٨١ - باب الدَّرَقِ
٢٩٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "دَعْهُمَا". فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا. [انظر: ٩٤٩ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٦/ ٩٤]
٢٩٠٧ - قَالَتْ: وَكَانَ يَوْمُ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَإِمَّا قَالَ: "تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ". فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَيَقُولُ: "دُونَكُمْ بَنِي أَرْفِدَةَ". حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: "حَسْبُكِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَاذْهَبِي". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، فَلَمَّا غَفَلَ. [انظر: ٤٥٤ - مسلم: ٨١٢ - فتح: ٦/ ٩٤]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ. قَالَتْ: وَكَانَ (يومًا عندي) (١) يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، إلى قوله: "دُونَكُمْ بَنِي أَرْفِدَةَ". قَالَ أَحْمَدُ، عَنِ ابن وَهْبٍ: فَلَمَّا غَفَلَ. وقد سلف في العيد وغيره.
و (أرفدة) لعب لهم أو اسم أبيهم الأقدم، وقال ابن بطال: نسبة إلى جدهم وكان يسمى أرفدة (٢).
وفيه: أن الدرق من آلات الحرب التي ينبغي لأهلها اتخاذها، والتحرز بها من أسلحة العدو، وأن الصحابة استعملوها في ذَلِكَ.
وقوله: ("دونكم بني أرفدة") يحضهم على ما هم فيه من اللعب بالحراب والدرق؛ لأن في ذَلِكَ منفعة وتدريبًا وعدة للقاء العدو.
стр. 10467
٨٢ - باب الحَمَائِلِ وَتَعْلِيقِ السَّيْفِ بِالْعُنُقِ
٢٩٠٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الَمدِينَةِ لَيْلَةً فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُم النَّبِيُّ ﷺ وَقَدِ اسْتَبْرَأَ الخَبَرَ، وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأبي طَلْحَةَ عُرْيٍ وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهْوَ يَقُولُ: "لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا". ثُمَّ قَالَ: "وَجَدْنَاهُ بَحْرًا". أَوْ قَالَ: "إِنَّهُ لَبَحْرٌ". [انظر: ٢٦٢٧ - مسلم: ٢٣٠٧ - فتح: ٦/ ٩٥]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ .. وَأَشْجَعَ النَّاسِ، إلى أن قال: وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عري وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ. وقد سلف.
وذكره هنا لأجل قوله: (وفي عنقه السيف). فأفاد به أن السيوف كانت تقلد في الأعناق، بخلاف قول من اختار أن تربط في الحزام ولا تتقلد في العنق، وليس في شيء من هذا حرج.
وقوله: (عُرِيًّ). هو بكسر الراء وتشديد الياء كما ضبطه ابن التين، ثم قَالَ: وقال ابن فارس: اعروريت الفرس: ركبته عَرْيًا (١)، وهي نادرة، وضبطه بإسكان الراء وتخفيف الياء.
وقوله: ("لم تراعوا") قيل: لا تخافوا، فتكون: "لم" بمعنى (لا) كقول الهذلي:
وقالوا يا خويلد لم ترع
وقيل: تقديره: لم يكن خوف فتراعوا.
стр. 10468
وقوله: (ولقد فزع أهل المدينة). قَالَ الخطابي: الفزع يكون لمعنين: أحدهما الخوف، والآخر بمعنى الإغاثة، ومنه قوله للأنصار: "لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع" (١)، وقاله ابن فارس (٢)، وهو هنا: الذعر والخوف.
стр. 10469
٨٣ - باب حِلْيَةِ السُّيُوفِ
٢٩٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأوزَاعِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: لَقَدْ فَتَحَ الفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَتْ حِلْيَة سُيُوفِهِمِ الذَّهَبَ وَلا الفِضَّةَ، إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَتُهُمُ العَلَابيَّ وَالآنُكَ وَالَحْدِيدَ. [فتح: ٦/ ٩٥]
ذكر فيه: حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عَبْدُ اللهِ، أَنَا الأَوْزَاعِيُّ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ؟ لَقَدْ فَتَحَ الفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمِ الذَّهَبَ وَلَا الفِضِّةَ، إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَتُهُمُ العَلابِيَّ وَالآنُكَ وَالْحَدِيدَ.
وهو من أفراده، وعند الإسماعيلي: دخل -يعني سليمان بن (حبيب) (١) - على أبي أمامة حِمْصَ فَبصر برجل عليه سيف محلى، فغضب غضبًا شديدًا وقال: لأنتم أبخل من أهل الجاهلية، إن الله يرزق منكم الدرهم ينفقه في سبيل الله بسبعمائة، ثم إنكم تمسكون. ولما رواه أبو نعيم: قَالَ الأوزاعي: (العلابي): الجلود الخام التي ليست بمدبوغة. ولابن ماجَهْ: دخلنا على أبي أمامة فرأى في سيوفنا [شيئا] (٢) من حلية فضة، فغضب .. الحديث (٣).
و (عبد الله) في سند البخاري هو ابن المبارك.
و (الأوزاعي) هو الإمام عبد الرحمن بن عمرو، سكن (في) (٤) الأوزاع فنسب إليهم.
و (سليمان بن حبيب) هو المحاربي، قاضٍ شامي، تقضَّى سبعًا وعشرين سنة، وأبي أمامة اسمه صُدَيُّ بن عجلان.
стр. 10470
إذا تقرر ذَلِكَ، فالعَلابي جمع علباء، وهي: عصب العنق يُشْرَكُ ويُشَدُّ بِهَا -وهي رطبة- أجفان السيوفِ. وقيل: هي أَمْتَنُ ما يكون من البعير من الأعصاب. وقيل: تجفف ثم تشقق ثم يشد بها أجفان السيوف. وقال قوم في تأويل الحديث: هي ضرب من الرصاص. ولذلك قرن به الآنك، وهو ضرب منه، ذكره القزاز منكرًا على قائله، وأنه ليس بمعروف، إنما المراد شدها بالعلاب، وهو العصب. وقال الداودي: هي الرصاص، وأنكر عليه ذلك. وقال أبو (المعالي) (١) في "المنتهى": العلباء العصبة الصفراء في عنق البعير، وهما علباوان بينهما منبت العرق، وإن شئت علباءان لأنها همزة ملحقة، وإن شئت شبهتهما بالتأنيث التي في حمراء، وبالأصلية التي في كساء، والجمع: العلابي، والعلابي أيضًا: جنس من الرصاص. والعلابي في الحديث جمع علباء؛ لأنهم كانوا يشدون سيوفهم بالعلابيِّ.
و (الآنك): ضرب من الرصاص. وقال الفراء فيما حكاه في "الموعب" عنه: ربما أنث العلباء، ذهبوا به إلى العصبة، وهو قليل. وقال أبو حاتم: سالت بعض الفصحاء عن تأنيث العلباء، فأنكره. وفي "نوادر اللحياني": هو مذكر لا غير. وقال الجوهري: العلابي: العصب، عصب العنق، واحدها: عِلباء وقال: والعلابيُّ أيضًا الرصاص أو جنس منه (٢). وقال الأزهري في "تهذيبه": كانت العرب تشد بالعلابيِّ الرطبة أجفان سيوفها فتجف عليها (٣).
стр. 10471
وقال ابن بطال: هو شرك. قَالَ صاحب "العين": رُمْحٌ مُعَلَّبٌ ومَعْلُوبٌ مَجْلُوزٌ بِالعِلْبَاء، وهي: عصب العنق، يقال: عَلَّبت السيف أعلبه علبًا. إذا حرمت مقبضه بعلباء البعير. والآنك: الرصاص، وهو الأُسْرُبُّ (١)، قاله ابن بطال (٢). وقال ابن عزيز: هو الرصاص والأسْرُبُّ، وهو واحد لا جمع له. وقيل: هو من شاذ كلام العرب أن يكون واحد زنته أفعل، وكذلك أشد مثله. وقال ابن فارس: هو الذي يقال له السرب. وقال عن أعرابي: هذا رصاص آنك، وهو الخالص (٣). وقال الداودي: الآنك: القصدير. وكذا قَالَ في "الواعي": أنه الأُسْرُبُّ. يعني: القصدير. زاد في "المغيث": جعله بعضهم الخالص منه. وقيل: الآنك: اسم جنس، والقطعة منه آنكة، قيل: ويحتمل أن يكون الآنك فاعلاً وليسَ بأفعل، ويكون أيضًا شاذًّا (٤). وذكر الكراع أنه الرصاص القلعي. وقيل: الآنك: الرصاص الأبيض. وقيل: الأسود.
وفيه: كما قَالَ المهلب أن الحلية المباحة من الذهب والفضة في السيوف إنما كانت ليرهب بها على العدو، فاستغنى الصحابة بشدتهم على العدو وقوتهم في الإيقاع بهم والنكاية لهم عن إرهاب الحلية لإرهاب الناس وشجاعتهم.
стр. 10472
٨٤ - باب مَن عَلَّقَ سَيفَهُ بِالشَّجَرِ فِي السَّفَرِ عِندَ القَائِلَةِ
٢٩١٠ - حَدَّثَنَا أبو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيبُ، عَنِ الزّهْرِىِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِىِ سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ وَأَبُو سَلَمَةَ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَخْبَرَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُول اللهِ ﷺ قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَتيرِ العِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُول اللهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَة، وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُول اللهِ ﷺ يَدْعُونَا وَإِذَا عنده أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: "إِنَّ هذا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهْوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللهُ"، ثَلَاثًا؛ وَلَمْ يعَاقِبْهُ وَجَلَسَ [٢٩١٣، ٤١٣٤، ٤١٣٥، ٤١٣٦ - مسلم: ٨٤٣ - فتح: ٦/ ٩٦]
ذكر فيه حديث جَابِرٍ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِ" ﷺ قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ، ثم ذكر أنه علق سيفه بشجرة وذكر قصة الأعرابي معه.
ثم ترجم له بعد باب: تفرق الناس عن الإمام عند القائلة والاستظلال بالشجر، ثم ساقه أيضًا. وفي لفظٍ: كان قتادة يذكر أن قومًا من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله ﷺ ، فأرسلوا هذا الأعرابي (ويتلو) (١) ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ١١] (٢).
стр. 10473
قَالَ البخاري: قَالَ مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث (١). ورواه ابن أبي شيبة عن أسود بن عامر، ثَنَا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قَالَ: كنا إذا نزلنا طلبنا للنبي ﷺ أعظم شجرة وأظلها، قَالَ: فنزلنا تحت شجرة، فجاء رجل وأخذ سيفه وقال: يا محمد من يعصمك مني؟ قَالَ: "الله" فأنزل الله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) [المائدة: ٦٧] ولم يذكر فيه أن أحدًا كان يحرسه، بخلاف ما كان عليه في أول (أمره) (٣)، فإنه كان يحرس حتى نزل: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.
وروى الواحدي من حديث الحِمَّاني عن النَّضْر، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يحرس، فكان عمه أبو طالب يرسل معه كل يوم رجالًا من بني هاشم يحرسونه، فلما نزل عليه: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قَالَ: "يا عماه، إن الله عصمني من الجن والإنس" قَالَ: وقالت عائشة: سهر رسول الله ﷺ ذات ليلة فقال: "ألا رجل صالح يحرسني" فجاء سعد وحذيفة، فنام حتى سمعت غطيطه، فنزلت هذِه الآية، فأخرج رأسه من قبة أدم فقال: "انصرفا
فقد عصمني الله" (٤).
وعند البيهقي (٥): فسقط السيف من يد الأعرابي، فأخذه رسول الله
стр. 10474
- ﷺ من يده وقال: "من يمنعك مني؟ " فقَالَ: كن خير آخذ. قَالَ: "فتسلم؟ " قَالَ: لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله، فأتى أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس (١).
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فهنا أمور:
أحدها: كانت هذِه الواقعة قَبْل نجد (٢) كما سلف وعند الإسماعيلي: قبل أحد. وذكر ابن إسحاق أن ذَلِكَ كان في غزوته إلى غطفان لثنتي عشرة مضت من صفر (٣). وقيل: في ربيع الأول سنة اثنتين، وهي غزوة ذي أمر، وسماها الواقدي غزوة أنمار، ويقال: كان ذَلِكَ في ذات الرقاع، وأنه ﷺ نزع ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفا من مطر كان أصابه، واضطجع تحتها، فقال الكفار لدعثور -وكان سيدهم وكان شجاعًا- قد انفرد محمد فعليك به. فأقبل ومعه صارم حَتَّى قام على رأسه، فقال: من يمنعك مني؟ فقال رسول الله ﷺ : "الله" فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ وقال: "من يمنعك أنت اليوم مني؟ " فقَالَ: لا أحد. فقال: "قم فاذهب لشأنك" فلما ولى قَالَ: أنت خير مني. فقال ﷺ : "أنا أحق بذلك منك" ثم أسلم بعد. وفي لفظ: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله. ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام (٤).
стр. 10475
قلتُ: فيجوز تعدد الواقعة. وذكرها الحاكم في غزوة خيبر من حديث جابر (١)، ولعله أشبه؛ لأنه قيل: (إن [أنزول]) (٢) آية العصمة كان بعد بنائه بصفية أو ليلة البناء.
ثانيها: (اسمه) (٣) غورث بن الحارث كما سلف، وسماه الخطيب غورك بالكاف بدل الثاء (٤)، وللخطابي: غويرث بالتصغير. وذكر القاضي عياض أنه مضبوط عند بعض رواة البخاري بعين مهملة، قَالَ: وصوابه بالمعجمة (٥). وقال الجياني: هو فوعل من الغرث، وهو الجوع (٦).
ثالثها: قد أسلفنا أن جبريل ﷺ دفعه في صدره فوقع السيف. وعند الخطابي: لما هم بقتله أخذته الزلخة: يعني: رجفًا في صلبه، فندر السيف من يده.
رابعها: معنى: "اخترط سيفي وأنا نائم" أي: استله بسرعة، وأصله من خرطت العود أخرُطه وأخرِطه خرطًا، ذكره القزاز. وقال الداودي: معناه: سله.
وقوله: ("وهو في يده صلتا") أي: جرده، ومثله مصلت: مخرج من جفنه. وقال القرطبي في "شرح مختصره": قوله: "والسيف صلت في يده" روي برفع: "صلت" ونصبه، فمن رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو
стр. 10476
السيف، و"في يده" متعلق به، ومن نصب جعل الخبر في المجرور ونصب صلتا على الحال أي مصلتا، والمشهور فتح لام "صلت". وذكر القتبي أنها تكسر في لغة (١). وقال ابن عديس: ضربه بالسيف صَلتا وصُلتا بالفتح والضم. أي: مجردًا. يقال: سيف صلت و (منصلت) (٢) وإصليت: متجرد ماض.
وقوله: ("فَشَامَ السَّيفَ") أي: أغمده، ويطلق أيضًا في اللغة على سله، والمراد هنا: أغمده، وغمده وأغمده بمعنى. قَالَ المبرد: هو من الأضداد، سله وأغمده، وبه جزم ابن بطال أيضًا (٣).
خامسها: في هذا نزل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ الآية [المائدة: ١١] كما سلف. وقيل: فيه نزلت: ﴿وَهُوَ الذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] (وعورض هذا بقوله: ﴿بِبَطْنِ مَكَّة﴾) (٤) ولم تكن هذِه القصة في بطن مكة، وهذا ظاهر.
وقوله: ("من يمنعك مني؟ ") استفهام مشوب بالنفي، كأنه قَالَ: لا مانع (لي منك) (٥). فلم يُبَالِ بقوله، ولا عرج عليه ثقة بالله وتوكلًا عليه.
سادسها: في فوائده فيه كما قَالَ المهلب: أن تعليق السيف والسلاح في الشجر صيانة لها من الأمر المعمول به (٦).
стр. 10477
وفيه: أن تعليقها على بعد من صاحبها من الغرر لا سيما في القائلة والليل، لما وصل إليه هذا الأعرابي من سيفه ﷺ .
وفيه: تفرق الناس عن الإمام في القائلة، وطلبهم الظل والراحة، ولكن ليس ذَلِكَ في غير رسول الله ﷺ إلا بعد أن يبقى معه من يحرسه من أصحابه؛ لأن الله تعالى كان قد ضمن لنبيه العصمة، قاله ابن بطال، قَالَ: وقيل: إن هذِه القصة كانت سبب نزول هذِه الآية. ثم ساق ما أسلفناه عن ابن أبي شيبة (١).
وفيه: أن حراسة الإمام في القائلة والليل من الواجب على الناس، وأن تضييعه من المنكر والخطأ.
وفيه: جواز نوم المسافر إذا أمن، وفي تبويب البخاري هنا ما يشعر بأن المجاهد إذا أمن نام ووضع سلاحه، وإن خاف استوفز (٢).
وفيه: دعاء الإمام لأتباعه إذا أنكر شخصًا، وشكوى من أنكره إليهم.
وفيه: ترك الإمام معاقبة من جفا عليه وتوعده إن شاء، والعفو عنه إن أحب.
وفيه: صبر سيدنا رسول الله ﷺ وحلمه وصفحه عن الجهال.
وفيه: شجاعته وبأسه وثبات نفسه ويقينه أن الله ينصره على الدين كله، فلما شاهد الرجل تلك القوى التي فارق بها عادة الناس في مثل
стр. 10478
تلك الحالة تحقق صدقه وعلم أنه لا يصل إليه بضرر، وهذا من أعظم الخوارق للعادة، فإنه عدو متمكن، بيده سيف مشهور، وموت حاضر، ولا تغير له ﷺ حال، ولا جزع، وهذا من معجزاته - عليه أفضل الصلاة والسلام -.
فائدة:
الدؤلي في إسناد البابين بضم الدال وفتح الهمزة (نسبة إلى) (١) [الديل من كنانة، واسمه:] (٢) سنان بن أبي سنان. قَالَ الأخفش فيما حكاه أبو حاتم السجستاني: جاء حرف واحد شاذ على وزن فعل وهو الدؤل، وهو دؤيبة صغيرة تشبه ابن عرس، وبها سميت قبيلة أبي الأسود الدؤلي، وهي من كنانة، إلا أنك تقول: الدؤلي فتفتح، استثقلوا كسرتين بعد ضمة وياء النسب. وقال سيبويه: ليس في كلام العرب في الأسماء ولا في الصفات بنية على وزن فعل، وإنما ذَلِكَ من بنية الفعل.
стр. 10479
٨٥ - باب لُبْسِ البَيْضَةِ
٢٩١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ ﵁ أَنَّهُ سئلَ عَنْ جُرْحِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: جُرِحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتهُ، وَهُشِمَتِ البَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ ﵍ تَغْسِلُ الدَّمَ وَعَلِيٌّ يمْسِكُ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ الدَّمَ لَا يَزِيدُ إِلَّا كَثْرَةً أَخَذَتْ حَصِيرًا فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا ثمَّ أَلْزَقَتْهُ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ. [انظر: ٢٤٣ - مسلم: ١٧٩٠ - فتح: ٦/ ٩٦]
ذكر فيه حديث سهل السالف في باب: المِجَنِّ قريبًا (١)، وهذِه الأبواب كلها التي ذكر فيها آلات الحرب وأنواع السلاح، وأنه ﵇ وأصحابه استعملوها واتخذوها للحرب وإن كان الله تعالى قد وعدهم بالنصر وإظهار الدين، فليكون ذلك سنة للمؤمنين إذ الحرب سجال مرة لنا ومرة علينا، وقد أمر الله باتخاذها في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]، فأخبر أن السلاح فيها إرهاب للعدو، وفيها تقوية لقلوب المؤمنين، من أجل أن الله تعالى
جبل القلوب على الضعف، وإن كان السلاح لا يمنع المنية لكن فيها تقوية للقلوب وأنس لمتخذيها.
стр. 10480
٨٦ - باب مَن لَمْ يَرَ كَسْرَ السِّلَاحِ عِنْدَ المَوْتِ ٢٩١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْن عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أبي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الَحارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا سِلَاحَهُ وَبَغْلَةً بَيْضَاءَ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. [انظر: ٢٧٣٩ - فتح: ٦/ ٩٧]
ذكر فيه حديث عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ السالف: مَا تَرَكَ رسول الله ﷺ إِلَّا سِلَاحَهُ وَبَغْلَةً بَيْضَاءَ.
يريد بذلك خلاف ما كان عليه رءوساء الجاهلية إذا مات أحدهم رئيسًا أو سلطانًا عهد بكسر سلاحه، وحرق متاعه، وعقر دوابه، فخالف الشارع فعلهم، وترك ما ذكر غير معهود فيها بشيء إلا التصدق بها.
٨٨ - باب مَا قِيلَ فِي الرِّمَاحِ
وُيذْكَرُ عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيُّ ﷺ : "جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي".
٢٩١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِك، عَنْ أَب النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ نَافِعٍ -مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ- عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهْوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأى حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَاسْتَوى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا، فَسَأَلهمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الِحمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبَى بَعْضٌ، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: "إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ". وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: فِي الِحمَارِ الوَحْشِيِّ، مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ قَالَ: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيء". [انظر: ١٨٢١ - مسلم: ١١٩٦ - فتح ٦/ ٩٨]
ثم ذكر حديث أبي قتادة في اصطياده الحمار الوحشي السالف في الحج وغيره. وموضع الشاهد قوله: فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ فَقَتَلَهُ ..
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: فِي الحِمَارِ الوَحْشِيِّ، مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ وقَالَ: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيء".
والتعليق عن ابن عمر. ذكر عبد الحق في "جمعه بين الصحيحين" أن الوليد بن مسلم رواه عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر به.
стр. 10483
ومعنى الباب كالأبواب قبله أن الرمح من آلاته ﷺ للحرب، ومن آلات أصحابه، وأنه من مهم السلاح وشريف القدر؛ لقوله: "جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي" وهذا إشارة منه لتفضيله والحض على اتخاذه والاقتداء به في ذلك.
وفيه: كما قال المهلب: أنه ﷺ خص بإحلال المغانم، وأن رزقه منها بخلاف ما كانت الأنبياء قبله عليه، وخص بالنصر على من خالفه، ونصر بالرعب، وجعلت كلمة الله هي العليا ومن اتبعها هم الأعلون، وأينما ثقف المخالفون لأمره إلا بحبل من الله -وهو العهد- (باءوا) (١) بغضب من الله، وضربت عليهم الذلة والصغار وهي الجزية.
ثم ساق حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ في قبته: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ .. " إلى أن قال: وَهْوَ فِي الدِّرْعِ. وَقَالَ وُهَيْبٌ: ثَنَا خَالِدٌ: يَوْمَ بَدْرٍ.
وحديث عَائِشَةَ ﵂: تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. وَقَالَ يَعْلَى: ثَنَا الأَعْمَشُ وَقَالَ: رَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَثَلُ البَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا (جنتان) (١) مِنْ حَدِيدٍ .. " إلى آخره.
الشرح:
التعليق الأول سلف مسندًا (٢).
وقوله: وقال وهيب: ثَنَا خالد (يوم بدر. أسنده في التفسير فقال: حَدَّثَني محمد، حَدَّثَنَا عفان بن مسلم، عن وهيب، حَدَّثَنَا خالد) (٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قَالَ وهو في قبته يوم بدر .. الحديث (٤).
ومن المعلوم أن ابن عباس لم يكن شهدها. وقد رواه مسلم من حديث سماك بن الوليد، عن ابن عباس، عن عمر بزيادة: فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٨] (٥).
стр. 10486
ومحمد (هذا) (١) الذي أخرج عنه في التفسير لعله الذهلي. قَالَ الجياني: كذا في روايتنا عن أبي محمد الأصيلي، وكذا عند أبي ذر غير منسوب. وذكره أبو نصر ولم ينسبه قَالَ: وسقط ذكره جملة من نسخة ابن السكن. قَالَ أبو علي: ولعله الذهلي (٢).
وقال ابن طاهر في ترجمة عفان: روى عنه البخاري، وروى عن عبد الله بن سعيد، ومحمد بن عبد الرحيم، وإسحاق غير منسوب، ومحمد غير منسوب عنه. وروى مسلم عن الصغاني محمد بن إسحاق، ومحمد بن حاتم، ومحمد بن مثنى عنه (٣).
وقول البخاري في تفسير سورة القمر: حَدَّثنَا إسحاق، ثَنَا خالد، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قَالَ وهو في قبة له يوم بدر (٤). يريد بإسحاق هذا ابن شاهين، كما صرح به غير واحد، وإن كان إسحاق الأزرق روى أيضًا عن خالد الطحان، لكن البخاري ما روى عنه في "صحيحه".
وحديث عائشة سلف قريبًا في الرهن، وفي البيع أيضًا (٥).
وحديث أبي هريرة سلف في الزكاة.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام من وجوه:
أحدها: في قوله: ("احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ") دلالة على تحبيس السلاح، واختلف قول مالك في تحبيس ما عدا العقار على روايتين، ومن أصحابه
стр. 10487
من جعل الخيل كالعقار.
ثانيها: قول أبي بكر: (حسبك يا رسول الله). أي: يكفيك. قَالَ القزاز: ومنه يقال: حسب -ساكن الباء- وإنما المعنى يكفيك كما قلت.
ومعنى (ألححت): داومت الدعاء، يقال: ألح السحاب بالمطر: دام.
ثالثها: قد يشكل هذا الحديث على كثير من الناس، وذلك إذا رأوا رسول الله ﷺ يناشد ربه من إنجاز الوعد، ويلح في الدعاء والصديق يسكنه ويقول: (حسبك فقد ألححت). فهذا يوهم أن حاله في الثقة بربه والطمأنينة إلى ربه أرفع من حال الشارع، وهذا غير جائز أن يكون، كما نبه عليه ابن التين (١)، والمعنى في مناشدته وإلحاحه في الدعاء الشفقة على قلوب أصحابه، وتقوية قلوبهم إذ كان ذَلِكَ أول مشهد شهدوه في لقاء العدو، وكان في صحابته قلة وعدوهم أضعاف من عدتهم، فابتهل في الدعاء وألح لتسكين نفوسهم إذ كانوا يعلمون أن وسيلته مقبولة فقال له أبو بكر: (كف عن المسألة). إذ علم أنه استجيب له مما وجده أبو بكر في نفسه من المنة والقوة حَتَّى قَالَ له هذا القول، ويدل على صحة ذَلِكَ تلاوته ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ الآية [القمر: ٤٥].
رابعها: قوله في حديث البخيل والمتصدق: ("إلى تراقيهما")؛ لأنه عند الصدر، وهو مسلك القلب، وهو يأمر المرء وينهاه.
خامسها: فيه ما ترجم له، وهو اتخاذ الدرع والقتال به.
стр. 10488
وفيه: دلالة على أن نفوس البشر لا يرتفع الخوف عنها والإشفاق جملة واحدة؛ لأنه ﷺ قد كان وعده الله بالنصر، وهو الوعد الذي نشده؛ ولذلك قَالَ تعالى عن موسى ﵇ حين ألقى السحرة حبالهم وعصيهم، فأخبر عنه تعالى بعد أن أعلمه أنه ناصره، وأنه معهما يسمع ويرى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧﴾ [طه: ٦٧] وإنما هي طوارق من الشيطان يخوف بها النفوس ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وقوله: ("اللَّهُمَّ إني أنشدك عهدك ووعدك") أي: اللَّهُمَّ إني أسألك إنجاز وعدك وإتمامه بإظهار دينك وإعلاء كلمة الإسلام الذي قضيت بظهوره على جميع الأديان وشئت أن يعبدك أهله ولم تشأ ألا تعبد، فتمم ما شئت كونه، فإن الأمور كلها بيدك.
وقوله: (﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥] فيه: تأنيس من استبطأ ما وعده الله (به) (١) من النصر بالبشرى لهم بهزم حزب الشيطان، وتذكيرهم مما يثبتهم به من كتابه تعالى.
وفيه: فضل الصديق ويقينه بصدق ما وعد الله به نبيه، ولذلك سمي صديقا.
стр. 10489
٩٠ - باب الجُبَّةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَرْبِ
٢٩١٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمٍ -هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ- عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ حَدَّثَنِي المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ، فَلَقِيتُهُ بِمَاءٍ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتُ، فَغَسَلَهُمَا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ. [انظر: ١٨٢ - مسلم: ٢٧٤ - فتح ٦/ ١٠٠]
ذكر فيه حديث المُغِيرَةِ؟ انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ، فَلَقِيتُهُ بِمَاءٍ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ .. فذكر فيه الوضوء والمسح على الخفين.
هذا الحديث سلف في باب: المسح على الخفين والصلاة في الجبة الشامية (١).
وموضع الشاهد منه لبسه الجبة الشامية في السفر، وكان في غزاة، فلذلك ترجم مما ذكر، وكانت من عمل الروم؛ لأنهم يضيقون أكمامهم.
وفيه: جواز إخراج اليد من تحت الثوب.
وفيه: خدمة العالم في السفر.
وأخرجه الأربعة أيضًا (١).
ثم الكلام عليه من وجوه:
أحدها: الحديث صريح لمذهب الشافعي ومن وافقه في تجويز لبس الحرير للرجل عند نزول الحكة به، أو كثرة القمل، وما في معناهما، وكان فيه خاصية تدفع ذلك، وعلل أيضًا بأن فيه بردًا، وهو عجيب فإن الأطباء على خلافه. وصف أبو علي الملابس البرد في المصقول والكتان، والحر في الحرير والأقطان. وخالف مالك فقال: لا يجوز، والسنة قاضية عليه. قَالَ القرطبي: الحديث قال على جواز لبسه للضرورة، وبه قَالَ بعض أصحاب مالك، وأما مالك فمنعه في الوجهين. والحديث واضح الحجة عليه إلا أن يدعي الخصوصية لهما ولا يصح، ولعل الحديث لم يبلغه (٢).
قلتُ: ويجوز لبسه أيضًا عند الضرورة كفجاءة حرب ولم يجد غيره، ولمن خاف من حر أو بردٍ، وسواء فيما ذكرناه الحضر والسفر. وقال بعض أصحابنا: يختص بالسفر، وهو ضعيف. وجمع ابن العربي في أصل لبس الحرير عشرة أقوال: التحريم بكل حال، مقابله مباح بكل حال، الحرمة وإن خلط مع غيره كالخزِّ، استثناء الحرب، استثناء السفر، استثناء المرض، استثناء الغزو، واستثناء العلم منه، إلحاق النساء بالرجال، يحرم لبسه من فوقٍ دون أسفل وهو الفرش، قاله أبو حنيفة وابن الماجشون وعلَّلاه بأنه ليس بلبس، ويرده قول أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس (٣).
стр. 10492
وفي أفراد البخاري من حديث حذيفة: نهانا رسول الله ﷺ عن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه (١).
حجة الأول هذا الحديث، وحديث أبي موسى الآتي في البخاري ومسلم أيضًا: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (٢)، وفي "مستدرك الحاكم" من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا مثله بزيادة: "وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو"، ثم قال: حديث صحيح (٣). وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٤).
وقال ابن بطال: اختلف السلف في لباسه في الحرب، فأجازته طائفة وكرهته أخرى، فممن كرهه عمر بن الخطاب. وروي مثله عن ابن محيريز وعكرمة وابن سيرين، وقالوا: كراهته في الحرب أشد لما يرجون من الشهادة، وهو قول مالك وأبي حنيفة. وقال مالك: ما علمت أحدًا يقتدى به لبسه في الغزو.
وممن أجازه في الحرب: روى معمر عن ثابت قَالَ: رأيت أنس بن مالك يلبس الديباج في فزعة فزعها الناس. وقال أبو فرقد: رأيت على تجافيف أبي موسى الديباج والحرير. وقال عطاء: الديباج في الحرب
стр. 10493
سلاح. وأجازه محمد بن الحنفية وعروة والحسن البصري، وهو قول أبي يوسف والشافعي. وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه استخف الحرير في الجهاد والصلاة به حينئذ للترهيب على العدو والمباهاة. وفي "مختصر ابن شعبان" عن ابن الماجشون، عن مالك مثل ما ذكره ابن حبيب.
وقال الطبري: من كره لباسه في الحرب وغيره فإنهم جعلوا النهي عنه عامًّا في كل حال، ومن رخص فيه في الحرب احتجوا بحديث الباب، فبان بذلك أن من قصد بلبسه دفع ما هو أعظم عليه من أذى الحكة كأسلحة العدو والمريد نفس لابسه لقتل وشبهه فله من ذَلِكَ نظير الذي كان لعبد الرحمن والزبير بن العوام بسبب الحكة والقمل.
ومن الحجة أيضًا حديث أسماء أخرجه حجاج، عن أبي [عمر] (١) -ختن عطاء- عنها أنها أخرجت جبة مزررة بالديباج وقالت: كان رسول الله ﷺ يلبسها في الحرب (٢).
قَالَ المهلب: ولباسه في الحرب من باب الإرهاب على العدو، وكذلك ما رخص فيه من تحلية السيوف، وكل ما يستعمل في الحرب هو من هذا الباب، ويدل على أن أفضل ما استعمل في قتال العدو التحيل في قذف الرعب في قلوبهم، وكذلك رخص في الاحتيال في الحرب.
وقال ﷺ لأبي دجانة وهو يتبختر في مشيته: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع" (٣)؛ لما في ذَلِكَ من الإرهاب والازدهاء على الأعداء.
стр. 10494
وقام الدليل من هذا على أن حسن الرأي وجودة التدبير من الرجل الواحد يشير به في قتال العدو وقد يكون أنكى من الشجاعة، وغناء العساكر العظام (١)، ومن استثنى السفر فكأنه استند لحديث الباب، ومن استثنى العلم فلحديث عمر في مسلم: نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع رواه مسلم (٢). وفي أبي داود: ثلاثة أو أربعة (٣).
والظاهر أنه ليس بشك من الراوي وإنما هو تفصيل للإباحة، كما يقال: خذ واحدًا أو اثنين أو ثلاثة -يعني ما شئت من ذَلِكَ- وفي "مسند أحمد" و"سنن أبي داود" من حديث ابن عباس أنه قَالَ: إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير، وأما العلَم وسداء الثوب فليس به بأس (٤). وصححه الحاكم على شرط الشيخين بلفظ: إنما نهى رسول الله ﷺ عن المصمت إذا كان حريرًا (٥).
وقد أباحه مالك في ثلاثة أصابع، في أشهر قوليه؛ لأنه لم يرو إلا أربع.
ومن حرمه على النساء أيضًا احتج بحديث مسلم أن ابن الزبير قَالَ: لا تلبسوا نساءكم الحرير فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (٦)، وكأنه فهم العموم ولم ير
стр. 10495
الخصوص، وهو الحديث الصحيح أنه ﷺ أعطى عليًّا حلة وقال: "شققها خمرًا بين نسائك" أخرجاه من حديثه (١). وفي رواية: "بين الفواطم" (٢)، زاد ابن أبي الدنيا: فشققها أربعة أخمرة: خمارًا لزوجته، وآخر لأمه، وآخر لابنة حمزة، ونسي الراوي الرابعة.
وحديث أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس مرفوعًا: "أحل الذهب والحرير لاناث أمتي، وحرم على ذكورها" رواه أحمد والترمذي، وقال: (حديث) (٣) حسن صحيح (٤). وخالف ابن حبان في "صحيحه" فقال: لا يصح (٥).
ومن قَالَ بإباحته مطلقًا تعلق بأن الشارع لبسه، ثم حرمه، ثم أباحه لما ذكر.
والمحرم من المطاعم والملابس لا يباح لمثل هذِه الحاجة اليسيرة، ألا ترى أنه لا يجوز التداوي بالبول للحاجة.
قلتُ: هو عندنا جائز على الأصح.
قَالَ ابن العربي: وهذا منزع من لم يتبصر القول كما قَالَ الراوي الصاحب العالم: رخص للداء، كان ذَلِكَ نصًّا على بقاء التحريم في (الذي) (٦) (رواه) (٧)، واختصاص الرخصة به، ثم الرخصة شرعا إما
стр. 10496
لحاجة و (إما) (١) لضرورة أو لمشقة يسيرة داخلة على المسلم، كالقصر والفطر.
وكان ابن الزبير يلبس الخز فدل على إباحته، ولبسه أيضًا عثمان. قَالَ: والنكتة المعنوية في ذَلِكَ أن الخز و (الحزام) (٢) والصوف (والكتان) (٣) حلال، فإذا مزجا جاء منهما نوع لا يسمى حريرًا، فلا الاسم يتناوله ولا السرف والخيلاء يدخله، فخرج عن الممنوع اسمًا ومعنى، فجاز على الأصل وكره على الشبهة (٤).
قلتُ: محله عندنا إذا زاد وزن غير الحرير، أو استويا، فإن زاد الحرير حرم.
وقال ابن التين: أتى بهذِه الطرق في الباب لقوله: (في غزاة). والذي أتى من ذكر الحكة والقمل فقد يكونان جميعًا بهما، فربما ذكر أحدهما، وربما يذكر الآخر، قاله الداودي، والصحيح أن ذَلِكَ (الحكة) (٥)، وإنما ذكر القمل بتأويل أحد النقلة، ولعله تأويل غير صحيح؛ لأنه فسر في الطريقين الآخيرين أن ذَلِكَ لحكة. قَالَ: وقد جوز بعض العلماء لباس الحرير لما فيه من الترهيب على العدو وإظهار قلة الهيبة لهم، فيكون أغيظ لقلوبهم، ذكره سحنون، وكرهه مالك في الحرب وغيره، وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه أجاز ذَلِكَ في الحرب، وذكره عن مالك وجماعة من الصحابة والتابعين، وأجازوا الصلاة فيه.
стр. 10497
خاتمة:
قوله: (شكوا) كذا هو بالواو، وهو لغة يقال: شكيت وشكوت. بالواو والياء، وادعى ابن التين أنه وقع شكيا، ثم قَالَ: وصوابه: شكوا؛ لأن لام الفعل منه واو فهو مثل: ﴿دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] نعم في "الصحاح" الياء أيضًا (١).
стр. 10498
٩٢ - باب مَا يُذْكَرُ فِي السِّكِّيِن
٢٩٢٣ - حَدَّثنَا عبد العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْن سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ "يَأْكُلُ مِنْ كَتِفٍ مَجْتَزُّ مِنْهَا، ثُمَّ دُعِيَ إِلَى الصَّلَأةِ فَصَلَّى وَلم يَتَوَضَّأْ.
حَدَّثَنَا أبو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ: فَأَلْقَى السِّكِّينَ. [انظر: ٢٠٨ - مسلم: ٣٥٥ - فتح ٦/ ١٠٢]
ذكر فيه حديث الزهري: عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ مِنْ كَتِف شاة يَحْتَزُّ مِنْهَا، ثمَّ دُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. ثم أسنده إلى الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ: فَأَلْقَى السِّكِّينَ.
هذا الحديث سبق في باب: من لم يتوضأ من لحم الشاة.
والحز: القطع (لمبلغ) (١) الحاجة.
وفيه: جواز قطع اللحم المطبوخ بالسكين.
وأما حديث أبي داود في النهي عن قطعه بها (٢) فمنكر كما (قاله) (٣) النسائي (٤)، (قيل:) (٥) إنما يكره قطع الخبز بالسكين، ففي "شعب الإيمان" للبيهقي في حديث أم سلمة رفعته: "لا تقطعوا الخبز بالسكين كما تقطعه الأعاجم" (٦).
وفيه: أن كل ما مسته النار لا يوجب على آكله الوضوء. وفيه: استعمال السكين وأنه معروف عندهم اتخاذه واستعماله، وهو ما ترجم له.
стр. 10499
٩٣ - باب مَا قِيلَ فِي قِتَالِ الرُّومِ
٢٩٢٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْن يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْز بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ الأسوَدِ العَنْسِيَ حَدَّثَة أَنَّهُ أَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَهْوَ نَازِلٌ فِي سَاحِلِ حِمْصَ، وَهْوَ فِي بِنَاءٍ لَه وَمَعَهُ أُمُّ حَرَامٍ، قَالَ عمَيْرٌ: فَحَدَّثَتْنَا أُمُّ حَرَامٍ أَنهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا". قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: "أَنْتِ فِيهِمْ". ثمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ". فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لَا". [فتح ٦/ ١٠٢]
ذكر فيه حديث عُمَيْرِ بْنِ الأَسْوَدِ العَنْسِي عن أُمِّ حَرَامٍ في غزوها في البحر، وفي آخره: "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ". فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لَا". هذا الحديث سلف غير مرة.
و (العنسي) هذا منسوب إلى قبيلة من العرب يقال لهم: بنو عنس، وهم بالشام، وبنو عبس بالكوفة، والعيش بالبصرة، ذكره ابن بطال (١).
وقوله: (وهو نازل حمص). حمص من الشام، رأيتها في رحلتي إليها. قَالَ الداودي: وفي هذِه الأحاديث رغبة الصحابة في المقام بالشام.
وقوله: ("أوجبوا") يعني: الجنة، ومنه قوله ﷺ في الدعاء: "أسألك موجبات رحمتك" (٢).
стр. 10500
قَالَ المهلب: وفيه فضل معاوية؛ لأنه أول من غزا الروم، وابنه يزيد غزا مدينة قيصر. وقال ابن التين: قيل: فيه فضل يزيد؛ لأنه أول من غزاهاولعل يزيد لم يحضر مع الجيش، وأراد الشارع من يغزو بنفسه أو أراد الجماعة فغلب، وإن كان فيهم واحد أو قليل غير مغفور لهم.
стр. 10501
٩٤ - باب قِتَالِ اليَهُودِ
٢٩٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "تُقَاتِلُونَ اليَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الحَجَرِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللهِ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ". [٣٥٩٣ - مسلم: ٢٩٢١ - فتح ٦/ ١٠٣]
٢٩٢٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا اليَهُودَ، حَتَّى يَقُولَ الحَجَرُ وَرَاءَهُ اليَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ". [مسلم: ٢٩٢٢ - فتح ٦/ ١٠٣]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: "تُقَاتِلُونَ اليَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الحَجَرِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللهِ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ".
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا اليَهُودَ، حَتَّى يَقُولَ الحَجَرُ وَرَاءَهُ اليَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ".
الشرح:
المراد بقوله: "تقاتلون اليهود": إذا نزل عيسى، فإن المسلمين معه واليهود مع الدجال. وفيه ظهور الآيات بحكم الجهاد وما شاكله عند نزول عيسى الذي يستأصل الدجال واليهود معه.
وفيه: دليل على بقاء دين محمد ﷺ ودعوته بعد نزول عيسى ابن مريم، لقوله: "تقاتلون" ولا يكونون مخاطبين بالقتال إلا وهم على دينهم لجواز علم النبي ﷺ أن الذين يقاتلون الدجال غير من يخاطب
стр. 10502
بالحضرة، ولكن خاطب من بالحضرة يخطئ من بعدهم على مذهبهم، وهذا في كتاب الله كثير، خاطب من بالحضرة مما يلزم الغائبين الذين لم يخلقوا بعد.
وفيه: جواز مخاطبة من لا يسمع الخطاب ومخاطبة من قد يجوز منه الاستماع يومًا ما.
وقول الحجر يحتمل أن يكون حقيقة وينطقه الله بذلك، ويحتمل أن يكون مجازًا؛ لأنه لا يبقى (منهم) (١) أحد، وهذا يكون عند نزول عيسى، كماسلف.
٩٦ - باب قِتَالِ الذِينَ يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ
٢٩٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ الْمُطَرَقَةُ». قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ فِيهِ أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رِوَايَةً «صِغَارَ الأَعْيُنِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ». [انظر: ٢٩٢٨ - مسلم: ٢٩١٢ - فتح ٦/ ١٠٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ". قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ فِيهِ أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: "صغَارَ الأَعْيُنِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ".
الشرح:
هذا التعليق أسنده البخاري في علامات النبوة (١)، وفي لفظ: "حَتَّى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم" الحديث (٢). وعند الإسماعيلي قَالَ محمد بن عباد: بلغني أن أصحاب بابل كانت نعالهم الشعر.
وعند البكري في "أخبار الترك": "كأن أعينهم حدق الجراد يتخذون الدرق حَتَّى يربطوا خيولهم بالجبل" وفي لفظ: "حَتَّى (يقاتل المسلمون) (٣) الترك يلبسون الشعر" ولابن ماجه من حديث أبي سعيد
стр. 10505
الخدري يرفعه: "لا تقوم الساعة حَتَّى تقاتلوا قومًا صغار الأعين عراض الوجوه كأن أعينهم حدق الجراد كأن وجوههم المجان المطرقة ينتعلون الشعر (ويتخذون) (١) الدرق ويربطون خيولهم بالنخيل" (٢). ولأبي داود من حديث بريدة بإسناد جيد: "يقاتلكم قوم صغار الأعين -يعني: الترك- تسوقونهم ثلاث مرار حَتَّى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، والثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون" (٣). وللبيهقي: "إن أمتي يسوقها قوم
عراض الوجوه كأن وجوههم الحجف ثلاث مرار، حَتَّى يلحقوهم بجزيرة العرب" قالوا: يا نبي الله، من هم؟ قَالَ: "الترك، والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين".
ولأبي داود الطيالسي عن حشرج بن نباتة، ثَنَا سعيد بن جمهان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قَالَ رسول الله ﷺ : "لينزلن طائفة من أمتي أرضًا يقال لها البصرة، فيجيء بنو قنطوراء، عراض الوجوه صغار الأعين، حَتَّى تنزلوا على جسر لهم" الحديث (٤)، وذكر البكري من حديث سليمان بن الربيع العدوي، عن عبد الله بن عمرو قال: "يوشك بنو قنطوراء بن كركر أن يسوقوا أهل خراسان وأهل سجستان سوقًا عنيفًا .. " الحديث بطوله. قَالَ: فقدمنا على عمر بن
الخطاب فحَدثنَاه بما سمعنا من ابن عمرو، فقال ابن عمرو أعلم بما يقول.