← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10536–10575 · переход к 10541.

стр. 10536

حقن دماء من سمع من دارهم الأذان، واستدل بذلك على صدق دعواتهم للإيمان. وفيه أيضًا: البيان عن صحة قول من أنكر على غزاة المسلمين بيات من لم يعرفوا حاله من أهل الحصون حَتَّى يصبحوا، فتبين حالهم بالأذان ويعلموا هل بلغتهم الدعوة أم لا، وإن كانوا ممن بلغتهم الدعوة، ولم يعلموا أمسلمين هم أم أهل صلح أو حرب لهم فلا يغيروا حَتَّى يصبحوا، فإن سمعوا أذانًا من حصنهم كان من الحق عليهم الكف عنهم، وإن لم يسمعوا الأذان، وكانوا أهل حرب أغاروا عليهم إن شاءوا. وأما حديث الصعب بن جثامة أنه ﷺ سُئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال: "هم منهم" -وسيأتي حيث ذكره البخاري (١) - فهو محمول على من بلغته الدعوة ولا يشك في حاله من أهل الحرب، فيجوز بياته. وحديث أنس محمول على من لم يعلم، هل بلغته فينظرهم الصباح ليستبرئ حالهم بالأذان وغيره من الشعائر. وقال ابن التين: الدعوة تجب لمن بعدت داره، واختلف في الغريب، قَالَ: وقال الحسن وغيره: لا يجب على كل أحد. وأما حديث ابن عباس فقد أوضحنا الكلام عليه أول الكتاب، ولا بأس بإعادة قطعة لطيفة منه مختصرًا، فمعنى (شكرًا لما أبلاه الله) يقال: بلاه الله بلاءً حسنًا، والبلاء: الاختبار، يكون للخير والشر إذا كان ثلاثيًّا، وفيه: أنه كان على دين عيسى؛ فلذلك تبرر بالمشي إلى بيت المقدس.

стр. 10537

وقوله: (لكذبته). وفي نسخة: لحدثته. أي: بالكذب، و (يأثر): يحدث. وقال ابن فارس: أثرت الحديث: إذا ذكرته عن غيرك (١). وقوله: (وكذلك الرسل تبتلى)، أي: تختبر بالغلبة عليها ليعلم صبرهم. وقوله: (يوشك) أي يسرع ذلك، ومعنى: (سيظهر): سيغلب. وأما حديث سهل فقوله: (فبصق في عينيه فبرأ). يقال: برأت من المرض، وبرئت أيضًا. وقوله: "على رسلك". هو بكسر الراء. قَالَ ابن التين: ضبطه بفتح الراء وكسرها وهو بالفتح التؤدة، وبالكسر: الهينة. و ("حمر النعم"): أعزها وأحسنها. يريد خير من أن تكون لك فتتصدق بها، وقيل: تنشئها وتملكها. والنَعم: الإبل. وقيل: يطلق على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمعن. و (المساحي) -بفتح الميم- جمع: مسحاة، وهي مفعلة مما يفعل بها، يقال: سحا وجه الأرض بالمسحاة يسحوه إذا قشره، وأصل المسحاة مسحوة تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت ألفًا. و (مكاتلهم): جمع مكتل، وهو الزنبيل الذي يحملون فيه ما يريدون على دوابهم ورقابهم، و (الخميس): الجيش، والمعنى: هذا محمد وجيشه، أو قد جاء محمد وجيشه، وإنما سمي خميسًا؛ لأنه يخمس ما يجد من شيء. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم أيضًا، وسلف في الإيمان من حديث ابن عمر، وشرحه هناك واضحًا.

стр. 10538

قَالَ الطحاوي: واختلف في تأويله، فذهب قوم إلى أن من قَالَ: لا إله إلا الله فقد صار بها مسلمًا، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، واحتجوا به. وخالفهم آخرون فقالوا: لا حجة لكم عليه فيه؛ لأنه ﷺ إنما يقاتل قومًا لا يوحدون الله تعالى، فكان أحدهم إذا وحَّد الله علم بذلك تركه لما قوتل عليه، وخروجه منه، ولم يعلم بذلك دخوله في الإسلام أو في بعض الملل التي توحد الله وتكفر بجحدها رسله وغير ذَلِكَ من الوجوه التي تكفر بها مع توحيدهم الله تعالى، كاليهود والنصارى يوحدون الله تعالى ولا يقرون برسوله، وفي اليهود من يقول: إن محمدًا رسول الله إلى العرب خاصة، فكان حكم هؤلاء ألا يقاتلوا إذا وقعت هذِه الشبهة حَتَّى تقوم الحجة على من يقاتلهم بوجوب قتالهم. وقد أمر الشارع عليًّا حين وجهه إلى خيبر وأهلها يهود بما رواه ابن وهب، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ لما دفع الراية إلى علي حين وجهه إلى خيبر قَالَ: "امض ولا تلتفت حَتَّى يفتح الله عليك" فقَالَ علي: علام. أقاتلهم؟ قَالَ: "حَتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذَلِكَ فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (١)، ففي هذا الحديث أنه ﷺ قد أباح له قتالهم وإن شهدوا أن لا إله إلا الله حَتَّى يشهدوا أن محمدًا رسول الله، وحتى يعلم عليٌّ خروجهم من اليهودية، كما أمر بقتال عبدة الأوثان حَتَّى يعلم خروجهم مما قوتلوا عليه، وقد أتى قوم من اليهود إلى رسول الله ﷺ

стр. 10539

فأقروا بنبوته ولم يدخلوا في الإسلام فلم يقاتلهم على إبائهم الدخول في الإسلام إذ لم يكونوا بذلك الإقرار عنده مسلمين. وروى شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن صفوان بن عسال أن يهوديًّا قَالَ لصاحبه: تعال حَتَّى نسأل هذا النبي، فقال له الآخر: لا تقل له نبي، فإنه إن سمعها صارت له أربعة أعين، (فأتاه) (١) فسأله عن هذِه الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ .. ﴾ [الإسراء: ١٠١] فقال: "لا تشركوا بالله شيئًا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم- خاصة (اليهود) (٢) - ألا تعدوا في السبت" فقبلوا يده وقالوا: نشهد أنك نبي. قَالَ: "فما يمنعكم أن تتبعوني؟ " قالوا: نخشى أن تقتلنا اليهود (٣)، فأقروا بنبوته مع توحيد الله تعالى، ولم يكونوا بذلك مسلمين، فثبت أن الإسلام لا يكون إلا بالمعاني التي تدل على الدخول في الإسلام وترك سائر الملل. وروى ابن وهب عن يحيى بن أيوب، عن حميد الطويل، عن أنس أن رسول الله ﷺ قَالَ: "أمرت أن أقاتل الناس حَتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا شهدوا بذلك وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها" (٤) قَالَ: وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه. فالحديث الأول

стр. 10540

فيه التوحيد خاصة هو المعنى الذي يكف به عن القتال حَتَّى يعلم ما أراد به قائله، الإسلام أو غيره حَتَّى لا تتضاد هذِه الآثار (١). وقال الطبري نحوًا من ذَلِكَ، وزاد: أما قوله: "فإذا قالوا لا إله إلا الله فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم .. " الحديث. فإنه قاله في حال قتاله لأهل الأوثان الذين كانوا لا يقرون بالتوحيد، وهم الذين قَالَ الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ [الصافات: ٣٥] فدعاهم إلى الإقرار بالوحدانية وخلع ما دونه من الأوثان، فمن أقر بذلك منهم كان في الظاهر داخلًا في صبغة الإسلام، ثم قَالَ لآخرين من أهل الكفر، كانوا يوحدون الله تعالى غير أنهم ينكرون نبوة محمد ﷺ ، فقال ﷺ في هؤلاء: "أمرت أن أقاتل الناس حَتَّى يقولوا: لا إله إلا الله، ويشهدوا أن محمدًا رسول الله" فإسلام هؤلاء: الإقرار مما كانوا به جاحدين، كما كان إسلام الآخرين إقرارهم بالله أنه واحد لا شريك له، وعلى هذا تحمل الأحاديث. فصل: حديث أنس في الباب أخرجه من ثلاث طرق عن حميد، عن أنس. الأول: عن أبي إسحاق، والثاني: عن إسماعيل بن جعفر، والثالث: عن مالك، كلهم عن حميد به. وقد أخرج بالطريق الأول عدة أحاديث غيرها، منها: فضل الغدوة كما سلف (٢)، ومنها حديث العضباء (٣)، ومنها هنا، وفي المغازي

стр. 10541

حديث حفر الخندق (١)، ومنها في المغازي، وصفة الجنة: أصيب حارثة .. إلى آخره (٢)، وذكره خلف وأغفله أبو مسعود، ومنها هنا: "ما من عبد يموت له عند الله خير .. " الحديث سلف (٣)، وذكره يحيى بن عبد الوهاب بن منده فيما استدركه على أبي مسعود، وأخرج الثالث هنا وفي المغازي (٤)، وكذا أخرجه أبو داود والترمذي وقال: صحيح (٥).

стр. 10542

١٠٣ - باب مَنْ أَرَادَ غَزوَةً فَوَرى بِغَيْرِهَا، وَمَنْ أَحَبَّ الخُرُوجَ يَوْمَ الخَمِيسِ ٢٩٤٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ ﵁ -وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلاَّ وَرَّى بِغَيْرِهَا. [انظر: ٢٧٥٧ - مسلم: ٧١٦، ٢٧٦٩ - فتح ٦/ ١١٢] ٢٩٤٨ - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلاَّ وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الذِي يُرِيدُ. [انظر: ٢٧٥٧ - فتح ٦/ ١١٣] ٢٩٤٩ - وَعَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ كَانَ يَقُولُ لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ إِذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ إِلاَّ يَوْمَ الخَمِيسِ. [انظر: ٢٧٥٧ - فتح ٦/ ١١٣] ٢٩٥٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الخَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الخَمِيسِ. [انظر: ٢٧٥٧ - مسلم: ٧١٦، ٢٧٦٩ - فتح ٦/ ١١٣] ذكر فيه أحاديث كلها راجعة إلى كعب بن مالك من طريق الليث، عَنْ عُقَيْل، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ

стр. 10543

ابْنِ مَالِكٍ، عن أبيه وَكَانَ قَائِدَ كَعْب مِنْ بَنِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبًا حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرى بِغَيْرِهَا. ومن حديث يونس عَنِ الزُّهْرِيِّ عن عبدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ عن أبيه أنه كَانَ ﷺ قلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّا وَرى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تبوكَ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، الحديث. وعن يونس، به قلما كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ إِذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ إِلَّا يَوْمَ الخَمِيسِ. وعن مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ به أنه ﷺ خرَجَ يَوْمَ الخَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تبوكَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الخَمِيسِ. وهو حديث خرجه البخاري مطولًا ومختصرًا في عشرة مواضع، وأخرجه مسلم أيضًا والأربعة (١). قَالَ الدارقطني: والرواية الأولى صواب، وحديث يونس مرسل، ورواه سويد بن نصر، عن ابن المبارك متصلًا مثل ما رواه الليث وابن وهب، عن يونس ورواه مسلم عن سلمة [عن] (٢) ابن أعين، عن معقل، عن الزهري، عن عبد الرحمن السالف، عن عمه عبيد الله بن كعب (٣)، وكلاهما لم يحفظ (٤).

стр. 10544

قَالَ الجياني: كذا هذا الإسناد عن ابن مردويه (١) عن ابن المبارك في "الجامع" و"التاريخ" (٢)، وكذا رواه ابن السكن وأبو زيد، ومشايخ أبي ذر الثلاثة. ولم يلتفت الدارقطني إلى قول عبد الرحمن بن عبد الله: (سمعت كعبًا)؛ لأنه عنده وهم، وقد رواه معمر عن الزهري على نحو ما رواه ابن مردويه من الإرسال، ومما يشهد لقول أبي الحسن ما ذكره الذهلي في "علله": سمع الزهري من عبد الرحمن بن كعب ومن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وسمع من أبيه عبد الله بن كعب، ولا أظن سمع عبد الرحمن بن عبد الله من جده شيئًا، وإنما روايته عن أبيه وعمه. قَالَ الجياني: والغرض من ذَلِكَ الاستدراك على البخاري، حيث خرجه على الاتصال وهو مرسل (٣). ويوضح ذَلِكَ أيضًا [ما] (٤) رواه البخاري في الجهاد في باب الصلاة إذا قدم من سفر: حَدَّثنَا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن أبيه وعمه عبيد الله بن كعب، عن كعب، فذكر الحديث (٥). ولأبي داود من حديث ابن إسحاق عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن أبيه، عن جده: قلتُ: يا رسول الله، إن من توبتي أن أخرج من مالي (صدقة) (٦). الحديث (٧).

стр. 10545

وقال الطرقي: ربما اشتبهت رواية عبد الرحمن بن عبد الله عن جده فيظن أنها مرسلة؛ من حيث أنه يروي في بعض الأحايين عن أبيه عن جده، وليس كذلك فإنما يروي عن جده أحرفًا من الحديث، ولم يمكنه حفظه كله عنه لطوله ولصغره فاستثبته من أبيه. واعلم أن خير ما يدلك على شأن روايات الحديث أن تعلم أن لكعب بن مالك ثلاثة أولاد: عبد الله قائده، وعبيد الله، وعبد الرحمن، أدرك الزهري عبد الله وعبد الرحمن، ولعبد الله ابن يقال له عبد الرحمن، روى عنه الزهري الحديث بطوله، وفي مسلم: عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن عمه عبيد الله، وكان قائد كعب (١). قَالَ الدارقطني: الصواب قول من قَالَ: عبد الله، مكبرًا (٢). ورواه النسائي من حديث ابن جريج عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه عبد الله، وعن عبيد الله عن أبيهما (٣). قَالَ الطرقي: يجوز أن يكون عبد الله وعبيد الله جميعًا قائدي أبيهما حين عمي، واختلاف حديث الأخوين من أصحاب الزهري لاختلاف روايتهم. وقال النسائي: يشبه أن يكون الزهري سمعه من عبد الله بن كعب ومن عبد الرحمن عنه (٤).

стр. 10546

إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجوه: أحدها: معنى: (ورى بغيرها). سترها ووهم بغيرها، يريد: طلب غزوه العدو لئلا يسبقه الجواسيس ونحوهم بالتحذير، إلا إذا كانت سفرة بعيدة فيستحب أن يعرفهم بعدها كما جرى في هذِه الغزوة؛ للتأهب، وأمن ألا يسبقه إليها الخبر لبعد الشقة التي بينه وبينها وقفرها، وهذا من خداع الحرب، وأصله من الوري وهو جعل البيان وراءه كأن من ورى عن شيء جعله وراءه. قَالَ أبو علي الفسوي: أصله من الوراء. كأنه قَالَ: لم يشعر به من ورائي. كأنه قَالَ: سأستر بكذا، وأصحاب الحديث لا يضبطون الهمزة فيه، وتصغيره: ورية، ويجوز أن تجعل الهمزة غير أصلية. وتجعلها منقلبة من واو أو ياءٍ، فيكون تصغير وراء: ورية، وأصله: وريية وتسقط واحدة منهما كما (قلب) (١) في عطاء: عُطَيّ والأصل عطيي فتقول: وريت عن كذا وكذا بغير همزة. وقال الخطابي: التورية في الشيء الذي يليك وتجاوزت لما وراءه (٢). ثانيها: المفازة: المهلكة، سميت بذلك تفاؤلًا بالفوز والسلامة، كما قالوا للديغ: سليم، وذكر ابن الأنباري عن ابن الأعرابي أنها مأخوذة من قولهم: قد فَوَّزَ الرجل إذا هلك، وقيل: لأن من قطعها فاز ونجا (٣). ثالثها: قوله: (فجلا للمسلمين أمرهم). أي: أظهره ليتأهبوا بذلك، وهو مخفف اللام، يقال: جليت الشيء إذا كشفته وبينته وأوضحته،

стр. 10547

وضبطه الدمياطي في حديث كعب في المغازي بالتشديد خطأً (١). وأمره بإمساك بعض ماله في موضع آخر للخوف عليه التضرر بالفقر وألا يصبر عليه، ولا يخالف هذا حال الصديق لصبره ورضاه. فإن قلتَ: كيف قَالَ: (أنخلع من مالي) مع قوله أولاً: (نزعت له ثوبي، والله لا أملك غيرهما؟). قلتُ: أراد الأرض والعقار، يؤيده قوله: (فإني أمسك سهمي الذي بخيبر). وجاء في موضع آخر أنه لم يتخلف إلا في هذِه وفي بدر (٢)، وهو يرد قول الكلبي أنه شهد بدرًا. وكانت هذِه الغزوة -أعني: تبوك- سنة تسع، أول يوم من رجب، واستخلف عليًّا على المدينة، ومكرت في هذِه الغزاة طائفة من المنافقين برسول الله ﷺ فتلقوه من العقبة، وفيها تخلف كعب ومن معه، ونزل فيهم ما نزل في براءة من أمر المنافقين. وفيه: الخدعة في الحرب كما سلف، يقال: فيه ما (لا) (٣) تكون المكايدة فيه، وطلب غرة العدو. وفيه: جواز الكلام بغير نية للإمام وغيره إذا لم يضر بذلك أحدًا وكان فيه نفع للمسلمين خاصة وعامة، فهو جائز وهو خارج من باب الكذب. وخروجه ﷺ يوم الخميس، وهو فيما ترجم له أيضًا لمعنى يجب أن يحمل عليه وينزل به؛ لأنه الأسوة.

стр. 10548

١٠٤ - باب الخُرُوجِ بَعْدَ الظُّهْرِ ٢٩٥١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا. [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح ٦/ ١١٤] ذكر فيه حديث أَنَسٍ أنه ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا. هذا الحديث سلف في الحج (١). وخروجه في الحال المذكور دليل على أنه لا ينبغي أن يكره السفر، وابتداء العمل بعد ذهاب صدر النهار وأوله إذ الأوقات كلها لله تعالى، وأن حديث صخر الغامدي مرفوعًا: "اللَّهُمَّ بارك لأمتي في بكورها" قَالَ: وكان إذا بعث جيشًا أو سرية بعثهم أول النهار. قَالَ: وكان صخر رجلاً تاجرًا (فكان) (٢) إذا بعث غلمانه بعثهم أول النهار فأثرى وكثر ماله (٣). لا يدل أن غير البكور لا بركة فيه؛ لأن كل ما فعله الشارع ففيه البركة ولأمته فيه أكرم الأسوة، إنما خص البكور بالدعاء من بين سائر الأوقات؛ لأنه وقت يقصده الناس بابتداء أعمالهم، وهو وقت نشاط وقيام من دعةٍ فخصه بالدعاء لينال بركة دعوته جميع أمته.

стр. 10549

١٠٥ - باب الخُرُوجِ آخِرَ الشَّهرِ وَقَالَ كُرَيْبٌ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، وَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ. ٢١٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَلَا نُرَى إِلاَّ الحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْي إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ. قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُ هَذَا الحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ أَتَتْكَ وَاللهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح ٦/ ١١٤] ثم ساق حديث عَائِشَةَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، وَلَا نُرى إِلَّا الحَجَّ، وذكر الحديث. وقد سلف، في موضعه، والتعليق أسنده في الحج عن المقدمي: ثَنَا فضيل بن سليمان، ثَنَا موسى بن عقبة، أخْبرَنِي كريب، فذكره (١). وخروجه ﷺ آخر الشهر بخلاف أفعال الجاهلية في استقبالهم أوائل المشهور في الأعمال وتوجيههم ذلك وتجنبهم غيره من أجل نقصان العمر، فبعث الله نبيه ينسخ ذَلِكَ كله، ولم يراع نقص شهر ولا ابتداءه ولا محاق القمر ولا كماله فخرج في أسفاره على حسب ما يتهيأ له، ولم يلتفت إلى أباطيلهم ولا ظنونهم الكاذبة ورد أمره إلى الله تعالى، ولم يشرك معه غيره في فعله، فأيده ونصره.

стр. 10550

١٠٦ - باب الخُرُوج فِي رَمَضَانَ ٢٩٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ أَفْطَرَ. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. [انظر: ١٩٤٤ - مسلم: ١١١٣ - فتح ٦/ ١١٥] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ: خَرَجَ رسول ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ أَفْطَرَ. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بن عبد الله، عَنِ ابن عَبَّاسٍ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. ولا شك أن الخروج في رمضان جائز، وللمسافر أن يصوم أو يفطر والخيرة إليه، بخلاف ما روي عن علي أنه قال: من أدرك رمضان وهو مقيم ثم سافر لزمه الصوم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وبه قال (عَبيدة) (١) وأبو مجلز، وهذا القول مردود بالحديث المذكور، وإفطاره. وجماعة الفقهاء على خلاف قوله كما سلف في الصيام. والمراد: شهود جميعه لا شهود أوله، وكان هذا سنة ثمان، قيل له: إن الناس صاموا حين رأوك صمت، فأفطر وقال: "تقووا لعدوكم" (٢) ففيه فضل الصوم لمن لا يضعفه ذَلِكَ، وفضل الفطر لمن خشي الضعف.

стр. 10551

واحتج به الخطابي على أن الفطر أفضل من الصوم عند الضعف (١)، وهو مذهب الشافعي وابن حبيب، واحتج به مالك؛ لأنه ﷺ صام، فلما قيل له: صام الناس بصيامك أفطر (٢). و (الكديد): مكان معروف، وظن المزني أن من أصبح صائمًا وسافر له الفطر لهذا الحديث، وهو عجيب؛ فإن بين الكديد ومكة عدة أيام (٣)، وكذا وقع في البويطي أيضًا، فلم ينفرد به.

стр. 10552

١٠٧ - باب التَّوْدِيعِ ٢٩٥٤ - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في بَعْثٍ، وَقَالَ لَنَا: "إِنْ لَقِيتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا- لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا- فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ". قَالَ: ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ الله، فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا». [٣٠١٦ - فتح ٦/ ١١٥] وَقَالَ ابن وَهْب: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ ﷺ فِي بَعْثٍ، وَقَالَ لنَا: "إِنْ لَقِيتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا -لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا- فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ". قَالَ: ثمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الخُروجَ، فَقَالَ: "إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذَبُ بِهَا إِلَّا اللهُ، فَإِنْ وجدتموهما فَاقْتُلُوهُمَا". هذا التعليق أسنده فيما سيأتي عن قتيبة، عن الليث، عن بكير، وأسنده النسائي أيضًا عن الحارث بن مسكين ويونس بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث وذكر آخر؛ كلاهما عن بكير (١)، وقال الإسماعيلي: حَدَّثَنَا الحسن بن سفيان، ثَنَا حرملة، أنبأنا عبد الله بن وهب، وأخبرني خزيمة، ثَنَا يونس وابن عبد الحكم، قالا: ثَنَا ابن وهب فذكره. قَالَ الترمذي: وقد ذكر محمد بن إسحاق بين سليمان وأبي هريرة رجلاً في هذا الحديث، وحديث الليث أشبه وأصح (٢).

стр. 10553

وسمى ابن شاهين الرجل: أنا [أبو] (١) إسحاق الدوسي (٢)، وهو مجهول. وفي الباب مثله من طرق: إحداها: عن ابن عباس، أخرجه البخاري فيما سيأتي من حديث عكرمة عنه، وبلغه أن عليًّا حرق قومًا فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأنه ﷺ قَالَ: "لا يعذب بعذاب الله"، ولقتلتهم لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (٣). زاد الإسماعيلي عن عمار الدهني: لم يحرقهم ولكن حفر لهم حفائر وخرق بعضها إلى بعض ثم دخن عليهم حَتَّى ماتوا. قَالَ عمرو بن دينار: فقَالَ الشاعر: لترم بي المنايا حيث شاءت … إذا لم ترم بي في الحفرتين إذا ما أججوا حطبًا ونارًا … هناك الموت نقدًا غير دين وعند العقيلي فقال علي يوم ذاك: لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا … أججت ناري ودعوت قنبرًا قَالَ: وكانوا قالوا لعلي: أنت إلهنا. ثانيها: عن حمزة الأسلمي أخرجه أبو داود أنه ﷺ أمَّره على سرية وقال: "إن وجدتم فلانًا فأحرقوه بالنار" فوليت، فناداني وقال: "إن وجدتموه فاقتلوه ولا تحرقوه، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار" (٤) وأخرجه الحازمي من حديث المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن محمد بن مرة الأسلمي، عن أبيه أنه ﷺ أمَّره على سرية، فذكر مثله، وكأنه تصحف حمزة بمرة (٥)، ولابن شاهين من حديث

стр. 10554

كاتب الليث عنه، عن عمر بن عيسى، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن عمر أنه جاءته جارية فقالت: إن زوجي أقعدني على النار حَتَّى أحرق فرجي، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من حُرِّق بالنار أو مُثِّل به فهو حر وهو مولى الله ورسوله" (١). ولأبي داود من حديث ابن مسعود: رأى النبي ﷺ قرية نمل قد حرقناها فقال: "إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار" (٢). ولا يخالفه الحديث الآتي: "إن نبيًّا من الأنبياء قرصته نملة فأمر بقرية النمل فأحرقت، فقال الله له: هلّا نملة واحدة؟ " (٣). قَالَ الحكيم في "نوادره": هو إذن في إحراقها؛ لأنه إذا جاز إحراق واحدة جاز في غيرها. ولابن شاهين، عن ابن بريدة، عن أبيه أنه ﷺ بعث رجلاً إلى رجل كذب عليه في حكم حكمه وفي امرأة واقعها. فقال: "إن وجدته ميتًا فحرقه بالنار" فوجده لدغ فمات فحرقه (٤)، وعن سعيد بن عبد العزيز أن أبا بكر لما ارتدت أم قرفة شد رجليها بفرسين ثم صاح بهما فشقاها (٥). إذا تقرر ذَلِكَ؛ فما ترجم له واضح، وهو من الشأن المعلوم في البعوث والأسفار البعيدة توديع الرؤساء والأئمة ومن يرجى بركة دعوته واستصحاب فضله.

стр. 10555

ثانيها: الرجلان المذكوران في حديث الباب: هبار بن الأسود القرشي الذي روَّع زينب بنت رسول ﷺ حَتَّى ألقت ذا بطنها، والثاني: نافع بن عبد القيس، ووقع لابن القسطلاني: ابن عبد عمرو، وقال ابن الجوزي في حديث حمزة: أنه ﷺ أرسله إلى رجل من عذرة هو هبار. ثالثها: بوب البخاري فيما سيأتي في باب لا يعذب بعذاب الله. وفيه: كما قَالَ ابن العربي: نسخ الحكم قبل العمل به، ومنع منه المبتدعة والقدرية، وسيأتي هناك إيضاحه. قَالَ المهلب في غير هذا الباب: ليس نهيه عن التحريق بالنار على معنى التحريم، وإنما هو على سبيل التواضع فإنه سمل أعين الرعاة (١) بالنار في مصلى المدينة بحضرة الصحابة، وتحريق على الخوارج بالنار، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها بالنار، وقول أكثرهم بتحريق المراكب (٢). وقال الداودي: فيه احتمال أن يقتل الكافر بالنار وأن الأفضل ألا يقتل بها، والذي في المذهب أن ذَلِكَ لا يفعل اختيارًا؛ فإن كانوا في حصن وهم مقاتلة وليس معهم مسلمون ولا نساء ولا صبيان، فقال مالك في "المدونة": يحرقون. وقال سحنون: لا. وروي عن ابن القاسم أنه مكروه (٣)، زاد عيسى عنه: وكذلك في التدخين.

стр. 10556

قَالَ: واختلف فيمن حرق رجلاً بالنار هل يحرق بها؟ قَالَ الداودي: أمره بالإحراق كان فيما يجوز له، غير أنه رجع إلى الأفضل. تنبيه: قوله لابن عمرو: "إني لا أقول في الغضب والرضى إلا حقًّا" (١) وإلى ذَلِكَ ذهب على كما سلف قَالَ: وقيل: يكره لهذا قتل القملة والبرغوث بالنار. وقال الحازمي: ذهبت طائفة إلى منع الإحراق في الحدود وقالوا: يقتل بالسيف. وإليه ذهب أهل الكوفة والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، ومن الحجازيين عطاء، وذهبت طائفة في حق المرتد إلى مذهب علي، وقالت طائفة: من حرق يحرق، وبه قَالَ مالك وأهل المدينة والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق (٢). واختلف العلماء في استتابة المرتدين، فروي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود: نعم، فإن لم يتب قتل، وعليه الجمهور، وقالت طائفة: لا يستتاب ويجب قتله حين يرتد، منهم: عبيد بن عمير والحسن وطاوس وأبو يوسف وأهل الظاهر. وقال عطاء: إن كان أصله مسلمًا فإنه لا يستتاب، وإن كان مشركًا فأسلم ثم ارتد فإنه يستتاب. وعن علي: لا تستتاب المرتدة وتسترق. وقال به عطاء، وقال ابن عباس: لا تقتل ولكن تحبس وتجبر، والجمهور على أنه لا فرق بين الرجال والنساء في الاستتابة، فإن لم تتب، فقالت طائفة منهم الأوزاعي وأحمد وإسحاق: تقتل، وقالت طائفة: تحبس ولا تقتل، وهو قول الثوري وغيره من الكوفيين.

стр. 10557

واختلف القائلون بالاستتابة، فقيل: يستتاب ثلاثة أيام، وهو قول للشافعي والآخر في الحال، فإن تاب وإلا قتل؛ وهو الأصح، وقال الزهري: يستتاب ثلاث مرات. وعن علي: يستتاب شهرًا. وقال النخعي والثوري: يستتاب أبدًا (١). وقيل: يستتاب ثلاث مرات أو ثلاث جمع أو ثلاثة أيام، مرة في كل يوم أو جمعة، حكي هذا عن أبي حنيفة، وسيأتي إيضاحه في الحدود.

стр. 10558

١٠٨ - باب السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلإِمَامِ ما لم يأمر بمعصية ٢٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». [٧١٤٤ - مسلم: ١٨٣٩ - فتح ٦/ ١١٥] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بمعصية، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، ويأتي من حديث علي بلفظ: "لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" وهو في مسلم أيضًا (١). وفي الباب عن عمران بن حصين أخرجه النسائي (٢) والحكم بن عمرو أخرجه الطبراني (٣)، وابن مسعود وغيرهم. وذكر ابن إسحاق وغيره: أنه ﷺ بعث علقمة بن مُجَزِّز المدلجي في ثلاث مائة إلى الحبشة فأمَّر عليهم عبد الله بن حذافة على بعض الجيش، فأجج نارًا وأرادهم على الوثوب فيها، فلما بلغ ذَلِكَ رسول الله قَالَ: "من أمركم بمعصية فلا سمع ولا تطيعوه" (٤).

стр. 10559

قَالَ الحاكم: كانت في صفر بعد فتح مكة. وروى الزبير في "فكاهته" من حديث أبي سعيد: أمَّر النبي ﷺ عبد الله بن حذافة البدري على سرية وأنا معه فأجج نارًا. الحديث. أما حكم الباب: فالإجماع قائم على وجوب طاعة الإمام في غير معصية وتحريمها في معصية، وبه نطقت أحاديث الباب. وفيه: دليل أن يمين المكره غير لازمة خلافًا لأبي حنيفة، وقد اختلف الناس فيما يأمر به الولاة من العقوبات هل يسع المأمور فعل ذَلِكَ من غير تثبيت أو علم يكون عنده بوجوبها عليه؟ فقال مالك في كتاب الرجم من "المدونة": إذا كان الإمام عدلاً مثل عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز لم تسع مخالفته، وإن كان غير عدل وثبت الفعل أيضًا جاز له ذَلِكَ (١). وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة وصاحبيه أنهم قالوا: ما أمر به الولاة من ذَلِكَ غيرهم يسعهم فعله فيما كان ولايتهم إليه، وقال محمد: لا يسع المأمور أن يفعله حَتَّى يكون الآمر عدلاً، وحتى يشهد بذلك عنده عدل سواه، إلا في الزنا فلا يفعله حَتَّى يشهد معه ثلاثة سواه. وروي نحو الأول عن الشعبي. وروي أن عمر بن هبيرة أرسل -وهو على العراق- إلى فقهاء الكوفة والبصرة، وكان ممن أتاه من البصرة الحسن، ومن الكوفة الشعبي، فدخلا عليه فقال لهم: أمير المؤمنين يزيد يكتب إليَّ في أمور أعمل بها، فما تريان؟ فقال الشعبي: أصلح الله الأمير، أنت مأمور، والتبعة على أمرك. فأقبل على الحسن فقال: ما تقول؟ فقال: قد قَالَ هذا. قَالَ: قل. قَالَ: اتق الله يا عمر، فكأنك بملك أتاك

стр. 10560

فاستنزلك عن سريرك هذا فأخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، إن الله ينجيك من يزيد، وإن يزيد لا ينجيك من الله، فإياك أن تعرض لله بالمعاصي فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ثم قَالَ الآذن: أيها الشيخ ما حملك على ما استقبلت به الأمير؟ قَالَ: حملني عليه ما أخذ الله على العلماء ثم تلى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] قَالَ: فخرج عطاياهم وفضل الحسن (١). وروي عن الصديق ما يؤيد مذهب محمد بن الحسن السالف، قَالَ أبو برزة: مررت عليه وهو يتغيظ على رجل من أصحابه فقلت: يا خليفة رسول الله، من هذا الذي تتغيظ عليه؟ قَالَ: ولم تسأل عنه؟ قَالَ: قلتُ: لأضرب عنقه. قَالَ: والله (لأذهب) (٢) غيظه ما قلتُ، ثم قَالَ: ما كانت لأحد بعد محمد. قلتُ: قد قيل فيه: إن الرجل سبه. وفي رواية أخرى: أنه قَالَ لأبي برزة: لو قلتُ لك ذَلِكَ أكنت تفعله؟ قَالَ: نعم. قَالَ: ما كان ذَلِكَ لأحد بعد رسول الله ﷺ (٣)، يريد: أن أحدًا لا يلزم قوله ولا تجب طاعته في قتل مسلم إلا بعد أن يعلم أنه حق إلا الشارع، فإنه لا يأمر إلا بالحق، وقد يتأول: لا يجب قتل إلا في سبه ﷺ ، ذكره كله ابن التين قَالَ: فإن أكره على قتل ظلم ففعل، فإن كان المأمور يمكنه مخالفة الآمر قتل المأمور وحده، وإلا كالسلطان قتلا جميعًا.

стр. 10561

وعندنا: يجب القصاص أيضًا عليهما. قَالَ: وكذلك السيد مع عبده وقيل: إن كان (العبد) (١) أعجميًا قتل السيد وحده، ومن أكره على القول (جاز له؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦] الآية، وكذلك إذا أكره على القول) (٢) في أمرئ ما ليس فيه ساغ له أيضًا؛ لأن آل المغيرة أكرهوا عمارًا على سبه ﷺ ، فقال له: "إن استزادوك فزد" ونزلت الآية (٣). احتج بهذا الحديث الخوارج فرأوا الخروج على أئمة الجور والقيام عليهم عند ظهور جورهم، والذي عليه جمهور الأئمة المنع (إلا بكفرهم) (٤) بعد إيمانهم أو تركهم إقامة الصلوات، وأما دون ذَلِكَ من الجور فلا يجوز الخروج عليهم إذا استوطأ أمرهم وأمر الناس معهم؛ لأن في ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال وحقن الدماء، وفي القيام عليهم تفرق الكلمة وتشتت الألفة، وكذلك لا يجوز القتال معهم لمن خرج عليهم عن ظلم ظهر منهم لحديث الباب، وستكون لنا عودة إلى هذا المعنى في الأحكام والفتن إن شاء الله تعالى.

стр. 10562

١٠٩ - باب الإمام يُقَاتِلُ من وَرَاءَ وَيُتَّقَى بِهِ (١) ٢١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ». [انظر: ٢٣٨ - مسلم: ٨٥٥ - فتح ٦/ ١١٦] ٢١٥٧ - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ وَعَدَلَ، فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ». [٧١٣٧ - مسلم: ١٨٣٥، ١٨٤١ - فتح ٦/ ١١٦] ذكر فيه حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ". وبه: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله، وَمَنْ يُطِع الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّة، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوى اللهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ". الشرح: معنى قوله: ("فإن عليه منه") أي: من الوزر، وقد جاء في بعض طرقه: "فإن عليه منه وزرًا". ووجه مطابقة الترجمة لقوله: ("نحن الآخرون السابقون") أن معنى: ("يقاتل من ورائه") أي: من أمامه، كما قَالَ تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم، فأطلق الوراء على الأمام؛ لأنهم وإن تقدموه في الصورة فهم أتباعه في الحقيقة، والنبي ﷺ تقدم

стр. 10563

عليه غيره بصورة الزمان، لكن المتقدم عليه مأخوذ عليه العهد أن يؤمن به وينصره كآحاد أمته وأتباعه، فهم في الصورة أمامه وفي الحقيقة أتباعه وخلفه، قاله ابن المنير (١). وهو معنى مناسب، ولكن البخاري مراده بهذا أن يأتي بصيغة روايته لشيخه الأعرج، فإن أول حديث فيها: "نحن الآخرون" فلذلك أتى به فاعلمه، وقد نبه عليه الداودي أيضًا. قَالَ الخطابي؟ كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا يُطيعون غير رؤساء قبائلهم فلما ولي في الإسلام الأمراء أنكرته نفوسهم وامتنع بعضهم من الطاعة، وإنما قَالَ لهم ﷺ هذا القول ليعلمهم أن طاعة الأمراء مربوطة بطاعته، وأن من عصاهم عصى أمره؛ ليطاوعوا الأمراء الذين كان يوليهم عليهم، وإذا كان إنما وجبت طاعتهم لطاعة رسول الله، فخليق ألا يكون طاعة من كان مخالفُ الرسول الله فيما يأمره واجبة (٢)، وليس هذا الأمر خاصًّا بمن باشره الشارع بتولية الإمام به -كما نبه عليه القرطبي- بل هو عام في كل أمير عدل للمسلمين، ويلزم منه نقيض ذَلِكَ في المخالفة والمعصية (٣). وقوله: ("إنما الإمام جنة") بضم الجيم: الدرع، وسمي المجن: مجنًا؛ لأنه يستتر به عند القتال، فالإمام كالساتر؛ لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض. ومعنى: ("يقاتل من ورائه") أي: يقاتل معه الكفار والبغاة وسائر أهل الفساد، فإن لم يقاتل من ورائه وأتي عليه مرج أمر الناس، وأكل

стр. 10564

القوي الضعيف، وضيعت الحدود والفروض، وتطاول أهل الحرب إلى المسلمين. والياء في قوله: ("يتقي به") مبدلة من الواو؛ لأن أصلها من الوقاية ومعنى: "يتقي به": يدفع به الظلم. وفيه: الدليل أن ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف بأن من أطاعهم في أمر ثم تبين له خطؤهم في ما أمروه من ذَلِكَ أنه معذور، وأن التبعة على الآمر، وهو شبيه مما قاله الشعبي، كما سلف. قَالَ الخطابي: ويحتمل أن يكون أراد به جُنَّة في القتال وفيما يكون منه في أمره دون غيره (١). وقال الهروي: معنى: "الإمام جُنة" أنه يقي الإمام الزلل والسهو كما يقي الترس صاحبه من وقع السلاح. وقال المهلب: معنى: "يتقي به" يرجع إليه في الرأي والفعل وغير ذَلِكَ مما لا يجب أن يقضى فيه إلا برأي الإمام وحكمه، ويتقي به الخطأ في الدين والعمل من الشبهات وغيرها، والإمام جنة بين الناس بعضهم من بعض؛ لأن بالسلطان يزع الله تعالى عن المستضعفين من الناس، فهو ستر لهم وحرز للأموال وسائر حرمات المؤمنين أن تنتهك. وقال غيره: تأويل: "يقاتل من ورائه" عند العلماء على الخصوص وهو في الإمام العدل خاصة، فمن خرج عليه وجب على جميع المسلمين قتاله مع الإمام العدل نصرة له، إلا أن يرى الإمام أن يفعل ما فعل عثمان؛ فطاعة الإمام واجبة، إلا أن الخارجين عليه إن قتلوه في غير قتال اجتمعت فيه الفئتان للقتال، أو قتلوا غيره فإن القصاص يلزمهم، بخلاف قتلهم لأحد في حال الملاقاة للفئتين، ولذلك

стр. 10565

استجاز المسلمون طلب دم عثمان إذ لم يكن قتله عن ملاقاة، وإن كان الإمام غير عدل فالواجب عند العلماء من أهل السنة ترك الخروج عليه، وأن يقيموا معه الحدود والصلوات والحج والجهاد وتؤدى إليه الزكوات فمن قام عليه من الناس متأولًا بمذهب خالف فيه السنة أو بجور أو لاختيار إمام غيره سمي فاسقًا ظالمًا عاصيًا في خروجه؛ لتفريقه جماعة المسلمين، ولما يكون في ذَلِكَ من سفك الدماء فإن قاتلهم الإمام الجائر لم يقاتلوا معه ولم يجز أن يسفكوا دماءهم في نصره. وقد رأى كثير من الصحابة ترك القتال مع على، ومكانه من الدين والعلم ما لا يخفى على أحد له مسكة فهم، وسموه قتال فتنة، وادعى كل واحد على صاحبه أنه الفئة الباغية، وهذا الشأن العصبية عند أهل العلم، ولم ير على علي من فر من القتال ذنبًا يوجب سخطه حاله، وإن كان قد دعا بعضهم إلى القتال فأبوا أن يجيبوه، فعذرهم، وكذلك يجب على الإمام المفلح الذي يأخذ الأمر عن شورى ألا يعتب من بعد عنه، وسيأتي إيضاح كشف القتال في الفتنة في موضعه في كتاب الفتنة إن شاء الله تعالى. قَالَ الداودي: إنما يقاتل من ورائه من أراد بظلم إن كان عدلاً فأراد طائفة خلعه قوتل من ورائه كما قوتل الخوارج مع علي؛ لقوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ولما أراد علي الخوارج يوم الجمل قال له أصحاب عبد الله: نحن معتزلون فإن تبين لنا ظلم أحد قاتلناه. قَالَ على: هذا هو الفقه. وإن كان ظالمًا غشومًا وأراده بعض أهل الإسلام، فإن كان يقدر على خلعه بغير حدث ولا أمر يدخل فيه ظلم خلع، وإن لم يوصل إلى ذَلِكَ إلا مما فيه ظلم كف عنه ولم يستعمل الدعاء عليه، والله سائله وسائل أعوانه وأنصاره.

стр. 10566

وقوله: ("وإن قَالَ بغيره") (قَالَ) هنا بمعنى: حكم. نبه عليه الخطابي (١)، يقال: قَالَ الرجل واقتال إذا حكم، وقيل: إنه مشتق من اسم القيل، وهو الملك الذي يقدم قوله وحكمه دون الملك العظيم. وقال ابن فارس: اقتال فلان على فلان تحكم (٢). وفي حديث ذكر فيه رقية النملة: العروس تحتفل وتقتال وتكتحل، تقتال: أي تحتكم على زوجها، ذكره الهروي (٣).

стр. 10567

١١٠ - باب البَيْعَةِ فِي الحَرْبِ أَنْ لَا يَفِرُّوا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى المَوْتِ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. ٢٩٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: رَجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا، كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللهِ. فَسَأَلْتُ نَافِعًا: عَلَى أَيِّ شَيءٍ بَايَعَهُمْ؟ عَلَى المَوْتِ؟ قَالَ: لَا، بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ. [فتح ٦/ ١١٧] ٢٩٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ زَمَنَ الحَرَّةِ أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى الْمَوْتِ. فَقَالَ: لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [٤١٦٧ - مسلم: ١٨٦١ - فتح ٦/ ١١٧] ٢٩٦٠ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ «يَا ابْنَ الأَكْوَعِ، أَلَا تُبَايِعُ؟». قَالَ قُلْتُ قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «وَأَيْضًا». فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، عَلَى أَيِّ شَيءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ [٧٢٠٨،٧٢٠٦،٤١٦٩ - مسلم: ١٨٦٠ - فتح ٦/ ١١٧] ٢٩٦١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ كَانَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ الخَنْدَقِ تَقُولُ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى … الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا فَأَجَابَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَهْ … فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ [انظر: ٢٨٣٤ - مسلم: ١٨٠٥ - فتح ٦/ ١١٧]

стр. 10568

٢٩٦٢، ٢٩٦٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ مُجَاشِعٍ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَخِي، فَقُلْتُ: بَايِعْنَا على الْهِجْرَةِ. فَقَالَ: «مَضَتِ الْهِجْرَةُ لأَهْلِهَا». فَقُلْتُ: عَلَامَ تُبَايِعُنَا قَالَ: «عَلَى الإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ». [٣٠٧٨، ٤٣٠٥، ٤٣٠٧ - فتح ٦/ ١١٧]، [٣٠٧٩، ٤٣٠٦، ٤٣٠٨ - مسلم: ١٨٦٣ - فتح ٦/ ١١٧] ذكر فيه خمسة أحاديث: أحدها: حديث جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عن ابن عُمَرَ: رَجَعْنَا مِنَ العَامٍ المُقْبِلِ، فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ التِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا، كَانَتْ رَحْمَة مِنَ اللهِ. فَسَأَلْتُ نَافِعًا: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ؟ عَلَى المَوْتِ؟ قَالَ: لَا، بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ. ثانيها: حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ لكنه قَالَ: لَمَّا كَانَ زَمَنَ الحَرَّةِ أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ ابن حَنْظَلَةَ يُبَايع النَّاسَ عَلَى المَوْتِ. فَقَالَ: لَا أُبَايعُ عَلَى هذا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ثالثها: حَدَّثنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبيَّ ﷺ ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ: "يَا ابن الأَكْوَعِ، ألَا تُبَايعُ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "وَأَيْضًا". فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، عَلَى أَيِّ شَيءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: عَلَى المَوْتِ. وهذا أحد ثلاثياته. رابعها: حديث أنس كَانَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ الخَنْدَقِ يقولون: نَحْنُ الذينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الجهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا وأَجَابَهُمُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ … فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ

стр. 10569

وقد سلف في حفر الخندق (١). خامسها: حديث مُجَاشِع بن مسعود: لما أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَخِي، فَقُلْتُ: بَايِعْنَا عَلَى الهِجْرَةِ. فَقَالَ: "مَضَتِ الهِجْرَةُ لأَهْلِهَا". فَقُلْتُ: عَلَامَ تُبَايِعُنَا؟ قَالَ: "عَلَى الإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ" الشرح: ذكر البخاري وغيره أن المبايعة كانت في الحديبية على الموت. قَالَ الإسماعيلي: هذا من قول نافع في البيعة ليس بمسند، ووجه مطابقة الآية الكريمة للترجمة قوله في أثنائها: ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ مبنيًّا على قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١٨] والسكينة: الثبوت والطمأنينة في موقف الحرب، دل ذَلِكَ على أنهم أضمروا في قلوبهم الثبوت وأن لا يفروا وفاءً بالعهد، كما نبه عليه ابن المنير (٢). وكأن البخاري لما ذكر في الترجمة عن بعضهم المبايعة على الموت، استدل على ذَلِكَ بالآية التي فيها المبايعة تحت الشجرة، وكانت المبايعة بالحديبية تحت الشجرة على الموت كما سلف، وأورد الأحاديث في الباب التي تدل على ذَلِكَ وعلى الصبر، والصبر يجمع المعاني كلها، وبيعة الشجرة إنما هي على الأخذ بالشدة وألا يفروا أصلاً ولابد من الصبر إما إلى فتح، وإما إلى موت، ومن بايع على الصبر وعلى عدم الفرار فقد بايع على الموت. قَالَ المهلب: هذِه الأحاديث مختلفة الألفاظ، منهم من يقول: على الموت، وعلى ألا يفر، وعلى الصبر، وهو أولى الألفاظ بالمعنى؛ لأن بيعة الإسلام هي على الجهاد وقتال المثلين، فإن كان المشركون أكثر من

стр. 10570

المسلمين كان المسلم في سعة من أن يفر وفي سعة من أن يأخذ بالشدة ويصبر، وهذا كله بعد أن نسخ قتال العشرة أمثال، وأما قبل نسخها فكان يلزم قتال العشرة أمثال وألا يفر إلا من أكثر منها، وبيعة الشجرة إنما هي (على) (١) الأخذ بالشدة كما سلف، فمن قَالَ: بايعنا على الموت. أراد: أو يفتح لنا، ومن قَالَ: ألا نفر فهو نفس القصة التي وقعت عليها المبايعة، وهو معنى الصبر. وقول نافع: على الصبر؛ كراهية لقول من قَالَ بأحد الطرفين: الموت أو الفتح، فجمع نافع المعنيين في كلمة الصبر. وقال المحب الطبري في أوائل "أحكامه": حديث مسلم من طريق معقل بن يسار: لم نبايعه على الموت وإنما بايعناه على أن لا نفر (٢) وحديثه أيضًا من طريق سلمة: بايعناه على الموت. الجمع بينهما أن معنى الأول: أن لا نفر أيضًا، وإن أدى إلى الموت؛ لأن الموت نفسه لا تكون المبايعة عليه. وقوله: (فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة) يعني: خشية أن تعبد أو تفسير كالقبلة والمسجد لمن لا تمكن في الإسلام من قلبه بجهل وشبهة، وفي بعض الروايات: خفي عليهم مكانها في العام المقبل. فائدة: بيعة الشجرة كانت بالمدينة (٣)، وبالمدينة فرض الجهاد على

стр. 10571

المسلمين، وقد كانت بيعة العقبة بمكة على ألا يشركوا بالله شيئًا إلى آخر الآية في الممتحنة، وذكره عبادة بن الصامت في حديثه: ولم يفرض في هذِه البيعة حرب إنما كانت بيعة النساء، وقد سلف ذَلِكَ في باب: علامة الإيمان حب الأنصار، من كتاب الإيمان. وأما حديث عبد الله بن زيد فهو دال على أنهم كانوا يبايعونه على الموت، ووقعة الحرة -حرة زهرة- كانت سنة ثلاث وستين كما قَالَ السهيلي (١)، وقال الواقدي وأبو عبيدة وغيرهما: في حرة واقم أطم شرقي المدينة. قَالَ الشاعر: فإن تقتلونا يوم حرة واقم … فنحن على الإسلام أول من قتل وقد أفردها بالتصنيف المدائني وغيره. وسببها أن عبد الله بن حنظلة وغيره من أهل المدينة وفدوا على يزيد فرأوا منه ما لا يصلح، فرجعوا إلى المدينة (فخلعوه) (٢) وبايعوا ابن الزبير، فأرسل إليهم يزيد مسلمَ بن عقبة المعروف بمسرف، فأوقع بأهل المدينة وقعة عظيمة، قتل من وجوه الناس ألفًا وسبعمائة، ومن أخلاطهم عشرة آلاف سوى النساء والصبيان. قالَ ابن السيد: والحرة في كلامهم: كل أرض كانت حجارة سود محرقة، والحرار في بلاد العرب كثيرة وأشهرها ثلاث وعشرون حرة، كما قاله ياقوت (٣). وقوله: (لا أُبايع أحدًا على الموتِ بعدَ رسُول الله ﷺ ). فإنما قَالَه لأنه كان يرى القعود في الفتن التي بين المسلمين وترك القتال مع إحدى الطائفتين، وقد ذهب إلى ذَلِكَ جماعة من السلف على ما يأتي بيانه في

стр. 10572

كتاب الفتنة في حديث: "تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم" (١). وأما حديث سلمة فقوله: ("ألا تبايع") أراد أن يؤكد ببيعته لشجاعة سلمة وغنائه في الإسلام وشهرته بالثبات، فلذلك أمره بتكرير المبايعة، وليكون له في ذَلِكَ فضيلة، وليقوي نيته، وإنما بايعهم حين قيل له: قريش أعدوا لقتالك. وكان قد بعث عثمان ليأتيه بالخبر؛ لأنه كان أمنع (صاحبه) (٢) جانبًا بمكة لكثرة من كان بها من بني أمية، فأبطأ عليه فخشي عليه مع ما قيل عن قريش فبايع، وبايع لعثمان إحدى يديه بالأخرى، وقيل له حين أبطأ عثمان: أظنه أبطأ به الطواف بالبيت. فلما أتى ذكر ذَلِكَ له فقال: ما كنت لأطوف به قبل أن يطوف به رسول الله ﷺ ، ولا أتقدم بين يديه في شيء. وقال ابن عمر: لو علم النبي ﷺ أن بمكة أعز من عثمان لبعثه. وأما حديث أنس فالذي أجابهم ﷺ من الرجز إنما هو لابن رواحة فتمثل به، وإنما كان يقول: "ارحم المهاجرين والأنصار"، قاله الداودي، قَالَ: وقوله: "اللَّهُمَّ" أحسبه ليس فيه ألف ولام إنما قَالَ ابن رواحة: الاهم. فأتى به بعض الرواة على المعنى، وتعقبه ابن التين فقال: ما ذكره لا يصح هنا ولا يتزن به الرجز، نعم يصح كما سلف: اللَّهُمَّ إن العيش عيش الآخرة. فهذا (إذا) (٣) أسقط منه الألف واللام صار موزونًا.

стр. 10573

وأما حديث مجاشع فإنما كان بعد الفتح وقد قَالَ ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح إنما هو جهاد ونية" (١) فكان من بايع قبل الفتح لزمه الجهاد أبدًا ما عاش إلا لعذر يجوز له به التخلف، وكذلك قَالَ بيت ارتجازهم يوم الخندق: نحن الذين بايعوا محمدًا … على الجهاد ما بقينا أبدًا ولذلك قَالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]، فأباح لهم أن يتخلف عن الغزو من ينفر إلى التفقه في الدين، ولم يبح لغير المتفقهين التخلف عن الغزو، وأما من أسلم بعد الفتح فله أن يجاهد وله أن يتخلف بنية صالحة كما قَالَ: "جهاد ونية" إلا أن ينزل عدو أو ضرورة فيلزم الجهاد كل أحد، ذكره ابن بطال، ثم قَالَ: والدليل على أن كل من بايع رسول الله ﷺ قبل الفتح لا يجوز له التخلف عن الجهاد أبدًا قصة كعب بن مالك إذ تخلف عن تبوك مع صاحبيه: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، أنهم لم يعذروا وعتب الله ورسوله والمؤمنون عليهم، وأخرجوهم من بين ظهرانيهم ولم يسلموا عليهم ولا يكلموهم، حَتَّى بلغت منهم العقوبة مبلغها وعلم الله نياتهم، فتاب عليهم (٢). وقال ابن التين: كان من هاجر إلى رسول الله غ ﷺ قبل الفتح من غير أهل مكة وبايعه على المقام بالمدينة كان عليه المقام بها حياته ﷺ ، ومن لم يشترط المقام من غير أهل مكة بايع ورجع إلى موضعه، كفعل عمرو بن حريث ووفد عبد القيس وغيرهم، وكانت الهجرة فرضًا على

стр. 10574

أهل مكة إلى الفتح، ثم زالت الهجرة التي توجب المقام مع رسول الله ﷺ إلى وفاته، ووجبت الهجرة أن تؤتى المدينة ثم يرجع المهاجر كما فعل صفوان. وقوله: ("على الإسلام والجهاد") فيه: دلالة أن المبايع لم يكن من الأعراب الذين ليس عليهم جهاد، والجهاد المشترط هنا جهاد من يلي الكفار وغيرهم لملتهم، وأن على من يليهم نصرهم إذا احتاجوا إليه، وأن على الإمام أن يمدهم إذا احتاجوا إلى ذلك وعلى الناس أن ينفروا إذا استنفرهم الإمام. فائدة: أخو مجاشع اسمه: مجالد بن مسعود السلمي، نبه عليه ابن بطال (١).

стр. 10575

١١١ - باب عَزْمِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُطِيقُونَ ٢١٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ ﵁ لَقَدْ أَتَانِي اليَوْمَ رَجُلٌ، فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرٍ مَا دَرَيْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلاً مُؤْدِيًا نَشِيطًا، يَخْرُجُ مَعَ أُمَرَائِنَا فِي المَغَازِى، فَيَعْزِمُ عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ لَا نُحْصِيهَا؟ فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ، إِلاَّ أَنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَعَسَى أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلاَّ مَرَّةً حَتَّى نَفْعَلَهُ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقَى اللهَ، وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ سَأَلَ رَجُلاً فَشَفَاهُ مِنْهُ، وَأَوْشَكَ أَنْ لَا تَجِدُوهُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ مَا أَذْكُرُ مَا غَبَرَ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ كَالثَّغْبِ، شُرِبَ صَفْوُهُ وَبَقِيَ كَدَرُهُ. [فتح ٦/ ١١٩] ذكر فيه حديث أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدْ أَتَانِي اليَوْمَ رَجُلٌ، فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرٍ مَا دَريْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا مُؤْدِيًا نَشِيطًا، يَخْرُجُ مَعَ أُمَرَائِنَا فِي المَغَازِي، فَيَعْزِمُ عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ لَا نُحْصِيهَا؟ فَقُلْتُ لَهُ: والله مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ، إِلَّا أَنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فعَسَى أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلَّا مَرَّةً حَتَّى نَفْعَلَهُ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقَى الله، وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ سَأَلَ رَجُلًا فَشَفَاهُ مِنْهُ، وَأَوْشَكَ أَنْ لَا تَجِدُوهُ، وَالَّذِي لَا إله إِلَّا هُوَ مَا أَذْكُرُ مَا غَبَرَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا كَالثَّغْبِ، شُرِبَ صَفْوُهُ، وَبَقِيَ كَدَرُهُ. الشرح: المؤدي -بالدال المهملة- هو التام السلاح الشاك. وقال أبو عبيد: معناه: ذو أداة وسلاح تام العدة والشكل. وعبارة ابن التين: تام السلاح، وكامل أداة الحرب. وعبارة غيره: يعني: ذا أداة الحرب كاملة. والمعنى واحد، وهو مهموز، إذ لولاه لكان من أودى: إذا هلك. وقال الداودي: أي: قويًّا متمكنًا.
следующие страницы →