نعي. وقول الخطابي: هو مثل دراك أي: أدركوا، فمعناه: انعوا أبا رافع (١). إنما يصح لو قَالَ: نعا أبا رافع. قَالَ الأصمعي: وإنما هو يا نعاء العرب تأويلها انع العرب (٢).
سادسها:
قوله: (وما بي قلبة). قَالَ الفراء: أصله من القلاب وهو داء يصيب الإبل. وزاد الأصمعي: تموت من يومها به، فقيل ذَلِكَ لكل سالم ليس به علة. وقال ابن الأعرابي: معناه: ليست به علة يقلب لها فينظر إليه (٣)، وأصل ذَلِكَ في الدواب.
وذكر المفضل بن سلمة في كتاب "الفاخر" أن الأصمعي قَالَ: ما به داء وهو من القلاب داء يأخذ الإبل في رءوسها فيقلبها إلى فوق. وقَالَ الفراء: ما به علة يخشى عليه منها، وهو من قولهم: قلب الرجل إذا أصابه وجع في قلبه، وليس يكاد يقلب منه. وقَالَ الطائي: ما به شيء يقلقله فيقلب منه على فراشه. وقَالَ النحاس في "زياداته على الفاخر": حكى عبد الله بن مسلم أن بعضهم يقول في هذا: أي ما به حول، ثم استُعير من هذا الأصل لكل سالم باسمه ليست به آفة. وقال يحيى بن الفضل: إذا وصفوا الرجل بالصحة قالوا: ما به قلبة، ولو كان كما قالوا لكان بالضعف والسقم أولى منه بالقوة، والصحيح قول الفراء.
سابعها:
قوله: (فوثئت رجلي)، هو بثاء مثلثة، ذكرها ثعلب في باب المهموز
стр. 10712
من الفعل؛ يقال: وثئت يده، فهي موثوءة، ووثأتها أنا.
وأما ابن فارس فقال: وقد يهمز (١).
قَالَ الخطابي: والواو مضمومة على بناء الفعل لما لم يسم فاعله (٢).
قَالَ القزاز: وهو وصم يصيب العظم من غير أن يبلغ الكسر.
و (الرهط): تقدم ذكر الاختلاف فيه.
وبعثه ﷺ إياهم لقتله دليل على أن من بلغته الدعوة لا تقدم له دعوة عند قتاله، وهذِه رواية العراقيين عن مالك، وفي "المدونة" عن مالك روايتان، قَالَ ابن القاسم: لا يبيتون حَتَّى يدعوا غزوناهم أو اقبلوا إلينا (٣).
وفيه: الاحتيال في قتل المشرك.
وهذا التعليق أخرجه مسلم عن الحسن الحلواني، وعبد بن حميد عن أبي عامر -يعني العقدي (١) - به، واسمه: عبد الملك بن عمرو بن قيس القيسي البصري العقدي، نسبة إلى العقَد، وهو مولى الحارث بن عباد -بضم العين- أخي جرير -بضم الجيم- بن عباد، وعباد أخو جحدر -واسمه: ربيعة- ابنا ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عُكابة، مات العقدي سنة أربع ومائتين.
وإنما نهى الشارع أمته عن ذَلِكَ؛ لأنه لا يعلم ما يئول أمره إليه، ولا كيف ينجو منه.
وفيه من الفقه: النهي عن تمني المكروهات والتصدي للمحذورات، ولذلك سأل السلف العافية من الفتن والمحن؛ لأن الناس مختلفون في الصبر على البلاء، ألا ترى الذي أحرقته الجراح في بعض المغازي مع رسول الله ﷺ فقتل نفسه (٢)؟ وقال الصديق: لأن أعافى فأشكر أحبُّ إليَّ من أن أبتلى فأصبر. روي عن علي ﵁ أنه قَالَ لابنه: يا بني لا تدعون أحدًا إلى المبارزة ومن دعاك إليها فأخرج إليه لا باغ، والله تعالى قد تضمن نصر من بُغي عليه.
وأما أقوال العلماء في المبارزة، فذكر ابن المنذر أنه أجمع كل من نحفظ عنه العلم من العلماء على أن للمرء أن يبارز ويدعو إلى البراز بإذن الإمام، غير الحسن البصري فإنه كرهها ولا يعرفها (٣)، هذا قول الثوري
стр. 10715
والأوزاعي وأحمد وإسحاق (١)، وأباحته طائفة ولم تذكر إذن الإمام ولا غيره، وهو قول مالك (٢) والشافعي (٣)، فإن طلبها كافر استحب الخروج إليه، وإنما يحسن ممن جرب نفسه وبإذن الإمام. وسُئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين: من يبارز؟ قَالَ: ذَلِكَ إلى (نيته) (٤)، إن كان يريد بذلك وجه الله فأرجو ألا يكون به بأس، قد كان يفعل ذَلِكَ من مضى. وقال أنس بن مالك: قد بارز البراء بن مالك مَرْزُبان الزارة فقتله. وقال أبو قتادة: بارزت رجلاً يوم حنين فقتلته، فأعطاني رسول الله ﷺ سلبه (٥). وليس في خبره أنه استأذن فيه.
واختلفوا في معونة المسلم المبارز على المشرك، فرخص في ذَلِكَ الشافعي (٦) وأحمد وإسحاق (٧)، وذكر الساجي قصة حمزة وعبيدة (٨) ومعونة بعضهم بعضا. قَالَ: فأما إن دعا مسلم مشركًا أو مشرك مسلمًا إلى أن يبارزه وقال له: لا يقاتلك غيري أحببت أن يكف عن أن يحمل عليه غيره، وكان الأوزاعي يقول: لا يعينوه وعلى هذا قيل للأوزاعي: وإن لم يشترط ألا يخرج إليه غيره؟ قَالَ: وإن لا؛ لأن المبارزة إنما تكون على هذا. ولو حجزوا بينهما ثم خلوا سبيل العلج المبارز، فإن أعان العدو صاحبهم فلا بأس أن يعين المسلمون صاحبهم.
وفي الباب عن علي وابن عباس وعائشة وأسماء بنت يزيد وكعب بن مالك، وأخرجه الحاكم في "تاريخه" من حديث زيد بن ثابت؛ وابن أبي عاصم من حديث حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، وحديث أنس في قصة الحجاج بن علاط سلف.
وأما (خدعة) ففيها أربع لغات: لغة سيدنا رسول ﷺ فتح الخاء وإسكان الدال كما ستعلمه، وخُدْعة بضم الخاء مع إسكان الدال، وخَدَعة بفتحهما، وخُدَعة بضم الخاء وفتح الدال، والأصيلي ضبطه بالثاني، ويونس بالرابع، والثالث ضبطه القاضي (١)، وفي باب المفتوح أوله من الأسماء من "فصيح ثعلب": (والحرب خدعة) هذِه أفصح اللغات ذكر لي أنها لغة سيدنا رسول الله ﷺ ، وحكى الأزهري الأخيرة عن الكسائي وأبي زبد، قَالَ: وهي أجود اللغات الثلاث (٢).
والخدعة: المرة الواحدة من الخداع، ومعناه: أن من خدع فيها مرة واحدة عطب وهلك ولا عودة له. وقال ابن سيده في "عويصه": من قَالَ خدعة أراد: يخدع أهلها.
وفي "الواعي": أي: يمنيهم بالظفر والغلبة ثم لا يفي لهم. ومن قَالَ: خُدَعة. أراد: هي تخدع. كما يقال رجل لُعَنة: يلعن كثيرًا. وإذا خدع أحد الفريقين صاحبه في الحرب فكأنها خدعت هي.
وقال قاسم بن ثابت في "دلائله": كثر استعمالهم لهذِه الكلمة حَتَّى سموا الحرب خدعة. وحكى مكي ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة: خِدْعة بكسر الخاء وسكون الدال، وحكاها ابن قتيبة عن يونس (٣).
стр. 10718
قَالَ المطرز: والأفصح الفتح؛ لأنها لغة قريش. واعترضه ابن درستويه فقال: ليست بلغة قوم دون قوم، وإنما هي كلام الجميع؛ لأن بها المرة الواحدة من الخداع، فلذلك فتحت.
وقال ابن طلحة: أراد: ثعلب أن سيدنا رسول الله ﷺ كان يختار هذِه البنية ويستعملها كثيرًا؛ لأنها بلفظها الوجيز تعطي معنى البنيتين الأخريين ويعطى أيضًا معناها: استعمل الحيلة في الحرب ما أمكنك فإذا أعيتك الحيل فقاتل. فكانت هذِه اللغة على ما ذكرنا مختصرة اللفظ كثيرة المعنى، فلذلك كان ﷺ يختارها.
قَالَ اللحياني: خدعت الرجل أخدعه خَدْعًا وخِدْعا وخيدعَة وخَدَعة إذا أظهرت له خلاف ما تخفي، وأصله كل شيء كتمته فقد خدعته، ورجل خداع وخدوع وخدع وخُدَعة إذا كان خبأ. وفي "المحكم": الخدع والخديعة المصدر، والخدع والخداع الاسم، ورجل خيدع كثير الخداع (١).
وقال ابن بطال: في الحرب خدعة لغات: قَالَ سلمة بن عاصم تلميذ الفراء: من قَالَ: الحرب خُدَعة فمعناه: أنها تخدع أهلها وتمنيهم الظفر، ومن قَالَ: خدعة: فهي تخدع، وإذا خدعَ أحد الفريقين صاحبه فكأنها خدعت هي، ومن قَالَ: خدعة: وصف المفعول بالمصدر كما تقول: درهم ضرب الأمير، وإنما هو مضروبه. وقال بعض أهل اللغة: معنى الخدعة: المرة الواحدة؛ أي: من خدع فيها مرة لم يقل العشرة بعدها، ثم ذكر ما سلف عن ثعلب.
وأما ابن التين فقال: فيها ثلاث لغات، فذكر الأولى والثانية
стр. 10719
والرابعة، قَالَ: ومعنى الأولى أنها ينقضي أمرها بخدعة واحدة، ومعناها: أنها لا تقال من خدع، وفيها معنى الثانية، أنها بها يخدع الرجال، كما قيل: لُعبة لما يلعب به، ومعنى الثالثة: أنها تمني الرجال الظفر ولا تفي لهم به، كما قيل: ضحكة إذا كان يضحك بالناس.
قَالَ الداودي: ومنه أنه ﷺ كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها. وذكر بعض أهل السير أنه ﷺ قَالَ: "هذا يوم الأحزاب" لما بعث نعيم بن مسعود أن يخذل بين قريش وغطفان ويهود، ومعناه: أن المماكرة في الحرب أنفع من المكاثرة والإقدام على غير علم. ومنه قيل: نفاذ الرأي في الحرب أنفع من الطعن والضرب.
قَالَ المهلب: والخداع في الحرب جائز كيف يمكن ذَلِكَ، إلا بالأيمان والعهود والتصريح بالأيمان فلا يحل شيء من ذلك. قَالَ الطبري: وإنما يجوز من الكذب في الحروب ما يجوز من غيرها من التعريض مما ينحى به نحو الصدق مما يحتمل المعنى الذي فيه الخديعة للعدو والإلغاز، لا القصد إلى الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه. قَالَ المهلب: مثل أن يقول المبارز: له: حزام سرجك قد انحل؛ ليشغله عن الاحتراس منه، فيجد (فرصة) (١) في ضربه، وهو يريد أن حزام سرجه قوإنحل فيما مضى من الزمان. أو غيره بخبر يقطعه من موت أميره. وهو يريد موت المنام أو الدين، ولا يكون قصد الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه البتة؛ لأن ذَلِكَ حرام، ومن ذَلِكَ ما روي عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها (٢) كما سلف.
стр. 10720
قَالَ ابن العربي: الخديعة في الحرب تكون بالتورية وتكون بالكمين وتكون بخلف الوعد، وذلك من المستثنى الجائز المخصوص من المحرم، والكذب حرام بالإجماع، جائز في مواطن بالإجماع، أصلها الحرب أذن الله فيه وفي أمثاله رفقًا بالعباد لضعفهم، وليس للعقل في تحليله ولا تحريمه أمر إنما هو إلى الشرع، ولو كان تحريم الكذب كما يقوله المبتدعون عقلا ويكون التحريم صفة نفسية كما يزعمون ما انقلب حلالًا أبدًا، والمسألة ليست معقولة فتستحق جوابًا وخفي هذا على علمائنا (١).
قلتُ: والظاهر كما قَالَ النووي إباحة حقيقة الكذب، نعم الاقتصار على التعريض أفضل (٢).
وأما قوله: ("هلك كسرى .. ") إلى آخره فهو عام فيه وخاص في قيصر، ومعناه: فلا قيصر بعده بأرض الشام، وقد دعا ﷺ لقيصر لما قرأ كتابه أن يثبت الله ملكه، فلم يذهب ملك الروم أصلاً إلا من الجهة التي خلا منها، وأما كسرى فمزق كتابه فدعا عليه أن يمزق ملكه كل ممزق، فانقطع إلى اليوم.
وفيه: من علامات النبوة إخباره أن كنوزه مما ستنفق في سبيل الله، فكان كذلك.
وقال ابن التين: قوله: "ثم لا يكون كسرى بعده" قيل: معناه لا يملك مسلم ملكه. وقيل: فلا قيصر بعده يكون بالشام كما قدمناه، وهو ما جزم به ابن بطال أيضًا (٣)، وقد سلف أيضًا تأويل ذَلِكَ في
стр. 10721
أول "الصحيح" في الحديث السادس منه فراجعه. قَالَ الخطابي: فأما كسرى فقطع الله دابره وأنفقت كنوزه في سبيل الله، وأما قيصر ملك الروم فكانت الشام تجبى له بها فكان بها منتداه ومرتعه، وبها بيت المقدس الذي لا يتم للنصارى نسك إلا فيه، ولا يملك على الروم أحد إلا أن يكون من دخله سرًّا أو جهرًا، وقد أجلي عنها واستفتحت خزائنه ولم يخلفه أحد من القياسرة بعده إلى أن ينجز الله تمام وعده في فتح القسطنطينية آخر الزمان، فقد وردت الأخبار عن رسول الله ﷺ بذلك، وسينجز الله وعده (١)، وقال القرطبي: ورد هلك كسرى بلفظ الماضي المحقق بعد، ووقع في الترمذي بإسناد مسلم: "إذا هلك" (٢) وبينهما بنون عظيم، فالأول يقتضي أن كسرى قد كان وقع موته فأخبر عنه.
وعلى هذا نزل حديث أبي بكرة من عند البخاري لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملّكوا عليهم امرأة قَالَ: "لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة" (٣) يعني: أنه لما مات كسرى وقع ذَلِكَ، ولهذا لا يصح أن يقال مكان قد مات إذا مات، ولا إذا هلك؛ لأن (إذا) للمستقبل و (مات) للماضي، وهما متناقضان فلا يصلح الجمع بينهما إلا على تأويل بعيد، وهو يقدر أن أبا هريرة سمع الحديث مرتين، أولاً "إذا هلك" ثم سمع بعده "هلك"، فيكون ﷺ قاله أولاً قبل موت كسرى؛ لأنه علم أنه يموت، والثاني بعد موته.
стр. 10722
ويحتمل أن يعرف بين الموت والهلاك فيقال: إن موت كسرى كان قد وقع في حياته فأخبر عنه بذلك، وأما هلاك ملكه فلم يقع إلا بعد موت سيدنا رسول الله ﷺ وموت الصديق، وإنما هلك ملكه في خلافة عمر (١).
وأما قوله: "فلا كسرى بعده ولا قيصر" فقال عياض: معناه عند أهل العلم: لا يكون كسرى بالعراق ولا قيصر بالشام، وقد انقطع أمر كسرى رأسًا وتمزق ملكه بدعوته كما سلف، وتخلى قيصر (عن) (٢) الشام ورجع القهقرى إلى داخل بلاده (٣).
وكسرى بكسر الكاف، كذا ذكره ثعلب وأبو علي أحمد بن جعفر الدينوري في فصيحهما، وعليه اقتصر ابن التين. قَالَ يعقوب (٤) والفراء في "البهي": هو أكثر من الفتح. وخالف أبو زيد فأنكر الفتح. وقال أبو حاتم في "تقويمه" الوجهين، وقال ابن الأعرابي: الكسر فصيح. وقال ابن السِّيْد: كان أبو حاتم يختار الكسر. وقال القزاز: إنه أفصح، والجميع: كسور وأكاسرة وكياسرة. قَالَ: والقياس أن يجمع: كسرون كما يجمع موسى موسون. وأنكر الزجاج على أبي العباس الكسر قَالَ: وإنما هو بالفتح، وقال: ألا تراهم يقولون: كسروِي.
قَالَ ابن فارس: أما اعتباره إياه بالنسبة فقد يفتح في النسبة ما هو في الأصل مكسور أو مضموم، أما تراهم يقولون في النسبة إلى تغلب: تغلِبي، وفي النسبة إلى أمية: أُموي، وقد يقال: تغلبي وأموي، فقد جرى بعض النسبة على غير الأصل، فلا معنى إذًا لقول الزجاج، على أن الذي قاله رواية.
стр. 10723
وبعدُ فإنه معرب خسرواني واسع الملك، فكيف أعربه؟ المعرب إذا لم يخرج عن بناء كلام العرب فهو جائز. وروى ناس من البصريين بالكسر كما رواه ثعلب.
وقال في "المجمل": قَالَ أبو عمرو: ينسب إلى كسرى بالكسر كسري وكسروي، وقال الأموي: بكسر الكاف أيضًا (١).
وفي "الجمهرة": كسرى اسم فارسي، ويجمع: كسورًا وأكاسر، هكذا يقول أبو عبيدة (٢). ولم يذكر ابن دريد غير هذا فقط، وذكر اللحياني أن معناه: شاهان شاه، وهو اسم لكل من ملك الفرس.
стр. 10724
١٥٨ - باب الكَذِبِ فِي الحَرْبِ
٣٠٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ؟». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا -يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ، قَالَ وَأَيْضًا وَاللهِ [لَتَمَلُّنَّهُ] قَالَ: فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ، فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ. [انظر: ٢٥١٠ - مسلم: ١٨٠١ - فتح ٦/ ١٥٨]
ذكر فيه حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لِكَعْب بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذى الله وَرَسُولَهُ؟ ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ هذا -يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ، قَالَ وَأَيْضًا والله [لَتَمَلُّنَّهُ] قَالَ: فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ، فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إلى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ.
هذا الحديث سلف في باب رهن السلاح من كتاب الرهن (١)، ويأتي في المغازي أيضًا مطولًا (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (٣).
وقال ابن المنير في هذِه الترجمة وترجمة باب الفتك بأهل الحرب: أنها غير مخلصة؛ إذ يمكن جعله تعريضًا، فإن قوله: (قد عنانا). أي: كلفنا، والأوامرُ والنواهي تكاليف. وقوله: (وسألنا الصدقة). أي:
стр. 10725
طلبها منا بأمر الله تعالى. و (نكره أن ندعه .. ) إلى آخره؛ معناه: نكره العدول عنه مدة بقائه، فما فيه دليل على جواز الكذب الصريح، ولا سيما إذا كان في المعاريض مندوحة (١).
وفي الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعًا محسنًا: "لا يحل الكذب إلا في ثلاث: في الحرب، والكذب للزوجة، والكذب ليصلح بين الناس" (٢)، وروى الزهري، عن حميد، عن (أمه) (٣) أم كلثوم قالت: ما سمعت النبي ﷺ رخص في الكذب إلا في الثلاث، كان يقول: "لا أعدهن كذبا" فذكرتهن (٤).
قَالَ ابن بطال: سألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث فقال لي: الكذب الذي أباحه في الحرب هي المعاريض التي لا يفهم منها التصريح بالتأمين؛ لأن من السنة ""المجمع عليها أن مَنْ أَمَّنَ كافرًا فقد حقن دمه، ولهذا قَالَ عمر بن الخطاب: يتبع أحدكم العلج حَتَّى إذا اشتد في الجبل قَالَ له: مترس؛ ثم يقتله والله لا أوتى بأحد فعل ذَلِكَ إلا قتلته.
قَالَ المهلب: وموضع الكذب في الحديث قول محمد بن مسلمة: (قد عنانا وسألنا الصدقة)؛ لأن هذا الكلام يحتمل أن يتأول منه اتباعهم له إنما هو للدنيا على نية كعب بن الأشرف، وليس هو كذب محض بل هو تورية ومن معاريض الكلام؛ لأنه ورى له عن الجزاء الذي اتبعوه له في الآخرة، وذكر العناء الذي يصيبهم في الدنيا والنصب، وأما الكذب
стр. 10726
الحقيقي فهو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به، وإنما هو تحريف لظاهر اللفظ، وهو موافق لباطن المعنى، ولا يجوز الكذب الحقيقي في شيء من الدين أصلاً، ومحال أن يأمر بالكذب وهو ﷺ يقول: "من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (١)، وإنما أذن له أن يقول ما لو قاله بغير إذنه ﷺ وسمع منه لكان دليلًا على النفاق، ولكن لما أذن له في القول لم يكن معدودًا عليه أنه نفاق، وسلف في الصلح زيادة في هذا المعنى في باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس (٢).
وفي قتل محمد بن مسلمة كعب بن الأشرف، دلالة أن الدعوة ساقطة فيمن قرب داره من بلاد الإسلام، والأذى منه هو تحريض اليهود على أذاه وبغضه، وأذاه لرسول الله ﷺ هو أذى لله.
стр. 10727
١٥٩ - باب الفَتْكِ بِأَهْلِ الحَرْبِ
٣٠٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟». فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فَأْذَنْ لِي فَأَقُولَ. قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ». [انظر: ٢٥١٠ - مسلم: ١٨٠ - فتح ٦/ ١٦٠]
ذكر فيه حديث جَابِرٍ ﵁ -أيضًا- عن رسول الله ﷺ قَالَ: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذى الله وَرَسُولَهُ؟ ". فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قال: فَأذَنْ لِي فَأَقُولَ. قَالَ: "فَعَلْتُ"
(الفتك) -بفتح الفاء-: الغدر، وهو القتل أيضًا، يقال: فتك به إذا اغتاله، وظاهر الترجمة أن ذَلِكَ سائغ أن يغدر بأهل الحرب، ومذهب مالك أنهم إن ائتمنوه على شيء فليؤد أمانته، وكذلك إن ائتمنوه على أن لا يهرب (١). وقال سفيان: لا يؤدي الأمانة فيه (٢). قَالَ في "النوادر": ولو أظهر المسلمون أنهم رسل للخليفة عندما أتوا حصنًا للعدو وأظهروا كتابًا كذبًا وقالوا: نحن تجار فأدخلوهم على شيء من ذَلِكَ فليوفوا مما أظهروا (٣).
قلتُ: فإن كعب بن الأشرف وسفيان بن عبد الله قتلا غيلة بأمره ﷺ وأظهر إليهما من جاءهما غير ما جاءا فيه، ولم يكن ذَلِكَ أمانًا لهما، قَالَ: هذان قتلا بأمره ﷺ ؛ لأذاهما الله ورسوله فلا أمان لهما (٤).
стр. 10728
ثم الفتك على وجهين: محرم وجائز:
فالأول: الذي يحرم به الدم أن يصرح بلفظ يفهم منه التأمين، فإذا أمنه فقد حرم بذلك دمه والغدر، وعلى هذا جماعة العلماء.
والثاني: أن يخادعه بألفاظ هي معاريض غير تصريح بالتأمين؛ فالحرب خدعة.
واختلف في تأويل قتل كعب بن الأشرف على وجوه:
أحدها: أنه من المباح؛ لأن ابن مسلمة لم يصرح له بشيء من لفظ التأمين وإنما أتاه بمعاريض من القول، فيجوز هذا أن يسمى فتكًا على المجاز.
ثانيها: أنه قتله هو من باب أن من آذى الله ورسوله فقد حل دمه ولا أمان له يعتصم به، فقتله جائز على كل حال؛ لأنه ﷺ إنما قتله بوحي من الله وأذن له في قتله، فصار ذَلِكَ أصلاً في جواز قتل من كان لله ولرسوله حربًا، ألا ترى لو أن رجلاً أدخل مشركًا في داره وأمنه فسبَّ عنده الشارع، حل لذلك الذي أمنه قتله ونحوه، هذا ما حكاه ابن حبيب: سمعت المدنيين من أصحاب مالك يقولون: إنما تجب الدعوة لكل من لم يبلغه الإسلام ولا يعلم ما يقاتل عليه، فاما من قد بلغه الإسلام وعلم ما يدعى إليه ومن حارب وحورب مثل الروم والإفرنج، فالدعوة فيما بيننا وبينهم مطرحة، ولا بأس بتثبيت مثل ذَلِكَ بالإغارة وتصبحهم وانتهاز الفرصة فيهم بلا دعوة، وقد بعث الشارع عبد الله بن أنيس الجهني إلى عبد الله بن نُبيح الهذلي فاغتاله بالقتل وهو بعُرَنَة من جبال عَرَفة (١)، وبعث نفرًا من الأنصار إلى ابن
стр. 10729
أبي الحقيق وإلى كعب بن الأشرف (١)، فهجموا عليهما بالقتل في بيوتهما بخيبر، فلا يجوز كما قَالَ ابن بطال أن يقال: إن ابن الأشرف قتل غدرًا؛ لأنه لم يكن معاهدًا ولا كان من أهل الذمة، ومن ادعى ذَلِكَ كفر (كما قَالَ ابن بطال. قَالَ: و) (٢) يقتل بغير استتابة؛ لأنه ينتقص الشارع، ورماه بكبيرة وهو الغدر، وقد نزهه الله تعالى عن كل دنية، وطهره من كل ريبة، ألا ترى قول هرقل لأبي سفيان؛ وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون (٣). وإنما قَالَ هذا هرقل؛ لأنه وجد في الإنجيل صفته وصفة جميع الأنبياء ﵈ أنه لا يجوز عليهم النقص؛ لأنهم صفوة الله وهم معصومون من الكبائر، والغدر كبيرة.
وسلف في الرهون في باب رهن السلاح زيادة في معنى قتل كعب بن الأشرف (٤)، وروي في الأثر أن يامين السبائي قَالَ في مجلس علي بن أبي طالب ﵁: إن ابن الأشرف قتل غدرًا فأمر به علي فضربت عنقه، وقد قَالَ مالك: من ينتقص الشارع فإنه يقتل، ومن قَالَ: زره وسخ يُريد بذلك الإزراء عليه قتل. قَالَ: ومن سبه قتل بغير استتابة إن كان مسلمًا، وإن كان ذميًّا قتل إلا أن يسلم (٥). وقال الكوفيون: من سبه فقد ارتد، وإن كان ذميًّا عُزِّر ولم يقتل (٦).
стр. 10730
١٦٠ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الاحْتِيَالِ وَالْحَذَرِ مَعَ مَنْ تُخْشَى مَعَرَّتُهُ
٣٠٣٣ - قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، فَحُدِّثَ بِهِ فِي نَخْلٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّخْلَ، طَفِقَ يَتَّقِى بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَابْنُ صَيَّادٍ في قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا صَافِ، هَذَا مُحَمَّدٌ، فَوَثَبَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ﷺ : «لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ». [انظر: ١٣٥٥ - مسلم: ٢٩٣١ - فتح ٦/ ١٦٠]
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عن أبيه؛ فذكر قصة ابن صياد.
وقد سلف في الشهادات (١)، وفيه ما ترجم له.
وفيه: أن لا تعجل على من ظهر منه مكروه حَتَّى تتيقن أمره، وأن الإمام إذا أشكل عليه أمر من جهة الشهادات عنده أن يلي ذَلِكَ بنفسه ويباشره حَتَّى يسمع ما نقل إليه أو يرى ما شهد به عنده، فبالعيان تنكشف الريب.
وفيه: نهوض السلطان راجلًا ليعرف ما يحتاج إليه، وزجر أهل الباطل بزجر الكلاب وترك عقوبة غير البالغ من الرجال.
وقد سلف في الجنائز في باب: هل يعرض على الصبي الإسلام؟ (٢) شيء من معنى هذا الحديث، وسيأتي شيء منه في الاعتصام في باب: من رأى ترك النكير حجة لا من غير الرسول (٣).
وحديث سهل يأتي في فضل الأنصار (١)، وحديث يزيد -وهو ابن أبي عبيد- عن سلمة يشبه أن يكون ما رواه هو أيضًا عنه من قوله:
أَنَا ابن الاكوَعِ … وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ (٢).
وفيه: ابتذال الإمام وتولية المهنة في التحصين على المسلمين لينشط الناس بذلك على العمل، وكذلك ارتجز هذا الرجز؛ ليذكرهم ما يعملون ولمن يعملون (ذَلِكَ) (٣)، ويعرفهم أن الأمر أعظم خطرًا من ابتذالهم وتعبهم.
وفيه: أنه لا بأس برفع الصوت في أعمال الطاعات إذا لم يكن مضعفًا عنها ولا قاطعًا دونها.
وفي إسناد حديث البراء: أبو الأحوص، واسمه سلام بن سليم، وأبو إسحاق، وهو عمرو بن عبد الله.
стр. 10733
١٦٢ - باب مَنْ لَا يثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ
٣٠٣٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلاَّ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي. [٣٨٢٢، ٦٠٨١ - مسلم: ٢٤٧٥ - فتح ٦/ ١٦١]
٣٠٣٦ - وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ: إِنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ. فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا». [انظر: ٣٠٢٠ - مسلم: ٢٤٧٥، ٢٤٧٦ - فتح ٦/ ١٦١]
ذكر فيه حديث جَرِيرٍ، وقد أسلفناه في باب حرق الدور والنخيل (١).
وفيه: أن الرجل الوجيه في قومه له حرمة ومكانة على من هو دونه؛ لأن جريرًا كان سيد قومه.
وفيه: أن لقاء الناس بالتبسم وطلاقة الوجه من أخلاق النبوة، وهو مناف للتكبر وجالب المودة.
وفيه: فضل الفروسية وإحكام ركوب الخيل، فإن ذَلِكَ مما ينبغي أن يتعلمه الرجل الشريف والرئيس.
وفيه: أنه لا بأس للعالم والإمام إذا أشار إلى إنسان في مخاطبة أو غيرها أن يضع عليه يده ويضرب بعض جسده، ذَلِكَ من التواضع.
وفيه: استمالة النفوس، وفيه: بركة دعوته؛ لأنه قد جاء في الحديث أنه ما سقط بعد ذَلِكَ من الخيل.
يَا عَدُوَّ اللهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ. قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي القَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا، وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا تُجِيبُوا لَهُ؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ «قُولُوا: الله أَعْلَى وَأَجَلُّ». قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى، وَلَا عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا تُجِيبُوا لَهُ». قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا: الله مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ». [٣٩٨٦، ٤٠٤٣، ٤٠٦٧، ٤٥٦١ - فتح ٦/ ١٦٢]
ذكر فيه حديث أبي موسى ﵁: بَعَثَ النبي ﷺ معَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى اليَمَنِ، قَالَ: "يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا".
وحديث البَرَاءِ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ -وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا- عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: "إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هذا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ .. " الحديث بطوله.
الشرح:
التنازع هو الاختلاف، وهو سبب الهلاك في الدنيا والآخرة؛ لأن الله قد عبر في كتابه بالخلاف الذي قضى به على عباده عن الهلاك في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] ثم قَالَ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، فقال: خلقهم للخلاف. وَقَالَ آخرون: خلقهم ليكونوا فريقين في الجنة وفي السعير من أجل اختلافهم. وهذا كثير في القرآن، وقد أخبر تعالى أن مع الخلاف يكون الفشل، وهو الخذلان والضعف والكسل، فيتمكن العدو من المخالفين؛ لأنهم كانوا مدافعين كلهم دفاعًا واحدًا فصار بعضهم يدافع بعضًا، فتمكن العدو.
وفي حديث عبد الله بن جبير معاقبة الله تعالى على الخلاف، وعلى ترك الائتمار لرسوله والوقوف عند قوله، كما قَالَ تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] الآية.
стр. 10737
والريح: القوة. وقال أبو إسحاق: فشل إذا هاب أن يتقدم جبنا. وقال مجاهد: ﴿رِيحُكُمْ﴾ نصركم (١). وقيل معناه: دولهم.
وبعثه معاذًا وأبا موسى فيه تأمير أفاضل الصحابة وتولية العلماء.
ومعنى: ("يسرا") خذا مما فيه التيسير. ومعنى: ("لا تنفرا") لا تقصدا إلى ذكر ما فيه الشدة، و ("تطاوعا"): تحابا.
وفي قوله: ("تخطفنا الطير") دلالة على جواز الإغياء في الكلام. قَالَ الخطابي: وهو مَثَلٌ يريد به الهزيمة، يقول: إن رأيتمونا قد زلنا عن مكاننا وولينا منهزمين فلا تبرحوا أنتم، وهذا كقوله: فلان ساكن الطير. إذا كان وقورًا هادئًا، وليس هناك طير، وأيضًا فالطير لا يقع إلا على الشيء الساكن، ويقال للرجل إذا أسرع وخف: قد طار طيره (٢). وقال الداودي: معناه إن قتلنا وأكلت الطيور لحومنا فلا تبرحوا مكانكم. قَالَ: وفيه دليل أنه يريد أصحابه دونه؛ لأنه إن قتل لم يبق من تلبثون لمقامه.
و (الرجالة) جمع راجل، وهم من لا خيل لهم. ومعنى: "أوطأناهم" مشينا عليهم وهم قتلى بالأرض. ومعنى (يشددن): يعدون. وفي نسخة: (يشردن). وفي رواية أبي الحسن (يسندن). أي: يمشين في سند الجبل يردن رُقِيَّهُ.
وفيه: بيان أنه لم ينهزم كل أصحابه، ونهيه عن جواب أبي سفيان تصاون عن الخوض فيما لا فائدة فيه، وعن خصام مثله أيضًا، وإجابة عمر بعد نهيه إنما هي حماية للظن برسول الله ﷺ أنه قتل،
стр. 10738
وأن بأصحابه الوهن، فليس في هذا عصيان له في الحقيقية، وإن كان في الظاهر، فهو مما يؤجر به، وأمره ﷺ لجوابه؛ لأنه بُعث بإعلاء كلمة الله وإظهار دينه، فلما سمع هذا الكلام لم يسعه السكوت عنه حَتَّى يعلي كلمة الله، ثم عرفهم في جوابه أنهم يُقرون أن الله أعلى وأجل؛ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فلم يراجعه أبو سفيان ولا نقض عليه كلامه اعترافًا بما قَالَ، فلما ذكر العزى أمر ﷺ بمجاوبته، وعرف في جوابه أنها ومثلها من الأصنام لا موالاة لها ولا نصر، فعرف أن النصر من عند الله وأن الموالاة والنصر لا تكون من الأصنام فبكته بذلك ولم يراجعه.
وقوله: (قد بدت خلاخلهن وأسوقهن). أي ظهرت، وأسوق: جمع ساق، وضبطه بهمز الواو على معنى أن الواو إذا انضمت جاز همزها.
وفيه: جواز النظر إلى أَسْوُق المشركات ليعلم حال القوم لا لشهوة.
وقوله: (فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم). أي: آخرهم قاله أبو عبيد.
وقوله: (قد بقي لك ما يسوؤك) إرهاب عليه لما ظن به الوقيعة، وكسر شوكة الإسلام، وأنه قد مضى الرسول وسادة أصحابه، فعرفه أنهم أحياء، وأنه قد بقي له ما يسوؤه، يعني: يوم الفتح.
وقوله: (فأصابوا منا سبعين). قَالَ غيره: خمسة وستون، منهم أربعة من المهاجرين. وقال مالك: قتل من الأنصار سبعون، ومن المهاجرين أربعة.
وقوله: (وكان النبي ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا). ذكر الشيخ أبو محمد في "جامع مختصره" أنه قتل من
стр. 10739
المشركين يوم بدر خمسون. وقال مالك: كان الأسرى شبهًا بمن كان قتل من المشركين أربعة وأربعون رجلاً.
وقول عمر لأبي سفيان: (كذبت والله يا عدو الله) فيه: قلة صبر عمر عند قول الباطل، وقد نهى (١) الشارع عن جواب أبي سفيان، لكن عمر لم يرد العصيان كما سلف، وإنما أنكر قول الباطل. وروي أن أبا سفيان لما أجابه عمر قَالَ له: أنشدك الله أمحمد حي؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نعم، وهو ذا يسمعك. قَالَ: أنت أصدق عندنا من ابن قمئة. وكان ابن قمئة قَالَ لهم: قتلته.
وقوله: (الحرب سجال) أي: دُوَلاً، مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء، وأصله أن المستقين بالسجل -وهو الدلو- يكون لكل واحد منهم سجال.
وقوله: (ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني). يعني: أنهم جدعوا أنوفهم وشقوا بطونهم، وكان حمزة مثل به.
وقوله: (لم آمر بها). قَالَ الداودي: يعني أنه لا يأمر بالأفعال الخبيثة التي ترد على فاعلها نقصًا.
وقوله: (لم تسؤني): يريد إنكم عدوي، وقد كانوا قتلوا ابنه (٢) يوم بدر، وخرجوا لينالوا العير التي كان بها، فوقعوا في كفار قريش وسلمت العير.
وقوله: (اُعْلُ هُبَل) يريد صنمًا لهم أي: على حزبك، وفي رواية: أعلى (٣) هبل ارق الجبل. يعني: علوت حَتَّى صوت كالجبل العالي،
стр. 10740
ذكرها الداودي، قَالَ: ويحتمل أن يريد بقوله: ارق الجبل تعيير المسلمين حين انحازوا إلى الجبل.
و (العزى): صنم كانوا يعبدونه، قاله الضحاك وأبو عبيد، وجزم به ابن التين وابن بطال (١)، وقال غيرهما: هي شجرة لغطفان كانوا يعبدونها. وروى أبو صالح عن ابن عباس قَالَ: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى العزى يقطعها.
والمولى: الناصر، فإن قلت: قوله: "الله مولانا ولا مولى لكم" أليس الله تعالى مولى الخلق كلهم؟ قلتُ: المولى هنا بمعنى الولي، والله تعالى يتولى المسلمين بالنصر والإعانة ويخذل الكفار، نبه عليه ابن الجوزي.
стр. 10741
١٦٥ - باب إِذَا فَزِعُوا بِاللَّيْلِ
٣٠٤٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، قَالَ وَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ لَيْلَةً سَمِعُوا صَوْتًا، قَالَ: فَتَلَقَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْىٍ، وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ فَقَالَ: «لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَجَدْتُهُ بَحْرًا». يَعْنِي الفَرَسَ. [انظر: ٢٦٢٧ - مسلم: ٢٣٠٧ - فتح ٦/ ١٦٣]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ ﵁، في ركوبه ﵇ فرس أبي طلحة عُريًا، وقد
سبق غير مرة.
стр. 10742
١٦٦ - باب مَن رَأى العَدُوَّ فَنَادى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا صَبَاحَاهْ. حَتَّى يُسْمِعَ النَّاسَ .
٣٥٤١ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: خَرَجْتُ مِنَ المَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الْغَابَةِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الْغَابَةِ لَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قُلْتُ: وَيْحَكَ!، مَا بِكَ؟ قَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ ﷺ . قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ. فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا: يَا صَبَاحَاهْ، يَا صَبَاحَاهْ. ثُمَّ انْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُمْ، وَقَدْ أَخَذُوهَا، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَقُولُ:
أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ … وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا، فَأَقْبَلْتُ بِهَا أَسُوقُهَا، فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ القَوْمَ عِطَاشٌ، وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ، فَابْعَثْ في إِثْرِهِمْ، فَقَالَ: «يَا ابْنَ الأَكْوَعِ، مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ. إِنَّ القَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ». [٤١٩٤ - مسلم: ١٨٠٦ - فتح ٦/ ١٦٤]
ذكر فيه بإسناده الثلاثي: حَدَّثنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بن الأكوع أَنَّهُ أَخْبَرَهُ .. فذكر قصته في الغابة.
وهي غزوة ذي قرد بفتح القاف والراء، وبالدال المهملة، ويقال: بضمتين. وقال السهيلي: كذا ألفيته مقيدًا عن أبي علي. والقرد في اللغة: الصوف الرديء (١)، وهو على نحو من يوم من المدينة. قَالَ ابن سعد: والغابة على يوم من المدينة في طريق الشام، كانت في شهر ربيع الأول سنة ست (٢).
стр. 10743
وقال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما قالوا: لما قدم النبي ﷺ من بني لحيان لم يقم بعد قدومه إلا ليالي حَتَّى أغار عيينة، وكان خرج إلى بني لحيان في جمادى الأولى. وقال البخاري: إنها قبل خيبر بثلاثة أيام. وفي مسلم نحوه، وفيه نظر، ولابن سعد: كانت لقاح رسول الله ﷺ عشرين لقحة ترعى بالغابة، وكان أبو ذر فيها، فأغار عليهم عيينة بن حصن ليلة الأربعاء في أربعين فارسًا، فاستاقوها وقتلوا ابن أبي ذر، وجاء الصريخ فنودي: يا خيل الله اركبي، فكان أول ما نودي بها، وركب رسول الله ﷺ ، وخرج غداة الأربعاء في الحديد مقنعًا فوقف، فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو وعليه الدرع والمغفر شاهرًا سيفه، فعقد له رسول الله لواء في رمحه وقال: "امض حَتَّى تلحق الخيول وأنا في إثرك". واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة. قَالَ المقداد: فأدركتُ أخريات العدو، وقد قتل أبو قتادة مسعدة، وقتل عكاشة أبان بن عمرو، وقتل المقداد حبيب بن عيينة وفرقد بن مالك بن حذيفة بن بدر، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم. وهو على رجليه فجعل يراميهم بالنبل ويقول:
خُذْهَا وأَنَا ابن الأَكْوَعِ … وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
وفي البخاري:
أَنَا ابن الأَكْوَعِ … وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
حَتَّى انتهى بهم إلى ذي قرد، وهي ناحية خيبر مما يلي المستناخ. قَالَ سلمة: فلحقنا رسول الله ﷺ والناس عشاء، قلتُ: يا رسول الله، إن القوم عطاش فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما بأيديهم من السرح،
стр. 10744
وأخذت بأعناق القوم، فقال: "ملكت فأسجح" ثم قَالَ: "إنهم الآن ليقرون في غطفان". ولم تزل الخيل تأتي، والرجال على أقدامهم حَتَّى انتهوا إلى رسول الله ﷺ بذي قرد، فاستنقذوا عشر لقاح، وأفلت ما بقي وهي عشرون، وصلى رسول الله صلاة الخوف بذي قرد وأقام بها يومًا وليلة، المثبت عندنا أن رسول الله ﷺ أمر على هذِه السرية سعيد بن زيد الأشهلي، ولكن الناس نسبوها إلى المقداد لقول حسان:
غداة فوارس المقداد
فعاتبه سعيد بن زيد فقال: اضطرني الرَّوِيُّ (١) إلى المقداد.
ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة يوم الاثنين وقد غاب خمس ليال. وقال: "خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة"، قَالَ سلمة: وأعطاني رسول الله ﷺ سهم الفارس والراجل (٢).
وفي "الدلائل" للبيهقي: أو في سلمة على سلع ثم صرخ: يا صباحاه الفزع. فبلغ ذَلِكَ رسول الله ﷺ (٣).
وفي "الإكليل" للحاكم: باب غزوة ذي قرد. قَالَ: هذِه الغزوة هي الثالثة لذي قرد، فإن الأولى: سرية زيد بن حارثة في جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرًا من الهجرة، والثانية: خرج فيها رسول الله ﷺ بنفسه إلى بني فزارة، وهي على تسعة وأربعين شهرًا
стр. 10745
من الهجرة، وهذِه الثالثة: التي أغار فيها عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله، فخرج أبو قتادة وابن الأكوع في طلبها، وذلك في سنة ست من الهجرة.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ ففيه: النذير بالعسكر والسرية بالصراخ، وهي رفع الصوت بكلمة تدل على ذلك.
ومعنى: (يا صباحاه): أغير عليكم في الصباح، أو قد صوبحتم فخذوا حذركم، ومعناه الإعلام بهذا الأمر المهم الذي دهمهم في الصباح.
وقال ابن المنير: الهاء للندبة، وهي تسقط وصلاً، والرواية إثباتها فيقف على الهاء، وقيل: لأنهم كانوا يغيرون وقت الصباح. وقيل: جاء وقت الصباح فتأهبوا للقاء فإن الأعداء يتراجعون عن القتال ليلاً فإذا جاء النهار عاودوه.
وفيه: جواز الأخذ بالشدة، ولقاء الواحد أكثر من المثلين؛ لأن سلمة كان وحده وألقى بنفسه إلى التهلكة، وفيه تعريف الإنسان بنفسه في الحرب لشجاعته وتقدمه، وسيأتي في الباب بعده زيادة فيه.
وفيه: فضل الرمي لأنه وحده قاومهم بها، ورد الغنيمة.
و (الغابة): الأجمة، والثنية من الأرض كالمرتفع، قاله ابن فارس (١). وقيل: هي أعلى الجبل؛ وسلف.
و (اللقاح): النوق ذات الدر، واحدها: لقحة بكسر اللام. وقيل: بفتحها، و (غَطَفَان) و (فَزَارة): قبيلتان من العرب.
وقوله: (واليوم يوم الرضع). فيه أقوال للعلماء، منها أن معناه: من
стр. 10746
أرضعته الحرب من صغره، فهو الظاهر، وقيل معناه: إن اليوم يعرف من رضع كريمة أو لئيمة، قيل: أو حرة، فيبدو فعله في الدفع عن حريمه. وقال الخطابي: معناه: إن اليوم يوم هلاك اللئام، من قولهم: لئيم راضع، وهو الذي يرضع الغنم لا يحلبها فيسمع صوت الحلب. وعبارة غيره: وهو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه. فقال: راضع ورضع مثل راكع وركع (١). وقيل في المثل: ألأم من راضع، (ذلك) (٢) إذا أحس بالضيف رضع اللبن بفيه كما ذكرناه، وقال أبو عبد الملك: يحتمل أن يريد: اليوم تعلم المرضعة هل أرضعت شجاعًا أم جبانًا؟ وقال الداودي: أراد: يومًا شديدًا عليكم تفارق فيه المرضعة رضيعها، فلا يجد من يرضعه أو شيئًا معها. قَالَ: وأتى به على السجع، وهو قريب من الشعر، وروِي أنه قَالَ لهم: إني رجل شديد الطلب قليل السلب. وفي الكنانة ثلاثون سهمًا، ولا والله أرد يدي إليها وأضع منها سهمًا إلا في كبد إنسان منكم وأنه استلبهم ثلاثين بردة، ذكره في البخاري بعد هذا.
وقال ابن الأنباري في "زاهره": هو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه. أي: غذي به، وقيل: هو الذي يرضع ما بين أسنانه يستكثر من الجشع بذلك. وقال أبو عمر: هو الذي يرضع الشاة أو الناقة من قبل أن يحلبها من شدة الشره.
وقال قوم: الراضع الذي لا يمسك معه محلبًا، فإذا جاءه إنسان فسأله أن يسقيه احتج أنه لا محلب معه، وإذا أراد أن يشرب هو
стр. 10747
رضع الناقة أو الشاة. وقال في "الموعب": رضع الرجل رضاعة وهو رضيع وراضع للئيم، وجمعه: راضعون.
وقال ابن دريد: أصل الحديث أن رجلاً من العماليق طرقه ضيف ليلاً فمص ضرع شاته لئلا يسمع الضيف الشخب، فأكثر حَتَّى صار كل لئيم راضعا، فعل ذَلِكَ أو لم يفعله (١). وقال إبراهيم: من عيوب الشاة أن ترتضع لبن نفسها. وقيل: هو الذي يرضع طرف الخلال التي يخلل بها أسنانه ويمص ما يتعلق به.
وقوله: اليوم يوم الرضع. قَالَ السهيلي: هو برفعهما، وبنصب الأول ورفع الثاني (٢).
وقوله: ("ملكت فأسجح") أي: سهل العقوبة ولا تأخذ بالشدة، بل ارفق فقد حصلت النكاية فيهم. يقال: أسجح الكريم إلى من أذنب عليه يسجح إسجاحًا.
وقوله: (فاستنقذتها منهم قبل أن يشربوا). يعني: الماء، وعلى ذَلِكَ يدل قوله: (إن القوم عطاش) يحضه على اتباعهم وإهلاكهم، فقال له النبي ﷺ : "ملكت فأسجح" أي: استنقذت الغنيمة فملكتها، وملكت الحماية فأسجح. أي: لا تبالغ في المطالبة، فربما عادت عليك (كبيرة) (٣) من حيث لا تظن، فبعد أن ظفرت يظفر بك، قال ذَلِكَ ﷺ لهم حضًا لهم ورجاء توبة منهم وإنابة ودخولهم في الإسلام.
стр. 10748
وقوله: ("إن القوم يقرون في قومهم") وهو من القرى وهو الضيافة، والمعنى: أنهم قد وصلوا إلى قومهم، وقيل: إنهم يضيفون الأضياف، وقال ابن بطال: "يقرون" سيبلغون أول بلادهم فيطعمون ويسقون قبل أن تبلغ منهم ما تريد. قَالَ: ومن روى: (يقرون) جعل القرى لهم أنهم يضيفون الأضياف (١)، وصحفه بعضهم فقال: يغزون بغين معجمة. ونقل ابن الجوزي عن بعضهم يُقْرُون، وفسره بأنهم يجمعون الماء واللبن.
وفي "دلائل البيهقي": "إنهم ليغبقون الآن في غطفان" فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورًا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هرابًا، وفيها أيضًا أن امرأة الغفاري ركبت العضباء ناقة رسول الله ﷺ ونذرت إن الله نجاها عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة أخبرت رسول الله بنذرها فقال: "بئس ما جزيتها، وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" (٢).
قَالَ السهيلي: واسمها ليلى، ويقال: كانت امرأة أبي ذر (٣). وزعم المبرد أن المرأة كانت أنصارية وكانت بمكة، وفيه نظر.
стр. 10749
١٦٧ - باب مَنْ قَالَ: خُذْهَا، وَأَنَا ابن فُلَانٍ
وَقَالَ سَلَمَةُ: خُذْهَا، وَأَنَا ابن الأَكْوَعِ. [انظر: ٣٠٤١]
٣٠٤٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ البَرَاءَ ﵁ فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَوَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ الْبَرَاءُ وَأَنَا أَسْمَعُ: أَمَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يُوَلِّ يَوْمَئِذٍ، كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ، فَلَمَّا غَشِيَهُ المُشْرِكُونَ نَزَلَ، فَجَعَلَ يَقُولُ:
"أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ"
قَالَ فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ. [انظر: ٢٨٦٤ - مسلم: ١٧٧٦ - فتح ٦/ ١٦٤]
ثم ساق حديث البَرَاءَ: "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ". وقد سلفا.
وأسند الأول أيضًا.
ومعنى: (خذها): الرمية. قَالَ ابن التين: وهي كلمة يقولها الراعي عندما يصيب فرحًا. وكان ابن عمر إذا رمى فأصاب يقول: خذها وأنا أبو عبد الرحمن، ورمى بين الهدفين وقال: أنا بها أنا بها، وكان راميًا، كان يرمي الطير على سنام البعير فلا يخشى أن يصيب السنام، وقال: أنا الغلام الهذلي، وروي عنه جيم: "أنا ابن العواتك" (١)، وقال ابن بطال: معنى: (خذها وأنا ابن الأكوع). أي: أنا ابن المشهور في الرمي بالإصابة عن القوس، وهذا على سبيل الفخر؛ لأن العرب تقول: أنا ابن نجدتها، أي: القائم للأمر، وأنا ابن جلاء، يريد:
стр. 10750
المنكشف الأمر الواضح الجلي. وقال الهذلي:
وَرَمَيتُ فَوْقَ مُلاءَةٍ مَحْبُوكةٍ … وَأَبَنْتُ للأشْهادِ حَزَّةَ أَدَّعِي
يقول: أبنت لهم قولي: خذها وأنا ابن فلان. وحزة: يعني ساعة أدعي إلى قومي، ولا يقول مثل هذا إلا الشجاع البطل، والعادة عند العرب أن يعلم الشجاع نفسه بعلامة في الحرب يتميز بها عن غيره ليقصده من يدعي الشجاعة فأعلم النبي ﷺ نفسه بالنبوة المعصومة وبنسبه الطاهر، فقال ذَلِكَ ليقوي قلب من تمكن الشيطان منه فاستزله فانهزم، ولذلك نزل ﷺ بالأرض؛ لأن النزول غاية ما يكون من الطمأنينة والثقة بالله، ليقتدي به المؤمنون فيثبتوا؛ لأنه ﷺ لا يجوز عليه من كيد الشيطان أن يقذف في قلبه خوفًا تزل به قدمه، أو ينكص على عقبيه فينهزم؛ لأنه على بصيرة من أمره، ويقين من نصر الله له، وإتمام أمره ومنعه من عدوه، وقد سلف هذا المعنى (١).
ووقع في الداودي: فلما غشيه المشركون تولى، يعني: أبا سفيان بن الحارث. قَالَ: وليس هذا في أكثر الروايات، وهذا لم يروه أحد غيره، والمعروف في الروايات: (فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول: "أنا النبي لا كذب") إلى آخره، وفي "النوادر": قَالَ محمد بن عبد الحكم: لا بأس بالافتخار عند الرمي والانتماء للقبائل والرجز (٢)، وكل ذَلِكَ إذا رمى بالسهم وظنه مصيبًا أن يصيح عليه، وبالذكر لله أحب إلي، وإن قَالَ: أنا الفلاني. لقبيلته فذلك جائز كله مستحب، وفيه إغراء لبعضهم ببعض.