← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.

стр. 10921

حاجته، وغير ذَلِكَ كله عائد على المسلمين، وهذا معنى تسميته بقاسم، وليس هذِه التسمية بموجبة ألَّا تكون أثرة في اجتهاده لقوم دون قوم. وقال ابن المنير: وجه مطابقة الأحاديث للآية تحقيق أن المراد فيها بذكر الرسول إنما هو توليه القسم، لا أنه تملكه، حصر حاله في القسمة ﴿إِنَّمَا﴾ (١)، فخرج الملك. فصل: قوله في حديث جابر الثاني: فقال النبي ﷺ : "أحسنت الأنصار، سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم" يعني: أحسنت في تعزيز نبيها وتوقيره من أن يشارك في كنيته، فيدخل عليه العنت عند النداء لغيره ليشوفه إلى الداعي، كما عرض له في السوق، فنهى عن كنيته وأباح اسمه للبركة الموجودة منه، ولما في اسمه من الفأل الحسن؛ لأنه من معنى الحمد؛ ليكون محمودًا من تسمى باسمه. وهذا القول صدر منه أيضًا ﷺ -فيما رواه أنس أيضًا حين نادى رجل: يا أبا القاسم. فالتفت. فقال الرجل: لم أعنك. فقال ذلك (٢). فلما كانت هذِه الكنية تؤدي إلى عدم التوقير والاحترام نهى عنها، يؤيده ما نقل عن اليهود أنها كانت تناديه بها، فإذا التفت قالوا: لم نعنك. فحسم الذريعة بالنهي، فإن قلت: فعلى هذا يمتنع التسمية بمحمد، وقد فرق بينهما فأجازه في الاسم ومنع في الكنية.

стр. 10922

قلتُ: قد قيل به، ثم لم يكن أحد من الصحابة يجترئ أن يناديه باسمه إذ الاسم لا توقير بالنداء به بخلافها، فإن في النداء بها احترامًا وتوقيرًا، وإنما كان يناديه باسمه الأعراب من لم يؤمن منهم أو من لم يرسخ الإيمان بقلبه، وقد قيل: إن النهي مخصوص بحياته، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم؛ وأيضًا لأن النهي عن ذَلِكَ؛ لأن ذَلِكَ الاسم لا يصدق على غيره، وهو قوله: "إنما أنا قاسم" أي الذي بين قسم الأموال في المواريث والغنائم وغيرهما عن الله تعالى، وليس ذَلِكَ لأحد إلا له، فلا يطلق هذا الاسم بالحقيقة إلا عليه، وعلى هذا فتمتنع التكنية بذلك مطلقًا، وهو مذهب بعض السلف محمد بن سيرين والشافعي وأهل الظاهر، سواء كان اسمه أحمد أو محمدًا، وهو ظاهر الحديث. وثالثها: يحرم على من كان اسمه محمدًا خاصة، فهذِه ثلاثة مذاهب، وفي الترمذي من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى أن يجمع بين اسمه وكنيته ويسمِّي محمدًا أبا القاسم، ثم قَالَ: حديث حسن صحيح (١). وعلى هذا فيجوز أن يكنى بذلك من ليس اسمه محمدًا، وزادت طائفة أخرى من السلف فرأوا منع التسمية بالقاسم؛ لئلا يكنى أبوه بأبي القاسم، حكاه القرطبي (٢). وقد غير مروان بن الحكم اسم ابنه عبد الملك حين بلغه هذا الحديث، فسماه عبد الملك، وكان أولاً اسمه القاسم، وفعله بعض الأنصار أيضًا.

стр. 10923

ونقل -أعني القرطبي- عن جمهور السلف والخلف وفقهاء الأمصار جواز كل ذلك، فليس الجمع والأفراد بناء على أن ما تقدم إما منسوخ، وإما خاص به، احتجاجًا بحديث علي في الترمذي مصححًا: يا رسول الله، إن ولد لي بعدك غلام أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قَالَ: "نعم" (١) وحديث عائشة في أبي داود: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني ولدت غلامًا وسميته محمدًا وكنيته أبا القاسم، فُذكر لي أنك تكره ذَلِكَ، فقال: "ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي؟! " (٢). ويتأيد النسخ بأن جماعة كثيرة من السلف وغيرهم سموا أولادهم باسمه وكنوهم بكنيته جمعًا وتفريقًا؛ كمحمد بن مالك بن أنس ومحمد بن أبي بكر وابن الحنفية وابن طلحة بن عُبيد الله، فإنهم كلهم كنوا بذلك، وكأن هذا كان أمرًا معروفًا معمولًا به في المدينة وغيرها، فأحاديث الإباحة إذًا أولى لأنها ناسخة لأحاديث المنع وترجحت بالعمل المذكور (٣)، وهو مذهب مالك. وخالف ابن حزم في النسخ قَالَ: وإنما كان النهي للتنزيه والإذن لا للتحريم، وما قدمناه من المنع من التسمية بمحمد شاذ، وإن كان قد روي عنه مرفوعًا: "تُسمُّون أولادكم محمدًا ثم تلعنونهم" (٤) فكأنه

стр. 10924

عرضة لذلك، فتسد الذرائع، وكتب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة: لا تسموا أحدًا باسم نبيٍّ. وأمر جماعة بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم المسمَّين بمحمد، حَتَّى ذكر لي جماعة أنه ﷺ أذن لهم في ذلك أو سماهم به، فتركهم. قَالَ القرطبي: وحديث النهي غير معروف عند أهل النقل، وعلى تسليمه فمقتضاه النهي عن لعن من تسمى بمحمد لا عن التسمية به، والنصوص دلت على إباحة التسمية به، بل قد ورد الحث على الترغيب فيه، وإن لم يصح فيه ولا في الإباحة، مع أن أحاديث النهي صحيحة (١). وقيل: إن سبب نهي عمر السالف أنه سمع رجلاً يقول لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب: فعل الله بك يا محمد. فقال: وإن سيدنا رسول الله يسب، بل والله لا يدعى محمدًا ما بقيت. فسماه عبد الرحمن. وقد تقرر الإجماع على إباحة التسمي بأسماء الأنبياء إلا ما سلف، وسمى جماعة من الصحابة بأسماء الأنبياء، وكره بعض العلماء -فيما حكاه عياض- التسمي بأسماء الملائكة، وهو قول الحارث بن مسكين. قَالَ: وكره مالك التسمية بجبريل ويس (٢)، ومثله ميكائيل وإسرافيل ونحوها من أسماء الملائكة، وعن عمر بن الخطاب أنه قَالَ: ما قنعتم بأسماء بني آدم حَتَّى سميتم بأسماء الملائكة؟! فصل: قوله في حديث جابر أيضًا: (ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم، فقالت الأنصار: لا نَكْنِيك أبا القاسم ولا ننعمك عينا). معناه:

стр. 10925

لا نكرمك ولا نقر عينك به. لقول العرب في الكرامة وحسن القبول: نعم ونعمة عين، ونعام عين. فأما النعمة فمعناها: التنعم، ويقال: كم من ذي نعمة لا نعمة له. أي لا متعة له بماله. وقوله في حديث معاوية: "لا تزال هذِه الأمة ظاهرين" في مسلم (١) هي طائفة بالمغرب (٢). وقيل غير ذلك. وقوله في حديث أبي هريرة: "ما أعطيكم ولا أمنعكم" أي: الله هو المعطي في الحقيقة والمانع، وأنا أعطيكم بقدر ما يسرني الله له. فصل: ومعنى حديث خولة في الباب: أن من أخذ من المقاسم شيئًا بغير قسم الرسول أو الإمام بعده فقد تخوض في مال الله. أي: تصرف فيه وتقحم في استحلاله بغير حق، ويأتي بما غل يوم القيامة. ومعنى: "فلهم النار" أي: ويخرجون منها إن كانوا مسلمين. وفيه ردع للولاة والأمراء ألا يأخذوا من مال الله شيئًا بغير حقه ولا يمنعوه من أهله.

стр. 10926

٨ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "أُحِلَّتْ لَكُمُ الغَنَائِمُ " وَقَالَ اللهُ : ﴿وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] وَهْيَ لِلْعَامَّةِ حَتَّى يُبَيِّنَهُ الرَّسُولُ. ٣١١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ الأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ». [انظر: ٢٨٥٠ - مسلم: ١٨٧٣ - فتح ٦/ ٢١٩] ٣١٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ». [انظر: ٣٠٢٧ - مسلم: ٢٩١٨ - فتح ٩/ ٢١٦] ٣١٢١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، سَمِعَ جَرِيرًا، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ». [٣٦١٩، ٦٦٢٩ - مسلم: ٢٩١٩ - فتح ٦/ ٢١٩] ٣١٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الفَقِيرُ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ». [انظر: ٣٣٥ - مسلم: ٥٢١ - فتح ٦/ ٢٢٠] ٣١٢٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «تَكَفَّلَ الله لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ الجِهَادُ في سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». [انظر: ٣٦ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح ٦/ ٢٢٠] ٣١٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ

стр. 10927

مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهْوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِي بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلَا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهْوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا. فَغَزَا فَدَنَا مِنَ القَرْيَةِ صَلَاةَ العَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا. فَحُبِسَتْ، حَتَّى فَتَحَ الله عَلَيْهِ، فَجَمَعَ الغَنَائِمَ، فَجَاءَتْ -يَعْنِي النَّارَ- لِتَأْكُلَهَا، فَلَمْ تَطْعَمْهَا، فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولاً، فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ. فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ. فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا، ثُمَّ أَحَلَّ الله لَنَا الغَنَائِمَ، رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا». [٥١٥٧ - مسلم: ١٧٤٧ - فتح ٦/ ٢٢٠] ذكر في الباب حديث عروة البارقي: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ". وحديث أبي هريرة: "إِذَا هَلَكَ كسْرى فَلَا كسْرى بَعْدَهُ .. ". وقد سلف. ثم قَالَ: حَدَّثنَا إِسْحَاقُ، سَمِعَ جَرِيرًا، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ بمثل حديث أبي هريرة ويأتي في علامات النبوة والأيمان والنذور، وأخرجه مسلم أيضًا. وإسحاق هذا قَالَ الجياني: لم أجده منسوبًا لأحد (١). ونسبه أبو نعيم: إسحاق بن إبراهيم. ثم ذكر حديث يزيد الفقير -وهو من فقار الظهر لا من المال- عن جابر مرفوعًا: "أحلت لنا الغنائم .. " وقد سلف في التيمم مطولًا (٢).

стр. 10928

ثم ذكر حديث أبي هريرة لكنه: "تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ .. " الحديث قد سلف في باب: أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله (١). ثم ذكر حديث أبي هريرة أيضًا: "غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ .. " الحديث. وقد سلف في موضع أشار إليه البخاري في الجهاد في باب: من اختار الغزو بعد البناء، وقال: فيه أبو هريرة عن النبي ﷺ (٢). والبخاري رواه عن محمد بن العلاء: أنبأنا ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة وسيأتي في النكاح، وأخرجه مسلم أيضًا، ولما ذكره أبو نعيم في "مستخرجه" قَالَ: رواه البخاري عن أبي كريب، عن عبد الله بن المبارك -أو غيره- عن معمر، ولم أره هكذا وسيأتي في التوحيد، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. فصل: ذكر ابن إسحاق أن هذا النبي يوشع بن نون، وقال: ولم تحتبس الشمس إلا له ولنبينا صبيحة الإسراء حين انتظروا العير التي أخبر بقدومها عند شروق الشمس ذَلِكَ اليوم. قلتُ: قد وقع ذَلِكَ لنبينا مرة أخرى غير هذِه، في الخندق حين شغل عن صلاة العصر حَتَّى غابت الشمس فصلاها، ذكره عياض في "إكماله" (٣). وقال الطحا وي: رواته ثقات. ووقع لموسى ﷺ تأخير طلوع الفجر.

стр. 10929

روى ابن إسحاق في "المبتدأ" من حديث يحيى بن عروة عن أبيه أن الله أمر موسى بالمسير ببني إسرائيل، وأمره بحمل تابوت يوسف ﷺ ، فلم يدل عليه حَتَّى كاد الفجر يطلع، وكان قد وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر، فدعا ربه أن يؤخر طلوعها حَتَّى يفرغ من أمر يوسف، ففعل الله ذَلِكَ، وبنحوه ذكر الضحاك في "تفسيره الكبير". وروى الطبراني في "أوسط معاجمه" من حديث معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار. قَالَ: لم يروه عن معقل إلا الوليد بن عبد الواحد التميمي، تفرد به أحمد بن عبد الرحمن بن الفضل الحراني، ولم يروه عن أبي الزبير إلا معقل (١). قلتُ: فيجوز أن يحمل على إحدى الحالتين السالفتين أو على حالة ثالثة. قلتُ: وقد وقع ذَلِكَ لبعض أمته، وهو الإمام علي ﵁، أخرجه الحاكم، عن أسماء بنت عميس أنه ﷺ نام على فخذ علي حَتَّى غابت الشمس، فلما استيقظ قَالَ علي: يا رسول الله، إني لم أصل العصر فقال ﷺ : "اللَّهُمَّ إن عبدك عليا احتبس بنفسه على نبيك فرد عليه شرقها" قالت أسماء: فطلعت الشمس حَتَّى وقعت على الجبال وعلى

стр. 10930

الأرض، ثم قام على فتوضأ وصلى العصر، وذلك بالصهباء (١). وذكره أبو جعفر في "مشكله"، وقال: كان أحمد بن صالح يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم أن يتخلف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنه من أجل علامات النبوة (٢) قَالَ: وهو حديث متصل. وفي آخر: رواته ثقات. وأما ابن الجوزي فأعله من طريق آخر، وأعله ابن تيمية بأن أسماء كانت مع زوجها بالحبشة، لكن جعفر قدم خيبر على رسول الله ﷺ وقسم له ولأصحابه وهم بخيبر. وروى الخطيب في كتابه "ذم النجوم" بإسناد فيه ضعف عن علي أن يوشع بن نون قَالَ له قومه: إنا لن نؤمن بك حَتَّى تعلمنا بدء الخلق وآجاله. فأوحى الله إلى غمامة فأمطرتهم واستنقع على الجبل ماؤها، ثم أوحى الله إلى الشمس والقمر والنجوم أن تجرى في ذَلِكَ فأراهم بدء الخلق وآجاله مجاري الشمس والقمر والساعات، فكان أحدهم يعلم متى يمرض ومتى يموت فبقوا كذلك برهة، ثم إن داود ﵇ قاتلهم على الكفر، فأخرجوا إلى داود في القتال من لم يحضر أجله، فكان يقتل من أصحاب داود ولا يقتل منهم أحد، فدعا الله داود فحبست الشمس عليهم فزيد في النهار، فاختلطت الزيادة بالليل والنهار فلم يعرفوا قدر الزيادة، فاختلط عليهم حسابهم. قلتُ: فإذًا هؤلاء ثلاثة: نبينا، ويوشع بن نون وداود، ومن أصحابه على، ووقع في كلام ابن التين أنه ذكر أنه يعني هذا النبي يوشع فتى

стр. 10931

موسى وهو الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه، وهو غريب. فصل: قوله للشمس: "إنك مأمورة وأنا مأمور، اللَّهُمَّ احبسها علينا فحبست" هو دعاء إلى الله أن يمد لهم الوقت حَتَّى يفتحوا المدينة. وقيل في قوله: "احبسها علينا" أقوال: أحدها: أنها ردت على أدراجها. وقيل: أوقفت فلم تبرح. وقيل: (بطئ مجريها) (١) وسيرها، وهو أوفى- الأقوال كما قاله ابن بطال؛ لجريها على العادة، وإن كان خرق العادات للأنبياء (جائز) (٢) فكل الوجوه جائزة. وفي قوله: "إنك مأمورة" دليل في النوم وأصل العبادة على ضيق وقت العمل الذي الرأي فيه في اليقظة وفوات وقته، فيكون تنبيهًا على الأخذ بالحزم (٣). وفيه: أن الأنبياء قد يحكمون على الأشياء المعجزات بآيات يظهرها الله تعالى على أيديهم، شهادة على ما التبس من أمر الحكم، وقد يحكمون أيضًا بحكم لا يكون آية معجزة، ويكون النبي وغيره من الحكام سواء، ويكون اجتهادهم على حسب ما يتأدى إليهم من مقالة الخصمين، فذلك إنما هو ليكون سنة لمن بعدهم. وفيه: أن قت الآخر النهار إذا هبت رياح النصر أفضل كما كان ﵇ يفعل.

стр. 10932

فصل: الآية التي بدأ بها البخاري ﵀ نزلت عام الحديبية، فكانت التي عجلت لهم خيبر فقسمها بين أهل الحديبية، من شهد منهم خيبر ومن غاب عنها، ولم يقسم معهم لغيرهم إلا اثني عشر رجلاً قدموا مع جعفر من أرض الحبشة، وكان أهل الحديبية ألفا وأربعمائة، وكان معهم مائتا فرس فقسمت على ألف وثمانمائة. قَالَ مالك فيما نقله الشيخ أبو محمد عنه: كانت خيبر على سنة ست من الهجرة. قالوا: ولم يخرج إليها إلا أهل الحديبية إلا رجل من بني حارثة أذن له، وخرج في المحرم ففتح حصونهم، وهي التي وعده الله بها بالحديبية في قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١]. وقال ابن بطال: المخاطب بهذِه الآية أهل الحديبية خاصة ووعدهم بها، فلما انصرفوا من الحديبية فتحوا خيبر، وهي المعجلة (١). والمذكور في التفسير أن خيبر هي التي عجلت لهم كما أسلفنا. واختلفوا في قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١] فقال ابن أبي ليلى: هي فارس والروم (٢). وقال قتادة: هو فتح مكة (٣). وقال مجاهد: هو ما يكون بعد إلى يوم القيامة (٤). وقال ابن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] يعني: خيبر. وقال مروان والمسور: وانصرف رسول الله من الحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله فيها خيبر، فقدم

стр. 10933

المدينة من ذي الحجة وسار إلى خيبر في المحرم (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ وعيالكم بالمدينة حين ساروا إلى الحديبية وإلى خيبر. فصل: وقوله (فهي للعامة): يعني: لجميع الناس حَتَّى يبين الشارعِ من يستحقها وكيف تقسم، وقد بين الله تعالى بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. فصل: قوله في كسرى وقيصر: "لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" لعله أراد ما كان في زمن عمر وغيره أنه أتى بالأموال فصبها في المسجد، فأتلفت التيجان لما أصابتها الشمس، فبكى عمر، فقال له ابن عوف: ليس هذا حين بكاء إنما هذا حين شكر، فقال عمر: إني أقول: ما فتح الله هذا على قوم قط إلا سفكوا دماءهم وقطعُوا أرحامهم. فكان كما قَالَ، وكان من ذَلِكَ السفطان اللذان أتى بهما من كسرى الدهقان فرأى الملائكة تدفع في صدره عنهما، فردهما إلى حيث أتيا منه، وأمر أن يجعلا في أرزاق المقاتلة، فبيعا بمائتي ألف درهم. ولما فتح عمرو مصر أتى رجل من عظماء أهلها، فسجنه وأدخل معه السجن رجلاً، وقال له: اعرف ما يلتجئ به، فقيل له: هو يلتجئ لراهب بموضع كذا. فجعل عمرو من يكتب بكتابهم، وأرسل إليه خاتمه، فختم به الكتاب وكتب على لسان الكافر إلى الراهب: إذا أتاك كتابي فادفع إلى فلان الوديعة التي عندك، فدفع الراهب إلى الرسول قمقمًا

стр. 10934

مختومًا، فأتى به عمرًا ففتحه فإذا فيه كتاب: يا بني إذا أردتم أخذ ما لكم فاحضروا الفسقية التي بموضع كذا وكذا ذراع، من جانب كذا. فأرسل عمرو منا فأخرجوا خمسين إردبًا دنانير. فصل: قوله: ("وأحلت لي الغنائم") هي من خصائصه، فلم تحل لأحد غيره وغير أمته، وكانت المغانم للأنبياء المتقدمين يخفونها في برية فتأتي نار من السماء فتحرقها، فإن كان فيها غلول أو ما لا يحل لم تأكلها، وكذلك كانوا يفعلون في قربانهم، كان المتقبل تأكله النار، وما لا يتقبل يبقى على حاله ولا تأكله، ففضل الله هذِه الأمة وجعلها خير أمة أخرجت للناس، فيجاهدون سائر الخلق، وأعطاهم ما لم يعط غيرهم، جعل أناجيلهم في صدورهم، وجعل لهم الاستغفار، وكان من قبلهم إذا أذنب أحدهم أصبح مكتوبًا على بابه: أذنب فلان ذنب كذا. وأعطيت الاسترجاع عند المصائب، وجعلهم ظاهرين إلى يوم القيامة، وجعلهم أكثر الأمم، وأحل النار للمغانم لتخلص نية المغازي كي لا يكون قتالهم لأجل الغنيمة، وأبيحت الغنائم لهذِه الأمة؛ لأن الإخلاص غالب عليها فلم تحتج إلى باعث آخر، نبه على هذا ابن الجوزي. فصل: ودعاء هذا النبي قومه للمبايعة لمصافحة أيديهم اختبار منه للقبيل الذي فيهم الغلول من أجل ظهور هذِه الآية، وهي لصوق يد المبايع بيد النبي. وفيه: دليل على تجديد البيعة إذا احتيج إلى ذَلِكَ لأمر يقع، وقد فعل ذَلِكَ الشارع تحت الشجرة.

стр. 10935

وفيه: جواز إحراق أموال المشركين وما غنم منها. وأمره أن يتبعه من لم يتزوج فيه دلالة أن فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع وتجنبها؛ لأن من ملك بضع امرأة ولم يبن بها، أو بنى بها وكان على طراوة منها، فإن قلبه متعلق بالرجوع إليها، ويشغله الشيطان عما هو فيه من الطاعة فيرمي في قلبه الجزع، وكذلك ما في الدنيا من متاعها وفتنتها، فأراد أن تصفو القلوب للأعمال ولا تتحدث بسرعة الرجوع، فأصحاب هذِه الأحوال تتعلق القلوب بها فتضعف عزائمهم، وتفتر رغباتهم في الجهاد والشهادة، وربما يفرط ذَلِكَ التعلق بصاحبه فيفضي به إلى كراهة الجهاد وأعمال الخير، والهمم إذا تفرقت ضعف فعل الجوارح، وإذا اجتمعت قويت. فصل: قوله: ("رجل ملك بضع امرأة") قَالَ ابن التياني في "الموعب": البضع اسم المباضعة، وهو الجماع، وجعل تأبط شرًا البضع: المباشرة. وقيل: إنه مهر المثل، والبضاع -بالكسر- الجماع. وعن أبي زيد: المباضعة: النكاح، وقد بضعها بضعًا، والاسم: البضع، وهو الجماع، والبضع: ملك الولي للمرأة، وبضعها بيد زوجها، وهو الطلاق، وكذلك البضيع، وقال الأزهري: اختلف الناس في البُضْع، فقال قوم: هو الفرج. وقال قوم: هو الجماع. وعن الأصمعي: ملك فلان بضع فلانة. إذا ملك عقدة نكاحها، وهو كناية عن موضع الغشيان (١). وقال صاحب "الواعي": الاستبضاع: نوع من نكاح الجاهلية، كان

стр. 10936

الرجل منهم يقول لامرأته إذا طهرت أرسلي إلى فلان استبضعي منه، ويعتزلها زوجها حتى يتبين حملها من ذَلِكَ الرجل، ثم يجامعها بعد إن أراد، يريد بذلك نجابة الولد بها. وقوله: ("أو خلفات وهو ينتظر ولادها") خلفات: جمع خلفة. قَالَ ابن فارس: الخلفة: الناقة الحامل، والجمع: مخاض (١). وقال ابن سيده: هي الناقة الحامل، والجمع مخاض على غير قياس، كما قالوا: لواحدة النساء امرأة. وقيل: هي التي استكملت سنة بعد النتاج، ثم حمل عليها فلقحت. وقال ابن الأعرابي: إذا استبان حملها فهي خلفة حَتَّى تعشر. وخلفت الناقة خلقا، هذِه عن اللحياني. وقيل: المخلفة: التي توهم أن بها حملًا ثم لم تلقح (٢). وقال في "المخصص" عن الأصمعي: ناقة عاقد: تعقد بذنبها عند اللقاح، فإذا ثبت اللقاح -وهو حملها- فهي خلفة، والجمع: المخاض. قَالَ ابن دريد: المخاض والمخاض. وقال صاحب "العين": جمعها خلفات. قَالَ الأصمعي: فلا تزال خلفة حَتَّى تبلغ عشرة أشهر (٣) وهذا خلاف ما حكاه صاحب "المحكم" فيما مضى. وقال الجوهري: الخلف -بكسر اللام- المخاض من النوق، الواحدة: خلفة (٤). وقال في "المغيث": يقال: خلفت إذا حملت، وأخلفت إذا حالت ولم تحمل (٥).

стр. 10937

٩ - باب الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ ٣١٢٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْلَا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلاَّ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ. [انظر: ٢٣٣٤ - فتح ٦/ ٢٢٤] ذكر فيه حديث مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه: قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْلَا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ. الشرح: هذا الأثر يأتي قريبًا إن شاء الله في غزوة خيبر مع طريق آخر له (١)، وسلف في آخر المزارعة، والغنيمة لمن شهد الوقعة، وهو قول أبي بكر وعمر، وعليه جماعة الفقهاء، ولا يرده قسمه ﷺ لجعفر بن أبي طالب ولمن قدم في سفينة أبي موسى من غنائم خيبر ولم يشهدوها؛ لأن خيبر مخصوصة بذلك؛ لأنه ﷺ لم يقسم غير خيبر لمن لم يشهدها، فلا يجوز أن تجعل خيبر أصلاً يقاس عليه. قَالَ المهلب: وإنما قسم من خيبر لأصحاب السفينة لشدة حاجتهم في بدء الإسلام، فإنهم كانوا للأنصار تحت منح من النخيل والمواشي لحاجتهم، فضاق بذلك أحوال الأنصار، وكان المهاجرون من ذَلِكَ في شغل بال، فلما فتح الله خيبر عوض الشارع المهاجرين ورد إلى الأنصار منائحهم، وقد يحتمل كما قَالَ الطحاوي أنه ﷺ استطاب أنفس أهل الغنيمة (٢)، وقد روي ذَلِكَ عن أبي هريرة كما ستعلمه عند حديث أبي

стр. 10938

موسى بوجوه معه في أسهامهم منها. وأما قول عمر: (لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر)، فإن أهل العلم اختلفوا في حكم الأرض، فقال أبو عبيد: وجدنا الآثار عن رسول الله ﷺ والخلفاء بعده قد جاءت في افتتاح الأرض ثلاثة أحكام: أرض (سلم) (١) عليها أهلها فهي لهم ملك، وهي أرض عشر لا شيء عليهم فيها غيره، وأرض افتتحت صلحًا على خراج معلوم، فهم على ما صولحوا عليه لا يلزمهم أكثر منه، وأرض أخذت عنوة، وهي التي اختلف فيها المسلمون، فقال بعضهم: سبيلهم سبيل الغنيمة فيكون أربعة أخماسها حصصًا بين الذين افتتحوها خاصة، والخمس الباقي لمن سمى الله (٢). قَالَ ابن المنذر: وهذا قول الشافعي وأبي ثور، وبه أشار الزبير بن العوام على عمرو بن العاص حين افتتح مصر. قَالَ أبو عبيد: وقال بعضهم: بل حكمها والنظر فيها إلى الإمام إن رأى أن يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها كما فعل رسول الله ﷺ ، فذلك له، وإن رأى أن يجعلها موقوفة على المسلمين ما بقوا، كما فعل عمر ﵁ في السواد، فذلك له (٣)، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه والثوري فيما حكاه الطحاوي (٤). وشذ مالك في "المدونة" في حكم أرض العنوة وقال: يجتهد فيها الإمام (٥) وقال في "العتبية" و"الموازية": العمل في أرض

стр. 10939

العنوة على فعل عمر ألا يقسم ويقر بحالها، وقد ألح بلال وأصحاب له على عمر في قسم الأرض بالشام، فقال: [اللَّهُمَّ] اكفنيهم. فما أتى الحول وبقي منهم أحد. قال مالك: ومن أسلم من أهل العنوة فلا تكون له أرضه ولا داره، وأما من صالح على أرضه، ومنع أهل الإسلام من الدخول عليهم إلا بعد الصلح فإن الأرض لهم، وإن أسلموا فهي لهم أيضًا، ويسقط عنهم خراج أرضهم وحماحمهم. قَالَ ابن حبيب: من أسلم من أهل العنوة أحرز نفسه وماله، وأما الأرض فللمسلمين وماله وكل ما كسب له؛ لأن من أسلم على شيء في يده كان له. والحجة لقول الشافعي أن الأرض تقسم الاتباع في خيبر، وتأول قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] فدخل في هذا العموم الأرض وغيرها فوجب قسمتها. قَالَ ابن المنذر: وذهب الشافعي إلى أن عمر استطاب أنفس الذين افتتحوا الأرض، وأنكر أبو عبيد أن يكون استطاب أنفسهم، وذهب الكوفيون إلى أن عمر حدث عن رسول الله ﷺ أنه قسم خيبر، وقال: لولا آخر الناس لفعلت ذَلِكَ، فقد بين أن الحكمين جميعًا إليه، لولا ذَلِكَ ما تعدى سنة رسول الله إلى غيرها وهو يعرفها (١). ومن الحجة في ذَلِكَ كما قَالَ الطحاوي ما رواه ابن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر قَالَ: أفاء الله خيبر فأقرهم على ما كانوا وجعلها بينه وبينهم وبعث ابن رواحة يخرصها عليهم، فثبت أنه ﷺ لم يكن قسم خيبر

стр. 10940

بكمالها، ولكنه قسم منها طائفة على ما ذكره عمر، وترك منها طائفة لم يقسمها على ما روى جابر، وهي التي خرصها عليهم، والذي كان قسم فيها هو الشق والنطاق وترك سائرها، فعلمنا أنه قسم منها وترك، وللإمام أن يفعل من ذَلِكَ ما رآه صلاحًا (١). واحتج عمر في ترك قسمة الأرض بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٧ - ١٠] الآية. وقال عمر: هذِه الآية قد استوعبت الناس كلهم، فلم يبق أحد إلا وله في هذا المال حق حتى الراعي بعدي. قَالَ أبو عبيد: وإلى هذِه الآية ذهب على ومعاذ، وأشار على عمر بإقرار الأرض لمن يأتي بعد (٢). قَالَ إسماعيل: فكان الحكم بهذِه الآية في الأرض أن تكون موقوفة كما تكون الأوقاف التي يقفها الناس أصلها محبوس ويقسم ما خرج منها، فكان معنى قول عمر: لولا الحكم الذي أنزل الله في القرآن لقسمت الأصول. وهذا لا يشكل على ذي نظر، وعليه جرى المسلمون، ورأوه صوابًا. قَالَ إسماعيل: والذين قاتلوا حَتَّى غنموا لم يكن لهم في الأصل أن يعطوا ذَلِكَ؛ لأنهم إنما قاتلوا الله لا للمغنم، ولو قاتلوا للمغنم لم يكونوا مجاهدين في سبيل الله تعالى. قَالَ عمر: إن الرجل يقاتل للمغنم ويقاتل ليرى مكانه، وإنما المجاهد من قَاتل لتكون كلمة الله هي العليا. فلما كان أصل الجهاد أن يكون خالصًا لله، وكان عطاؤهم ما أعطوا من المغانم إنما هو

стр. 10941

بفضل من الله على هذِه الأمة، أعطوا ذَلِكَ في وقت ومنعوه في وقت، فأعطوا من المغانم ما ليس له أصل يبقى، فاشترك فيه المسلمون كلهم، ومنعوا الأصل الذي يبقى، فلم يكن في ذَلِكَ ظلم لهم؛ لأن ثواب الله الذي قصدوه جار لهم في كل شيء ينتفع به من الأصول التي افتتحوها مادامت وبقيت. وحكى الطحاوي عن الكوفيين: أن الإمام إذا أقرهم أرض العنوة أنها ملك لهم يجري عليهم فيها الخراج إلى الأبد أسلموا أو لم يسلموا، وإنما حملهم على هذا التأويل أنهم قالوا: إن عمر جعل على جريب التمر في أرض السواد بالعراق شيئًا معلومًا في كل عام، فلو لم تكن لهم الأرض لكان بيع التمر قبل أن يظهر (١). قَالَ أبو جعفر الداودي: ولا أعلم أحدًا من الصحابة يقول بقول أهل الكوفة. واحتج من خالفهم بأن الأرض كلها كانت لا شجر فيها، فإنما اعتبر ما يصلح أن يزرع فيه البر جعل عليه بقدر ذَلِكَ، وإن اكترى ما يصلح أن يزرع الشعير جعل عليه بقدر ذَلِكَ، ومن اكترى ما يصلح أن يجعل فيه الشجر جعل عليه بقدر ذَلِكَ، على أن الشجر كانت في الأرض يومئذ. قال ابن بطال: وقول الكوفيين مخالف للكتاب والسنة؛ لأن الله تعالى أحل الغنائم للمسلمين، فإذا افتتحت الأرض فاسم الغنيمة واقع عليها، كما يقع على المال، سواء كان رأي الإمام إبقاء الأرض لمن يأتي بعد، فإنما يبقيها ملكًا للمسلمين من أجل أنها غنيمة كما فعل عمر، فمن زعم أن الأرض تبقى ملكًا للمشركين فهو مضاد لحكم الله ورسوله، فلا وجه لقوله، وروى الليث عن يونس عن ابن شهاب أن

стр. 10942

رسول الله ﷺ افتتح خيبر عنوة بعد القتال، وكانت مما أفاء الله على رسوله فخمسها وقسمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله ﷺ فقال: "إن شئتم دفعت إليكم هذِه الأموال على أن تعملوها ويكون ثمرها بيننا وبينكم، وأقركم ما أقركم الله" فقبلوا الأموال على ذلك. وروى يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أنه ﷺ لما قسم خيبر عزل نصفها لنوائبه وما ينزل به، وقسم النصف الباقي بين المسلمين (١)، فلما صار ذَلِكَ في يد رسول الله ﷺ لم يكن له من العمال ما يكفونه عملها، فدفعها إلى اليهود ليعملوها على نصف ما يخرج منها، فلم يزل الأمر على ذَلِكَ حياة رسول الله ﷺ وحياة أبي بكر، حَتَّى كان عمر وكثر العمال في أيدي المسلمين، وقووا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود إلى الشام، وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم (٢)، فهذا كله يرد قول الكوفيين، وتبين أنهم إنما أبقوا في الأرض عمالًا للمسلمين فقط، فلما أغنى الله عنهم أخرجوا منها (٣). فصل: أربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الوقعة من البالغين المسلمين الأحرار، واختلف في من أطاق القتال من الصبيان، فقال مالك: يسهم له. ومنعه الشافعي وأبو حنيفة وسحنون. وقالوا: يرضخ له فقط. وتأوله

стр. 10943

بعضهم على "المدونة". وقال ابن حبيب: من بلغ خمس عشرة سنة وأثبت وأطاق القتل أسهم له إذا حضر، ومن كان دون ذَلِكَ لم يسهم له حَتَّى يقاتل. واختلف في المرأة إذا قاتلت كالرجل، فجمهور المالكية لا يسهم لها، خلافًا لابن حبيب، وعندنا: يرضخ لها فقط. وكذا العبد، وكذا الذمي إذا حضر بلا أجرة وبإذن الإمام، وقد أسلفنا الخلاف عندنا في الأجير، والأظهر أنه يسهم له إذا قاتل، والخلاف عند المالكية أيضًا، وحاصلهم عندهم ثلاثة أقوال: إن قاتل فقولان، وقيل: يسهم له إذا حضر وإن لم يقاتل. فصل: قيل: أخذت خيبر كلها عنوة وقسم الشارع جميعها، وهو ظاهر قول عمر ﵁ في الباب، وقيل: قسم نصفها وأبقى نصفها لنوائبه. وقال مالك: كان بعضها عنوة وبعضها صلحا، وقسم الشارع العنوة وأبقى الصلح لنوائبه. فصل: حاصل ما للعلماء في قسمة الأرض تردد عن مالك، وقال أبو عبيد: الإمام غير (١). وأنكره إسماعيل وقال: كيف يخير الإمام في الأحكام؟ قَالَ الداودي: ولا يلزمه قول إسماعيل؛ لأن من قول مالك وكثير من العلماء وإسماعيل أن الإمام يصرف الخمس على ما يرى، فإذا كان له الخيار فيه فالفيء كذلك، غير أن قول أبي عبيد لا يصح لوجه غير هذا؛ لأن الآيات التي في سورة الحشر معناها غير ما ذهب إليه، قَالَ

стр. 10944

تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلى ﴿الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٧ - ٨] فهؤلاء الخمس المذكورون في الخمس في الأنفال، ثم قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ١٠] فابتدأ الكلام بوصفهم، وأتى بالخبر وليس هو معطوفًا على ما قبله وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، ابتدأ الكلام بوصفهم وأتى بالجواب بكل آية على حالها غير معطوفة على ما قبلها. فصل: حاصل ما قيل في المعنى الذي أبقى به عمر الأرض إما لأنه استطاب أنفس من حضر، أو تأول قوله: ﴿مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية، ثم قَالَ: وما هو لهؤلاء وحدهم، ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ إلى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ ثم قَالَ: وما هي لهؤلاء ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى ﴿رَحِيمٌ﴾ وقال: ما بقي أحد من المسلمين إلا دخل في ذلِكَ، ورأى أن هذِه الآيات ناسخة لقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية. وقد خالف الزبير وبلال عمر فيما ذهب إليه عمر، وألحا عليه في قسم بعض ما فتح -كما سلف- فأبي عليهما، وما كان هذا سبيله لم ينسخ به ما كان مفسرًا قد عمل به رسول الله ﷺ ، وإنما ذهب إسماعيل إلى أن آيات الحشر ناسخات لآية الأنفال. واختلف فيما أبقاه عمر وغيره من الأئمة من الأرض، فقال مالك وأكثر العلماء: إنه موقوف لنوائب الإسلام يجري فيه الخراج ولا يباع. وقال بعض الكوفيين: حين أبقى الأرض بأيديهم صارت ملكًا لهم، وصار عليهم وعلى الأرض خراج معلوم.

стр. 10945

١٠ - باب مَنْ قَاتَلَ لِمَغْنَمِ هَلْ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ ؟ ٣١٢٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ﵁ قَالَ: قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ : الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، مَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ اللهِ». [انظر: ١٢٣ - مسلم: ١٩٠٤ - فتح ٦/ ٢٢٦] ذكر فيه حديث أبي موسى الأشعري: قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ : الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرى مَكَانُهُ، مَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ اللهِ". هذا الحديث سلف في العلم في باب: من رفع رأسه قائمًا، والجهاد في باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا (١). قَالَ المهلب: من قاتل في سبيل الله ونوى بعد إعلاء كلمة الله ما شاء فهو في سبيل الله، والله أعلم بمواقع أجورهم، ولا يصلح لمسلم أن يقاتل إلا ونيته مبنية على الغضب لله والرغبة في إعلاء كلمته. ويدل على ذَلِكَ أنه قد يقاتل من لا يرجو أن يسلبه من عريان ولا شيء معه، فيغرر بمهجته مستلذًّا لذلك، ولو أعطي ملء الأرض على أن يغرر بمهجته في غير سبيل الله ما غرر، ولكن سهل عليه ركوب ذَلِكَ استلذاذًا بإعلاء كلمة الله ونكاية عدوه والغضب لدينه. وقد أسلفنا في الأعمال بالنيات في الإيمان أن ما كان ابتداؤه لله من الأعمال لم يضره بعد ذَلِكَ ما عرض في نفسه وخطر بقلبه من حديث النفس ووسواس من الشيطان، ولا يزيله عن حكمه إعجاب المرء

стр. 10946

اطلاع العباد عليه بعد مضيه على ما ندبه الله إليه ولا سروره بذلك، وإنما المكروه أن يبتدئه بنية غير مخلصة لله، فذلك الذي يستحق عامله عليه العقاب (١).

стр. 10947

١١ - باب قِسْمَةِ الإِمَامِ مَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ، وَيَخبَأُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَوْ غَابَ عَنْهُ ٣١٢٧ - ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُهْدِيَتْ لَهُ أَقْبِيَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَجَاءَ وَمَعَهُ ابْنُهُ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَقَامَ عَلَى البَابِ فَقَالَ: ادْعُهُ لِي. فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ فَأَخَذَ قَبَاءً فَتَلَقَّاهُ بِهِ وَاسْتَقْبَلَهُ بِأَزْرَارِهِ فَقَالَ: «يَا أَبَا الْمِسْوَرِ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، يَا أَبَا المِسْوَرِ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ». وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ. قَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ المِسْوَرِ قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ. تَابَعَهُ اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ. [انظر: ٢٥٩٩ - فتح ٦/ ٢٢٦] ذكر فيه حديث عبد الله ابن أبي مليكة وقوله: "يَا أَبَا المِسْوَرِ (خبأنا) (١) لك هذا". وقد سلف في الشهادات في آخر باب: شهادة الأعمى (٢)، ورواه ابن علية، عن أيوب، عن أبي عبد الرحمن، وقال حاتم بن وردان: ثَنَا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن المسور: قدمت على النبي ﷺ أقبية، وهذا أسنده هناك تابعه الليث، عن ابن أبي ملكية؛ وهذِه المتابعة أسندها في الهبة (٣)، وهو حديث خرجه مسلم والأربعة (٤)،

стр. 10948

ورواه الإسماعيلي من حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة (١) أن مخرمة أتى رسول الله ﷺ . فذكره. وهو ممكن ولا شك في حل ما أهدى له ﷺ ؛ لأنه مخصوص مما أفاء الله عليه من غير قتال من أموال الكفار ويكون له دون سائر الناس، وله أن يؤثر به من شاء، ويمنع منه من شاء كما يفعل بالفيء، وكذلك خبأ القباء لمخرمة، ومن بعده من الخلفاء بخلافه في ذَلِكَ لا يكون له خاصة دون المسلمين؛ لأنه إنما أهدى إليه لأنه أميرهم، وقد سلف ذَلِكَ في الهبات واضحًا في هدايا المشركين. وفيه: ما كان عليه ﷺ من كرم الخلق ولين الكلمة والتواضع، ألا ترى أنه أستقبل مخرمة بأزرار القباء، وكناه مرتين، وألطف له في القول، وأراه إيثاره له واعتناءه به في مغيبه لقوله: "خبأت هذا لك" لما علم من شدة خلقه، فترضاه بذلك، فينبغي الاقتداء به.

стр. 10949

١٢ - باب كَيْفَ قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيَر؟ وَمَا أَعْطَى مِنْ ذَلِكَ فِي نَوَائِبِهِ ؟. ٣١٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ. [انظر: ٢٦٣٠ - مسلم: ١٧٧١ - فتح ٦/ ٢٢٧] ذكر فيه حديث أنس ﵁: كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضيرَ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وذكره البخاري في غزوة الأحزاب بزيادة: وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله الذي كانوا أعطوه أو بعضه، وكان النبي ﷺ أعطاه أم أيمن، فجعلت الثوب في عنقي، تقول: كلا والله الذي لا إله إلا هو لا نعطيكم والنبي ﷺ يقول: "لك كذا" وتقول: (كلا. أعطاها) (٢). حسبت أنه قَالَ عشر أمثالها أو كما قَالَ (٣). ومعنى: (كان الرجل يجعل للنبي ﷺ النخلات) يريد -والله أعلم- أن الأنصار كان الرجل منهم يعطي رسول الله ﷺ النخلة والرجل النخلتين والرجل الثلاث، كل واحد على قدر جدته وطيب نفسه؛ مواساة لرسول الله ﷺ ومشاركة له لقوته، وهذا من باب الهدية لا من باب الصدقة؛ لأنها محرمة عليهم. وأما سائر المهاجرين فكانوا قد نزل كل واحد منهم على رجل من

стр. 10950

الأنصار فواساه وقاسمه، فكانوا كذلك إلى أن فتح الله الفتوح على رسوله، فرد عليهم ثمارهم، فأول ذَلِكَ النضير كانت مما أفاء الله عليه مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وانجلى عنها أهلها بالرعب، فكانت خالصة لرسول الله ﷺ دون سائر الناس، وأنزل الله فيهم: ﴿مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [الحشر: ٦]. فحبس منها رسول الله لنوائبه وما يغزوه، وقسم أكثرها في المهاجرين خاصة دون الأنصار، وذلك أن رسول الله ﷺ قَالَ للأنصار: "إن شئتم قسمت أموال بني النضير بينكم وبينهم وأقمتم على مواساتهم في ثماركم، وإن شئتم أعطيتها المهاجرين دونكم وقطعتم عنهم ما كنتم تعطونهم من ثماركم " قالوا: بل تعطيهم دوننا ونقيم على مواساتهم. فأعطى رسول الله ﷺ المهاجرين دونهم، فاستغنى القوم جميعًا، استغنى المهاجرون مما أخذوا واستغنى الأنصار مما رجع إليهم من ثمارهم. وكانت أم أنس أعطت رسول الله ﷺ عذاقًا، وفي مسلم: نخلة، فتصرف في ثمارها بنفسه وعياله وضيفه، فلهذا آثر بها أم أيمن، ولو كانت إباحة لما أباحها لغيره؛ لأن المباح له بنفسه لا يباح له أن يبيح ذَلِكَ الشيء لغيره، بخلاف الموهوب له نفس رقبة الشيء فإنه يتصرف فيه كيف شاء، وامتنعت أم أيمن من رد المنيحة؛ لأنها ظنت أنها كانت هبة وتمليكًا لأصل الرقبة، فأراد ﷺ استطابة قلبها بالزيادة؛ تبرعًا منه وإكرامًا لها لما لها من حق الحضانة. وأما قريظة فإنها نقضت العهد بينها وبين رسول الله ﷺ وتحزبت مع الأحزاب، وكانوا كما قَالَ الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] قريظة، ولم يكن بينهم وبين رسول الله ﷺ خندق ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] الأحزاب، فأرسل الله نصره وأرسل الريح على

стр. 10951

الأحزاب فلم تدع بناء إلا قلعته ولا آناء إلا قلبته، فانصرفوا خائبين، كما قَالَ تعالى: ﴿وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٥]. فلما انصرف رسول الله ﷺ من الأحزاب ساروا إلى قريظة، فحاصرهم حَتَّى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بأن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية، فقسمها الشارع في أصحابه وأعطى من نصيبه في نوائبه، وزعموا كما قَالَ إسماعيل بن إسحاق: إن هذِه الغنيمة أول غنيمة قسمت على السهام، وجعل للفرس ولصاحبه ثلاثة أسهم وللرجل سهم.

стр. 10952

١٣ - باب بَرَكَةِ الغَازِي فِي مَالِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَوُلَاةِ الأَمْرِ ٣١٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: أَحَدَّثَكُمْ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الجَمَلِ دَعَانِي، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ: يَا بُنَيِّ، إِنَّهُ لَا يُقْتَلُ اليَوْمَ إِلاَّ ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي لَا أُرَانِي إِلاَّ سَأُقْتَلُ اليَوْمَ مَظْلُومًا، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتُرَى يُبْقِى دَيْنُنَا مِنْ مَالِنَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: يَا بُنَيِّ، بِعْ مَالَنَا فَاقْضِ دَيْنِي. وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ، وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ -يَعْنِي: عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: ثُلُثُ الثُّلُثِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا فَضْلٌ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَثُلُثُهُ لِوَلَدِكَ. قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللهِ قَدْ وَازَى بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ -خُبَيْبٌ وَعَبَّادٌ- وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنِينَ وَتِسْعُ بَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيِّ، إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيءٍ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ. قَالَ: فَوَاللهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَتِ مَنْ مَوْلَاكَ قَالَ: الله. قَالَ: فَوَاللهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلاَّ قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ، اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ. فَيَقْضِيهِ، فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ ﵁ وَلَمْ يَدَعْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِلاَّ أَرَضِينَ مِنْهَا الغَابَةُ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ، وَدَارَيْنِ بِالْبَصْرَةِ، وَدَارًا بِالْكُوفَةِ، وَدَارًا بِمِصْرَ. قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الذِي عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بِالْمَالِ فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهُ فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لَا وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ، وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ وَلَا جِبَايَةَ خَرَاجٍ وَلَا شَيْئًا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَحَسَبْتُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ. قَالَ: فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، كَمْ عَلَى أَخِي مِنَ الدَّيْنِ فَكَتَمَهُ. فَقَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ. فَقَالَ حَكِيمٌ: وَاللهِ مَا أُرَى أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ لِهَذِهِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: أَفَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ؟ قَالَ: مَا أُرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي. قَالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ اشْتَرَى الغَابَةَ

стр. 10953

بِسَبْعِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللهِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ حَقٌّ فَلْيُوَافِنَا بِالْغَابَةِ، فَأَتَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ فَقَالَ لِعَبْدِ اللهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا. قَالَ: فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا. قَالَ: قَالَ: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَكَ مِنْ هَا هُنَا إِلَى هَا هُنَا. قَالَ: فَبَاعَ مِنْهَا فَقَضَى دَيْنَهُ فَأَوْفَاهُ، وَبَقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ، فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوِّمَتِ الْغَابَةُ قَالَ: كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ: كَمْ بَقِيَ قَالَ: أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ. قَالَ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَقَالَ ابْنُ زَمْعَةَ قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَمْ بَقِيَ فَقَالَ: سَهْمٌ وَنِصْفٌ. قَالَ: أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ: وَبَاعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثَنَا. قَالَ: لَا، وَاللهِ لَا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَادِىَ بِالْمَوْسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ: أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ كَلَّ سَنَةٍ يُنَادِى بِالْمَوْسِمِ، فَلَمَّا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ: قَسَمَ بَيْنَهُمْ قَالَ: فَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَرَفَعَ الثُّلُثَ، فَأَصَابَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ. [فتح ٦/ ٢٢٧] ذكر فيه حديث عبد الله بن الزبير: قَالَ: لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الجَمَلِ دَعَانِي، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيِّ، إِنَّهُ لَا يُقْتَلُ اليَوْمَ إِلَّا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي لَا أُرَانِي إِلَّا سَأُقْتَلُ اليَوْمَ مَظْلُومًا، وَإِنَّ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتُرى دَيْنُنَا يُبْقِي مِنْ مَالِنَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: يَا بُنَي، بعْ مَالَنَا واقْضِ دَيْنِي. وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ، وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ -يَعْنِي: عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ- يَقُولُ ثُلُثُ الثُّلُثِ، فَإِنْ فَضلَ مِنْ مَالِنَا فَضْلٌ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَثُلُثُهُ لِوَلَدِكَ. قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللهِ قَدْ وَازى بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ -

стр. 10954

خُبَيْبٌ وَعَبَّادٌ- وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنِينَ وَتِسْعُ بَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنيِّ، إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ. قَالَ: فَوَاللهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَةِ مَنْ مَوْلَاكَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَوَاللهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ، اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضيهِ، فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ ﵁ وَلَمْ يَدَعْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِلَّا أَرَضِينَ مِنْهَا الغَابَةُ، وَإِحْدَ عَشْرَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ، وَدَارَيْنِ بالْبَصْرَةِ، وَدَارًا بالْكُوفَةِ، وَدَارًا بِمِصْرَ. قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الذِي عَلَيْهِ أنَّ الرَّجُلَ كَانَ يًاجتِيهِ بِالْمَالِ فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهُ، فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لَا، وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ، وَلَا جِبَايَةَ خَرَاجٍ وَلَا شَيْئًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أوْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَحَسَبْتُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ أَلْفَى أَلْفٍ وَمِائَتَى أَلْفٍ. قَالَ: فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَا ابن أَخِي، كَمْ عَلَى أَخِي مِنَ الدَّيْنِ؟ فَكتَمَهُ، فَقَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ. فَقَالَ حَكِيمٌ: والله مَا أُرى أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ لهذِه. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: أَفَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ؟ فقَالَ: مَا أُرَاكُمْ تُطِيقُونَ هذا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شيءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي. قَالَ: وَكَانَ الزبَيْرُ اشْتَرى الغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللهِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ حَقٌّ فَلْيُوَافِنَا بِالْغَابَةِ. فَأَتى عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ. فقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا. قَالَ: فإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا. قَالَ: فإن شئتم: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَكَ مِنْ هَا هُنَا إِلَى هَا هُنَا. قَالَ: فَبَاعَ مِنْهَا فَقَضَى دَيْنَهُ فَأَوْفَاهُ، وَبَقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ،

стр. 10955

فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوِّمَتِ الغَابَةُ؟ قَالَ: كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ: كَمْ بَقِيَ؟ قَالَ: أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ. قَالَ المُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ ابن زَمْعَةَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَمْ بَقِيَ؟ فَقَالَ: سَهْمٌ وَنِصْفٌ. قَالَ: قد أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ: وَبَاعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، قال فَلَمَّا فَرَغَ ابن الزُّبَيْرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثَنَا. قَالَ: لَا، والله لَا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَادِيَ بِالْمَوْسمِ أَرْبَعَ سِنِينَ: أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ دَيْن فَلْيَاتِنَا فَلْنَقْضِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ كَلَّ سَنَةٍ يُنَادِي بِالْمَوْسِمِ، فَلَمَّا مَضى أَرْبَعُ سِنِينَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ، قَالَ: فَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَرَفَعَ الثُّلُثَ، فَأَصَابت كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ. الشرح: هذا الحديث من أفراد البخاري، وذكره أصحاب الأطراف في مسند الزبير، والأشبه أن يكون من مسند ابنه؛ لأن أكثره من كلامه، ولقوله: (وما ولي إمارة قط إلا أن يكون في غزوة مع رسول الله ﷺ ) وهذِه اللفظة فيها معنى الرفع. وعند الإسماعيلي عن جويرية: ثَنَا أبو أسامة، ثَنَا هشام، عن أبيه، عن عبد الله. والبخاري قَالَ: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم: قلتُ لأبي أسامة: حدثكم هشام، عن أبيه، عن عبد الله به. وذكر الترمذي محسنًا عن عروة قَالَ: أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحة الجمل

стр. 10956

فقال: ما مني عضو إلا وقد جرح مع رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى فرجه (١)، ورواه ابن سعد في "طبقاته"، في قتل الزبير ووصيته بدينه وثلث ماله، عن أبي أسامة حمَّاد بن أسامة بنحو حديث البخاري وطوله، غير أنه خالفه في موضع واحد، وهو قوله: أصاب كل امرأة من نسائه، ألف ألف ومائة ألف (٢)، لا كما في البخاري: مائتا ألف، وعلى هاتين الروايتين لا تصح قسمة خمسين ألف ألف، ومائتا ألف، على دينه ووصيته وورثته، وإنما تصح قسمتها أن لو كان لكل امرأة ألف ألف فيكون الثُّمُن أربعة آلاف ألف، فتصح قسمة الورثة من اثنين وثلاثين ألف ألف، ثم يضاف إليها الثلث ستة عشر ألف ألف فتصير الجملتان ثمانية وأربعين ألف ألف، ثم يضاف إليها الدَّيْن ألفا ألف ومائتا ألف، فصارت الجمل كلها خمسين ألف ألف ومائتي ألف، ومنها تصح. ورواية ابن سعد تصح من خمسة وخمسين ألف ألف، ورواية البخاري تصح من تسعة وخمسين ألف ألف، وثمانمائة ألف، فيجوز أن يكون المراد بقوله: وجميع ماله خمسون ألف ألف، ومائتا ألف قيمة تركته عند موته، لا ما زاد عليها بعد موته من غلة الأرضين والدور في مدة أربع سنين قبل قسمة التركة، ويدل عليه ما روى الواقدي عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن هشام عن أبيه قال: كان قيمة ما ترك الزبير، أحدًا وخمسين أو اثنين وخمسين ألف ألف. وروى ابن سعد، عن القعنبي، عن ابن عيينة قال: قسم ميراث الزبير على أربعين ألف ألف (٣)، وذكر الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن

стр. 10957

ثابت بن عبد الله بن الزبير في بني عدي عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل زوج الزبير، وأن عبد الله بن الزبير أرسل إليها بثمانين ألف درهم، فقبضتها وصالحت عليها، قال الدمياطي: وبين قول الزبير بن بكار هذا، وقول غيره بنون بعيد، والعجب من الزبير مع تتبعه هذا العلم وتنفيره عنه، كيف خفي عليه توريث آبائه وأخواله تركاتهم. وقال ابن بطال أيضًا: قوله: فجميع ماله خمسون ألف ومائة ألف ألف غلط في الحساب، والصحيح فجميع ماله سبعة وخمسون ألف ألف، وتسعمائة ألف (١)، وكذا قال ابن التين: هذا حساب فيه غلط، والصحيح أنه إذا خرج الثلث للوصية، وأصاب كلّ امرأة ألف ألف ومائتي ألف فيكون جميع المال على الحقيقة سبعة وخمسين ألف ألف وستمائة ألف، فأسقط من المال البخاري سبعة آلاف ألف وأربعمائة ألف، وقال ابن المنير: وهما جميعًا، ولم يبين صوابه (٢). فائدة أخرى: ذكر الزبير أيضًا أن الزبير قتل وهو ابن سبع أو ست وستين وأنه كان أبيض، أشعر الكتفين، خفيف العارضين طويلًا تخط رجلاه الأرض إذا ركب الدابة، وذكر أيضًا بسنده قال: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الضريبة، لا يدخل بيت ماله منها درهمًا، يقول: يتصدق به، وقال أيضًا: باع الزبير دارًا له بستمائة ألف فجعلها في سبيل الله، وكانت الصحابة يوصون إليه فأوصى إليه عثمان بصدقته حتى يدرك عمرو بن عثمان، وأوصى إليه عبد الرحمن بن عوف، والمطيع بن الأسود، والمقداد بن عمرو، وعبد الله بن الزبير،

стр. 10958

وأوصى إليه أبو العاص بن الربيع بابنته أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ فزوجها الزبير علي بن أبي طالب. وقال له ابن مسعود: أنت من وصيتي في حلٍّ وبلٍّ، في أديم طابع، ولم يهاجر أحد معه إلاَّ أمه الزبير بن العوام، ونزلت الملائكة يوم بدر على سيما الزبير طيرًا بيضاء، عليهم عمائم صفر، وكان على الزبير يومئذٍ عمامة صفراء. فصل: (فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين والوصية؛ فثلثه لولدك)، يعني: ثلث ذلك الفضل الذي أوصى به إلى المساكين من الثلث لبنيه، قاله ابن بطال (١). وقوله: (فثلثه لولدك)، هو بالتشديد لتصح إضافته إلى ولده، أي: ليكون التثليث وصله إلى اتصال ثلث الثلث إليهم، حكاه الدمياطي عن بعض العلماء، ثم قال: وفيه نظر، وقال المهلب: قوله: ثلثه لبنيك يعني: ثلث الثلث الموصى به لحفدته، وهم بنو ابنه عبد الله. فصل: كان يوم الجمل عام ست وثلاثين، وقتل عثمان سنة خمس وثلاثين، فبويع لعلي، وكان أول من بايعه طلحة، فلما أحسّ بأصبع طلحة الخنصر الذي قطع يوم أحد قال: هذا الأمر لا يتم، ثم بايعه الزبير والناس، فاستأذنه طلحة والزبير في الخروج إلى مكة في عمرة، وكان موت عثمان في ذي الحجة بعد الأضحى فأذن لهما، ثم أتاه مروان فاستأذنه، فأذن له، وقال: أعلم بما يريدون، فكانت عائشة بمكة، فأتياها وقالا: إنا أكرهنا على البيعة، وأكرهنا مالك الأشتر النخعي،

стр. 10959

وسألاها الخروج إلى العراق ليستعان بهم أن يعود الأمر شورى، فلم يزالا بها، ولم يزل بها ابن الزبير عبد الله حتى خرجت معهم، فلما سمع ذلك علي خشي أن يأتيه أهل العراق فيُصنع به كما صُنع بعثمان، فقصد القوم إلى البصرة، وقصد علي الكوفة، فراسلهم ثم كان حرب يوم الجمل، فرمي طلحة بسهمٍ من ورائه من أهل عسكره، وانصرف الزبير قبل أن يبرد القتال نادمًا على ما وقع منه وقال: كنت لا أدري معنى قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] حتى وقعت فيها، فأنزله عمرو بن جرموز التيمي السعدي وذبح له شاة، فلما نام الزبير وثب عليه ابن جرموز (١) فقتله واحتزَّ رأسه وذهب إلى علي، فقيل لعلي: هذا ابن جرموز أتاك برأس الزبير، فقال: بشروا قاتل الزبير بالنار، وفي رواية: بشروا قاتل ابن صفية بالنار، وذكر ذلك عن رسول الله ﷺ فرمى عمرو بالرأس وهرب، وفيه تقول عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وكان الزبير خلف عليها بعد عمر: غدر ابن جرموز بفارس بهمة … يوم اللقاء وكان غير معرّد يا عمرو لو نبهته لوجدته … لا طائشًا رعش الجنان ولا اليد ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله … فيما مضى فيمن يروح وبغتدي كم غمرة قد خاضها لم يثنه عنها … إيرادك يا ابن قفع القردد

стр. 10960

والله ربك إن قتلت لمسلما … حلّت عليك عقوبة المتعمد (١) وكانت عائشة ﵂ (٢) على جمل يسمى عسكر، كان ليعلى (٣) بن مُنْيَة، أعطاها إياه، وكان اشتراه بمائتي دينار، فقامت عليه، وقصد أصحاب علي الجمل الذي هي عليه، فكان كل من أخذ بذمامه قتل ثم أخذه عبد الله بن الزبير فقالت: مَنْ هذا، قال: عبد الله، قالت: واثكل أسماء، فقاتله مالك بن عبد الله الأشتر النخعي فتجالد مع ابن الزبير حتى انقطعت أسيافهما وتعانقا، فجعل عبد الله يقول: اقتلوني ومالكًا، وجعل مالك يقول: اقتلوني وعبد الله، ولم يقدر لمالك أن يقول: اقتلوني وابن الزبير، ولا لابن الزبير أن يقول: والأشتر، ولو قال أحدهما لهجما عليهما الفريقان حتى يقتلا؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما أمسك القتال على حزبه فأنجيا جراحًا وعرقب الجمل، وبادر محمد بن أبي بكر فأنزل أخته وكان مع عليٍّ؛ لأنه ربيبه، فجهزها علي بأثني عشر ألف درهم وصرفها إلى المدينة. وكان عبد الله بن جعفر ولي اشتراء جهازها، فاشترى لها ثلاثمائة ألف
следующие страницы →