فقال: ما مني عضو إلا وقد جرح مع رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى فرجه (١)، ورواه ابن سعد في "طبقاته"، في قتل الزبير ووصيته بدينه وثلث ماله، عن أبي أسامة حمَّاد بن أسامة بنحو حديث البخاري وطوله، غير أنه خالفه في موضع واحد، وهو قوله: أصاب كل امرأة من نسائه، ألف ألف ومائة ألف (٢)، لا كما في البخاري: مائتا ألف، وعلى هاتين الروايتين لا تصح قسمة خمسين ألف ألف، ومائتا ألف، على دينه ووصيته وورثته، وإنما تصح قسمتها أن لو كان لكل امرأة ألف ألف فيكون الثُّمُن أربعة آلاف ألف، فتصح قسمة الورثة من اثنين وثلاثين ألف ألف، ثم يضاف إليها الثلث ستة عشر ألف ألف فتصير الجملتان ثمانية وأربعين ألف ألف، ثم يضاف إليها الدَّيْن ألفا ألف ومائتا ألف، فصارت الجمل كلها خمسين ألف ألف ومائتي ألف، ومنها تصح.
ورواية ابن سعد تصح من خمسة وخمسين ألف ألف، ورواية البخاري تصح من تسعة وخمسين ألف ألف، وثمانمائة ألف، فيجوز أن يكون المراد بقوله: وجميع ماله خمسون ألف ألف، ومائتا ألف قيمة تركته عند موته، لا ما زاد عليها بعد موته من غلة الأرضين والدور في مدة أربع سنين قبل قسمة التركة، ويدل عليه ما روى الواقدي عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن هشام عن أبيه قال: كان قيمة ما ترك الزبير، أحدًا وخمسين أو اثنين وخمسين ألف ألف.
وروى ابن سعد، عن القعنبي، عن ابن عيينة قال: قسم ميراث الزبير على أربعين ألف ألف (٣)، وذكر الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن
стр. 10957
ثابت بن عبد الله بن الزبير في بني عدي عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل زوج الزبير، وأن عبد الله بن الزبير أرسل إليها بثمانين ألف درهم، فقبضتها وصالحت عليها، قال الدمياطي: وبين قول الزبير بن بكار هذا، وقول غيره بنون بعيد، والعجب من الزبير مع تتبعه هذا العلم وتنفيره عنه، كيف خفي عليه توريث آبائه وأخواله تركاتهم.
وقال ابن بطال أيضًا: قوله: فجميع ماله خمسون ألف ومائة ألف ألف غلط في الحساب، والصحيح فجميع ماله سبعة وخمسون ألف ألف، وتسعمائة ألف (١)، وكذا قال ابن التين: هذا حساب فيه غلط، والصحيح أنه إذا خرج الثلث للوصية، وأصاب كلّ امرأة ألف ألف ومائتي ألف فيكون جميع المال على الحقيقة سبعة وخمسين ألف ألف وستمائة ألف، فأسقط من المال البخاري سبعة آلاف ألف وأربعمائة ألف، وقال ابن المنير: وهما جميعًا، ولم يبين صوابه (٢).
فائدة أخرى: ذكر الزبير أيضًا أن الزبير قتل وهو ابن سبع أو ست وستين وأنه كان أبيض، أشعر الكتفين، خفيف العارضين طويلًا تخط رجلاه الأرض إذا ركب الدابة، وذكر أيضًا بسنده قال: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الضريبة، لا يدخل بيت ماله منها درهمًا، يقول: يتصدق به، وقال أيضًا: باع الزبير دارًا له بستمائة ألف فجعلها في سبيل الله، وكانت الصحابة يوصون إليه فأوصى إليه عثمان بصدقته حتى يدرك عمرو بن عثمان، وأوصى إليه عبد الرحمن بن عوف، والمطيع بن الأسود، والمقداد بن عمرو، وعبد الله بن الزبير،
стр. 10958
وأوصى إليه أبو العاص بن الربيع بابنته أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ فزوجها الزبير علي بن أبي طالب. وقال له ابن مسعود: أنت من وصيتي في حلٍّ وبلٍّ، في أديم طابع، ولم يهاجر أحد معه إلاَّ أمه الزبير بن العوام، ونزلت الملائكة يوم بدر على سيما الزبير طيرًا بيضاء، عليهم عمائم صفر، وكان على الزبير يومئذٍ عمامة صفراء.
فصل:
(فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين والوصية؛ فثلثه لولدك)، يعني: ثلث ذلك الفضل الذي أوصى به إلى المساكين من الثلث لبنيه، قاله ابن بطال (١).
وقوله: (فثلثه لولدك)، هو بالتشديد لتصح إضافته إلى ولده، أي: ليكون التثليث وصله إلى اتصال ثلث الثلث إليهم، حكاه الدمياطي عن بعض العلماء، ثم قال: وفيه نظر، وقال المهلب: قوله: ثلثه لبنيك يعني: ثلث الثلث الموصى به لحفدته، وهم بنو ابنه عبد الله.
فصل:
كان يوم الجمل عام ست وثلاثين، وقتل عثمان سنة خمس وثلاثين، فبويع لعلي، وكان أول من بايعه طلحة، فلما أحسّ بأصبع طلحة الخنصر الذي قطع يوم أحد قال: هذا الأمر لا يتم، ثم بايعه الزبير والناس، فاستأذنه طلحة والزبير في الخروج إلى مكة في عمرة، وكان موت عثمان في ذي الحجة بعد الأضحى فأذن لهما، ثم أتاه مروان فاستأذنه، فأذن له، وقال: أعلم بما يريدون، فكانت عائشة بمكة، فأتياها وقالا: إنا أكرهنا على البيعة، وأكرهنا مالك الأشتر النخعي،
стр. 10959
وسألاها الخروج إلى العراق ليستعان بهم أن يعود الأمر شورى، فلم يزالا بها، ولم يزل بها ابن الزبير عبد الله حتى خرجت معهم، فلما سمع ذلك علي خشي أن يأتيه أهل العراق فيُصنع به كما صُنع بعثمان، فقصد القوم إلى البصرة، وقصد علي الكوفة، فراسلهم ثم كان حرب يوم الجمل، فرمي طلحة بسهمٍ من ورائه من أهل عسكره، وانصرف الزبير قبل أن يبرد القتال نادمًا على ما وقع منه وقال: كنت لا أدري معنى قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] حتى وقعت فيها، فأنزله عمرو بن جرموز التيمي السعدي وذبح له شاة، فلما نام الزبير وثب عليه ابن جرموز (١) فقتله واحتزَّ رأسه وذهب إلى علي، فقيل لعلي: هذا ابن جرموز أتاك برأس الزبير، فقال: بشروا قاتل الزبير بالنار، وفي رواية: بشروا قاتل ابن صفية بالنار، وذكر ذلك عن رسول الله ﷺ فرمى عمرو بالرأس وهرب، وفيه تقول عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وكان الزبير خلف عليها بعد عمر:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة … يوم اللقاء وكان غير معرّد
يا عمرو لو نبهته لوجدته … لا طائشًا رعش الجنان ولا اليد
ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله … فيما مضى فيمن يروح وبغتدي
كم غمرة قد خاضها لم يثنه عنها … إيرادك يا ابن قفع القردد
стр. 10960
والله ربك إن قتلت لمسلما … حلّت عليك عقوبة المتعمد (١)
وكانت عائشة ﵂ (٢) على جمل يسمى عسكر، كان ليعلى (٣) بن مُنْيَة، أعطاها إياه، وكان اشتراه بمائتي دينار، فقامت عليه، وقصد أصحاب علي الجمل الذي هي عليه، فكان كل من أخذ بذمامه قتل ثم أخذه عبد الله بن الزبير فقالت: مَنْ هذا، قال: عبد الله، قالت: واثكل أسماء، فقاتله مالك بن عبد الله الأشتر النخعي فتجالد مع ابن الزبير حتى انقطعت أسيافهما وتعانقا، فجعل عبد الله يقول: اقتلوني ومالكًا، وجعل مالك يقول: اقتلوني وعبد الله، ولم يقدر لمالك أن يقول: اقتلوني وابن الزبير، ولا لابن الزبير أن يقول: والأشتر، ولو قال أحدهما لهجما عليهما الفريقان حتى يقتلا؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما أمسك القتال على حزبه فأنجيا جراحًا وعرقب الجمل، وبادر محمد بن أبي بكر فأنزل أخته وكان مع عليٍّ؛ لأنه ربيبه، فجهزها علي بأثني عشر ألف درهم وصرفها إلى المدينة. وكان عبد الله بن جعفر ولي اشتراء جهازها، فاشترى لها ثلاثمائة ألف
стр. 10961
درهم، قال له علي: خذ لها من ييت المال اثني عشر ألفًا، ولولا أن عمر أعطاها إياها ما أعطيتها إياها، واحمل أنت ما بقي فانقضى أمر الجمل، وعاد الأمر بين علي ومعاوية، ثم خرجت الخوارج على علي، فقتلهم يوم النهروان، ثم طبقه عبد الرحمن بن ملجم، فقتله.
فصل:
أنكر قوم وقعة الجمل، قال القاضي عياض في "الشفا": فأما من أنكر ما عرف بالتواتر من الأخبار والسير والبلاد، التي لا يرجع إلى إبطال شريعة، ولا يفضي إلى إنكار قاعدة من الدين، كإنكار غزوة تبوك أو مؤتة، أو وجود أبي بكر وعمر، وقتل عثمان، وخلافة علي، مما علم بالنقل ضرورة، وليس في إنكاره جحد شريعة، فلا سبيل إلى تكفيره بجحد ذلك، وإنكار وقوع العمل به؛ إذ ليس في ذلك أكثر من المباهتة كإنكار هشام وعباد وقعة الجمل، ومحاربة مَنْ خالفه، فأمّا إن ضعَّف ذلك من أجل تهمة الناقلين ووَهَّم المسلمين أجمع فنكفره بذلك؛ لسريانه إلى إبطال الشريعة (١).
قلت: وممن أنكرها بعد هذين ابن حزم، ولعله نزع بذلك إلى براءة عائشة.
فصل:
قوله: (لا يُقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم). معناه والله أعلم: أن الصحابة في قتال بعضهم بعضًا كل له وجه من الصواب يعذر به عند الله، فلا يسوغ أن يطلق على أحد منهم أنه قصد الخطأ وقاتل على غير تأويل سائغ. هذا مذهب أهل السنة، وكل واحد منهم مجتهد
стр. 10962
بحق عند نفسه، فالقاتل منهم والمقتول في الجنة إن شاء الله، والله يوسع لكل منهم رحمته كما سبقت لهم الحسنى؛ ذكره ابن بطال (١).
ومعنى قوله: (إلا ظالم أو مظلوم) [ظالم] (٢) في تأويله عند خصمه أو مخالفه، ومظلوم عند نفسه إن قتل، وإنما أراد الزبير أن يبين بقوله هذا أنَّ تقاتل الصحابة ليس كتقاتل أهل البغي والمعصية، الذي القاتل والمقتول منهم ظالم؛ لقوله ﵇: "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار" (٣) لأنه لا تأويل لواحد منهم يعذر به عند ربه، ولا شبهة له من الحق يتعلق بها، فليس منهم أحد مظلومًا، بل كلهم ظالم.
وكان الزبير وطلحة وجماعة من كبار الصحابة خرجوا مع عائشة -كما أسلفنا- لطلب قتلة عثمان، وإقامة الحد عليهم، ولم يخرجوا لقتال على؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أن عليًّا أحق بالإمامة من جميع أهل زمانه، وكان قتلة عثمان لجئوا إلى علي، فرأى علي أنه لا ينبغي إسلامهم للقتل على هذا الوجه، حتى يسكن حال الأمة، وتجري المطالب على وجوهها، بالبينات وطرق الأحكام؛ إذ علم أنه أحق بالإمامة من جميع الأمة، ورجاء أن ينفذ الأمر على ما أوجب الله عليه، فهذا وجه منع علي المطلوبين يوم عثمان، فكان من قدر الله تعالى ما جرى به القلم من تقاتلهم؛ فلذلك قال الزبير لابنه ما قال؛ لما رأى من شدة الأمر، فإن الجماعة لا تنفصل إلاَّ عن تقاتل.
стр. 10963
وقال: (لا أراني إلاَّ سأقتل مظلومًا)؛ لأنه لم يبن علي قتال، ولا عزم عليه ولمَّا التقى الزحفان فرّوا فأتبعه ابن جرموز فقتله في طريقه، كذا قال ابن بطال (١)، وقد أسلفنا خلافه، وأنه ضيفه، فلمَّا نام قتله، وقد يمكن للزبير أن يكون سمع قول رسول الله ﷺ : "بشر قاتل ابن صفية بالنار" (٢)؛ فلذلك قال: لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلومًا.
وقال ابن التين: يريد بذلك، إمَّا متأول أراد بفعله وجه الله ولم يبعد في تأويله، وإما رجل من غير الصحابة أراد الدنيا وقاتل عليها فهو الظالم.
فصل:
(وإن من أكبر همّي لتديني)، أي: لم يبق عليَّ تباعة سواه. وقوله: (أفترى يبقي ديننا من مالنا شيئًا)، قاله استكثارًا لما عليه، وإشفاقًا من دينه.
وفيه: الوصية عند الحرب؛ لأنه سبب مخوف كركوب البحر، واختلف لو تصدق حينئذٍ، وحرّر هل يكون ثلثهما أو من رأس مالهما. وفيه الوصية لبعض البنين.
وقوله: وقد وازى بعض بني الزبير أي: حازاهم في السن، قاله ابن التين.
وقال ابن بطال: يجوز أن يكون وازاهم في السن ويجوز أن يكون وازى بنو عبد الله في أنصبائهم فيه أولاد الزبير فيما حصل لهم من ميراث
стр. 10964
الزبير أبيهم، قال: وهذا الوجه أولى، وإلا لم يكن لذكر كثرة أولاد الزبير معنى للموازاة في السن (١).
وفيه: دليل على دفع تأويل الشيعة على عائشة ومن تابعها في دعوى ظلمها؛ لأن الله تعالى لا يكون وليًّا للظالم. وخبيب كان أبوه عبد الله يكنى به، ويكنى أبا بكر، وأبا عبد الرحمن، أمر الوليد بعض عمّاله (٢) فضرب خبيبًا بالسوط حتى مات.
فصل:
وأمّا قول الزبير للذين كانوا يستودعونه: (لا، ولكنه سلف)، إنما فعل ذلك خشية الضيعة كما هو مصرح به فيه فيظن به ظن السوء فيه، أو تقصير في حفظه، فرأى أن هذا أتقى لمروءته وأوثق لأصحاب الأموال؛ لأنه كان صاحب ذمة وأثرة وعقارات كثيرة، فرأى أن يجعل أموال الناس مضمونة عليه ولا يبقيها تحت شيءٍ من جواز التلف، لتطيب نفس صاحب الوديعة على دينه، وتطيب نفسه هو على ربح هذا المال.
وقوله: (وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج) أي: فيكثر ماله من هذا الوجه فيكون عليه فيه ظن سوء أو مغمز؛ كظن عمر والمسلمين والعمال حتى قاسمهم، بل كان كسبه من الجهاد وسهمانه مع رسول الله ﷺ وخليفته بعده، فبارك الله له في ماله لطيب أصله وربح أرباحًا بلغت ألوف الألوف، وقول عبد الله: قلت: من مولاك؟ لأن المولى ينطلق على معان منها: الناصر، والولي، يظن أن يريد أحدًا من الناس.
стр. 10965
وقوله: (لم يدع إلا رباعًا) كان الزبير أخذ أرضين في سهمه حين الفتح، وأقطعهم الشارع أرضًا من بني النضير، وأقطعه الصديق أرضين، واشترى دورًا بالمدينة، واختط بالبصرة والكوفة ومصر حين مصرف، ففي هذا اتخاذ الربع. وفيه الابتياع للرباع إلا عند الضرورات؛ لقلة ما يدخل فيها من فساد المطعم؛ ولأنها تظفر كاسبها وتضنيه عن معاناة التجار التي لا تكاد تسلم من الأيمان الكاذبة، وقول الزور.
فصل:
قوله: (فحسبت ما عليه من الدين) هو بفتح السين من حسبت الشيء أحسبه حسابًا وحسبانًا.
وحسبت بمعنى ظننت مكسورة العين، والمصدر الحسبان بكسر الحاء. وقول عبد الله لحكيم بن حزام: (إن دين أبي مائة ألف) وكتمه ألفي ألف ومائتي ألف، فهذا ليس بكذب؛ لأنه صدق في البعض وكتم بعضًا، وللإنسان إذا سئل عن خبر أن يخبر منه بما شاء، وله أن لا يخبر بشيء منه أصلاً. وإنما كتمه لئلا يستعظم حكيم ما استدانه الزبير فيظن بالزبير سوء ظن وقلة حزم، ويظن بعبد الله فاقة إلى معونته فينظر إليه بعين الاحتياج إليه، ففيه بعض التجاوز في القول.
وفي قول حكيم ما كانت قريش عليه من الجود والكرم والمواساة. وفيه تنزه عبد الله وتركه قبول المعونة.
وفي قول عبد الله بن جعفر ما كان عليه من الكرم، حتى إنه كان ينسب إلى الإتلاف والتبذير، كان يهب الكثير حتى ينفد ما عنده، فربما دخل منزله بعض أصحابه فلا يجد ما يطعمهم فيعمد إلى عكة كان فيها عسل فيقطعها ويعطيهم جلدها فيلعقون ما فيه. وقال له
стр. 10966
الحسن والحسين: لو اقتصرت عن إتلافك. فقال: إن الله عودنى أن يعطيني فأعطي، وأخشى إن قطعت أن يقطع عطائي.
وفيه: أن الدين إنما يكره لمن لا وفاء له أو لمن يصرف ما يدين في غير وجهه.
وفيه: استشراء المنذر من تركة أبيه.
وفيه: تأخير قسمك مال الميت حتى يؤذنوا أهل دينه.
وفيه: التربص بالدين حتى تباع الرباع.
وفيه: النداء في ديون من يعرف بالدين.
وفيه: النداء في الموسم لاجتماع الناس فيه، ولكثرة دين الزبير، لقوله: (لا أقسم حتى أنادي أربع سنين).
وفيه: طاعة بني الزبير أخاهم في تأخير الدين.
وفيه: ما كان عليه الصحابة من اتخاذ النساء.
وفيه: أن الوصي له أن يمتنع من قسمة مال الميت الموصي حتى تسدد ديونه ووصاياه إذا كان الثلث يحملها، ولا تقسم ورثة الموصي مالاً حتى يؤدي دينه وتستبرأ أمانته.
وفيه: جواز الوصية للحفدة إذا كان لهم آباء في الحياة يحجبونهم.
وفيه: أن أجل المفقود والغائب أربع سنين كما قال مالك.
وفيه: أن من وهب هبة ولم يقبلها الموهوب له أنها رد على واهبها، ولواهبها الاستمتاع؛ لأن ابن جعفر قال: (إن شئتم تركتها لكم) ولا يلزمه قوله ﵇: "العائد في هبته" (١) لأنه ليس بعود، وإنما يعود فيها إذا قبلت منه.
стр. 10967
وفيه: أن سيد القوم قد يكون قوله وقبوله جائزًا على من إليه اتباع قومه، كما أن عبد الله لم يقبل الهدية وقد كان يجب أن يعرف ما عند ورثة أبيه كلهم، فكان قوله في الرد جائزًا على ورثة أبيه، كما كان قول الغرماء عند سبي هوازن في هبة أنصبائهم في السبي جائزًا على من تبعهم. وليس هذا من الأمر المحكوم به عند التشاح، لكنه محكوم به في شرف النفوس ومحاسن الأخلاق ولا سيما في ذلك الزمان المتقدم.
فصل:
وجه مطابقة الترجمة للحديث أن الزبير ما وسع عليه بولاية ولا جبابة، بل ببركة غزوه مع رسول الله ﷺ ، فبورك له في سهامه من الغنائم لطيب أصلها وسداد معاملته فيها كما سلف. ونبه عليه ابن المنير أيضًا (١)
стр. 10968
١٤ - باب إِذَا بَعَثَ الإِمَامُ رَسُولًا فِي حَاجَةٍ أَوْ أَمَرَهُ بِالْمُقَامِ هَلْ يُسْهَمُ لَهُ ؟
٣١٣٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَوْهَبٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنَّمَا تَغَيَّبَ عُثْمَانُ عَنْ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ -وَكَانَتْ مَرِيضَةً. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ». [٣٦٩٨، ٣٧٠٤، ٤٠٦٦، ٤٥١٣، ٤٥١٤، ٤٦٥٠، ٤٦٥١، ٧٠٩٥ - فتح ٦/ ٣٣٥]
ذكر فيه حديث ابن عمر ﵄ قَالَ: إِنَّمَا تَغَيَّبَ عُثْمَانُ عَنْ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ ابنة رَسُولِ اللهِ ﷺ وكَانَتْ مَرِيضَةً. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ".
هذا الحديث راويه عن ابن عمر عثمان بن موهب.
قال الجياني: كذا ورد هذا الإسناد عند ابن السكن وأبي زيد المروزي وغيرهما.
وفي نسخة أبي محمد، عن أبي أحمد عمرو بن عبد الله، هكذا قال: عمرو، وصوابه: عثمان.
وقد تكرر هذا الحديث في مناقب عثمان بجميع الرواة (١).
ولعثمان ابن يقال له: عمرو بن عثمان. وهو الذي سماه شعبة محمدًا (٢).
قال الداودي: كان هذا من خواصه ﵇. ولعله يريد أن تخلفه بسبب ابنته، وإلا فمن تخلف لمنفعة الجيش ورجع من عندهم لما يصلحهم، ثم
стр. 10969
غنموا في غيبته فله سهمه، هذا مشهور مذهب مالك (١).
وكان الذين غابوا في مصلحة الجيش عشرة، منهم عثمان، فضرب رسول الله لهم، وهذا من فضائل عثمان. وأهل البدع يعيبونه بذلك، وبئس ما صنعوا. وكانت زوجته هذِه رقية، توفيت ورسول الله ﷺ في بدر، ثم زوجه أم كلثوم، فتوفيت تحته سنة تسع، وهي التي غسلتها أم عطية.
وحاصل ما للعلماء فيمن لم يشهد الوقعة هل يسهم له قولان، فعند أبي حنيفة وأصحابه أن من بعثه الإمام في حاجة حتى غنم الإمام أنه يسهم له، وكذلك المدد يلحقون أرض الحرب بعد الغنيمة أنهم شركاؤهم فيها، وأخذوا بحديث الباب.
قالوا: وقد ذكر أهل السير أن سعيد بن زيد بعثه رسول الله ﷺ لحاجة له. وأمر طلحة بالمقام في (مكان) (٢) ذكره له وأسهم لهما، وقال: "لكما أجر من شهد" (٣).
وعند مالك والثوري والليث والأوزاعي والشافعي (وأحمد) (٤) وأبي ثور أنه لا يسهم إلا لمن شهد القتال (٥)، وبذلك حكم عمر وكتب به إلى عماله بالكوفة.
واحتج لهؤلاء بحديث أبي هريرة أنه قدم على رسول الله ﷺ وهو بخيبر بعد ما فتحوها، فقلت: أسهم لي. فقال بعض بني سعيد بن
стр. 10970
العاصي: لا تسهم له يا رسول الله فذكر الحديث (١).
وحجة أهل المقالة الأولى أنه ﵇ قال "إن عثمان انطلق في حاجة الله ورسوله" (٢) فضرب له بسهم، ولم يضرب لأحد غيره، أفلا ترى أنه جعله كمن حضر؟! فيقاس عليه غيره مما في معناه.
وأما حديث أبي هريرة فوجهه أنه ﵇ وجه أبانًا إلى نجد قبل أن يتهيأ خروجه إلى خيبر، ثم حدث من خروج رسول الله ﷺ إلى خيبر ما حدث، فكان ما غاب فيه أبان من ذلك، ليس هو لشغل شغله رسول الله ﷺ عن حضوره خيبر بعد إرادته إياها، فيكون كمن حضرها (٣).
فهذان الحديثان أصلان لكل من أراد الخروج مع الإمام إلى قتال العدو، فرده الإمام عن ذلك بأمر آخر من أمور المسلمين، فتشاغل به حتى غنم الإمام، فهو كمن حضر يسهم له. وكل من تشاغل بشغل نفسه أو بشغل المسلمين فمن كان دخوله فيه متقدمًا ثم حدث للإمام قتال عدو فتوجه له فغنم، فلا حق للرجل في الغنيمة، وهي لمن حضرها.
واحتج أهل المقالة الثانية فقالوا: إن إعطاء رسول الله ﷺ لعثمان وهو لم يحضر بدرًا خصوص له؛ لأن الله تعالى جعل الغنائم لمن غنمها.
стр. 10971
والدليل على خصوصه قوله ﵇ لعثمان: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه" وهذا لا سبيل أن يعلمه غير الشارع، وقد أسلفناه عن الداودي أيضًا.
وذكر الطبري عن قوم من أهل العلم أنهم قالوا: إنما أعطى عثمان يوم بدر من سهمه ﵇ من الخمس، واحتجوا بقوله ﵇ يوم حنين: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود فيكم" (١) فدل ذلك أنه لم يعط أحدًا لم يشهد الوقعة من الغنيمة، وإنما أعطاهم من نصيبه.
أحدها: حديث مروان والمسور أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: "أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا المَالَ .. " الحديث.
وقد سلف في الوكالة (١).
ثانيها: حديث أبي موسى ساقه من حديث حماد، حدثنا أَيُّوب، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي القَاسِمُ بْنُ عَاصِمٍ الكُلَيْبِيُّ -وَأَنَا لِحَدِيثِ القَاسِم أَحْفَظُ- عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى … فذكر الحديث وفي آَخره: ثم أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَسَأَلَ عَنَّا فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرى، ثم ساق (بقيته) (٢).
والقائل: (وحدثني) (٣) القاسم هو أيوب وكليب ورباح ابنا يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناه بن تميم. ويأتي في آخر المغازي والذبائح والأيمان والنذور (٤)، وأخرجه مسلم أيضًا (٥).
ثالثها: حديث بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللهِ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرًا، فَكَانَتْ سِهَامُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا -أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا- وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا، وقد سلف (٦).
стр. 10976
رابعها: حديثه أيضًا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوى قِسْمِ عَامَّةِ الجَيْشِ.
خامسها: حديث أبي موسى: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ .. الحديث ويأتي أيضًا في الهجرة والمغازي، وأخرجه مسلم (١).
سادسها: حديث جَابِرٍ في البحرين سلف في الهبة (٢) والزيادة التي فيه في باب من تكفل عن ميت دينًا (٣).
سابعها: حديثه أيضًا بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْسِمُ غَنِيمَةً بِالْجِعْرَانَةِ، إِذْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: اعْدِلْ. فَقَالَ لَهُ: "لقد شَقِيتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ" وهو من أفراده.
الشرح:
هذا القائل هو ذو الخويصرة التميمى كما ذكر ابن إسحاق، رجل من بني تميم (٤).
وفي رواية أخرى قال: هذِه قسمة ما أريد بها وجه الله (٥). وحديث أبي موسى ليس مطابقًا لما ترجم له؛ بل ظاهره يعني الأول أنه قسم لهم
стр. 10977
من أصل الغنيمة مع الغانمين، وإن كانوا غائبين تخصيصًا لهم لا من الخمس، إذ لو كان منه لم تظهر الخصوصية لعامة المسلمين، والحديث ناطق مما ذكره ابن المنير (١).
وذكر موسى بن عقبة أنه ﵇ استطاب أنفس الغانمين بما أعطى أصحاب السفينة كما فعل في سبي هوازن، وقيل: إنما أعطاهم مما لا يفتح بقتال مما قد أجلى عنه أهله بالرعب، فصار فيئًا؛ لأنه لا يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وبعض خيبر كانت هكذا.
وقال آخرون منهم ابن حبيب: إنما أعطاهم من الخمس الذي له أن يضعه باجتهاده. قال السهيلي: وقول من قال: إنه أعطى المؤلفة من خمس الخمس مردود؛ لأن هذا ملكه فلا كلام لأحد فيه. وقيل: أعطاهم من رأس الغنيمة، وذلك خصوص به، قال تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ويرده ما قيل من نسخها (٢). والذي اختاره أبو عبيد أن إعطاءهم كان من الخمس كما سيأتي (٣).
فصل:
غرض البخاري في الباب أن يبين أن إعطاء رسول الله ﷺ في نوائب المسلمين إنما هو من الفيء والخمس اللذين أمرهما مردود إليه يقسم ذلك بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده.
وقد أسلفنا مذهب الشافعي في أن الفيء يخمس (٤).
стр. 10978
والشارع لما تحلل المسلمين من سبي هوازن واستطابهم ووعدهم أن يعوضهم من أول ما يفيء الله عليه إنما أشار إلى الخمس، إذ معلوم أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، فبان أن الخمس لو كان مقسومًا على خمسة أسهم لم يف خمس الخمس بما وعد المسلمين أن يعوضهم في سبي هوازن، ذكر أهل السيرة أن هوازن لما أتت لقتاله أتوا بالإبل والنساء والذرية وجميع أموالهم (١).
وذهب البخاري إلى أنه تحلل المسلمين من سباياهم بعد ما كانوا فيئًا فأطلقهم لما كان نساء بني سعد ولوا من رضاعه فراعى من قبيلهم حرمة ذلك، كما روعي في المرأة صاحبة المزادتين أنه لم يضرب على الحي الذي كانت منه لدمائها في أخذ الماء منها حتى أسلم جميعهم.
فصل:
وقد احتج -كما قال المهلب- بعض أصحاب مالك بقصة هوازن في أنه يجوز قرض الجواري إذا رد غيرها، ومنع من ذلك مالك؛ لأنه عنده من باب عارية الفروج وهو حرام (٢).
فصل:
الإبل التي حمل عليها الشارع الأشعريين هي أيضًا من الخمس، إذ أربعة أخماس الغنيمة للغانمين كما سلف.
فصل:
وحديث ابن عمر فيه حجة أن النفل من الخمس كما قال مالك؛ لأنه إنما نفلهم بعيرًا بعيرًا بعد قسمة السهمان بينهم من غير ما وجبت فيه
стр. 10979
سهامهم، وهو الخمس. وقاله الطحاوي، قال: وذهب قوم إلى أنه ليس للإمام أن ينفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخمس، فأما غير الخمس فلا؛ لأنه قد ملكه المقاتلة، فلا سبيل للإمام عليه (١).
وقال ابن المنذر: روي هذا القول عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي، وذكره أبو عبيد عن مكحول (٢). وعمر بن عبد العزيز قال: والناس اليوم على هذا لا نفل من جملة الغنيمة حتى تخمس. وخالفهم آخرون، كما قال الطحاوي: فقالوا: للإمام أن ينفل من الغنيمة ما أحب بعد إحرازه إياها قبل أن يقتسمها، كما كان له قبل ذلك (٣).
وذكر ابن المنذر أنه قول القاسم بن عبد الرحمن، وفقهاء أهل الشام قالوا: الخمس من جملة الغنيمة، والنفل من بعده، ثم الغنيمة بعد ذلك بين أهل العسكر، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وحجة هذِه المقالة حديث سليمان بن موسى، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة، أن رسول الله ﷺ نفل في بدأته الربع قبل الخمس، فكذلك الثلث الذي ينفله في الرجعة هو الثلث أيضًا قبل الخمس وإلا لم يكن لذكر الثلث معنى، وهو حديث أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم (٤).
стр. 10980
وألزم الدارقطني الشيخين تخريج حديث حبيب بن مسلمة (١). فيقال: بل له معنى؛ وذلك أن المذكور من نفله في البدأة الربع هو مما يجوز له النفل منه، فكذلك نفله في الرجعة الثلث مما يجوز له النفل منه وهو الخمس، بدليل رواية مكحول عن زياد عن حبيب أنه ﵇ كان ينفل الثلث بعد الخمس.
واحتجوا أيضًا بحديث سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت كان رسول الله ﷺ ينفلهم إذا خرجوا بادين الربع، وينفلهم إذا قفلوا الثلث (٢)، ولا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن معناه: ينفلهم إذا قفلوا الثلث، فيكون ذلك على قول من قال: إلى قتال. فيكون الثلث المنفل هو الثلث قبل الخمس.
قال الطحاوي: وذلك جائز عندنا؛ لأنه يرجى بذلك صلاح القوم وتحريضهم على قتال عدوهم، فأما إذا كان القتال قد ارتفع، فلا يكون النفل؛ لأنه لا منفعة للمسلمين في ذلك (٣).
وقال أبو عبيد في النفل الذي ذكره ابن عمر في قوله: ونفلوا بعيرًا بعيرًا بعد ذكر السهام: ولا وجه له إلا أن يكون من الخمس، وقد جاء مبينًا في حديث مكحول أنه ﵇ نفل يوم خيبر من الخمس (٤). وروى ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، قال: بلغني عن عبد الله بن
стр. 10981
عمر ﵄ أنه قال: نفل رسول الله سرية بعثها قبل نجد من إبل جاءوا بها نفلاً، سوى نصيبهم من المغنم (١).
وقوله ﵇ يوم خيبر حين أخذ وبرة من جنب بعير ثم قال: "أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود فيكم" (٢) يدل أن ما سوى الخمس من المغنم للمقاتلة يوضحه رواية أبي عوانة عن عاصم بن كليب عن أبي الجويرية عن معن بن يزيد السلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نفل إلا بعد الخمس" (٣) أي: حتى يقسم الخمس، وإذا قسم انفرد حق المقاتلة، وهو أربعة أخماس، فكان ذلك النفل الذي ينفله الإمام إن آثر ذلك هو في الخمس لا من الأربعة أخماس التي هي حق المقاتلة ولو (أجزنا) (٤) النفل قبل ذلك لكان حقهم قد بطل وجوبه، وإنما يجوز النفل مما يدخل في ملك المنفل من ملك العدو، فأمّا ما قد زال عن ملك العدو قبل ذلك وصار في ملك المسلمين فلا نفل فيه؛ لأنه من مال المسلمين، فثبت بذلك أن لا نفل بعد إحراز الغنيمة.
ومما احتجّ به أصحاب مالك قالوا: إنما لم يجعل مالك النفل من رأس الغنيمة؛ لأن لها معينين، وهم الموجفون، وجعله من الخمس؛ لأن قسمته مردودة إلى اجتهاد الإمام، وأهله غير معينين.
стр. 10982
وفي حديث ابن عمر رد لقول من قال: إن النفل من خمس الخمس، وإنما في الحديث أنه نفل نصف السدس؛ لأنه بلغت سهمانهم اثني عشر بعيرًا ونفلوا بعيرًا بعيرًا.
فصل:
وأما حديث أبي موسى وأهل السفينة، فإن للعلماء في معناه تأويلات أحدها: ما أسلفناه عن موسى بن عقبة، أن رسول الله ﷺ استطاب قلوب الغانمين مما أعطاهم، كما فعل في سبي هوازن، وروي ذلك عن أبي هريرة.
روى خثيم بن عراك عن أبيه، عن نفر من قومه أن أبا هريرة قدم المدينة هو ونفر من قومه فوجدوا رسول الله ﷺ قد خرج إلى خيبر، قال: فقدمنا عليه وقد فتح خيبر، فكلم الناس فأشركنا في سهامهم (١). وقيل: إنما أعطى من خيبر لأهل الحديبية خاصة. رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمار بن أبي عمّار، عن أبي هريرة قال: ما شهدت مغنمًا مع رسول الله ﷺ إلا قسم لي، إلا خيبر فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة (٢) شهدوها أو لم يشهدوها؛ لأن الله تعالى كان وعدهم بها بقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١] بعد قوله: ﴿وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ [الفتح: ٢٠] وهذا أحد الأقوال
стр. 10983
في الآية كما سلف. وقال آخرون: إنما أعطاهم منها مما لم يُفتح بقتال، وقد سلف.
وقال آخرون: إنما أعطاهم منها من الخمس الذي حكمه حكم الفيء، وله أن يضعه باجتهاده حيث شاء. ويمكن أن يذهب البخاري إلى هذا القول.
فصل:
وحديث جابر يحتمل أن يكون من الخمس أو الفيء، وكذلك حديث جابر الآخر يحتمل أن يكون من الخمس؛ لأنه إنما أنكر الأعرابي الجاهل ما رأى من التفضيل، وذلك لا يكون في أربعة أخماس الغنيمة، وإنما يكون في الخمس الذي هو موكول إلى اجتهاده ﵇.
قال إسماعيل بن إسحاق: وهذا مما لا يعلم أنه من الخمس، وقد قسمه ﵇ بغير وزن، ثم ساقه من حديث أبي الزبير: سمع جابرًا يقول: بصر عيني وسمع أذني رسول الله ﷺ بالجعرانة، وفي ثوب بلال فضة يقبضها للناس يعطيهم، فقال له رجل: اعدل … الحديث (١).
فصل:
قال ابن أبي صفرة: فعله ﵇ في سبي هوازن؛ يدل أن الغنائم على حكم الإمام، وإن رأى أن يصرفها إلى ما هو أوكد وأعظم مصلحةً للمسلمين من قسمتها على الغانمين صرفها ولم يعط الغانمين شيئًا، كما فعل بمكة، فتحها عنوة، ومنّ عليهم، ولم يعط أصحابه منها، بل
стр. 10984
أبقاها للرحم التي كانت بينه وبينهم، وكذلك أراد أن يفعل بهوازن للرضاعة فيهم حين (أسبيا) (١) بالغنائم، فلما أبطئوا قسم، ثم لما جاءوا، ردّ بعضًا، وأبقى للغانمين بعضًا عن طيب أنفسهم، ولم يستطب أنفسهم بمكة؛ لأنه لم يملكهم واستطاب أنفسهم بهوازن؛ لأنه قد كان قسم لهم وملّكهم، فصحَّ بهذا أنه لا شيء لهم إلا أن يملكوا.
وقد قال مالك: يحد الزاني ويقطع السارق، وإن كان له في الغنيمة سهم إذا فعل ذلك قبل القسمة، فلو كان له فيها شبهة لدرأ الحد بها لحديث: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، فدل أنه لا شبهة لهم فيها إلا أن يملكوها بالقسمة.
وحكى الطبري هذِه المقالة عن بعض أهل العلم قالوا: حكم الغنائم كلها لرسول الله ﷺ في مغازيه كلها، وله أن يصرفها إلى من يشاء، ويحرمها من حصر القتال ومن لم يحضر، واعتلوا بقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وبفعله ﵇ بهوازن، ولم يسمّ القائلين بذلك.
وقال آخرون: أربعة أخماس الغنيمة حق للغانمين؛ لا شيء فيه للإمام، وإنما هو ﵇ كبعض من حضر الوقعة إلا ما كان خصه الله به من الفيء وخمس الخمس، (وأما) (٢) غير ذلك فلم يكن له فيه شيء.
قالوا: والذي أعطى ﵇ يوم حنين للمؤلفة قلوبهم إنما كان من نصيبه و (حقه) (٣) من الغنيمة. وقالوا: وقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ معناه: له وضعها موضعها التي أمره الله بوضعها فيها، لا أنه
стр. 10985
ملكها ليعمل فيها ما شاء، قالوا: وكيف يجوز أن يكون معنى قوله: ﴿وَالرَّسُولِ﴾: ملكًا له، وهو ﵇، يقول يوم صدر من حنين فتناول وبرة من الأرض: "ما لي من مال الله … " إلى آخره (١).
فبين هذا إن ما أعطى المؤلفة ومن لم يشهد الوقعة إنما كان من نصيبه وحقه من الغنيمة خاصة. وقال أبو عبيد: مكة لا تشبه شيئًا من البلاد، وذلك أنه ﵇ سن بمكة شيئًا لم يسّنه في سائر البلاد، قالت له عائشة: ألا تبني لك بيتًا يظلك من الشمس بمنًى؟ فقال: "لا، منًى مناخ من سبق" (٢).
وقال عبد الله بن عمرو: من أكل من أجور بيوت مكة، فإنما يأكل في بطنه نار جهنم. وكره أهل العلم كراء بيوتها. وقال ابن عباس وابن عمر: الحرم كله مسجد.
وقال مجاهد: مكة مناخ لا يباع رباعها، ولا تؤخذ أجور بيوتها، ولا تحلّ ضالتها إلا لمنشد (٣).
قال أبو عبيد: فإذا كان حكم مكة أنها مناخ من سبق، وأنها مسجد جماعة المسلمين ولا تباع (رباعها) (٤) ولا يطيب كراء بيوتها، فكيف يقاس غيرها عليها (٥).
قلت: جوز الشافعي بيع دورها وإجارتها بناء على أنها فتحت صلحًا.
стр. 10986
فصل:
قول البخاري: "إن الخمس لنوائب المسلمين". قد علمت اختلاف العلماء فيه.
وقول مالك: إن حكم الإمام يعطي منه ذوي القربى واليتامى ومن ذكر معهم بقدر اجتهاده ليس على أن لكل صنف منهم جزءًا، زاد إسماعيل: له أن يعطي منه جميع المسلمين، ذكره الداودي.
واختلف (قوله) (١) في كيفية قسمته، فقال: مرة على الاجتهاد، وقال أخرى: على قسم المواريث للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك (بعد) (٢) أن يبدأ بإصلاح الأسوار والقناطر وما يعم المسلمين نفعه، ويخشى عليهم من إضاعته، والشافعي يقول: تقسم على خمسة -كما سلف- وسهمه ﵇ يصرفه فيما كان ﵇ يصرفه فيه، وروي أنه كان يصيره لقوة المسلمين.
وعند أبي حنيفة: يقسم على ثلاثة: للفقراء، والمساكين، وابن السبيل؛ لأنه ﵇ قال: "لا نورث؛ ما تركنا صدقة" (٣). وقيل: إن رأى أن يعطي غير هؤلاء أعطاهم، وإنما ذكر هؤلاء لأنهم أهم من يعطى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥] وهذا مذهب مالك المعروف عنه، كما قاله ابن التين، وسلف ما ذكره الداودي عنه.
وقيل: يقسم الخمس على ستة أسهم: سهم لله يصرف في الكعبة، وقيل: معنى قوله ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١] افتتاح كلام، وقد
стр. 10987
سبق: ليس لله نصيب، له الدنيا والآخرة. وقيل: المعنى: الحكم فيه لله وللرسول، ويقسم على أربعة. وفيه بعد؛ لأنه كان يعطي منه المؤلفة قلوبهم وغيرهم، وقد قال: "ما لي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود فيكم" (١).
فصل:
وفي قصة هوازن سبي مشركي العرب، وفيه الاستثناء بقسمة الغنيمة. ومعنى "جاءونا تائبين" مسلمين.
وفيه: اتخاذ العرفاء وقبول خبر الواحد.
فصل:
قال الداودي في حديث أبي موسى: إن اسم الدجاجة يقع على الذكر والأنثى من الدجاج، ولا ندري من أين أخذه (٢)، قال: وقوله: (أحمر كأنه من الموالي) -يعني: من سبي الروم. و (تيم الله): قبيلة من العرب.
وقوله: (فقذرته)، أي: بكسر الذال تقذرته، والقاذورة: الذي يتقذر الشيء فلا تأكله. وفي الحديث: كان ﵇ لا يأكل قاذورة الدجاج حتى تعلف (٣).
وقال ابن فارس: قذرت شيئًا قذرًا: كرهته (٤).
стр. 10988
وقوله: (ينهب إبل) يعني: غنيمة، والنهب: المغنم. وكان الصديق يوتر قبل أن ينام ويقول: أحرزت نهبي، يريد: سهمه من الغنيمة.
وقوله: (غر الذرى) أي: بيض الأسنمة من سِمَنِهِنَّ وكثرة شحومهنّ، والذُّرى جَمْع ذروة، وذروة كل شيء أعلاه.
وفيه: خوفهم أن يأخذوا ما لا يسوغ لهم أخذه مع نسيان رسول الله.
وقوله: "لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ، ولكن الله حَمَلَكُمْ" يحتمل وجوهًا:
أبينها: إزالة المنة عنهم، وإضافة النعمة إلى مالكها الحقيقي، ولو لم يكن له في ذلك صنيعٌ ما كان لقوله: "لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا" وجه.
ثانيها: أن يكون أنسيها، والناسي كالمضطر، وفعله غير مضاف إليه، إنما يضاف إلى الله.
ثالثها: أن الله حملكم حين ساق هذا النهب، ورزق هذا المغنم، وقد كنت عجزت عن حملكم.
رابعها: أن يكون نوى في ضميره إلا أن يرد عليه مال في الحال فيحملهم عليه.
وقوله: "إِلَّا أَتَيْتُ الذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا" يريد: الكفارة، يقال: تحلل الرجل من يمينه إذا استثنى، وقال: إن شاء الله، قال النمر: وأرسل أيماني ولا أتحلل.
ومعنى التحلل: التفضي من عهدة اليمين، والخروج من حرمتها إلى ما يحل له منها، وقد يكون ذلك مرة بالاستثناء ومرة بالكفارة.
فصل:
قوله: في حديث ابن عمر ﵄: (فكانت سهمانهم اثني
стр. 10989
عشر بعيرًا أو أحد عشر بعيرًا ونفلوا بعيرًا بعيرًا) يحتمل أنه شك في سهامهم، أو أنه شك هل كانت اثني عشر، ونفلوا بعيرًا (بعيرًا زائدًا) (١)، أو بلغت بالنافلة اثني عشر، غير أنه يعود من جهة العدد إلى معنى واحد.
وبين البخاري في غير طريق مالك: أنه بلغت سهمانهم اثني عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا، فرجعوا بثلاثة عشر بعيرًا ذكرها في المغازي (٢). ومالك كان كثير التوقي في الحديث.
وفيه: جواز النفل، وقيل: إنه إجماع.
وفيه: أنه من الخمس، خلافًا للشافعي حيث قال: من خمس الخمس (٣)؛ لأنه إذا أخذ كل واحد اثني عشر بعيرًا، وأخذ الإمام خمسها ثلاثة، فخمس الثلاثة لا يبلغ بعيرًا، فلو لم يكن النفل من جملة الثلاثة التي هي خمس ما صح أن يعطيه بعيرًا، وعلى هذا الحساب قلوا أو كثروا.
وانفصل بعض أصحابنا الشافعية عنه بوجوه:
منها أن الغنيمة كان فيها أذهاب وأمتعة.
ومنها: أن الإمام يتصرف في سهمه من سائر الغزوات كيف شاء، فيجوز أن يكون نفلهم من سهمه من هذِه الغزاة وغيرها.
ومنها: أنه نفل بعضهم ولم ينفل جميعهم، يعني: أن النفل كان في بعضهم. وظاهر الحديث يردّه.
стр. 10990
وقد روي: أنهم كانوا عشرة غنموا مائة وخمسين بعيرًا، فأخذ رسول الله ﷺ منها ثلاثين، وأخذوا هم عشرين ومائة؛ أخذ كل واحد منها اثني عشر بعيرًا، ونفل بعيرًا. فلو كان النفل من خمس الخمس لم يعمهم ذلك، وسيأتي في المغازي غير ذلك.
قال بعضهم: وليس للإمام أن ينفل إلا عند الحاجة إليه؛ لأنه ﵇ لم ينفل في كثير من غزواته.
وقيل: يكون النفل من رأس الغنيمة، والحديث يرده؛ ولأن الأخماس الأربعة ملك للغانمين يساوى بينهم فيه، لا يزاد واحد لغناء ولا لقتال.
فصل:
وما حكاه أبو موسى من قسمة رسول الله ﷺ لهم وهم غيب، فقد أسلفنا فيه وجوهًا: إما بالرضى، أو من الخمس. وقد أسهم لعثمان يوم بدر وقال: "اللهم إن عثمان في حاجة نبيك" (١) وعند أبي حنيفة: أن من دخل دار الحرب قبل انفصال الجيش منها أن له سهمه، ولعله تعلق في ذلك بظاهر هذا الحديث. وقوله: فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، أي: صادفناه ووافيناه. وقال ﵇: "لا أدري بأيهما أفرح، بقدوم جعفر أو بفتح خيبر" (٢).
وقوله: "لقد شقيتُ إن لم أعدل" ويروى بفتحها، ومعناه: خبت أنت إن لم يعدل نبيك، ومن أنت متَّبِعُه، وإنما كان ﵇ يعطي بالوحي.
стр. 10991
فصل:
قال الداودي: والذي ذكره البخاري من فقه جابر ليس هو من الخمس، إنما هو من مال أتى من البحرين، لم يكن من مغنم.
قال: وقوله: (حثا لي بيديه)، وقال مرة: (حثية)، وفي غير هذا الموضع: حفنة. قال فعلى ما هنا يسمى ما يؤخذ باليدين حثية، والمعروف عند أهل اللغة، أن الحثية ما يملأ بالكف الواحدة، وأن الحفنة ما يحفن باليدين، قال ابن القاسم: الحفنة باليد الواحدة، وهذا آخر كلامه، وتعقبه ابن التين فقال: الذي ذكره الهروي عن القتبي: الحثية والحفنة شيء واحد، يقال: حفن القوم المال وحثا لهم، إذا أعطى كل واحدٍ منهم حفنة أو حثوة (١)، قال ابن فارس: الحفنة ملء كفيك (٢).
قال: وقوله: (فحثا لي حثية). صوابه: حثوة بالواو. إلا أن ابن فارس قال: حثا التراب يحثوه، وحثا يحثي حثيًا، مثله (٣). فصار في ذلك لغتان.
стр. 10992
١٦ - باب مَا مَنَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الأُسَارى مِنْ غَيِرْ أَن يُخَمَّسَ
٣١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: «لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى، لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ». [٤٠٢٤ - فتح ٦/ ٢٤٣]
ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أُسَارى بَدْرٍ: "لَوْ كانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كلَّمَنِي فِي هؤلاء النَّتْنَى، لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ".
الشرح:
هذا الحديث ذكره هنا عن إسحاق أنا عبد الرزاق (١) وذكره في المغازي فقال: حدثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الرزاق (٢). وبه صرح أصحاب الأطراف أنه ابن منصور، ورواه أبو نعيم، عن الطبراني ثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الرزاق.
ولما رواه في المغازي قال: حدثنا محمد بن محمد بن مكي، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا إسحاق بن منصور، عن عبد الرزاق.
وكذا هو في بعض نسخ المغاربة ابن منصور (٣).
стр. 10993
ثم الحديث قال على أن للإمام أن يمُنّ على الأسارى من غير فداء؛ خلاف قول بعض التابعين؛ لأنه ﵇ لا يجوز في صفته أن يخبر عن شيء لو وقع لفعله، وهو غير جائز.
وقوله: (من غير أن يخمس)، أنكره الداودي وقال: لم يكن القوم ممن يخمس، ولا يسترق ولا يكون ذمة إذا مَنَّ عليه، إنما كان الحكم فيهم في تلك الغزاة القتل أو المفاداة بأموال تأتيهم من مكة، ومن لم يكن له مال علَّم أولاد الأنصار الكتابة. قال: و (قيل) (١) يخمسون عنده وهو مروي: "سبعة موال لا مولى لهم إلا الله: قريش، والأنصار، وجهينة، ومزينة، وأسلم، وأشجع، وغفار" (٢).
وكان حكم قريش يوم فتح مكة الإسلام أو القتل لا يفادون ولا يسترقون ولا تقبل منهم جزية؛ ولا يهاجوا في شيء من أموالهم فأحكام قريش (ليست كغيرهم) (٣)، ولما أسر القوم يوم بدر استشار النبي ﷺ صحابته، فأشار عليه أبو بكر وطائفة معه أن يفاديهم، (وقال: هم عشيرتك) (٤)، لعلّ الله أن يستنقذهم بك، وأشار عليه عمر وعلي بقتلهم، ففاداهم، وأسلم بعد ذلك بعضهم، منهم حكيم بن حزام، وكان يقال لهم: الطلقاء، إذ لم يجر عليهم رقّ فيكونوا عتقاء.
стр. 10994
وقوله: "لو كان المطعم حيًّا" كان معظَّمًا في قريش، وكان سعى في نقض الصحيفة التي كتبت قريش علي بن ي هاشم، وبني المطلب ألا يخالطوا حتى يخلوا بين رسول الله ﷺ وقريش.
وقتل يومئذ من الأسرى عقبة بن معيط والنضر بن الحارث.
و (النتنى): جمع نتن، مثل زمن وزمنى، يقال: أنتن الشيء فهو منتن ونتن.
فصل:
قال المهلب: وفيه جواز الشفيع للرئيس الشريف على سبيل الائتلاف له والانتفاع بإشفاعه في ردّ دعاية المشركين بأكثر ما يخشى من ضرر المكلفين لطاعتهم لسيدهم المشفع فيهم ورسولهم من الشارع، وأن الانتفاع بالمن عليهم أكبر من قتلهم أو استرقاقهم.
فصل:
قال ابن بطال: وفي ترجمة الباب حجة لما ذكره ابن القصّار عن مالك وأبي حنيفة: أن الغنائم لا يستقر ملك الغانمين عليها بنفس الغنيمة (إلا بعد قسمة الإمام لها) (١).
وحكي عن الشافعي: أنهم يملكون بنفس الغنيمة لا بعد قسمة الإمام لها، والحجة للأول حديث الباب، وذلك أنه لو مَنّ ﵇ على الأسارى سقط سهم منْ له الخمس كما سقط سهم الغانمين.
وقوله: ("لتركتهم له") يقتضي ترك جميعهم لا بعضهم، واحتجّ ابن القصَّار فقال: لو ملكوا بنفس الغنيمة لكان منْ له أب أو ولد ممن يعتق عليه إذا ملكه يجب أن يعتق عليه ويحاسب به من سهمه، وكان يجب
стр. 10995
لو تأخرت الغنيمة في العين والورق، ثم قسمت أن يكون لحول الزكاة على الغانمين يوم غنموا، وفي اتفاقهم أنه لا يعتق عليهم من يلزمهم عتقه إلا بعد القسمة، ولا يكون حول الزكاة إلا من يوم حان نصيبه بالقسمة، دلالة أنه لا يملك بنفس الغنيمة، ولو ملك بنفسها لم يجب عليه الحد إذا وطئ جارية من المغنم قبل القسمة (١).
واحتجّ أصحابنا فقالوا: لو ترك النبي للمطعم بن عدي كان يستطيب أنفس أصحابه الغانمين كما فعل في سبي هوازن؛ لأن الله تعالى أوجب لهم ملك الغنائم إذا غنموها بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، فأضافها إليهم.
وأما قولهم: لو ملكوا بنفس الغنيمة لكان من له أب أو ولد يعتق بنفس الغنيمة فلا حجة فيه؛ لأن السنة إنما وردت فيمن أعتق شقصًا له في عبدٍ معيَّن قد ملكه وعرفه بعينه، فأمّا من لا يعرف بعينه فلا يشبه عتق الشريك، ألا ترى أن الشريك له أن يعتق كما أعتق صاحبه.
وفي إجماعهم: أنه يعتق على (الشريك) (٢) الموسر في العتق، وإجماعهم: أنه لا يعتق عليه في تركته في الغنيمة دليل واضح على الفرق بينهما.
وأمّا قوله: إنه يجب أن يكون حول الزكاة من وقت الغنيمة لو كان ملكًا، فخطأ بيّن على مذهب مالك وغيرهم؛ لأن الفوائد لا تراعى حولها عندهم إلاَّ من يوم تصير بيد صاحبها.