← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10746–10785 · переход к 10751.

стр. 10746

أرضعته الحرب من صغره، فهو الظاهر، وقيل معناه: إن اليوم يعرف من رضع كريمة أو لئيمة، قيل: أو حرة، فيبدو فعله في الدفع عن حريمه. وقال الخطابي: معناه: إن اليوم يوم هلاك اللئام، من قولهم: لئيم راضع، وهو الذي يرضع الغنم لا يحلبها فيسمع صوت الحلب. وعبارة غيره: وهو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه. فقال: راضع ورضع مثل راكع وركع (١). وقيل في المثل: ألأم من راضع، (ذلك) (٢) إذا أحس بالضيف رضع اللبن بفيه كما ذكرناه، وقال أبو عبد الملك: يحتمل أن يريد: اليوم تعلم المرضعة هل أرضعت شجاعًا أم جبانًا؟ وقال الداودي: أراد: يومًا شديدًا عليكم تفارق فيه المرضعة رضيعها، فلا يجد من يرضعه أو شيئًا معها. قَالَ: وأتى به على السجع، وهو قريب من الشعر، وروِي أنه قَالَ لهم: إني رجل شديد الطلب قليل السلب. وفي الكنانة ثلاثون سهمًا، ولا والله أرد يدي إليها وأضع منها سهمًا إلا في كبد إنسان منكم وأنه استلبهم ثلاثين بردة، ذكره في البخاري بعد هذا. وقال ابن الأنباري في "زاهره": هو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه. أي: غذي به، وقيل: هو الذي يرضع ما بين أسنانه يستكثر من الجشع بذلك. وقال أبو عمر: هو الذي يرضع الشاة أو الناقة من قبل أن يحلبها من شدة الشره. وقال قوم: الراضع الذي لا يمسك معه محلبًا، فإذا جاءه إنسان فسأله أن يسقيه احتج أنه لا محلب معه، وإذا أراد أن يشرب هو

стр. 10747

رضع الناقة أو الشاة. وقال في "الموعب": رضع الرجل رضاعة وهو رضيع وراضع للئيم، وجمعه: راضعون. وقال ابن دريد: أصل الحديث أن رجلاً من العماليق طرقه ضيف ليلاً فمص ضرع شاته لئلا يسمع الضيف الشخب، فأكثر حَتَّى صار كل لئيم راضعا، فعل ذَلِكَ أو لم يفعله (١). وقال إبراهيم: من عيوب الشاة أن ترتضع لبن نفسها. وقيل: هو الذي يرضع طرف الخلال التي يخلل بها أسنانه ويمص ما يتعلق به. وقوله: اليوم يوم الرضع. قَالَ السهيلي: هو برفعهما، وبنصب الأول ورفع الثاني (٢). وقوله: ("ملكت فأسجح") أي: سهل العقوبة ولا تأخذ بالشدة، بل ارفق فقد حصلت النكاية فيهم. يقال: أسجح الكريم إلى من أذنب عليه يسجح إسجاحًا. وقوله: (فاستنقذتها منهم قبل أن يشربوا). يعني: الماء، وعلى ذَلِكَ يدل قوله: (إن القوم عطاش) يحضه على اتباعهم وإهلاكهم، فقال له النبي ﷺ : "ملكت فأسجح" أي: استنقذت الغنيمة فملكتها، وملكت الحماية فأسجح. أي: لا تبالغ في المطالبة، فربما عادت عليك (كبيرة) (٣) من حيث لا تظن، فبعد أن ظفرت يظفر بك، قال ذَلِكَ ﷺ لهم حضًا لهم ورجاء توبة منهم وإنابة ودخولهم في الإسلام.

стр. 10748

وقوله: ("إن القوم يقرون في قومهم") وهو من القرى وهو الضيافة، والمعنى: أنهم قد وصلوا إلى قومهم، وقيل: إنهم يضيفون الأضياف، وقال ابن بطال: "يقرون" سيبلغون أول بلادهم فيطعمون ويسقون قبل أن تبلغ منهم ما تريد. قَالَ: ومن روى: (يقرون) جعل القرى لهم أنهم يضيفون الأضياف (١)، وصحفه بعضهم فقال: يغزون بغين معجمة. ونقل ابن الجوزي عن بعضهم يُقْرُون، وفسره بأنهم يجمعون الماء واللبن. وفي "دلائل البيهقي": "إنهم ليغبقون الآن في غطفان" فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورًا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هرابًا، وفيها أيضًا أن امرأة الغفاري ركبت العضباء ناقة رسول الله ﷺ ونذرت إن الله نجاها عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة أخبرت رسول الله بنذرها فقال: "بئس ما جزيتها، وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" (٢). قَالَ السهيلي: واسمها ليلى، ويقال: كانت امرأة أبي ذر (٣). وزعم المبرد أن المرأة كانت أنصارية وكانت بمكة، وفيه نظر.

стр. 10749

١٦٧ - باب مَنْ قَالَ: خُذْهَا، وَأَنَا ابن فُلَانٍ وَقَالَ سَلَمَةُ: خُذْهَا، وَأَنَا ابن الأَكْوَعِ. [انظر: ٣٠٤١] ٣٠٤٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ البَرَاءَ ﵁ فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَوَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ الْبَرَاءُ وَأَنَا أَسْمَعُ: أَمَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يُوَلِّ يَوْمَئِذٍ، كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ، فَلَمَّا غَشِيَهُ المُشْرِكُونَ نَزَلَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ" قَالَ فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ. [انظر: ٢٨٦٤ - مسلم: ١٧٧٦ - فتح ٦/ ١٦٤] ثم ساق حديث البَرَاءَ: "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ". وقد سلفا. وأسند الأول أيضًا. ومعنى: (خذها): الرمية. قَالَ ابن التين: وهي كلمة يقولها الراعي عندما يصيب فرحًا. وكان ابن عمر إذا رمى فأصاب يقول: خذها وأنا أبو عبد الرحمن، ورمى بين الهدفين وقال: أنا بها أنا بها، وكان راميًا، كان يرمي الطير على سنام البعير فلا يخشى أن يصيب السنام، وقال: أنا الغلام الهذلي، وروي عنه جيم: "أنا ابن العواتك" (١)، وقال ابن بطال: معنى: (خذها وأنا ابن الأكوع). أي: أنا ابن المشهور في الرمي بالإصابة عن القوس، وهذا على سبيل الفخر؛ لأن العرب تقول: أنا ابن نجدتها، أي: القائم للأمر، وأنا ابن جلاء، يريد:

стр. 10750

المنكشف الأمر الواضح الجلي. وقال الهذلي: وَرَمَيتُ فَوْقَ مُلاءَةٍ مَحْبُوكةٍ … وَأَبَنْتُ للأشْهادِ حَزَّةَ أَدَّعِي يقول: أبنت لهم قولي: خذها وأنا ابن فلان. وحزة: يعني ساعة أدعي إلى قومي، ولا يقول مثل هذا إلا الشجاع البطل، والعادة عند العرب أن يعلم الشجاع نفسه بعلامة في الحرب يتميز بها عن غيره ليقصده من يدعي الشجاعة فأعلم النبي ﷺ نفسه بالنبوة المعصومة وبنسبه الطاهر، فقال ذَلِكَ ليقوي قلب من تمكن الشيطان منه فاستزله فانهزم، ولذلك نزل ﷺ بالأرض؛ لأن النزول غاية ما يكون من الطمأنينة والثقة بالله، ليقتدي به المؤمنون فيثبتوا؛ لأنه ﷺ لا يجوز عليه من كيد الشيطان أن يقذف في قلبه خوفًا تزل به قدمه، أو ينكص على عقبيه فينهزم؛ لأنه على بصيرة من أمره، ويقين من نصر الله له، وإتمام أمره ومنعه من عدوه، وقد سلف هذا المعنى (١). ووقع في الداودي: فلما غشيه المشركون تولى، يعني: أبا سفيان بن الحارث. قَالَ: وليس هذا في أكثر الروايات، وهذا لم يروه أحد غيره، والمعروف في الروايات: (فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول: "أنا النبي لا كذب") إلى آخره، وفي "النوادر": قَالَ محمد بن عبد الحكم: لا بأس بالافتخار عند الرمي والانتماء للقبائل والرجز (٢)، وكل ذَلِكَ إذا رمى بالسهم وظنه مصيبًا أن يصيح عليه، وبالذكر لله أحب إلي، وإن قَالَ: أنا الفلاني. لقبيلته فذلك جائز كله مستحب، وفيه إغراء لبعضهم ببعض.

стр. 10751

واختلف السلف كما قَالَ الطبري: هل يعلم الرجل الشجاع نفسه عند لقاء العدو، فقال بعضهم: ذَلِكَ جائز على ما دل عليه هذا الحديث، وقد أعلم نفسه حمزة بن عبد المطلب يوم بدر بريشة نعامة في صدره، وأعلم نفسه أبو دجانة بعصابة بمحضر رسول الله ﷺ ، وكان الزبير يوم بدر معتمًّا بعمامة صفراء فنزلت الملائكة معتمين بعمائم صفر، وقال ابن عباس: في قوله تعالى في: ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] أنهم أتوا محمدًا ﷺ مسومين بالصوف، فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف (١)، وكره آخرون التسويم والإعلام في الحرب، وقالوا: فعل ذَلِكَ من الشهرة ولا ينبغي للمسلم أن يشهر نفسه في خير ولا شر، قالوا: وإنما ينبغي للمؤمن إذا فعل شيئًا لله تعالى أن يخفيه عن الناس، إن الله لا يخفى عليه شيء روي هذا عن بريدة الأسلمي، والصواب كما قَالَ الطبري أنه لا بأس بالتسويم والإعلام في الحرب إذا فعله الفاعل من أهل البأس والنجدة، وهو قاصد بذلك شحذ الناس على الائتساء به والصبر للعدو والثبات لهم في اللقاء، وهو يريد ترهيب العدو إذا عرفوا مكانه، وإعلام من معه من المسلمين أنه لا يخذلهم ولا يسلمهم، وإذا لم يرد ذَلِكَ وقصد به الافتخار، فهذا المعنى هو المكروه لأنه ليس ممن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وإنما قاتل للذكر (٢).

стр. 10752

١٦٨ - باب إِذَا نَزَلَ العَدُوُّ عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ ٣٠٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -هُوَ ابْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ -هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ - بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ». فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ». قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ. قَالَ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ». [٣٨٠٤، ٤١٢١، ٦٢٦٢ - مسلم: ١٧٦٨ - فتح ٦/ ١٦٥] ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ بنِ مُعَاذٍ بَعَثَ إليه النبي ﷺ ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ". فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: "إِنَّ هؤلاء نَنَرلُوا عَلَى حُكْمِكَ". قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ. فَقَالَ: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ". الشرح: موضع الترجمة من الحديث لزوم حكم المحكم برضا الخصمين وإن لم ينتصب عمومًا، وهو ظاهر في جوازه في أمور الحرب وغيرها، وهو رد على الخوارج الذين أنكروا التحكيم على علي، والنزول على حكم الإمام أو غيره جائز، ولهم الرجوع عنه ما لم يحكم، فإذا حكم فلا رجوع، ولهم أن ينتقلوا من حكم رجل إلى غيره. وفيه: أن التحاكم إلى رجل معلوم الصلاح والخير لازم للمتحاكمين، فكيف بيننا وبين عدونا في الدين؟ فالمال أخف مؤنة من النفس والأهل.

стр. 10753

وفيه: أمر السلطان والحاكم بإكرام السيد من المسلمين، وجواز إكرام أهل الفضل في مجلس السلطان الأكبر، والقيام فيه لغيره من أصحابه وسادة أتباعه، وإلزام الناس كافة القيام إلى سيدهم، وقد اعترض هذا من قَالَ: إنما أمر الشارع الأنصار بهذا خاصة؛ لأنه سيدهم، ولا دليل عليه بل هو سيد من حضر من أنصاري ومهاجري؛ لأنه قَالَ فيه قولًا مجملًا لم يخصَّ به أحدًا ممن بين يديه من غيره، وسيأتي في الاستئذان تأويل حديث الباب مع ما عارضه إن شاء الله (١). وفيه: كما قَالَ الطبري: البيان عن أن لإمام المسلمين إذا حاصر العدو فسألوهم أن ينزلوهم على حكم رجل من المسلمين مرضيَّة أمانته على الإسلام وأهله، موثوق بعقله ودينه أن يجيبهم إلى ذَلِكَ، وإن كان ذَلِكَ الرجل غائبًا عن الجيش؛ لأن سعدًا لم (يحضر) (٢) حصار رسول الله ﷺ لبني قريظة، حين سألوا رسول الله ﷺ أن ينزلوا على حكمه، وكان بالمدينة يعالج كَلْمَهُ الذي كلم بالخندق، فأرسل إليه رسول الله ﷺ حَتَّى حكم فيهم، فإن وافق حكمه حكم الله ورسوله أمضي، وإن خالف رد، وقيل للنازلين على حكمه: إن رضيتم بحكم غيره مما يجوز أمضينا حكمه، وإن كرهتم ذَلِكَ رددناكم إلى حصنكم. والحكم الذي لا يجوز لأحد الفريقين الرجوع عنه هو أن يحكم بقتلهم وسبي ذراريهم ونسائهم وقسم أموالهم، إن كان ذَلِكَ هو النظر للمسلمين، وإن حكم باسترقاق مقاتلتهم أو المن عليهم ووضع الخراج على رءوسهم فجائز بعد أن يكون نصرًا للمسلمين.

стр. 10754

والحكم المردود: أن يحكم أن يقروا في أرض المسلمين كفارًا بغير خراج ولا جزية؛ لأنه لا تجوز الإقامة بغير جزية، وإن سألوه أن ينزلهم على حكم الله، أو يحكم فيهم بحكم الله، فإنه لا ينبغي أن يجيبهم إلى ذَلِكَ، لصحة خبر بريدة. "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوا أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" (١). فإن قلتُ: فكيف جاز للإمام أن ينزلهم على حكم رجل مرضي دينه لا يتجاوز حكم الله ورسوله، ثم أنت تقول: لا يجوز للإمام الإجابة إذا سألوه النزول على حكم الله ورسوله وهذان متباينان؟ قلتُ: لا تباين، فأما كراهتنا للإمام الإجابة على ذَلِكَ فإن ذَلِكَ لا يعلمه إلا علام الغيوب، وإنما يحكمون إذا كانوا أهل دين وأمانة فأصلح ما حضرهم في الوقت، ولا سبيل لهم إلى الحكم بعلم الله، فهذا معنى نهيه، وإن هم نزلوا على حكم رجل من المسلمين ثم بدا لهم في الرضا بحكمه قبل الحكم وسألوا الإمام غيره ممن هو رضي، فللإمام أن يجيبهم إلى ذَلِكَ، وذلك أنه ﷺ ذكر عنه أن بني قريظة كانوا نزلوا على حكمه ثم سألوه أن يجعل الحكم لسعد بن معاذ فأجابهم إلى ذَلِكَ، فأما إذا حكم بينهم الذي نزلوا على حكمه ثم بدا لهم في حكمه لم يكن للإمام رد حكمه إذا لم يخالف حكمه ما يجوز عندنا. وفيه: أن للإمام إذا ظهر من قوم من أهل الحرب الذي بينه وبينهم موادعة وهدنة على خيانة وغدر أن ينبذ إليهم على سواء، وأن يحاربهم، وذلك أن بني قريظة كانوا أهل موادعة من رسول الله ﷺ قبل الخندق،

стр. 10755

فلما كان يوم الأحزاب ظاهروا قريشًا وأبا سفيان على رسول الله ﷺ وراسلوهم: إنا معكم فأثبتوا مكانكم. وأحل الله بذلك من فعلهم قتالهم ومنابذتهم على سواء، وفيهم نزلت ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ الآية [الأنفال: ٥٨] فحاصرهم والمسلمون معه حَتَّى نزلوا على حكم سعد. وفيه -كما قَالَ المهلب-: قد يوافق برأيه ما في حكم الله تعالى، ولا يعلم ذَلِكَ إلا على لسان نبيِّه كما قَالَ ﷺ في سعد (١). وقد أسلفنا أن قوله: ("قوموا إلى سيدكم") ظاهر في القيام لأهل الدين والعلماء على وجه الإكرام والاحترام، وقد قام طلحة بن عبيد الله لكعب بن مالك لما تيب عليه فكان كعب يراها له. قَالَ السهيلي: وقام رسول الله ﷺ لصفوان بن أمية ولعدي بن حاتم حين قدما عليه، وقام لمولاه زيد بن حارثة ولغيره أيضًا، وكان يقوم لابنته فاطمة إذا دخلت عليه وتقوم له إذا قدم عليها، وقام لجعفر ابن عمه، وليس هذا معارض لحديث معاوية "من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبؤا مقعده من النار" (٢)؛ لأن هذا الوعيد إنما يوجه للمتكبرين وإلى من يغضب أو يسخط ألا يقام له (٣). وقال القرطبي: إنما المكروه القيام للمرء وهو جالس. وتأول بعض أصحابنا "قوموا إلى سيدكم". على أن ذَلِكَ مخصوص بسعد، وقال بعضهم: أمرهم بالقيام لينزلوه عن الحمار لمرضه، وفيه بعد (٤).

стр. 10756

وفيه: جواز قول الرجل للآخر: يا سيدي إذا علم منه خيرًا وفضلاً؛ وإنما جاءت الكراهة في تسويد الرجل الفاجر. وقوله: ("بحكم الملِك") هو بكسر اللام، وهو المشهور في الرواية" وكذا هو في مسلم قطعًا، وفتح في البخاري بعضهم اللام، فإن صح فالمراد به جبريل في الحكم الذي جاء به عن الله، ورده ابن الجوزي من وجهين: أحدهما: ما نقل أن ملكًا نزل في شأنهم بشيء، ولو نزل بشيء اتبع وترك اجتهاد سعد. قلتُ: في غير رواية البخاري أنه ﷺ قَالَ في حكم سعد: "بذلك طرقني الملك سحرا" (١). ثانيهما: في بعض ألفاظ الصحيح كما سيأتي في موضعه: "قضيت بحكم الله" (٢)، وأما ابن التين فقال: المعنى كله واحد على الكسر والفتح.

стр. 10757

١٦٩ - باب قَتْلِ الأَسِيِر وَقَتْلِ الصَّبْرِ ٣٠٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». [انظر: ١٨٤٦ - مسلم: ١٣٥٧ - فتح ٦/ ١٦٥] ذكر فيه حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الفَتْح وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابن خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ. فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ". هذا الحديث سلف في الحج، وقد تقدم القول في قتل الأسرى، وأن الإمام مخير بين القتل والمن، وكذلك فعل الشارع يوم الفتح قتل ابن خطل ومقيس بن صبابة والقينتين ومنَّ على الباقين. وفيه: أن للإمام أن يقتل صبرًا من حاد الله ورسوله وكان في قتله صلاح للمسلمين، كما قتل ﷺ يوم بدر عقبة بن أبي معيط، قام إليه علي فقتله صبرًا، فقال: من للصبية يا محمد؟ قَالَ: "النار". وقتل النضر بن الحارث، وكذلك فعل سعد في بني قريظة. وهذا الحديث حجة لقول الجمهور: إن مكة فتحت عنوة. وقد سلف ذَلِكَ في الحج، ومن الآثار الدالة ما ذكره أبو عبيد بإسناده من حديث أبي هريرة، أنه حدث بفتح مكة (قَالَ) (١): ثم أقبل رسول الله ﷺ حين قدم مكة فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالد بن الوليد على الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر فأخذوا بطن الوادي، فأمرني رسول الله فناديت بالأنصار، فلما أطالت به قَالَ: "أترون أوباش

стр. 10758

قريش وأتباعهم؟ ". ثم قَالَ بيديه (إحداهما) (١) على الأخرى: "احصدوهم حصدا حَتَّى توافوني بالصفا". قَالَ أبو هريرة: فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل منهم من شاء إلا قتله، فجاء أبو سفيان بن حرب فقال: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش فلا قريش بعد اليوم. فقال ﷺ : "من أغلق بابه فهو آمن، (ومن دخل دار أبي سفيان فهوآمن" (٢) (٣). ثم ساق من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ يوم الفتح: "ألا لا يجهزن على جريح، ولا يتبعن مدبر، ولا يقتلن أسير، ومن أغلق بابه فهو آمن" وهذا ظاهر في دخولها عنوة، ومن خالف ذَلِكَ واعتل بأنه ﷺ لم يحكم فيها بحكم العنوة من الغنم لها واسترقاق أهلها فلم تكن عنوة، فقد يدعى تخصيصها بذلك كما خصت بغير ذَلِكَ (٤).

стр. 10759

١٧٠ - باب هَل يَسْتَأْسِرُ الرَّجُلُ؟ وَمَنْ لَمْ يَسْتَأسِرْ، وَمَنْ رَكَعَ رَكْعَتَيْن عِنْدَ القَتْلِ ٣٠٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ -وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ- أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَأَةِ وَهْوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو لِحْيَانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَىْ رَجُلٍ، كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ تَمْرًا تَزَوَّدُوهُ مِنَ المَدِينَةِ فَقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ. فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ، وَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ فَقَالُوا لَهُمُ: انْزِلُوا وَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ، وَلَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا. قَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ: أَمَّا أَنَا فَوَاللهِ لَا أَنْزِلُ اليَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ. فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأَنْصَاريُّ وَابْنُ دَثِنَةَ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللهِ لَا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ في هَؤُلَاءِ لأُسْوَةً. يُرِيدُ القَتْلَى، فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَأَبَى فَقَتَلُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ دَثِنَةَ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَابْتَاعَ خُبَيْبًا بَنُو الحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا، فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عِيَاضٍ أَنَّ بِنْتَ الحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ، فَأَخَذَ ابْنًا لِي وَأَنَا غَافِلَةٌ حِينَ أَتَاهُ قَالَتْ فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فِي وَجْهِي فَقَالَ تَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ. وَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ. وَكَانَتْ تَقُولُ:

стр. 10760

إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: ذَرُونِي أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ. فَتَرَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَطَوَّلْتُهَا اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ فَقَتَلَهُ ابْنُ الحَارِثِ، فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا، فَاسْتَجَابَ الله لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ يَوْمَ أُصِيبَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ وَمَا أُصِيبُوا، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبُعِثَ عَلَى عَاصِمٍ مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ، فَحَمَتْهُ مِنْ رَسُولِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعَ مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا. [٣٩٨٩/ ٤٠٨٦، ٧٤٠٢ - فتح ٦/ ١٦٥] حدثنا أَبُو اليَمَانِ، أنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ -وَهْوَ حَلِيف لِبَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ مِنْ أَصحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ- أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشَرَةَ رَهْطٍ سرِيَّةً عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمٍ بنِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَأَةِ وَهْوَ بَيْنَ عُسْفَان وَمَكَّةَ .. الحديث. وفيه قصة خبيب بكمالها، وهو من أفراده، وعند الدارقطني: قَالَ يونس -من رواية أبي صالح، عن الليث، عن يونس- وابن أخي الزهري وإبراهيم بن سعد: عُمر بن أبي سفيان (١) بضم العين. غير أن إبراهيم نسبه إلى جده فقال: عمر بن أسيد. قَالَ البخاري في "تاريخه": الصحيح: عمرو (٢).

стр. 10761

إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجوه: أحدها: هذِه السرية تسمى سرية الرجيع. قَال ابن سعد: كانت في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا (١). وعن أبي هريرة وعاصم بن عمر قالا: قدم على رسول الله ﷺ وهي من عضل والقارة -وهم من الهُون ابنِ خُزيمة- فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهونا ويقرءونا القرآن. فبعث معهم عشرة رهط: عاصم بن ثابت، ومَرْثد بن أبي مَرْثد، وعبد الله بن طارق، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وخالد بن البكير، ومعتب بن عبيد -وهو أخو ابن طارق لأمه- وأمر عليهم عاصمًا وقال قائل: مرثد بن أبي مرثد (٢). وكذا في "الإكليل"، قَالَ الواقدي: والرجيع على سبعة أميال من عسفان، حَدَّثَني موسى بن يعقوب عن أبي الأسود قَالَ: بعث رسول الله ﷺ أصحاب الرجيع عيونًا إلى مكة ليخبروه. (٣) وعند موسى بن عقبة كذلك عن الزهري قَالَ: وكانوا ستة. وفي "الدلائل" للبيهقي: بعث ﷺ عاصم بن ثابت إلى بني لحيان بالرجيع (٤)، وذكرها ابن إسحاق في صفر سنة أربع، وعدهم ستة، وأميرهم مرثد. وقال عبد الحق في "جمعه": إنها كانت في غزوة الرجيع، وكانت غزوة الرجيع بعد أحد. ثانيها: أسيد: بفتح الهمزة وكسر السين، وجارية: بالجيم. وقوله: (جد عاصم بن عمر). قَالَ الدمياطي بخطه: لم يكن جده وإنما كان خاله؛ لأن عاصم بن عمر بن الخطاب أمه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح، أخت عاصم بن ثابت، وكان اسمها عاصية فسماها رسول الله ﷺ جميلة.

стр. 10762

وبنو لحيان من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بكسر اللام، وحكى صاحب "المطالع " فتحها، وعند الدمياطي: إنهم من بقايا جرهم دخلوا في هذيل. وعن ابن دريد: اشتقاقه من اللَّحْي من قولهم: لحيت العود ولَحَوْتُه إذا قشرته (١). و (الهدأة) -بفتح الهاء والهمزة- موضع بين عسفان ومكة. كما ذكر. وقوله: (فنفروا لهم قريبًا من مائتي رجل). هو بفتح الهاء، وكذا ضبطه الدمياطي، وضبطه بعض شيوخنا بتشديدها، وفي رواية: فنفر إليهم بقريب من مائة رجل بتخفيفها، فكأنه قَالَ: نفروا مائتي رجل، ولكن ما تبعهم إلا مائة. وفي رواية: فنفذوا. بالذال المعجمة. وقوله: (فاقتصوا آثارهم): أي: اتبعوها. قَالَ ابن التين: ويجوز بالسين. وقوله: (فلما رآهم عاصم). كذا هو في "الصحيح" و"شرح ابن بطال" (٢)، وذكره بعض الشراح بلفظ: فلما أحس ثم قَالَ: أي علم. وفي أبي داود: حس بغير ألف (٣). و (الفدفد) -بفاءين مفتوحتين بينهما قال مهملة ساكنة- وهو الموضع المرتفع الذي فيه غلظ وارتفاع. وقال ابن فارس: إنه الأرض المستوية (٤). وظاهر الحديث: أنه مكان مشرف تحصنوا فيه، ولأبي داود: قردد (٥)، بقاف مفتوحة ثم راء ساكنة ثم قال مفتوحة مهملة وأخرى مثلها، وهما سواء.

стр. 10763

ثالثها: الثالث الذي قَالَ: (هذا أول الغدر) سماه ابن إسحاق: عبد الله بن طارق (١)، بدري، وقتله هؤلاء رميًا بالحجارة بالظهران، وكان خبيب قتل الحارث بن عامر يوم بدر، كما ذكره البخاري، وهو بضم الخاء المعجمة، ذكره البخاري وغيره في البدريين، وقال الدمياطي: إن الحارث بن عامر إنما قتله خبيب بن يساف بن عيينة ببدر؛ لأن خبيب بن عدي لم يشهد بدرًا. وقوله: (فابتاع خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف). وقال ابن إسحاق: ابتاع خبيبًا حجير بن أبي إهاب -أخو الحارث- لأنه ابتاعه لعقبة بن الحارث ليقتله بأبيه (٢)، وقيل: اشترك في ابتياعه أبو إهاب بن عزيز وعكرمة بن أبي جهل والأخنس بن شريق وعبيدة بن حكيم بن الأوقص وأمية بن أبي عتبة وبنو الحضرمي وصفوان بن أمية، وهم أبناء من قتل من المشركين ببدر، ودفعوه إلى عقبة فسجنه حَتَّى انقضت الأشهر الحرم فصلبوه بالتنعيم، فكان أول من صلب في ذات الله وأول من صلى ركعتين عند القتل، وقيل: زيد بن حارثة (يعني: أن زيد بن حارثة أول من سن ركعتين على قول) (٣) حين أراد المكري الغدر به فيما ذكر في "مرشد الزوار" (٤). والدثنة -بدال مهملة مفتوحة ثم شاء مثلثة مكسورة وساكنة ثم نون مفتوحة- قتله صفوان بن أمية بأبيه.

стр. 10764

وقوله: (فأخبرني عبيد الله بن عياض [أن بنت الحارث أخبرته) القائل: (فأخبرني عبيد الله)] (١) هو الزهري كما نبه عليه الدمياطي، لا كما قاله بعض الشراح أنه عمرو، وعبيد الله هذا: هو القاري من القارة، تابعي، ولم يذكره أحد في رجال البخاري كما ادعاه الدمياطي، نعم ذكره المزي، وهو والد محمد (٢)، وسمَّى ابن إسحاق ابنة الحارث ماوية. وقيل: مارية. وهي مولاة حجر بن أبي إهاب، وكانت زوج عقبة بن الحارث، وسماها ابن بطال جويرية (٣)، وفي "معجم البغوي": هي ماوية بنت حجير بن أبي إهاب (٤). وللواقدي: هي مولاة بني عبد مناف (٥). قَالَ الحميدي في "جمعه": رواية عبيد الله عنها هنا إلى قوله: (فلما خرجوا به من الحرم) (٦)، والابن الذي خيف عليه من الموسى هو أبو الحسين بن الحارث بن عامر بن نوفل، وهو جد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي شيخ مالك. وجاء (واقتلهم بددا)، هو بفتح الباء الموحدة، والبدد: التفرق. قَالَ السهيلي: ومن رواه بكسر الباء فهو جمع بدة (٧)، وهي: الفرقة والقطعة من الشيء المتبدد، ونصبه على الحال من المدعو، وبالفتح مصدر. و (المصرع): موضع سقوط الميت، و (الشِّلْو): العضو من اللحم. وعن الخليل أنه الجسد من كل شيء (٨). قَالَ صاحب "المطالع": وهو متعين هنا -يعني أعضاء جسد- إذ لا يقال: أعضاء عضو.

стр. 10765

و (الأوصال): جمع وصل. قاله الداودي، والممزع -بضم الميم وبالزاي وعين مهملة- المفرق ويروى أن الذي قتل خبيبًا هو أبو سروعة بكسر السين وقيل بفتحها، وفتح الراء وقيل بضمها، وقيل: إنه عقبة بن الحارث وقيل: أخوه، وكلاهما أسلم بعد ذلك، وكان عاصم قتل يوم أحد فتيين من بني عبد الدار أخوين، أمهما سلافة بنت سعد بن (شهيد) (١)، وهي التي نذرت إن قدرت على قحف عاصم لتشربن فيه الخمر. و (الظلة): السحابة. وقيل: هي كل ما غطى وستر. وقال القزاز: ما يستظل به من ثوب أوشجر. و (الدبر): الزنابير، واحدها دبرة. وقال ابن فارس: هي النحل، وجمعه دبور (٢). وقال ابن بطال: الدبر: جماعة النحل لا واحد لها، وكذلك الثَّوْلُ والخشرم ولا واحد لشيء منها، كما يقال لجماعة الجراد: رجل، ولجماعة النعام: خيط، ولجماعة الظباء: إجل، وليس بشيء (من) (٣) ذَلِكَ واحد (٤). ولم يرع ذَلِكَ المشركين وصدهم اللهو كما سبق في علم الله، والشعر الذي أنشده خبيب قَالَ ابن هشام في "السيرة": أكثر أهل العلم بالشعر ينكرها له (٥). رابعها: في فوائده، فيه: أنه جائز أن يستأسر الرجل إذا أراد أن يأخذ برخصة الله في إحياء نفسه، كما فعل خبيب وصاحباه، وقال

стр. 10766

الحسن البصري: لا بأس أن يستأسر الرجل إذا خاف أن يغلب. وقال الأوزاعي: لا بأس بالأسير المسلم أن يأبى أن يمكن من نفسه ويمد عنقه للقتل (١). وفيه: الأخذ بالشدة والإنابة من الأسر والأنفة من أن يجري عليه ملك كافر، كما فعل عاصم، واحد صاحبي خبيب حين أَبَى من السير معهم حَتَّى قتلوه. وقال الثوري: أكره للأسير المسلم أن يمكن من نفسه إلا مجبورا. وفيه استنان الركعتين لكل من قتل صبرًا. وفيه: استنان الاستحداد لمن أسر ولمن يقتل، والتنظيف لمن يضيع بعد القتل لئلا يطلع منه على قبح عورة. وفيه: أداء الأمانة إلى المشرك وغيره، وفيه: التورع من قتل أطفال المشركين؛ رجاء أن يكونوا مؤمنين. وفيه: الامتداح بالشعر في حين ينزل بالمرء هوان في دين أو ذلة ليسلي بذلك نفسه ويرغم بذَلِكَ أنف عدوه ويجدد في نفسه صبرًا وأنفة. وأما قولها: (يأكل من قطف عنب وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول: إنه لرزق من الله رزقه خبيبًا). قَالَ ابن بطال: هذا ممكن أن يكون آية لله على الكفار وبرهانًا لنبيه، وتصحيحًا لرسالته عند الكافرة وأهل بلدها الكفار؛ من أجل ما كانوا عليه من تكذيب رسول الله ﷺ ، وأما من يدعي اليوم مثل هذا بين ظهراني المسلمين، فليس له وجه. إذ المسلمون كلهم قد دخلوا في دين الله أفواجًا وآمنوا بمحمد وأيقنوا به، فأي معنى لإظهار آية عندهم؟ وعلى ما يستشهد

стр. 10767

بها فيهم؛ لأنه قد يشك المرتاب ومن في قلبه جهل، فيقول: إذا جاز ظهور هذِه الآيات من غير نبي، فكيف يصدقها من نبي وغيره يأتي بها؟ فلو لم يكن في رفع هذِه إلا رفع الريب عن قلوب أهل التقصير والجهل؛ لكان قطع الذريعة واجبًا والمنع منها لازمًا لهذِه العلة، فكيف ولا معنى لها في الإسلام بعد تأصله، وعند أهل الإيمان بعد تمكنه؟ إلا أن يكون من ذَلِكَ مالاً يخرق عادة، ولا يقلب عينا، ولا يخرج عن معقول البشر، مثل أن يكرم الله عبدًا بإجابة دعوة من حينه في أمر عسير وسبب ممتنع ودفع نازل، وشنعة قد أضلت فيصرفها بلطفه عن وليه، وهذا ومثله مما يظهر فيه فضل الفاضل وكرامة الولي عند ربه، قَالَ: وقد أخبرني أبو عمران الفقيه الحافظ بالقيروان أنه وقف أبا بكر بن الطيب الباقلاني على تجويزه لهذِه المعجزات، فقال له: أرأيت إن قالت لنا المعتزلة: إن برهانًا على تصحيح مذهبنا وما ندعيه من المسائل المخالفة فحكم ظهور هذِه الآية على يدي رجل صالح منا؟ قَالَ أبو عمران: فأطرق عني ومطلني بالجواب، ثم اقتضيته في مجلس آخر فقال لي: كل ما اعترض من هذِه الأشياء شيئًا من الدين أو السنن، أو ما عليه صحيح العلم فلا يقبل أصلاً على أي طريق جاء. فهذا آخر ما رجع إليه ابن الطيب. وأما حماية الله عاصمًا من الدبر فلئلا ينتهك حرمته عدوه، فهذِه الكرامة التي تجوز، مثل ذَلِكَ غير منكر؛ لأن الله تعالى حماه على طريق العادات، ولم يكن قلب عين ولا خرق عادة، هذا وشبهه جائز. وفيه: علامة من علامات النبوة بإجابة دعوة عاصم بأن أخبر الله نبيه بالخبر قبل بلوغه على ألسنة المخلوقين (١).

стр. 10768

١٧١ - باب فَكَاكِ الأَسِيِر فِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ٣٠٤٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فُكُّوا العَانِيَ -يَعْنِي الأَسِيرَ- وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ وَعُودُوا المَرِيضَ». [٥١٧٤، ٥٣٧٣، ٥٦٤٩، ٧١٧٣ - فتح ٦/ ١٦٧] ٣٠٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، أَنَّ عَامِرًا حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ ﵁: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ إِلاَّ مَا فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ فَهْمًا يُعْطِيهِ الله رَجُلاً فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. [انظر: ١١١ - مسلم: ١٣٧٠ - فتح ٦/ ١٦٧] ثم ذكر حديث أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فُكُّوا العَانِيَ -يَعْنِي: الأَسِيرَ- وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ". وحديث أَبِي جُحَيْفَةَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ ﵁: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فَهْمًا يُعْطيهِ اللهُ رَجُلًا فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هذِه الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا في الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. هذا الحديث من أفراده، وقد سلف في كتاب العلم، ويأتي في الديات أيضًا (١)، وفكاك الأسير فرض كفاية لهذا الحديث وعلى هذا كافة العلماء.

стр. 10769

وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قَالَ: فكاك كل أسير من أسرى المسلمين من بيت المال (١). وبه قَالَ إسحاق، وروي عن ابن الزبير أنه سأل الحسن بن علي عن فكاك الأسير قَالَ: على أهل الأرض التي يقاتل عليها (٢). وروى أشهب وابن نافع، عن مالك أنه سُئل: أواجب على المسلمين افتداء من أسر منهم؟ قَالَ: نعم، أليس واجبًا عليهم أن يقاتلوا حَتَّى يستنقذوهم، فكيف لا يفدونهم بأموالهم (٣)؟ وعن أحمد: يفادون بالرءوس، وأما بالمال فلا أعرفه (٤). والحديث وهو ("فكوا العاني") عمومٌ في كل ما يفادى به، فلا معنى لقول أحمد، وقد قَالَ عمر بن عبد العزيز: إذا (خرج) (٥) الذمي بالأسير من المسلمين فلا يحل للمسلمين أن يردوه إلى الكفر ليفادوه بما استطاعوا. قَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. وإطعام الجائع فرض على الكفاية أيضًا، ألا ترى لو أن رجلاً يموت جوعًا وعندك ما تُجِيبُه به، بحيث لا يكون في ذَلِكَ الموضع أحد غيرك فقد تعين الفرض عليك في إحياء نفسه وإمساك رمقه، فإذا ارتفعت حال الضرورة كان ذَلِكَ ندبًا، وسيأتي شيء منه في الأطعمة إن شاء الله. وعيادة المريض سنة متأكدة، ويحتمل كما قَالَ ابن بطال أن يكون فرض كفاية أيضًا.

стр. 10770

وأما يمين علي أن ما عنده إلا كتاب الله أو فهمًا يعطيه الله رجلاً، ففيه دلالة على صحة قول مالك: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور وفهم يضعه الله في قلب من يشاء. فمن أنكر هذا على مالك فلينكره على علي. وفيه: أن كتاب الله أصل العلم وأن الفهم عنه وعن الحديث المبين له. وقوله: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة). هو من أيمان العرب. قَالَ أبو عبيدة: (فلق الحب): شقها في الأرض حَتَّى تنبت ثم أثمرت، فكان منها حب كثير، وكل شيء شققته باثنين فقد فلقته. ومنه قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥] و (النسمة): كل ذات نفس فهي نسمة، سميت بذلك لتنسمها الهواء، وبرأ الله الخلق: برأ خلقهم (١).

стр. 10771

١٧٢ - باب فِدَاءِ المُشرِكِينَ ٣٠٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رِجَالاً مِنَ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أُخْتِنَا عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ. فَقَالَ: «لَا تَدَعُونَ مِنْهَا دِرْهَمًا». [انظر: ٢٥٣٧ - فتح ٦/ ١٦٧] ٣٠٤٩ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَجَاءَهُ العَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلاً. فَقَالَ: «خُذْ». فَأَعْطَاهُ فِي ثَوْبِهِ. [انظر: ٤٢١ - فتح ٦/ ١٦٧] ٣٠٥٠ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ -وَكَانَ جَاءَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ. [انظر: ٧٦٥ - مسلم: ٤٦٣ - فتح ٦/ ١٦٨] ذكر فيه حديث مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابن شِهَاب، عن أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُول اللهِ ﷺ ، فَقًالُوا: يَا رَسُول اللهِ، ائْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أُخْتِنَا العَبَّاس فِدَاءَهُ. فَقَالَ: "لَا تَدَعُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا" وَقَالَ أَنَسٌ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَجَاءَهُ العَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُول اللهِ، أَعْطِنِي فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا. قَالَ: "خُذْ". فَأَعْطَاهُ فِي ثَوْبِهِ. وحديث جُبَيْرٍ بن مطعم -وَكَانَ جَاءَ فِي أُسَارى بَدْرٍ -قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ.

стр. 10772

وحديث أنس الأول من أفراده. قَالَ الإسماعيلي: ولم يسمع موسى بن عقبة من ابن شهاب شيئًا (١). والحديثان بعده سلفا في الصلاة (٢). والعباس أسر يوم بدر وكان غنيًّا ففدى نفسه من القتل، وفدى عقيلًا بمال، ثم بقي على حاله بمكة إلى زمن خيبر، وقيل: إنه أسلم سنة ثمان قبل الفتح، وإنما سأل الأنصار الذين أسروا العباس أن يتركوا فداءه لمكان عمومته من رسول الله ﷺ إكرامًا له بذلك فأبى ﷺ من ذَلِكَ، وأراد توهين المشركين بالغرم، وأن يضعف قوتهم بأخذ المال منهم، وقيل: إنه كان تداين في ذَلِكَ العباس وبقي عليه الدين إلى وقت إسلامه. وكذلك قَالَ للنبي ﷺ : أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا، فغرم ﷺ ما يحمله العباس من ذَلِكَ بعد إسلامه مما أفاء الله على رسوله. والترجمة صحيحة في جواز مفاداة المشركين من أيدي المسلمين وأن ذَلِكَ مباح بعد الإثخان، ومفاداة العباس لنفسه ولعقيل كان قبل الإثخان؛ فعاتب الله نبيه على ذَلِكَ، فلا تجوز المفاداة إلا بعد الإثخان وقلة قوة المشركين على المسلمين، أو لوجه من وجوه الصلاح يراه الإمام للمسلمين في ذَلِكَ. قاله ابن بطال.

стр. 10773

وكذلك حديث جبير بن مطعم فيه: جواز فداء أسرى المشركين؛ لأن جبيرًا جاء في فداء أسارى بني نوفل رهطه، فأطلقوا له بالفداء، وكان ذَلِكَ قبل الإثخان أيضًا، وقد سلف اختلاف العلماء في فداء الأسرى أو المن عليهم أو قتلهم في باب: فإما منا بعد وإما فداء (١). وقال ابن أبي صفرة: لم يأذن الشارع للأنصار في أسرى بدر لكفرهم وشدة وطأتهم، ألا ترى أنه عوتب في الفداء حَتَّى يثخن في الأرض، فكيف يأذن في تركه حَتَّى يثخن أدباً لهم، وإن كانت الأنصار قد طابت أنفسها، وشفع لأهل هوازن للرضاع الذي كان له فيهم، كما منَّ على أهل مكة بإسلامهم، وترك مكة مما فيها من جميع الأموال للرحم (٢).

стр. 10774

١٧٣ - باب الحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ دَارَ الإِسلامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ ٣٠٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَهْوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ». فَقَتَلَهُ فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ. [مسلم: ١٧٥٤ - فتح ٦/ ١٦٨] ذكر فيه حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَهْوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ". فَقَتَلْتُهُ، فَنَفَّلَنِي سَلَبَهُ. هذا الحديث أخرجه مسلم، وفيه: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن يعني حثينا. فذكره، وفي آخره: فقال: "من قتل الرجل؟ " قالوا: ابن الأكوع. قَالَ: "له سلبه أجمع" وللإسماعيلي: "على الرجل فاقتلوه" فابتدره القوم، وفي رواية: "من قتله فله سلبه". قَالَ ابن المنير: ترجمة الباب أعم؛ لأن الجاسوس حكمه غير حكم الحربي المطلق الداخل بغير أمان (١). أما فقه الباب ففيه: قتل الجاسوس الحربي، وعليه جماعة العلماء، وفيه: طاعة الشارع. وفيه: نفل الأسلاب، ويأتي بيانه. واختلف في الحربي يدخل دار الإسلام بغير أمان، فقال مالك: هو فيء لجميع المسلمين (٢)، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لمن وجده (٣). وقال الشافعي: هو فيء إلا أن يسلم قبل الظفر

стр. 10775

به. (١) وظاهر الحديث يدل أنه لمن وجده؛ لأنه ﷺ إنما أعطى سلبه لسلمة وحده؛ لأنه كان وجده، ومن قَالَ: إنه فيء فلأنه مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، خرج من باب المغانم إلى باب الفيء، والفيء للإمام يصنع فيه ما شاء حيث شاء، ومن قَالَ: إنه لمن وجده حكم له بحكم الغنائم أنها لمن أخذها بعد الخمس، وهو القياس كما قَالَ الطحاوي، وفيه الخمس؛ لأنه لم يؤخذ بقوة من المسلمين. واختلفوا في الحربي يدخل دار الإسلام ويقول: جئت مستأمنًا. فقال مالك: الإمام مخير في ذَلِكَ يرى رأيه فيه (٢)، وهو قول الأوزاعي. وقال أبو حنيفة: هو فيء (٣). وروى ابن وهب عن مالك في مركب تطرحه الريح إلى ساحل المسلمين، فيقولون: نحن تجار، إنهم فيء ولا يخمسون (٤). واحتج الشافعي بحديث سلمة بن الأكوع في أن السلب من رأس الغنيمة (٥). قَالَ ابن القصار: وسلمة إنما كان مستحقًا لكل الغنيمة إلا الخمس منها؛ لأنه لم يكن من جملة عسكر، وإنما اتبعه وحده، فله ما أخذ منه غير الخمس، فترك الشارع له الخمس زيادة على الأربعة أخماس التي له، قَالَ: وهذا يجوز عندنا كما لو رأى الحط في رد الخمس في وقت من الأوقات على الغانمين بفعل؛ لأن الخمس إليه يصرفه على ما يؤدي إليه اجتهاده، فلا دليل لهم في الحديث.

стр. 10776

واختلف في الجاسوس المعاهد والذمي، فقال مالك والأوزاعي: يصي رنا قضًا للعهد، فإن رأى الإمام استرقاقه أرقه، ويجوز قتله عند الجمهور، كما قَالَ النووي: لا ينتقض عهده بذلك إلا أن يكون شرط عليه انتقاضه به (١). وأما المسلم، فعند الشافعي وأبي حنيفة وبعض المالكية في آخرين: يعزر مما يراه الإمام إلا القتل. وقال مالك: يجتهد فيه الإمام. قَالَ عياض: قَالَ كبار أصحابنا: يقتل. (٢) واختلفوا في تركه بالتوبة، قَالَ ابن الماجشون: إن عرف بذلك قتل وإلا عزر (٣). وعند أبي حنيفة: السلب: ما على المقتول من ثياب وسلاح ومركب (٤). وعندنا فيه تفاريع ذكرناها في الفروع.

стр. 10777

١٧٤ - باب يُقَاتَلُ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّهَ وَلَا يُسْتَرَقُّونَ ٣٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلاَّ طَاقَتَهُمْ. [انظر: ١٣٩٢ - فتح ٦/ ١٦٩] ذكر فيه عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ. وقد سلف مطولًا في آخر الجنائز (١)، والذمة: العهد. يريد: أهل الكتاب. ولا خلاف فيه؛ لأنهم إنما بذلوا الجزية على أن يأمنوا في أنفسهم وأموالهم وأهليهم. وقوله: (وأن يقاتل من ورائهم). يعني: بين أيديهم كل مسلم وكافر، كما يقاتل من ظلم مسلمًا. وما ذكر من الاسترقاق ليس في الخبر، واختلف فيه إذا نقض الذمي العهد هل يسترق؟ قَالَ أشهب: لا. وقال ابن القاسم: نعم. محتجًا بأن الذمة لو حمتهم من الرقة عند بعضهم لحمتهم من القتل، وقد صلب عمر يهوديًّا أراد اغتصاب امرأة، ورأى الصديق استرقاق أهل الردة، فكيف بكفار نقضوا العهد (٢)؟

стр. 10778

١٧٥ - باب جَوَائِزِ الوَفْدِ (١) ٣٠٥٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الحَصْبَاءَ فَقَالَ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ فَقَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا». فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: «دَعُونِي فَالَّذِى أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ». وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ «أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ». وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَأَلْتُ المُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ. فَقَالَ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: وَالْعَرْجُ أَوَّلُ تِهَامَةَ. [انظر: ١١٤ - مسلم: ١٦٣٧ - فتح ٦/ ١٧٠] حدثنا قَبِيصَةُ، ثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ .. إلى أن قال: وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: "أَخْرِجُوا المُشْرِكينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كنْتُ أُجِيزُهُمْ". وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَأَلْتُ المُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَقَالَ: مَكَّةُ، وَالْمَدِينَةُ، وَالْيَمَامَةُ، وَالْيَمَنُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: وَالْعَرْجُ أَوَّلُ تِهَامَةَ. الشرح: كذا في الأصول: (حَدَّثنَا قبيصة). قَالَ الجياني: كذا في نسخة أبي زيد والنسفي وأبي أحمد، وعن ابن السكن، عن الفربري، عن البخاري:

стр. 10779

حَدَّثَنَا قتيبة: بدل (قبيصة) وهو ما ذكره في باب مرضه من المغازي، وتكرر قتيبة، عن ابن عيينة في مواضع، ولعل البخاري سمع الحديث منهما، غير أنه لا يحفظ لقبيصة، عن ابن عيينة شيئًا في "الجامع"، ولا ذكره الكلاباذي فيمن روى في "الجامع" عن غير الثوري (١). والثالثة: ورد في رواية ستأتي أنها القرآن، وعن المهلب: هي تجهيز جيش أسامة بن زيد، وكان المسلمون اختلفوا في ذَلِكَ على الصديق فأعلمهم أنه ﷺ عهد بذلك عند موته (٢). وقال عياض: يحتمل أنها قوله: "لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد" (٣) فذكر مالك معناه مع إجلاء اليهود (٤). وفيه: سنة إجازة الوفد، وهو من باب الائتلاف، وهو عام في جميع الوفود الواردين على الخليفة، من الروم كانوا أو من المسلمين؛ لأنهم وإن كانوا من الروم فإنهم لا يأتون إلا بأمر فيه منفعة وصلاح للمسلمين، فكذلك أمر ﷺ بالوصاة بإجازتهم، وأيضًا فإنهم ضيوف، وقد قَالَ ﷺ فيهم: "جائزته يوم وليلة" (٥)، ولم يخص فهو عام. وفيه: دلالة (على) (٦) أن الوصية المدعاة لعلي باطلة؛ لأنه لو كان وصيًّا كما زعموا لعلم قضية جيش أسامة كما علم ذَلِكَ الصديق وما جهله.

стр. 10780

وقوله: (فقالوا: هجر رسول الله) أي: اختلط، وأهجر: أفحش، قاله ابن بطال (١)، وقال ابن التين: أي: هذى؛ يقال: هجر العليل، إذا هذى، يهجر هَجرًا بالفتح، والهُجر -بالضم- الإفحاش. قَالَ ابن دريد: يقال: هجر الرجل في المنطق، إذا تكلم مما لا معنى له (٢)، وأهجر: إذا أفحش. وقوله: ("ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدا" فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، قالوا: هجر رسول الله ﷺ ؛ فقال: "دعوني") لا شك أنه ﷺ لم يكن ليدع شيئًا أمر بتبليغه لتنازعهم مع أن الوحي كان ينزل عليه، فلو عورض في شيء أمر بتبليغه لبلغه، ولكان الله تعالى يعاتب من حال بينه وبين ما يريد، وقد تكفل (الله) (٣) له ولأمته بإظهار الدين كله وتمامه ووفاء ما وعده، ولم يكن يذكر إخراج المشركين وإجازة الوفد، وفي رواية أخرى أنه أوصى بالقرآن ويدع ما هو أوكد منه، وقد يكون هذا هو الذي أراد أن يكتبه، وقد بقي بعد ذَلِكَ أيامًا يمكنه التبليغ فيها؛ لأنه توفي يوم الاثنين حين اشتد الضَّحَاءُ بعد أن نظر إلى الناس قيامًا وهم في صلاة الصبح. و"جزيرة العرب" ذكر في الكتاب عن المغيرة تفسيرها وعنه زيادة: وقرياتها. وعن مالك إنها المدينة. وعن أبي عبيد: هي ما بين حفر أبي موسى بطوارة من أرض العراق إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين رمل بيرين إلى منقطع السماوة في العرض (٤)، ونقل الشيخ أبو الحسن

стр. 10781

عن مالك أنها الحجاز ومكة والمدينة واليمن، وروى يعقوب بن محمد الزهري عنه: واليمامة. وقال الأصمعي: حدها من عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضًا، وهي عند الجويني والقاضي الحسين: الحجاز، وهو مكة والمدينة واليمامة وقراها (١)، والمشهور أن الحجاز بعض الجزيرة، وبه جزم العراقيون وغيرهم. وقالوا: المراد بالجزيرة في الحديث: الحجاز، ويؤيده رواية أحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح: آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ : "أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب" (٢) انتهى، فلم يتفرغ أبو بكر لذلك، فأجلاهم عمر، قيل كانوا زهاء أربعين ألفا. ولم ينقل أن أحدًا من الخلفاء أجلاهم من اليمن مع أنها من الجزيرة، وإنما أخرج أهل نجران من الجزيرة وإن لم يكن من الحجاز؛ لأنه ﷺ صالحهم على أن لا يأكلوا الربا فأكلوه، رواه أبو داود من طريق ابن عباس (٣). وعن الأصمعي: هي ما لم يبلغه ملك فارس من أقصى عدن أبين إلى أطراف الشام طولاً، ومن جدة إلى ريف العراق عرضًا، وفي رواية أبي عبيد عنه: (الطول) (٤) من أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً، وعرضًا من جدة وما والاها إلى ساحل البحر إلى أطراف الشام (٥).

стр. 10782

وقال الشعبي: هي ما بين قادسية الكوفة إلى حضرموت. قَالَ الخليل فيما نقله أبو عبيد البكري: سميت جزيرة العرب؛ لأن بحر فارس وبحر الحبش والفرات ودجلة أحاطت بها، وهي أرض العرب ومعدنها (١). قَالَ أبو إسحاق الحربي: أخبرني عبد الله بن شبيب عن زهير بن محمد عن محمد بن فضالة إنما سميت جزيرة لإحاطة البحر بها والأنهار من أقطارها وأطوارها، وذلك أن الفرات أقبل من بلاد الروم فظهر بناحية قنسرين ثم انحط عن الجزيرة، وهي ما بين الفرات والدجلة، وعن سواد العراق حَتَّى (وقع) (٢) في البحر من ناحية البصرة والأُبُلَّة، وامتد البحر من ذَلِكَ الموضع مغربًا مطيفًا ببلاد العرب منعطفًا عليها، فأتى منها على سفوان وكاظمة ونفذ إلى القطيف وهجر وأسياف عمان والشحر وسال منه عنق إلى حضرموت إلى أبين وعدن ودهلك، واستطال ذَلِكَ العنق فطعن في تهائم اليمن بلاد حكم والأشعريين وعك، ومضى إلى جدة وساحل مكة وإلى الجار ساحل المدينة، وإلى ساحل تَيْماء وأَيْلَة حَتَّى بلغ إلى قلزم مصر وخالط بلادها، وأقبل النيل في غربي هذا (العنق) (٣) من أعلى بلاد السودان مستطيلًا معارضًا للبحر، حَتَّى دفع في بحر الشام، ثم قطع ذَلِكَ البحر من مصر حَتَّى بلاد فلسطين ومر بعسقلان وسواحلها، وأتى على صور بساحل الأردن وعلى بيروت وذواتها من سواحل دمشق، ثم نفذ إلى سواحل حمص وسواحل قنسرين، حَتَّى خالط الناحية التي أقبل منها الفرات منحطا على أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق،

стр. 10783

فصارت بلاد العرب من هذِه الجزيرة التي تركوها على خمسة أقسام: تهامة، والحجاز، ونجد، والعروض، واليمن (١). فرع: يمنع كل كافر عندنا وعند مالك من استيطان الحجاز -وهو ما ذكرناه- ولا يمنعون من ركوب بحره، ولو دخل بغير إذن (الإمام) (٢) أخرجه وعذره إن علم أنه ممنوع، فإن استأذن في دخوله أذن الإمام أو نائبه فيه إن كان مصلحة للمسلمين كرسالة وحمل ما يحتاج إليه، وعن أبي حنيفة جواز سكناهم الحرم، ويمنع دخول (حرم) (٣) مكة، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد به هنا جميع الحرم (٤)، وقال ﷺ : "إن الشيطان أيس أن يعبد في جزيرة العرب" (٥)، فلو دخله ومات لم يدفن فيه، وإن مات في غير الحرم من الحجاز وتعذر نقله دفن هناك، وحرم المدينة لا يلحق بحرم مكة فيما ذكرنا، لكن استحسن الروياني أن يخرج منه إذا لم يتعذر الإخراج ويدفن خارجه (٦). فائدة: قوله: ("وأجيزوا الوفد") أي: أعطوا القادمين عليكم. والجائزة: قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل، وجائزته يوم وليلة.

стр. 10784

١٧٧ - باب التَّجَمُّلِ لِلْوُفُودِ . ٣٠٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْتَعْ هَذِهِ الْحُلَّةَ فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوُفُودِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، أَوْ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ». فَلَبِثَ مَا شَاءَ الله ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ حَتَّى أَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ أَوْ: "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ". ثُمَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ! فَقَالَ: «تَبِيعُهَا، أَوْ تُصِيبُ بِهَا بَعْضَ حَاجَتِكَ». [انظر: ٨٨٦ - مسلم: ٢٠٦٨ - فتح ٦/ ١٧١] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ ﵁ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ .. الحديث. وقد سلف في العيدين (١)، وهو لائح أن من السنة المعروفة التجمل للوفد والعيد بحسن الثياب؛ لأن فيه جمالًا للإسلام وأهله وإرهابًا للعدو وتعظيمًا للمسلمين. وقول عمر ﵁: (فتجمل بها للعيد والوفد). يدل أن ذَلِكَ من عادتهم وفعلهم. وقال الأبهري: إنما نهى الشارع عن الحرير والذهب للرجال، لأنه من زي النساء وفعلهن، وقد نهى ﷺ أن يتشبه الرجال بالنساء، وقيل: إنما نهى عن ذَلِكَ؛ لأنه من باب السرف والخيلاء، (وفي جواز) (٢) لباسه في الحرب للترهيب على العدو، وقد سلف اختلافهم

стр. 10785

فيه، وسيأتي أيضًا في كتاب اللباس (١). وفي قول عمر: (قلتَ: "إنما هذِه لباس من لا خلاق له". ثم أرسلت إليَّ) أنه ينبغي السؤال عما يشكل. وقوله: ("تبيعها وتصيب بها بعض حاجتك") فيه: أنه لا بأس بالتجارة والانتفاع مما لا يجوز لبسه.
следующие страницы →