٩٤ - باب قِتَالِ اليَهُودِ
٢٩٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "تُقَاتِلُونَ اليَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الحَجَرِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللهِ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ". [٣٥٩٣ - مسلم: ٢٩٢١ - فتح ٦/ ١٠٣]
٢٩٢٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا اليَهُودَ، حَتَّى يَقُولَ الحَجَرُ وَرَاءَهُ اليَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ". [مسلم: ٢٩٢٢ - فتح ٦/ ١٠٣]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: "تُقَاتِلُونَ اليَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الحَجَرِ، فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللهِ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ".
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا اليَهُودَ، حَتَّى يَقُولَ الحَجَرُ وَرَاءَهُ اليَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ".
الشرح:
المراد بقوله: "تقاتلون اليهود": إذا نزل عيسى، فإن المسلمين معه واليهود مع الدجال. وفيه ظهور الآيات بحكم الجهاد وما شاكله عند نزول عيسى الذي يستأصل الدجال واليهود معه.
وفيه: دليل على بقاء دين محمد ﷺ ودعوته بعد نزول عيسى ابن مريم، لقوله: "تقاتلون" ولا يكونون مخاطبين بالقتال إلا وهم على دينهم لجواز علم النبي ﷺ أن الذين يقاتلون الدجال غير من يخاطب
стр. 10502
بالحضرة، ولكن خاطب من بالحضرة يخطئ من بعدهم على مذهبهم، وهذا في كتاب الله كثير، خاطب من بالحضرة مما يلزم الغائبين الذين لم يخلقوا بعد.
وفيه: جواز مخاطبة من لا يسمع الخطاب ومخاطبة من قد يجوز منه الاستماع يومًا ما.
وقول الحجر يحتمل أن يكون حقيقة وينطقه الله بذلك، ويحتمل أن يكون مجازًا؛ لأنه لا يبقى (منهم) (١) أحد، وهذا يكون عند نزول عيسى، كماسلف.
٩٦ - باب قِتَالِ الذِينَ يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ
٢٩٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ الْمُطَرَقَةُ». قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ فِيهِ أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رِوَايَةً «صِغَارَ الأَعْيُنِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ». [انظر: ٢٩٢٨ - مسلم: ٢٩١٢ - فتح ٦/ ١٠٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ". قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ فِيهِ أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: "صغَارَ الأَعْيُنِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ".
الشرح:
هذا التعليق أسنده البخاري في علامات النبوة (١)، وفي لفظ: "حَتَّى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم" الحديث (٢). وعند الإسماعيلي قَالَ محمد بن عباد: بلغني أن أصحاب بابل كانت نعالهم الشعر.
وعند البكري في "أخبار الترك": "كأن أعينهم حدق الجراد يتخذون الدرق حَتَّى يربطوا خيولهم بالجبل" وفي لفظ: "حَتَّى (يقاتل المسلمون) (٣) الترك يلبسون الشعر" ولابن ماجه من حديث أبي سعيد
стр. 10505
الخدري يرفعه: "لا تقوم الساعة حَتَّى تقاتلوا قومًا صغار الأعين عراض الوجوه كأن أعينهم حدق الجراد كأن وجوههم المجان المطرقة ينتعلون الشعر (ويتخذون) (١) الدرق ويربطون خيولهم بالنخيل" (٢). ولأبي داود من حديث بريدة بإسناد جيد: "يقاتلكم قوم صغار الأعين -يعني: الترك- تسوقونهم ثلاث مرار حَتَّى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، والثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون" (٣). وللبيهقي: "إن أمتي يسوقها قوم
عراض الوجوه كأن وجوههم الحجف ثلاث مرار، حَتَّى يلحقوهم بجزيرة العرب" قالوا: يا نبي الله، من هم؟ قَالَ: "الترك، والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين".
ولأبي داود الطيالسي عن حشرج بن نباتة، ثَنَا سعيد بن جمهان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قَالَ رسول الله ﷺ : "لينزلن طائفة من أمتي أرضًا يقال لها البصرة، فيجيء بنو قنطوراء، عراض الوجوه صغار الأعين، حَتَّى تنزلوا على جسر لهم" الحديث (٤)، وذكر البكري من حديث سليمان بن الربيع العدوي، عن عبد الله بن عمرو قال: "يوشك بنو قنطوراء بن كركر أن يسوقوا أهل خراسان وأهل سجستان سوقًا عنيفًا .. " الحديث بطوله. قَالَ: فقدمنا على عمر بن
الخطاب فحَدثنَاه بما سمعنا من ابن عمرو، فقال ابن عمرو أعلم بما يقول.
стр. 10506
إذا تقرر ذَلِكَ فأشراط الساعة: علاماتها، واحدها: شرط.
و (المجان): الترس. وعبارة صاحب "المطالع": الترسة، واحدها: مجن، سميت بذلك لأنها تستر صاحبها، وهي بفتح الميم وتشديد النون جمع مجن بكسر الميم.
و (المطرقة) بإسكان الطاء المهملة وتخفيف الراء، وصوب بعضهم تشديد الراء، حكاه في "المطالع" عن بعضهم، وهي الترسة التي ألبست الأطرقة من الجلود وهي الأغشية منها، شبه عرض وجوههم وصلابتها وظهور وجناتهم بها. وقال الهروي: المطرقة: التي أطرقت بالعقب. أي: ألبست به. يقال: طارق النعل: إذا سير خصفًا على خصف. أي: ركب بعض على بعض، وقيل: هو أن (يقور جلده) (١) بمقداره ويلصق به كأنه ترس على ترس، حكاه في "المطالع".
و ("ذلف") بذال معجمة مضمومة أي: قصار، وهو الفطس وتأخر الأرنبة. وعبارة الخطابي: قصر الأنف وانبطاحه (٢). وقيل: غلظ واستواء الأرنبة. وقيل: تطامن فيها ورواه بعضهم بالدال المهملة، قَالَ صاحب "المطالع": وقيدناه عن التميمي بالوجهين، والمعجمة أكثر. وقال ابن التين: ذلف الأنوف: صغارها. وقيل: تشميرة عن الشفة إلى أصله، يقال منه: رجل أذلف وامرأة ذلفاء والعرب تقول أملح النساء الذلف.
وقال ابن فارس: الذلف: الاستواء في طرف الأنف، ليس بحد غليظ (٣). وقال في "المخصص": ويعتري الملاحة (٤).
стр. 10507
والأنوف: جمع أنف، مثل فلس وفلوس، ورواه القزاز: الآنف وقال: مثل بحر وأبحر. في "المخصص": هو جمع المنخر، وسمي أنفًا لتقدمه (١)، وجمع الأنف: آنف وآناف.
فائدة:
روى الترمذي من حديث الصديق: "إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها: خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم (المجان) (٢) المطرقة"، ثم قَالَ: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي التياح (٣).
أخرى:
قَالَ الخطابي: بنو قنطوراء هم الترك يقال: إن قنطوراء اسم جارية كانت لإبراهيم ولدت أولادًا جاء من نسلهم الترك (٤). وقال كراع: الترك هم الذين يقال لهم الديلم.
وقال ابن عبد البر في كتاب "القصد والأمم": الترك فيما ذكروا هم ولد يافث، وهم أجناس كثيرة، ومنهم أصحاب مدن وحصون، ومنهم قوم في رءوس الجبال والبراري، ليس لهم عمل غير الصيد، ومن لم يصد فَصدَ ودج دابته وشوى الدم في مصران يأكله، وهم يأكلون الرخم والغربان، وليس لهم دين، ومنهم من يدين بالمجوسية وهم الأكثرون، ومنهم من تهود، وملكهم يلبس الحرير وتاج الذهب ويحتجب كثيرًا، وفيهم سحر وقال وهب بن منبه: هم بنو عم يأجوج ومأجوج، وقد قيل: إن أصل الترك أو بعضهم من حمير، وقيل: إنهم
стр. 10508
بقايا قوم تبع ومن هناك، كانوا يسمون أولادهم بأسماء العرب العاربة، فهؤلاء ومن كان مثلهم يزعمون أنهم من العرب، وألسنتهم أعجمية، وبلدانهم غير عربية دخلوا في بلاد العجم واستعجموا.
وقال ابن أبي الدمنة الهمداني في "إكليله": أكثرهم يقول: الترك من ولد أفريدون بن سام بن نوح، وسموا تركًا لأن عبد شمس بن يشجب لما وطئ أرض بابل أتى بقوم من أجابرة ولد يافث فاستنكر خلقهم ولم يحب أن يدخل في سبي بابل فقال: اتركوهم، فسموا الترك.
وقال صاعد في "طبقاته": الترك أمة كثيرة العدد فخمة المملكة، ومساكنهم ما بين مشارق خراسان من مملكة الإسلام وبين مغارب الصين وشمال الهند إلى أقصى المعمور في الشمال، وفضيلتهم التي برعوا فيها وأحرزوا خصالها الحروب ومعالجة آلاتها. قَالَ المسعودي في "مروجه": في الترك استرخاء في المفاصل واعوجاج في سيقانهم، ولينٌ في عظامهم، حَتَّى أن أحدهم ليرمي بالنشاب من خلفه كرميه من
قدام، فيصير قفاه كوجهه ووجهه قفاه، ومطاوعات فقار ظهورهم وحمرة وجوههم عند تكامل الحرارة في الوجوه على الأغلب من لونها وارتفاعها لغلبة البرد على أجسامهم.
وفي الحديث: علامة للنبوة وأنه سيبلغ ملك أمته غاية المشارق التي فيها هؤلاء القوم على ما ذكر في غير هذا الحديث، وكذلك خلقة وجوههم بالعيان عريضة وسائر ما وصفهم به ﷺ كما وصفهم.
وفيه: التشبيه للشيء بغيره إذا كان فيه شبه منه من جهة ما، وإن خالفه في غير ذلك.
стр. 10509
فائدة:
في كتاب "الفتن" لنعيم بن حماد: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، عن ابن عياش، أخبرني من سمع مكحولاً، عن رسول الله ﷺ أنه قَالَ: "للترك خرجتان: خرجه منها خراب (أذربيجان) (١)، وخرجة يخرجون في الجزيرة يحتقبون ذوات الحجال، فينصر الله المسلمين، فيقع فيهم ذبح الله الأعظم لا يترك بعدها" (٢). وفي لفظ آخر: "آخر الخرجتين يخربون أذربيجان، والثانية يشرعون منها على ثني الفرات، فيرسل الله على جيشهم الموت يفني دوابهم فيرجلهم، فيكون ذبح الله الأعظم" (٣). ثم روى ابن عياش بإسناده إلى عبد الله بن عمرو: يوشك بنو قنطوراء يسوقون أهل خراسان وأهل سجستان سوقًا عنيفًا حَتَّى يربطوا دوابهم بنخل الأبلة فيبعثون إلى أهل البصرة: أن خلوا لنا أرضكم أو ننزل بكم. فيتفرقون على ثلاث فرق: فرقة تلحق بالعرب، وفرقة بالشام، وفرقة (تعددها) (٤)، وأمارة ذَلِكَ إذا طبقت الأرض إمارة السفهاء (٥). وفي لفظ: الملاحم ثلاث مضت ثنتان وبقيت واحدة وهي ملحمة الترك بالجزيرة (٦)، وسيأتي له تتمة في باب: علامات النبوة.
стр. 10510
٩٧ - باب مَنْ صَفَّ أَصْحَابَهُ عِنْدَ الهَزِيمَةِ وَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَاسْتَنْصَرَ
٢٩٣٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ، وَسَألَهُ رَجُلُ: أَكُنْتُمْ فَرَرْتُمْ يَا أَبَا عُمَارَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا، والله مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ بِسِلَاحٍ، فَأَتَوْا قَوْمًا رُمَاةً جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ، مَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوفمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ عَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ، وَابْن عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْن الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ ثُمَّ قَالَ:
"أَنَا النَّبِيُّ لَاكذِبْ … أَنَا ابن عَبْدِ المُطَّلِبْ"
ثمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ. [انظر: ٢٨٦٤ - مسلم: ١٧٧٦ - فتح ٦/ ١٠٥]
ذكر فيه حديث البراء السابق في باب: من قاد دابة غيره في الحرب.
وموضع الترجمة منه قوله: (وهو على بغلته البيضاء، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقول به. فنزل واستنصر) ونزوله عنها إنما كان ليثبت الرجالة الباقين معه وليتأسوا به في استواء الحال، فكذلك يجب على كل إمام إذا ولى أصحابه وبقي في قُل (١) منهم إن أخذ على نفسه بالشدة أن يفعل ما فعله سيدنا رسول الله من النزول، وإن لم يكن له منة (٢) بأخذ الشدة، فليكن انهزامه بتحيز فئة مع فئة من قومه إلى فئة أخرى تروم تثبتهم.
وهذا الحديث يبين أن المنهزمين يوم حنين لم يكونوا جميع الصحابة، وأن بعضهم بقي مع رسول الله ﷺ غير منهزمين.
стр. 10511
وفيه: البيان عما خص به نبينا من الشجاعة والنجدة، وذلك أن أصحابه انفتلوا فانهزموا من عدوهم حَتَّى ولوا عنهم مدبرين، كما وصجهم الله في كتابه: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٩] فكان أصحابه وهم زهاء عشرة آلاف أو أكثر مدبرين انهزامًا من المشركين، وهو ﷺ في نفر من أهله قليلين متقدم للقاء العدو وقتالهم، جاد في المضي نحوهم غير مستأخر ولا مدبر، والعدو من العدد في مثل السيل والليل.
وأما انهزام من انهزم، وهو كبيرة، فقد أسلفنا الجواب عنه وأن المكروه هو الانهزام على نية ترك العود للقتال عند وجدان القوة، أما للكر والتحيز إلى فئة فلا، يدل عليه أن الله تعالى قَالَ: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٢٦]، فلو كان على غير ذَلِكَ لكانوا استحقوا وعيده، وقد روى داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] قَالَ: كان ذَلِكَ يوم بدر ولم يكن لهم يومئذ أن يتجاوزوا الانحياز إلى المشركين، ولم يكن يومئذ مسلم على وجه الأرض غيرهم. وقال الضحاك: إنما كان الفرار يوم بدر ولم يكن لهم ملجأ يلجئون إليه، وأما اليوم فليسَ فرار (١). وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: قَالَ عمر بالمدينة: وأنا فئة كل مسلم (٢). وسئل الحسن البصري عن الفرار من الزحف، فقال: والله لو أن أهل سمرقند انحازوا إلينا لكنا فئتهم.
стр. 10512
خاتمة: قول البراء: (ولكن خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرًا). أخفاؤهم: جمع خف يقَالَ: رجل خف، أي: خفيف، يُريد من لا سلاح معه يثقله وأداة الحرب ثقيلة، والحسر: جمع حاسر، وهو من لا سلاح معه، وقيل: هو من لا درع له، أو لا مغفر على رأسه. وقال ابن فارس: هو من لا درع معه ولا مغفر (١).
وقوله: (فرشقوهم رشقًا) الرشق: الرمي، والرشق: الوجه من الرمي، وقال الداودي: معناه يرمي منهم الجميع سهامهم بمرة.
ومعنى (استنصر): دعا الله بالنصرة.
قَالَ أبو إِسْحَاقَ: وَنَسِيتُ السَّابعَ. وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. وَقَالَ شعْبَةُ: أمَيَّهُ أَوْ أُبَيُّ. وَالصَّحِيحُ: أُمَيَّةُ. [انظر: ٢٤٠ - مسلم: ١٧٩٤ - فتح ٦/ ١٠٦]
٢٩٣٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ، عَنْ أَيّوبَ، عَنِ ابن أَبِي ملَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ اليَهودَ دَخَلوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ. فَلَعَنْتهُمْ. فَقَالَ: "مَا لَكِ؟ ". قُلْتُ: أَوَلم تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: "فَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ؟ " [انظر: ٦٠٢٤، ٦٠٣٠، ٦٢٥٦، ٦٣٩٥، ٦٤٠١، ٦٩٢٧ - مسلم: ٢١٦٥]
ذكر فيه خمسة أحاديث:
أحدها: حديث هشام عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَاب قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَلأَ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ اَلوُسْطَى حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ".
ثانيها: حديث الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو فِي القُنُوتِ: "اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ - إلى أن قال: اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ .. " الحديث.
ثالثها: حديث ابن أَبِي أَوْفَى: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ عَلَى المُشْرِكِينَ قال: "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ سَرِيعَ الحِسَابِ، اللَّهُمًّ اهْزِمِ الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ". رابعها: حديث عبد الله -وهو ابن مسعود-قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، الحديث، وفيه: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ" ثلاثًا. ثم ذكر الخلاف في أمية بن خلف أو أبي بن خلف قال: وَالصَّحِيحُ: أُمَيَّةُ.
خامسها: حديث عائشة: أَنَّ اليَهُودَ دَخَلُوا عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ. فَلَعَنْتُهُمْ. فَقَالَ: "مَا لَكِ؟ ". قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: "أفَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ".
стр. 10515
الشرح:
في حديث على دلالة على أن الصلاة الوسطى هي العصر، وهو الذي صحت به الأحاديث وإن نص الشافعي على أنها الصبح، وقد جمعت فيها جزءًا مفردًا بذكر أقوال العلماء فيها. قَال المهلب: هي الصبح على الحقيقة، والعصر بالتشبيه بها (١).
وهشام المذكور في إسناده قَال الأصيلي: وهو في "سيرة هشام"، وهو ابن حسان، وهو مطعون فيه. ثم قَالَ: وقال أبو الحسن: إسناد هذا الحديث من أعجب الأسانيد عن علي. وقيل: إن هذا الحديث كان قبل نزول صلاة الخوف.
وقال ابن بطال: هذا شغل لا يمكن ترك القتال له على حسب الاستطاعة مش الإيجاء والإقبال والإدبار والمطاعنة والمسايفة، لكن لهذا وجهان:
أحدهما: أن صلاة الخوف لم تكن نزلت بعد، وفي الآية بها إباحة الصلاة على حسب القدرة والإمكان، وفي هذا الوقت لم يكن مباحًا لهم إلا الإتيان بها على أكمل أوصافها، فلذلك شغلوا عنها بالقتال، فهذا الشغل كان شديدًا عليهم حَتَّى لا يمكن أحدًا منهم أن يشتغل بغير المدافعة والمقاتلة.
ثانيهما: أن يكونوا على غير وضوء، فلذلك لم يمكنهم ترك القتال لطلب الماء وتناول الوضوء؛ لأن الله تعالى لا يقبل صلاة بغير طهور ولا صلاة من أحدث حَتَّى يتوضأ.
стр. 10516
وأما دعاؤه ﷺ على قوم ودعاؤه لآخرين بالتوبة، فإنما كان على حسب ما كانت ذنوبهم في نفسه، فكان يدعو على من اشتد أذاه على المسلمين، وكان يدعو لمن يرجو نزوعه ورجوعه إليهم، كما دعا لدوس حين قيل له: إن دوسًا قد عصت وأبت، ولم يكن لهم نكاية ولا أذى، فقال: "اللَّهُمَّ اهد دوسًا وائت بهم" وأما هؤلاء فدعا عليهم لقتلهم المسلمين، فأجيبت دعوته فيهم، وقد سلف هذا المعنى في أول الاستسقاء وسنزيده وضوحًا في كتاب: الدعاء في باب: الدعاء على المشركين (١).
ومعنى: ("اشدد وطأتك"): بأسك وعقوبتك، أو أخذتك الشديدة. وقال الداودي: الوطأة: الأرض وقال ابن فارس: الأخذة (٢).
وقوله: ("اهزمهم وزلزهم") دعاء عليهم ألا يسكنوا ولا يستقروا، مأخوذ من الزلزلة، وهي اضطراب الأرض. وقال الداودي: أراد أن تطيش عقولهم وترعد أقدامهم عند اللقاء فلا يثبتوا.
وحديث السلا يستدل به مالك وغيره ممن يرى بطهارة روث المأكول لحمه، وانفصل من قَال بنجاسته بأنه لم يكن تعبد بذلك، وأيضًا فليس في السلا دم فهو كعضو منها، فإن قلت: هو ميتة؛ لأن ناحرها وثني مشرك.
فالجواب: إن ذلك قبل تحريم ذبائح أهل الأوثان، كما كانت تجوز مناكحتهم، وروي أيضًا أنه كان مع الفرث والدم ولكنه كان قبل التعبد بتحريمه.
стр. 10517
وقول أبي إسحاق: (ونسيت السابع). قَالَ: (هو) (١) عمارة بن الوليد، وقال البخاري: (والصحيح: أمية). وهو كما قَالَ؛ لأن أبي بن خلف قتله الشارع بيده يوم أحد بعد يوم بدر.
والقليب مذكر، البئر قبل أن يطوى، فإذا طويت فهي الطوى، وقد سلف هذا الحديث وما قبله في مواضعه، لكنا نبهنا على بعض ما أسلفناه لطول العهد به.
وحديث عائشة ذكره في الاستئذان من حديث ابن عمر وأنس (٢)، وللنسائي عن أبي بصرة قَالَ ﷺ : "إني راكب إلى اليهود، فمن انطلق معي فإن سلموا عليكم فقولوا: وعليكم" (٣). ولابن ماجه من حديث ابن إسحاق عن أبي عبد الرحمن الجهني -وصحبته مختلف فيه- مثله (٤)، ولابن حبان من حديث أنس مرفوعًا: "أتدرون ما قال؟ " قالوا: سلم قَالَ: "لا، إنما قَالَ: السام عليكم، أي: تسامون دينكم، فإذا سلم عليكم رجل من أهل الكتاب فقولوا: وعليك" (٥).
قلتُ: ويعنون بالسام: الموت.
وجاء في الحديث: "يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا" (٦)،
стр. 10518
ولما أمر أن يباهلهم أخذ بيد حسن وحسين وقال لفاطمة: "اتبعينا" فرجع اليهود ولم يباهلوه (١). قَالَ ابن عباس: لو خرجوا ما وجدوا أهلًا ولا ولدًا (٢).
قَالَ الخطابي: ورواية عامة المحدثين بإثبات الواو، وكان ابن عيينة يرويه بحذفها وهو الصواب، وذلك أنه إذا حذفها صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودًا عليهم، وبإدخالها يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه؛ لأن الواو حرف العطف ولاجتماع (٣) بين الشيئين (٤).
وفي رواية يحيى، عن مالك، عن ابن دينار: "عليك" بلفظ الواحد. وقال القرطبي: الواو هنا زائدة وقيل: للاستئناف. وحذفها أحسن في المعنى، وإثباتها أصح رواية وأشهر (٥). وقَالَ أبو محمد المنذري: من فسر السام بالموت فلا تبعد الواو، ومن فسره بالسآمة فإسقاطها هو الوجه (٦).
وكان قتادة فيما حكاه ابن الجوزي يمد ألف السآمة.
وذهب عامة السلف وجماعة الفقهاء إلى أن أهل الكتاب لا يبدءون بالسلام حاشا ابن عباس وصدي بن عجلان وابن محيريز فإنهم جوزوه ابتداء، وهو وجه لبعض أصحابنا حكاه الماوردي، ولكنه قَالَ: يقول
стр. 10519
عليك، ولا يقول: عليكم، بالجمع. وحكي أيضًا أن بعض أصحابنا جوز أن يقول: عليكم السلام فقط، ولا يقول: ورحمة الله وبركاته. وهو ضعيف مخالف للأحاديث.
وذهب آخرون إلى جواز الابتداء للضرورة أو لحاجة تعن له إليه أو لذمام أو نسب، وروي ذَلِكَ عن إبراهيم وعلقمة. وقال الأوزاعي: إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون. وتأول لهم قوله: "لا تبدءوهم بالسلام" أي: لا تبدءوهم كصنيعكم بالمسلمين.
واختلف في رد السلام عليهم، فقالت طائفة: رده فريضة على المسلمين والكفار، وهذا تأويل قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].
قَالَ ابن عباس وقتادة في آخرين: هي عامة في الرد على المسلم والكافر، وقوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ يقول للكافر: وعليكم. قَالَ ابن عباس: من سلم عليك من خلق الله تعالى فاردد عليه وإن كان مجوسيًّا (١). وروي أنه ﷺ لما رأى عبد الله بن أبيٍّ جالسًا نزل فسلم عليه (٢)؟ ورُدَّ بأنه كان يرجو إسلامه.
وروى ابن عبد البر عن أبي أمامة الباهلي أنه كان لا يمر بمسلم ولا يهودي ولا نصراني إلا بدأه بالسلام، وعن ابن مسعود وأبي
стр. 10520
الدرداء وفضالة بن عبيد أنهم كانوا يبدءون أهل الكتاب بالسلام، وكتب ابن عباس إلى كتابي: السلام عليك، وقال: لو قَالَ لي فرعون خيرًا لوددت عليه. وقيل لمحمد بن كعب: إن عمر بن عبد العزيز يرد عليهم ولا يبتدئهم فقال: ما أرى بأسًا أن يبدأهم بالسلام لقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩] وفيه رد لما سلف.
وقالت طائفة: لا يرده على الكتابي، والآية مخصوصة بالمسلمين، وهو قول الأكثرين، وعن (ابن) (١) طاوس يقول: علاك السلام. أي ارتفع عنك. واختار بعضهم كسر السين من السلام أي الحجارة (٢).
فرع:
لو تحققنا قولهم السلام، فهل يقال: لا يمتنع الرد عليهم بالسلام الحقيقي كالمسلم، أو يقال بظاهر الأمر، فيه تردد لتعارض اللفظ والمعنى.
فرع:
عن مالك إن بدأت ذميًّا على أنه مسلم ثم عرفته فلا تسترد منه السلام. ونقل ابن العربي عن ابن عمر أنه كان يسترده منه فيقول: اردد عليَّ سلامي (٣).
فائدة: أدخل بعضهم هذا الحديث في باب: من سب رسول الله ﷺ ولا وجه له كما نبه عليه ابن عبد البر (٤)، وسيكون لنا عودة إلى ذَلِكَ في كتاب الأدب.
стр. 10521
فرع:
اختلف في تكنية أهل الكتاب (١)، فكرهه مالك، وأجازه ابن عبد الحكم وغيره، واحتج بقوله ﷺ : "أنزل أبا وهب" (٢).
стр. 10522
٩٩ - باب هَلْ يُرْشِدُ المُسْلِمُ أَهْلَ الكِتَابِ أَوْ يُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ ؟
٢٩٣٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابن أَخِي ابن شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ، وَقَالَ: "فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ". [٢٩٤٠ - فتح ٦/ ١٠٧]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النبي ﷺ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ: "فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ".
هذا الحديث سلف (١)، وإرشاد أهل الكتاب ودعاؤهم إلى الإسلام واجب على الإمام، وأما تعليمهم الكتاب فاستدل الكوفيون على جوازه بكتابه إليهم أنه من كتاب الله بالعربية، فعلمهم كيف حروف العربية؟ وكيف تأليفها؟ وكيف إيصال ما اتصل من الحروف وانقطاع ما انقطع منها؟ فهذا تعليم لهم؛ لأنهم لم يقرءوه حَتَّى ترجم لهم، وفي الترجمة تعريب ما يوافق من حروفنا حروفهم وما يعبر عنه، ألا ترى أن في أسماء الطير في نظير أبيات الشعر تعليمًا للكتاب، فضلاً عن الحروف التي هي بنغمتها تدل على أمثالها، وأسماء الطير لا يفهم منها نغمة وينفك منها الكلام، قاله المهلب.
وإلى هذا المعنى ذهب أبو حنيفة فقال: لا بأس بتعليم الحربي والذمي القرآن والعلم والفقه، رجاء أن يرغبوا في الإسلام، وهو أحد قولي الشافعي. وقال مالك: لا يعلمون الكتاب ولا القرآن، وهو قول
стр. 10523
الشافعي الآخر. وكره مالك إذا كان صيرفي يهودي أو نصراني أن يصرف منهم.
واحتج الطحاوي لأصحابه بكتابه ﷺ إلى هرقل بآية من القرآن، وبما رواه حماد بن سلمة عن حبيب المعلم، (قَالَ) (١): سألت الحسن: أعلم أهل الذمة القرآن؟ قَالَ: نعم، أليس يقرءون التوراة والإنجيل وهو كتاب الله. واحتج الطحاوي بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦] قالوا: وقد روى أسامة بن زيد أنه ﷺ مر على مجلس فيه عبد الله بن أبي قبل أن يسلم، وفي المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، فقرأ عليهم القرآن.
وحجة مالك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وقد نهى النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو، وكره مالك أن يشترى من أهل الكفر فيعطوا دراهم فيها اسم الله، وقد سلف كلامه في الصيرفي.
وقال الطحاوي: يكره أن يعطى الكافر الدراهم فيها القرآن؛ لأنه لا يغتسل من الجنابة، فهو كالجنب يمس المصحف فيكره أن يعطاه، والدراهم على عهد رسول الله ﷺ لم يكن عليها قرآن وإنما ضربت في أيام عبد الملك. وقال غيره: في كتابه ﷺ إلى هرقل آية من القرآن فيه جواز مباشرة الكفار صحائف القرآن إذا احتيج إلى ذلك (٢).
стр. 10524
فائدة:
الأريسيون: سلف الخلاف فيه هناك، ونقل ابن التين هنا عن القزاز أنه في كلام العرب الملوك، وذكر العلماء باللغة أنه فعيل مشدد الراء قَالَ: وهو من الأضداد يكون للملك وللأجير، المعنى: فعليك إثم الملوك الذين يخالفون نبيهم. قَالَ: وقال ابن فارس: الأراريس: الزراعون، وهي شامية، الواحد: إرِّيس (١).
стр. 10525
١٠٠ - باب الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْهُدى لِيَتَأَلَّفَهُمْ
٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَدِمَ طُفَيْل بْن عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ الله عَلَيْهَا. فَقِيلَ هَلَكَتْ دَوْسٌ. قَالَ: "اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ". [٤٣٩٢، ٦٣٩٧ - مسلم: ٢٥٢٤ - فتح ٦/ ١٠٧]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ: قَدِمَ الطُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا. فَقِيلَ هَلَكَتْ دَوْسٌ. قَالَ: "اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ".
الشرح:
كان نبينا - عليهما أفضل الصلاة والسلام - يحب دخول الناس في الإسلام فكان لا يعجل بالدعاء (عليهم) (١) مادام يطمع في إجابتهم إلى الإسلام بل كان يدعو لمن يرجو منه الإنابة، ومن لا يرجوه ويخشى ضره وشوكته، يدعو عليه كما دعا عليهم بسنين كسني يوسف، ودعا على صناديد قريش لكثرة أذاهم وعداوتهم، فأجيبت دعوته (فيهم) (٢) فقتلوا ببدر كما أسلم كثيرٌ ممن (دعا) (٣) له بالهدى.
الشرح:
(كسرى) -بكسر الكاف، وفتحها- ابن هرمز ملك فارس.
وحامل الكتاب: عبد الله بن حذافة السهمي، وعظيم البحرين كان من تحت كسرى، ولما دعا عليهم ﷺ بذلك مات منهم أربعة عشر ملكًا في سنة، حَتَّى ولي أمرهم امرأة، فقال ﷺ عند ذَلِكَ: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" (١).
والتمزيق: التفريق. يقال: مزقت الثوب وغيره أمزقه تمزيقًا إذا قطعته خرقًا، ومنه يقال: تمزق القوم. إذا تفرقوا.
وكان اتخاذ الخاتم سنة ست، وما. ذكره في نقشه هو المعروف الثابت، وقيل: كان نقشه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكان النقش في الفص، وكان الفص حبشيًا. وقيل: كان عقيقًا.
ومن شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم في خواتمهم، ولم يذكر هنا فيه نص ما دعا به إلى قيصر، وقد أسلف أنه كتب فيه يدعوه بدعاية الإسلام: "أسلم تسلم" فهذا الذي يقاتلون عليه، والدعوة لازمة إذا لم تبلغهم، وإذا بلغتهم فلا يلزم، فإن شاء يكرر ذَلِكَ عليهم، وإن شاء أن يطلب غرتهم فعل، وإنما كانوا لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا؛ لأنهم كانوا يكرهون أن يقرأ الكتاب لهم غيرهم، وأن يكون مباحًا لسواهم فكانوا يأنفون من إهماله، وقد قيل في تأويل قوله: ﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩]، أنه مختوم، فأخذ بأرفع الأحوال التي بلغته عنهم، واتخذ خاتمًا ونقش فيه ما سلف وعهد ألا ينقش أحد مثله، فصارت خواتم الأئمة
стр. 10528
والحكام سنة لا يعاب عليهم فيها ولا يتسور في اصطناع مثلها، قاله ابن بطال (١).
وتخريق الكتاب من باب التهاون بأمر النبوة والاستهزاء بها، فلذلك دعا عليهم بالتمزيق فأجيبت كما سلف، والاستهزاء من الكبائر العظيمة إذا كان في الدين وهو من باب الكفر، ويقتل المستهزئ بالدين؛ لأن الله تعالى أخبر أنه كفر حيث قَالَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ الآية [التوبة: ٦٥] (٢).
قلتُ: إلا أن يعود إلى الإسلام فإنه يجبُّ ما قبله.
وفي رواية: كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا.
وفي رواية أنه ﵇ خَرَجَ إلى خَيْبَرَ فَجَاءَهَا لَيْلاً، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبحَ .. الحديث.
وحديث أبي هريرة قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إله إِلّا اللهُ. فَمَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ".
رَوَاهُ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الشرح:
فيه الدعاء إلى الإسلام بالمكاتبة وبعثه الرسول، وأحاديثه متفرقة في أبوابها، واستحب العلماء أن يدعى الكافر إلى الإسلام قبل القتال، وقال مالك: أما من قربت داره منا فلا يدعون لعلمهم بالدعوة ولتلتمس غرتهم، ومن بعدت داره وخيف أن لا تبلغه، فالدعوة أقطع للشك (١)، وذكر ابن المنذر عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى جعونة وأمره على الدروب أن يدعوهم قبل أن يقاتلهم، وأباح أكثر أهل العلم قتالهم قبل أن يدعوا؛ لأنهم قد بلغتهم الدعوة، هذا قول الحسن البصري والنخعي وربيعة والليث وأبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. قال الثوري: ويدعون أحسن. واحتج الليث والشافعي بقتل ابن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف، وعن أبي حنيفة: إن بلغتهم الدعوة فحسن أن يدعوهم الإمام إلى الإسلام وأداء الجزية قبل القتال، ولا بأس أن يغيروا عليهم بغير دعوة.
стр. 10534
وقال الشافعي: لا أعلم أحدًا من المشركين لم تبلغه الدعوة اليوم إلا أن يكون خلف الجزر، والترك أمة لم تبلغهم فلا يقاتلوا حَتَّى يدعوا، ومن قتل منهم قبل ذَلِكَ فعلى قاتله الدية (١). وقال أبو حنيفة: لا شيء عليه. قَالَ ابن القصَّار: وهو ما أراه، ولا أحفظ عن مالك فيه نصًّا.
قَالَ الطحاوي: قد لبث الشارع بعد النبوة سنين يدعو الناس إلى الإسلام ويقيم عليهم الحجج والبراهين كما أمره الله تعالى بقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] ثم أنزل الله تعالى بعد ذَلِكَ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] فأباح الله قتال من قاتله ولم يبح قتال من لم يقاتله، وكان الإسلام ينتشر في ذَلِكَ وتقوم الحجة على من لم يكن علمه، فأنزل الله تعالى بعد ذَلِكَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] قاتلوكم قبل ذَلِكَ أم لا، فكان في ذَلِكَ زيادة في انتشار الإسلام، ثم أنزل عليه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] فأمر بقتالهم كافة حَتَّى يكون الدين كله لله، وقد تقدمت معرفة الناس جميعًا بالإسلام وعلموا ما منابذته سائر أهل الأديان، ولم يذكر في شيء من الآي التي أمر فيها بالقتال دعاء من أمر بقتالهم؛ لأنهم قد علموا خلافهم له وما يدعوهم إليه.
واحتج لهذا القول بحديث أنس أنه كان ﷺ إذا سمع أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أذانًا أغار بعد ما أصبح، فهذا يدل على أنه كان لا يدعو.
стр. 10535
وذهب من استحب دعوتهم قبل القتال إلى حديث سهل بن سعد في الباب أنه ﷺ قَالَ لعلي: "على رسلك حَتَّى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم" (١). وقال أهل القول الأول: هذا يحتمل أن يكون في أول الإسلام في قوم لم تبلغهم الدعوة ولم يدروا ما يدعون إليه (فأمر بالدعاء) (٢) ليكون ذَلِكَ تبليغًا لهم وإعلامًا، ثم أمر بالغارة على آخرين، فلم يكن ذَلِكَ إلا لمعنى لم يحتاجوا معه إلى الدعاء؛ لأنهم قد علموا ما يدعون إليه، وما لو أجابوا إليه لم يقاتلوا، فلا معنى للدعاء.
واحتجوا بحديث ابن عون: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فقال: إنما كان ذَلِكَ في أول الإسلام قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارُّون، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية، حَدَّثَني بذلك ابن عمر، وكان في ذلك الجيش. وسيأتي في موضعه، وبما رواه الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "أغر على أُبْنَى صباحا وحرق" (٣).
وقال ابن التين: في حديث أنس يحتمل أنه دعاهم ولم (ينقل) (٤)، وفي حديث أنس أيضًا الحكم بالدليل في الأبشار والأموال، ألا ترى أنه
стр. 10536
حقن دماء من سمع من دارهم الأذان، واستدل بذلك على صدق دعواتهم للإيمان.
وفيه أيضًا: البيان عن صحة قول من أنكر على غزاة المسلمين بيات من لم يعرفوا حاله من أهل الحصون حَتَّى يصبحوا، فتبين حالهم بالأذان ويعلموا هل بلغتهم الدعوة أم لا، وإن كانوا ممن بلغتهم الدعوة، ولم يعلموا أمسلمين هم أم أهل صلح أو حرب لهم فلا يغيروا حَتَّى يصبحوا، فإن سمعوا أذانًا من حصنهم كان من الحق عليهم الكف عنهم، وإن لم يسمعوا الأذان، وكانوا أهل حرب أغاروا عليهم إن شاءوا.
وأما حديث الصعب بن جثامة أنه ﷺ سُئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال: "هم منهم" -وسيأتي حيث ذكره البخاري (١) - فهو محمول على من بلغته الدعوة ولا يشك في حاله من أهل الحرب، فيجوز بياته.
وحديث أنس محمول على من لم يعلم، هل بلغته فينظرهم الصباح ليستبرئ حالهم بالأذان وغيره من الشعائر.
وقال ابن التين: الدعوة تجب لمن بعدت داره، واختلف في الغريب، قَالَ: وقال الحسن وغيره: لا يجب على كل أحد.
وأما حديث ابن عباس فقد أوضحنا الكلام عليه أول الكتاب، ولا بأس بإعادة قطعة لطيفة منه مختصرًا، فمعنى (شكرًا لما أبلاه الله) يقال: بلاه الله بلاءً حسنًا، والبلاء: الاختبار، يكون للخير والشر إذا كان ثلاثيًّا، وفيه: أنه كان على دين عيسى؛ فلذلك تبرر بالمشي إلى بيت المقدس.
стр. 10537
وقوله: (لكذبته). وفي نسخة: لحدثته. أي: بالكذب، و (يأثر): يحدث. وقال ابن فارس: أثرت الحديث: إذا ذكرته عن غيرك (١).
وقوله: (وكذلك الرسل تبتلى)، أي: تختبر بالغلبة عليها ليعلم صبرهم.
وقوله: (يوشك) أي يسرع ذلك، ومعنى: (سيظهر): سيغلب.
وأما حديث سهل فقوله: (فبصق في عينيه فبرأ). يقال: برأت من المرض، وبرئت أيضًا.
وقوله: "على رسلك". هو بكسر الراء. قَالَ ابن التين: ضبطه بفتح الراء وكسرها وهو بالفتح التؤدة، وبالكسر: الهينة.
و ("حمر النعم"): أعزها وأحسنها. يريد خير من أن تكون لك فتتصدق بها، وقيل: تنشئها وتملكها. والنَعم: الإبل. وقيل: يطلق على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمعن.
و (المساحي) -بفتح الميم- جمع: مسحاة، وهي مفعلة مما يفعل بها، يقال: سحا وجه الأرض بالمسحاة يسحوه إذا قشره، وأصل المسحاة مسحوة تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت ألفًا.
و (مكاتلهم): جمع مكتل، وهو الزنبيل الذي يحملون فيه ما يريدون على دوابهم ورقابهم، و (الخميس): الجيش، والمعنى: هذا محمد وجيشه، أو قد جاء محمد وجيشه، وإنما سمي خميسًا؛ لأنه يخمس ما يجد من شيء.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم أيضًا، وسلف في الإيمان من حديث ابن عمر، وشرحه هناك واضحًا.
стр. 10538
قَالَ الطحاوي: واختلف في تأويله، فذهب قوم إلى أن من قَالَ: لا إله إلا الله فقد صار بها مسلمًا، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، واحتجوا به.
وخالفهم آخرون فقالوا: لا حجة لكم عليه فيه؛ لأنه ﷺ إنما يقاتل قومًا لا يوحدون الله تعالى، فكان أحدهم إذا وحَّد الله علم بذلك تركه لما قوتل عليه، وخروجه منه، ولم يعلم بذلك دخوله في الإسلام أو في بعض الملل التي توحد الله وتكفر بجحدها رسله وغير ذَلِكَ من الوجوه التي تكفر بها مع توحيدهم الله تعالى، كاليهود والنصارى يوحدون الله تعالى ولا يقرون برسوله، وفي اليهود من يقول: إن محمدًا رسول الله إلى العرب خاصة، فكان حكم هؤلاء ألا يقاتلوا إذا وقعت هذِه الشبهة حَتَّى تقوم الحجة على من يقاتلهم بوجوب قتالهم.
وقد أمر الشارع عليًّا حين وجهه إلى خيبر وأهلها يهود بما رواه ابن وهب، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ لما دفع الراية إلى علي حين وجهه إلى خيبر قَالَ: "امض ولا تلتفت حَتَّى يفتح الله عليك" فقَالَ علي: علام. أقاتلهم؟ قَالَ: "حَتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذَلِكَ فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (١)، ففي هذا الحديث أنه ﷺ قد أباح له قتالهم وإن شهدوا أن لا إله إلا الله حَتَّى يشهدوا أن محمدًا رسول الله، وحتى يعلم عليٌّ خروجهم من اليهودية، كما أمر بقتال عبدة الأوثان حَتَّى يعلم خروجهم مما قوتلوا عليه، وقد أتى قوم من اليهود إلى رسول الله ﷺ
стр. 10539
فأقروا بنبوته ولم يدخلوا في الإسلام فلم يقاتلهم على إبائهم الدخول في الإسلام إذ لم يكونوا بذلك الإقرار عنده مسلمين.
وروى شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن صفوان بن عسال أن يهوديًّا قَالَ لصاحبه: تعال حَتَّى نسأل هذا النبي، فقال له الآخر: لا تقل له نبي، فإنه إن سمعها صارت له أربعة أعين، (فأتاه) (١) فسأله عن هذِه الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ .. ﴾ [الإسراء: ١٠١] فقال: "لا تشركوا بالله شيئًا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم- خاصة (اليهود) (٢) - ألا تعدوا في السبت" فقبلوا يده وقالوا: نشهد أنك نبي. قَالَ: "فما يمنعكم أن تتبعوني؟ " قالوا: نخشى أن تقتلنا اليهود (٣)، فأقروا بنبوته مع توحيد الله تعالى، ولم يكونوا بذلك مسلمين، فثبت أن الإسلام لا يكون إلا بالمعاني التي تدل على الدخول في الإسلام وترك سائر الملل.
وروى ابن وهب عن يحيى بن أيوب، عن حميد الطويل، عن أنس أن رسول الله ﷺ قَالَ: "أمرت أن أقاتل الناس حَتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا شهدوا بذلك وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها" (٤) قَالَ: وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه. فالحديث الأول
стр. 10540
فيه التوحيد خاصة هو المعنى الذي يكف به عن القتال حَتَّى يعلم ما أراد به قائله، الإسلام أو غيره حَتَّى لا تتضاد هذِه الآثار (١).
وقال الطبري نحوًا من ذَلِكَ، وزاد: أما قوله: "فإذا قالوا لا إله إلا الله فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم .. " الحديث. فإنه قاله في حال قتاله لأهل الأوثان الذين كانوا لا يقرون بالتوحيد، وهم الذين قَالَ الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات: ٣٥] فدعاهم إلى الإقرار بالوحدانية وخلع ما دونه من الأوثان، فمن أقر بذلك منهم كان في الظاهر داخلًا في صبغة الإسلام، ثم قَالَ لآخرين من أهل الكفر، كانوا يوحدون الله تعالى غير أنهم ينكرون نبوة محمد ﷺ ، فقال ﷺ في هؤلاء: "أمرت أن أقاتل الناس حَتَّى يقولوا: لا إله إلا الله، ويشهدوا أن محمدًا رسول الله" فإسلام هؤلاء: الإقرار مما كانوا به جاحدين، كما كان إسلام الآخرين إقرارهم بالله أنه واحد لا شريك له، وعلى هذا تحمل الأحاديث.
فصل:
حديث أنس في الباب أخرجه من ثلاث طرق عن حميد، عن أنس. الأول: عن أبي إسحاق، والثاني: عن إسماعيل بن جعفر، والثالث: عن مالك، كلهم عن حميد به.
وقد أخرج بالطريق الأول عدة أحاديث غيرها، منها: فضل الغدوة كما سلف (٢)، ومنها حديث العضباء (٣)، ومنها هنا، وفي المغازي