وقال ابن القصار: ما أحرزه المشركون وخرج عن أيديهم إلى المسلمين، فإن لم يقع في المقاسم ولا حصل في يد إنسان بعوض فإنه يعود إلى ملك صاحبه، فالمرأة لما أخذت الناقة بغير عوض انتقل ملكها عن المشركين وحصل لرسول الله ﷺ ؛ فأما إذا قسمت الغنائم وحصل الشيء في يد أحد حصلت له شبهة ملك عليه؛ لأجل أنه حصل له بعوض، وهو حقه من الغنائم؛ فلا يخرجه عن يده إلا بعوض؛ لأن الغانمين قد اقتسموا وتفرقوا، فإن أعطاه الإمام القيمة جاز، وإن لم يعطه لم يأخذه صاحبه إلا بعوض؛ لأن القسم حكم الإمام مع كون شبهة أيدي الكفار، فيصير للغانم بحكم الإمام (١).
واستدل الطحاوي بحديث الناقة، فإن المرأة لما أخذتها انتقل ملكها إلى رسول الله ﷺ بحديث سفيان، عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة: أن رجلاً أصاب العدو له بعيرًا، فاشتراه رجل منهم فجاء به فعرفه صاحبه، فخاصمه إلى رسول الله ﷺ فقال: "فإن شئت أعطيت ثمنه الذي اشتراه به وهو لك، وإلا فهو له" فهذا وجه الحكم في الباب من طريق الآثار (٢).
وأما من طريق النظر فرأينا رسول الله ﷺ حكم في مشتري البعير من أهل الحرب أن لصاحبه أن يأخذه منه بالثمن، وكان قد ملكه المشتري من الحربيين، كما يملك الذي يقع في سهمه من الغنيمة ما يقع في سهمه منها، فالنظر على ذَلِكَ أن يكون الإمام إذا قسم الغنيمة فوقع منها في يد رجل شيء وإن كان أُسر ذَلِكَ من يد آخر، أن يكون المأسور من يده
стр. 10817
كذلك أن يكون له أخذ ما كان أسر من يده من الذي وقع في سهمه بقيمته كما يأخذ من يد مشتريه بثمنه (١).
وقوله: (أَنَّ فَرَسًا لابْنِ عُمَرَ عَارَ) هو بالعين المهملة، أي: انفلت من صاحبه، يَعِيرُ.
ومعنى (ظَهَرَ عَلِيهِ): غلب عليه، وقال البخاري -كما نقله ابن التين والدمياطي-: عَارَ مشتق من العير وهو: حمارُ وَحْشٍ، أي: هرب. يريد أنه فعل فعله في النفار.
وقال "صاحب العين": عار الفرس والكلب وغير ذَلِكَ عيارًا: أفلت وذهب في الناس (٢).
وقال ابن دريد في "جمهرته": عار الفرس تعيرًا: إذا انطلق من مربطه فذهب على وجهه، وكذلك البعير (٣). وقال الطبري: يقال ذَلِكَ في الفرس إذا فعله مرة بعد أخرى، ومنه قيل للبطال من الرجال: الذي لا يثبت على طريقة: عيار، ومنه الشاة العائرة، وسهم عائر: لا يدرى من أين أتى (٤)، ولما ذكر ابن التين أنه لا يأخذه عندنا إلا بالثمن، قَالَ: دليلنا أن العبد لا يدفع إلى بيت المال وإنما يرد إلى سيده، فيجب أن تكون القيمة على أخذه أو يكون استحقاقه تامًّا، فلا تجب فيه القيمة على أحد.
ثم نقل عن مالك كما أسلفنا أن من أسلم على شيء في أيديهم للمسلمين ملكه. وقال الشافعي: لا يملكون إلا بما يملك به المسلمون،
стр. 10818
وناقض فقال: إذا استهلكه الحربي ثم أسلم لم يغرمه. وقال أبو حنيفة: إن غنموه في دار الإسلام فلا يملكونه حَتَّى يخرجوه إلى (١) دار الحرب، ومالك لم يفرق، ثم قَالَ: إن الشافعي استدل بقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] الآية فجعل ذَلِكَ منة علينا فانتفى معه أن يملكوا أموالنا (٢).
وأجيب: بأنه ورد في خبر مخصوص ولم يُردْ به أنه لا يصيب المسلمين من الكفار جائحة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] فسماهم فقراء لأخذ الكفار أموالهم، وإذا كان كذلك لم يكن في هذِه الآية دلالة.
ثانيها: حديث أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ -يعني: ابن العاصي، واسمها آمنة- قَالَتْ: أَتَيْتُ النبي ﷺ مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَنَهْ سَنَهْ". قَالَ عَبْدُ اللهِ وَهْيَ بِالْحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَم النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي". قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ دهرا، وذكره البخاري في موضع آخر (١)، قال عكرمة: سنا: الحسنة بالحبشية ..
ثالثها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ثَمَّ تمر الصدقة، وقد سلف في الزكاة. (٢)
الشرح:
الرطانة: كلام العجم، وقال صاحب "الأفعال": يقال: رطن رطانة إذا تكلم بكلام العجم (٣)، وقال ابن التين: هي كلام لا يفهم، وخص بذلك كلام العجم، وعبارة "الصحاح" الرَّطانة: الكلام بالعجمية. تقول: رطنت له بكلام وراطنت إذا كلمته بها، وتراطن القوم فيما بينهم (٤).
وقوله: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ الآية [الروم: ٢٢]. اختلافهما من الآيات، وكان أصل اختلاف اللغات من هود، ألقى الله على ألسنة كل فريق اللسان الذي يتكلمون به ليلاً، فأصبحوا لا يحسنون غيره.
стр. 10821
و (البُهَيمَةُ) كما قَالَ الداودي: من الأنعام. وقال ابن فارس: البَهْمُ: صِغَارُ الغَنَمِ (١).
و (السُّؤْرُ) الوليمة بالفارسية، كذا في بعض النسخ، أي: اتخذ دعوة لطعام الناس، وقال الداودي: هي كل طعام تدعى إليه جماعة. وقال جماعة من أهل اللغة: الوليمة: طعام العرس، وقيل: السؤر: الصنيع بلغة الحبشة، لكن العرب تكلمت بها فصارت من كلامها.
وأما قوله: فأكلوا وتركوا سؤرًا. فهذِه عربية يعني: بقية، وكل بقية من ماء أو طعام أو غيره فهو سؤر.
وقوله: (فحيَّ هلا بكم) قَالَ الفراء: معنى حيَّ عند العرب: هلم وأقبل، فالمعنى: هلموا إلى طعام جابر وأقبلوا إليه، ومنه قول المؤذن: حيَّ على الصلاة أي: أقبلوا إليها، وفتحت الياء من حيَّ لسكونها وسكون الياء التي قبلها، كما قالوا: ليت ولعل، ومنه قول ابن مسعود: إذا ذكر الصالحون فَحَيَّ هَلاً بعمر (٢). ومعناه أقبلوا على ذكر عمر. وقال أبو عبيد: أي ادع عمر (٣).
وفيها ست لغات: يقال: حَيَّ هَلًا بالتنوين للتنكير. وحَيَّ هَلَ منصوبة مخففة مشبهة بخمسة عشر، وحَيهَلًا بألف مديدة، وحَي هَلْ بالسكون؛ لكثرة الحركات ولشبهها بِصَهْ وَمَهْ وَوَيْح، وحَيَّ هْلَ بسكون الهاء، وحَيَّ أهلًا آل عمر، وحَيَّ هَلًا على عمر؛ وقال صاحب "المطالع": يقول: حي على كذا، أي: هلم وأقبل. يقال: حي علا، وقيل: حي: هلم،
стр. 10822
وهلا: جئتنا، وقيل: أسرع، جعل كلمة واحدة. وقيل: هلا: اسكن، وحي: أسرع، أي: عند ذكره واسكن حَتَّى ينقضي.
وقال الداودي: ("فحي هلا بكم")، أي: هلموا أهلا بكم أتيتكم أهلكم.
وقوله: "سَنَهْ" قد أسلفنا في البخاري عن عبد الله -وهو ابن المبارك- أنها بالحبشة حَسِنَة. وفي رواية: "سَنَّا سَنَّا" (١)، وفي أخرى: "سَنَّاهْ سَنَّاهْ" (٢)، قَالَ صاحب "المطالع": كلها بفتح السين وشد النون إلا عند أبي ذر فإنه خفف النون، وعند القابسي كسر السين.
وقوله: ("أَبْلِي وَأَخْلِقِي") أي: أنعمي والبلاء للخير والشر؛ لأن أصله الاختبار، وأكثر ما يستعمل في الخير مقيدًا، ولأبي ذر والمروزي: "أخلفي" بالفاء، والمشهور بالقاف من إخلاق الثوب، ومعناه: بالفاء أن يكتسب خلفه بعد بلائه، يقال: خلف الله لك، وأَخْلَفَ رُباعي، وهو الأَشْهر؛ ذكره عياض (٣)، وقال ابن بطال: هو كلام معروف عند العرب ومعناه الدعاء بطول البقاء. قَالَ صاحب "العين": يقال: أَبْلِ وأَخْلِفْ، أي: عش فخرِّقْ ثيابك وارْقَعْها، وخلفت الثوب، أي: أخرجت باليه ولفَقْتُهُ. (٤)
وقوله: (زبرني) هو بفتح أوله يعني: انتهرني، عن أبي علي.
وقوله: (حَتَّى ذكر)، كذا لأكثر الرواة بالذال المعجمة والراء.
стр. 10823
وقوله: (دهرًا) محذوف في كتاب ابن بطال (١)، وذكره ابن السكن أيضًا وهو تفسير لهذِه الرواية، كأنه أراد بقي هذا القميص مدة طويلة من الزمان نسيها الراوي فعبر عنها بقوله: (ذكر دهرًا) أي: زمانًا فنسيت تحديده، وقيل: هذا الضمير يرجع على الراوي، يدل عليه ما في رواية أخرى: (فبقيت) (يعني) (٢): أم خالد، وقيل: في ذكر ضمير القميص، أي: بقي هذا القميص، حَتَّى ذكر دهرًا، كما يقال: شيخ مسن يذكر دهرًا، أي: يعقل زمانًا طويلًا قد مضى، ولأبي الهيثم: (دكن) بالنون ودال مهملة، والدكنة غبرة (كدرة) (٣) من طول ما لبس فيسود لونه، ورجحه أبو ذر.
أما فقه الباب؛ فسمعناه في تأمين المسلمين لأهل الحرب بلسانهم ولغتهم أن ذَلِكَ أمان لهم؛ لأن الله تعالى يعلم الألسنة كلها، وأيضًا فإن الكلام بالفارسية يحتاج إليه المسلمون للتكلم به مع رسل العجم، وقد أمر الشارع زيد بن ثابت (بتعلم) (٤) لسان العجم، وكذلك أدخل البخاري عن رسول الله ﷺ أنه تكلم بألفاظ من الفارسية كانت متعارفة عندهم معلومة، وفهمها عنه الصحابة، فالعجم أحرى أن يفهموها إذا خوطبوا بها؛ لأنها لغتهم، وسيأتي زيادة في بيان هذا في
стр. 10824
باب قوله إذا قالوا: صبأنا ولم يحسنوا أسلمنا بعد. (١) قَالَ ابن التين: وإنما يكره أن يتكلم بالعجمية إذا كان بعض من حضر لا يفهمها فيكون تناجي القوم دون ثالث، قاله الداودي؛ قَالَ: ويلزمه إذا لم يعرفها اثنان فأكثر أن يجوز ذلك. قال المهلب: وأما دعاؤه بأهل الخندق أجمع لطعام جابر فإنما فعله؛ لأنه علم منهم حاجة إلى الطعام، وعلم أنه طعام قد أذن له فيه ببركته لتكون آية وعلامة للنبوة، فلذلك دعاهم أجمع، ولم يدع السادس إلى دار الخياط، واستأذن الخياط أن يدخل معهم ليكون لنا سنة؛ ولأنه طعام لم يؤذن له في إتيانه، وإن كان كل طعامه فيه بركة، ولكن بركة تكون آية وعلامة لنبوته فليس هذا من ذَلِكَ الطعام (٢).
وأستحصر (٣) فوائد هذا الحديث.
منها: مداعبة الشارع للأطفال ومخاطبتهم مما يخاطب به الكبار الفقهاء إذا فهموا، وهذِه المخاطبة وإن كانت للحسن ففيها تعريف المسلمين أنه لا يأكل الصدقة.
ومنها: توقير الأئمة عن لعب الصبيان.
ومنها: المسامحة للأطف الذي اللعب بحضرة آبائهم وغيرهم، وكان ﷺ على خلق عظيم.
ومنها: إتيانهم بالبنات الصغار لبركة دعائه وليثبت لهن الصحبة.
ومنها: حمل الصبيان وتدريبهم على الشرائع والتجنب بهم الحرام
стр. 10825
والمكروه، وسلف تفسير ("كخ كخ") في الزكاة، وهما بفتح الكاف وكسرها وسكون الخاء وكسرها، وبالتنوين مع الكسر وبغيره، قَالَ ابن دريد: يقال: كخ يكخ كخا إذا نام فغط (١). وقال الداودي: هي كلمة أعجمية عربت.
стр. 10826
١٨٩ - باب الغُلُولِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١].
٣٠٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ». وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ: "فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ". [انظر: ٢٣٧١ - مسلم: ٩٨٧، ١٨٣١ - فتح ٦/ ١٨٥]
ذكر فيه حديث أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَ الغُلُولَ .. الحديث.
وهو على سبيل الوعيد من الله لمن أنفذه عليه من أهل الغلول، وقد تكون العقوبة حمل البعير وسائر ما عليه على رقبته على رءوس الأشهاد وفضيحته به، ثم الله تعالى بعد ذَلِكَ غير في تعذيبه بالنار أو العفو عنه. فإن عذبه بناره أدركته الشفاعة إن شاء الله تعالى، وإن لم يعذبه بناره فهو واسع المغفرة.
ومعنى: ("لا ألفينَّ") لا أجدن، ألفينا: وجدنا. قَالَ القرطبي: كذا الرواية الصحيحة بالمد والفاء، ومعناه: لا يأخذن أحد شيئًا من المغانم فأجده يوم القيامة على تلك الحال (١).
стр. 10827
وقال النووي: هو بضم الهمزة وكسر الفاء، ورواه العذري بفتح الهمزة والقاف من اللقاء، وله وجه (١)، وجاء في رواية: "لا أعرفن" والمعنى متقارب، وبعض الرواة يقول "لأعرفن" بغير مد على أن تكون لام القسم، وفيه بُعْدٌ، والأول أحسن.
والثُّغَاء: بضم الثاء صوت الشاة. يقال: ثغت، تثغو.
والرغاء: صوت الإبل. واليعار صوت المعز خاصة، ومنه شاة تَيْعَرُ (٢).
والحمحة: صوت الفرس عند العلف، قَالَ ابن قتيبة (٣): سمي غلولا؛ لأن آخذه كان يغله في متاعه، أي: يدخله في أصنافه، ومنه سمي الماء البخاري بين الشجر غللًا. وقال يعقوب: يقال: غل في المغنم يغُل ويغِل إذا خان، والصامت: الذهب والفضة.
ومعنى: ("لا أملك لك شيئًا") أي: من المغفرة ومن الشفاعة حَتَّى يأذن الله في الشفاعة لمن أراد، كما قَالَ تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وفيه: أن العقوبات قد تكون من جنس الذنوب، وهذا الحديث يفسر قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران ١٦١]
وفيه: أنه يأتي به يحمله على رقبته، ليكون أبلغ في فضيحته، ويتبين للأشهاد خيانته، وحسبك بهذا تعظيمًا لإثم الغلول وتحذيرًا منه. وقوله: ("على رقبته رقاع تخفق") يقال: أخفق الرجل بثوبه إذا لمع.
стр. 10828
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالغلول كبيرة بالإجماع، وأجمعوا أيضًا على تغليظ تحريمه، وقام الإجماع أيضًا كما حكاه ابن المنذر على أن الغال يرد ما غل إلى صاحب المقسم ما لم يفترق الناس (١).
واختلفوا فيما يفعل بذلك إذا افترقوا؛ فقالت طائفة: يدفع إلى الإمام بخمُسه ويتصدق بالباقي هذا قول الحسن والزهري ومالك والأوزاعي والليث والثوري، وروِي معناه عن معاوية بن أبي سفيان، وروِي عن ابن مسعود أنه رأى أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه، وروي معناه عن ابن عباس. قَالَ أحمد في الحبة والقيراط يبقى للبقال على الرجل ولا يعرف موضعه: يتصدق به (٢). وكان الشافعي لا يرى الصدقة به، ويقول: لا أرى للصدقة به وجهًا؛ لأنه إن كان من ماله فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لغيره فليس له الصدقة بمال غيره (٣).
стр. 10829
١٩٠ - باب القَلِيلِ مِنَ الغُلُولِ
وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَرَّقَ مَتَاعَهُ، وهذا أَصَحُّ.
٣٠٧٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كِرْكِرَةُ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هُوَ فِي النَّارِ». فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: كَرْكَرَةُ -يَعْنِي بِفَتْحِ الْكَافِ- وَهْوَ مَضْبُوطٌ كَذَا. [فتح ٦/ ١٨٧]
ثم ساق حديث ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كِرْكِرَةُ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ فِي النَّارِ". فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ ابن سَلَامٍ: كَرْكَرَةُ.
الشرح:
قوله: (وهذا أصح)، يعني: أنه ﷺ لم يحرق رحل كركرة حين وجد فيه الغلول، فهو أصح من حديث ابن عمرو الذي أخرجه أبو داود، عن محمد بن عوف، عن موسى بن أيوب، عن الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه.
قَالَ أبو داود: وزاد فيه علي بن بحر، عن الوليد ولم أسمعه منه: ومنعوه سهمه.
قَالَ: وثَنَا الوليد بن عتبة وعبد الوهاب بن نجدة، عن الوليد، عن زهير، عن عمرو قوله.
стр. 10830
ولم يذكر ابن نجدة منع سهمه (١).
وقد اختلف العلماء في عقوبة الغال فقال الجمهور: يعذر على قدر حاله على ما يراه الإمام، ولا يحرق متاعه، وهو قول الأربعة خلا أحمد وجماعة كثيرة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، منهم: الليث والثوري (٢).
وقال الحسن وأحمد وإسحاق ومكحول والأوزاعي: يحرق رحله ومتاعه كله، قَالَ الأوزاعي: إلا سلاحه وثيابه التي عليه. وقال الحسن: إلا الحيوان والمصحف (٣).
وادعى ابن العربي في "مسالكه" أنه ثبت في الصحيح من الحديث أنه ﷺ قَالَ: "من غل فاضربوه وأحرقوا رحله".
وأما حديث ابن عمر، عن عمر مرفوعًا في تحريق رحل الغال (٤)، فهو حديث تفرد به صالح بن محمد، وهو ضعيف عن سالم.
قَالَ أبو عمر: تفرد به صالح ولا يحتج به (٥).
وقال أبو داود لما ذكره بعد رفعه موقوفًا من فعل الوليد بن هشام بن عبد الملك: وهذا أصح الحديثين (٦).
стр. 10831
وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والعمل عليه عند بعض أهل العلم (١) وسألت محمدًا عن هذا الحديث فقَالَ: إنما روى صالح بن محمد، وهو منكر الحديث، قَالَ: وقد روي في غير حديث الغال، ولم يأمر فيه ﷺ بحرق متاعه (٢).
قَالَ البخاري في "تاريخه": عامة أصحابنا يحتجون بحديث صالح في الغلول، وهو باطل ليسَ بشيء (٣).
وقال الدارقطني: أنكروا هذا الحديث على صالح، قال: وهو حديث لم يتابع عليه، ولا له أصل عن رسول الله ﷺ (٤).
قلتُ: ومما يوهنه حديث الباب كما ذكره البخاري، فإنه ﷺ لم يحرق رحل الذي وجد عنده العباءة، ولا الخرز، ثم على تقدير صحته فهو محمول كما قاله الطحاوي على أنه كان حين كانت العقوبة في الأموال جائزة، كما في أخذ شطر المال من مانع الزكاة وضالة الإبل وسرقة التمر، وكله منسوخ (٥).
وأنكر مالك حرق الرحل، ويؤدب إن ظهر عليه قبل أن يتنصل.
стр. 10832
واختلف هل يؤدب إذا جاء تائبًا؟ فقال مالك: لو أدب كان أهلًا.
وقال ابن القاسم وابن حبيب وسحنون لا يؤدب؛ لأنها تسقط النكال والتقريع، وإنما الذي لا تسقطه التوبة الحدود، فإن ظهر عليه قبل أن يتنصل أُدِّب وتصدق بثمنه. قاله مَالك عند محمد (١).
وفي الحديث ما ترجم له وهو تحريم قليل الغلول وكثيره كما قَالَ ﷺ للذي أتاه بالشراك من المغنم، فقال: "شراك أو شراكان من نار" وقال في الشملة "إنها تشعل عليه يوم القيامة نارًا" (٢).
قَالَ المهلب: وحديث الباب يشبه ما قبله، أي في أنه في طريق النار إن أنفذ الله عليه الوعيد.
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون هو جزاؤه إلا أن يغفر الله له، ويحتمل أن يصيبه في القبر، ثم ينجو من جهنم، ويحتمل أن يكون وجوب النار من نفاق كان يسره، أو بذنب مات عليه مع غلول أو مما غل، فإن مات مسلمًا فقد قَالَ ﷺ : "يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان" (٣)، ولم يقل: إن له النار من أجل العباءة التي غل ذكره كله الداودي.
فائدة: (كركره) بفتح الكاف وكسرها، وقد حكاهما البخاري، فإنه أولاً بالكسر فيما رأيته في أصل الدمياطي، ثم قَالَ: قَالَ ابن سلام: كَرْكَرَة بالفتح مضبوطًا.
стр. 10833
١٩١ - باب مَا يُكْرَهُ من ذَبْحِ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ فِي المَغَانِمِ
٣٠٧٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ وَأَصَبْنَا إِبِلاً وَغَنَمًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَعَجِلُوا فَنَصَبُوا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، وَفِي القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرٌ فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ الله فَقَالَ: «هَذِهِ البَهَائِمُ لَهَا أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا». فَقَالَ جَدِّي: إِنَّا نَرْجُو -أَوْ نَخَافُ- أَنْ نَلْقَى العَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ فَقَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ». [انظر: ٢٤٨٨ - مسلم: ١٩٦٨ - فتح ٦/ ١٨٨]
ذكر فيه حديث رافع بن خديج السالف في (آخر) (١) الشركة قريبًا بطوله (٢).
و (أُخْرَيَاتِ النَّاسِ) أي: آخرهم؛ رفقًا بالجيش وليحمل الكل والمنقطع.
وقوله: (فَعَجِلُوا فَنَصَبُوا القُدُورَ) يحتمل أن يريد أنهم تجاوزوا في ذَلِكَ، وتبويب البخاري قال على كراهة ذَلِكَ.
ونقل ابن المنير عن بعض العلماء أن المذبوح بغير إذن صاحبه تعديًا سرقة أو غصبًا: ميتة. قَالَ: ولها انتصر البخاري (٣).
стр. 10834
ومذهب مالك أن البقر والغنم بمنزلة الطعام، لا يحتاج في استباحتها إلى قسم ولا إذن الإمام؛ لأن الحاجَة إليها كالحاجة إلى العسل والعنب، بل هذِه أحرى وأولى (١).
وقال الشافعي: لا يذبح شيء من ذَلِكَ إلا لضرورة (٢).
قَالَ ابن القاسم: ولهم أن يضحُّوا بالغنم المجزرة في المغانم وما أخذ من ذَلِكَ للاستعداد كالفرس والثوب ينتفع به حَتَّى ينقضي غزوه، فقال ابن القاسم: يأخذه بغير إذن الإمام، وينتفع به حَتَّى ينقضي غزوه (٣).
وروي عن علي وابن وهب وغيرهما: لا يأخذ شيئًا من ذلك (٤). قَالَ المهلب: وإنما أمر بإكفاءِ القدور من لحوم الإبل والغنم، وأكلها جائز في دار الحرب بعد إذن الإمام عند العلماء، هذا قول مالك والليث والأوزاعي والشافعي.
وجماعة من العلماء رخصوا في ذبح الأنعام في بلاد العدو للأكل وفي أكل الطعام؛ لأن هؤلاء الذين أكفئت عليهم القدور إنما ذبحوها بذي الحُلَيْفَة وهي أرض الإسلام، وليسَ لهم أن يأخذوا في أرض الإسلام إلا ما قسم لهم؛ لأنها حاصلة، وإباحة الأكل من الغنم إنما هو في أرض العدو قبل تخليص القسمة وإحرازها، فهذا الفرق بينهما.
стр. 10835
وقد قَالَ الثوري والشافعي: إن ما أخذه المرءُ من الطعام في أرض العدو وفضلت منه فضلة ويقدم بها بلاد الإسلام أنه يردها إلى الإمام (١).
وقال أبو حنيفة: يتصدق به. فكيف من يتسور فيه في أرض الإسلام، ويأخذه بغير إذن الإمام؟
ورخص مالك في فضلة الزاد مثل الخبز واللحم إذا كان يسيرًا لا مال له (٢). وهو قول أحمد (٣).
وقال الليث: أحب إلى إذا دنا من أهله أن يطعمه أصحابه.
وقال الأوزاعي: يهديه إلى أهله (٤)، وأما البيع فلا يصلح، فإن باعه وضع ثمنه في المغنم، فإن فاتَ ذَلِكَ تصدق به عن الجيش ورخص فيه سليمان بن موسى (٥) وأمر بإكفاء القدور ليعلمهم أن الغنيمة إنما يستحقونها بعد قسمته لها، فلا يفتاتوا في أخذ شيء قبيل وجوبه بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١].
قَالَ الحسن: إن هذِه الآية نزلت في قوم نحروا قبل أن يصلي رسول الله ﷺ ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح (٦).
стр. 10836
وقَالَ مجاهد في هذِه الآية: لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حَتَّى يقضيه الله على لسانه (١).
وقال الكلبي: لا تقدموا بقول ولا فعل.
وفيها قول آخر ذكره ابن المنذر، عن سماك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم قَالَ: أصبنا يوم خيبر غنمًا فانتهبناها فجاء رسول الله ﷺ وقدورهم تغلي فقال: "إنها نهبة فأكفئوا القدور وما فيها فإنها لا تحل النهبة".
وقال بعض أهل العلم: هذا يدل [على] (٢) أنهم كانوا قد خرجوا من بلاد العدو؛ لأن النهبة مباحة في بلاد العدو دون دار الإسلام، وهذِه القصة أصل في جواز العقوبة بالمال.
وقوله: "فَأُكْفِئَتْ" الأفصح والأشهر في كلام العرب كما قَالَ الطبري: أن يقال كفأ القوم القدور يكفئونها، وإن كانت الأخرى (أكفأت) محكية.
ذكرها ابن الأعرابي عن العرب (٣).
وقوله: (فعدل عشرة من الغنم ببعير) احتج به من قَالَ: تقسم العروض ولا تباع، ويُقسم ثمنها. وقد روى ابن سحنون عن أبيه: يبيع الإمام ثم يقسم الأثمان، وإن لم يجد من يشتريه يقسم على خمسة.
وقال محمد: الإمام بالخيار بين أن يقسم أو يبيع.
стр. 10837
ومعنى: (ندَّ): ذهب (لوجهه) (١)، ومعنى حبسه: وقفه. قال الداودي: أبقاه لا يستطيع الجري، والأوابد: النفار، قاله الداودي، يقال: أتى فلان بأبدة إذا كانت منه فعلة قلَّما يفعل مثلها.
وقال ابن فارس: الأوابد: الوحش، قَالَ: والأبدة: الفعلة التي يبقى ذكرها على الأبد (٢). ونقل القرطبي عن المهلب أن الإكفاء إنما كان لتركهم الشارع في أخريات القوم واستعجالهم للنهب، ولم يخافوا من مكيدة العدو، فحرمهم ما استعجلوا له عقوبة لهم بنقيض قصدهم، كما منع القاتل من الميراث (٣).
قَالَ القرطبي: ويشهد لصحة هذا التأويل حديث أبي داود: وتقدم سرعان الناس فعجلوا وأصابوا من المغانم ورسول الله في أخريات الناس (٤). قَالَ: واعلم أن المأمور بإراقته إنما هو إتلاف لنفس المرق (٥)، وأما اللحم فلم يتلفوه، ويحمل على أنه جمع ورد إلى المغنم، ولا يظن به أنه أمر بإتلافه؛ لأنه مال الغانمين. وقد نهى الشارع عن إضاعة المال على أن الجناية بطبخه لم تقع من جميع مستحقي الغنيمة. إذ من جملتهم أصحاب الخمس، ومن الغانمين من لم يطبخ.
стр. 10838
فإن قلتَ: لم ينقل إلينا حمل ذلك اللحم إلى المغنم، قلنا: ولا ينقل أنهم أحرقوه ولا أتلفوه كما فعل بلحوم الحمر الأهلية؛ لأنها نجسة قاله ﷺ ، أو قَالَ: "رجس". وإذا لم يأت نقل (صريح) (١) وجب تأوله على وفق القواعد الشرعية، وقوله: (إنا نرجو أو نخاف) شك أي اللفظين قَالَ. ومعناهما واحد قَالَ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]
وقال الشاعر:
إذا لسعته النحل … لم يرجُ لسعَها
أي: لم يخف.
وقال الداودي: معنى: نرجو: أي: نحن على رجاء من لقاء العدو.
ومعنى (نخاف): ألا نجد حين نلقى العدو ما نذبح به.
стр. 10839
١٩٢ - باب البِشَارَةِ فِي الفُتُوحِ
٣٠٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ قَالَ: قَالَ لِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵁: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ». وَكَانَ بَيْتًا فِيهِ خَثْعَمُ يُسَمَّى كَعْبَةَ اليَمَانِيَةَ، فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي فَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا». فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُبَشِّرُهُ فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ، فَبَارَكَ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ. قَالَ مُسَدَّدٌ: بَيْتٌ فِي خَثْعَمَ. [انظر: ٣٠٢٠ - مسلم: ٢٤٧٦ - فتح ٦/ ١٨٩]
ذكر حديث جرير في ذي الخلصة وقد سلف (١) في أوله وكان بيتًا فيه خثعم. وقال في آخره: وقال مسدد: بيت في خثعم. وهو أصح، وهو ظاهر فيما ترجم له وموضعه من الحديث: فكسرها وحرقها، وأرسل إلى رسول الله ﷺ يبشره.
ففيه: البشارة في الفتوح، وما كان في معناه من كل ما فيه ظهور الإسلام وأهله لُيسَرَّ المسلمون بإعلاء الدين، ويبتهلوا إلى الله في الشكر على ما وهبهم من نعمه، ومنَّ عليهم من إحسانه، فقد أمر الله تعالى عباده بالشكر، ووعدهم المزيد. فقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
ثم ذكر [باب] (٢) ما يعطى البشير.
стр. 10840
١٩٣ - باب مَا يُعْطَى البَشِيُر
وَأَعطَى كَعْبٌ بْن مَالِكٍ ثَوْبَيْنِ حِينَ بُشِّرَ بِالتَّوْبَةِ. [انظر: ٢٧٥٧ - فتح ٦/ ١٨٩]
ثم قَالَ: وأعطى كعب بن مالك ثوبين حين بُشر بالتوبة. وقد سلف (١).
стр. 10841
١٩٤ - باب لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ
٣٠٧٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا». [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح ٦/ ١٨٩]
٣٠٧٨، ٣٠٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ مُجَاشِعٌ بِأَخِيهِ مُجَالِدِ بْنِ مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَذَا مُجَالِدٌ يُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ. فَقَالَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَكِنْ أُبَايِعُهُ عَلَى الإِسْلَامِ». [انظر: ٢٩٦٢، ٢٩٦٣ - مسلم: ١٨٦٣ - فتح ٦/ ١٨٩]
٣٠٨٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو وَابْنُ جُرَيْجٍ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: ذَهَبْتُ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ وَهْيَ مُجَاوِرَةٌ بِثَبِيرٍ فَقَالَتْ لَنَا: انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ مُنْذُ فَتَحَ الله عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ مَكَّةَ. [٣٩٠٠، ٤٣١٢ - مسلم:
١٨٦٤ - فتح ٦/ ١٩٠]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عباس: "لَا هِجْرَةَ بعد الفتح" وقد سلف.
ثانيها: حديث مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ مُجَاشِعٌ بِأَخِيهِ مُجَالِدِ ليبايعه عَلَى الهِجْرَةِ.
وقد سلف في باب البيعة في الحرب ألا تفروا. قريبا (١).
ومجاشع هو ابن مسعود بن ثعلبة بن وهب سلمي بصري حاصر تَوَّجَ ففتحها قبل يوم الجمل، خرج حين قدوم طلحة والزبير البصرة فلقي عبد الله بن الزبير في جبل، فقتل مجاشع وغيره.
стр. 10842
ثالثها: حديث عطاء ذَهَبْتُ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ إلى عَائِشَةَ وَهْيَ مُجَاوِرَةٌ بِثَبِيرٍ، فَقَالَتْ لنَا: انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ مُنْذُ فَتَحَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ مَكَّةَ.
وعبيد هذا هو ابن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع، أبو عاصم، سمع ابن عباس وابن عمر، ومات قبله.
وفي رواية له: "لا هجرة اليوم" (١)، وكان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه، وأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام. والمؤمن يعبد ربه حيث شاء. "ولكن جهاد ونية"، وهو دال على نسخ الهجرة بعد الفتح -أي: من مكة- إلا أن سقوطها بعده لا يسقطها عمن هاجر قبل الفتح، فدل على أن قوله: "لا هجرة بعد الفتح" ليس على العموم؛ لأن الأمة مجمعة أن من هاجر قبل الفتح أنه يحرم عليه الرجوع إلى وطنه الذي هاجر منه، كما حرم على أهل مكة الرجوع إليها.
ووجب عليهم البقاء مع رسول الله ﷺ ، والتحول معه حيث تحول لنصرته ومؤازرته وصحبته وحفظ شرائعه والتبليغ عنه، وهم الذين استحقوا اسم المهاجرين (ومدحوا) (٢) به دون غيرهم، ألا ترى أنه ﷺ رثى لسعد بن خولة أن مات بمكة في الأرض التي هاجر منها، ولذلك دعا لهم فقال: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم" (٣).
وذكر أبو عبيد في كتاب "الأموال" أن الهجرة كانت على غير أهل مكة من الرغائب، ولم تكن فرضًا دل على ذَلِكَ قوله للذي سأله عن
стр. 10843
الهجرة: "إن شأنها شديد فهل لك من إبل تؤدي زكاتها؟ " قَالَ: نعم. قَالَ: "فأعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئًا" (١)، ولم يوجب عليه الهجرة، وقيل: إنما كانت واجبه إذا أسلم بعض أهل البلد، ولم يسلم بعضهم لئلا يجري على من أسلم أحكام الكفار، فأما إذا أسلم كل من في الدار فلا هجرة عليهم. لقوله لوفد عبد القيس حين أمرهم مما أمرهم، ولم يأمرهم بهجرة أرضهم؛ وقد عذر الله المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، يعني: طريقًا إلى المدينة. وأما الهجرة الثابتة إلى يوم القيامة فقوله: "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (٢).
قلتُ: وكذا إذا أسلم في بلد الكفار، ولم يمكنه إظهار دينه عملًا بقوله: "لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" (٣).
стр. 10844
١٩٥ - باب إِذَا اضطَرَّ الرَّجُلُ إِلَى النَّظَرِ فِي شُعُورِ أَهلِ الذِّمَّةِ وَالْمُؤمِنَاتِ إِذَا عَصَيْنَ الله وَتَجْرِيدِهِنَّ
٣٠٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ الطَّائِفِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ -وَكَانَ عُثْمَانِيًّا- فَقَالَ لاِبْنِ عَطِيَّةَ -وَكَانَ عَلَوِيًّا-: إِنِّي لأَعْلَمُ مَا الذِي جَرَّأَ صَاحِبَكَ عَلَى الدِّمَاءِ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَالزُّبَيْرَ، فَقَالَ «ائْتُوا رَوْضَةَ كَذَا، وَتَجِدُونَ بِهَا امْرَأَةً أَعْطَاهَا حَاطِبٌ كِتَابًا». فَأَتَيْنَا الرَّوْضَةَ فَقُلْنَا: الكِتَابَ. قَالَتْ: لَمْ يُعْطِنِي. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ أَوْ لأُجَرِّدَنَّكِ. فَأَخْرَجَتْ مِنْ حُجْزَتِهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى حَاطِبٍ فَقَالَ: لَا تَعْجَلْ، وَاللهِ مَا كَفَرْتُ وَلَا ازْدَدْتُ لِلإِسْلَامِ إِلاَّ حُبًّا، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلاَّ وَلَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَدْفَعُ الله بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَحَدٌ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا. فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ نَافَقَ. فَقَالَ «مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ». فَهَذَا الذِي جَرَّأَهُ. [انظر: ٣٠٠٧ - مسلم: ٢٤٩٤ - فتح ٦/ ١٩٠]
ثم ذكر حديث سعد بن عُبيدة -بضم العين- عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ -وَكَانَ عُثْمَانِيًّا- فَقَالَ لاِبْنِ عَطِيَّةَ -وَكَانَ عَلَوِيًّا-: إِنِّي لأَعْلَمُ مَا الذِي جَرَّأَ صَاحِبَكَ عَلَى الدِّمَاءِ .. ثم ذكر حديث روضة خاخ (السالف قريبًا (١). وهذِه الظعينة قيل: إنها مشركة) (٢).
ومعنى: (كان عثمانيًّا): يفضل عثمان على علي كالعلوي بعكسٍ ووقفت فرقة ثالثة في التفضيل بينهما. وقاله مالك مرة، وقال مثل أبي عبد الرحمن، والصواب تقديم عثمان عليه (٣).
стр. 10845
قَالَ الداودي: وبئس ما قَالَ أبو عبد الرحمن في تأويله [عليٍّ] (١) أنه يجترئ على شيء يراه حرامًا لقوله ﷺ في أهل بدر، والله يعلم أفعال العباد قبل كونها، وعلم أنهم لا يأتون كبيرة، وإن قَالَ لهم نبيهم عنه: "اعملوا ما شئتم"، وقول أبي عبد الرحمن: (إني لأعلم .. إلى آخره) ظن منه أن عليًّا على مكانته من الفضل والعلم لا يقتل أحدًا إلا بالواجب، وإن كان قد ضمن له الجنة لشهوده بدرًا وغيرها.
وفيه من الفقه: أن من عصا الله فلا حرمة له، وأن المعصية تبيح حرمته وتزيل سترته، ألا ترى أن عليًّا والزبير أرادا كشف المرأة، ولم تخرج (الكتاب) (٢)؛ لأن حملها له ضرب من التجسس على المسلمين، ومن فعل ذَلِكَ فعليه النكال بقدر اجتهاد الإمام مسلمًا كان أو كافرًا، وقد أجمعوا أن المؤمنات والكافرات في تحريم الزنا بهن سواء. فكذلك في تحريم النظر إليهن متجردات، وهما سواء فيما أبيح من النظر إليهن في (حين) (٣) الشهادة أو إقامة الحد عليهن، وهذا كله من الضرورات التي تبيح المحظورات.
стр. 10846
١٩٦ - باب اسْتِقْبَالِ الغُزَاةِ
٣٠٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَحُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لاِبْنِ جَعْفَرٍ ﵃: أَتَذْكُرُ إِذْ تَلَقَّيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَا وَأَنْتَ وَابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَمَلَنَا وَتَرَكَكَ. [مسلم: ٢٤٢٧ - فتح ٦/ ١٩١]
٣٠٨٣ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ﵁: ذَهَبْنَا نَتَلَقَّى رَسُولَ اللهِ ﷺ مَعَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ.
[٤٤٢٦، ٤٤٢٧ - فتح ٦/ ١٩١]
ذكر فيه حديث ابن أبي مليكة: قَالَ ابن الزّبَيْرِ لاِبْنِ جَعْفَرٍ: أَتَذْكُرُ إِذْ تَلَقَّيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَا وَأَنْتَ وَابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَمَلَنَا وَتَرَكَكَ.
وحديث الزهري قَالَ: قَالَ السائب بن يزيد: ذَهَبْنَا نتَلَقَّى رَسُولَ اللهِ جر مَعَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَييَّةِ الوَدَاعِ.
الشرح: كذا وقع هنا أن ابن الزبير قَالَ ذَلِكَ، وفي أفراد مسلم، و"مسند أحمد" أن عبد الله بن جعفر قَالَ ذَلِكَ لابن الزبير (١)، والظاهر أنه انقلب على الراوي كما نبه عليه ابن الجوزي في "جامع المسانيد".
والتلقي للمسافرين والقادمين من الجهاد والحج بالبشر والسرور أمر معروف، ووجه من وجوه البر. ولهذا الحديث ثبت تشييعهم؛ لأن ثنية الوداع إنما سُميت بذلك؛ لأنهم كانوا يشيعون الحاج والغزاة إليها ويودعونهم (عندها) (٢)، وإليها كانوا يخرجون صغارًا وكبارًا عند التلقي. وقد يجوز تلقيهم بعدها وتشييعهم إلى أكثر منها.
стр. 10847
وأما الداودي فقال: قوله: (إلى ثنية الوداع) ليس بمحفوظ؛ لأن ثنية الوداع من جهة مكة، وتبوك من الشام مقابلتها كالمشرق من المغرب، إلا أن يكون ثم ثنية أخرى في تلك الجهة.
قَالَ: والثنية: الطريق في الجبل؛ وليس كذلك، وإنما الثنية: ما ارتفع من الأرض.
وفيه: الفخر بإكرام الشارع.
وفيه: رواية الصبي ابن سبع سنين، وفيه إثبات الصحبة لعبد الله بن الزبير؛ لأنه ﷺ توفي وهو ابن ثمان سنين.
وفيه: ركوب الثلاثة على الدابة.
وفيه: كفالته ﷺ اليتيم. قاله الداودي.
واعترض عليه ابن التين فقال: وَهَلَ في الحديث (أيضًا) (١) أنه ﷺ حمل ابن عباس وابن الزبير، ولم يحمل ابن جعفر كما سلف.
فائدة: البخاري روى حديث ابن أبي مليكة عن عبد الله بن أبي الأسود، وهو أبو بكر ابن أخت ابن مهدي قاضي همذان، وهو عبد الله بن محمد بن أبي الأسود.
وفيه: حميد بن [أبي] (٢) الأسود أيضًا وهو بصري مات ببغداد سنة ثلاث وعشرين ومائتين (٣)، انفرد بهما.
أحدها: حديث عن عبد الله: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ كَبَّرَ ثَلَاثًا فقَالَ: "آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حامدون، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ".
ثانيها: حديث أنس: كُنَّا مَعَ رسول الله ﷺ مَقْفَلَهُ مِنْ عُسْفَانَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَقَدْ أَرْدَفَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ .. الحديث وفيه: فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: "آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ". فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ.
ثالثها: عنه مثله.
الشرح:
قد سلف القول في التكبير عند الصعود، والإشراف على المدن، والتسبيح عند الهبوط. وفيه: إرداف المرأة خلف الرجل، وسترها عن الناس.
وفيه: ستر من لا يجوز رؤيته، وستر الوجه عنه.
وفيه: خدمة العالم والإمام، وخدمة أهله.
وفيه: أكتناف الإمام والاجتماع حوله عند دخول المدن. وتلقي الناس سنة ماضية وأمرٌ جار،
وفيه: حمد الله للمسافر عند إتيانه سالمًا إلى أهله، وسؤاله الله التوبة والعبادة. وتقدير الكلام: نحن آيبون تائبون عابدون حامدون لربنا ساجدون، إن شاء الله، على ما رزقنا من السلامة والنصر وصدق الوعد ولا تتعلق المشيئة بقوله: (آيبون) (١) لوقوع الإياب، وإنما تتعلق مما في الكلام الذي لم يقع بعد.
стр. 10850
وفيه: أنه يجوز للمتكلم أن يقدم المشيئة لله تعالى في أول كلامه، ثم يصلها مما يحب إيقاعه من الفعل.
وفيه: أن الرجل الفاضل ينبغي له عندما يجدد له من نعمة وسلامة أن يقر لله تعالى بطاعته، ويسأله أن يديم له حال تثويبه وعبادته له. وإن كان الشارع قد تقرر عنده أنه لا يزال تائبًا عابدًا ساجدًا حامدًا لربه لكن هو أدب الأنبياء أخذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] ولعلمهم بمواقع نعم الله عندهم، يعترفون له بها ويذعنون ويتبرءون إليه من الحول والقوة، ويظهرون الافتقار إليه؛ مبالغة في شكره تعالى، ولتقتدي بهم أممهم في ذلك.
فائدة:
قوله في حديث أنس: (فاكتنفنا رسول الله ﷺ ) أي: أحطنا به.
وفيه: تغطية أبي طلحة وجهه، وإصلاح الرجل للمرأة للضرورة.
وفيه: حجاب أمهات المؤمنين وإن كن كالأمهات.
وفيه: علم الشارع بصلاح أبي طلحة وإسقاط الغيره.
فائدة أخرى:
قوله: (مقفله من عسفان) هو وهم نبه عليه الدمياطي الحافظ حيث قَالَ: ذكر عسفان مع قصة صفية وهم؛ لأن غزوة عسفان إلى بني لحيان كانت في سنة ست، وغزوة خيبر في سنة سبع. وإرداف صفية مع رسول الله ﷺ ووقوعها كان فيها.
стр. 10851
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٩٨ - باب الصَّلَاةِ إِذَا قَدِمَ مِنْ السَفَرٍ
٣٠٨٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ قَالَ لِي «ادْخُلِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح ٦/ ١٩٣]
٣٠٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ وَعَمِّهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ كَعْبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ضُحًى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ. [انظر: ٢٧٥٧ -
مسلم: ٧١٦، ٢٧٦٩ - فتح ٦/ ١٩٣]
ذكر فيه حديث جابر ﵁: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ قَالَ لِي: "ادْخُلِ المَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ".
وحديث كعب: أَنَّه ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ضُحًى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. الشرح: الصلاة عند القدوم سنة، وفضيلة فيها معنى الحمد لله على السلامة، والتبرك بالصلاة أول ما يبدأ في حضره، ونعم المفتاح هي إلى كل خير، وفيها يناجي العبد ربه، وذلك هدي رسوله وسنته، ولنا فيه أكرم الأسوة، وفيه الابتداء ببيت الله قبل بيته، وخلوته للناس عند قدومه ليسلموا عليه.
الشرح:
تعليق ابن عمر ﵄ رواه القاضي إسماعيل في "أحكامه"، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عنه (١) أنه كان إذا كان مقيمًا لم يفطر، وإذا كان مسافرًا لم يصم، فإذا قدم أفطر أيامًا لغاشية ثم يصوم.
والبخاري روى حديث جابر الأول عن محمد، وهو: ابن المثنى كما صرح به الإسماعيلي، حيث قَالَ: حَدَّثَنَا الحسن، عن ابن راهويه، قَالَ ابن المثنى: ثَنَا وكيع فذكره.
وزيادة معاذ أخرجها مسلم، عن ابن معاذ، عن أبيه به (٢). والإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن معاذ، عن أبيه ومحارب بن دثار هو كوفي قاضيها، روي عنه أنه قَالَ: لما وليت القضاء بكيت وبكت عيالي، فلما عزل عن القضاء بكى وبكت عياله.
ذكره ابن سعد قَالَ: وله أحاديث، ولا يحتجون (به) (٣)، وكان من المرجئة الأولى الذين يرجئون عليًّا وعثمان ولا يشهدون بإيمان ولا كفر. مات في ولاية خالد بن عبد الله (٤)(٥).
стр. 10854
إذا عرفت ذلك ففيه: إطعام الإمام والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر، وهو مستحب، ومن فعل السلف.
قَالَ الفراء: وهذا الطعام يسمى النقيعة؛ لأن المسافر يأتي وعليه النقع، وهو غبار السفر. فقال: منه أنقعت إنقاعًا. وقال في "الموعب": النقيعة: المحض من اللبن يُبَرَّد.
وقال السلمي: طعام الرجل ليلة يملك (١). وعن صاحب "العين": النقيعة: العبيطة من الإبل، وهي جزور يوفر أعضاؤها، فتقع في أشياء على حيالها (٢)، وقد نقعوا نقيعة، ولا يقال: أنقعوا. واختلف أصحابنا: هل هو الذي يعملها، أو تعمل له؟
قَالَ ابن أبي صفرة: قوله: (وكان ابن عمر يفطر لمن يغشاه؛ إذا قدم من سفر أطعم من يغشاه وأفطر معهم). أي: ترك قضاء رمضان؛ لأنه كان لا يصوم رمضان في السفر أصلاً. فإذا انقضى إطعام وُرَّاده ابتدأ قضاء رمضان الذي أفطره في الصوم، وقد جاء هذا مفسرًا في "الأحكام" لإسماعيل، واعترض عليه ابن بطال فقال: أما الذي ذكره إسماعيل عن ابن عمر فليس فيه ما يدل على صحة ما تأوله، ثم ساق ما ذكره إسماعيل كما أسلفناه. فليس يدل هذا على أن سفره كان أبدًا في رمضان دون سائر المشهور، بل قوله: (إذا كان مقيمًا لم يفطر) يدل: أن إفطاره كان لغاشية قد يكون من صيامه التطوع، فيحتمل أن يبيت للفطر. فإن قيل: ويحتمل أن يبيت الصائم ثم يفطر لوُرَّاده بعد التبييت.
стр. 10855
قَالَ ابن أبي صفرة: يرد ذَلِكَ قوله: (ذَلِكَ الذي يلعب بصومه)، وقد زوج ابنته ولم يفطر، وقد دعاه عروة بن الزبير إلى وليمة فلم يفطر. وقال: لو أخبرتني ولكن أصبحت صائمًا، فكيف لمن يغشاه؟
وأما إفطار سلمان لأبي الدرداء إذ بات عنده، فإنما كان ذَلِكَ؛ لأن أبا الدرداء كان أسرف على نفسه في العبادة، وسرد الصوم، فأراد سلمان أن يأخذ به طريق الرخصة في الإفطار بعد التثبت، ألا ترى أن ذَلِكَ جائز عند جماعة من العلماء في الفرض إذا بيته في السفر ثم أدركته مشقة الصوم أن له أن يفطر، فكيف التطوع، فأخذ سلمان بالرخصة، وأخذ ابن عمر بالشدة؛ لأنه رأى التبييت من العقود التي أمر الله بالوفاء بها. وقد سلف ما للعلماء في ذَلِكَ في الصوم.
فائدة:
صرار: موضع بقرب المدينة، وقد ثبت ذَلِكَ في بعض نسخ البخاري، وهو بالمهملة كما قيده الدارقطني وغيره وللحموي والمستملي وابن الحذاء بالضاد المعجمة.
قَالَ صاحب "المطالع": وهو وهم. قَالَ الخطابي: وهي على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق (١).
وقال أبو عبيد البكري: هي بئر قديمة تلقاء حرة واقم (٢).
فائدة:
قوله: (نحو جزورًا) أي: ناقة أو جملًا.