← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10851–10890 · переход к 10856.

стр. 10851

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٩٨ - باب الصَّلَاةِ إِذَا قَدِمَ مِنْ السَفَرٍ ٣٠٨٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ قَالَ لِي «ادْخُلِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح ٦/ ١٩٣] ٣٠٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ وَعَمِّهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ كَعْبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ضُحًى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ. [انظر: ٢٧٥٧ - مسلم: ٧١٦، ٢٧٦٩ - فتح ٦/ ١٩٣] ذكر فيه حديث جابر ﵁: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ قَالَ لِي: "ادْخُلِ المَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ". وحديث كعب: أَنَّه ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ضُحًى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. الشرح: الصلاة عند القدوم سنة، وفضيلة فيها معنى الحمد لله على السلامة، والتبرك بالصلاة أول ما يبدأ في حضره، ونعم المفتاح هي إلى كل خير، وفيها يناجي العبد ربه، وذلك هدي رسوله وسنته، ولنا فيه أكرم الأسوة، وفيه الابتداء ببيت الله قبل بيته، وخلوته للناس عند قدومه ليسلموا عليه.

стр. 10852

١٩٩ - باب الطَّعَامِ عِنْدَ القُدُومِ وَكَانَ ابن عُمَرَ ﵄ يُفْطِرُ لِمَنْ يَغْشَاهُ. ٣٠٨٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ نَحَرَ جَزُورًا أَوْ بَقَرَةً. زَادَ مُعَاذٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَارِبٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: اشْتَرَى مِنِّي النَّبِيُّ ﷺ بَعِيرًا بِوَقِيَّتَيْنِ وَدِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ، فَلَمَّا قَدِمَ (صِرَارًا أَمَرَ) (١) بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ فَأَكَلُوا مِنْهَا، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ أَمَرَنِي أَنْ آتِىَ المَسْجِدَ فَأُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ، وَوَزَنَ لِي ثَمَنَ البَعِيرِ. [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح ٦/ ١٩٤] ٣٠٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ». صِرَارٌ مَوْضِعٌ نَاحِيَةً بِالْمَدِينَةِ. [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح ٦/ ١٩٤] ثم ذكر حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ نَحَرَ جَزُورًا أو بعيرا أَوْ بَقَرَةً. زَادَ مُعَاذ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَارِبٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قال: اشْتَرى مِنيِّ النَّبِيُّ ﷺ بَعِيرًا (بِوَقِيَّتَيْنِ) (٢) وَدِرْهَم -أَوْ دِرْهَمَيْنِ- فَلَمَّا قَدِمَ (صِرَارَ) (١) أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ فَأَكَلُوا مِنْهَا، فَلمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ المَسْجِدَ فَأُصَلي رَكْعَتَيْنِ، وَوَزَنَ لِي ثَمَنَ البَعِيرِ. ثم رواه من حديث محارب أيضًا عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ".

стр. 10853

الشرح: تعليق ابن عمر ﵄ رواه القاضي إسماعيل في "أحكامه"، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عنه (١) أنه كان إذا كان مقيمًا لم يفطر، وإذا كان مسافرًا لم يصم، فإذا قدم أفطر أيامًا لغاشية ثم يصوم. والبخاري روى حديث جابر الأول عن محمد، وهو: ابن المثنى كما صرح به الإسماعيلي، حيث قَالَ: حَدَّثَنَا الحسن، عن ابن راهويه، قَالَ ابن المثنى: ثَنَا وكيع فذكره. وزيادة معاذ أخرجها مسلم، عن ابن معاذ، عن أبيه به (٢). والإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن معاذ، عن أبيه ومحارب بن دثار هو كوفي قاضيها، روي عنه أنه قَالَ: لما وليت القضاء بكيت وبكت عيالي، فلما عزل عن القضاء بكى وبكت عياله. ذكره ابن سعد قَالَ: وله أحاديث، ولا يحتجون (به) (٣)، وكان من المرجئة الأولى الذين يرجئون عليًّا وعثمان ولا يشهدون بإيمان ولا كفر. مات في ولاية خالد بن عبد الله (٤) (٥).

стр. 10854

إذا عرفت ذلك ففيه: إطعام الإمام والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر، وهو مستحب، ومن فعل السلف. قَالَ الفراء: وهذا الطعام يسمى النقيعة؛ لأن المسافر يأتي وعليه النقع، وهو غبار السفر. فقال: منه أنقعت إنقاعًا. وقال في "الموعب": النقيعة: المحض من اللبن يُبَرَّد. وقال السلمي: طعام الرجل ليلة يملك (١). وعن صاحب "العين": النقيعة: العبيطة من الإبل، وهي جزور يوفر أعضاؤها، فتقع في أشياء على حيالها (٢)، وقد نقعوا نقيعة، ولا يقال: أنقعوا. واختلف أصحابنا: هل هو الذي يعملها، أو تعمل له؟ قَالَ ابن أبي صفرة: قوله: (وكان ابن عمر يفطر لمن يغشاه؛ إذا قدم من سفر أطعم من يغشاه وأفطر معهم). أي: ترك قضاء رمضان؛ لأنه كان لا يصوم رمضان في السفر أصلاً. فإذا انقضى إطعام وُرَّاده ابتدأ قضاء رمضان الذي أفطره في الصوم، وقد جاء هذا مفسرًا في "الأحكام" لإسماعيل، واعترض عليه ابن بطال فقال: أما الذي ذكره إسماعيل عن ابن عمر فليس فيه ما يدل على صحة ما تأوله، ثم ساق ما ذكره إسماعيل كما أسلفناه. فليس يدل هذا على أن سفره كان أبدًا في رمضان دون سائر المشهور، بل قوله: (إذا كان مقيمًا لم يفطر) يدل: أن إفطاره كان لغاشية قد يكون من صيامه التطوع، فيحتمل أن يبيت للفطر. فإن قيل: ويحتمل أن يبيت الصائم ثم يفطر لوُرَّاده بعد التبييت.

стр. 10855

قَالَ ابن أبي صفرة: يرد ذَلِكَ قوله: (ذَلِكَ الذي يلعب بصومه)، وقد زوج ابنته ولم يفطر، وقد دعاه عروة بن الزبير إلى وليمة فلم يفطر. وقال: لو أخبرتني ولكن أصبحت صائمًا، فكيف لمن يغشاه؟ وأما إفطار سلمان لأبي الدرداء إذ بات عنده، فإنما كان ذَلِكَ؛ لأن أبا الدرداء كان أسرف على نفسه في العبادة، وسرد الصوم، فأراد سلمان أن يأخذ به طريق الرخصة في الإفطار بعد التثبت، ألا ترى أن ذَلِكَ جائز عند جماعة من العلماء في الفرض إذا بيته في السفر ثم أدركته مشقة الصوم أن له أن يفطر، فكيف التطوع، فأخذ سلمان بالرخصة، وأخذ ابن عمر بالشدة؛ لأنه رأى التبييت من العقود التي أمر الله بالوفاء بها. وقد سلف ما للعلماء في ذَلِكَ في الصوم. فائدة: صرار: موضع بقرب المدينة، وقد ثبت ذَلِكَ في بعض نسخ البخاري، وهو بالمهملة كما قيده الدارقطني وغيره وللحموي والمستملي وابن الحذاء بالضاد المعجمة. قَالَ صاحب "المطالع": وهو وهم. قَالَ الخطابي: وهي على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق (١). وقال أبو عبيد البكري: هي بئر قديمة تلقاء حرة واقم (٢). فائدة: قوله: (نحو جزورًا) أي: ناقة أو جملًا.

стр. 10856

٥٧ كتاب فرض الخمس

стр. 10857

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٥٧ - كِتَابُ فَرْضِ الخُمُسِ ١ - باب فَرْضِ الخُمُسِ ٣٠٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵉ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الخُمُسِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِي بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاعَدْتُ رَجُلاً صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِيَ فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ الصَّوَّاغِينَ، وَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرْسِي، فَبَيْنَا أَنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا مِنَ الأَقْتَابِ وَالْغَرَائِرِ وَالْحِبَالِ، وَشَارِفَاىَ مُنَاخَانِ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، رَجَعْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ، فَإِذَا شَارِفَايَ قَدِ اجْتُبَّ أَسْنِمَتُهُمَا وَبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا، وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا، فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ مِنْهُمَا، فَقُلْتُ: مَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَالُوا: فَعَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَهْوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنَ الأَنْصَارِ. فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِي الذِي لَقِيتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا لَكَ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهَ، مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ، عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ، فَأَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، وَهَا هُوَ ذَا في بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ. فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِرِدَائِهِ

стр. 10858

فَارْتَدَى، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي، وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ البَيْتَ الذِي فِيهِ حَمْزَةُ، فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنُوا لَهُمْ فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى رُكْبَتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلاَّ عَبِيدٌ لأَبِي؟ فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَنَكَصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى وَخَرَجْنَا مَعَهُ. [انظر: ٢٠٨٩ - مسلم: ١٩٧٩ - فتح ٦/ ١٩٦] ٣٠٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا، مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَيْهِ. [٣٠٩٣، ٣٧١١،٤٠٣٥، ٤٢٤٠، ٦٧٢٥ - مسلم: ١٧٥٩ - فتح ٦/ ١٩٦] ٣٠٩٣ - فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ». فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ. قَالَتْ وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ وَصَدَقَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إِلاَّ عَمِلْتُ بِهِ، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ. فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَأَمَّا خَيْبَرُ وَفَدَكٌ فَأَمْسَكَهَا عُمَرُ وَقَالَ هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ وَنَوَائِبِهِ، وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الأَمْرَ. قَالَ فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى اليَوْمِ. [٣٧١٢، ٤٠٣٦، ٤٢٤١، ٦٧٢٦ - مسلم: ١٧٥٩ - فتح ٦/ ١٩٧] ٣٠٩٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثَانِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الحَدِيثِ، فَقَالَ مَالِكٌ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي حِينَ مَتَعَ النَّهَارُ، إِذَا رَسُولُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَأْتِينِي، فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

стр. 10859

فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ: يَا مَالِ، إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ فَاقْبِضْهُ فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَمَرْتَ بِهِ غَيْرِي. قَالَ: اقْبِضْهُ أَيُّهَا المَرْءُ. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا، ثُمَّ جَلَسَ يَرْفَا يَسِيرًا ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمَا، فَدَخَلَا فَسَلَّمَا فَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا. وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ. فَقَالَ الرَّهْطُ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ. قَالَ عُمَرُ: تَيْدَكُمْ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»؟. يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفْسَهُ. قَالَ الرَّهْطُ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا اللهَ، أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ. قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ: إِنَّ اللهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ فِي هَذَا الفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ -ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ - فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . وَاللهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ قَدْ أَعْطَاكُمُوهُ، وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا المَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللهِ، فَعَمِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَ عُمَرُ: ثُمَّ تَوَفَّى الله نَبِيَّهُ ﷺ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى الله أَبَا بَكْرٍ، فَكُنْتُ أَنَا وَلِىَّ أَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي، أَعْمَلُ فِيهَا بِمَا عَمِلَ

стр. 10860

رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنِّي فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي تُكَلِّمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ، وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ، جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، وَجَاءَنِي هَذَا -يُرِيدُ عَلِيًّا- يُرِيدُ نَصِيبَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقُلْتُ لَكُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ». فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا قُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُهَا، فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا. فَبِذَلِكَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا، فَأَنْشُدُكُمْ بِاللهِ، هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ قَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ. قَالَ: فَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَوَاللهِ الذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، لَا أَقْضِى فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ، فَإِنِّي أَكْفِيكُمَاهَا. [انظر: ٢٩٠٤ - مسلم: ١٧٥٧ - فتح ٦/ ١٩٧] ذكر فيه حديث علي ﵁: قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ .. الحديث. وحديث عائشة عن فاطمة (١) بنت رسول الله ﷺ ﵂: أنها سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا ممَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .. الحديث. وحديث مالك بن أوس كنا عند عمر ﵁ .. الحديث بطوله. الشرح: حديث علي ﵁ سلف في البيوع وتأتي له زيادة في غزوة بدر (٢)،

стр. 10861

وحديث مالك: قَالَ البخاري فيه: حدثنا إسحاق بن محمد الفرْوي. هذا هو الصواب. ووقع في نسخة أبي الحسن محمد بدل إسحاق وكأنه وهم. قد أخرجه في المغازي والنفقات والاعتصام والفرائض، وأخرجه مسلم (١). وحديث عائشة أخرجه في مناقب أهل البيت، والمغازي وا لفرائض، وأخرجه مسلم (٢) أيضًا. وقوله: (اجْتُبَّ أسْنِمتُهُمَا) لا نعرف ذلك. والذي ذكره أهل اللغة أنه ثلاثي، وهو ما في النسخ المصححة (جُبَّتْ) (٣) والجب: القطع. ومثله قيل للذي قطع إحليله فاستؤصل: مجبوب. ومن رواه (اجتُبَّ) فهو جائز، والبَقْر: الفتح. والثمِل: السكران. وقول علي: (أعطاني شارفًا من الخمس)، يعني: يوم بدر، فظاهره [يدل] (٤) أن الخمس كان يوم بدر، ولم يختلف أهل السير كما قَالَ ابن

стр. 10862

بطال أن الخمس لم يكن يوم بدر. ذكر إسماعيل بن إسحاق قَالَ في غزوة بني قريظة حين حكم سعد بأن تقتل المقاتلة، وتسبى الذرية قيل: إنه أول يوم جعل فيه الخمس. قَالَ: وأحسب أن بعضهم قَالَ: نزل أمر الخمس بعد ذَلِكَ، ولم يأت في ذَلِكَ من الحديث ما فيه بيان شاف، وإنما جاء أمر الخمس معينًا في غنائم حنين، وهي آخر غنيمة حضرها (رسول الله ﷺ ) (١) وإذا لم يختلف (في) (٢) أن الخمس لم يكن يوم بدر فيحتاج قوله إلى تأويل لا يعارض قول أهل السير، ويمكن أن يكون معناه ما ذكره ابن إسحاق: أنه ﷺ بعث عبد الله بن جحش في رجب في السنة الثانية من الهجرَة قبل بدر الأولى في سرية إلى محلة بين مكة والطائف فوجدوا بها قريشًا فقتلوهم، وأخذوا العير. قَالَ ابن إسحاق: فذكر لي بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قَالَ لأصحابه: إن لرسول الله ﷺ مما غنمنا الخمس وذلك قبل أن يفرض الخمس من المغانم، فعزل لرسول الله ﷺ خمس العير وقسم سائرها بين أصحابه، فوقع فرض الله في قسمة الغنائم على ما كان عبد الله صنع في تلك العير، ثم خرج رسول الله ﷺ في رمضان بعد هذِه السرية إلى بدر، فقتل (بها) (٣) صناديد الكفار، فبان بهذا الخبر معنى قول علي: (أعطاني شارفًا من الخمس) أي: من نصيبه من المغنم يوم بدر. وكان أعطاه قبل ذَلِكَ شارفًا من الخمس من سرية عبد الله بن جحش (٤). وقد روى أبو داود في هذا الحديث ما يدل على هذا المعنى قَالَ:

стр. 10863

كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وأعطاني رسول الله ﷺ شارفًا من الخمس يومئذ (١). واختلف العلماء في الخمس كيف يقسمه الإمام على ثلاثة أقوال: فقال مالك: يسلك بالخمس مسلك الفيء فإن رأى الإمام حبس ذَلِكَ لنوائب تنزل بالمسلمين فعل، وإن شاء (قسمته) (٢)، وأعطى كل واحد على قدر ما (يغنيه) (٣). ولا بأس أن يعطي منه أقرباء رسول الله ﷺ على قدر اجتهاد الإمام، وكان يرى التفضيل في العطاء على قدر الحاجة (٤) زاد ابن المناصف عنه: وهما حلالان للأغنياء بخلاف الزكاة. وقال أبو حنيفة: الخمس على ثلاثة أسهم يقسم سهم لليتامى والمساكين وابن السبيل فيهم، ويؤخذ سهم ذوي القربى، وسهم رسول الله ﷺ فيردان في الكراع والسلاح، محتجًّا بما رواه الثوري عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد بن الحنفية أنهم اختلفوا في سهم الرسول، وسهم ذي القربى فقال: سهم الرسول للخليفة بعده وقال بعضهم: سهم ذي القربى هو لقرابة الرسول، وقال بعضهم: هو لقرابة الخليفة. فأجمع رأيهم أنهم جعلوا هذين السهمين في العدة والخيل، فكان ذَلِكَ في خلافة أبي بكر وعمر (٥). قَالَ إسماعيل بن إسحاق: ولا يجوز أن يبطل عمر ولا غيره سهم ذي القربى؛ لأنه مسمًّى في كتاب الله، ولم ينسخه شيء ومن أبطله فقد ركب أمرًا عظيمًا (٦).

стр. 10864

وقال الشافعي: خمس على خمسة فيرد سهم رسول الله ﷺ على من سمي معه من أهل الصدقات وهم: ذوو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ مفتاح كلام (١). قلتُ: مذهبه أن سهم الله ورسوله يصرف لمصالح المسلمين حَتَّى تأتي القسمة على خمسة. قَالَ إسماعيل: فأسقط أبو حنيفة: سهم ذي القربى وأخذ في طرف، وأخذ الشافعي في طرف آخر، وتركا التوسط من القول الذي مضى عليه الأئمة. والاختلاف الذي اختلفوا فيه لم يكن كما توهمه أبو حنيفة، وإنما روي عن ابن عباس أنهم ناظروا عمر في سهم ذي القربى على أن يكون لهم خمس الخمس فأبى عمر من ذَلِكَ، وذهب أن الخمس يقسم في ذي القربى وغيرهم على الاجتهاد. قَالَ إسماعيل: قوله ﴿لِلَّهِ﴾ مفتاح كلام لا يفهم. وقد ذكر الله في كتابه ﴿مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾. وقال تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] فأي كلام جاء بعد هذا فيكون هذا مفتاحًا له، وإذا قيل: الله، فهو أمر مفهوم اللفظ والمعنى؛ لأنه يعلم أن الرجل إذا قَالَ: جعلت هذا الشيء لله أنه مما يقرب إلى الله. وهذا لا يحتاج أن يقول فيه مفتاح الكلام فكذلك قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية في معنى ما يقرب من الله ومن رسوله، وكذلك قَالَ عمر بن عبد العزيز في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ قَالَ: اجعلوه في سبيل الله التي يأمر بها ولو كان قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ لا يوجب شيئًا، لكان ما بعده لا يوجب شيئًا؛ لأن ما بعده معطوف عليه. فإن كان القول

стр. 10865

الأول لا يجب به شيء، فكذلك ما عطف عليه لا يجب به شيء (١). قلتُ: الشافعي أراد بهذا أنه افتتح به للتبرك والابتداء باسمه، وأشار به إلى أنه يصرف مصرف القرب كما ذكره، أو ذكر اسمه في اسم رسوله تشريفًا له وتعظيمًا. وقد نقل ابن بطال بعد هذا في باب: قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾؛ أن الحسن بن محمد بن علي سُئل عن قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] قَالَ: هذا مفتاح كلام الله الدنيا والآخرة (٢). وشرع الطحاوي يرد على الشافعي في تخميسه الفيء، ولم يكفه ذَلِكَ حَتَّى لفظ فيه مما لا أذكره ولا يذكر، معللًا بأن الله تعالى ذكره ذكر الغنائم، فأوجب فيها الخمس، وذكر الفيء، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٦] الآية كما قَالَ في أول آية الخمس ثم قَالَ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]؛ فذكر في الغنائم الخمس لأصناف مذكورين. وذكر في آية الفيء الجميع في جميع الفيء فثبت أن حكم الفيء غير حكم الغنيمة (٣). قلتُ: الفيء يخمس يعني: أنه يجعل أخماسًا، وخمسه يصرف للخمسة المذكورين في الآية، فتكون القسمة من خمسة وعشرين سهما، كذا كان سيد الأمة يقسمه. وكان له أربعة أخماس الفيء، وخمس الخمس الباقي، فله من الخمسة وعشرين أحد (وعشرون) (٤) سهمًا.

стр. 10866

بل قَالَ الغزالي وغيره من أصحابه: كان الفيء كله له إلى أن مات. وإنما تخمس بعد موته. وقال الماوردي وغيره: اختصاصه بجميع الفيء كان في أول حياته، ونسخ في حياته والغنيمة تخمس وخمسها لأهل خمس الفيء كما سلف والباقي للغانمين (١). فصل: ولم يتنازع علي والعباس في الخمس، وإنما تنازعا فيما كان لرسول الله ﷺ خاصًّا ما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب. فتركه صدقة بعد وفاته، فحكمه حكم الفيء، وفيه حجة لمالك في قوله: إن مجرى الخمس والفيء واحد. وهو خلاف قول الشافعي أن الفيء فيه الخمس، وأن خمس الفيء يقسم على خمسة أسهم، وهم الذين قسم الله لهم خمس (الغنيمة) (٢). وادعى ابن بطال انفراد الشافعي به وأنَّ أحدًا لم يقله قبله، والناس على خلافه. قَالَ: وحديث مالك بن أوس لم يذكر فيه أنه ﷺ كان يلزمه إخراج الخمس منه حجة على الشافعي؛ [لأنه] (٣) لا يمكن أن يفضل له من سهمه بخيبر بعد نفقة سنته الذي ينفقه، أو أقل أو أكثر، ولو كان فيه الخمس لبين ذلك (٤). فصل: ووجه هجران فاطمة للصديق كما قَالَ المهلب أنه لم يكن عندها قوله ﷺ : "لا نورث ما تركنا صدقة" ولا علمته ثم أنفت أن تكون لا ترث أباها كما لا يرث الناس في الجاهلية والإسلام، مع احتمال الحديث

стр. 10867

عندها أنه أراد به بعض المال دون بعض. وأنه لم يرد به الأصول والعقار، فانقادت وسلمت للحديث وإنما كان هجرانها له انقباضًا عن لقائه وترك مواصلته. وليس هذا من الهجران المحرم، وإنما المحرم من ذَلِكَ أن يلتقيا فلا يسلم أحدهما على صاحبه. ولم يرو واحد أنهما التقيا وامتنعا من التسليم، ولو فعلا ذَلِكَ لم يكونا بذلك متهاجرين، إلا أن تكون النفوس مضمرة للعداوة والهجران، وإنما لازمت بينهما، فعبر الراوي عنه بالهجران. هذا وجه هجرانها له، لكنها وجدت عليه أن (أحرمها) (١) ما لم يحرم أحد، ولسنا نظن به إضمار الشحناء والعداوة، وإنما هم كما وصفهم الله رحماء بينهم. وروي عن علي أنه لم يغير شيئًا من سيرة أبي بكر وعمر بعد ولايته في تركة رسول الله ﷺ ، بل أجرى الأمر فيها على ما أجرياه في حياتهما. فصل: فإن قلتَ: حديث عائشة في الباب ليس فيه ذكر الخمس. قلتُ: وجهه أن فاطمة إنما جاءت تسأل ميراثها من رسول الله ﷺ من فدك وخيبر وغيرهما، وفدك مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فلم يجز فيها خمس، وأما خيبر فإن الزهري ذكر أن بعضها صلحًا، وبعضها عنوة، فجرى فيها الخمس. وقد جاء هذا في بعض طرق الحديث في كتاب المغازي، قالت عائشة: إن فاطمة جاءت تسأل نصيبها مما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، وإلى هذا أشار البخاري واستغنى لشهرة الأمر عن إيراده مكشوفًا بلفظ الخمس في هذا الباب.

стр. 10868

فصل: وفي حديث مالك من الفقه أنه يجب أن يولى أمر كل قبيلة سيدها؛ لأنه أعرف باستحقاق كل رجل منهم لعلمه بهم. وفيه: أن الإمام ينادي الرجل الشريف باسمه وبالترخيم له ولا عار على المنادى بذلك، ولا نقيصة. وفيه: استعفاء الإمام مما يوليه واستنزاله في ذَلِكَ بألين الكلام؛ لقول مالك لعمر حين أمره بقسمة المال بين قومه: لو أمرت به غيري. وفيه: الحجابة للإمام وأن لا يصل إليه شريف ولا غيره إلا بإذنه. وفيه: الجلوس بين يدي السلطان بغير إذنه. وفيه: الشفاعة عند الإمام في إنفاذ الحكم إذا تفاقمت الأمور، وخشي الفساد بين المتخاصمين؛ لقول عثمان: اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. وقد ذكر البخاري في المغازي: أن عليًّا والعباس استبا يومئذ (١). وفيه: تقرير الإمام من يشهد له على قضائه وحكمه وبيانه وجه حكمه للناس. فصل: ومجيء العباس وعلي إلى الصديق يطلبان الميراث من تركة رسول الله ﷺ من أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، وصدقته بالمدينة، على ما ثبت من حديث عائشة في الباب، فأخبرهم بأنه (قَالَ:) (٢) "لا نورث ما تركنا صدقة"، فسلما لذلك وانقادا، ثم جاءا بعد ذَلِكَ إلى عمر على اتفاق منهما يطلبان أن يوليهما العمل، والنظر فيما أفاء

стр. 10869

الله على رسوله من بني النضير خاصة ليقوما به، ويسبلاه في السُّبل التي كانت سُبله فيها. إذ كانت غلة ذَلِكَ مصروفة في عظم أمور أهل بيتهما، وما فضل من ذَلِكَ مصروف في تقوية الإسلام وأهله، وسيدخله أهل الحاجة منهم، فدفعه عمر إليهما على الإشاعة بينهما، والتساوي والاشتراك في النظر والأجرة. وأما مجيئهما إليه ثانيًا فلا يخلو من أحد وجهين: إما أن يطلب كل واحد منهما أن ينفرد بالعمل كله، (أو بنصفه) (١)، وفرَّا من الإشاعة لما يقع من العمال والخدم من التنازع، فأبى عمر أن تكون إلا على الإشاعة؛ لأنه لو أفرد واحدًا منهما بالعمل والنظر لكان وجهًا من وجوه الإمرة، فتتناسخ القرون وهي بأيدي بعض قرابة الرسول دون بعض، فيستحقها الذي هي بيده، ولم ير أن يجعلها نصفين على غير الإشاعة؛ لأن سنة الأوقاف ألا تقسم بين أهلها، وإنما تقسم غلاتها فلذلك حلف أن يتركها مجملة ولا يقسمها بينهم فشبه ذَلِكَ التوريث. وقد ذكر البخاري في المغازي أن عليًّا غلب العباس على هذِه الصدقة ومنعه منها، ثم كانت بأيدي بني علي بعده يتداولونها (٢). فرع: جميع ما تركه الشارع من الأصول، وما جرى مجراها مما يمكن بقاء أصله، والانتفاع به، حكمه حكم الأوقاف تجري غلاتها على المساكين، والأصل باق على ملكه موقف. لقوله: "ما تركنا صدقة" يعني: موقوفة.

стр. 10870

فصل: وأما قوله: (إن الله قد خص رسوله ﷺ في هذا الفيء بشيء لم يعطِه أحدًا غيره) يعني المال، فخصَّه بإحلال الغنائم، ولم تحل لأحد قبله، وخصه مما أفاء الله عليه من غير قتال من أموال الكفار، تكون له دون سائر الناس. وخصه بنصيبه في الخمس، وهذا معنى ذكره هذا الحديث في الباب. وقال القاضي: فيه احتمالان: الأول: تحليل الغنيمة له ولأمته. الثاني: تخصيصه بالفيء إما كله أو بعضه (١). وهل في الفيء خمس أم لا (٢)؟ قَالَ ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قبل الشافعي قَالَ الخمس في الفيء. وفيه: أنه لا بأس أن يمدح الرجل نفسه ويطريها إذا قَالَ الحق، وذلك إذا ظن بأحد أنه يريد تنقصه. وفيه: جواز ادخار الرجل لنفسه وأهله قوت سنة، وأن ذَلِكَ كان فعله ﷺ حين فتح الله عليه بني النضير وفدك وغيرهما. وهو خلاف قول جهلة الصوفية المنكرين للادخار الزاعمين أن من ادخر لغد فقد أساء الظن بربه، ولم يتوكل عليه حق توكله. وفيه: إباحة اتخاذ العقار الذي يُبتغى به الفضل والمعاش بالعمارة، وإباحة اتخاذ نظائر ذَلِكَ من المغنم، وأعيان النقدين وسائر الأموال التي يراد منها النماء والمنافع، وطلب المعاش، وأصولها ثابتة كما ستعلمه أوضح من ذَلِكَ في باب نفقته ﷺ بعد وفاته، وباب الأطعمة أيضًا.

стр. 10871

وفيه: كما قَالَ الطبري: أن الصديق قضى على العباس وفاطمة بحديث "لا نورث" ولم يحاكمهما في ذَلِكَ إلى أحد غيره. فكذلك الواجب أن يكون للحكام والأئمة الحكم بعلومهم لأنفسهم كان ذَلِكَ أو لغيرهم، بعد أن يكون ما حكموا فيه بعلومهم مما يعلم صحة أمره رعيتهم، أو يعلمه منهم من إن احتاجوا إلى شهادته إن أنكر بعض ما حكموا به من ذَلِكَ عليهم بعض رعيتهم كان في شهادتهم لهم براءة ساحاتهم، وثبوت الحجة لهم على المحكوم عليه. فصل: قَالَ الطبري في حديث على: إن المسلمين كانوا في أول الإسلام يشربون الخمر ويسمعون الغناء، حَتَّى نهى الله عن ذَلِكَ بقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية وسيأتي ما في سماع الغناء عن السلف في الاستئذان وفضائل القرآن، وقد سلف منه شيء في العيدين. (فصل) (١): وقوله: (رجع القهقرى) قَالَ الأخفش: يعني: رجع وراءه، ووجهه إليك (٢). وقوله في حديث عمر ﵁: (حَتَّى متع النهار). هو بمثناة فوق قبلها ميم، وبعدها عين مهملة. قَالَ صاحب "العين": متع النهار متوعًا وذلك قبل الزوال (٣). وقال يعقوب: علا واجتمع. وقال غيره: طال. وأمتع الشيء: طالت مدته. ومنه في الدعاء: أمتعني الله بك. وقيل: معناه: نفعني الله بك، قَالَ الداودي: متع: صار عند قرب نصف النهار.

стр. 10872

وقوله: (تِيْدِكُم) أي: على رسلكم وأمهلوا ولا تعجلوا وهي من التؤدة. يقول: الزموا تؤدتكم، وكان أصلها تأدكم فكأنه أبدل الياء من الهمزة. قَالَ الكسائي: تيد زيدًا ورويدًا زيدًا بمعنًى: أي: أمهل زيدًا. ومن روى أتيدكم فلا يجوز في العربية؛ لأن اتأد لا يتعدى إلى مفعول. لا تقول: أتأدت زيدًا، وإنما تقول: تيدكم. كما يقول: رويدكم، وتيدكم بفتح التاء، وللأصيلي وأبي ذر بكسرها. وقوله: (أنشُدُكم الله) أي: أسألكم به برفع نشيدتي. أي: صوتي. وقال الداودي معناه: اجعلوا الله شهيدًا بيني وبينكم أن تقولوا ما تعلمون. فصل: احتج بعض أهل العلم بهذا الحديث -كما قَالَ الخطابي- في إبطال (حكم) (١) السكران، وقالوا: لو لزم السكران ما يكون منه في حال سكره، كما يلزمه في حال صحوه لكان المخاطب رسول الله ﷺ بما استقبله به حمزة كافرًا مباح الدم. وقد ذهب على هذا القائل أن ذَلِكَ منه (٢) إنما كان قبل تحريم الخمر، وفي زمان كان شربها مباحًا، وإنما حُرمت بعد غزوة أحد (٣). قَالَ: جابر: اصطبح ناس الخمر يوم أحُد، ثم قتلوا آخر النهار شهداء. وأما وقت حرمت فشربها معصية، وما تولد منها لازم، ورخص الله لا تلحق العاصين. وذهب الخطابي إلى أنه لما كان الخمر مباحة وقت شربها كان ما تولد منها بالسكر من الجفاء على رسول الله ﷺ لا يلزم فيه عقوبة، فعذره ﷺ لتحللها مع أنه كان شديد

стр. 10873

التوقير لعمه والتعظيم له والبر به، وأما اليوم وقد حرمت فيلزم السكران حد الفرية وجميع الحدود؛ لأن سبب زوال عقله من فعل محرم عليه (١). فصل: وأما ضمان إتلاف الناقتين فضمانهما لازم في حمزة لو طالبه على به (٢)، ويمكن (أن) (٣) يعوضه ﷺ منهما؛ إذ العلماء لا يختلفون أن جنايات الأموال لا تسقط عن المجانين وغير المكلفين، ويلزمهم ضمانها في كل حال كالعقلاء، ومن شرب لبنًا أو طعامًا أو تداوى بمباح فسكر فقذف غيره فهو كالمجنون والمغمى عليه، والصبي، يسقط عنهم حدُّ القذف وسائر الحدود غير إتلاف الأموال؛ لرفع القلم عنهم. فمن سكر من حلال فحكمه حكم هؤلاء. وعن أبي عبد الله بن الفخار أن من سكر من ذَلِكَ لا طلاق عليه، وحكى الطحاوي: أنه إجماع من العلماء (٤). قلتُ: وهو مذهبنا أيضًا حَتَّى لو سكر مكرهًا عندنا فكذلك (٥). فصل: قوله: "لا نورث ما تركنا صدقة" جميع الرواة بالنون كما قَالَ القرطبي، يعني: جماعة الأنبياء كما في الرواية الأخرى "نحن معاشر

стр. 10874

الأنبياء لا نورث". وصدقة مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو"ما تركنا". والكلام جملتان الأولى: فعليَّة، والثانية اسمها: اسميَّة، وقد صحفه بعض الشيعة بالياء، و (صدقة) بالنصب، وجعل الكلام جملة واحدة على أن يجعل ما مفعُولاً لم يسمّ فاعله و (صدقة) بالنصب على الحال، والمعنى: إن ما يترك صدقة لا يورث، وهذا مخالف لما وقع في سائر الروايات، ولما حمله الصحابة من قوله "فهو صدقة" لأنهم يقولون: إنه ﷺ يورث لغيره. متمسكين بعموم الآية (١). وهذا الحديث في معنى قوله: "إن الصدقة لا تحل لآل محمد" (٢). فصل: هذِه اللفظة رواها مالك عن عائشة (٣)، ومسلم عن أبي بكر (٤)، والنسائي عن طلحة بن عبيد الله (٥)، وذكر القاضي أبو بكر بن الطيب أن أبا بكر وعمر ﵄ وجماعة من الصحابة رووه مرفوعًا، وأن الصحابة وفاطمة وعليًّا والعباس سلموه. وفي البخاري هنا أن عمر قَالَ لعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد: هل تعلمون أن رسول الله قَالَ ذَلِكَ؟ قالوا: نعم. وكذلك قال العباس وعلى بعد هذا لعمر. وأن الشيعة طعنوا فيه، وقالوا: هو مردود بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ الله فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] قالوا: وقد

стр. 10875

طالبت فاطمة وعلى والعباس أبا بكر بالميراث. وحُكي أن فرقة منهم تزعم أنه لا يورث. وقال: لم تطالب فاطمة به وإنما طالبت بأنه ﷺ نحلها من غير علم أبي بكر. وأنكر باقي المسلمين هذا، وقالوا: ما ثبت نحل الشارع إياها، ولا أنها طالبت بذلك. وقال الجمهور منهم: لم يجعل الله لنبيه ملك رقاب ما غنمه، وإنما ملكه منافعه وجعل له إجراء قوته وعياله منه. وأوجب مثل ذَلِكَ على القائم بعده، وأجاب القاضي بأن الآية وإن كانت عامة فإنما توجب أن يورث ما تملكه ﷺ ، فدلوا على أنه تملك. ولو سلمنا ملكه لم يكن لهم فيها دليل؛ لأنها ليست عندنا وعند من أنكر العموم؛ لاستغراق المالكين وكل من مات، وإنما يبني عن أقل الجمع، وما فوقه محتمل، فوجب الوقف فيه. وعند كثير من القائلين بالعموم أن هذا الخطاب وسائر العمومات لا يدخل فيها الشارع؛ لأن الشرع ورد بالتفرقة بينه وبين أمته، ولو ثبت العموم لوجب تخصيصها. وهذا الخبر، وما في معناه يوجب تخصيص ١ لآية، وخبر الآحاد يخصص، فكيف ما كان هذا سبيله وهو القطع بصحته. قَالَ: وما رووه من قدح علي وفاطمة والعباس في رواية أبي بكر معارض بما هو أقوى منه وأثبت وأصح عند أهل النقل مما رووه؛ لأن الروايات قد صحت من غير طريق أن فاطمة قالت لأبي بكر: أنت وما سمعت من رسول الله ﷺ . من غير قدح في روايته، وما رواه الشيعة من قدح علي وفاطمة في رواية أبي بكر غير معروف عند أهل (النقل) (١).

стр. 10876

انظر هذا مما رواه البخاري: أن فاطمة هجرته حَتَّى ماتت. وقال الداودي: كانت بشرية فربما أبهمت المصالح، قَالَ: ولعل أبا بكر حمله عن غيره، ولم يسمعه من رسول الله، وعلمت هي ذَلِكَ فاتهمت الناقل بالسهو أو ما يعتري البشر، قَالَ: وروي أن الصديق كان يأتيها ويعتذر إليها. قَالَ الخطابي: هذِه القصة مشكلة جدًّا وذلك أن عليًّا وعباسًا إذا كانا قد أخذا هذِه القصة من عمر على هذِه الشريطة، واعترفا بقوله: "لا نورث". فما الذي بدا لهما بعد حَتَّى تخاصما. والمعنى في ذَلِكَ أنهما طلبا القسمة فيها إذ كان يشق عليهما ألا يكون أحدهما ينفرد مما يعمل فيه مما يريده، فطلبا القسمة لذلك، فمنعهما عمر القسم لئلا يجري عليهما اسم الملك؛ لأنها إنما تقع في الأملاك، وقال لهما: إن عجزتما عنها فردَّاها (إلي) (١) (٢) وقد سلف هذا أيضًا. فصل: وقول أبي بكر: (لست تاركًا شيئًا عمله رسول الله ﷺ إلا عملته). يعني: أنه كان مع ما كان يعمل يخبر أنه (لا يورث) (٣) عنه. قاله الداودي، ومعنى (أزيغ): أميل عن الحق. وقوله: (تعروه) أي: تغشاه. وقال البخاري عند أبي ذر: (اعتراك) افتعل من عروته أصبته، ومنه يعروه واعتراني. وقال ابن فارس: (فقال:) (٤) عراني هذا الأمر إذا غشيك، واعتراه: همه.

стр. 10877

فصل: قوله في حديث مالك بن أنس: (فانطلقت حَتَّى أدخل على مالك) من قرأه بضم لام (أدخل) كانت (حَتَّى) عاطفة، فمعنى الكلام: انطلقت فدخلت المدينة. ومن فتحها كانت (حَتَّى) بمعنى (كي) ومثله قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] إذا ضممت لام يقول وإذا فتحت فـ (حتى) بمعنى (إلى أن). وقوله: (على رمال سرير) وفي مسلم: (مفضيًا إلى رماله) (١) بضم الراء وكسرها أيضًا، وهو ما يمد على وجه السرير من شريط ونحوه. وقال الداودي: هي السدد التي تعمل من الجريد. وقوله: فقال: (يا مال) هو مرخم يريد: يا مالك. وقوله: (قدم علينا من قومك أهل أبيات). قَالَ الداودي: أي: قوم معهم أهلهم، وجاء بدل (قدِمَ) دَفّ، وهو بفتح الدال المهملة وهو المشي بسرعة، كأنهم جاءوا مسرعين للضُّر الذي نزل بهم. وقوله: (برضخ) أي: بعطية: وهي العطية القليلة غير المقدرة. وقوله: (لو أمرت بها غيري) تحرج من قبول الأمانة. وقوله: (اقبضه أيها المرء) هو عزم عليه في قبضه، (ويرفا) هو مولى عمر حاجبه بفتح أوله، ومنهم من همزه، وفي "سنن البيهقي": (اليرفا) بألف ولام (٢) .. فصل: قَالَ القاضي عياض: تأول قوم طلب فاطمة ميراثها من أبيها على

стр. 10878

أنها تأولت الحديث إن كان بلغها على الأموال التي لها بال، فهو الذي لا يورث لا ما يتركون من طعام وأثاث وسلاح (١)، وهذا التأويل يرده قوله: مما أفاء الله عليه. وقوله: (مما ترك من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة)، وقيل: إن طلبها لذلك قبل أن يبلغها الحديث، وكانت متمسكة بآية الوصية. قلتُ: وأما ما روي من أن فاطمة طلبت فدك، وذكرت أن أباها أقطعها إياها، وشهد لها عليٌّ بذلك. فلم يقبل أبو بكر شهادته؛ لأنه زوجها، فلا أصل له، ولا تثبت به رواية أنها ادعت ذلك، وإنما هذا أمر مفتعل لا يثبت، وإنما طلبته وادعته وغيرها أيضًا -قاله القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن حماد في كتابه "تركة رسول الله ﷺ وقال لها أبو بكر: أنت عندي مصدقة إن كان رسول الله ﷺ عهد في ذَلِكَ عهدًا أو وعدك وعدًا صدقت وسلمت. قالت: لا لم يكن منه إليَّ في ذَلِكَ شيء إلا ما أنزل الله من القرآن، غير أني لما نزلت عليه قَالَ: "أبشروا آل محمد فقد جاءكم الغنى"، فقال أبو بكر: صدق أبوك وصدقت. ولم يبلغني في تأويل هذِه الآية أن هذا السهم كاملًا لكم، فلكم الغنى الذي (يسعكم) (٢) ويفضل عنكم، وهذا عمر وأبو عبيدة وغيرهما فاسأليهم. فانطلقت إلى عمر فسألته، فذكر لها ما ذكر أبو بكر. رواه عن أبيه، ثَنَا يحيى ابن أكثم، ثَنَا علي بن عياش الألهاني، ثَنَا أبو معاوية صدقة الدمشقي، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أنس.

стр. 10879

قالَ ابن العربي: والآية وإن كانت عامة فإنما توجب أن يورث ما يملكه الشارع، لو سلمنا ملكه فلا دلالة لها فيه لما سلف. وروى ابن شاهين في كتاب "الخمس" عن الشعبي: أن الصديق قَالَ لفاطمة: يا بنت رسول الله ﷺ ، ما خير عيش حياة أعيشها وأنت عليَّ ساخطة، فإن كان عندك من رسول الله ﷺ عهد فأنت الصادقة المصدقة المأمونة على ما قلت. قَالَ: فما قام حَتَّى رضيت، ورضي. قَالَ: وفي حديث أسامة بن زيد الليثي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قَالَ أبو بكر لفاطمة: بآبائي أنت وبآبائي أبوك إنه قَالَ ﷺ : "لا نورث ما تركنا صدقة" قَالَ: فقالت: إني لست ممن ينكر. فصل: سبب عدم ميراث الأنبياء لئلا يظن بهم أنهم جمعوا المال لورثتهم. كما حرمهم الله تعالى الصدقة الجارية على أيديهم من الدنيا؛ لئلا ينسب إليهم ما تبرءوا به من الدنيا، أو لئلا يخشى على وارثهم أن يتمنى لهم الموت، فيقع في محذور عظيم. فصل: وأما صدقته بالمدينة فهي أموال بني النضير، وكانت قريبة من المدينة، وهي مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب. قَالَ القاضي عياض: والصدقات التي صارت إليه. أحدها: من وصية مخيريق يوم أحُد، وكانت سبع حوائط في بني النضير.

стр. 10880

ثانيها: ما أعطاه الأنصار من أرضهم، وهو ما لا يبلغه الماء، وكان هذا ملكًا له، ومنها حقه من الفيء من أموال بني النضير، كانت له خاصة حين أجلاهم، وكذا نصف أرض فدك، صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها فكان خالصًا له، وكذا ثلث أرض وادي القرى، أخذه في الصلح حين صالح اليهود، وكذا حصنان من حصون خيبر: الوطيح والسلالم أحدهما صلحًا. ومنها سهمه من خمس خيبر وما افتتح فيها عنوة، فكانت هذِه كلها ملكًا له خاصة لا حق لأحد فيها، فكان يأخذ منها نفقته ونفقة أهله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين (١). قَالَ ﷺ : "ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة" (٢) وكان ابن عيينة يقول: أمهات المؤمنين في معنى المعتدات؛ لأنهن لا يجوز لهن النكاح أبدًا فجرت عليهن النفقة، وتركت حجرهن لهن يسكنها. وأراد بمؤنة العامل: من يلي بعده. قَالَ أبو داود: وأما اختصام علي والعباس فيما جعل إليهما من صدقته بالمدينة، وهي أموال بني النضر فكانت في القسمة، وسألا عمر أن يقسمها نصفين بينهما يستبد كل واحد بولايته، فلم ير عمر أن يوقع القسمة على الصدقة، ولم يطلبا قسمتها ليتملكاها، وإنما طلباها؛ لأنه كان يشق على كل واحد منهما ألا يعمل عملاً في ذَلِكَ المال حَتَّى يستأذن صاحبه. وعنده أيضًا كانت للنبي ﷺ ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر،

стр. 10881

وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبسًا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسًا لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها رسول الله ﷺ ثلاثة أجزاء: جزأين للمسلمين، وجزءًا نفقة لأهله، فما فضل عن نفقه أهله جعله بين فقراء المهاجرين (١). فصل: قوله: (هل لك في عثمان؟) إلى آخره. أي: هل لك إذن لهم، وجاء أن العباس قَالَ: هذا الكاذب، أي: إن لم ينصف، فحذف الجواب. قَالَ المازري: وهذِه اللفظة ينزه القائل والمقول فيه عنها، ووهم فيها بعض الرواة، وقد أزالها بعض الناس من كتابه تورعًا، وإن لم يكن الحمل فيها على الرواة فأجود ما يحمل عليه أن العباس قالها إدلالًا عليه؛ لأنه بمنزلة والده، ولعله أراد ردع عليّ عما يعتقد أنه مخطئ فيه، وأن هذِه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن قصد، وإن كان عليّ لا يراها موجبة لذلك في اعتقاده. وهذا كما يقول الشافعي (٢): شارب النبيذ ناقص الدين. والحنفي يمنع ذلك. وكل واحد محق في اعتقاده، ولابد من هذا التأويل؛ لأن هذِه القضية جرت بحضرة عمر والصحابة. ولم ينكر أحد منهم هذا الكلام مع تشددهم في إنكار المنكر، وما ذاك إلا لأنهم فهموا بقرينة الحال أنه تكلم مما لا يعتقده (٣).

стр. 10882

فصل: قال القرطبي: لما ولي علي لم يغير هذِه الصدقة عما كانت في أيام الشيخين، ثم كانت بعده بيد حسن، ثم حسين، ثم علي بن حسين، ثم بيد الحسن بن الحسن، ثم بيد زيد بن حسن كما ذكره البخاري في باب حديث بني النضير، ثم بيد عبد الله بن حسن، ثم وليه ابن والعباس على ما ذكره البرقاني في "صحيحه"، ولم يرو عن أحد من هؤلاء أنه تملكها ولا ورثها ولا ورثت عنه. فلو كان ما يقول الشيعة حقُّا لأخذها أو أحد من أهل بيته لما ولوها، وكذا في اعتراف على وعمه بصحة ما ذكره أبو بكر: "إنا لا نورث" ولا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتقد أنهما أذعنا تقية ولا بقيا على أنفسهما؛ لشدتهما في دينهما ولعدل عمر، وأيضًا فالمحل محل مناظرة ومباحثة ليس فيه ما يفضي إلى ما يقوله أهل الزيغ من الشيعة (١). فصل: قد أسلفنا عن مالك أن مصرف الفيء والخمس واحد (٢). وقال عبد الملك: المال الذي آسى الله، فيه بين الأغنياء والفقراء مال الفيء، وما ضارعه من ذَلِك: أخماس الغنائم، وجزية أهل العنوة وأهل الصلح وخراج الأرض، وما صُولح عليه أهل الشرك في الهدنة، وما أخذ من تجار الحرب إذا خرجوا لتجارتهم إلى دار الإسلام، وما أخذ من أهل ذمتنا إذا أتجروا من بلد إلى بلد، وخمس

стр. 10883

الركاز حيثما وجد يبدأ عندهم في تفريق ذَلِكَ بالفقراء واليتامى والمساكين وابن السبيل، ثم يساوي بين الناس فيما بقي شريفهم ووضيعهم، ومنه يرزق والي المسلمين وقاضيهم، ويعطى غازيهم وتسد ثغورهم وتبنى مساجدهم وقناطرهم ويفك أسيرهم، وما كان من كافة المصالح التي لا توضع فيها الصدقات فهذا أعم من المصرف في الصدقات؛ لأنه يجري في الأغنياء والفقراء، وفيه ما يكون فيه مصرف الصدقات وفيما لا يكون، هذا قول مالك وأصحابه ومن ذهب مذهبهم: أن الخمس والفيء مصرفهما واحد (١). وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والأوزاعي وأبو ثور وداود وإسحاق والنسائي، وعامة أصحاب الحديث والفقه إلى التفريق بين مصرف الفيء والخمس، فقالوا؛ الخمس موضوع فيما عيَّنه الله من الأصناف المسمَّين في آية الخمس من سورة الأنفال لا يتعدى بهم إلى غيرهم، ولهم مع ذلك في توخيه قسمه عليهم بعد وفاة رسول الله ﷺ خلاف. وأما الفيء فهو الذي يرجع (النظر) (٢) في مصرفه إلى الإمام بحسب المصلحة والاجتهاد.

стр. 10884

٢ - باب أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الدِّينِ ٣٠٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الضُّبَعِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا هَذَا الحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، فَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَأْخُذُ مِنْهُ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، الإِيمَانِ بِاللهِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله -وَعَقَدَ بِيَدِهِ- وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا لِلَّهِ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ». [انظر: ٥٣ - مسلم: ١٧ - فتح ٦/ ٢٠٨] ذكر فيه حديث ابن عباس ﵄ في وقد عبد القيس. وقد سلف في كتاب: الإيمان أول "الصحيح" في باب أداء الخمس من الإيمان (١). وفائدة الجمع بين الترجمتين -كما قَالَ ابن المنير- إن قدرنا الإيمان قولٌ وعملٌ دَخَلَ أداء الخمس في الإيمان. وإن قلنا: إنه التصديق دخل أداؤه في الدين، وهو عندي في لفظ هذا الحديث خارج عن الإيمان داخل في الدين؛ لأنه ذكر أربع خصال أولها الصلاة، وآخرها أداء الخمس. فدل أنه لم يعن بالأربع إلا هذِه الفروع. وأما الإيمان الذي أبدل منه الشهادة فخارج عن العدد، ولو جُعل الإيمان بدلاً من الأربع لاختل الكلام أيضًا، والذي خلص من ذَلِكَ كله إخراج الإيمَان من الأربع، وجعل الشهادة بدلاً منه. فكأنه قَالَ: آمركم بأربع أصلها الإيمان الذي هو الشهادة، ثم استأنف بيان الأربع

стр. 10885

كأنه قَالَ: والأربع: إقام الصلاة .. إلى آخره (١). وقال المهلب: وجه ما ترجم له في الإيمان بيّن؛ لأنه أمرهم بأربع، فبدأ بالإيمان بالله تعالى، وختم بأداء الخمس، فدخل ذَلِكَ كله في جملة الإيمان، وإنما لم يأمرهم بالحج؛ لأنه لم يفرض إذًا، وأمرهم بأداء الخمس؛ لأنه لا يكون الخمس إلا من جهاد فأمرهم بالجهاد وداخل في أمرهم بالخمس وإنما قصد إلى أداء الخمس؛ لأن كل من بايع لا يبايع إلا على الجهاد. وكان وفد عبد القيس أهل غارات، ولم يعرفوا أن يؤدوا منها شيئًا؛ لأنهم كانوا من فُتّاكِ العرب، فقصدهم الشارع إلى أغلب ما كانوا عليه من الباطل فذمه لهم ونهاهم عن أشياء كلها في معنى الانتباذ؛ لأنهم كانوا كثيرًا يفعلونه، فقصد لهم إلى الظروف التي كانوا يتزرعون فيها إلى السكر، لانتزاع النبيذ إلى السكر فيها. ونسخ ذَلِكَ بعد هذا لما آمن منهم أهل التذرع إلى الدباء والمزفت، وسيكون لنا عودة إليه في الأشربة، ومعنى (لسنا نصل إليك في الشهر الحرام). إنما قَالَ ذَلِكَ؛ لأن كفار العرب كانوا لا يقاتلون في الأشهر الحرم، ولا يحملون السلاح فيها. وفيه: من الفوائد قدوم وفود العرب على رسول الله ﷺ ، وقدوم بعض أهل العراق، (ولم تفتح) (٢) كما قاله ابن التين؛ وليتأمل وفيه: الانتساب إلى الجد الكافر (٣).

стр. 10886

وفيه: أن هجرة المقام بالمدينة لم تكن إلا على أهل مكة ومن سواهم لا ينفرون كافة، ومن نفر منهم كان له الرجوع إلى أهله. وفيه: تعظيم الشهر الحرام في الجاهلية مما كان عندهم من بقية دين إبراهيم. وفيه: أن أداء الخمس من الإيمان، وهو أحد الأربع بعد الإيمان كما سلف. ولم يذكر الجهاد؛ لأنه لم يكن إلا على أهل المدينة، ومن حولهم من الأعراب. وقوله: ("شهادة ألا إله إلا الله"، وعقده بيده) أي: ثنى خنصره. قَالَه الداودي فإذا ثنى خنصره، وعد الإيمان. (فهي) (١) خمسة بلا شك. و (الدُّباء) -بتشديد الباء والمد- القرع، الواحدة دُبَّاءة. و (النقير) أصل النخلة، ينقر جوفها ثم يشدخ فيه الرطب والبُسر، ثم يدعونه حَتَّى يهدر، ثم يموت. وقال الداودي: هو الخشبة تنقر فيتخذ منها وعاء. (الحنتم) الفخار أو المطلي منه أو بالأخضر، قَالَ أبو عبيدة: جرار خضر كانت تحمل إلى المدينة فيها الخمر. وقال ابن فارس: وكل أسود حنتم. والخضر عند العرب سود (٢). و (المزفت) المطلي بالزفت وهذا كله سلف واضحًا وأعدناه مختصرًا لطول العهد به.

стр. 10887

٣ - باب نَفَقَةِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ ٣٠٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ». [انظر: ٢٧٧٦ - مسلم: ١٧٦ - فتح ٦/ ٢٠٩] ٣٠٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا فِي بَيْتِي مِنْ شَيءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلاَّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. [٦٤٥١ - مسلم: ٢٩٧٣ - فتح ٦/ ٢٠٩] ٣٠٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الحَارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ إِلاَّ سِلَاحَهُ، وَبَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ، وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً. [٢٧٣٩ - فتح ١/ ٢٠٩] ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا ولا درهمًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ". وحديث عائشة ﵂: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ومَا فِي بَيْتِي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفِّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. وحديث عمرو بن الحارث ﵁: مَا تَرَكَ رسول ﷺ إِلَّا سِلَاحَهُ، وَبَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ، وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً. الشرح: الحديث الأول سلف سندًا ومتنًا (١).

стр. 10888

والثاني: يأتي في الرقائق (١)، وأخرجه آخر كتابه. والحديث الثالث سلف في الجهاد (٢). ووقع للقابسي. ثَنَا يحيى، عن سفيان به، وصوابه حدثنا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يحيى به، كما نبه عليه الجياني (٣). ووجه مطابقة الثاني للترجمة؛ لأنها لم تذكر أنها أخذته في نصيبها، إذ لو لم تكن لها النفقة مستحقة، لكان الشعير الموجود لبيت المال، أو كان مقسومًا بين الورثة وهي إحداهن. وأراد في حديث عمرو بالأرض التي ينفق منها على نسائه بعد وفاته، فطابق الترجمة، واختلف في مؤنة العامل، فقيل: حافر قبره ومتولي دفنه، وقيل: الخليفة بعده، وقيل: عمال حوائطه. وقولها: (يأكله ذو كبد). تريد إنسانًا أو بهيمة. و (الرَّفُّ) كالغرفة الصغيرة في البيت إلا أنه ليس عليه باب. و (شطر شعير) نصف وسق وسط كل شيء نصفه قاله ابن التين. وقال الترمذي: الشطر الشيء (٤)، وقال عياض: نصف وسق (٥)، وقال ابن الجوزي: أي جزءًا من شعير قال: ويشبه أن يكون نصف شيء كالصاع ونحوه. وقولها: (فَكِلْتُه فَفَنِيَ) قَالَ الداودي: بورك لها فيه حَتَّى شعرت، فأصابته بالعين.

стр. 10889

وفيه: أن البركة مع جهل المأخوذ منه، أو أنها أكثر ما تكون في المجهولات والمبهمات ولا يبالي أن يكون المأخوذ منه مكتالاً، وإنما لا يكتال المأخوذ لأنه من باب الإحصاء من قوله: "لا تحصي فيحصى عليك" (١). وأما حديث المقدام بن معدي كرب: "كيلو طعامكم يبارك لكم فيه (٢) ". ففيه جوابان: أحدهما: أن المراد بكيله أول تملكه إياه. ثانيها: عند إخراج النفقة منه بشرط أن يبقى الباقي مجهولاً، ويكتل ما يخرجه، لئلا يخرج أكثر من الحاجة أو أقل. قَالَ ابن بطال: كان الشعير الذي عند عائشة غير مكيل، فكانت البركة فيه من أجل جهلها بكيله. وكانت تظن في كل يوم أنه سيفنى لقلَّتةِ، كانت تتوهمها فيه. فلذلك طال عليها. فلما كالته علمت مدة بقائه ففني عند تمام ذَلِكَ (الأمر) (٣) (٤). فصل: معنى: "لا تقتسم ورثتي دينارًا" ليس بمعنى النهي كما قَالَ الطبري؛ لأنه لم يترك دينارًا ولا درهمًا يقسم؛ لأنه مات ودرعه مرهونة بوسق من شعير، ولا يجوز النهي عما لا سبيل إلى فعله، وإنما ينهى المرء عما يمكن وقوعه منه.

стр. 10890

ْومعنى الخبر: أنه ليس يقسم ورثتي دينارًا أولاً درهمًا، (١)؛ لأني لم أخلفهما بعدي. وقال غيره: إنما استثنى ﷺ نفقة نسائه بعد موته لأنهن محبوسات عليه، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآية. قَالَ المهلب: ومن أجل ظاهر حديث أبي هريرة -والله أعلم- طلبت فاطمة ميراثها في الأصول؛ أنها وجهت قوله: "لا يقتسم ورثتي دينارًا" إلى الدنانير ونحوها خاصة لا إلى الطعام والأثاث والعروض، وما تجري فيه المئونة والنفقة، وفيه من الفقه أن الحبس لا يكون بمعنى الوقف (حَتَّى) (٢) يقال فيه صدقة. فصل: جزم ابن بطال بأن المراد بالعامل عامل نخله فيما خصه الله به من الفيء في فدك وبني النضير وسهمه بخيبر، مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب. فكان له من ذَلِكَ نفقته، ونفقة أهله، ويجعل سائره في نفع المسلمين، وجرت النفقة بعده من ذَلِكَ على أزواجه، وعلى عمال الحوائط إلى أيام عمر، فخير عمر أزواجه بين أن يتمادين على ذَلِكَ أو يقطع لهن قطائع، فاختارت عائشة وحفصة الثاني، فقطع لهما بالغابة وأخرجهما عن حصتهما من ثمرة تلك الحيطان، فملكتا ما أقطعهما عمر من ذَلِكَ إلى أن ماتتا، وورثت عنهما (٣).
следующие страницы →