَنَاضَلُوا إذا رموا للسَّبْقِ (٢).
ثم فيه فوائد: الأولى: قوله "ارموا بني إسماعيل" فيه دلالة على رجحان قول من قَالَ من أهل النسب أن اليمن من ولد إسماعيل وأسلم من قحطان، وقد سلف واضحًا.
الثانية: قوله: "فإن أباكم": فيه أن الجد وإن على يسمى أبًا.
الثالثة: أن السلطان يأمر رجاله بتعلم الفروسية ويحض عليها.
الرابعة: أن الرجل يطلب الخلال المحمودة ويتبعها ويعمل (بمثلها) (٣)، قَالَ:
стр. 10455
ألسنا وإن كرمت أوائلنا … يومًا على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا … تبني ونفعل مثل ما فعلوا
الخامسة: قوله: (حين صففنا لقريش). وفي بعض النسخ: أسففنا، حكاه الخطابي ثم قَالَ: فإن كان محفوظًا فمعناه القرب منهم والتدلي عليهم؛ كأن مكانهم الذي كانوا فيه أهبط من مصاف هؤلاء، ومنه قولهم: أسف الطائر في طيرانه، إذا انحط إلى أن يقارب إلى وجه الأرض، ثم يطير صاعدًا (١).
السادسة: (أكثبوكم). بثاء مثلثة ثم باء موحدة، أي دنوا منكم وقاربوكم، وفي "الغريبين" حذف الألف، فلعلهما لغتان، وقال ابن فارس: أكثب الصيد إذا أمكن من نفسه، وهو (من) (٢) الكَثَبَ وهو القُرْب (٣). وقال الداودي معنى أكثبوكم: كثروا وحملوا عليكم، وذلك أن النبل إذا رمي في الجمع لم يخطئ، ففيه ردع لهم. ونقل ابن بطال عن "الأفعال" أن العرب تقول: أكثبك الصيد قرب منك، والكثب: القرب، فمعنى أكثبوكم قربوا منكم (٤).
السابعة: أن السلطان يعلم المجودين بأنه معهم، أي: من حزبهم، ومحب لهم كما فعل ﷺ للمجودين في الرماية، فقال: "وأنا مع بني فلان". أي أنا محب لهم ولفعلهم، كما قَالَ: "المرء مع من أحب" (٥).
الثامنة: أنه يجوز للرجل أن يبين عن تفاضل إخوانه وأهله وخاصته
стр. 10456
في محبته ويعلمهم كلهم أنهم في حزبه ومودته كما قَالَ ﷺ : "أنا معكم كلكم" بعد أن كان أفرد إحدى الطائفتين.
التاسعة: أن من صار السلطان عليه في جملة الحزب المناضلين له أن لا يتعرض لمناوأته كما فعل القوم حين أمسكوا؛ لكونه ﷺ مع مناضليهم خوف أن يرموا فيسبقوا فيكون ﷺ مع من سُبق، فيكون ذَلِكَ جنفًا على رسول الله ﷺ ، فأمسكوا تأدبًا، فلما أعلمهم أنه معهم أيضًا رموا؛ لسقوط هذا المعنى.
العاشرة: أن السلطان يجب أن يعلم بنفسه أمور القتال اقتداءً به.
فائدة:
في فضل الرمي والتحريض عليه غير ما سبق، ولنذكر منها خمسة أحاديث:
أحدها: حديث أبي نجيح عمرو بن عبسة مرفوعًا في فضل من رمى بسهم في سبيل الله، أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (١).
ثانيها: حديث كعب بن مرة: "من رمى بسهم في سبيل الله فبلغ العدو أو لم يبلغ كان له كعتق رقبة". أخرجه النسائي (٢)، ولابن حبان: "من رمى فبلغ العدو بسهم رفع الله به درجته" فقال عبد الرحمن بن النَّحَّام: يا رسول الله، ما الدرجة؟ قَالَ: "أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام" (٣).
стр. 10457
ثالثها: حديث عقبة، وقد سلف أول الباب، ورويناه في "الخلعيات" من حديث الربيع بن صبيح عن الحسن -يعني: ابن أبي الحسناء؛ فيما صوبه الخطيب- عن أنس "يدخل الله الجنة بالسهم ثلاثة: الرامي به، وصانعه، والمحتسب به"، وفي لفظ: "من اتخذ قوسًا عربية وجبيرها -يعني: كنانته- نفي عنه الفقر" وفي لفظ: "أربعين سنة".
رابعها: حديث على رأى رسول الله ﷺ رجلاً يرمي بقوس فارسية فقال: "ارم بها" فنظر إلى قوس عربية فقال: "عليكم بهذِه وأمثالها، فإن بهذِه يمكن الله لكم في البلاد ويزيدكم في النصر" أخرجه أبو داود (١) من حديث أبي راشد الحبراني عنه (٢)، وإنما نهى عن القوس الفارسية؛ لأنها إذا انقطع وترها لم ينتفع بها صاحبها، والعربية إذا انقطع وترها كان له عصا ينتفع بها، حكاه البيهقي (٣).
خامسها: حديث أبي عبيدة (٤) عن أبيه عبد الله قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ يوم الطائف: "قاتلوا أهل الصنع (٥) فمن بلغ بسهم فإنه درجة في الجنة". أخرجه الطبراني.
стр. 10458
٧٩ - باب اللَّهْوِ بِالْحِرَابِ وَنَحْوِهَا
٢٩٠١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِحِرَابِهِمْ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَهْوَى إِلَى الْحَصَى فَحَصَبَهُمْ بِهَا. فَقَالَ: "دَعْهُمْ يَا عُمَرُ". وَزَادَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ: في المَسْجِدِ. [مسلم: ٨٩٣ - فتح: ٦/ ٩٢]
ذكر فيه حديث مَعْمَرٍ، عَنِ الزّهْرِيّ، عَنِ ابن المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا الحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِي ﷺ بحِرَابِهِمْ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَهْوى إِلَى الحَصَي فَحَصَبَهُمْ بِهَا، فَقَالَ: "دَعْهُمْ يَا عُمَرُ". وَزَادَ عَلِيٌّ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ: فِي المَسْجِدِ.
وأخرجه الإسماعيلي من حديث الوليد، ثنا الأوزاعي، عن الزهري؛ فقال: في المسجد.
وكذا هو في "صحيح مسلم"، وهذا الحديث سبق في مثله في الصلاة، وترجم عليه: باب: أصحاب الحراب في المسجد (١)، وقد سلف هناك.
واللعب بالحراب سنة؛ ليكون ذَلِكَ (عدة) (٢) للقاء العدو؛ وليتدرب الناس فيه، ولم يعلم عمر معنى ذَلِكَ حين حصبهم حَتَّى قَالَ ﷺ : "دعهم".
ففيه: أن من تأول فأخطأ لا لوم عليه؛ لأنه ﷺ لم يوبخ عمر على ذَلِكَ، إذ كان متاولاً، وقال ابن التين: حصب عمر الحبشة يحتمل أن يكون لم ير رسول الله، ولم يعلم أنه رآهم، أو يكون ظن أنه استحى
стр. 10459
منهم، قَالَ: وهذا أولى؛ لقوله: يلعبون عند رسول الله ﷺ .
وفيه: جواز مثل هذا اللعب في المسجد إذا كان مما يشمل الناس نفعه، وقد سلف (مستوفى) (١) في الباب المشار إليه.
ثالثها: حديث عُمَرَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ.
الشرح:
حديث أنس من أفراده.
ومعنى: (يتترس مع رسول الله بترس واحد) قيل: يريد لأن الرامي لا يمسك الترس إنما يرمي بيديه جميعًا، فيستره رسول الله ﷺ لئلا يرمى وكان حسن الرمي وانكسر في يده قوسان أو ثلاثة، وفي رواية: أنه كان يقول لرسول الله ﷺ : لا تشرف فيصيبك العدو، نحري دون نحرك (١).
وفي حديث سهل ما أصيب سيدنا رسول الله ﷺ يوم أحد مما ذكر من كسر البيضة والرباعية، وهي السن التي بين الثنية والناب، وإدماء وجهه، أدماه عتبة بن أبي وقاص أخو سعد، ورماه ابن قمئة، وقال: خذها وأنا ابن قمئة، فقال له النبي ﷺ : "أقمأك الله في النار" فدخل بعد ذَلِكَ صبرة غنم فنطحه تيس منها، وواراه فلم يوجد له مكان، وأراد أبّي بن خلف أن يرميه، فأراد طلحة أن يحول بينه وبينه فقال له النبي ﷺ يلي: "كما أنت"، ورمى رسول الله ﷺ أُبَيًّا فأصابه تحت سابغة الدرع في نحوه فمات من يومه (٢).
وقوله: (فرقاً الدم) وهو مهموز أي: أمسك عن الجري.
стр. 10462
قَالَ صاحب "الأفعال": يقال: رقأ الدم والدمع رقوءًا: سكن بعد جَرْيه (١).
وقوله: (مما لم يوجف) يقال: وجف البعير يجف وَجَفًا وَوَجِيْفًا، وهو ضرب من سيره، وأَوْجَفه صاحبه إذا سار به ذَلِكَ السير، قَالَ ابن فارس: أوجف أعنق في السير (٢)، وقال نحوه الهروي، ووجيفها سرعتها في سيرها، وأوجفها راكبها، وكانت غزوة بني النضير في سنة أربع، وقال ابن شهاب: سنة ثلاث.
و (الكراع): اسم لجميع الخيل.
وفيه: -كما قَالَ المهلب- ركوب شيء من (الغرر) (٣) للإمام لحرصه على معاينة مكان العدو، وإن كان احتراس الإمام خطيرًا، أو ليس كسائر الناس في ذَلِكَ بل هو آكد.
وفيه: اختفاء السلطان عند اصطفاف القتال لئلا يعرف مكانه.
وفيه: امتحانُ الأنبياء وابتلاؤُهم (كما سلف) (٤) ليعظُمَ بذلك أجرهم، ويكون أسوة بمن ناله جرح وأم من أصحابه فلا يجدون في أنفسهم مما نالهم غضاضة، ولا يجد الشيطان السبيل إليهم بأن يقول لهم: تقتلون أنفسكم، وتحملون الآلام في صون هذا، فإذا أصابه ما أصابهم فقدت هذِه المكيدة من اللعين، وتأسى الناس به، وجدّوا في مساواتهم له في جميع أحواله.
стр. 10463
وفيه: خدمة الإمام، وبذل (السلاح) (١) فيما يضرها إذا كان في ذَلِكَ منفعة لخطير من الناس.
وفيه: دليل أن ترسهم كانت متقعرة ولم تكن منبسطة، فلذلك كان يمكن حمل الماء فيها.
وفيه: أن النساء ألطف بمعالجة الرجال الجرحى.
стр. 10464
- باب
٢٩٠٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ: قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلاً بَعْدَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي". [٤٠٥٨، ٤٠٥٩، ٦١٨٤ - مسلم: ٢٤١١ - فتح: ٦/ ٩٣]
ذكر فيه حديث على: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمَّي".
الشرح:
ادَّعى المهلب أن هذا مما خص به سعد، وليس كذلك ففي الصحيحين أنه فدى الزبير بذلك (١)، وقد سلف، ولعل عليًّا لم يسمعه. قال النووي: وقد جمعهما لغيرهما أيضًا، والفدية بذلك جائزة عند الجمهور، وكرهه عمر بن الخطاب والحسن البصري، وكرهه بعضهم في التفدية بالمسلم من أبويه. والصحيح الجواز مطلقًا؛ لأنه ليس فيه حقيقة فداء، وإنما هو بر ولطف وإعلام بمحبته له، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالتفدية مطلقًا (٢).
وأَمَّا ما رَوى أبو أسامة (٣) - عن مبارك، عن الحسن: دخل الزبير على رسول الله ﷺ -وهو شاك؛ فقال: كيف تجدك جعلني الله فداك؟ فقال
стр. 10465
- ﷺ : "ما تركت أعرابيتك بعد" قَالَ الحسن: لا ينبغي أن يفدي أحدٌ أحدًا. ورواه المنكدر عن أبيه قَالَ: دخل الزبير فذكره .. (١) - فَغَيْرُ صَحِيحٍ لإرسالِ الأوَّلِ وضَعْفِ الثاني.
قَالَ الطبري: هذِه أخبار واهية لا (يثبت بمثلها) (٢) حجة؛ لأن مراسيل الحسن أكثرها صُحُفٌ غَيرُ سَمَاعٍ، وإذا وصل الأخبار فأكثر روايته عن مجاهيل لا يعرفون، والمنكدر بن محمد عند أهل النقل لا يعتمد على نقله. وعلى تقدير الصحة ليس فيه النهي عن ذَلِكَ، والمعروف من قول القائل إذا قَالَ: فلان لم يترك أعرابيته أنه نسبه إلى الجفاء لا إلى فعل ما لا يجوز، وأَعْلَمَهُ أن غيره من القول والتحية ألطف وأرق منه (٣). وسيمر بك شيء من هذا المعنى في كتاب الأدب إن شاء الله.
ثم التفدية منه دعاء، وأدعيته مستجابة، وقد يوهم أن يكون فيه إزراء بحق الوالدين، وإنما جاز ذَلِكَ؛ لأن أبويه ماتا وهما هما، وسعد مسلم، ففديته بهما غير محظور، قاله الخطابي (٤).
وفيه: دلالة على حرمة الأبوة كيف كانت وحقها؛ لأنه لا يفدي إلا بذي حرمة ومنزلة، وإلا لم تكن بفدية ولا بفضيلة للمفدى. ومن هنا قَالَ مالك: من آذى مسلمًا في أبويه الكافرين عوقب وأدب بحرمتهما عليه.
стр. 10466
٨١ - باب الدَّرَقِ
٢٩٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "دَعْهُمَا". فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا. [انظر: ٩٤٩ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٦/ ٩٤]
٢٩٠٧ - قَالَتْ: وَكَانَ يَوْمُ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَإِمَّا قَالَ: "تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ". فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَيَقُولُ: "دُونَكُمْ بَنِي أَرْفِدَةَ". حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: "حَسْبُكِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَاذْهَبِي". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، فَلَمَّا غَفَلَ. [انظر: ٤٥٤ - مسلم: ٨١٢ - فتح: ٦/ ٩٤]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ. قَالَتْ: وَكَانَ (يومًا عندي) (١) يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، إلى قوله: "دُونَكُمْ بَنِي أَرْفِدَةَ". قَالَ أَحْمَدُ، عَنِ ابن وَهْبٍ: فَلَمَّا غَفَلَ. وقد سلف في العيد وغيره.
و (أرفدة) لعب لهم أو اسم أبيهم الأقدم، وقال ابن بطال: نسبة إلى جدهم وكان يسمى أرفدة (٢).
وفيه: أن الدرق من آلات الحرب التي ينبغي لأهلها اتخاذها، والتحرز بها من أسلحة العدو، وأن الصحابة استعملوها في ذَلِكَ.
وقوله: ("دونكم بني أرفدة") يحضهم على ما هم فيه من اللعب بالحراب والدرق؛ لأن في ذَلِكَ منفعة وتدريبًا وعدة للقاء العدو.
стр. 10467
٨٢ - باب الحَمَائِلِ وَتَعْلِيقِ السَّيْفِ بِالْعُنُقِ
٢٩٠٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الَمدِينَةِ لَيْلَةً فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُم النَّبِيُّ ﷺ وَقَدِ اسْتَبْرَأَ الخَبَرَ، وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأبي طَلْحَةَ عُرْيٍ وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهْوَ يَقُولُ: "لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا". ثُمَّ قَالَ: "وَجَدْنَاهُ بَحْرًا". أَوْ قَالَ: "إِنَّهُ لَبَحْرٌ". [انظر: ٢٦٢٧ - مسلم: ٢٣٠٧ - فتح: ٦/ ٩٥]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ .. وَأَشْجَعَ النَّاسِ، إلى أن قال: وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عري وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ. وقد سلف.
وذكره هنا لأجل قوله: (وفي عنقه السيف). فأفاد به أن السيوف كانت تقلد في الأعناق، بخلاف قول من اختار أن تربط في الحزام ولا تتقلد في العنق، وليس في شيء من هذا حرج.
وقوله: (عُرِيًّ). هو بكسر الراء وتشديد الياء كما ضبطه ابن التين، ثم قَالَ: وقال ابن فارس: اعروريت الفرس: ركبته عَرْيًا (١)، وهي نادرة، وضبطه بإسكان الراء وتخفيف الياء.
وقوله: ("لم تراعوا") قيل: لا تخافوا، فتكون: "لم" بمعنى (لا) كقول الهذلي:
وقالوا يا خويلد لم ترع
وقيل: تقديره: لم يكن خوف فتراعوا.
стр. 10468
وقوله: (ولقد فزع أهل المدينة). قَالَ الخطابي: الفزع يكون لمعنين: أحدهما الخوف، والآخر بمعنى الإغاثة، ومنه قوله للأنصار: "لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع" (١)، وقاله ابن فارس (٢)، وهو هنا: الذعر والخوف.
стр. 10469
٨٣ - باب حِلْيَةِ السُّيُوفِ
٢٩٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأوزَاعِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: لَقَدْ فَتَحَ الفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَتْ حِلْيَة سُيُوفِهِمِ الذَّهَبَ وَلا الفِضَّةَ، إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَتُهُمُ العَلَابيَّ وَالآنُكَ وَالَحْدِيدَ. [فتح: ٦/ ٩٥]
ذكر فيه: حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عَبْدُ اللهِ، أَنَا الأَوْزَاعِيُّ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ؟ لَقَدْ فَتَحَ الفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمِ الذَّهَبَ وَلَا الفِضِّةَ، إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَتُهُمُ العَلابِيَّ وَالآنُكَ وَالْحَدِيدَ.
وهو من أفراده، وعند الإسماعيلي: دخل -يعني سليمان بن (حبيب) (١) - على أبي أمامة حِمْصَ فَبصر برجل عليه سيف محلى، فغضب غضبًا شديدًا وقال: لأنتم أبخل من أهل الجاهلية، إن الله يرزق منكم الدرهم ينفقه في سبيل الله بسبعمائة، ثم إنكم تمسكون. ولما رواه أبو نعيم: قَالَ الأوزاعي: (العلابي): الجلود الخام التي ليست بمدبوغة. ولابن ماجَهْ: دخلنا على أبي أمامة فرأى في سيوفنا [شيئا] (٢) من حلية فضة، فغضب .. الحديث (٣).
و (عبد الله) في سند البخاري هو ابن المبارك.
و (الأوزاعي) هو الإمام عبد الرحمن بن عمرو، سكن (في) (٤) الأوزاع فنسب إليهم.
و (سليمان بن حبيب) هو المحاربي، قاضٍ شامي، تقضَّى سبعًا وعشرين سنة، وأبي أمامة اسمه صُدَيُّ بن عجلان.
стр. 10470
إذا تقرر ذَلِكَ، فالعَلابي جمع علباء، وهي: عصب العنق يُشْرَكُ ويُشَدُّ بِهَا -وهي رطبة- أجفان السيوفِ. وقيل: هي أَمْتَنُ ما يكون من البعير من الأعصاب. وقيل: تجفف ثم تشقق ثم يشد بها أجفان السيوف. وقال قوم في تأويل الحديث: هي ضرب من الرصاص. ولذلك قرن به الآنك، وهو ضرب منه، ذكره القزاز منكرًا على قائله، وأنه ليس بمعروف، إنما المراد شدها بالعلاب، وهو العصب. وقال الداودي: هي الرصاص، وأنكر عليه ذلك. وقال أبو (المعالي) (١) في "المنتهى": العلباء العصبة الصفراء في عنق البعير، وهما علباوان بينهما منبت العرق، وإن شئت علباءان لأنها همزة ملحقة، وإن شئت شبهتهما بالتأنيث التي في حمراء، وبالأصلية التي في كساء، والجمع: العلابي، والعلابي أيضًا: جنس من الرصاص. والعلابي في الحديث جمع علباء؛ لأنهم كانوا يشدون سيوفهم بالعلابيِّ.
و (الآنك): ضرب من الرصاص. وقال الفراء فيما حكاه في "الموعب" عنه: ربما أنث العلباء، ذهبوا به إلى العصبة، وهو قليل. وقال أبو حاتم: سالت بعض الفصحاء عن تأنيث العلباء، فأنكره. وفي "نوادر اللحياني": هو مذكر لا غير. وقال الجوهري: العلابي: العصب، عصب العنق، واحدها: عِلباء وقال: والعلابيُّ أيضًا الرصاص أو جنس منه (٢). وقال الأزهري في "تهذيبه": كانت العرب تشد بالعلابيِّ الرطبة أجفان سيوفها فتجف عليها (٣).