عن مالك أنها الحجاز ومكة والمدينة واليمن، وروى يعقوب بن محمد الزهري عنه: واليمامة. وقال الأصمعي: حدها من عدن إلى ريف العراق طولاً، ومن تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضًا، وهي عند الجويني والقاضي الحسين: الحجاز، وهو مكة والمدينة واليمامة وقراها (١)، والمشهور أن الحجاز بعض الجزيرة، وبه جزم العراقيون وغيرهم. وقالوا: المراد بالجزيرة في الحديث: الحجاز، ويؤيده رواية أحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح: آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ : "أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب" (٢) انتهى، فلم يتفرغ أبو بكر لذلك، فأجلاهم عمر، قيل كانوا زهاء أربعين ألفا. ولم ينقل أن أحدًا من الخلفاء أجلاهم من اليمن مع أنها من الجزيرة، وإنما أخرج أهل نجران من الجزيرة وإن لم يكن من الحجاز؛ لأنه ﷺ صالحهم على أن لا يأكلوا الربا فأكلوه، رواه أبو داود من طريق ابن عباس (٣). وعن الأصمعي: هي ما لم يبلغه ملك فارس من أقصى عدن أبين إلى أطراف الشام طولاً، ومن جدة إلى ريف العراق عرضًا، وفي رواية أبي عبيد عنه: (الطول) (٤) من أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً، وعرضًا من جدة وما والاها إلى ساحل البحر إلى أطراف الشام (٥).
стр. 10782
وقال الشعبي: هي ما بين قادسية الكوفة إلى حضرموت. قَالَ الخليل فيما نقله أبو عبيد البكري: سميت جزيرة العرب؛ لأن بحر فارس وبحر الحبش والفرات ودجلة أحاطت بها، وهي أرض العرب ومعدنها (١). قَالَ أبو إسحاق الحربي: أخبرني عبد الله بن شبيب عن زهير بن محمد عن محمد بن فضالة إنما سميت جزيرة لإحاطة البحر بها والأنهار من أقطارها وأطوارها، وذلك أن الفرات أقبل من بلاد الروم فظهر بناحية قنسرين ثم انحط عن الجزيرة، وهي ما بين الفرات والدجلة، وعن سواد العراق حَتَّى (وقع) (٢) في البحر من ناحية البصرة والأُبُلَّة، وامتد البحر من ذَلِكَ الموضع مغربًا مطيفًا ببلاد العرب منعطفًا عليها، فأتى منها على سفوان وكاظمة ونفذ إلى القطيف وهجر وأسياف عمان والشحر وسال منه عنق إلى حضرموت إلى أبين وعدن ودهلك، واستطال ذَلِكَ العنق فطعن في تهائم اليمن بلاد حكم والأشعريين وعك، ومضى إلى جدة وساحل مكة وإلى الجار ساحل المدينة، وإلى ساحل تَيْماء وأَيْلَة حَتَّى بلغ إلى قلزم مصر وخالط بلادها، وأقبل النيل في غربي هذا (العنق) (٣) من أعلى بلاد السودان مستطيلًا معارضًا للبحر، حَتَّى دفع في بحر الشام، ثم قطع ذَلِكَ البحر من مصر حَتَّى بلاد فلسطين ومر بعسقلان وسواحلها، وأتى على صور بساحل الأردن وعلى بيروت وذواتها من سواحل دمشق، ثم نفذ إلى سواحل حمص وسواحل قنسرين، حَتَّى خالط الناحية التي أقبل منها الفرات منحطا على أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق،
стр. 10783
فصارت بلاد العرب من هذِه الجزيرة التي تركوها على خمسة أقسام: تهامة، والحجاز، ونجد، والعروض، واليمن (١).
فرع: يمنع كل كافر عندنا وعند مالك من استيطان الحجاز -وهو ما ذكرناه- ولا يمنعون من ركوب بحره، ولو دخل بغير إذن (الإمام) (٢) أخرجه وعذره إن علم أنه ممنوع، فإن استأذن في دخوله أذن الإمام أو نائبه فيه إن كان مصلحة للمسلمين كرسالة وحمل ما يحتاج إليه، وعن أبي حنيفة جواز سكناهم الحرم، ويمنع دخول (حرم) (٣) مكة، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد به هنا جميع الحرم (٤)، وقال ﷺ : "إن الشيطان أيس أن يعبد في جزيرة العرب" (٥)، فلو دخله ومات لم يدفن فيه، وإن مات في غير الحرم من الحجاز وتعذر نقله دفن هناك، وحرم المدينة لا يلحق بحرم مكة فيما ذكرنا، لكن استحسن الروياني أن يخرج منه إذا لم يتعذر الإخراج ويدفن خارجه (٦).
فائدة: قوله: ("وأجيزوا الوفد") أي: أعطوا القادمين عليكم.
والجائزة: قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل، وجائزته يوم وليلة.
стр. 10784
١٧٧ - باب التَّجَمُّلِ لِلْوُفُودِ .
٣٠٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْتَعْ هَذِهِ الْحُلَّةَ فَتَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوُفُودِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، أَوْ إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ». فَلَبِثَ مَا شَاءَ الله ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ حَتَّى أَتَى بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْتَ: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ أَوْ: "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ". ثُمَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ! فَقَالَ: «تَبِيعُهَا، أَوْ تُصِيبُ بِهَا بَعْضَ حَاجَتِكَ». [انظر: ٨٨٦ - مسلم: ٢٠٦٨ - فتح ٦/ ١٧١]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ ﵁ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ .. الحديث.
وقد سلف في العيدين (١)، وهو لائح أن من السنة المعروفة التجمل للوفد والعيد بحسن الثياب؛ لأن فيه جمالًا للإسلام وأهله وإرهابًا للعدو وتعظيمًا للمسلمين.
وقول عمر ﵁: (فتجمل بها للعيد والوفد). يدل أن ذَلِكَ من عادتهم وفعلهم. وقال الأبهري: إنما نهى الشارع عن الحرير والذهب للرجال، لأنه من زي النساء وفعلهن، وقد نهى ﷺ أن يتشبه الرجال بالنساء، وقيل: إنما نهى عن ذَلِكَ؛ لأنه من باب السرف والخيلاء، (وفي جواز) (٢) لباسه في الحرب للترهيب على العدو، وقد سلف اختلافهم
стр. 10785
فيه، وسيأتي أيضًا في كتاب اللباس (١).
وفي قول عمر: (قلتَ: "إنما هذِه لباس من لا خلاق له". ثم أرسلت إليَّ) أنه ينبغي السؤال عما يشكل.
وقوله: ("تبيعها وتصيب بها بعض حاجتك") فيه: أنه لا بأس بالتجارة والانتفاع مما لا يجوز لبسه.
ذكر حديث ابن عُمَرَ ﵄ في قصة ابن صياد بطوله.
وقد سلف في الجنائز، وموضع الترجمة منه قوله: "أتشهد أني رسول الله؟ "
الأطم: الحصين، وجمعه آطام. والدخ: هو الدخان كما قاله ابن فارس (١)، وغيره، وقيل: حبة من الحبوب. والختل: الخدع.
الحديث الأول سلف في الحج في باب: توريث دور مكة، والثاني من أفراده، وقال الدارقطني فيه: غريب صحيح. قَالَ ابن أبي صفرة: لما أسلم أهل مكة عام الفتح مَنَّ عليهم رسول الله ﷺ وترك أموالهم ودماءهم، ولم ينزل في شيء منها لمنه عليهم بها ونزل في الوادي، وكذلك كان يفعل بهوازن لو بدرت بإسلامها، فلما استأنت قسم رسول الله ﷺ الغنيمة بين أصحابه، فلما جاءوا بعد القسمة خيرهم في إحدى الطائفتين: المال، أو السبي، فاختاروا النبي، فقضى به رسول الله ﷺ لهم واستطاب أنفس أصحابه وقال: "من لم تطب نفسه فليبق إلى أول مغنم يفيئه الله علينا" (١)، وقضى لأهل مكة بأموالهم، ولم يستطب نفوس أصحابه؛ لأنه مال الله على اجتهاده لا شيء للغانمين فيه إلا أن يقسمه لهم لقوله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فآتاهم بهذِه الآية أرض خيبر فقسمها بينهم، ونهاهم في مكة فانتهوا، ونهاهم عمر عن الأرض المغنومة بالشام والعراق بهذِه الآية، فلم يقسمها لهم (٢).
قَالَ ابن المنير: وجه مناسبته للترجمة على وجهين: إما أن يكون ﷺ سئل أن ينزل بداره بمكة، وهو مبين في بعض طرقه.
وقوله: ("وهل ترك لنا عقيل منزلًا") بيِّنٌ؛ لأنه إذا ملك مستولى عليه في الجاهلية من ملكه ﷺ ، فكيف لا يملك ما لم يزل له ملكًا أصالة، وإما أن يكون سُئل هل ينزل من منازل مكة شيئًا لأنها فتحت عنوة؟ فبين أنه منَّ على أهلها بأنفسهم وأموالهم فتستقر أملاكهم عليها
стр. 10791
كما كانت، وعلى التقديرين فأهل مكة ما أسلموا على أملاكهم ولكنه مَنَّ عليهم ثم أسلموا، فإذا ملكوا وهم كفار بالمن فملك من أسلم قبل الاستيلاء أولى.
وحديث عمر مطابقته بينة غير أن عبد الرحمن وعثمان لم يكونا من أهل المدينة ولا دخلاها في قوله: (قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام)، والكلام عائد على عموم أهل المدينة لا عليهما (١)، قال المهلب: وإنما أدخل هنيا تحت هذِه الترجمة؛ لأن أهل المدينة أسلموا عليها، فكانت لهم أموالهم، ألا ترى أنه ساوم بمكان المسجد بني النجار وقال: "ثامنوني بحائطكم" فأوجبه لهم، وكذلك قَالَ عمر: (إنها لأرضهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام). فأوجبها لهم.
وهذا كله شاهد للترجمة أن من أسلم في أرض الحرب فأرضه له ما لم يُغْلَب عليها، وقد سئل مالك عن إمام قبل الجزية من قوم فأسلم منهم أحد أيكون له أرضه وماله؟ فقال مالك: ذَلِكَ يختلف؛
أما الصلح فمن أسلم منهم فهو أحق بأرضه وماله، وأما أهل العنوة فمن أسلم منهم فماله وأرضه فيء للمسلمين؛ لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم فهي لمن عليهم، وأما أهل الصلح فإنهم قوم منعوا أنفسهم وأموالهم حَتَّى صالحوا عليها فليس عليهم إلا ما صالحوا عليه. وقول مالك في هذا إجماع من العلماء كما قاله ابن بطال.
واختلفوا فيما إذا أسلم في دار الحرب وبقي فيها ماله وولده، ثم خرج إلينا مسلمًا وغزا مع المسلمين بلده؛ فقال الشافعي وأشهب
стр. 10792
وسحنون: إنه قد أحرز ماله وعقاره حيث كان، وولده الصغار؛ لأنهم تبع لأبيهم في الإسلام، وحجتهم أنه إذا أسلم كان ماله حيث كان من دار الحرب أو غيرها على ملكه، فإذا غنمت دار الحرب كان حكم ماله كحكم مال المسلم ولم تُزل الغنيمة ملكه عنه. وقَالَ مالك والليث: أهله وماله وولده على حكم البلد وملكهم، كما كانت دار النبي ﷺ على حكم البلد وملكهم، ولم ير نفسه ﷺ أحق بها. وفرق أبو حنيفة بين حكمه إذا أسلم في بلده أو في (دار) (١) الإسلام؛ فقال: إن أسلم في بلده ثم خرج إلينا فأولاده الصغار أحرار مسلمون، وما أودعه مسلمًا أو ذميًّا فهو له، وما أودعه حربيًّا فهو وسائر عقاره هناك فيء، وإذا أسلم في بلد الإسلام، ثم ظهر المسلمون على بلده فكل ماله فيه فيء لاختلاف حكم الدارين عندهم (٢)، ولم يفرق مالك ولا الشافعي بين إسلامه في دار الحرب أو في دار الإسلام.
وفيه: -كما قَالَ المهلب-: أن للإمام أن يحمي أراضي الناس المبورة لتعم الصدقة ومنفعة تشمل المسلمين، كما حمى عمر هذا الحمى لإبل الصدقة وغنمها، وهو الحمى الذي زاد فيه عثمان فأنكر عليه، وليس لأحد أن ينكر هذا على عثمان؛ لأنه لما رأى عمر فعل ذَلِكَ جاز لعثمان أن يحمي أكثر إذا احتاج إليه؛ لكثرة (الصدقة) (٣) في أيامه (٤).
стр. 10793
تنبيهات:
قول الزهري: الخيف: الوادي. قَالَ جماعة: الخيف: ما ارتفع من مسيل الوادي ولم يبلغ أن يكون جبلًا. (١)
وقوله: ("وهل ترك لنا عقيل منزلًا؟ ") قيل: كره أن يعود في شيء أصيب به في جنب الله، وقيل: رأى مشتريها لما أسلم أسلم عليها كانت له.
وفيه: دلالة على أن دور مكة تملك وتكرى، وهو مذهب الشافعي، ومذهب مالك خلافه بناء على أنها فتحت عنوة، وكره قوم كراءها أيام المواسم خاصة، ومنعه قوم سائر المدة.
وقوله: (اضمم جناحك عن المسلمين). أي: لا تحمل ثقلك عليهم وكف يدك عن ظلمهم. ومن رواه: (على المسلمين). فمعناه: استرهم بجناحك. وعبارة ابن بطال: (عن المسلمين). لا تشتد على كل الناس في الحمى، فإن ضعفاء الناس القليلي الغنم والإبل الذي لا تنتهك ماشية الحمى، إن حميته عنه كان ظلمًا، فاتق دعوته فإنها لا تحجب عن الله (٢).
و (الصُّرَيْمَة) تصغير الصرمة، وهي من الإبل نحو الثلاثين، و (الغُنيمة): القليلة: وعبارة ابن التين: الصريمة والغنيمة: القطعة الصغيرة.
وفيه: ما كان عمر ﵁ من الصلابة في الدين، وأن أقوى الناس عنده الضعيف، وأضعفهم القوي.
стр. 10794
وقوله: (وإياي، ونعم ابن عوف، ونعم ابن عفان). حذره أن يدخل الحمى؛ لأنها كثيرة، فإن دخلته أنهكته، وإن منعت الدخول وهلكت كان لأربابها عوض من أموالهم يعيشون فيه، ومن ليس له غير الصريمة القليلة إن هلكت أن يستغيث أمير المؤمنين في الإنفاق عليه وعلى (بنيه) (١) من بيت المال.
وقوله: (إنهم ليرون أني قد ظلمتهم) يريد أهل المواشي الكثيرة، ويحتمل أن يريد أهل المدينة، واقتدى عمر في ذَلِكَ برسول الله ﷺ .
وفيه: جواز الحمل على من له مال ينقص المضرة الداخلة عليه في ماله إذا كان في ذَلِكَ نظير لغيره من الضعفاء.
وقوله: (لولا المال). يريد الإبل التي يحمل عليها المجاهدين في سبيل الله من نعم الصدقة التي حمى لها لترعى فيه في مدة أيام النظر في الحمل عليها.
وفيه: دليل على أن (مسارح) (٢) القرى وعوامرها التي ترعى فيها مواشي أهلها من حقوق أهل القرية وأموالهم، وليس للسلطان بيعه إلا أن تفضل منه فضلة.
ومعنى الحديث السالف: "لا حمى إلالله ولرسوله" لا حمى لأحد يخص نفسه، وإنما هو لله ولرسوله أو لمن ورث ذَلِكَ عنه ﷺ من الخلفاء للمصلحة الشاملة للمسلمين وما يحتاجون إلى حمايته.
أبي شيبة وغيره (عنه) (١)، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، وراويه عن ابن عباس: أبو معبد، واسمه: نافذ -بالذال المعجمة- مات سنة أربع أو تسع ومائة، وكان أصدق موالي ابن عباس.
قَالَ المهلب فيه: أن كتابة الإمام الناس سنة من الشارع عند الحاجة إلى الدفع عن المسلمين، فتعين حينئذ فرض الجهاد على كل إنسان يطيق المدافعة إذا نزل بأهل ذَلِكَ البلد مخافة.
وفيه: أن وجوب ذَلِكَ لا يتعدى المسلمين وليس على أهل الذمة (بواجب؛ لأن المسلمين إنما يدافعون عن كلمة التوحيد وليس على أهل الذمة) (٢) ذَلِكَ عن أموالهم وذراريهم، ولصيانتها بذلوا الجزية لنا، فعلينا حمايتهم والدفع عنهم.
وفيه: العقوبة على الإعجاب بالكثرة (٣).
وقوله: (فكتبنا ألفًا وخمسمائة). قَالَ الداودي: لعل هذا كان عام الحديبية، فإنهم خرجوا في ألف وأربعمائة، وقيل: وثلاثمائة، والذي ذكره من هذا الاختلاف لعله سقط عن بعض الناقلين بعض الحديث، ولعلهم كتبوا (مرات) (٤) عندما يريد الخروج فذكر موطنًا منها، وذكر أن جميع من عدت له صحبة من الرجال والنساء والصبيان، ومن رأى النبي ﷺ -أو سمع كلامه ستون ألفا، ثلاثون ألفًا بالمدينة وأعراضها، وثلاثون ألفًا في سائر البلاد.
стр. 10797
قلتُ: أبو زرعة خالف هذا، فإنه قَالَ: قبض النبي ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، كلهم ممن روى عنه وسمع منه. وقال: مرة شهد مع رسول الله حجة الوداع أربعون ألفا، وشهد معه تبوك سبعون ألفا.
وقوله: (نخاف ونحن ألف وخمسائة). يريد: أيام حفر الخندق.
فائدة:
موضعا الترجمة من الفقه -كما نبه عليه ابن المنير- أنه لا يتخيل أن كتابتهم كان إحصاء لعددهم، وقد يكون ذريعة لارتفاع البركة منهم كما ورد في الدعوات على الكفار: "اللَّهُمَّ أحصهم عددا". أي: ارفع البركة منهم. إنما خرج هذا من هذا النحو؛ لأن الكتابة لمصلحة دينية والمواخذة التي وقعت ليست من ناحية الكتابة، ولكن من ناحية إعجابهم بكثرتهم، فأدبوا بالخوف المذكور في الحديث، ثم إن الترجمة تطابق الكتابة الأولى، وأما هذِه الثانية فكتابة خاصة لقوم بأعيانهم (١).
فائدة:
معنى قوله: (ابتلينا) إلى آخره لعله كان في بعض الفتن التي جرت بعده، فكان بعضهم يخفي نفسه ويصلي سرًّا مخافة الظهور والمشاركة في الفتنة والحروب.
هذا الحديث ذكره هنا أولاً عاليًا ثم نازلاً، وإن كانت العادة ذكر النزول ثم العلو، وسيأتي أيضًا في غزوة خيبر (١)، وزعم ابن إسحاق (٢) والواقدي (٣)، وغيرهما أن هذا كان بأحد.
واسم الرجل قزمان، وهو معدود في جملة المنافقين، وكان تخلف عن أحد فعيره النساء، فلما أحفظنه خرج فقتل سبعة، وقصة قزمان كانت بأحد، وقد سلفت قصته في الجهاد (٤).
وأما حديث أبي هريرة فالصحيح أنه كان في خيبر، كما ذكره البخاري وهما قصتان، وهذا مما أعلمنا الشارع أنه ممن نفذ عليها الوعيد من الفجار المذنبين، لا أن كل من قتل نفسه أو غيره يقضى عليه بالنار، ويحتمل كما قَالَ ابن التين أن يكون استوجبها إلا أن يغفر الله له، أو بقوله في غير ذَلِكَ الرجل على الحقيقة، ويحتمل إن كان على الحقيقة أن يعاقب بقتله نفسه، أو يكون قد ارتاب وشك حين أصابته الجراحة، وهذا أسعد بظاهر الحديث لقوله: "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة". وقال ابن المنير: هذا رجل ظاهر الإسلام، قتل نفسه فظاهر النداء عليه يدل على أنه ليس مسلمًا، والمسلم لا يخرجه قتل نفسه عن كونه مسلمًا، فلا يحكم بكفره ويصلى عليه، ويجاب عن ذَلِكَ بأنه ﷺ اطلع من أمره على سره فعلم بكفره؛ لأن الوحي عنده عتيد.
стр. 10800
وقوله: (الذي قلت له آنفًا إنه من أهل النار) معنى (له): فيه، قَالَ ابن الشجري: اللام قد تأتي بمعنى (في) قَالَ تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: فيه.
وقوله: (فكاد بعض الناس أن يرتاب). كذا في الأصل إثبات (أن) مع (كاد) وهو قليل.
وقوله: (وَإِن الله ليؤيد) كذا في الأصل، وفي رواية حذف اللام، ويجوز في (إن) هذِه الفتح والكسر -أعني المحذوفة اللام- وقد قرئ في السبعة: (إن الله يبشرك). ولا يعارض هذا حديث: "إنا لا نستعين بمشرك"؛ لأن (المسلم) (١) غير المسلم الفاجر، مع أن هذا الحديث عنه أجوبة، منها نسخه، ومنها أن يكون خاصًّا في ذَلِكَ الوقت؛ لأنه قد استعان بصفوان بن أمية في هوازن واستعار منه مائة درع بأداتها، وخرج معه صفوان حَتَّى قالت له هوازن: تقاتل مع محمد ولست على دينه؟ فقال: رب من قريش خير من رب من هوازن. وقد غزا معه المنافقدن وهو يعلم بنفاقهم وكفرهم. قَالَ الطحاوي: قتال صفوان مع رسول الله باختياره فلا يعارض قوله: "إنا لا نستعين بمشرك" (٢)
قلتُ: وهذا أيضًا كان مختارًا، وهل يستعان بالكفار في المجانيق وشبهها؛ فمنعه مالك واختاره ابن حبيب، حكاه ابن التين (٣).
وقوله: ("وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر") يشمل المسلم والكافر، فصح أن حديث: "إنا لا نستعين بمشرك"، خاص بذلك الوقت.
стр. 10801
وفيه: من أعلام النبوة إخباره بالغيب الذي لا يدرك مثله إلا بالوحي.
وفيه: جواز إعلام الصالح بفضيلة تكون فيه والجهر بها ليبلغ (معانديه) (١) من أهل الباطل والقدح في فضله، (فيحزنهم) (٢) ذَلِكَ ويعلمون ثباته وشدته على الحق.
فائدة: موضع الترجمة -كما قَالَ ابن المنير-: أنه لا يتخيل في الإمام أو السلطان الفاجر إذا حمى حوزة الإسلام أنه مطرح النفع في الدين لفجوره، فيخرج عليه ويخلع؛ لأن الله قد يؤيد دينه به، فيجب الصبر عليه والسمع والطاعة له في غير المعصية، ومن هذا الوجه استحسان العلماء الدعاء للسلاطين بالتأييد وشبهه من أهل الخير من حيث تأييدهم للدين لا من حيث أحوالهم الخارجة (٣).
стр. 10802
١٨٣ - باب مَنْ تَأَمَّرَ فِي الحَرْبِ من غَيْرِ إِمْرَةٍ إِذَا خَافَ العَدُوَّ
٣٠٦٣ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ عَلَيْهِ، وَمَا يَسُرُّنِي -أَوْ قَالَ مَا يَسُرُّهُمْ- أَنَّهُمْ عِنْدَنَا». وَقَالَ وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَتَذْرِفَانِ. [انظر: ١٢٤٦ - فتح ٦/ ١٨٠]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ لكنه: خَطَبَ النبي ﷺ فَقَالَ: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مَنْ غَيْرِ إمْرَةٍ فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ، فَمَا يَسُرُّنِي -أَوْ قَالَ: فَمَا يَسُرُّهُمْ- أَنَّهُمْ عِنْدَنَا". قَالَ: وَإنَّ عَيْنَيْهِ لَتَذْرِفَانِ.
هذا الحديث سلف.
وفيه من الفقه:
أنه لمن رأى للمسلمين عورة قد بدت أن يتناول سَدَّ خَلَلِهَا إذا كان مستطيعًا لذلك وعلم من نفسه منة وجزالة، وهذا المعنى امتثل علي في قيامه عند قتل عثمان بأمر المسلمين، يعني: بغير شورى منهم واجتماع؛ لأنه خشي على المسلمين الضيعة وتفرق الكلمة التي آل أمر الناس إليها، وعلم إقرار جميع الناس بفضله، وأن أحدًا لا ينازعه فيه.
وحديث ابن عمر في ذَلِكَ في المغازي (١): أمر رسول الله في غزوة مؤتة زيد بن حارثة؛ فقال ﷺ : "إن قُتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة".
стр. 10803
وفيه: أن تقدمهما إلى أخذ الراية بتقديمه ﷺ لهما وتوليته إياهما.
وفيه: أن الإمام يجوز له أن يجعل ولاية العهد بعده لرجل، ثم يقول: فإن مات قبل موتي فإن الولاية لفلان -رجل آخر يستحق ذَلِكَ- فإن مات المولى أولاً فالعقد للثاني ثابت.
فإن قلتَ: كيف يصح ذَلِكَ ولا يخلو من أن تنعقد ولاية الثاني في الحال أو لا تنعقد؟ فإن كانت منعقدة صارت الإمامة ثابتة لإمامين، وذلك لا يجوز، وإن لم تنعقد للثاني في الحال فقد جوزتم ابتداء عقدها على شرط وصفة. قيل: إنما يجوز استخلاف الاثنين على سبيل الترتيب، إذا ترتبا في ولاية العهد.
ولو قيل: إن عقد الولاية ينعقد لأحدهما لا بعينه، وتتعين لمن انعقدت له عند موت الإمام العاقد كان سائغًا، ألا ترى أن عمر لم يعين على أحد من الستة في الشورى، وانعقدت لأحدهم الولاية في جهته، وتعين ذَلِكَ الواحد منهم بعد موته ووقوع الاختيار من بينهم عليه، وإن قيل: إن الولاية تنعقد للأول، وأن الثاني إنما وقع عليه الاختيار من غير أن تنعقد له ولاية في الحال لتنعقد في الثاني، فيلزم الأمة حينئذ اتباعه باختيار الإمام له، وإن اختاره لهم أولى من نظر من يتولى الاختيار منهم لمكافأتهم، كان له وجه لتعلق ذَلِكَ بالمصلحة العامة والنظر للكافة.
وقد وردت السنة بمثله، واجتمعت الأمة على استعماله، ولَّى رسول الله ﷺ زيد بن حارثة على الجيش الذي جهزه إلى مؤتة، ثم قَالَ: "فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُهُ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ" (١)، رتبهم في ولاية
стр. 10804
الإمارة، وانعقدت بهذِه التولية إمارة، ثم جعفر بعده، ثم عبد الله بعده، فإن ولَّى الإمام ولي عهده. وقال: إن مات بعد إفضاء الخلافة إليه بعدي لا قبلي فالإمام بعده فلان، انعقدت ولاية الأول وصار إمامًا عند موت المتخلف، فكان لولي العهد في حياته أن يختار غيره لولاية العهد؛ لأن الحق في الاختيار حينئذ يصير إليه بإفضاء الإمامة إليه، قاله بعض أهل العراق.
وقوله: (وإن عينيه لتذرفان). قَالَ الداودي: أي: تدمعان. وقال غيره: تدفعان الدمع.
стр. 10805
١٨٤ - باب العَوْنِ بِالْمَدَدِ
٣٠٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ رِعْلٌ وَذَكْوَانُ وَعُصَيَّةُ وَبَنُو لِحْيَانَ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، وَاسْتَمَدُّوهُ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَأَمَدَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ، يَحْطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، فَانْطَلَقُوا بِهِمْ حَتَّى بَلَغُوا بِئْرَ مَعُونَةَ غَدَرُوا بِهِمْ وَقَتَلُوهُمْ، فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ. قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّهُمْ قَرَءُوا بِهِمْ قُرْآنًا: أَلَا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا بِأَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِىَ عَنَّا وَأَرْضَانَا. ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ بَعْدُ. [انظر: ١٠٠١ - مسلم: ٦٧٧ - فتح ٦/ ١٨٠]
حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا ابن أَبِي عَدِي، وَسهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أنه ﷺ أَتَاهُ رِعْلٌ وَذَكْوَانُ وَعُصَيَّةُ وَبَنُو لِحْيَانَ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، وَاسْتَمَدُّوهُ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَأَمَدَّهُمُ بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُسَمِّيهِمُ القُرَّاءَ، يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، فَانْطَلَقُوا بِهِمْ حَتَّى بَلَغُوا بِئْرَ مَعُونَةَ غَدَرُوا بِهِمْ وَقَتَلُوهُمْ، فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ. قَالَ قَتَادَةُ: فَحَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّهُمْ قَرَءُوا فِيهِمْ قُرْآنًا: أَلَا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا. ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ بَعْدُ.
الشرح: (ابن أبي عدي) اسمه: محمد بن إبراهيم أبو عمرو السلمي مولاهم، نزل القسامل بصري، مات سنة أربع وتسعين ومائة.
و (سهل) أنماطي بصري كنيته: أبو عبد الله.
و (سعيد) هو ابن أبي عَرُوبة أبو النضر مولى عدي بن يشكر، مات سنة ست وخمسين ومائة.
стр. 10806
وقوله: (وبنو لحيان). قَالَ الدمياطي: إنه وَهَمٌ؛ لأنهم لم يكونوا من أصحاب بئر معونة، وإنما كانوا من أصحاب الرجيع الذين قتلوا عاصم بن أبي الأقلح وأصحابه، وأسروا خبيبًا وابن الدثنة، قَالَ: وقوله: (أتاه رعل … ). إلى آخره وهم، وإنما الذي أتاه أبو براء من بني كلاب، وأجار أصحاب رسول الله ﷺ فأخفر جواره عامر بن الطفيل وجمع عليهم هذِه القبائل من سليم.
وفيه: أن السنة مضت من الشارع في أن يمد بمدد من عنده، وجرى بذلك العمل من الأئمة بعده.
وفيه: الدعاء في الصلاة على أهل العصيان والشرك، وإنما (كان) (١) ذَلِكَ على قدر جرائمهم.
وفيه: أنه يجوز النسخ في الأخبار على صفة، ولا يكون نسخه تكذيبًا إنما يكون نسخه ترك تلاوته فقط، كما أن نسخ الأحكام ترك العمل بها، فربما عوض من المنسوخ من الأحكام حكما غيره وربما لم يعوض، فمما نسخ من الأحكام ولم يعوض عنه أمره بالصدقة عند مناجاة الرسول، ثم عما عنها بغير عوض ينسخه، بل ترك العمل به، وكذلك الأخبار نسخها من القرآن رفع ذكرها وترك تلاوتها، لا بأن تكذب بخبر آخر مضاد لها، ومثله مما نسخ من الأخبار ما كان يقرأ في القرآن: لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى لهما ثالثًا.
стр. 10807
١٨٥ - باب مَن غَلَبَ العَدُوَّ فَأَقَامَ عَلَى عَرْصَتِهِمْ ثَلاثًا
٣٠٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ. تَابَعَهُ مُعَاذٌ وَعَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [٣٩٧٦ - مسلم: ٢٨٧٥ - فتح ٦/ ١٨١]
ذكر فيه حديث قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْم أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ. تَابَعَهُ مُعَاذٌ وَعَبْدُ الأَعْلَى، ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قتَادَةَ، (عَنْ أَنَسٍ) (١)، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
متابعة عبد الأعلى أخرجها مسلم، عن يوسف بن حماد عنه، ومتابعة معاذ أخرجها الإسماعيلي، عن أبي يعلى، عن أبي بكر بن أبي شيبة: ثَنَا معاذ بن معاذ وعبد الأعلى، ثَنَا سعيد عن قتادة، فذكره. قَالَ الحميدي: زاد البرقاني في هذا الحديث: قَالَ قتادة: أحياهم الله. قلتُ: البخاري أخرجه في موضع آخر ولفظه: قَالَ قتادة: أحياهم الله حَتَّى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرة وندمًا (٢). وذكر قبله أنه أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث. فذكره بداءة إياهم.
стр. 10808
وقوله: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) ثم ذكر قول قتادة. قَالَ المهلب: وهذا كان منه ﷺ -والله أعلم- ليريح الظهر والأنفس، هذا إذا كان في أمن من عدو طارق، وإنما قصد إلى ثلاث؛ لأنه أكثر ما يريح المسافر؛ لأن الأربعة إقامة؛ لحديث العلاء بن الحضرمي، وحديثه الآخر: "لا يبقين مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث" (١)، ولقسمة الغنائم، ولراحة الظهر (٢). وقال ابن التين: هذا حكايته ما رأى لا أنه لا يجوز غيره. وقال ابن الجوزي: فائدتها لتظهر تأثير الغلبة وتنفيذ الأحكام وترتيب الثواب، ولقلة احتفاله بهم كأنه يقول: نحن مقيمون فإن كانت لكم قوة فهلموا إلينا.
стр. 10809
١٨٦ - باب مَنْ قَسَمَ الغَنِيمَةَ فِي غَزْوِهِ وَسَفَرِهِ
وَقَالَ رَافِعٌ: كُنَّا مَعَ النَّبِيّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلاً، فَعَدَلَ كُلَّ عَشَرَةٍ مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ. [انظر: ٢٤٨٨]
٣٠٦٦ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسًا أَخْبَرَهُ قَالَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الجِعْرَانَةِ، حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ. [انظر: ١٧٧٨ - مسلم: ١٢٥٣ -
فتح ٦/ ١٨١]
ثم ساق حديث قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسًا أَخْبَرَهُ قَالَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ.
التعليق الأول سلف مسندًا في الشركة، وأخرجه مسلم والأربعة أيضًا (١).
قَالَ الداودي: هذا إنما هو على قدر القيم ذَلِكَ الوقت، وهذا غير مستقيم على مذهب مالك في القسمة بالقرعة؛ لأن الإبل عنده لا تجمع مع الغنم، إلا أن يريد أنها قومت ثم قسمت بالتراضي. وقال المهلب: هذا إلى نظر الإمام واجتهاده يقسم حيث رأى الحاجة والأمن، ويؤخر إذا رأى في المسلمين غنًى وخاف.
وممن أجاز قسمة الغنائم في دار الحرب مالك (٢) والأوزاعي، والشافعي (٣)، وأبو ثور، وقال الإمام أبو حنيفة: لا تقسم الغنائم في دار الحرب حَتَّى تخرجها إلى دار الإسلام، وذلك لأن الملك لم يتم عليها إلا بالاستيلاء التام، ولا يحصل إلا بإحرازها في دار الإسلام (٤).
стр. 10810
والصواب قول من أجاز ذَلِكَ للسنة الواردة فيه، روى ابن القاسم عن مالك قَالَ: الشأن قسمة الغنيمة في دار الحرب؛ لأنهم أولى برخصها. (١) وروى الفزاري قال: قلتُ للأوزاعي: هل قسم رسول الله ﷺ شيئًا من الغنائم بالمدينة؟ قَالَ: لا أعلمه، إنما كان الناس يتبعون غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوهم، ولم يقفل رسول الله قط من غزاة أصاب فيها غنيمة إلا خمسها، وقسمها من قبل أن يقفل، من ذَلِكَ غنيمة بني المصطلق وخيبر وهوازن، ذكر ذَلِكَ ابن قدامة، قَالَ:
ولأن الملك يثبت فيها بالقهر والاستيلاء فصحت قسمتها كما لو احرزت بدار الإسلام، والدليل على ثبوت الملك فيها أمور:
أحدها: أن سبب الملك الاستيلاء التام، وقد وجد.
ثانيها: أن ملك الكفار زال عنها بدليل أنه لا ينفذ عتقهم في العبيد الذين حصلوا في الغنيمة ولا يصح تصرفهم (فيها) (٢).
ثالثها: لو أسلم عبد الحربي ولحق بجيش المسلمين صار حرًّا، وهذا يدل على جواز زوال ملك الكفار وثبوت الملك لمن قهره.
وإنما عدل البعير بعشر شياه فليس بأمر لازم (٣).
وفي قوله: (عدل) دليل على أن المعادلة والنظر فيها في كل بلد؛ لأن البعير في الحجاز له قيمة زائدة ولأكل لحمه عادة جارية، وليس كذلك في غيره من البلاد، وإنما هو إلى الاجتهاد في كل بلد.
وفيه: دليل على جواز بيع الحيوان بعضه ببعض، وإن كان للحم فقد صح بيع اللحم باللحم متفاضلًا من غير جنسه أيضًا.
كَانَ عَلَى فَرَسٍ يَوْمَ لَقِيَ المُسْلِمُونَ، وَأَمِيرُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، بَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَهُ العَدُوُّ، فَلَمَّا هُزِمَ العَدُوُّ رَدَّ خَالِدٌ فَرَسَهُ.
الشرح:
التعليق أسنده أبو داود عن محمد بن سليمان الأَنْباري والحسن بن (على المعنى) (١) قالا: حَدَّثنَا عبد الله بن نمير (٢).
وفرسُ ابن عمر في هذا التعليق أنه رد عليه في زمن رسول الله ﷺ ، وفي الأخير المسند أن خالدًا رده وصحح الداودي الأول، وأنه كان في غزاة مؤتة، قَالَ: وعبيد الله أثبت في نافع من موسى. ولما روى الإسماعيلي حديث موسى قَالَ فيه: يوم لقي المسلمون ظبيا وأسدًا فاقتحم الفرس بعبد الله بن عمر جرفًا فصرعه، وسقط عبد الله فعار الفرس فأخذه العدو، فلما هزم الله العدو رد خالد على عبد الله فرسه.
واختلف العلماء في الأموال التي يأخذها المشركون من المسلمين ثم يقهرهم المسلمون ويأخذونها منهم، ولهم حالان:
أحدهما: أن يعلم بها قبل قسمتها، فإنها ترد إليه بغير شيء، وهو قول أكثر أهل العلم منهم: عمر بن الخطاب وعطاء والنخعي وسلمان بن ربيعة والليث ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي والكوفيون، وإحدى الروايتين عن أحمد. وقال الحسن والزهري: لا ترد إلى صاحبها قبل القسمة ولا بعدها وهي للجيش، ونحوه عن عمرو بن دينار، وروِي مثلُهُ عن علي -فيما قَالَ ابن المناصف-
стр. 10813
وحكاه ابن التين عن الأوزاعي، ثم قَالَ: وهذا قبل القسمة، فإن وجده بعدها فهو أحق به، وعن عمر: أن من بيده أحق ولا يأخذه عندنا إلا بالثمن، وقال الشافعي: بالقيمة من بيت المال، وعلتهم أن الكفار ملكوه باستيلائهم، فصار غنيمة كسائر أموالهم (١).
واستدل للجمهور بأحاديث الباب في الغلام والفرس وأنهما رُدَّا عليه قبل القسمة، وروى عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس أن رجلاً وجد بعيرًا له كان المشركون أصابوه، فقال ﷺ : "إن أصبته قبل أن تقسم فهو لك، وإن أصبته بعد ما قسم أخذته بالقيمة" رواه أبو داود من حديث الحسن بن عمارة عنه (٢).
وقال أبو أحمد: هذا يعرف بالحسن عنه، وقد روى مسعر، عن عبد الملك، قَالَ يحيى بن سعيد: سألت مسعرًا عنه فقال: هو من حديث عبد الملك، ولكن لا أحفظه، قَالَ يحيى عن البتي: والحسن متروك. وقال الطحاوي: قَالَ علي بن المديني: روي عن يحيى بن سعيد أنه سأل مسعرًا عنه فقال: هو من رواية عبد الملك، عن طاوس، عن ابن عباس قَالَ: فأثبته عنه من حديثه فدل على أنه قد رواه عنه غير الحسن بن عمارة، فاستغني عن روايته لشهرته عن عبد الملك. قَالَ ابن عدي: وروي أيضًا من حديث مسلمة بن علي وابن عياش، وهما ضعيفان، وأخرجه الدارقطني من حديث إسحاق بن أبي فروة،
стр. 10814
عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا: "من وجد ماله في الفيء قبل أن يقسم فهو له، ومن وجده بعدما قسم فليس له بحق" (١).
قَالَ عبد الحق: أسنده ياسين الزيات، عن سماك، عن تميم، عن جابر بن سمرة، وياسين ضعيف عندهم.
الحال الثاني: أن يعلم به بعد القسمة، فإنه يأخذه بالقيمة، وهو قول عمر وعلى وزيد بن ثابت وابن المسيب وعطاء والقاسم وعروة وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك، أخذًا بحديث ابن عباس السالف وبحديث جابر بن حيوة: أن أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب في هذا فقال: من وجد ماله بعينه فهو أحق بالثمن الذي حسب على من أخذه. وكذلك إن بيع ثم قسم ثمنه، فهو أحق به بالثمن؛ ولأنه إنما امتنع من أخذه له بغير شيء كيلا يفضي إلى حرمان أخذه من الغنيمة أو يضع الثمن على المشتري، وحقهما ينجبر بالثمن، والمحكي عن أبي حنيفة أخذه بالقيمة، ويروى عن مجاهد مثله، والباقون يقولون: يأخذه بالثمن الذي حسب على من أخذه. وقال الشافعي: لا يملك أهل الحرب علينا بالغلبة. ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها بغير شيء، ويعطي مشتريه ثمنه من خمس المصالح محتجًا بحديث عمران بن حصين: أغار المشركون على سرح المدينة وأخذوا العضباء وامرأة من المسلمين، فلما كان في الليل ركبتها وتوجهت قبل المدينة، ونذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عُرفت الناقة، فأتوا بها رسول الله ﷺ فأخبرته المرأة بنذرها، فقال: "بئس ما جزيتيها، لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، ولا نذر في
стр. 10815
معصية" (١)، وزاد عبد الوهاب الثقفي قَالَ: قَالَ أبو داود السجستاني: فأخذها رسول الله ﷺ . فهذا دليل على أن أهل الحرب لا يملكون علينا بغلبة ولا غيرها، ولو ملكوا علينا لملكت المرأة الناقة كسائر أموالهم، لو أخذت شيئًا منها، ولو ملكها لصح فيها نذرها. وقال ابن القصّار: حديث ابن عباس قال على أن أهل الحرب قد ملكوه على المسلمين وصارت لهم يد عليه، ألا ترى أنه لو كان باقيًا على ملك مالكه، لم يختلف حكم وجوده قبل القسمة وبعدها، ويوضحه أن
الكافر إذا أتلفه ثم أسلم لم يتبع بقيمته بخلاف المسلم مع المسلم، ولما جاز أن يملك المسلم على الكافر بالقهر والغلبة، جاز أن يملك الكافر عليه بذلك، وقد قَالَ ﷺ : "هل ترك لنا عقيل منزلا؟ "، وكان عقيل استولى على دور النبي ﷺ وباعها، فلولا أن عقيلًا ملكها بالغلبة وباعها لأبطل النبي ﷺ بيعها ولم يجز تصرفه؛ لأن بيع ما لا يصح ملكه لا حكم له، وأما خبر الناقة والمرأة فلا حجة لهم فيه؛ لأن قوله ﷺ : "لانذر لابن آدم فيما لا يملك" إنما كان قبل أن تملك المرأة الناقة؛ لأنها قالت ذَلِكَ وهي في دار الحرب، وكل الناس تقول: إنه من أخذ شيئًا من أهل الحرب فلم ينج به إلى دار الإسلام فإنه غير محرز له، وَلا يقع عليه ملكه حَتَّى يخرج به إلى دار الإسلام؛ فلهذا قَالَ: "لا نذر .. " إلى آخره، هذا وجه الحديث.
стр. 10816
وقال ابن القصار: ما أحرزه المشركون وخرج عن أيديهم إلى المسلمين، فإن لم يقع في المقاسم ولا حصل في يد إنسان بعوض فإنه يعود إلى ملك صاحبه، فالمرأة لما أخذت الناقة بغير عوض انتقل ملكها عن المشركين وحصل لرسول الله ﷺ ؛ فأما إذا قسمت الغنائم وحصل الشيء في يد أحد حصلت له شبهة ملك عليه؛ لأجل أنه حصل له بعوض، وهو حقه من الغنائم؛ فلا يخرجه عن يده إلا بعوض؛ لأن الغانمين قد اقتسموا وتفرقوا، فإن أعطاه الإمام القيمة جاز، وإن لم يعطه لم يأخذه صاحبه إلا بعوض؛ لأن القسم حكم الإمام مع كون شبهة أيدي الكفار، فيصير للغانم بحكم الإمام (١).
واستدل الطحاوي بحديث الناقة، فإن المرأة لما أخذتها انتقل ملكها إلى رسول الله ﷺ بحديث سفيان، عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة: أن رجلاً أصاب العدو له بعيرًا، فاشتراه رجل منهم فجاء به فعرفه صاحبه، فخاصمه إلى رسول الله ﷺ فقال: "فإن شئت أعطيت ثمنه الذي اشتراه به وهو لك، وإلا فهو له" فهذا وجه الحكم في الباب من طريق الآثار (٢).
وأما من طريق النظر فرأينا رسول الله ﷺ حكم في مشتري البعير من أهل الحرب أن لصاحبه أن يأخذه منه بالثمن، وكان قد ملكه المشتري من الحربيين، كما يملك الذي يقع في سهمه من الغنيمة ما يقع في سهمه منها، فالنظر على ذَلِكَ أن يكون الإمام إذا قسم الغنيمة فوقع منها في يد رجل شيء وإن كان أُسر ذَلِكَ من يد آخر، أن يكون المأسور من يده
стр. 10817
كذلك أن يكون له أخذ ما كان أسر من يده من الذي وقع في سهمه بقيمته كما يأخذ من يد مشتريه بثمنه (١).
وقوله: (أَنَّ فَرَسًا لابْنِ عُمَرَ عَارَ) هو بالعين المهملة، أي: انفلت من صاحبه، يَعِيرُ.
ومعنى (ظَهَرَ عَلِيهِ): غلب عليه، وقال البخاري -كما نقله ابن التين والدمياطي-: عَارَ مشتق من العير وهو: حمارُ وَحْشٍ، أي: هرب. يريد أنه فعل فعله في النفار.
وقال "صاحب العين": عار الفرس والكلب وغير ذَلِكَ عيارًا: أفلت وذهب في الناس (٢).
وقال ابن دريد في "جمهرته": عار الفرس تعيرًا: إذا انطلق من مربطه فذهب على وجهه، وكذلك البعير (٣). وقال الطبري: يقال ذَلِكَ في الفرس إذا فعله مرة بعد أخرى، ومنه قيل للبطال من الرجال: الذي لا يثبت على طريقة: عيار، ومنه الشاة العائرة، وسهم عائر: لا يدرى من أين أتى (٤)، ولما ذكر ابن التين أنه لا يأخذه عندنا إلا بالثمن، قَالَ: دليلنا أن العبد لا يدفع إلى بيت المال وإنما يرد إلى سيده، فيجب أن تكون القيمة على أخذه أو يكون استحقاقه تامًّا، فلا تجب فيه القيمة على أحد.
ثم نقل عن مالك كما أسلفنا أن من أسلم على شيء في أيديهم للمسلمين ملكه. وقال الشافعي: لا يملكون إلا بما يملك به المسلمون،
стр. 10818
وناقض فقال: إذا استهلكه الحربي ثم أسلم لم يغرمه. وقال أبو حنيفة: إن غنموه في دار الإسلام فلا يملكونه حَتَّى يخرجوه إلى (١) دار الحرب، ومالك لم يفرق، ثم قَالَ: إن الشافعي استدل بقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] الآية فجعل ذَلِكَ منة علينا فانتفى معه أن يملكوا أموالنا (٢).
وأجيب: بأنه ورد في خبر مخصوص ولم يُردْ به أنه لا يصيب المسلمين من الكفار جائحة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] فسماهم فقراء لأخذ الكفار أموالهم، وإذا كان كذلك لم يكن في هذِه الآية دلالة.
ثانيها: حديث أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ -يعني: ابن العاصي، واسمها آمنة- قَالَتْ: أَتَيْتُ النبي ﷺ مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَنَهْ سَنَهْ". قَالَ عَبْدُ اللهِ وَهْيَ بِالْحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَم النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي". قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ دهرا، وذكره البخاري في موضع آخر (١)، قال عكرمة: سنا: الحسنة بالحبشية ..
ثالثها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ثَمَّ تمر الصدقة، وقد سلف في الزكاة. (٢)
الشرح:
الرطانة: كلام العجم، وقال صاحب "الأفعال": يقال: رطن رطانة إذا تكلم بكلام العجم (٣)، وقال ابن التين: هي كلام لا يفهم، وخص بذلك كلام العجم، وعبارة "الصحاح" الرَّطانة: الكلام بالعجمية. تقول: رطنت له بكلام وراطنت إذا كلمته بها، وتراطن القوم فيما بينهم (٤).
وقوله: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ الآية [الروم: ٢٢]. اختلافهما من الآيات، وكان أصل اختلاف اللغات من هود، ألقى الله على ألسنة كل فريق اللسان الذي يتكلمون به ليلاً، فأصبحوا لا يحسنون غيره.