← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10676–10715 · переход к 10681.

стр. 10676

الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١)، وبيَّن الإسماعيلي هذا بقوله: قَالَ سفيان: وكان عمه، وحَدَّثَنَاه أولاً عن الزهري قبل أن يلقاه فقال: "هم من آبائهم" فلما ثنا الزهري فتقدمه فلم يقل: "هم من آبائهم " قَالَ: "هم منهم" (ورواه) (٢) الطبراني من حديث حماد بن زيد، عن عمرو، عن ابن عباس بلفظ: "هم من آبائهم" لم يذكر الزهري ولا عبيد الله ولا الصعب، رواه عن علي بن عبد العزيز، ثَنَا حجاج بن منهال وعارم عنه (٣). إذا عرفت ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه: أحدها: صحف ابن المنير (بياتًا) بالباء الموحدة بـ (نيامًا)، فقال: العجب لزيادته في الترجمة (نيامًا) وما هو في الحديث إلا ضمنا؛ لأن الغالب أنهم إذا وقع بهم ليلاً لم يخل من نائم، وما الحاجة إلى كونهم نيامًا أو أيقاظًا وهما سواء، إلا أن قتلهم نيامًا أدخل في الغيلة؛ فنبه على جوازها في مثل هذا. هذا كلامه (٤)، وهو عجيب وتصحيف غريب فاحذره، ولما ذكره صاحب "المطالع" وقال: هو من البيات: وهو الطرف إغفالًا من الليل. ثانيها: ذكره حديث الحمى هنا نظير الحديث السالف: "نحن الآخرون السابقون" ثم ذكر حديثا آخر معه ليس فيه شيء من معناه؛ لأنهم كانوا يحدثون بالأحاديث على نحو ما كانوا يسمعونها، وقد

стр. 10677

يتلمح له هنا معنى فتدبره (١). ثالثها: ذكر الداودي هنا أن من كان بالمدينة من الصحابة يروي عمن كان خارجًا منها، إذ ليس أحد يحيط بالحديث أجمع، يريد أن الصعب بن جثامة ليس من ساكني المدينة. رابعها: معنى قوله: "هم منهم" يريد كما قَالَ الخطابي في حكم الدين، فإن ولد الكافر محكوم له بالكفر. قَالَ: ولم يرد بهذا القول إباحة دمائهم تعمدًا لها وقصدًا إليها، وإنما هو إذا لم يصل إلى قتل الآباء إلا بذلك، وإلا فلا يقصدون بالقتل مع القدرة على ترك ذَلِكَ. ومعنى النهي عن قتل النساء والصبيان في الباب الذي بعد هذا أن يقصدوا بالقتل مع القدرة على تمييزهم، إلا أن النساء إذا قاتلن قتلن؛ لأن العلة المانعة من قتلهن عدم القتل فيهن (٢). وقد اختلف العلماء في العمل بهذا الحديث، فتركه قوم وذهبوا إلى أنه لا يجوز قتل النساء والولدان في الحرب على حال، وأنه لا يحل أن يقصد إلى قتل غيرهم إذا كان لا يؤمن في ذَلِكَ تلفهم، مثل أن يتترس أهل الحرب بصبيانهم ولا يستطيع المسلمون منهم إلا بإصابة صبيانهم، فحرام عليهم رميهم، وكذلك إن تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا فيها نساء وصبيانًا أو أسارى مسلمين، فحرام رمي ذَلِكَ الحصين وخرق تلك السفينة إذا كان يخاف تلف الأسارى والنساء والصبيان.

стр. 10678

واحتجوا بعموم (نهيه عن قتل النساء والصبيان وبعموم) (١) قوله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] هذا قول مالك (٢) والأوزاعي. وقال الكوفيون (٣) والشافعي (٤): إنما وقع النهي عن قتل النساء والصبيان إذا قصد إلى قتلهم، فأما إذا قصد إلى قتل غيرهم ممن لا يوصل إلى ذَلِكَ منه إلا بتلف نسائهم وصبيانهم فلا بأس بذلك. واحتجوا بقوله ﷺ : "هم منهم" فلما لم (ينهرهم) (٥) الشارع عن الإغارة، وقد كان يعلم أنهم يصيبون فيها الولدان والنساء الذين يحرم القصد إلى قتلهم، دل ذَلِكَ على أن ما أباح من حديث الصعب لمعنى غير المعنى الذي من أجله منع قتلهم في حديث ابن عمر في الباب بعده، وأن الذي منع من ذَلِكَ هو القصد إلى قتلهم، وأن الذي أباح هو القصد إلى قتل المشركين، وإن كان في ذَلِكَ تلف غيرهم ممن لا يحل القصد إلى قتله حَتَّى لا تتضاد الآثار، وقد أمر الشارع بالإغارة على العدو في آثار متواترة، ولم يمنعه من ذَلِكَ ما يحيط به علمًا أنه لا يؤمن تلف النساء والولدان في ذَلِكَ، والنظر يدل على ذَلِكَ أيضًا، وقد أحبط الشارع بياتا للعاصي، فكان يباح البيات وإن كان فيه تلف غيره مما حرم علينا (٦).

стр. 10679

١٤٧ - باب قَتْلِ الصِّبيَانِ فِي الحَرْبِ ٣٠١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِى النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. [٣٠١٥ - مسلم: ١٧٤٤ - فتح ٦/ ١٤٨] ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ أمْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيُّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ النبي ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. وترجم له:

стр. 10680

١٤٨ - باب قَتْلِ النِّسَاءِ فِي الحَرْبِ ٣٠١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ -قَالَ، وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. [انظر: ٣٠١٤ - مسلم: ١٧٤٤ - فتح ٦/ ١٤٨]. حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟. ثم ساقه وقال مكان (فأنكر): (نهى). وأخرجه مسلم أيضًا، وقد عرفت فقهه في الباب قبله. قَالَ ابن بطال: ولا يجوز عند جميع العلماء قصد قتل نساء (الحرب) (١) ولا أطفالهم؛ لأنهم ليسوا ممن يقاتلون في الأغلب، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] وبذلك حكم الشارع في مغازيه أن تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية؛ لأنهم مال للمسلمين إذا سبوا (٢). قلتُ: قد حكى الحازمي عن قوم جواز قتلهم مطلقًا لكنه مصادم للنص (٣). واتفق الجمهور على جواز قتل النساء والصبيان إذا قاتلوا (٤)، وهو

стр. 10681

قول الأربعة والليث والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور (١)، وقال الحسن البصري: إن قاتلت المرأة وخرجت معهم إلى ديارالمسلمين قتلت، وقد قتل الشارع يوم قريظة والخندق أم قرفة (٢)، وقتل يوم الفتح قينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ (٣). فرع: اتفق مالك والكوفيون والأوزاعي والليث أنه لا تقتل الشيوخ ولا الرهبان (٤)، وأجاز قتلهم الشافعي في أحد قوليه (٥) (٦)، واحتج بأن الشارع أمر بقتل دريد بن الصمة يوم حنين (٧)، وقام الإجماع على أن من قاتل من الشيوخ قتل، نعم في حديث بريدة مرفوعًا: "لا تقتلوا شيخًا كبيرًا" (٨)، وحديث المرقع بن صيفي في المرأة المقتولة "ما كانت هذِه تقاتل" (٩)، وهو قال على أن من أبيح قتله هو الذي يقاتل، ويجمع بينهما بأن النهي من الشارع في قتل الشيوخ هم الذين لا معونة لهم على شيء من أمر الحرب من قتال ولا رأي.

стр. 10682

وحديث دريد في الشيوخ الذين لهم معونة في الحرب كما كان لدريد، فلا بأس بقتلهم وإن لم يكونوا مقاتلين؛ لأن تلك المعونة أشد من كثير من القتال، وهذا قول محمد بن الحسن، وهو قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف (١). تنبيهات: أحدها: محل قتلهن إذا قاتلن هو ما إذا كان بالسيف والرمح ونحوهما، فإن قاتلن بالرمي بالحجارة فقال ابن حبيب: لا يقتلن إلا إذا قتلن وإن أسرن، إلا أن يرى الإمام إبقاءها، ومثلها الصبي. وقال سحنون: من رمت منهن بالحجر رميت به وإن قتلت به، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى: ٤١] وإذا وجب قتلهن وقدر عليهن بعد أسرهن فقال ابن القاسم: يقتلن بالأسر كما لو قتل أحدًا من المسلمين. وقال غيره: لا؛ لأنهن ممن يقر على غير جزية؛ فلم يجز قتلهن بالأسر كما لو لم يقاتلن، فإن حاربت المرأة، فقال سحنون: لا تقتل (٢). وقال الأوزاعي تقتل. ثانيها: ثبت في مسلم من حديث بريدة: "اغزوا ولا تقتلوا وليدًا" (٣) وفي الترمذي من حديث سمرة مرفوعًا: "اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم" ثم قَالَ: حسن صحيح غريب (٤)، وفي النسائي عن ابن عباس: إنه ﷺ لم يقتلهم فلا تقتلوهم يقوله لنجدة الحروري (٥)

стр. 10683

وقد عرفت وجه ذَلِكَ، وتمسك أبو حنيفة بعموم هذِه الأحاديث في قتل المرتدة (١). ثالثها: إذا تترس الكفار بصبيانهم أو نسائهم ولا يستطيع المسلمون رميهم إلا بإصابة أولئك. فقَالَ مالك: يحرم رميهم، وكذا إذا تحصنوا بحصن أو سفينة فحرام خرق السفينة، ورمي الحصين إذا خيف تلفهما، وقال الشافعي وأبو حنيفة: يجوز؛ فالنهي عند القصد، أما إذا قصد غيرهم ولا يمكن إلا بتلفهما فلا بأس بذلك (٢). رابعها: قوله في الباب الماضي: (سئل عن أهل الدار). هذا هو الموجود في سائر نسخ البخاري: (الدار). وهو رواية الجمهور في مسلم، وصوبه القاضي قَالَ: وأما الذراري بتشديد الياء على التصحيح، وقد تخفف فليست بشيء، وهي تصحيف وما بعده يبين الغلط (٣)، وجعل النووي أيضًا لها وجهًا (٤). خامسها: معنى البيات في الباب الماضي أن يغار عليهم ليلاً فلا يعرف رجل من امرأة. قَالَ الحازمي: ورأى بعضهم حديث الصعب منسوخًا؛ ومنهم ابن عيينة والزهري بحديث الأسود بن سريع: "ألا لا تقتلن ذرية". وبحديث كعب بن مالك: نهى عن قتل النساء والولدان، إذ بعث إلى ابن أبي الحقيق. قَالَ الشافعي (٥):

стр. 10684

وحديث الصعب كان في عمرة النبي ﷺ ، فإن كان في الأولى فقتل ابن أبي الحقيق قبلها أو في سنتها، وإن كان في عمرته الأخيرة فهي بعد ابن أبي الحقيق بلا شك. قَالَ: ولم نعلمه رخص في قتل النساء والصبيان ثم نهى عنه (١). قلتُ: حديث الصعب كان في عمرة القضية، جاء ذَلِكَ مصرحًا به في عدة أحاديث وجمع بعضهم مما رواه رباح بن الربيع أخي حنظلة الكاتب: رأى النبي ﷺ امرأة مقتولة في غزوة فقال: "ما كانت هذِه تقاتل" ثم قَالَ لرجل: "الحَقْ خالدًا فلا يَقْتُلن ذرية ولا عسيفا" أخرجه أبو داود (٢)، (ورواه) (٣) النسائي أيضًا من حديث أخيه حنظلة بمثله (٤)، وهو واضح في تأخره عن حديث الصعب، لأن خالدًا كان مع رسول الله ﷺ مقاتلًا سنة ثمان، وروى ابن المنذر عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ مر بامرأة مقتولة يوم الخندق فقال: "من قتل هذِه؟ " قَالَ رجل: أنا. قَالَ: "ولم؟ " قَالَ: نازعتني قائم سقي. قَالَ: فسكت. وفي أبي داود: قتل ﷺ امرأة من بني قريظة لحدث أحدثته من جملة من قتل من رجالهم (٥)، وذكر ابن إسحاق أنه ﷺ إنما قتلها بطرحها رحى على خلاد بن سويد (٦). سادسها: حديث: "لا حمى إلا لله ورسوله" سلف شرحه في موضعه.

стр. 10685

١٤٩ - باب لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللهِ ٣٠١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ «إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ الله، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا». [انظر: ٢٩٥٤ - فتح ٦/ ١٤٩] ٣٠١٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَلِيًّا ﵁ حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ». وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». [٦٩٢٢ - فتح ٦/ ١٤٩] ذكرفيه حديث أبي هريرة ﵁ السالف في التوديع، وذكره هناك معلقًا وهنا مسندًا عن قتيبة، عن الليث، عن بكير. وحديث عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابن عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ". وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". قَالَ: المهلب: وليس نهيه عن التحريق على التحريم، وإنما هو على سبيل التواضع لله، وألا يتشبه بغضبه في تعذيب الخلق، إذ القتل يأتي على ما يأتي عليه الإحراق. والدليل على أنه ليس بحرام سمل الشارع أعين الرعاة بالنار، وتحريق الصديق الفجأة بالنار في مصلى المدينة بحضرة الصحابة، وتحريق علي الخوارج بالنار. وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها بالنار،

стр. 10686

وقول أكثرهم بتحريق المراكب (١)، وهذا كله يدل على أن معنى الحديث (على) (٢) الندب. وممن كره رمي أهل الشرك بالنار عمر وابن عباس وابن عبد العزيز، وهو قول مالك (٣)، وأجازه علي، وحرق خالد بن الوليد ناسًا من أهل الردة. فقال عمر للصديق: انزع هذا الذي يعذب بعذاب الله. فقال الصديق: لا أشيم سيفًا سله الله على المشركين. وأجاز الثوري رمي الحصون بالنار. وقَالَ الأوزاعي: لا بأس أن يدخن عليهم في المطمورة إن لم يكن فيها إلا المقاتلة ويحرقوا ويقتلوا كل قتال، ولو لقيناهم في البحر رميناهم بالنفط والقطران (٤). وأجاز ابن القاسم حرق الحصين والمراكب إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة فقط (٥). وقوله: ("من بدل دينه فاقتلوه") احتج من لا يستتيب المرتد، وهو ابن الماجشون. وجمهور الفقهاء على استتابته ثلاثًا فإن تاب قبلت توبته، ويحتج به الشافعي في قوله: من انتقل من كفر إلى كفر (أنه يقتل) (٦) إن لم يسلم، ويحتج به أيضًا كقتل المرتدة (٧) تفريعًا على أن (من) للعموم، وقال أبو حنيفة: لا بل تحبس (٨).

стр. 10687

١٥٠ - باب ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فِيهِ حَدِيثُ ثُمَامَةَ، أي السالف في الصلاة (١) وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ يغلب الآيَةَ [الأنفال: ٦٧] [فتح ٦/ ١٥١] اختلف العلماء في حكم الأسرى؛ من أجل اختلافهم في تأويل الآية التي ترجم بها البخاري، فقال السدي وابن جريج: نسختها آية السيف (٢): ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال السدي: نسختها ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] (٣)، وروي عن الصديق أنه لا يفادي بأسير المشركين وإن أعطي فيه كذا وكذا مديًا من مال الله (٤)، وهذا مخالف عنه فيما سيأتي من إشارته ذَلِكَ في أسارى بدر. وقال الزهري: كتب عمر بن الخطاب: اقتلوا كل من جرت عليه المواسي (٥). وهو قول الزهري ومجاهد، واعتلوا لإنكارهم إطلاق الأسرى بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيات، قالوا: فأنكر الله إطلاق أسرى بدر على نبيه على الفداء، فغير جائز لأحد أن يتقدم على فعله، وسنة الله في أهل الكفر إن كانوا من أهل الأوثان فقتلهم على كل حال، قَالَ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وإن كانوا من أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، فأما إطلاقهم

стр. 10688

على فداء يؤخذ منه فتقوية لهم. وقال الضحاك: قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ ناسخًا لقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١)، ويروى مثله عن ابن عمر (٢) وقال: أليس بهذا أمرنا الله، قَالَ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] وهو قول عطاء (٣) والشعبي والحسن البصري كرهوا قتل الأسير، وقالوا: مُنَّ عليه أو فاده، وبمثل هذا استدل الطحاوي فقال: ظاهر الآية يقتضي السنن أو الفداء ويمنع القتل (٤). قالوا: ولو كان لنا من قتلهم بعد الإثخان والأسار ما لنا قتله لم يفهم قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فدل أن حكم الكافر بعد الاستيثاق والأسر خلاف حكمه قبل ذلك. قَالَ أبو عبيد: والقول عندنا في ذَلِكَ أن الآيات جميعًا محكمات لا منسوخ فيهن، يبين ذَلِكَ ما كان من أحكام رسول الله ﷺ الماضية فيهم، وذلك أنه عمل بالآيات كلها من القتل والمن والفداء حَتَّى توفاه الله على ذَلِكَ، فكان أول أحكامه فيهم يوم بدر فعمل بها كلها يومئذ، بدأ بالقتل فقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث في قفوله، ثم قدم المدينة فحكم في سائرهم بالفداء، ثم حكم يوم الخندق سعد بن معاذ فقتل المقاتلة وسبي الذرية، فصوَّبه ﷺ وأمضاه، ثم كانت غزاة بني المصطلق وهي جويرية بنت الحارث فاستحياهم جميعًا وأعتقهم، ثم كان فتح مكة فأمر بقتل ابن خطل

стр. 10689

ومقيس والقينتين وأطلق الباقين، ثم كانت حنين فسبى هوازن ومنَّ عليهم وقتل أبا عزة الجمحي يوم أحد، وقد كان منَّ عليه يوم بدر، وأطلق ثمامة بن أثال، فكانت هذِه أحكامه ﷺ بالمن والفداء والقتل، فليس شيء منها منسوخًا، والأمور فيهم إلى الإمام، وهو مخير بين القتل والمن والفداء يفعل الأفضل في ذَلِكَ للإسلام وأهله، وهو قول مالك (١) والشافعي (٢) وأحمد وأبي ثور. قَالَ المهلب: وأما قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فإنها نزلت في أسرى بدر أخذ فيهم برأي الصديق في استحيائهم وقبوله الفداء فيهم، وكان عمر أشار عليه بقتلهم، وأشار عليه غيره بحرقهم استبلاغًا فيهم، فبات رسول الله ﷺ يرى رأيه في ذَلِكَ، وكان أول وقعة أوقعها الله بالكفار فأراد الله أن يكسر شوكتهم بقتلهم، فعاتب الله نبيه وأنزل عليه الآية: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ يعني: الفداء ﴿وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] إعلاء كلمته وإظهار دينه بقتلهم، فقال ﷺ : "لو نزلت آية عذاب ما نجا منه غير عمر"؛ لأنهم طلبوا الفداء وكانت الغنائم محرمة عليهم (٣). وقال الطبري (٤) في قوله: "لو نزلت آية عذاب" إلى آخره وقوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] الآية، إن قيل: كيف استحقوا هذِه اللائمة العظيمة؟ فالجواب أنه ﷺ ومن شهد معه بدرًا لم يخالفوا أمر ربهم فيستوجبوا اللائمة، وأن الذين اختاروا فداء. الأسرى على

стр. 10690

قتلهم اختاروا أوهن الرأيين في التدبير على أحزمهما وأقلهما نكاية في العدو، فعاتبهم الله على ذَلِكَ وأخبرهم أن الأنبياء قبله لم تكن الغنائم حلالاً لهم فكانوا يقتلون من حاربوا ولا يأسرونه على طلب الفداء، فالمعنى: لولا قضاء من الله سبق أنه يحل لكم الغنيمة ولا يعذب من شهد بدرًا لمسكم فيما أخذتم من الفداء عذاب عظيم. وفي حديث ثمامة من الفقه: جواز المن على الأسير بغير مال، وهو قول الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد (١) وأبى ثور، وقالوا: لا بأس أن يفادوا بأسرى المسلمين وبالمال أيضًا. وقال الطحاوي: اختلف في هذِه المسألة قول أبي حنيفة، فروي عنه أن الأسارى لا يفادى بهم ولا يردون حربًا؛ لأن في ذَلِكَ قوة لأهل الحرب، وإنما يفادون بالمال، وما سواه مما لا قوة لهم فيه، وروي عنه أنه لا بأس أن يفادى بالمشركين أسارى المسلمين، وهو قول صاحبيه (٢) ورأى أبو حنيفة أن المن منسوخ، وقيل: كان خاصًّا برسول الله ﷺ . قَالَ ابن القصار: ومما يرد عليه أنا اتفقنا معه على أن مكة فتحت عنوة، وأنه ﷺ منَّ عليهم بغير شيء كما فعل بثمامة (٣). ولخص الخلاف في المسألة النحاس فقال: في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] للعلماء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها منسوخة، ولا يحل قتل أسير صبرًا وإنما يمن عليه أو يفدى، وناسخها قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ [محمد: ٤] قَالَ: الحسن والضحاك والسدي وعطاء، زاد الطبري والشعبي كما سلف.

стр. 10691

ثانيها: تعين القتل في الأسرى، والآية ناسخة لقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ [محمد: ٤] وهو قول قتادة، ويروى عن مجاهد. ثالثها: أنهما محكمتان، وهو قول ابن زيد، وهو صحيح بين؛ لأن إحداهما لا تنفي الأخرى ينظر الإمام في ذَلِكَ ما يراه مصلحة من الأمور الثلاثة السالفة (١). فائدة: قَالَ الداودي: لما ذكر الآية (التي) (٢) في البخاري، وفيه: قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ [الأنفال: ٧٠]. ثانية: قَالَ مجاهد: الإثخان: القتل (٣). وقيل: حَتَّى يبالغ في قتل أعدائه. وقيل: حَتَّى يتمكن في الأرض. والإثخان في اللغة: القوة والشدة. ثالثة: حاصل ما سلف أن من منع القتل شاذ، وأن الذي عليه كافة الفقهاء الجواز، وكذا المن والفداء جائزان عند الثلاثة، خلافًا لأحد قولي أبي حنيفة، والآية في السنن والفداء صريح، وكذا المنُّ على ثمامة، فالإمام غير في الرجال المقاتلة بين خمسة أشياء: الجزية، أو القتل، أو الاسترقاق، أو المن، أو الفداء، وفي النساء والصبيان بين ثلاثة: المن، والفداء، والاسترقاق.

стр. 10692

١٥١ - باب هَلْ لِلأسَيِر أَنْ يَقْتُلَ أَوَ يَخْدَعَ الذِينَ أَسَرُوهُ حَتَّى يَنْجُوَ مِنَ الكَفَرَةِ ؟ فِيهِ المِسْوَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . هذا الحديث المراد به قصة صلح الحديبية، وقد أسنده البخاري في الشروط كما سلف (١) وغيره أيضًا، وموضع الحاجة منه: قول أبي بصير لأحد الرجلين في سيفه وضربه حَتَّى برد وفر الآخر. واختلف العلماء في الأسير هل له أن يقتل المشركين أو يخدعهم حَتَّى ينجو منهم؟ فقالت طائفة من العلماء: لا ينبغي للأسير المقام بدار الحرب إذا أمكنه الخروج، وإن لم يتخلص منهم إلا بقتلهم وأخذ أموالهم وإحراق دورهم فعل ما شاء من ذَلِكَ، وهو قول أبي حنيفة والطبري. وقال أشهب: إن خرج به العلج في الحديد ليفادى به فله أن يقتله إن أمكنه ذَلِكَ وينجو. واختلفوا إذا أمنوه وعاهدهم على أن لا يهرب، فقال الكوفيون: إعطاؤه العهد على ذلك لا يلزم، وقال الشافعي (٢): له أن يخرج ولا يأخذ شيئًا من أموالهم؛ لأنه قد أمنهم بذلك كما أمنوه. وقال مالك (٣): إن عاهدهم على ذَلِكَ لا يجوز أن يهرب إلا بإذنهم، وهو قول سحنون وابن المواز، قَالَ ابن المواز: وهذا بخلاف ما إذا أجبروه أن يحلف ألا يهرب بطلاق أو عتاق أنه لا يلزمه؛ وذلك لأنه مكروه، ورواه أبو زيد، عن ابن القاسم (٤)، وقال غيره: لا معنى لمن

стр. 10693

فرق بين يمينه ووعده أن لا يهرب؛ لأن حاله حال المكره حلف لهم أو وعدهم أو عاهدهم، سواءً أمنوه أو خافوه؛ لأن الله تعالى فرض على المؤمن ألا يبقى تحت أحكام الكفار، وأوجب عليه الهجرة من دارهم، فخروجه على كل وجه جائز، والحجة في ذَلِكَ خروج أبي بصير وتصويب النبي ﷺ فعله ورضاه به.

стр. 10694

١٥٢ - باب إِذَا حَرَّقَ المُشْرِكُ المُسْلِمَ هَل يُحَرَّقُ ٣٠١٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْغِنَا رِسْلاً. قَالَ: «مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلاَّ أَنْ تَلْحَقُوا بِالذَّوْدِ». فَانْطَلَقُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، فَأَتَى الصَّرِيخُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ، فَمَا تَرَجَّلَ النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِهَا، وَطَرَحَهُمْ بِالْحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ قَتَلُوا وَسَرَقُوا وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ وَسَعَوْا فِي الأَرْضِ فَسَادًا. [انظر: ٢٣٣ - مسلم: ١٦٧١ - فتح ٦/ ١٥٣] ذكر فيه حديث أنس في العرنيين. وفيه: تسميل العين، وقد سلف الحديث في الطهارة، ولم يذكر البخاري هنا أنهم سملوا أعين الرعاة، قَالَ ابن بطال: وهو يدل أن ذَلِكَ كان من فعلهم مروي إلا أن طرق ذَلِكَ ليست من شرط كتابه، وله طرق ذكرتها في المحاربين (١)، (قال): (٢) وقد يخرج معنى الترجمة من هذا الحديث بالدليل لو لم (يصح سمل) (٣) العرنيين للرعاء وذلك أنه ﷺ لما سمل أعينهم -والسمل تحريق بالنار- استدل منه البخاري أنه لما جاز تحريق أعينهم بالنار ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاء أنه أولى بالجواز في تحريق المشرك إذا حرق المسلم (٤)،

стр. 10695

وهو كما قَالَ، وهو ما رد به ابن التين على قول الداودي: ليس ما ذكره في الحديث يحتمل أن (يريد) (١) أن المسامير لما أحميت وكحلوا بها -وكانوا فعلوا بالرعاء مثل ذَلِكَ- كان ذَلِكَ كالإحراق، وروى سحنون عن ابن القاسم (٢): أنه لا بأس برمي المراكب من مراكب العدو بالنار إذا بدءوا بالرمي، وإن كان فيهم أسرى مسلمين نساء وصبيان لهم. و (عكل) -بإسكان الكاف- قبيل من العرب من مزينة، وصرح هنا بأنهم ثمانية. ومعنى: (اجتووا المدينة): كرهوها، وهو أفعل من جوى يجوى إذا كره، وقيل معناه: استوخموها. وكذا هو في موضع آخر من البخاري: استوخموا المدينة (٣). قَالَ ابن فارس: اجتويت البلاد إذا كرهتها وإن كنت في نعمة، وجوى من ذلك (٤). و (ابغِنا رِسْلا): اطلبه لنا. يقال: بغيتك الشيء طلبته لك، وأبغيتك: أعنتك على طلبه. و (الرسل) -بكسر الراء- اللبن والذود من الإبل من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: يطلق في اللغة على الواحد، وجاء مصرحًا أنها من الصدقة، وشربهم من أبوالها من باب التداوي. وفي أبوالها خلاف في الطهارة قَالَ الداودي: من قَالَ: إنها غير طاهرة لا نص معه ولا إجماع، وهذا يعكس عليه كما نبه عليه ابن التين.

стр. 10696

و (الصريخ): المخبر، وفيه طلب المحاربين. وقوله: (فما ترجل النهار) أي: ما ذهب منه كثير شيء؛ لأن معنى ترجل: ارتفع. وقوله: (فأحميت). كذا وقع رباعيًّا وهو الصواب في اللغة، ولا يقال: فحميت ثلاثيًّا وإنما فعل ذَلِكَ بهم؛ لما في رواية سليمان التيمي، عن أنس: كانوا فعلوا بالرعاء مثل ذَلِكَ (١)، وذلك جائز من باب المماثلة. و (الحرة): موضع بالمدينة، قاله الداودي، وقال ابن الأعرابي: الحرة: حجارة سود (بين جبلين، وجمعها حِرَة وحرات وحرار وإحرون، وقال ابن فارس: الحرة أرض ذات حجارة سود) (٢) (٣). وقول أبي قلابة: (قتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادًا). ليس هذِه سرقة إنما هذِه حرابة، وكان أبو قلابة من جلة أهل الشام، وكان أكثر التابعين كتبًا، لما توفي أوصى بكتبه لأيوب، فوصل إليه منها حمل بغل، وعاب مالك كثير كتبه، وقال له عمر بن عبد العزيز في مرض موته: تشدد يا أبا قلابة لا تشمت بنا المنافقين (٤). وكان هذا حكم المحاربين فنسخه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣٣].

стр. 10697

١٥٣ - باب ٣٠١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ؟!». [٣٣١٩ - مسلم: ٢٢٤١ - فتح ٦/ ١٥٤] ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبيًّا مِنَ الأنبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِق، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ؟! ". هذا الحديث سبق أيضًا والكلام عليه، وهو في معنى ما ترجم له أولاً، فلهذا لم يصرح فيه بترجمة، وهو دال على جواز التحريق؛ لأن الله تعالى إنما عاتبه على تحريق جماعة النمل التي لم تقرصه، ولم يعلم أن ذَلِكَ من فعله حرام. ولا أنه أتى كبيرة فيلزمه التوبة منها لقيام العصمة بهم، وقد سلف من أجاز التحريق بالنار قريبًا. قَالَ الداودي: وفيه: جواز الصغائر عليهم، وقيل: لا يلزم لإمكان أن يكون لم يتقدم في ذَلِكَ نهي، وفيه أنه يعتريهم الغضب. وفيه: كراهة إحراق الحيوان، وليس مخالفا لما أسلفته من عدم التحريم، وفيه تسبيح النمل، وفي رواية: "هلَّا نملة واحدة" (١). قَالَ ابن التين: وهو دليل لمن قَالَ: لا يحرق النحل. وأجازه ابن حبيب (٢)، فأما إن أدت ضرورة إلى ذَلِكَ فجائز أن يفرق أو يحرق ليكتفي أذاها أو يتناول ما في أجناح النحل.

стр. 10698

١٥٤ - باب حَرْقِ الدُّورِ وَالنَّخِيلِ ٣٠٢٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: قَالَ لِي جَرِيرٌ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟». وَكَانَ بَيْتًا فِي خَثْعَمَ يُسَمَّى كَعْبَةَ اليَمَانِيَةَ قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ قَالَ: وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا». فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُخْبِرُهُ فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْوَفُ أَوْ: أَجْرَبُ. قَالَ: فَبَارَكَ فِي خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ. [٣٠٣٦، ٣٠٧٦، ٣٨٢٣، ٤٣٥٥، ٤٣٥٦، ٤٣٥٧، ٦٠٩٠، ٦٣٣٣ - مسلم: ٢٤٧٥، ٢٤٧٦ - فتح ٦/ ١٥٤] ٣٠٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ حَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ. [انظر: ٢٣٢٦ - مسلم: ١٧٤٦ - فتح ٦/ ١٥٤] ذكر فيه حديث جرير: قَالَ: لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟ .. ". الحديث إلى أن قال: فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا. وحديث ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ. الكلام عليهما؛ أما حديث جرير فمن وجوه: أحدها: الترجمة أعم إذ المحرق بيت الصنم لا بيت السكنى، وترجم عليه البخاري فيما سيأتي باب من لا يثبت على الخيل (١)؛ لأجل قوله فيه: "اللَهُمَّ ثبته واجعله هاديًا مهديا" ووجه دخولها في الأحكام أن

стр. 10699

الحديث يدل على فضيلة ركوب الخيل والثبوت عليها. و ("هاديًا مهديا") من باب التقديم والتأخير؛ لأنه لا يكون هاديًا لغيره إلا بعد أن يهتدي هو فيكون مهديا، وببركة دعائه ﷺ ما سقط بعد ذَلِكَ عن فرس. ثانيها: معنى: "ألا تريحني" تريح سري، و (ذو الخلصة): اسم لذلك البيت لقوله: (وكان بيتًا في خثعم) يسمى: كعبة اليمانية. وقيده أبو الوليد الوقشي بفتح الخاء وإسكان اللام، والذي نحفظه بفتحهما، وهو ما ضبطه الدمياطي بخطه في الأصل، وستأتي زيادة على ذَلِكَ في أثناء الباب، وهو بيت باليمن ببلاد دوس بنته خثعم لتحج إليه وتطوف عنده وتنحر، وقيل: الخلصة: اسم للبنية. وقيل: اسم للصنم وعمل موضعه لما أخرب مسجد، ويسمى مسجد العبلا. وقوله: (كعبة اليمانية) من إضافة الموصوف إلى صفته، جوزه الكوفيون، وقدر فيه البصريون حذفًا أي: كعبة الجهة اليمانية؛ لأنها باليمن، ضاهوا بها الكعبة، وفي رواية: الكعبة اليمانية، والكعبة الشامية. وفي بعض النسخ بحذف الواو بينهما، أي: يقالان لموضعين فاليمانية لخثعم والشامية الكعبة الحرام المشرفة. وخثعم قبيل من قحطان، وهو أقتل، وقيل: أقبل بقاف ثم باء موحدة ابن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت. ورسول جرير اسمه: حصين بن ربيعة أبو أرطأة، كذا جاء مصرحًا به في بعض الروايات (١)، وروي: حسين، والصواب الأول كما قاله

стр. 10700

عياض (١). و (أحمس) -بالحاء المهملة- قبيل من العرب، وهو ابن الغوث بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وأرسل جرير يهدمها ليكون إنكاء لمن كان يعبدها؛ لأن هذا القريب ممن اتخذها أولاً، ولي هدمها؛ لما وضح له وثبت في قلبه من سفه من اتخذها، وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حَتَّى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة" وكانت صنمًا تعبدها دوس في الجاهلية (٢). قَال ابن دحية: قيل: هو بيت أصنام كان لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم. وقيل: هو صنم كان لعمرو بن لحي نصبه بأسفل مكة حين نصب الأصنام، فكانوا يلبسونه القلائد ويعلقون عليه بيض النعام ويذبحون عنده. وعند أبي حنيفة: الخلصة: نبت طيب الريح يتعلق بالشجر له حب. وجمع الخلصة: خلص. قَالَ السهيلي: وهو بضم الخاء واللام، وفتحهما ابن إسحاق قَالَ: وبعث جرير كان قبل وفاته ﷺ بشهرين (٣)، وفي "الزاهر" كان المبرد يرويه بضم الخاء، والمعروف فتح اللام. قَال ابن السيد في كتاب "الفَرْق": وسكنه امرؤ القيس في قوله: لو كنت يا ذا الخلْصة الموتورا

стр. 10701

للضرورة، وأنشده ابن إسحاق وغيره: الخلص بغير هاء. وضرب الشارع صدره لأن فيه القلب. و (كسرها) أي: هدمها. وفيه:- توجيه من يريح من النوازل، وجواز هتك ما افتتن الناس به من بناء أو إنسان أو حيوان أو غيره، وقبول خبر الواحد. وقوله: (تركتها كأنها جمل أجوف أو أجرب). هو عبارة عن خرابها وهدمها. وقال الداودي: معنى (أجوف): أنها أحرقت، فسقط السقف وبعض البناء وما كان فيها من كسوة، وبقيت خاوية على عروشها. ومعنى (أجرب): شبهها حين ذهب سقفها وكسوتها وأعالي جدرانها بالجمل الذي زال شعره و (نفض) (١) جلده من الجرب وصار إلى الهزال. وفيه: الدعاء للجيش إذا بعث وكونه وترًا؛ لقوله: (فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات). وفيه: بركة دعوته ﷺ وفيه: البشارة في الفتوح. وأما حديث ابن عمر فهو دال على أن للمسلمين أن يكيدوا عدوهم من المشركين بكل ما فيه من تضعيف شوكتهم، وتهوين كيدهم وتسهيل الوصول إلى الظفر بهم، من قطع ثمارهم، (وتغوير) (٢) مياههم، والحول بينهم وبين ما يتغذون به من الأطعمة والأشربة، والتضييق عليهم بالحصار، وذلك أنه ﷺ لما أمر بتحريق نخل بني النضير كان معلومًا

стр. 10702

أن كل ما كان نظير ذَلِكَ من قطع أسباب معاشهم وتغوير مياههم فجائز فعله بهم، وقد روي عن علي ﵁ أنه ﷺ أمره أن (يغور) (١) مياه بدر، قاله الطبري. وفيه: الدلالة الواضحة على إباحة إضرام النيران في حصونهم ونصب (الماجنيق) (٢) عليهم ورميهم بالحجارة، وذلك في الضرر كالنار ونحوه. وقد اختلف العلماء في قطع شجر المشركين وتخريب ديارهم فرخصت في ذَلِكَ طائفة، وكرهته أخرى، فممن أجازه مالك (٣) والكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري (٤) وابن القاسم (٥)، قَال الكوفيون: يحرق شجرهم وتخرب (بلادهم) (٦) وتذبح الأنعام وتحرق إذا لم يمكن إخراجها. وقال مالك: يحرق النخل ولا تعرقب المواشي. وقال الشافعي: يحرق الشجر المثمر والبيوت، وأكره تحريق الزرع والكلأ. وأما من كره ذَلِكَ فروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن الصديق قَال في وصية الجيش الذي وجهه إلى الشام: لا تغرقن نخلًا ولا تحرقنها ولا تعقروا بهيمة ولا شجرة مثمرة ولا تهدموا بيعة (٧). وقال الليث: أكره حرق النخل والشجر المثمر ولا تعرقب بهيمة، ونحوه قول الأوزاعي في

стр. 10703

رواية، وبه قَالَ الليث وأبو ثور (١). وحجة من أجاز تحريقها الكتاب والسنة، قَالَ تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] الآية. قَالَ ابن عباس: اللينة: النخلة والشجرة (٢)، ولأبي داود أنه ﷺ عهد إلى أسامة: أن اغز على أهل أُبْنى صباحًا وحرق (٣). وقال ابن إسحاق: التحريق سنة إذا كان إنكاء للعدو. وحديث جرير وابن عمر شهد لصحة هذا القول، وأجيب عن أثر الصديق: أولاً: بإرساله كما قَالَ الطحاوي؛ لأن سعيد بن المسيب لم يولد في أيام الصديق. وثانيًا: أنه إنما نهى (لأجل) (٤) أنه ﷺ أخبر بفتحها، وكان المسلمون أشرفوا على الغلبة ولم يبق فيهم كبير منعة. وثالثًا: للطبري: أن النهي عند القصد والتعمد، فأما إذا أصابه التحريق والغرق في خلال الإغارة فلا يدخل في النهي كما في قتل النساء والصبيان، فإنه قد نصب المنجنيق على الطائف، ولا شك أن حجارته إذا وقعت في الحصين ربما أصابت المرأة والطفل، فلو كان سبيل ما أصابه ذَلِكَ سبيل ما أصاب الرامي بيده متعمدًا، كان ﷺ لا ينصبه خشية أن تصيب حجارته مَن نهى عن قتله، فلما فعل ذَلِكَ وأباحه لأمته كان مخالفًا سبيل القصد والعمد في ذلك. واختلفوا إذا غنم المسلمون مواشي الكفار ودوابهم وخافوا من كثرة

стр. 10704

عددهم وأخذها، فقال مالك (١) وأبو حنيفة (٢): تعرقب وتعقر حَتَّى لا ينتفعوا بها. وقال الشافعي (٣): لا يحل قتلها ولا عقرها ولكن تخلى. واحتج ابن القصار في ذَلِكَ فقال: لا خلاف بيننا أن المشرك لو كان راكبًا لجاز لنا أن نعرقب ما تحته ونقتله لنتوصل بذلك إلى قتله، فكذلك إذا لم يكن راكبًا، وكذلك فعل ما فيه توهينهم وضعفهم بمنزلة واحدة ألا ترى أن قطع شجرهم وإتلاف زروعهم يجوز؛ لأن في ذَلِكَ ضعفهم وتلفهم، فكذلك خيلهم ومواشيهم، وقد مدح الله تعالى من فعل ذَلِكَ فقال: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] فهو عام في جميع ما ينالونه، ولما كانت نفوسهم وأموالهم سواء في استحلالنا إياهم ثم جاز قتلهم إذا لم يتمكن من أسرهم، كذلك يجوز إتلاف أموالهم التي يتقوون بها. والحاصل أن ما كان فيه وهنًا لهم جاز لنا فعله، وإن كنا نرجو الظفر بها بعد طول؛ لما فيه من إبطاء الظفر بهم، وقد انقطع الحرب عن بني النضير وجلوا بغير قتال، فقسم رسول الله ﷺ ما سوى الرباع من أموالهم، وبقيت الرباع خالصة لرسول الله ﷺ ، وهي التي ولي العباس وعلي، دفعها إليهما عمر.

стр. 10705

١٥٥ - باب قَتْلِ النَّائِمِ المُشْرِكِ ٣٠٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ لِيَقْتُلُوهُ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَدَخَلَ حِصْنَهُمْ قَالَ: فَدَخَلْتُ فِي مَرْبِطِ دَوَابَّ لَهُمْ، قَالَ: وَأَغْلَقُوا بَابَ الحِصْنِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ، فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ، فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ أُرِيهِمْ أَنَّنِي أَطْلُبُهُ مَعَهُمْ، فَوَجَدُوا الحِمَارَ، فَدَخَلُوا وَدَخَلْتُ، وَأَغْلَقُوا بَابَ الحِصْنِ لَيْلاً، فَوَضَعُوا المَفَاتِيحَ فِي كَوَّةٍ حَيْثُ أَرَاهَا، فَلَمَّا نَامُوا أَخَذْتُ الْمَفَاتِيحَ، فَفَتَحْتُ بَابَ الحِصْنِ ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ. فَأَجَابَنِي، فَتَعَمَّدْتُ الصَّوْتَ، فَضَرَبْتُهُ فَصَاحَ، فَخَرَجْتُ ثُمَّ جِئْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ كَأَنِّي مُغِيثٌ فَقُلْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ، وَغَيَّرْتُ صَوْتِي، فَقَالَ: مَا لَكَ؟ لأُمِّكَ الوَيْلُ قُلْتُ: مَا شَأْنُكَ قَالَ: لَا أَدْرِي مَنْ دَخَلَ عَلَيَّ فَضَرَبَنِي. قَالَ: فَوَضَعْتُ سَيْفِي فِي بَطْنِهِ، ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى قَرَعَ العَظْمَ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَأَنَا دَهِشٌ، فَأَتَيْتُ سُلَّمًا لَهُمْ لأَنْزِلَ مِنْهُ فَوَقَعْتُ فَوُثِئَتْ رِجْلِي، فَخَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِبَارِحٍ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى سَمِعْتُ نَعَايَا أَبِي رَافِعٍ تَاجِرِ أَهْلِ الحِجَازِ. قَالَ: فَقُمْتُ وَمَا بِي قَلَبَةٌ حَتَّى أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ. [٣٠٢٣، ٤٠٣٨، ٤٠٣٩، ٤٠٤٠ - فتح ٦/ ١٥٥] ٣٠٢٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلاً، فَقَتَلَهُ وَهْوَ نَائِمٌ. [انظر: ٣٠٢٢ - فتح ٦/ ١٥٥]. ذكر فيه حديث البراء في قصة قتل أبي رافع بطوله، ويأتي في المغازي (١).

стр. 10706

ثم ساق عن البراء أيضًا أن عبد الله بن عتيك دخل عليه بيته فقتله. وفي لفظ: كان ابن عتيك الأمير، وكان أبو رافع في حصنه بالحجاز (١). وفي لفظ: بعث ابن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم (٢). وهو من أفراد البخاري. قالَ البخاري لما ذكره في المغازي يعني: بني النضير وقبل أحد. اسم أبي رافع: عبد الله -ويقال: سلام- بن أبي الحقيق كان بخيبر، ويقال: بحصن له في أرض الحجاز. قَالَ الزهري: هو بعد كعب بن الأشرف يعني: بعد قتله. وفي "طبقات ابن سعد": كانت في رمضان سنة ست من الهجرة (٣). وقيل: في ذي الحجة سنة خمس. وفي "الإكليل": كان بعد بدر وقبل غزوة السويق. وقال النيسابوري: كانت قبل دومة الجندل. وقال ابن حبان: بعد بدر الموعد في آخر سنة أربع. وقال أبو معشر: بعد غزوة ذات الرقاع وقبل سرية عبد الله بن رواحة، وكان أبو رافع قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب وجعل لهم الجعل لحرب رسول الله ﷺ ، فبعث رسول الله ﷺ ابن عتيك وعبد الله بن أنيس وأبا قتادة والأسود بن خزاعي ومسعود بن سنان وأمرهم بقتله، فذهبوا إلى خيبر فكمنوا، فلما هدأت الرجل جاءوا إلى منزله فصعدوا درجة له، وقدموا عبد الله بن عتيك؛ لأنه كان يرطن باليهودية واستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية. ففتحت له امرأته، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشاروا إليها بالسيف فسكتت، فدخلوا

стр. 10707

عليه فما عرفوه إلا ببياضه كأنه قُبطية (١)، فعلوه بأسيافهم. قَالَ ابن أنيس: وكنت رجلاً أعشى لا أبصر فأتكئ بسيفي على بطنه حَتَّى سمعت حسه في الفراش وعرفت أنه قضى، وجعل القوم يضربونه جميعًا ثم نزلوا، وصاحت امرأته فتصايح أهل الدار، وأختبأ القوم في بعض مياه خيبر، وخرج الحارث أبو زينب في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران فلم يجدوهم فرجعوا، ومكث القوم في مكانهم يومين حَتَّى سكن الطلب ثم خرجوا إلى المدينة، وكلهم يدعي قتله، فأخذ رسول الله ﷺ أسيافهم فنظر إليها فإذا أثر (الطعام) (٢) في ذباب سيف ابن أنيس، فقال: "هذا قتله". وفي "سير ابن إسحاق": لما انقضى أمر الخندق وأمر بني قريظة، وكان أبو رافع ممن حزب الأحزاب على رسول الله استأذنت الخزرج في قتل سلام بن أبي الحقيق فأذن لهم، فخرجوا وفيهم فلان بن سلمة (٣). وفي "دلائل البيهقي": قتله ابن عتيك، وذفف عليه عبد الله بن أنيس (٤). وفي "الإكليل" حين ذكرهما إثر بدر الكبرى من جمادى الآخرة سنة ثلاث عن ابن أنيس قَالَ: ظهرت أنا وابن عتيك وقعد أصحابنا في الحائط، فاستأذن ابن عتيك. فقالت امرأة ابن أبي الحقيق: إن هذا لصوت ابن عتيك. فقال ابن أبي الحقيق: ثكلتك أمك، ابن عتيك

стр. 10708

بيثرب أنى هو عندك هذِه الساعة، فافتحي فإن الكريم لا يرد عن بابه هذِه الساعة أحدًا. ففتحت، فدخلت أنا وابن عتيك، فقال لابن عتيك: دونك، فشهرت عليها السيف، فأخذ ابن أبي الحقيق وسادة فاتقاني بها، فجعلت أريد أن (أضربه) (١) فلا أستطيع فوخزته بالسيف وخزًا ثم خرجت إلى ابن أنيس فقال: أقتلته؟ قلتُ: نعم. أخرجه من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أُبي بن كعب، عن أبيه، عن أمه بنت عبد الله بن أنيس عن أبيها. وعند ابن عقبة: وكان معهم أيضًا أسعد بن حرام حليف بني سوادة. قَالَ السهيلي: ولا نعرف أحدًا ذكره غيره (٢)، قلتُ: ذكره الحاكم أيضًا في "إكليله" عن الزهري، وعند الكلبي: عبد الله بن أنيس هو ابن أسعد بن حرام. وعند الواقدي: كانت أم ابن عتيك التي أرضعته يهودية بخيبر، فأرسل إليها يعلمها بمكانه، فخرجت إلينا بجراب مملوء تمرًا كبيسًا وخبزًا، ثم قَالَ لها: يا أماه أما لو أمسينا لبتنَا عندك، فأدخلينا خيبر. فقالت: وكيف تطيق خيبر وفيها أربعة آلاف مقاتل؟ ومن تريد فيها؟ قَالَ: أبا رافع. قالت: لا تقدر عليه (٣)؛ وفيه: قالت: فادخلوا عليَّ ليلاً. فدخلوا عليها ليلاً لما نام أهل خيبر في خمر الناس، وأعلمتهم أن أهل خيبر لا يغلقون عليهم أبوابهم فرقًا أن يطرقهم ضيف، فلما هدأت الرجل قَالَ: انطلقوا حَتَّى تستفتحوا على أبي رافع، فقولوا: إنا جئنا له بهدية، فإنهم سيفتحون لكم، فلما

стр. 10709

انتهوا عليه فخرج سهم ابن أنيس. وذكر البخاري سهم عبد الله بن عتبة؛ وفيه نظر، وأراد البخاري في الترجمة بالنائم: المضطجع. وإلا فلا مطابقة بينها وبين (الحديث) (١)، نبه عليه ابن المنير (٢)، وقال الإسماعيلي: هذا قبل يقظان نبه من (قومه) (٣). إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجوه: أحدها: فيه: كما قَالَ المهلب جواز الاغتيال على من أعان على رسول الله ﷺ بيد أو مال أو رأي، وكان أبو رافع يعادي رسول الله ﷺ ويؤلب الناس عليه كما مضى، وهذا من باب الحرب خدعة. ثانيها: فيه جواز التجسس على المشركين وطلب غرتهم. ثالثها: فيه الاغتيال بالحرب والإيهام بالقول. رابعها: فيه الأخذ بالشدة في الحرب والتعرض لعدد كثير من المشركين، والإلقاء إلى التهلكة باليد في سبيل الله، وأما الذي نهي عنه من ذَلِكَ فهو في الإنفاق في سبيل الله، ولئلا يخلي يده من المال فيموت جوعًا وضياعًا، وهي رحمة من الله ورخصه، ومن أخذ بالشدة فمباح له ذَلِكَ. وأحب إلينا ألا نأخذ بالشدة من المال لوقوع النهي فيه خاصة.

стр. 10710

خامسها: فيه: الحكم بالدليل المعروف والعلامة المعروفة على الشيء لحكم هذا الرجل بالناعية -وفي نسخة: الواعية- على موت أبي رافع ويصوبه أيضًا قَالَ صاحب "العين": الواعية: الصارخة التي تندب القتيل، والوعي للصوت، والوعي: جلبة وأصوات الكلاب في الصيد إذا انجدت (١). وقَالَ الداودي: الداعية: التي تدعو بالويل، وهي النائحة. وفي "الصحاح": الوغي مثل الوعي (٢). وقوله: (فما برحت حَتَّى سمعت نعايا أبي رافع)، كذا الرواية وصوابه نعاي من غير ألف، كذا نقله النحاة أي: انع أبا رافع. جعل دلالة الأمر فيه وعلامة الجزم آخره بغير تنوين كما قالت العرب في نظير ذَلِكَ من أدركها: دراكها، ومن فطمت: فطام. وزعم سيبويه أنه يطرد هذا الباب في الأفعال الثلاثية كلها أن يقال فيها: فعال بمعنى افعل نحو حذَار ومناع ونزال، كما يقول: أنزل احذر وامنع (٣). قَالَ الأصمعي: كانت العرب إذا مات فيها ميت له قدر ركب راكب فرسًا وجعل يسير في الناس ويقول: نعاء فلانًا أي: انعه وأظهر خبر وفاته (٤). قَالَ أبو نصر: وهي مبنية على الكسر. وقال الداودي: نعايا جمع ناعية، والأظهر أنه جمع: نعي، مثل: صفي صفايا. قَالَ ابن فارس (٥): النعي خبر الموت، وكذلك الناعي يقال له:

стр. 10711

نعي. وقول الخطابي: هو مثل دراك أي: أدركوا، فمعناه: انعوا أبا رافع (١). إنما يصح لو قَالَ: نعا أبا رافع. قَالَ الأصمعي: وإنما هو يا نعاء العرب تأويلها انع العرب (٢). سادسها: قوله: (وما بي قلبة). قَالَ الفراء: أصله من القلاب وهو داء يصيب الإبل. وزاد الأصمعي: تموت من يومها به، فقيل ذَلِكَ لكل سالم ليس به علة. وقال ابن الأعرابي: معناه: ليست به علة يقلب لها فينظر إليه (٣)، وأصل ذَلِكَ في الدواب. وذكر المفضل بن سلمة في كتاب "الفاخر" أن الأصمعي قَالَ: ما به داء وهو من القلاب داء يأخذ الإبل في رءوسها فيقلبها إلى فوق. وقَالَ الفراء: ما به علة يخشى عليه منها، وهو من قولهم: قلب الرجل إذا أصابه وجع في قلبه، وليس يكاد يقلب منه. وقَالَ الطائي: ما به شيء يقلقله فيقلب منه على فراشه. وقَالَ النحاس في "زياداته على الفاخر": حكى عبد الله بن مسلم أن بعضهم يقول في هذا: أي ما به حول، ثم استُعير من هذا الأصل لكل سالم باسمه ليست به آفة. وقال يحيى بن الفضل: إذا وصفوا الرجل بالصحة قالوا: ما به قلبة، ولو كان كما قالوا لكان بالضعف والسقم أولى منه بالقوة، والصحيح قول الفراء. سابعها: قوله: (فوثئت رجلي)، هو بثاء مثلثة، ذكرها ثعلب في باب المهموز

стр. 10712

من الفعل؛ يقال: وثئت يده، فهي موثوءة، ووثأتها أنا. وأما ابن فارس فقال: وقد يهمز (١). قَالَ الخطابي: والواو مضمومة على بناء الفعل لما لم يسم فاعله (٢). قَالَ القزاز: وهو وصم يصيب العظم من غير أن يبلغ الكسر. و (الرهط): تقدم ذكر الاختلاف فيه. وبعثه ﷺ إياهم لقتله دليل على أن من بلغته الدعوة لا تقدم له دعوة عند قتاله، وهذِه رواية العراقيين عن مالك، وفي "المدونة" عن مالك روايتان، قَالَ ابن القاسم: لا يبيتون حَتَّى يدعوا غزوناهم أو اقبلوا إلينا (٣). وفيه: الاحتيال في قتل المشرك.

стр. 10713

١٥٦ - باب لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ ٣٠٢٤ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ اليَرْبُوعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، كُنْتُ كَاتِبًا لَهُ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى حِينَ خَرَجَ إِلَى الحَرُورِيَّةِ فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ. [انظر: ٢٨١٨ - مسلم: ١٧٤٢ - فتح ٦/ ١٥٦] ٣٠٢٥ - ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ" ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ". وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ كُنْتُ كَاتِبًا لِعُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ فَأَتَاهُ كِتَابُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ». [انظر: ٢٩٣٣،٢٨١٨ - مسلم: ١٧٤٢ - فتح ٦/ ١٥٦] ٣٠٢٦ - وَقَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا». [مسلم: ١٧٤١ - فتح ٦/ ١٥٦] ذكر فيه حديث ابن أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُو". وقد سلف (١). ثم قال: وَقَالَ أَبُو عَامِرٍ: ثنا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا". وقد سلف.

стр. 10714

وهذا التعليق أخرجه مسلم عن الحسن الحلواني، وعبد بن حميد عن أبي عامر -يعني العقدي (١) - به، واسمه: عبد الملك بن عمرو بن قيس القيسي البصري العقدي، نسبة إلى العقَد، وهو مولى الحارث بن عباد -بضم العين- أخي جرير -بضم الجيم- بن عباد، وعباد أخو جحدر -واسمه: ربيعة- ابنا ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عُكابة، مات العقدي سنة أربع ومائتين. وإنما نهى الشارع أمته عن ذَلِكَ؛ لأنه لا يعلم ما يئول أمره إليه، ولا كيف ينجو منه. وفيه من الفقه: النهي عن تمني المكروهات والتصدي للمحذورات، ولذلك سأل السلف العافية من الفتن والمحن؛ لأن الناس مختلفون في الصبر على البلاء، ألا ترى الذي أحرقته الجراح في بعض المغازي مع رسول الله ﷺ فقتل نفسه (٢)؟ وقال الصديق: لأن أعافى فأشكر أحبُّ إليَّ من أن أبتلى فأصبر. روي عن علي ﵁ أنه قَالَ لابنه: يا بني لا تدعون أحدًا إلى المبارزة ومن دعاك إليها فأخرج إليه لا باغ، والله تعالى قد تضمن نصر من بُغي عليه. وأما أقوال العلماء في المبارزة، فذكر ابن المنذر أنه أجمع كل من نحفظ عنه العلم من العلماء على أن للمرء أن يبارز ويدعو إلى البراز بإذن الإمام، غير الحسن البصري فإنه كرهها ولا يعرفها (٣)، هذا قول الثوري

стр. 10715

والأوزاعي وأحمد وإسحاق (١)، وأباحته طائفة ولم تذكر إذن الإمام ولا غيره، وهو قول مالك (٢) والشافعي (٣)، فإن طلبها كافر استحب الخروج إليه، وإنما يحسن ممن جرب نفسه وبإذن الإمام. وسُئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين: من يبارز؟ قَالَ: ذَلِكَ إلى (نيته) (٤)، إن كان يريد بذلك وجه الله فأرجو ألا يكون به بأس، قد كان يفعل ذَلِكَ من مضى. وقال أنس بن مالك: قد بارز البراء بن مالك مَرْزُبان الزارة فقتله. وقال أبو قتادة: بارزت رجلاً يوم حنين فقتلته، فأعطاني رسول الله ﷺ سلبه (٥). وليس في خبره أنه استأذن فيه. واختلفوا في معونة المسلم المبارز على المشرك، فرخص في ذَلِكَ الشافعي (٦) وأحمد وإسحاق (٧)، وذكر الساجي قصة حمزة وعبيدة (٨) ومعونة بعضهم بعضا. قَالَ: فأما إن دعا مسلم مشركًا أو مشرك مسلمًا إلى أن يبارزه وقال له: لا يقاتلك غيري أحببت أن يكف عن أن يحمل عليه غيره، وكان الأوزاعي يقول: لا يعينوه وعلى هذا قيل للأوزاعي: وإن لم يشترط ألا يخرج إليه غيره؟ قَالَ: وإن لا؛ لأن المبارزة إنما تكون على هذا. ولو حجزوا بينهما ثم خلوا سبيل العلج المبارز، فإن أعان العدو صاحبهم فلا بأس أن يعين المسلمون صاحبهم.
следующие страницы →