المسلمين، وقد كانت بيعة العقبة بمكة على ألا يشركوا بالله شيئًا إلى آخر الآية في الممتحنة، وذكره عبادة بن الصامت في حديثه: ولم يفرض في هذِه البيعة حرب إنما كانت بيعة النساء، وقد سلف ذَلِكَ في باب: علامة الإيمان حب الأنصار، من كتاب الإيمان.
وأما حديث عبد الله بن زيد فهو دال على أنهم كانوا يبايعونه على الموت، ووقعة الحرة -حرة زهرة- كانت سنة ثلاث وستين كما قَالَ السهيلي (١)، وقال الواقدي وأبو عبيدة وغيرهما: في حرة واقم أطم شرقي المدينة. قَالَ الشاعر:
فإن تقتلونا يوم حرة واقم … فنحن على الإسلام أول من قتل
وقد أفردها بالتصنيف المدائني وغيره.
وسببها أن عبد الله بن حنظلة وغيره من أهل المدينة وفدوا على يزيد فرأوا منه ما لا يصلح، فرجعوا إلى المدينة (فخلعوه) (٢) وبايعوا ابن الزبير، فأرسل إليهم يزيد مسلمَ بن عقبة المعروف بمسرف، فأوقع بأهل المدينة وقعة عظيمة، قتل من وجوه الناس ألفًا وسبعمائة، ومن أخلاطهم عشرة آلاف سوى النساء والصبيان. قالَ ابن السيد: والحرة في كلامهم: كل أرض كانت حجارة سود محرقة، والحرار في بلاد العرب كثيرة وأشهرها ثلاث وعشرون حرة، كما قاله ياقوت (٣).
وقوله: (لا أُبايع أحدًا على الموتِ بعدَ رسُول الله ﷺ ). فإنما قَالَه لأنه كان يرى القعود في الفتن التي بين المسلمين وترك القتال مع إحدى الطائفتين، وقد ذهب إلى ذَلِكَ جماعة من السلف على ما يأتي بيانه في
стр. 10572
كتاب الفتنة في حديث: "تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم" (١).
وأما حديث سلمة فقوله: ("ألا تبايع") أراد أن يؤكد ببيعته لشجاعة سلمة وغنائه في الإسلام وشهرته بالثبات، فلذلك أمره بتكرير المبايعة، وليكون له في ذَلِكَ فضيلة، وليقوي نيته، وإنما بايعهم حين قيل له: قريش أعدوا لقتالك. وكان قد بعث عثمان ليأتيه بالخبر؛ لأنه كان أمنع (صاحبه) (٢) جانبًا بمكة لكثرة من كان بها من بني أمية، فأبطأ عليه فخشي عليه مع ما قيل عن قريش فبايع، وبايع لعثمان إحدى يديه بالأخرى، وقيل له حين أبطأ عثمان: أظنه أبطأ به الطواف بالبيت. فلما أتى ذكر ذَلِكَ له فقال: ما كنت لأطوف به قبل أن يطوف به رسول الله ﷺ ، ولا أتقدم بين يديه في شيء. وقال ابن عمر: لو علم النبي ﷺ أن بمكة أعز من عثمان لبعثه.
وأما حديث أنس فالذي أجابهم ﷺ من الرجز إنما هو لابن رواحة فتمثل به، وإنما كان يقول: "ارحم المهاجرين والأنصار"، قاله الداودي، قَالَ: وقوله: "اللَّهُمَّ" أحسبه ليس فيه ألف ولام إنما قَالَ ابن رواحة: الاهم. فأتى به بعض الرواة على المعنى، وتعقبه ابن التين فقال: ما ذكره لا يصح هنا ولا يتزن به الرجز، نعم يصح كما سلف:
اللَّهُمَّ إن العيش عيش الآخرة.
فهذا (إذا) (٣) أسقط منه الألف واللام صار موزونًا.
стр. 10573
وأما حديث مجاشع فإنما كان بعد الفتح وقد قَالَ ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح إنما هو جهاد ونية" (١) فكان من بايع قبل الفتح لزمه الجهاد أبدًا ما عاش إلا لعذر يجوز له به التخلف، وكذلك قَالَ بيت ارتجازهم يوم الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدًا … على الجهاد ما بقينا أبدًا
ولذلك قَالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]، فأباح لهم أن يتخلف عن الغزو من ينفر إلى التفقه في الدين، ولم يبح لغير المتفقهين التخلف عن الغزو، وأما من أسلم بعد الفتح فله أن يجاهد وله أن يتخلف بنية صالحة كما قَالَ: "جهاد ونية" إلا أن ينزل عدو أو ضرورة فيلزم الجهاد كل أحد، ذكره ابن بطال، ثم قَالَ: والدليل على أن كل من بايع رسول الله ﷺ قبل الفتح لا يجوز له التخلف عن الجهاد أبدًا قصة كعب بن مالك إذ تخلف عن تبوك مع صاحبيه: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، أنهم لم يعذروا وعتب الله ورسوله والمؤمنون عليهم، وأخرجوهم من بين ظهرانيهم ولم يسلموا عليهم ولا يكلموهم، حَتَّى بلغت منهم العقوبة مبلغها وعلم الله نياتهم، فتاب عليهم (٢).
وقال ابن التين: كان من هاجر إلى رسول الله غ ﷺ قبل الفتح من غير أهل مكة وبايعه على المقام بالمدينة كان عليه المقام بها حياته ﷺ ، ومن لم يشترط المقام من غير أهل مكة بايع ورجع إلى موضعه، كفعل عمرو بن حريث ووفد عبد القيس وغيرهم، وكانت الهجرة فرضًا على
стр. 10574
أهل مكة إلى الفتح، ثم زالت الهجرة التي توجب المقام مع رسول الله ﷺ إلى وفاته، ووجبت الهجرة أن تؤتى المدينة ثم يرجع المهاجر كما فعل صفوان.
وقوله: ("على الإسلام والجهاد") فيه: دلالة أن المبايع لم يكن من الأعراب الذين ليس عليهم جهاد، والجهاد المشترط هنا جهاد من يلي الكفار وغيرهم لملتهم، وأن على من يليهم نصرهم إذا احتاجوا إليه، وأن على الإمام أن يمدهم إذا احتاجوا إلى ذلك وعلى الناس أن ينفروا إذا استنفرهم الإمام.
فائدة:
أخو مجاشع اسمه: مجالد بن مسعود السلمي، نبه عليه ابن بطال (١).
ومعنى (لا نحصيها): لا نطيقها؛ من قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] ويحتمل كما قَالَ الداودي: لا ندري هل هي طاعة أو معصية؟
وقوله: (فعسى ألا يعزم علينا إلا مرة). يقولوا: فافعلوا كذلك مع العدل.
وقوله: (ما غير من الدنيا). يعني: ما بقي، والغابر هو الباقي، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١)﴾ [الشعراء: ١٧١] يعني: ممن تخلف فلم يمض مع لوط. وقال الداودي: يريد ما مضى. وقال بعض أهل اللغة: غبر من الأضداد يقع لما مضى ولما بقي. وقال قوم: الماضي غابر، والباقي غبر. والمراد في الحديث: ما بقي، خلاف قول الداودي، وبه صرح ابن الجوزي وغيره وقال: إنه أشبه لقوله: (ما أذكر).
وقوله: (إذا شك في نفسه سأل رجلاً فشفاه منه). يقول: من تقوى الله ألا يتقدم فيما يشك منه حَتَّى يسأل من عنده علم من ذَلِكَ فيدله على ما فيه شفاؤه منه.
وقوله: (وأوشك ألا تجدوه) أي: تقرر ذَلِكَ عند ذهاب الصحابة.
وقوله: (كالثغب) -هو بثاء مثلثة وبغين معجمة ساكنة ومفتوحة أيضًا -وهو أكثر كما قَالَه القزاز، وقال صاحب "المنتهى": إنه أفصح؛ نقرة في صخرة يستنقع فيها ماء قليل، والجمع ثغاب وثغبان بضم الثاء وكسرها، ومن سكن قَالَ: ثغاب. وقال سيبويه: هو بالسكون: الغدير، والجمع ثُغبان (١)، وبالتحريك ذوب الجمد،
стр. 10577
والجمع: ثغبان، شبه ما في الدنيا (في غدير) (١) ذهب صفوه وبقي كدره، يريد: ما ذهب من خير الدنيا وبقى من شر أهلها. وقيل: إنه: الغدير يكون في غلظ من الأرض أو في ظل جبل لا يصيبه حر الشمس فيبرد ماؤه.
وقال الخطابي: هو ما اطمأن من متون الأرض يجتمع فيه الماء (٢)، وقيل: (النقرة) (٣) في الجبل. وقال ابن فارس: الماء المستنقع فيه (٤). وقال الداودي: هو القدح بالماء شرب صفوه وبقي كدره. أي: ذهب خيار الناس وبقي أقلهم ممن خالطهم، ليس مثلهم.
والكدر: ما خالطه الماء من غثاء السيل وطينه، وعبارة ابن سيده في "محكمه": هو (بقية) الماء العذب في الأرض. وقيل: هو أخدود تحفره المسايل من علٍ، فإذا انحطت حفرت أمثال القبور (والديار) (٥)، فيمضي السيل عنها ويغادر الماء فيها فتصفقه الريح فليس شيء أصفى منه ولا أبرد، فسمي الماء بذلك المكان، وقيل: كل غدير ثغب، والجمع: أثغاب. وقال ابن الأعرابي: الثغب: ما استظل في الأرض مما يبقى من السيل إذا انحسر يبقى منه في حيد من الأرض، فالماء بمكانه ذَلِكَ ثغب. قَالَ: واضطر شاعر إلى إسكان ثانيه (٦).
стр. 10578
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالحديث قال على شدة لزوم الناس طاعة الإمام ومن يستعمله الإمام، كما ذكره المهلب، ألا ترى تحرج السائل لعبد الله وتعرفه كيف موقع التخلف عن أمر السلطان من السنة، وتحرج عبد الله من أن يفتيه في ذَلِكَ برخصة أو شدة، لكن قد فسر الشارع ذَلِكَ في الحديث الذي أمر فيه بعض قواده أن يجمعوا حطبًا ويوقدوها، ففعلوا، فقال لهم: "ادخلوها" فتوقفوا، وأُخبر بذلك فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف". وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] يقضي على ذَلِكَ كله، وقد كان له أن يكلفها فوق وسعها فلم يفعل وتفضل في أخذ العفو، وفيه: فشكى عبد الله بن مسعود قلة العلماء وتغير الزمن عما كان عليه في وقت رسول الله ﷺ .
стр. 10579
١١٢ - باب كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ القِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ
٢١٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَكَانَ كَاتِبًا لَهُ- قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵄ فَقَرَأْتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ التِي لَقِيَ فِيهَا انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ. [انظر: ٢٨١٨ - مسلم: ١٧٤٢ - فتح ٦/ ١٢٠]
٢١٦٦ - ثُمَّ قَامَ في النَّاسِ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ». [انظر: ٢٩٣٣،٢٨١٨ - مسلم: ١٧٤٢ - فتح ٦/ ١٢٠]
ذكر فيه حديث ابن أَبِي أَوْفَى، أنه ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ التِي لَقِيَ فِيهَا العدو انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ. ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ فقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، واسألوا الله العَافِيَةَ، وإذا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ". ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ".
هذا الحديث سلف بعضه قريبًا.
قَالَ المهلب: معنى هذا الحديث -والله أعلم- مفهوم من قوله: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" فهو يستبشر مما نصره الله به من الرياح، ويرجو أن يهلك الله أعداءه بالدبور كما أهلك عادًا، وإذا أهلك عدوه بالدبور فقد نصر بها، فكان إذا لم يقاتل بالغدو وهو الوقت الذي تهب فيه الرياح أخر حَتَّى تزول الشمس وتهب رياح النصر.
стр. 10580
قلتُ: ويتمكن من القتال بوقت الإبراد وهبوب الرياح؛ لأن الحرب كلما استحرت وحمي المقاتلون بحركتهم فيها وما حملوه من سلاحهم هبت أرواح العشي وبردت من حرهم ونشطتهم وخففت أجسامهم، بخلاف اشتداد الحر.
وفي البخاري في الجزية والموادعة من حديث النعمان بن مقرن: شهدت القتال مع رسول الله ﷺ كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حَتَّى (تهب) (١) الأرياح وتحضر الصلوات (٢). وفي رواية لابن أصبغ: انتظر حَتَّى تزول الشمس وتهب رياح النصر، ولا شك أن أوقات الصلوات أفضل الأوقات ويستجاب فيها الدعاء.
وفي رواية الترمذي: غزوت مع رسول الله ﷺ فكان إذا طلع الفجر أمسك حَتَّى تطلع الشمس، فإذا طلعت قاتل، فإذا انتصف النهار أمسك حَتَّى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس قاتل حَتَّى العصر، ثم أمسك حَتَّى يصلي العصر ثم يقاتل، وكان يقال عند ذَلِكَ: تهيج رياح النصر (ويدعو المؤمنون لجيوشهم) (٣) في صلاتهم، قَالَ: وقد روي عن النعمان بسند أوصل من هذا، ثم ذكر قطعة منه وقال: حسن صحيح (٤).
أو جهادهم عدوًّا إلا بإذنه؛ لأن الله تعالى قَالَ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] فعلم أن الإمام ينظر في الأمر الذي استأذنه، فإن رأى أن يأذن له أذن، وإن لم ير ذَلِكَ لم يأذن له؛ لأنه لو أبيح للناس تركه ﷺ والانصراف عنه لدخل الخرم وانفض الجمع، ووجد العدو غرة فيثبون عليها وينتهزون الفرصة في المسلمين، وفيه أن من كان حديث عهد بعرس أو متعلق القلب بأهله أو ولده فلا بأس أن يستأذن في التعجيل عند الغفلة إلى دار الإسلام كما فعل جابر، وفي هذا المعنى حديث لداود (١) ﵇ أنه قَالَ في غزوة خرج إليها: "لا يتبعني من ملك بضع امرأة ولم يبن بها، أو بنى دارًا ولم يسكنها" (٢)، فإنما أراد أن يخرج معه من لم يشغل نفسه بشيء من علائق الدنيا؛ ليجتهد فيما خرج له وتصدق نيته ويثبت في القتال ولا يفر، ويدخل به الحزم على غيره ممن لا يريد الفرار.
قَالَ ابن التين: واحتج الحسن بالآية المذكورة على أنه ليس لأحد أن يذهب من الجيش حَتَّى يستأذن الإمام، وهذا عند سائر الفقهاء كان خاصًّا بسيدنا رسول الله ﷺ ، وقال قوم: لا يذهب من كان في الجمعة فأصابه أمر ولا ينصرف حَتَّى يستأذن الإمام. قَالَ: وليس كذلك في مذاهب الفقهاء.
стр. 10583
والناضح: السانية التي يسنى عليها، والفقار: العظام المقطعة في الظهر كالفلك، يقال لها: خرز الظهر، الواحدة: فقارة، ومن الفقار يقال: أفقرت الرجل جملًا يركب فقاره ويرده.
وقول المغيرة: (في قضائنا حسن لا نرى به بأسًا). قَالَ الداودي: يقول أن يزاد الغريم على حقه تأسيًا برسول الله ﷺ ، ليس أنه كان خاصًّا له؛ لأنه لو كان لبينه، ليس على أن قوله يريد قول النبي ﷺ . وتعقبه ابن التين فقال: إنه ليس ببين؛ لأنه لم يذكر فيه أنه ﷺ قضاه وزاده.
стр. 10584
١١٤ - باب مَنْ غَزَا وَهُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسِه
فِيهِ جَابر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
هذا الحديث سلف في الباب قبله وغيره، وقد سلف واضحًا، وقد أسقطه الشراح لتكرره.
стр. 10585
١١٥ - باب مَنِ اخْتَارَ الغَزْوَ بَعْدَ البِنَاءِ
فيه: أبو هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
قد أخرجه بعد في كتاب: الخمس بلفظ: "غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها" (١).
واعترض الداودي على الترجمة فقال: لو قَالَ: باب: من اختار البناء قبل الغزو كان أبين، فإن الحديث فيه ثم ساقه كما ذكرته، وقال في آخره في حديث ذكره: لا فائدة فيه.
قلتُ: وسيأتي بيان هذا الشيء، وسلف (٢) أيضًا قريبًا.
١١٨ - باب الخُرُوجِ فِي الفَزَعِ وَحْدَهُ وإذا فزعوا من الليل
وقال فيه: فزع أهل المدينة ليلاً، قد سلف أيضًا بالكلام فيه، وجملته أن الإمام ليس له أن (يسخو) (١) بنفسه وينبغي أن يشح؛ لأن فيه نظرًا للمسلمين وجمعًا لكلمتهم، إلا أن يكون من أهل الغناء الشديد والنكاية القوية، كما كان ﷺ قد علم أن الله يعصمه ويؤيده ولا يخزيه، فله أن يأخذ بالشدة على نفسه ليقوي قلوب المسلمين وليأنسوا به فيجتهدوا.
ثم ذكر فيه حديث عمر من طريقين عنه في فرسه، وقوله ﵇: "وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ". وقد سلف.
وحديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سريةٍ، ولكن لَا أَجِدُ حَمُولَةً، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَيَشُقُّ عَلَى أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَوَدِدْتُ أَنَي قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَقُتِلْتُ، ثُمَّ أُحْيِيتُ ثُمَّ قُتِلْتُ، ثُمَّ أُحْيِيتُ".
الشرح:
ما أراده ابن عمر ﵄ هو على ما وصفه ولو مع الغنى، وليس من الزكاة، وما قاله والده ظاهر؛ لأنه إنما أعطي على الخروج ولم يؤخذ، وكان ابن المسيب يقول إذا أعطي الإنسان شيئًا في الغزو: إذا بلغت رأس مغزاك فهو لك.
وقول طاوس ومجاهد: (فاصنع به ما شئت). معناه: إذا تم ما أعطي عليه مضى فعله فيه، وهذِه أقوال متقاربة.
وأراد البخاري بالجعائل أن يخرج الرجل شيئًا من ماله يتطوع به في سبيل الله كما فعل ابن عمر، أو يعين به من لا مال له من الغازين، كالفرس الذي حمل عليه عمر في سبيل الله وهو حسن مرغب فيه، وليس من باب الجعائل التي كرهها العلماء، فقال مالك: أكره أن يؤاجر الرجل نفسه أو فرسه في سبيل الله. وكره أن يعطيه الوالي الجعل على أن يتقدم إلى الحصين، ولا تكره الجعائل لأهل العطاء؛ لأن العطاء مأخوذ على هذا الوجه.
قَالَ مالك: لا بأس بالجعائل في البعوث، لم يزل الناس يتجاعلون عندنا بالمدينة يجعل القاعد للخارج إذا كانوا من أهل ديوان واحد؛ لأن
стр. 10591
عليهم سد الثغور؛ وأصحاب أبي حنيفة يكرهون الجعائل ما كان بالمسلمين قوة أو في بيت المال ما يفي بذلك، فإن لم يكن لهم قوة ولا مال فلا بأس أن يجهز بعضهم بعضًا على وجه المعونة لا على وجه البدل، وهذا الموضع ينبغي أن يكون وفاقًا لقول مالك، وقد روى أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عمر قَالَ: كان القاعد يمنح المغازي، فأما أن يتبع الرجل غزوة فلا أدري ما هو، وأدى القاعد للخارج مائة دينار في بعث أيام عمر، وكان مسروق يجعل عن نفسه إذا خرج البعث.
وقال الشافعي: لا يجوز أن يغزو بجعل من رجل وأرده إن غَزَا به وإنما أجيزه من السلطان دون غيره؛ لأنه يغزو بشيء من حقه. واحتج بأن الجهاد فرض على الكفاية، فمن فعله وقع عن فرضه، فلا يجوز أن يستحق على غيره عوضًا (١).
قَالَ المهلب: وقول طاوس ومجاهد السالف يخرج من حديث عمر في الفرس؛ لأنه وضع عنده في الجهاد مأخذ ثمنه وانتفع به، وإنما باعه الرجل؛ لأنه لم يكن حبسًا وإنما كان حملانًا للجهاد صدقة؛ لقول النبي ﷺ : "لا تعد في صدقتك" وقد روي عن ابن عباس وابن الزبير خلاف قول طاوس ومجاهد. قَالَ ابن عباس: أنفقها في الكراع والسلاح. وقال ابن الزبير: أنفقها في سبيل الله. وقال النخعي: (كانوا) (٢) يعطون أحب إليَّ من أن يأخذوا.
стр. 10592
قَالَ ابن المنير: كل من أخذ مالاً من بيت المال على عمل فإذا أهمل العمل ردَّ ما أخذ بالقضاء، وكذلك الأخذ منه على عمل لا يتأهل له ولا يلتفت إلى التخييل أن الأصل من مال بيت المال الإباحة للمسلمين؛ لأنا نقول الأخذ منه على وجهين: أن الآخذ مسلم فله نصيب كان على وجه، والآخر على عمل، وإنما يستحق بوفائه (١).
وفي حديث عمر وأبي هريرة: العمل على الخيل في سبيل الله.
ومعنى "لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية": أنهم كانوا يقتدون به فيخرجون على العسر واليسر، ولا يتخلفون عنه؛ لحرصهم على اتباعه ورغبتهم في امتثال سيرته.
стр. 10593
١٢٠ - باب الأَجِيِر
وَقَالَ الحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: يُقْسَمُ لِلأَجِيرِ مِنَ المَغْنَمِ. وَأَخَذَ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ فَرَسًا عَلَى النِّصْفِ، فَبَلَغَ سَهْمُ الفَرَسِ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، فَأَخَذَ مِائَتَيْنِ وَأَعْطَى صَاحِبَهُ مِائَتَيْنِ.
٢١٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَحَمَلْتُ عَلَى بَكْرٍ، فَهْوَ أَوْثَقُ أَعْمَالِي فِي نَفْسِي، فَاسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا، فَقَاتَلَ رَجُلاً، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، وَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَهْدَرَهَا فَقَالَ «أَيَدْفَعُ يَدَهُ إِلَيْكَ فَتَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الفَحْلُ؟!». [انظر: ١٨٤٨ - مسلم: ١٦٧٤ - فتح ٦/ ١٢٥]
ثم ذكر حديث صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبيهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غزْوَةَ تَبُوكَ، فَحَمَلْتُ عَلَى بَكْرٍ، فَاسْتَأَجَرْتُ أَجِيرًا، فَقَاتَلَ رَجُلاً، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ وَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، الحديث. وقد سلف.
والإسهام للأجير بعيد من الترجمة، إذ ليس في الحديث أنه ﷺ أسهم للأجير، وإنما حاول البخاري إثبات ذَلِكَ بالدليل؛ لأن في الحديث جواز استئجار الحر في الجهاد، وقد خاطب الله تعالى جماعة المؤمنين الأحرار بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] فدخل الأجير في هذا الخطاب، فوجب له سهم المجاهد القائم لما تقدم من المخاطبة له.
وأما فعل عطية بن قيس فلا يجوز عند مالك وأبي حنيفة والشافعي؛ لأنها إجارة مجهولة، فإذا وقع مثل هذا كان لصاحب الدابة كراء مثلها،
стр. 10594
وما أصاب الراكب في المغنم فله، وأجاز الأوزاعي وأحمد أن يعطي فرسه على النصف في الجهاد.
واختلف العلماء في الأجير، فقَالَ مالك وأبو حنيفة وأحمد: لا يسهم له إلا أن يقاتل (١)، وهو أظهر أقوال الشافعي، ونقل عنه ابن بطال الاستحقاق مطلقًا وهو أحد أقواله: وقال الأوزاعي والليث: الأجير لا يسهم له، وهو قول إسحاق.
حجة الجمهور قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فجعلها للغانمين، ومن لم يقاتل عليها فليس بغانم فلا يستحق شيئًا. وروي عن سلمة بن الأكوع قَالَ: كنت (تابعًا) (٢) لطلحة بن عبد الله وأنا غلام شاب، فأعطاه رسول الله ﷺ سهم الفارس والراجل جميعًا.
واحتج من أسهم له مطلقًا بقوله ﷺ : "الغنيمة لمن حضر الوقعة" وهو قول أبي بكر وعمر، وهو إجماع (٣).
وقوله: ("يقضمها كما يقضم الفحل ") أي: يمضغها كما يمضغ الفحل ما يأكله، يقال: قضمت الدابة بالكسر شعيرها تقضمه إذا أكلته. وقال الداودي: يقضمها: يقطعها. قَالَ: والفحل هنا: الجمل، وقد أسلفنا أن مذهب مالك في هذا الضمان، خلافًا لابن وهب من أصحابه، ولعل مالكًا لم يبلغه الحديث.
وقوله: (فأهدرها) يقال: هدر السلطان دم فلان: أي أباحه، وأهدر أيضًا.
يُرَجَّلْ شِقَّ رأسه الآخر، وكذا ذكره البرقاني فيما ذكره الحميدي (١).
ومعنى: (فَرَجَّلَ) أي: سَرَّح شعره لطول بقائه شعثًا.
ثانيها: حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: كَانَ عَلِيٌّ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في خَيْبَرَ، وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ، وفيه: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ -أَوْ: لَيَأْخُذَنَّ- غدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ -أَوْ قَالَ: يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ- يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ". قالوا: هذا عَلِيٌّ. فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ.
ثالثها: حديث نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ العَباسَ يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ: هَا هُنَا أَمَرَكَ رسول الله ﷺ أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ؟.
الشرح:
ثعلبة بن أبي مالك هذا له رؤية، وقيس بن سعد هو ابن عبادة بن دليم أبو عبد الله الخزرجي، صاحب شرطة رسول ﷺ ، وكان ضخمًا طويلًا نبيلًا جوادًا سيدًا من ذوي الرأي والدهاء والتقدم، مات بالمدينة في آخر خلافة معاوية، وأرسل ملك الروم إلى معاوية أن أرسل إلى سراويل أتم رجل عندك، فقال لقيس: إذا بلغت منزلك فأبعث إلينا بسراويلك، فخلع السراويل مكانه وألقاه إليه، فقيل له: فعلت هذا بنفسك؟ قَالَ: خشيت أن يقال: إنه سراويل رجل من قوم عاد (٢). واستعمله (علي) (٣) على مصر فضيق على معاوية، فجعل معاوية يقول في الملأ: جزى الله قيسًا خيرًا، ما يكون عند علي
стр. 10597
(أمر) (١) يكيدنا به إلا أعلمنا به. فبلغ ذَلِكَ عليًّا فعزله واستعمل محمد بن أبي بكر مكانه، فقال له قيس بن سعد: إن أمير المؤمنين خدع في أمري، ولكن افعل كذا وافعل كذا واحترس من كذا فظن محمد أنه غشه فخالف ذَلِكَ فأتي عليه.
قَالَ المهلب: فيه أن لواء الإمام ينبغي أن يكون له صاحب معلوم، وإن كان من الأنصار فهو أولى للاستنان بالشارع؛ لأن قيس بن سعد كان من الأنصار، وهم الذين كانوا عاقدوا النبي ﷺ أن يقاتلوا الناس كافة حَتَّى يقولوا: لا إله إلا الله، فهم أشد الناس في قتال العدو (بعد ما) (٢) هاجر مع رسول الله ﷺ ، وبالأنصار نادى رسول الله ﷺ يوم حنين أول من نادى.
وفي حديث على أيضًا: أن الراية لا يجب أن يحملها إلا من ولاه الإمام إياها، ولا تكون لمن أخذها إلا (بولاية) (٣).
وقال الطبري: فيه الدلالة البينة على أن إمام المسلمين إذا وجه جيشا أو سرية أن يؤمر عليهم أميرًا موثوقًا بنيته وبصيرته في قتالهم، ممن له بأس ومعرفة لسياسة الجيش وتدبير الحرب، وذلك أنه ﷺ وجه إلى خيبر من أفضل (الصحابه) (٤) وأنفذهم بصيرة وغناء وأنكاهم للعدو، وجعل له لواء الراية يجتمع جيشه تحتها، فيثبتوا لثباتها عند اللقاء (ويرجفوا لرجفتها) (٥).
стр. 10598
وقوله: ("لأعطين الراية") عرفها بأل لأنها كانت من سنته في حروبه، فينبغي أن يسار بسيرته في ذلك.
وروي أن لواءه كان أبيض ورايته سوداء من مرط مرجل لعائشة، رواه ابن عباس وبريدة فيما ذكره ابن أبي عاصم، وعن البراء: كانت سوداء مربعة. وقال جابر: دخل رسول الله مكة ولواؤه أبيض. وقال مجاهد: كان لرسول الله ﷺ لواء أغبر. وعند الرشاطي: الرايات إنما كانت بخيبر، وإنما كانت الألوية قبل. وروى ابن أبي عاصم من حديث سماك عن رجل من بني عجل قَالَ: ورأيت لواءً أبيض، والناس يقولون: هذا رسول الله ﷺ . وعن سماك عن رجل من قومه قَالَ: رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء. وعن الحارث بن حسان: رأيت النبي ﷺ وإذا رايات سود، فقلت: من هذا؟ قالوا: عمرو بن العاصي قدم من غزاة، وعقد لبني سليم راية حمراء وللأنصار صفراء. وروي أن راية على يوم صفين كانت حمراء، مكتوب فيها محمد رسول الله، وكانت له راية سوداء.
قَالَ المهلب: وفي حديث الزبير أن الراية لا يركزها إلا بإذن الإمام؛ لأنها علامة على الإمام ومكانه، فلا ينبغي أن يتصرف فيها إلا بأمره، ومما يدل على أنها ولاية قوله ﷺ : "أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها خالد من غير إمرة ففتح له" (١) فهذا نص في ولايتها.
قَالَ ابن الأثير: ولا يمسك اللواء إلا صاحب الجيش (٢).
قلتُ: في "تاريخ (أبي) (٣) الفرج الأموي" أن عمر سئل عن الشعراء
стр. 10599
فقال: زهير بن أبي سلمى أمير الشعراء، فقيل له: قَالَ رسول الله ﷺ : "امرؤ القيس حامل لواء الشعراء وقائدهم إلى النار" (١) فقال: إن الراية لا تكون إلا مع الأمير.
فائدة:
اللواء ما عقد في طرف الرمح ويكون معه، وبذلك سمي لواء، والراية ثوب يجعل في طرف الرمح ويخلى كهيئته تصفقه الريح، قاله ابن العربي (٢).
(فائدة) (٣) أخرى:
في حديث سلمة أن الرمد عذر والفضل له أن يخرج. وفي حديث آخر: فبات الناس يتشوفون إليها وغدوا كذلك، فقال: "أين علي؟ " فقالوا: رمد. فيحتمل كما قَالَ الداودي أن يقول: هذا علي حين قدم، ثم يدعوه بعد ذلك. فظاهر الحديث: (فأعطاه الراية) أن ذَلِكَ كان بإثر قولهم (هذا علي).
فائدة ثالثة: في حديث على الخبر عن بعض أعلام النبوة، وذلك خبره عن الغيب الذي لا يكون مثله إلا بوحي من الله، وهو قوله: "يفتح الله على يديه".
لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابن أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ.
الشرح:
المناسبة في دخول حديث أبي سفيان هنا هذِه اللفظة: (إنه يخافه ملك بني الأصفر)؛ لأن بين الحجاز والشام مسيرة شهر وأكثر، نبه عليه ابن المنير (١).
وتعليق جابر أسنده في موضع آخر، وفي رواية: "شهرًا أمامي وشهرًا خلفي". ذكرتها في "الخصائص" (٢)، وخص بالشهرين؛ لأن الله تعالى خص نبينا بخصائص لم يشركه غيره، فكأن الرعب يحصل في هذِه المدة ذهابًا، وإن حصل لسليمان في الريح، غدوها شهر ورواحها شهر، ونصره بالرعب مما خصه الله تعالى به وفضله ولم يؤته أحد غيره.
قَالَ المهلب: وقد رأينا ذَلِكَ عيانًا، أخبرنا الأصيلي قَالَ: افتتحنا بلدة ثم صح عندنا بعدُ أن أهل القسطنطينية ساعة بلوغهم الخبر صاروا على سورها وتحصنوا، (وهي) (٣) على أكثر من شهرين منها.
وفيه: دليل كما قَالَ الخطابي: أن الفيء لرسول الله ﷺ يضعه حيث شاء؛ لأنه وصل إليه بالنصرة التي أوتيها من قبل الرعب الذي ألقي في قلوبهم منه، والفيء: كل مال لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وهو ما جلا عنه أهله وتركوه من أجل الرعب، وكذا ما صالحوا عليه من
стр. 10602
جزية أو خراج من وجوه الأموال (١).
وأما جوامع الكلم فهو القرآن؛ لأنه تأتي الآية منه في معان مختلفة بتأويلات، وكل يؤدي إلى بر (لمتأوله) (٢) والآخذ به. قَالَ تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وهذا يدل على أن (الكتاب) (٣) جوامع الكلم، وكقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩] فلو أن هذا نزل في تدبير الدنيا كلها والآخرة لكفاهما، وكذا قَالَ ابن التين: إن المراد بجوامع الكلم: القرآن، جمع الله فيه (من) (٤) الألفاظ اليسيرة معاني كثيرة، ومنه ما جاء في صفته: يتكلم بجوامع الكلم. يعني أنه كثير المعاني قليل الألفاظ. وقَالَ عمر بن عبد العزيز: عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم؟ يقول: كيف لا يقتصر على الوجيز. ويترك الفضول وقال ابن شهاب فيما ذكره الإسماعيلي: (بلغني (٥) أن جوامع الكلم) أن الله يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد أو الأمرين أو نحو ذَلِكَ، وقال الخطابي: معناه: إيجاز الكلام في إشباع المعاني.
وفيه: الحث على حسن التفهيم والاستنباط لاستخراج تلك المعاني وتبيين تلك الدقائق المودعة فيها (٦).
стр. 10603
وقوله: ("أتيت بمفاتح خزائن الأرض") لا شك أن العرب كانت أقل الأمم أموالاً، فبشرهم بأنها تفسير أموال كسرى وقيصر إليهم، وهم الذين يملكون الخزائن. وقال ابن التين: يحتمل أن يريد هذا وهو ما فتح لأمته بعده فغنموه واستباحوا خزائن الملوك المدخرة، وهو ما جزم به ابن بطال (١).
ويحتمل أن يريد الأرض التي فيها المعادن، وكذلك قَالَ أبو هريرة: (وأنتم تنتثلونها) أي: تستخرجونها وتثيرونها من مواضعها، يقال: نثلت البئر وانتثلتها إذا استخرجت ترابها، وهو التنثيل، وكذلك: نثلت كنانتي: استخرجت ما فيها من النبل، وقيل: النثل: ترك الشيء مرة واحدة. وفي رواية: وأنتم ترغثونها، أي: تستخرجون درها وترضعونها.
ومعنى الحديث أنه ﷺ ذهب ولم ينل منها شيئًا، بل قسم ما أدرك منها بينكم وآثركم بها، ثم أنتم تنثلونها على حسب ما وعدكم.
وهذا الحديث في معنى حديث مصعب بن عمير الذي مضى ولم يأخذ من الدنيا زهدًا فيها، فكذلك رسول الله ﷺ .
وفيه: دلالة على أن للأئمة استخراج المعادن وإعطاءها لمن يعمل فيها ويطلب نيلها.
ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها: حديث أَسْمَاءَ: أنها صَنَعْتْ سُفْرَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى المَدِينَةِ، قَالَتْ: فَلَمْ نَجِدْ لِسُفْرَتِهِ وَلَا لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطُهُمَا بِهِ، فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: والله مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُ بِهِ إِلَّا نِطَاقِي. قَالَ: فَشُقّيهِ بِاثْنَيْنِ، فَارْبِطِيهِ: بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ، وَبِالآخَرِ السُّفْرَةَ. فَفَعَلْتُ. فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ.
ثانيها: حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: كُنَّا نَتَزَوَّدُ لُحُومَ الأَضَاحِيِّ عَلَى عَهْدِ رسول الله ﷺ إِلَى المَدِينَةِ.
ثالثها: حديث سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصهْبَاءِ -وَهْيَ مِنْ خَيْبَرَ، وَهْيَ أَدْنَى من خَيْبَرَ- فَصَلَّوُا العَصْرَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بالسويق، فَلُكْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، وَصَلَّيْنَا.
رابعها: حديث سَلَمَةَ: خَفَّتْ أَزْوَادُ النَّاسِ وَأَمْلَقُوا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فِي نَحْرِ إِبِلِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبِلِكُمْ؟! فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إبلِهِمْ؟! قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَادِ فِي النَّاسِ يَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ". فَدَعَا وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ، فَاحْتَثَى النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلاَّ الله وَأَنِّي رَسُولُ الله".
الشرح:
ما ذكره ظاهر في أخذ الزاد وتحمل ثقله في الأسفار البعيدة، اقتداء بخير البرية وأكرمها على ربه وعباده وشفيع الأمم كلها يوم القيامة، والآية نزلت -عند جماعة من المفسرين- في ناس من أهل اليمن كانوا يخرجون إلى مكة بغير زاد، وقد سلف ذَلِكَ في الحج، وهو
стр. 10606
رافع لما يدعيه أهل البطالة من الصوفية والمخرقة على الناس باسم التوكل الذي (المتزودون) (١) أولى به منهم، ولما أملقوا جمع بقايا أزوادهم وجعلهم فيه سواء، ليس من كان له بقية منها بأولى ممن لم يكن له شيء.
ففيه: أنه إذا أصاب الناس مخمصة ومجاعة يأمر الإمام الناس بالمواساة، ويجبرهم عليه على وجه النظر لهم بثمن وغيره، وقد استدل به بعض الفقهاء على أنه يجوز للإمام عند قلة الطعام أن يأمر من عنده طعام يفضل عن قوته أنه يخرجه للبيع ويجبره عليه؛ لما فيه من صلاح الناس، ولم يره مالك وقال: لا إجبار فيه.
وفيه أيضًا: أن للإمام أن يحبس الناس في الغزو ويصبرهم على الجوع وعلى غير زاد، ويعللهم بما أمكن حَتَّى يتم قصده.
(وقول أسماء) (٢): (فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئاً أربط به إلا نطاقي). فيه: استشارتها والدها وكانت حينئذ عند الزبير.
و (النطاق): شريطة تشد بها المرأة وسطها ترفع بها ثيابها وترسل عليها إزارها، ذكره القزاز.
وقال ابن فارس: إنه إزار فيه تكة تلبسه النساء (٣). وقال الداودي: إنه المئزر، وهو المنطق. وقال الهروي: المناطق واحدها: منطق، وهو النطاق، وهو أن تأخذ المرأة ثوبًا فتلبسه ثم تشد إزارها وسطها بحبل ثم ترسل الأعلى على الأسفل. قَالَ: وبذلك سميت أسماء ذات النطاقين؛
стр. 10607
لأنها كانت تطارق نطاقًا على نطاق، وقيل: كان لها نطاقان تلبس أحدهما وتحمل في الآخر الزاد إلى رسول الله ﷺ -وهو في الغار (١).
والصهباء: طرف من خيبر من جهة المدينة.
وقوله: (فلكنا) هو بضم اللام وإسكان الكاف، يقال: لكن اللقمة ألوكها في فمي لوكًا.
و (السويق): دقيق القمح المقلوأ والشعير أو الذرة أو الشُلت أو الدخن.
وقوله: (وشربنا). قَالَ الداودي: ما أراه محفوظًا؛ لأنه كان يجري من المضمضة، ولكن قد لا يبلغ الشرب ما تبلغه المضمضة عند أكل السويق.
قَالَ: وفيه من الأحكام عطية المجهول وهبة الواحد للجماعة. وتعقبه ابن التين فقال: ليس في الحديث ذَلِكَ وليس كما ذكر.
ومعنى (أملقوا): قلَّتُ أزوادهم.
وفيه: إذن الشارع في نحر الإبل عند الحاجة إلى ذَلِكَ.
وفيه: استحياؤه من زيد وتواضعه أن يدعوه إلا عند الحاجة، وفيه: ما كان عمر عليه من الجلد وحسن النظر في الأمور.
وفيه: الشفاعة بفاضل القوم.
وفيه: إجابة الشارع.
وفيه: الطلبة بالإشارة دون التصريح، وبركة دعائه وثقته بالله.
وفيه: الاحتثاء في الأوعية من غير كيل، وفيه: اعتراض الوزير رأي الأمير وإن لم يشاوره الأمير، عملًا بقوله: (ما بقاؤكم بعد إبلكم؟) لأن
стр. 10608
الخطة تعطيه ذَلِكَ، وقد فعل ذَلِكَ الصديق في سلب أبي قتادة.
وفيه: أن الظهر عليه مدار المسافر، لاسيما بالحجاز الذي الراجل فيه هالك في أغلب أحواله إن لم يأوِ إلى ظهرٍ أو صاحب ظهر ليحمل بعض مؤنته، ألا ترى قول عمر: (ما بقاؤهم بعد إبلهم؟) يعني أن بقاءهم يسير لغلبة الهلكة على الراجل، وهذا القول من عمر أحد ما قيل في النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، استبقاء لظهورها؛ ليحمل المسلمين عليها ويحمل أزوادهم.
وفي قوله: (ما بقاؤهم بعد إبلهم؟) دليل على أن الأرض تقطع مسافتها. قَالَ ابن بطال: وليست تطوى (الأرض) (١) كما يدعي بعض (الخياطين) (٢) أنه يحج في (قاصية) (٣) من (قواصي) (٤) الأرض في ثلاثة أيام أو أربعة، ثم قَالَ: وهذا منتقض من وجوه، وإنما قَالَ ﷺ : "فإن الأرض تطوى بالليل" (٥) أي: أنها تقرب مسافتها (بتيسير) (٦) المشي وقطع ما لا يرى منها، فإذا أصبح وعرف مكانه حمد سراه، وعند الصباح يحمد القوم السرى.
وفيه: من أعلام نبوته كثرة القليل حَتَّى تزودوا منه أجمعون. قَالَ ابن بطال: فكيف يدعي من البطالين قلب الأعيان بعد رسول الله (٧).
стр. 10609
١٢٤ - باب حَمْلِ الزَّادِ عَلَى الرِّقَابِ
٢١٨٣ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا، فَفَنِي زَادُنَا، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْكُلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً. قَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، وَأَيْنَ كَانَتِ التَّمْرَةُ تَقَعُ مِنَ الرَّجُلِ قَالَ لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَقَدْنَاهَا، حَتَّى أَتَيْنَا البَحْرَ فَإِذَا حُوتٌ قَدْ قَذَفَهُ البَحْرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَا أَحْبَبْنَا. [انظر: ٢٤٨٣ - مسلم: ١٩٣٥ - فتح ٦/ ١٣٠]
ذكر فيه حديث جَابِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ نَحْمِلُ أزوادنا عَلَى رِقَابِنَا، فَفَنِيَ زَادُنَا، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْكُلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً.
ثم ذكر قصة العنبر، وقال هنا: (فإذا حوت قذفه البحر). وفي رواية مالك: مثل الظرب يعني: الجبل الصغير (١). وفي أخرى: ألقى البحر دابة يقال لها: العنبر (٢). وفي أخرى: فنصب ضلع من أضلاعها، فدخل الفارس تحته (٣). وذكر ذَلِكَ اعتبارًا لخلق الله وتفخيمًا من عظم قدرته ليختبر بذلك المخبر فيتذكر بذلك السامع.
وهذِه التمرة إنما كانت تغني عنهم ببركة سيدنا رسول الله ﷺ وبركة الجهاد معه، وإنما بارك الله لهم في التمرة حَتَّى وجدوا لها مسدًا من الجوعة متبينة في (أجسامهم) (٤) وصبرهم حَتَّى فقدوها على الجوع؛ لئلا تخرق العادة عن رتبتها، ولا تخرج الأمور عن معهودها المتسق
стр. 10610
في حكمته ، مع أنه قدير أن يخلق لهم طعامًا ويجعل لهم من الحجارة خبزًا، ومن الجلاميد فاكهة، لكنه مع قدرته على ذَلِكَ لم يخرجهم عن العادة، وفيه: ما ترجم له.