١٣٧ - باب إِذَا حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فَرَآهَا تُبَاعُ
٣٠٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ». [انظر: ١٤٨٩ - مسلم: ١٦٢١ - فتح ٦/ ١٣٩].
٣٠٠٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَابْتَاعَهُ -أَوْ فَأَضَاعَهُ- الذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ». [انظر: ١٤٩٠ - مسلم: ١٦٢٠ - فتح ٦/ ١٣٩].
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ ﵄ عن والده في حَمْلِهِ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَقَالَ له ﵇: "لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ".
وفي لفظ: "ولو بدرهم فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" وقد سلف.
(وفيه: الحمل على الخيل في سبيل الله) (١).
وفيه: أن من حمل على فرس في سبيل الله وغزا به فله أن يفعل فيه بعد ذَلِكَ ما يفعل في سائر ماله، ألا ترى أنه ﷺ لم ينكر على بائعه بيعه، وإنما أنكر على عمر شراءه.
واختلف العلماء فيمن حمل على فرس في سبيل الله ولم يقل: هو حبس في سبيل الله، فروى مالك عن ابن عمر أنه كان إذا أعطى شيئًا في
стр. 10642
سبيل الله يقول لصاحبه: إذا بلغت به وادي القرى فشأنك به (١). قَالَ أحمد: إنما قاله؛ لأنه كان يذهب إلى أن المحمول عليه إنما يستحقه بعد الغزو (٢)، وكذلك قَالَ سعيد بن المسيب: إذا أعطي الرجل الشيء في الغزو فبلغ به رأس مغزاه فهو له (٣). وهو قول القاسم وسالم والثوري والليث، قَالَ الليث: إلا أن يكون حبسًا فلا يباع (٤).
والعلماء متفقون في الحبس أنه لا يباع، غير الكوفيين الذين لا يجيزون الإحباس، وقال مالك: من أعطي فرسًا في سبيل الله فقيل (له) (٥): إنه لك في سبيل الله. فله أن يبيعه، وإن قيل: هو في سبيل الله ركبه ورده، ويكون موقوفًا عنده لحمل الغزاة عليه. وقال أبو حنيفة والشافعي: الفرس المحمول عليه في سبيل الله هو تمليك لمن يحمل عليه، وإن قيل له: إذا بلغت به رأس مغزاك فهو لك. كان تمليكًا على مخاطرة ولم يجز (٦)، وهي عندهم عطية غير بتلة؛ لأنها بشرط قد يقع وقد لا يقع، لجواز موته قبل بلوغه رأس مغزاته، ولم يملك منه شيئًا قبل ذَلِكَ، وأما إذا قَالَ: هو لك في سبيل الله، أو أحملك عليه في سبيل الله. فقد أعطاه (إياه) (٧) على شرط الغزو به، وهذا معنى قول ابن عمر وابن المسيب عند الكوفيين والشافعي، وسواء ذَلِكَ كله عند مالك؛ لأنه إذا قَالَ له: إذا بلغت به رأس مغزاك فهو
стр. 10643
لك. فمعناه عنده أن لك أن تتصرف فيه حينئذ بما يتصرف المالك، وقد صحَّ له ملكه عند أخذه بشرط الغزو عليه.
واختلفوا في كراهية شراء صدقة الفرض والتطوع إذا أخرجها من يده، فقال مالك في "الموطأ" في رجل تصدق بصدقة فوجدها تباع عند غير الذي تصدق بها عليه: تركها أحب إليَّ (١). وكره الليث والشافعي، ذَلِكَ فإن اشتراها لم يفسخ البيع، وكذلك قالوا في شراء ما يخرجه الإنسان في كفارة اليمين، وإنما كرهوا شراءها لهذا الحديث، ولم يفسخوا البيع؛ لأنها راجعة إليه بغير ذَلِكَ المعنى.
ويشهد لهذا حديث بريرة في اللحم الذي تصدق عليها به، وإجماعهم أن من تصدق بصدقة ثم ورثها أنها حلال له (٢)، وقد سلف ذَلِكَ واضحًا في كتاب الزكاة، في باب: هل يشتري الرجل صدقته؟ (٣) وأعدناه لبعده.
стр. 10644
١٣٨ - باب الجِهَادِ بِإِذْنِ الأَبَوَيْنِ
٣٠٠٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ -وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ في حَدِيثِهِ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الجِهَادِ فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟». قَالَ: نَعَمْ. قَالَ «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ». [٥٩٧٢ - مسلم: ٢٥٤٩ - فتح ٦/ ١٤٠]
حَدَّثَنَا آدَمُ، ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ الشَّاعِرَ -وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ-قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول الله ﷺ فَاسْتَاذَنَهُ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: "أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ".
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، ولابن حبان: وكان قد أسلم (١). وفيه: وأبيا أن يخرجا معه.
ووجه مطابقة الحديث للباب مفهومة، وقد جاء: (إني تركت أبويّ يبكيان) قَالَ: "ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما" (٢).
وفي الباب: عن أبي سعيد الخدري، وفيه: "فإن استأذنا (٣) لك فجاهد وإلا فبرهما" (٤) وعبد الرحمن بن جاهمة عن أبيه: جاء رجل
стр. 10645
إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أردت الغزو وجئتك أستشيرك، فقال: "هل لك من أم؟ " قَالَ: نعم. قَالَ: "الزمها فإن الجنة تحت رجليها" (١)، ورشدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس: جاءت امرأة بابن لها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، هذا ابني يريد الجهاد وأنا أمنعه. فقال ﷺ : "الزم أمك حَتَّى تأذن لك أو يأتيها الموت" (٢).
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فقال المهلب: هذا -والله أعلم- في زمن استظهار المسلمين على عدوهم، وقيام من انتدب إلى الغزو بهم مع أنه -والله أعلم- رأى به ضعفًا ولم يقدر نفاذه في الجهاد، فندبه إلى الجهاد في بر والديه.
قلتُ: رواية ابن أبي عاصم أن السائل كان أخلق الناس وأشده، وفي آخره: فجعلنا نعجب من خَلْقه يرد هذا، وقد روي عن عمر وعثمان أن من أراد الغزو فأمرته أمه بالجلوس أن يجلس. وقال الحسن البصري: إن أذنت له أمه في الجهاد وعلم أن هواها في أن يجلس فليجلس (٣).
وممن (أراد) (٤) أن لا يخرج إلى الغزو إلا بإذن والديه: مالك (٥) والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد، وأكثر أهل العلم (٦)، هذا كله
стр. 10646
في حال الاختيار ما لم تقع ضرورة وقوة العدو، فإذا كان ذَلِكَ تعين الفرض على الجميع وزال الاختيار ووجب الجهاد على الكل (١)، ولا حاجة إلى الإذن من والد وسيد.
وقال ابن حزم في "مراتب الإجماع": إن كان أبواه يضيعان بخروجه ففرضه ساقط عنه إجماعًا (٢)، وإلا فالجمهور يوقفه على الاستئذان، روي ذَلِكَ عن مالك (٣) والشافعي وأحمد (٤) وغيرهم، والأجداد كالآباء، والجدات كالأمهات. وممن صرح به ابن المنذر. وعند المنذري: هذا في التطوع، أما إذا وجب عليه فلا حاجة إلى إذنهما، وإن منعاه عصاهما، هذا إذا كانا مسلمين، فإن كانا كافرين فلا سبيل لهما إلى منعه، ولو نفلاً، وطاعتهما حينئذ معصية (٥). وعن الثوري: هما كالمسلمين، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون هذا كله بعد الفتح وسقوط (فرض) (٦) الهجرة والجهاد وظهور الدين، أو كان ذَلِكَ من الأعراب وغير من كانت تجب عليه الهجرة، فرجح برُّ الوالدين على الجهاد.
فرع:
يندرج في هذا المديان، قَالَ الشافعي فيما ذكره ابن المناصف: ليس له أن يغزو إلا بإذنه سواء كان مسلمًا أو غيره (٧).
стр. 10647
وفرق مالك (١) بين أن يجد قضاء وبين ألا يجد، فإن كان غريمًا فلا يرى بجهاده بأسًا وإن لم يستأذن غريمه، فإن كان مليًّا وأوصى (بدينه) (٢) إذا حل أعطي دينه فلا يستأذنه. وقال الأوزاعي: لا يتوقف على الإذن مطلقًا (٣).
стр. 10648
١٣٩ - باب مَا قِيلَ فِي الجَرَسِ وَنَحْوِهِ فِي أَعْنَاقِ الإِبِلِ
٣٠٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ قَالَ عَبْدُ اللهِ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ في مَبِيتِهِمْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَسُولاً أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ إِلاَّ قُطِعَتْ. [مسلم: ٢١١٥ -
فتح ٦/ ١٤١]
حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، أَنَّ أَبَا بَشِيرٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ قَالَ عَبْدُ اللهِ: أحسب أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ.
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود (١)، ورواه النسائي، عن قتيبة، عن مالك بإسناده: أن رجلاً من الأنصار أخبره (٢)، ولم يقل: عن أبي بشير. وأبو بشير بفتح الباء الموحدة، واسمه: قيس الأكبر بن عبيد المازني، وليس له في الصحيحين سوى هذا الحديث، وفي "الكمال" لعبد الغني وتبعه "التهذيب"، أن له ثلاثة أحاديث. أحدها: هذا، ثانيها: النهي عن الصلاة بعد طلوع الشمس. ثالثها: أنه ﷺ حرم ما بين لابتيها، ومنهم من جعلها لثلاثة رجال، والصحيح أنه واحد.
стр. 10649
قالا: وليس في الصحابة أبو بشير غيره (١)، وليس كما ذكرا، كما أوضحته في كنى الكتب الستة من كتابي.
فإن قلتَ: لا ذكر للجرس في الحديث، فكيف بوب له؟ قلتُ: تمحل له بعضهم بقول الخطابي: أمر بقطع القلائد؛ لأنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس (٢). وليس بجيد، ففي "الموطآت" للدارقطني من رواية عمر بن عثمان، عن مالك به، وفيه: ولا جرس في عنق بعير إلا قطع.
ومن عادته الإحالة على أطراف الحديث في التبويب. قَالَ أبو عمر: وفي رواية روح بن عبادة، عن مالك: فأرسل رسول الله ﷺ زيدًا مولاه. قَالَ: وهو عندي زيد بن حارثة (٣)، ولأبي داود: عن أبي وهب الجيشاني مرفوعًا: "اربطوا (٤) الخيل وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار" (٥).
قَالَ مالك في "الموطأ" إثر حديث الباب: أرى ذَلِكَ من العين (٦)، ففسر المعنى الذي من أجله أمر الشارع بقطع القلائد، وذلك أن الذي قلدها إذا اعتقد أنها ترد العين فقد ظن أنها ترد القدر، ولا يجوز اعتقاد هذالأولهذا روي أن الرفقة التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة (٧)، وقال ابن حبان في "صحيحه": المراد: رفقة فيها رسول الله ﷺ لأجل الوحي (٨). فأغرب.
стр. 10650
ولا بأس بتعليق التمائم والخرز الذي فيها الدعاء والرقى بالقرآن عند جميع العلماء (١)؛ لأن ذَلِكَ من التعوذ بأسمائه، وقد سُئل عيسى بن دينار عن قلادة ملونة فيها خرز يعلقها الرجل على فرسه للجمال فقال: لا بأس بذلك إذا لم تجعل للعين (٢).
قَالَ أبو عبد الملك: وقول غيره أحسن. قَالَ المهلب: وإنما تجعل القلائد من وتر لقوتها وبقائها فخصها ﷺ ، ثم عم سائر القلائد بقوله: "ولا قلادة إلا قطعت" فأطلق النهي على (جميع) (٣) ما تقلد به الدواب، وقد سُئل مالك عن القلادة فقال: ما سمعت بكراهته إلا في الوتر. يعني: أوتار القسي. قَالَ أبو عبيد: وإنما نهى عن التقليد بالأوتار؛ لأن الدواب تتأذى بذلك ويضيق عليها نفسها ورعيها، وربما تعلق ذَلِكَ بشجرة فتختنق فتموت، أو تمتنع من السير كما جرى لناقة رسول الله ﷺ حين احتبست، وقد روي عن رسول الله ﷺ : "قلدوها الحبل ولا تقلدوها الأوتار" وفسره وكيع فقال: هذا ليس من قلائد الإبل المذكورة، ومعناه: لا تركبوها في
стр. 10651
الفتن خشية أن يتعلق على راكبها وتر يطالب به (١).
وفي هذا حديث رويفع عند أبي داود: "يا رويفع أبلغ الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وترًا فإن محمدًا بريء منه" (٢) ولابن حبان من حديث أنس: أمر بقطع الأجراس (٣). وفي حديث عائشة تقطع من أعناق الإبل يوم بدر (٤). قَالَ ابن عبد البر: لا بأس أن تقلد الخيل قلائد الصوف الملون إذا لم يكن ذَلِكَ خوف نزول العين (٥). وقد سلف ذَلِكَ، قَالَ ابن الجوزي: ربما صحف من لا علم له بالحديث، فقَالَ: ومن وبر بباءٍ موحدة، وإنما هي مثناة فوق، وإنما المراد بها: أوتار القسي كانوا يقلدونها لئلا تصيبها العين، فأمر بالقطع؛ لأنها لا ترد القدر كما سلف، وقيل: نهي عن ذَلِكَ لئلا تختنق عند شدة الركض، وهو قول محمد بن الحسن الشيباني، وقال النضر فيه كما قال وكيع في الفرس، أي: لا تطلبوا الوتر (٦)، وهو بعيد لفظًا ومعنى.
وقد اختلف العلماء في تقليد البعير وغيره من الحيوان -والإنسان- ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين، فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة، وأجازه عند الحاجة تمسكًا بحديث أبي داود عن عقبة بن عامر مرفوعًا: "من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له" (٧)، ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها (٨).
стр. 10652
والنهي عن الجرس بفتح الراء عند الأكثرين، وحكى عياض عن أبي بحر سكونها، وهو اسم للصوت وأصله: الصوت الخفي (١)؛ لأن الملائكة لا تصحب رفقة فيها جرس، هذا قول الأكثرين، قالوا: لأنه شبيه بالناقوس؛ أو لأنه من التعاليق المنهي عنها، وقيل: كره لتصوته، وهو كراهة تنزيه، وكره بعضهم الجرس الكبير دون الصغير.
ومن الغريب ما حكاه ابن التين أن المراد بالوتر: أوتار الذحول. يعني: لا يسفك عليها الدماء ولا يغار عليها على الأموال. يريد: لا يطلبون به الوتر الذي وتروا به في الجاهلية. قَالَ: وقيل: إنما نهي عنها من قبل التمائم، وهو كل ما علق خيفة أن ينزل به. وقال الداودي: الأوبار ما ينزع عن الجمال شبه الصوف؛ فصحف في الوتر.
قلتُ: هذا تصحيف كما سلف. قَالَ: وقيل: لأن صاحبها يظن أن التمائم تمنع من الأخذ بالعين وترد القدر، ولا بأس بتعليقها إذا كان فيها خرز، وإن كان ذَلِكَ للعين وغير ذَلِكَ إذا كان في الخرز الدعاء؛ لأنه من التعوذ بأسمائه، وقد سلف. قَالَ ابن التين: وكره مالك تعليق الأجراس على أعناق الإبل والحمير، وأجاز القلادة، وكره الوتر (٢). قَالَ القاضي في جامع "معونته": ووجه ذَلِكَ ما روي أن رفقة أقبلت من مصر وفيها جرس، فأمر ﷺ بقطعه وقال: "إن الملائكة لا يصحبون قافلة فيها جرس" (٣).
стр. 10653
١٤٠ - باب مَنِ اكْتُتِبَ فِي جَيْشٍ فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ حَاجَّةً، أَوَ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، هَلْ يُؤْذَنُ لَهُ ؟
٣٠٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَد، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً. قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ». [انظر: ١٨٦٢ - مسلم: ١٣٤١ - فتح ٦/ ١٤٢].
ذكر فيه حديث أبي معبد، عن ابن عباس السالف في باب: حج النساء.
واسم أبي معبد: نافذ مولى ابن عباس، روى له الجماعة، مات بالمدينة سنة أربع ومائة.
ونقل ابن بطال هناك (١) اتفاق الفقهاء على أنه ليس للرجل منع زوجته من حج الفرض، كما لا يمنعها من صلاة ولا صيام. وناقشناه فيه، فإن الأظهر من قول الشافعي أن له المنع، ولا شك أنه إذا قام بثغور المسلمين من فيه الكفاية بدفع العدو فلا بأس أن يأذن الإمام لمن له عذر في الرجوع؛ ولهذا المعنى أذن ﷺ للرجل أن يرجع ويحج امرأتَهُ، فإن كان للعدو ظهور وقوة وتعين فرض الجهاد على كل أحد فلا يأذن له الإمام في الرجوع.
قَالَ المهلب: والجهاد أفضل لمن قد حج عن نفسه من الحج، لكن لما استضاف إلى الحج النافلة ستر عورة وقطع ذريعة كان آكد وأفضل من
стр. 10654
الجهاد في وقت قد استظهر المسلمون فيه على عدوهم.
وقوله: ("فحج مع امرأتك") محمول عند العلماء على معنى الندب للزوج أن يحج مع امرأته لا أنه يلزمه ذَلِكَ فرضًا، كما لا يلزمه مؤنة حملها في الحج، فلذلك لا يلزمه أن يحملها إليه بنفسه.
وذكر البخاري في التفسير إثر حديث على هذا: قَالَ عمرو بن دينار: فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] الآية.
قَالَ سفيان: فلا أدري أذاك في الحديث أم من عمرو بن دينار (١).
ونقل الواحدي عن جماعة المفسرين أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام بن عبد مناف أتت رسول الله ﷺ إلى المدينة من مكة وهو يتجهز لفتح مكة فقال: "ما جاء بك؟ " فقالت: الحاجة. قال: "فأين أنت من شباب أهل مكة؟ " وكانت مغنية. قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر. فكساها وحملها، وأتاها حاطب، فكتب معها كتابًا إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير، وكتب في الكتاب: إلى أهل مكة إن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم. فنزل جبريل ﵇ بخبرها، فبعث عليًّا وعمارًا وعمر والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مرثد، وكانوا كلهم فرسانا، وقال: "انطلقوا حَتَّى تأتوا روضة خاخ فإنَّ بها ظعينة معها كتاب إلى المشركين، فخذوه وخلوا سبيلها؛ فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها .. " الحديث (٢)، وعند ابن أبي حاتم من حديث الحارث، عن علي: لما أراد رسول الله ﷺ أن يأتي مكة أسر إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة، منهم حاطب، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر.
إذا عرفت هذا؛ فالكلام على الحديث من وجوه:
أحدها:
في كتاب الحميدي ذكر البرقاني نحو هذا الحديث، رواه سماك،
стр. 10657
عن ابن عباس قَالَ: قَالَ عمر: كتب حاطب إلى (أهل) (١) مكة .. الحديث، وزعم أنه في مسلم. قَالَ الحميدي: وليس له عند أبي مسعود ولا خلف ذكر.
ثانيها:
هذِه الظعينة اسمها سارة كما سلف، مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم، والدرقفة أم مخرمة بن نوفل، وقيل أم سارة. وقيل: كنود مولاة لقريش، وقيل: لعمران بن أبي صيفي، وقيل: كانت من مزينة من أهل العرج، وكان حاطب كتب إلى ثلاثة: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل. قَالَ الحاكم في "إكليله": وكانت مغنية بوَّاحة، تغني بهجاء رسول الله ﷺ ، فأمر بها يوم الفتح فقتلت. وأما أبو نعيم وابن منده فذكراها في الصحابيات، ووقع في "أحكام القرآن" للقاضي إسماعيل في قصة حاطب: قَالَ للذين أرسلهم لها: "إن بها امرأة من المسلمين معها كتاب إلى المشركين" وإنهم لما أرادوا أن يخلعوا ثيابها قالت: أولستم مسلمين؟ ويشكل عليه ما أسلفناه عن الحاكم فإنها ممن استثنيت يوم الفتح بالقتل، وعبارة أبي عبيد البكري: "فإن بها امرأة من المشركين" بدل "المسلمين" وفي "أسباب الواحدي": لما قدمت المدينة قَالَ لها ﷺ : "مسلمة جئت؟ " قالت: لا. قَالَ: "فما جاء بك؟ " قالت: احتجت. قَالَ: "فأين أنت من شباب قريش؟ " الحديث (٢).
ثالثها:
في الكتاب -كما قَالَ السهيلي-: أما بعد. فإن رسول الله ﷺ قد
стр. 10658
توجه إليكم في جيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له موعده فيكم؛ فإن الله وليه وناصره. وفي "تفسير ابن سلام" كان فيه: أن محمدًا قد نفر إما لكم وإما إلى غيركم، فعليكم الحذر (١). وقيل: كان فيه: إنه ﷺ أذن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، فقد أحببت أن تكون لي عندكم يد بكتابي إليكم. قَالَ القرطبي: ويحكى أنه كان في الكتاب يفخم جيش رسول الله ﷺ وأنهم لا طاقة لهم به (٢).
رابعها:
خاخ: بخائين معجمتين. قَالَ السهيلي: وكان هشيم يصحفها فيقول: حاج: بحاء وجيم. وذكر البخاري أن أبا عوانة كان يقولها كما يقوله هشيم (٣).
خامسها:
الظعينة: المرأة في الهودج، ولا يقال لها ظعينة إلا وهي كذلك. قَالَ الداودي: سميت بذلك لأنها تركب الظعائن التي تظعن براكبها. وقال ابن فارس: الظعينة: المرأة وهو من باب الاستعارة، وأما الظعائن فالهوادج، كان فيها نساء أو لم يكن (٤). وقال الخطابي: إنما قَالَ لها ظعينة؛ لأنها تظعن مع زوجها إذا ظعن (٥).
سادسها:
قوله: (أو لنلقين الثياب). قَالَ ابن التين: صوابه في العربية: لنلقن الثياب. بحذف الياء؛ لأن النون المشددة تجتمع مع الياء الساكنة فتحذف
стр. 10659
الياء لالتقاء الساكنين.
وفيه: جواز تجريد العورة عن الستُّرة عند الحاجة.
سابعها:
العقاص -بعين مكسورة-: الشعر المعقوص. أي: المظفور، جمع عقصية وعقصة، والعقص: ليُّ خصلات الشعر بعضه على بعض. وعند المنذري: هو ليُّ الشعر على الرأس ويدخل أطرافه في أصوله، قَالَ: ويقال: هي التي تتخذ من شعرها مثل الرمانة. قال: وقيل: العقاص هو: الخيط الذي (يجتمع) (١) فيه أطراف الذوائب، وبه جزم ابن التين حيث قال: والعقاص: الخيط الذي تعقص به أطراف الذوائب، وعقص الشعر ظفره، قال: وفي رواية أخرى: أخرجت من حجزتها، وكذا قال ابن بطال: العقاص: السير الذي تجمع به شعرها على رأسها، والعقص: الظَّفْر، والظَّفْر: هو الفتل (٢).
ثامنها:
قوله: (إني كنت ملصقا في قريش) يعني: كنت مضافًا إليهم ولست منهم، وأصل ذلك من تضاف الشيء بغيره ليس منه، ولذلك قيل للدعي في القوم ملصق، قاله الطبري (٣).
وقوله: (وكان من معك) كذا في الرواية. قال القرطبي: هكذا الرواية "الصحيحة" وعند مسلم (من معك) بزيادة (من) والصواب: إسقاطها؛ لأن (من) لا تزاد في الواجب عند البصريين، وأجازه بعض الكوفيين (٤).
стр. 10660
تاسعها:
إنما أطلق عمر على حاطب اسم النفاق؛ لأنه والى كفار قريش وباطنهم، وإنما فعل حاطب ذلك متأولًا في غير ضرر لرسول الله ﷺ صدق الله نيته فنجاه من ذلك، وذكر الجاحظ في "عمده" فقال (عمر) (١): دعني يا رسول الله اضرب عنقه -يعني: حاطبًا- فقد كفر.
قال الباقلاني: في نقضه هذا الكتاب، هذِه اللفظة ليست معروفة.
قلت: ويحتمل أن يكون المراد بها كفر النعمة أو أنه تأول قوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أو يكون الراوي روى بالمعنى، فإنه لما سمع قول عمر نافق عبر عنه؛ لأنه كفر عند جماعة، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون قول عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق قبل قوله ﵇: "قد صدقكم" أو يريد أنه وإن صدق فلا عذر له، وقد أثبت الله لحاطب الإيمان في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾ الآية، وكانت أمه بمكة فأراد أن يحفظوه فيها.
العاشر:
قوله: ("وما يدريك؟ ") أي: يعلمك، ولعله للترجي، وهو هنا يتحقق بدليل ما ذكر في آل عمران والأنفال.
الحادي عشر:
قوله: ("اعملوا ما شئتم") ظاهره الاستقبال، وقال ابن الجوزي: ليس هو على الاستقبال، وإنما هو للماضي، تقديره: اعملوا ما شئتم أيُّ عمل كان لكم فقد غفر، ويدل على هذا شيئان:
стр. 10661
أحدهما: أنه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر.
والثاني: أنه كأن يكون إطلاقًا في الذنوب، ولا وجه لذلك، ويوضحه أن القوم خافوا من العقوبة فيما بعد؛ فلهذا كان عمر يقول: يا حذيفة أنا منهم؟ قال القرطبي: وهذا التأويل وإن كان حسنًا فإن فيه بعدًا؛ لأن اعملوا: صيغة أمر، وهي موضوعة للاستقبال، ولم تضع العرب قط صيغة الأمر موضع الماضي لا بقرينة ولا بغير قرينة، كذا نص عليه النحويون، وصيغة الأمر إذا وردت بمعنى الإباحة إنما هي بمعنى الإنشاء والابتداء لا بمعنى الماضي، قال: واستدلاله عليه بقوله: "قد غفرت لكم" ليس بصحيح "لأن اعملوا ما شئتم" يحمل على صلب الفعل ولا يصح أن يكون بمعنى الماضي فيتعين حمله على الإباحة والإطلاق، وحينئذ يكون خطاب إنشاء، فيكون كقول القائل: أنت وكيلي وقد جعلت لك التصرف حيث شئت، وإنما يقتضي إطلاق التصرف من وقت التوكيل لا قبل ذلك.
قال: وقد ظهر لي وجه، وهو أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف يضمن أن هؤلاء القوم حصلت لهم حالة غفرت لهم بها ذنوبهم السالفة وتأهلوا أن يغفر لهم ذنوب مستأنفة إن وقعت منهم لا أنهم نجزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة، بل لهم صلاحية أن يغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء ما وجود ذلك الشيء، إذ لا يلزم من وجود أهلية الخلافة وجودها لكل من وجدت له أهليتها، وكذلك القضاء وغيره، وعلى هذا فلا يأمن من حصلت له أهلية المغفرة من المؤاخذة على ما عساه أن يقع منه من الذنوب، ثم إن الله أظهر صدق رسوله للعيان في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك؛ فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن توفوا، ومن وقع منهم
стр. 10662
في أمر ما أو مخالفة لجأ إلى التوبة ولازمها حتى لقي الله عليها؛ يعلم ذلك قطعًا من حالهم من طالع سيرهم وأخبارهم (١).
وذكر القاضي عياض الإجماع على أن من ثبت عليه حد أنه يقام عليه، وقد ضرب الشارع مسطحًا الحد (٢).
الثاني عشر: في فوائده الجمة:
وسيأتي بعضها في باب المتأولين في آخر كتاب الديات (٣)، وفي كتاب الاستئذان في باب: من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره (٤). ونذكر هنا منها جملة، فنقول:
فيه: هتك ستر الجاسوس رجلاً كان أو امرأة إذا كان في ذلك مصلحة، أو كان في الستر مفسدة.
وفيه: -كما قال ابن الجوزي- أن حكم المتأول في استباحة المحظور خلاف حكم المتعمد؛ لاستحالته من غير تأويل وأن من أتى محظورًا أو ادعى فيه ما يحتمل التأويل قبل وإن كان غالب الظن خلافه.
وفيه: -كما قال القرطبي-: أن ارتكاب الكبيرة لا يكون كفرًا (٥).
وفيه: -كما قال الداودي-: أن الجاسوس يقتل وإنما نفى القتل عن حاطب مما علمه النبي ﷺ منه، لكن مذهب الشافعي وطائفة: أن الجاسوس المسلم يعزر ولا يجوز قتله، وإن كان ذا هيئة عفي عنه لهذا الحديث: "فلا يحل دم امرئ مسلم إلا بكفر بعد إيمان، أو زنا
стр. 10663
بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق" (١) وعن أبي حنيفة والأوزاعي: يوجع عقوبة ويطال حبسه (٢).
وقال بعض المالكية (٣) -وهو ابن وهب-: يقتل إلا أن يتوب. وعن بعضهم أنه يقتل إذا كانت عادته ذلك، وإن تاب وهو قول ابن الماجشون.
وقال ابن القاسم في "العتبية": يضرب عنقه؛ لأنه لا تعرف توبته (٤) وهو قول سحنون (٥)، ومن قال بقتله فقد خالف الحديث وأقوال المتقدمين، فلا وجه لقوله كما قال ابن بطال (٦)، وعن مالك يجتهد فيه الإمام (٧).
قال الأوزاعي: فإن كان كافرًا يكون ناقضًا للعهد (٨)، وإن كان مسلمًا أوجع عقوبة، وقال أصبغ: الجاسوس الحربي يقتل، والمسلم والذمي يعاقبان، إلا أن يظاهرا على الإسلام فيقتلان (٩).
وفيه: -كما قال الطبري-: أن الإمام إذا ظهر من رجل من أهل الستر على أنه قد كاتب عدوَّا من المشركين ينذرهم ببعض ما أسره المسلمون فيهم من غرم، ولم يكن الكاتب معروفًا بالسفه والغش (للإسلام) (١٠) وأهله وكان ذلك من فعله هفوة وزلة من غير أن يكون لها أخوات فجائز العفو عنه، كما فعل رسول الله بحاطب من عفوه
стр. 10664
عن جرمه بعد ما اطلع عليه من فعله، وهذا نظير الخبر الذي روته عمرة، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا حدًّا من حدود الله" (١).
فإن ظن ظان أن صفحه إنما كان لما أعلمه الله من صدقهم، ولا يجوز لمن بعد رسول الله ﷺ أن يعلم ذلك فقد ظن خطأ؛ لأن أحكام الله في عباده إنما تجري على ما ظهر منهم وقد أخبر الله سبحانه نبيه عن المنافقين الذين كانوا بين ظهراني أصحابه مقيمين معتقدين الكفر، وعرفه (إياهم) (٢) بأعيانهم ثم لم يبح له قتلهم وسبيهم إذ كانوا يظهرون الإسلام بألسنتهم، فكذلك الحكم في كل أحد من خلق الله أن يؤخذ مما ظهر لا مما يظن، وقد روي مثل ذلك عن الأئمة، وروى الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي منصور قال: بلغ عمر بن الخطاب أن عامله على البحرين أتى برجل قامت عليه بينة أنه كان عدوًّا للمسلمين بعورتهم، وكان اسمه ضرياس، فضرب عنقه وهو يقول: يا عمراه، يا عمراه. فكتب عمر إلى عامله يقدم عليه، فجلس له عمر وبيده حربة، فلما دخل عليه (على بجبينه) (٣) بالحربة وجعل يقول: أضرياس لبيك، أضرياس لبيك. فقال له عامله: يا أمير المؤمنين، إنه كاتبهم بعورة المسلمين وهم أن يلحق بهم. فقال له عمر: وقتله على هذِه وأينا لم يهم لولا أن تكون سنة (لقتلتك) (٤).
وقول البخاري: (التجسس: التبحث) قد سلف الكلام عليه أول الكتاب.
стр. 10665
وفيه: -كما قَالَ الطبري -أيضًا: البيان عن بعض أعلام النبوة، وذلك إعلام الله نبيه بخبر المرأة الحاملة كتاب حاطب إلى قريش، ومكانها الذي هي به، وحالها الذي يضاف عليها من السير وكل ذَلِكَ لا يعلم إلا بوحي.
وفيه: -كما قَالَ المهلب-: هتك ستر المريب، وقد سلف، وكشف المرأة العاصية، وأن الجاسوس قد يكون مؤمنًا وليس تجسسه مما يخرجه من الإيمان" وأنه لا يتشور في قتل أحد دون رأي الإمام، وإشارة الوزير بالرأي على السلطان وإن لم يستشره، والإشداد عند السلطان على أهل المعاصي، والاستئذان في قتلهم، وجواز العفو عن الخائن لله ورسوله بتجسس أو غيره، ومراعاة فضيلة سلفت ويشهد شاهده الجاسوس وغيره من المدنيين، والتشفع بذلك.
وأهل بدر: قَالَ مالك: كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر (١). وزاد الأوزاعي اثنين على ذلك، وقيل: بزيادة اثنين آخرين أيضًا، قيل: منهم ثلاثة وسبعون من المهاجرين. وقيل: مئة. ولم يحضره إلا قرشي أو أنصاري أو حليفهما أو مولاهما، ذكره ابن التين.
وفيه أيضًا: الحجة بترك إنفاذ الوعيد من الله لمن شاء ذَلِكَ له؛ لقوله: "لَعَلَّ الله أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ".
وفيه: -جواز غفران ما تأخر وقوعه من الذنوب قبل وقوعه، كذا في
стр. 10666
كتاب ابن بطال (١)، وقد سلف ما فيه.
وقد أسلفنا الخلاف في المستأمن وقول أصبغ والأوزاعي في الكافر، وقال الثوري والكوفيون والشافعي في الحربي المستأمن والذمي يتجسس ويدل على العورات: لا يكون ذَلِكَ نقضًا للعهد منهما، ويوجعه الإمام ضربًا ويطيل حبسه.
وقال الأوزاعي فيما أسلفناه: قد نقض العهد وخرج عن الذمة، فإن شاء الإمام قتله أو صلبه، وهو قول سحنون (٢)، وقال مالك في أهل الذمة: إذا تلصصوا أو قطعوا الطريق لم يكن ذَلِكَ نقضًا للعهد حَتَّى يمنعوا الجزية، ويمتنعوا من أهل الإسلام، فهؤلاء فيء إذا كان الإمام عادلاً، وعند مالك: إذا استكره الذمي المسلمة فزنا بها فهو نقض للعهد وإن طاوعته لم يخرج من العهد (٣). وعند الشافعي (٤): لا تنتقض الذمة بشيء من ذَلِكَ إلا عند الشرط، إلا الامتناع من أداء الجزية أو الامتناع من الحكم، فإذا فعلوا ذَلِكَ نبذ إليهم، وعندنا في الهدنة الانتقاض خلاف الإطلاق السالف. وقال الطحاوي: لم يختلفوا أن المسلم إذا فعل ذَلِكَ لم يبح دمه، فكذلك المستأمن والذمي قياسًا عليه. ولم يراع الطحاوي اختلاف أصحاب مالك في ذَلِكَ إذ لم يقل بقولهم مالك ولا غيره من المتقدمين مع خلافهم للحديث (٥).
стр. 10667
١٤٢ - باب الكِسْوَةِ لِلأسُارى
٣٠٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِيَ بِأُسَارَى، وَأُتِىَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ قَمِيصًا فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الذِي أَلْبَسَهُ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ. [انظر: ١٢٧٠ - مسلم: ٢٧٧٢ - فتح ٣/ ١٤٤].
هي بضم الكاف وكسرها.
ذكر فيه حديث جَابِر: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِيَ بِأُسَارى، وَأُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الذِي أَلْبَسَهُ إياه. قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ.
الشرح:
معنى يقدر عليه لطول لباسه، ولم يرد ﷺ أن يسأل من أخذ قميص العباس، ولا حيث صار في المقاسم؛ لئلا يحصل بذلك تأذ لغيره من قريش، وكان العباس طوالًا كأنه فسطاط (١)، وكان أبوه عبد المطلب أطول منه، وكان ابنه عبد الله إذا مشى مع الناس كأنه راكب والناس مشاة، والعباس أطول منه.
وفيه: كسوة الأسارى والإحسان إليهم، ولا يتركوا عراة فتبدو عوراتهم، ولا يجوز النظر إلى عورات المشركين.
стр. 10668
وفيه: المكافأة على اليد تُسدى إلى قريب الرجل إذا كان ذَلِكَ إكرامًا له في قريبه، ولم يطالب بها القريب إذا كانت بسبب الستر من أهله.
وفيه: أن المكافأة تكون في الحياة وبعد الممات.
стр. 10669
١٤٣ - باب فَضلِ مَن أَسْلَمَ عَلَى يَدَيهِ رَجُلٌ
٣٠٠٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَهْلٌ ﵁ -يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلاً يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ». فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى، فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيٌّ؟». فَقِيلَ: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَبَصَقَ في عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ فَقَالَ: أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا. فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ الله بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ». [انظر: ٢٩٤٢ - مسلم: ٢٤٠٦ - فتح ٦/ ١٤٤].
ذكر فيه حديث أبِي حَازِمٍ عن سَهْلٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَح الله عَلَى يَدَيْه .. " الحديث إلى أن قال: "فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا واحدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ".
هذا الحديث يشبهه في المعنى قوله ﷺ : "من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئًا" (١)، وروي في الحديث مرفوعًا: "إن العالم إذا لم يعمل بعلمه يأمر الله به إلى النار يوم القيامة، فيقوم رجل قد كان علمه ذَلِكَ العالم، علمًا دخل به الجنة فيقول: يا رب هذا علمني ما دخلت به الجنة فهب لي معلمي. فيقول : هبوا له معلمه".
стр. 10670
فائدة:
(حمر النعم): كرامها وأعلاها منزلة، قاله ابن الأنباري.
وقال أبو عبيد عن الأصمعي: بعير أحمر إذا لم يخالط حمرته شيء، فإن خالطت حمرته قنوء فهو كميت، والمراد (بحمر النعم): الإبل خاصة، وهي أنفسها وخيارها (١). قَالَ الهروي: يذكر ويؤنث أما الأنعام: فالإبل والبقر والغنم، قال الجوهري: الأنعام يذكر ويؤنث، وقد سلف لنا مرة الخوض في ذَلِكَ فليراجع منه.
стр. 10671
١٤٤ - باب الأُسَارى فِي السَّلَاسِلِ
٣٠١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عَجِبَ الله مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ». [٤٥٥٧ - فتح ٦/ ١٤٥]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "عَجِبَ اللهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ".
هذا الحديث من أفراده، ومعناه: يدخلون الإسلام مكرهين، وسمي الإسلام باسم الجنة لأنه شبهها، ومن دخله فقد دخل الجنة، وقد جاء هذا المعنى بيِّنًا في حديث ذكره البخاري في التفسير في تفسير سورة آل عمران من حديث أبي هريرة أيضًا في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال خير الناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حَتَّى يدخلوا في الإسلام كرهًا.
وفيه: سوق الإسراء في الحبال والسلاسل والاستيثاق منهم حَتَّى يرى الإمام فيهم رأيه.
والعجب المضاف إلى الله راجع إلى معنى الرضى والتعظيم، وأن الله تعالى يعظم من أخبر عنه بأنه يعجب منه ويرضى عنه، قاله ابن فورك (١).
وقال الداودي: أي: جعلهم عجبًا أسارى فأسلموا. ولأبي داود: "عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل" (٢).
стр. 10672
قَالَ ابن المنير: إن كان المراد حقيقة وضع السلاسل في الأعناق فالترجمة مطابقة، وإن كان المراد المجاز عن الإكراه فليست مطابقة (١). وقال ابن الجوزي: ويحتمل أنهم لو بقوا على كراهتهم للإسلام لم يدخلو الجنة لكنهم قيدوا مكرهين، فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعًا فدخلوا الجنة، وكان السبب الإكراه في الأول. وأوضح أبو داود هذا المعنى أيضًا فإنه لما ذكر حديث أبي هريرة المبدأ بذكره في باب: الأسير يوثق ذكر معه حديث ثمامة بن أثال وحديث الحارث بن البرصاء، وأنهما أوثقا وجيء بهما إلى رسول الله ﷺ (٢).
стр. 10673
١٤٥ - باب فَضْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ
٣٠١١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيٍّ أَبُو حَسَنٍ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا، وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا، ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الكِتَابِ الذِي كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْدُ الذِي يُؤَدِّى حَقَّ اللهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ». ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَأَعْطَيْتُكَهَا بِغَيْرِ شَيءٍ، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِي أَهْوَنَ مِنْهَا إِلَى المَدِينَةِ. [انظر: ٩٧ - مسلم: ١٥٤ - فتح ٦/ ١٤٥].
ذكر فيه حديث أبي موسى قال النَّبِيُّ ﷺ : "ثَلَاَلةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ" فذكر الأمة والعبد. وسلف في العتق (١). ومؤمن أهل الكتاب الذي كان مؤمنًا ثم آمن بالنبي ﷺ . ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَأَعْطَيْتُكَهَا بِغَيْرِ شيء، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِي أَهْوَن مِنْهَا إِلَى المَدِينَةِ.
فيه: أن من أحسن في معنيين من أي فعل كان من أفعال البر فله أجره مرتين، والله يضاعف لمن يشاء، وإنما جاء النص في هؤلاء الثلاثة ليستدل بذلك في سائر الناس وسائر الأعمال، نبه عليه المهلب (٢).
قَالَ الداودي: في قوله: "ومؤمن أهل الكتاب" يعني من بعث رسول الله ﷺ وهو على دين عيسى، وأما اليهود وغيرهم ممن كان على غير الإسلام فإنما وضع عليه ما كان عليه من كفر، ويؤتى ثواب ما كان
стр. 10674
يفعله لله في حال كفره. قَالَ ﷺ لحكيم: "أسلمت على ما سلف من خير" (١).
وتعقبه ابن التين فقال: هذا الذي ذكره إنما يصح لو كان عيسى أرسل إلى سائر الأمم، لكن من كذب به كان كافرًا، فإن لم يكن أحد يكذب به أو لم يعلم برسالته وبقي على دينه يهوديًّا أو غيره فله أجران إذا أسلم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤].
وقال ابن (المنير) (٢): إن قلتَ: مؤمن من أهل الكتاب لا بد أن يكون مؤمنًا بنبينا للعهد المتقدم والميثاق، فإذا بعث ﷺ فإيمانه الأول يستمر، فكيف يتعدد حَتَّى يتعدد أجره؟ وجوابه بأن إيمانه الأول بأن الموصوف كذا رسول، وثانيًا: أن محمدًا ﷺ هذا الموصوف وهما معلومان متباينان (٣)، وقد أسلفنا باقي الخصال في العتق، وقد أعتق الشارع صفية وتزوجها، وأدى كتابة جويرية وتزوجها، وستكون لنا عودة (إليه) (٤) في النكاح إن شاء الله (٥).
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١)، وبيَّن الإسماعيلي هذا بقوله: قَالَ سفيان: وكان عمه، وحَدَّثَنَاه أولاً عن الزهري قبل أن يلقاه فقال: "هم من آبائهم" فلما ثنا الزهري فتقدمه فلم يقل: "هم من آبائهم " قَالَ: "هم منهم" (ورواه) (٢) الطبراني من حديث حماد بن زيد، عن عمرو، عن ابن عباس بلفظ: "هم من آبائهم" لم يذكر الزهري ولا عبيد الله ولا الصعب، رواه عن علي بن عبد العزيز، ثَنَا حجاج بن منهال وعارم عنه (٣).
إذا عرفت ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها: صحف ابن المنير (بياتًا) بالباء الموحدة بـ (نيامًا)، فقال: العجب لزيادته في الترجمة (نيامًا) وما هو في الحديث إلا ضمنا؛ لأن الغالب أنهم إذا وقع بهم ليلاً لم يخل من نائم، وما الحاجة إلى كونهم نيامًا أو أيقاظًا وهما سواء، إلا أن قتلهم نيامًا أدخل في الغيلة؛ فنبه على جوازها في مثل هذا. هذا كلامه (٤)، وهو عجيب وتصحيف غريب فاحذره، ولما ذكره صاحب "المطالع" وقال: هو من البيات: وهو الطرف إغفالًا من الليل.
ثانيها: ذكره حديث الحمى هنا نظير الحديث السالف: "نحن الآخرون السابقون" ثم ذكر حديثا آخر معه ليس فيه شيء من معناه؛ لأنهم كانوا يحدثون بالأحاديث على نحو ما كانوا يسمعونها، وقد
стр. 10677
يتلمح له هنا معنى فتدبره (١).
ثالثها: ذكر الداودي هنا أن من كان بالمدينة من الصحابة يروي عمن كان خارجًا منها، إذ ليس أحد يحيط بالحديث أجمع، يريد أن الصعب بن جثامة ليس من ساكني المدينة.
رابعها: معنى قوله: "هم منهم" يريد كما قَالَ الخطابي في حكم الدين، فإن ولد الكافر محكوم له بالكفر. قَالَ: ولم يرد بهذا القول إباحة دمائهم تعمدًا لها وقصدًا إليها، وإنما هو إذا لم يصل إلى قتل الآباء إلا بذلك، وإلا فلا يقصدون بالقتل مع القدرة على ترك ذَلِكَ.
ومعنى النهي عن قتل النساء والصبيان في الباب الذي بعد هذا أن يقصدوا بالقتل مع القدرة على تمييزهم، إلا أن النساء إذا قاتلن قتلن؛ لأن العلة المانعة من قتلهن عدم القتل فيهن (٢).
وقد اختلف العلماء في العمل بهذا الحديث، فتركه قوم وذهبوا إلى أنه لا يجوز قتل النساء والولدان في الحرب على حال، وأنه لا يحل أن يقصد إلى قتل غيرهم إذا كان لا يؤمن في ذَلِكَ تلفهم، مثل أن يتترس أهل الحرب بصبيانهم ولا يستطيع المسلمون منهم إلا بإصابة صبيانهم، فحرام عليهم رميهم، وكذلك إن تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا فيها نساء وصبيانًا أو أسارى مسلمين، فحرام رمي ذَلِكَ الحصين وخرق تلك السفينة إذا كان يخاف تلف الأسارى والنساء والصبيان.
стр. 10678
واحتجوا بعموم (نهيه عن قتل النساء والصبيان وبعموم) (١) قوله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] هذا قول مالك (٢) والأوزاعي.
وقال الكوفيون (٣) والشافعي (٤): إنما وقع النهي عن قتل النساء والصبيان إذا قصد إلى قتلهم، فأما إذا قصد إلى قتل غيرهم ممن لا يوصل إلى ذَلِكَ منه إلا بتلف نسائهم وصبيانهم فلا بأس بذلك.
واحتجوا بقوله ﷺ : "هم منهم" فلما لم (ينهرهم) (٥) الشارع عن الإغارة، وقد كان يعلم أنهم يصيبون فيها الولدان والنساء الذين يحرم القصد إلى قتلهم، دل ذَلِكَ على أن ما أباح من حديث الصعب لمعنى غير المعنى الذي من أجله منع قتلهم في حديث ابن عمر في الباب بعده، وأن الذي منع من ذَلِكَ هو القصد إلى قتلهم، وأن الذي أباح هو القصد إلى قتل المشركين، وإن كان في ذَلِكَ تلف غيرهم ممن لا يحل القصد إلى قتله حَتَّى لا تتضاد الآثار، وقد أمر الشارع بالإغارة على العدو في آثار متواترة، ولم يمنعه من ذَلِكَ ما يحيط به علمًا أنه لا يؤمن تلف النساء والولدان في ذَلِكَ، والنظر يدل على ذَلِكَ أيضًا، وقد أحبط الشارع بياتا للعاصي، فكان يباح البيات وإن كان فيه تلف غيره مما حرم علينا (٦).
стр. 10679
١٤٧ - باب قَتْلِ الصِّبيَانِ فِي الحَرْبِ
٣٠١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِى النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. [٣٠١٥ - مسلم: ١٧٤٤ - فتح ٦/ ١٤٨]
ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ أمْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيُّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ النبي ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
وترجم له:
стр. 10680
١٤٨ - باب قَتْلِ النِّسَاءِ فِي الحَرْبِ
٣٠١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ -قَالَ، وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. [انظر: ٣٠١٤ - مسلم:
١٧٤٤ - فتح ٦/ ١٤٨].
حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟.
ثم ساقه وقال مكان (فأنكر): (نهى). وأخرجه مسلم أيضًا، وقد عرفت فقهه في الباب قبله.
قَالَ ابن بطال: ولا يجوز عند جميع العلماء قصد قتل نساء (الحرب) (١) ولا أطفالهم؛ لأنهم ليسوا ممن يقاتلون في الأغلب، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] وبذلك حكم الشارع في مغازيه أن تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية؛ لأنهم مال للمسلمين إذا سبوا (٢).
قلتُ: قد حكى الحازمي عن قوم جواز قتلهم مطلقًا لكنه مصادم للنص (٣).
واتفق الجمهور على جواز قتل النساء والصبيان إذا قاتلوا (٤)، وهو