قال ابن وهب: وحدثني مطرت، عن مالك قال: بلغني أن عمر بن الخطاب كان ينفق على رجلٍ من أهل الذمة حين كبر وضعف عن العمل.
فرع:
والخراج يجب عند أبي حنيفة أول الحول، خلافًا للشافعي وأحمد فقالا: بآخره.
فرع:
لا يؤخذ من صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا فقير غير معتمل، خلافًا للشافعي فيه، ولا يؤخذ من شيخ فانٍ ولا زمنٍ ولا أعمى.
وفي قول الشافعي: يؤخذ منهم، ولا على سيد عبد عن عبده إذا كان السيد مسلمًا، ولا جزية على أهل الصوامع من أهل الرهبان، خلافًا للشافعي (١).
وروي عن عمر بن عبد العزيز: أنه فرض على رهبان الديارات على كلّ واحدٍ دينارين.
فصل:
وحديث بجالة من أفراد البخاري كما سلف.
وبجالة: هو ابن عبدة، تميمي بصري.
وجَزء -بالجيم المفتوحة، والزاي- عامل عمر على الأهواز، انفرد به البخاري، كان حيًّا بمكة سنة سبعين، ووالد جزء هو معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن مقاعس، واسمه: الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، عمّ الأحنف بن قيس.
стр. 11062
قال أبو عمر: لا تصح له صحبة (١). وقيل: فيه جزي بزاي مكسورة، وسكنها الخطيب.
قال الدارقطني: وأصحاب الحديث يكسرون جيمه (٢).
ووالد بجالة السالف عبدة، بفتح الباء الموحدة (٣)، ويقال: ابن عبد، حكاه ابن حِبَّانَ في "ثقاته" (٤). وفي "تاريخ البخاري": بجالة بن عبد، أو عبد بن بجالة (٥).
فصل:
البخاري روى هذا الحديث عن علي بن عبد الله، ثنا سفيان، سمعت عمر قال: كنت جالسًا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فذكره.
ورواه ابن حبَّان في كتاب "شروط أهل الذمة" من حديث أبي معاوية الضرير، ثنا حجاج عن عمرو بن دينار، عن بجالة قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية فجاءنا كتاب عمر انظر أن تأخذ الجزية من المجوس، فإن عبد الرحمن بن عوف أخبرني أن رسول الله ﷺ أخذ من المجوس الجزية، ثم ساقه
في حديث ابن عيينة عن عمرو سمع بجالة: جاءنا كتاب عمر: أن اقتلوا كلّ ساحر وساحرة، وفرّقوا بين كلّ محرم من المجوس، وانههم عن الزمزمة. قال: فقتلنا ثلاثة سواحر، وجعل يفرق بين المرأة وحرمها في كتاب الله ، وصنع لهم طعامًا كثيرًا فدعا المجوس، وعرض
стр. 11063
السيف على فخذه فألقوا وقر بغل أو بغلين من ورق، وأكلوا بغير زمزمة.
وذكر الحميدي: أنَّ البرقاني خرجه هكذا في "صحيحه" (١).
ثم روى ابن حبان من حديث بشير بن عمرو، عن بجالة، عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر.
قال ابن عباس: أمَّا أنا فتبعت صاحبهم حين دخل على رسول الله ﷺ ، فلمَّا خرج قلت له: ما قضى فيكم رسول الله ﷺ ؟ قال: شرٌّ. قلت: مه. قال: القتل أو الإسلام، فأخذ الناس بقول عبد الرحمن وتركوا قولي.
ثم روى من حديث رجاء: جاء لحماد بن سلمة، عن الأعمش، عن زيد بن وهب قال عبد الرحمن بن عوف: أشهد بالله على رسول الله ﷺ سمعته يقول: "إنما المجوس طائفة من أهل الكتاب، فاحملوهم على ما تحملوا أهل الكتاب" ثم روى من حديث فروة بن نوفل عن على قال: المجوس أهل الكتاب وقد أخذ رسول الله ﷺ الجزية من مجوس هجر.
وروى ابن عبد البر من حديث الزهري، عن سعيد أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر، وأن عمر أخذها من مجوس السواد، وأن عثمان أخذها من البربر، وقال: كذا رواه ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب. وأمَّا مالك ومعمر فجعلاه: عن ابن شهاب، ولم يذكرا سعيدًا ورواه (معمر) (٢) عن مالك عن الزهري، عن السائب بن يزيد (٣).
стр. 11064
وفي "الموطأ": عن جعفر بن محمد عن أبيه: أنّ عمر ذكر المجوس، فقال عبد الرحمن بن عوف .. الحديث (١).
ورواه أبو علي الحنفي عن مالك، فقال: عن أبيه، عن جده (٢)؛ وهو منقطع أيضًا؛ لأن علي بن حسين لم يلق عمر ولا عبد الرحمن.
وروى عبد بن حميد في "تفسيره" عن علي: كان المجوس أهل كتاب، وكانوا متمسكين به الحديث (٣).
وقال ابن عبد البر: روي عن علي: أنهم كانوا أهل كتاب، وفيه ضعف؛ لأنه يدور على أبي سعيد البقال سعيد بن المرزبان (٤).
قلت: ليس هو في طريق عبد بن حميد، فإنه رواها عن الحسن الأشيب، ثنا يعقوب بن عبد الله، ثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن عبد الرحمن بن أبزى قال: قال علي .. فذكره.
فصل:
في حقيقة المجوس ذكر أبو عمر في كتاب "القصد والأمم" أنهم من ولد لاود بن سام بن نوح، وقال علي بن كيسان: هم من ولد فارس بن عامور بن يافث، قال أبو عمر: وقال ذلك غيره، وهو أصح ما قيل فيهم، وهم ينكرون ذلك ويدفعونه ويزعمون أنهم لا يعرفون نوحًا ولا ولده ولا الطوفان، وينسبون ملكهم من جيومرت الأول، وهو عندهم آدم.
стр. 11065
وقد نسبهم قوم من علماء الإسلام والأثر إلى أنهم من ولد سام، وكان فيهم الصابئة، ثمَّ تمجسوا وبنوا بيوت النيران.
وقال المسعودي: فارس أخو بيط ولدا ناسور بن سام بن نوح.
ومنهم من زعم أنهم من ولد هيدرام بن أرفخشذ بن سام؛ لأنه ولد بضعة عشر رجلاً، كلهم كان فارسًا شجاعًا، فسموا الفرس بالفروسية.
وقال آخرون: إنهم من ولد يوان صاحب شعب يوان أحد نزه الدنيا إيران بن لاود بن سام.
وعند الرشاطي: فارس الكبرى بن ليومرت.
ويقال: جيومرت. وحابر معرب. وتفسير ليومرت: الحي الناطق الميت، بن أميم بن لاود بن سام.
فمن نسل الفرس الأولى إلى سام بهذا نسبها، ومن نسبها جملة إلى يافث قال: هم ولد جيومرت ابن يافث.
وذكر صاعد في كتابه "طبقات الأمم": أن ليومرت هذا يزعم الفرس أنه آدم.
قال: وذكر بعض علماء الأخبار أن الفرس في أول أمرها كانت موحدة على دين نوح إلى أن أتى برداسف المشرقي إلى طهمورت ثالث ملوك العراق بمذهب الصابئة، فقبله منه واقتصر الفرس على الشرع به، فاعتقدوه نحو ألف سنة وثمانمائة سنة إلى أن تمجسوا جميعًا، وسببه: أنّ زراد شت الفارسي ظهر في زمن بشتاسب ملك الفرس، فدعا الناس إلى المجوسية، وتعظيم النار، وسائر الأنوار، والقول بتركيب العالم من النور والظلمة، واعتقاد القدماء الخمسة التي هي عندهم: -الباري تعالى عمّا يقولون- وإبليس والهيولي
стр. 11066
والزمان والمكان، وغير ذلك من البدع، فقبل ذلك بشتاسب وقاتل الفرس عليه حتى انقادوا جميعًا إليه، ورفضوا دين الصابئة، واعتقدوا بأنَّ زرادشت نبيًّا مرسلاً، وذلك قبل ذهاب ملكهم على يد الفاروق بقريب من ألف وثلاثمائة سنة.
وقال إبراهيم بن الفرج في "البغية شرح لحن العامة": الفارسي منسوب إلى فارس، وهي أرض وقد بنتها السُّوس، وهي أمة كانت بعد النبط.
وزعم بعض العلماء أنهم من ولد يوسف بن يعقوب بن إبراهيم. وذكر ابن عبدون في كتابه "الزهر": أنهم من ولد حارس بن ناسور بن سام، وأنه ولد له بضعة عشر رجلاً كلهم كان فارسًا شجاعًا؛ فسموا الفرس بذلك.
قال: وزعم قومٌ أنهم من ولد طوط من ابنتيه دريني وراعوشا.
وزعم بعضهم أنهم من ولد إيران بن أفريدون.
قال: ولا خلاف بين الفرس أنهم من ولد ليومرت، وهذا هو المشهور، وإليه يرجع بنسبها، كما يرجع بالمروانية إلى مروان، والعباسية إلى العباس.
وعند ابن حزم: والمجوس لا يعرفون موسى ولا عيسى ولا أحدًا من أنبياء بني إسرائيل، ولا محمدًا، ولا يقرون لأحدٍ منهم بنبوة.
فصل:
وأمَّا قول عمر ﵁: فرقوا بين كلِّ محرم من المجوس، فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى لم يأمر بأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، وأهل الكتاب لا ينكحون ذوات المحارم، فإذا استعمل فيهم قوله ﵇:
стр. 11067
"سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (١) احتمل ألا يقبل منهم الجزية إلا أن يسن بهم سنة أهل الكتاب في مناكحتهم أيضًا.
ثانيهما: أن يكون عمر غلب على المجوس عنوة، ثمّ أبقاهم في أموالهم عبيدًا يعملون بها والأرض للمسلمين، ثم رأى أن يفرق بين ذوات المحارم من عبيده الذين استبقاهم على حكمه، واستحياهم باجتهاده، وأن ذلك كان منعقدًا في أصل استحيائهم واستبقائهم، ويكون اجتهاده في تفريقه بين ذوات محارمهم مستنبطًا من قوله: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" أي: ما كان أهل الكتاب يحملون عليه في حريمهم ومناكحتهم، فاحملوا عليه المجوس.
وقال الداودي لمَّا ذكر قول عمر هذا: لم يأخذ به مالك.
وقال الخطابي: أراد عمر أنهم يمنعون من إظهار هذا للمسلمين وإفشائه في مشاهدهم، وأن يفشوها كما يفشي المسلمون أنكحتهم إذا عقدوها، قال: وهذا كما شرط على النصارى أن لا يظهروا صليبهم؛ لئلا يفتن بهم ضعفة المسلمين، ولا يكشفون عن شيء مما يستخلونه من باطن كفر، وفساد مذهب (٢).
فصل:
في الحديث: أنه قد يغيب عن العالم المبرز بعض العلم.
وفيه: قبول خبر الواحد والعمل به. وفي حديث عمرو بن عوف: أن طلب العطاء من الإمام لا غضاضة فيه على طالبه؛ لقوله: (أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ).
стр. 11068
وفيه: التبشير بالإسهام لهم؛ لقوله: "أَبْشِرُوا وَأملوا"، ومعنى ذلك: أملوا أكثر ما تطلبون من العطاء؛ لأنهم لم يعرفوا مقدار ما قدم به أبو عبيدة، فبشرهم بأكثر مما يظنون.
وفيه: علامة النبوة؛ لأنه أخبرهم مما يخشى عليهم مما يفتح عليهم من الدنيا.
وفيه: أن المنافسة في الاستكثار من المال سبيل من سبل الهلاك في الدنيا. والأمل: الرَّجاء، يقال: أملته فهو مأمول.
وقوله: ("فَتَنَافَسُوهَا") يريد: المشاححة والتنازع.
فائدة:
عمرو بن عوف هذا بدري كما ذكره البخاري (١)، وكذا ذكره ابن إسحاق وابن سعد فيمَنْ شهد بدرًا من المهاجرين، وهو مولى سهيل بن عمرو، مات في خلافة عمر ﵁.
فائدة:
فيه أيضًا: التحذير من فتنة الدنيا، فإن مَنْ طلب منها فوق حاجته لم يجده، ومَنْ قنع حصل له ما يطلب، وما الدنيا إلا كما قيل:
إن السلامة من سلمى وجارتها … ألا تمر على حال بواديها
فصل:
في إسناد حديث جبير بن حيّة: المعتمرُ بن سليمان، قيل: إنه وهم، وصوابه المعتمر بن الرق؛ لأن عبد الله بن جعفر راويه عنه لا يروي عن المعتمر بن سليمان، كذا رأيته بخط الدمياطي.
وزياد بن جبير اتفقا عليه، وانفرد البخاري بأبيه جبير بن حيّة،
стр. 11069
وسعيد بن عبيد الله بن جبير بن حيَّة بن مسعود الثقفي البصري.
وقوله فيه: (بَعَثَ عُمَرُ النَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الأَنصَارِ) قال ابن بطال: هم طوائف لم يكونوا من فخذٍ واحد (١).
فصل:
وأمَّا مشاورة عمر الهرمزان فبعد أن أسلم، وكان رجلاً بصيرًا بالحرب له دُربة ورأي في المملكة وتدبيرها؛ فلذلك شاوره عمر، مع أن عمر كان يعرف مما أشار عليه، وثقته من نفسه أنه يشعر له إن غشه.
وفيه: أن المشاورة سنة لا يستغني عنها أحد، ولو استغنى عنها كان الشارع أغنى الناس عنها؛ لأن جبريل كان يأتيه بصواب الرأي من السماء، ومع ذلك فإن الله أمره بها حيث قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولو لم يكن الأمر فيه إلا استئلاف النفوس وإظهار الموافقة والثقة بالمستشار، ولعلهم أن يبدوا من الرأي ما لم يكن ظهر، وأمَّا العزيمة والعمل فإلى الإمام، لا يشركه فيه أحد؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فجعل العزيمة إليه، وجعله مشاركًا في الرأي لغيره.
وفيه: جواز مشاورة غير الوزير إذا كان ممن يظن عنده الرأي والمعرفة.
وفيه: ضرب الأمثال.
وفيه: الرأي في الحرب القصد إلى أعظم أهل الخلاف شوكة، كما أشار الهرمزان؛ لأنه إذا استؤصل الأقوى، سلم الأضعف.
стр. 11070
وفيه: كلام الوزير دون رأي الإمام، كما كلم عمر يوم حنين لأبي سفيان (١)، وكما كلم الصديق في قصة سلاح قتيل أبي قتادة (٢).
وقوله: (وَكُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ) ففيه: وصف أنفسهم بالصبر والثبات على مضض العيش.
وقوله: (نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ) أراد به شرفه ونسبه؛ لأن الأنبياء لا تبعث إلاَّ من أشراف قومهم، فوصف شرف الطرفين من الأب والأم.
وقول النُّعْمَان للمغيرة: (رُبَّمَا أَشْهَدَكَ اللهُ مِثْلَهَا) يريد: ربما قد شهدت مع رسول الله ﷺ فيما سلف مثل هذِه الأحوال الشديدة، وشهدت معه القتال فلم يندمك ما لقيت معه من الشدة، ولم يحزنك (٣) لو قتلت معه؛ لعلمك بما تصير إليه من النعيم وثواب الشهادة.
تقول: إنك كنت في ذلك على الخير والإصابة يغبطه ما تقدم من كلامه، ويعتذر إليه فيما يريد أن يقول بما شاهد من رسول الله ﷺ .
ويذكر أن النعمان قاتلهم، وكثرت جراحات المسلمين وأصيب منهم، فبات المسلمون يتضررون بما نالهم من الجراح، وبات الكفار على الخمر، وقد أحضروا أموالًا كثيرة ونعمًا، فقام النعمان خطيبًا حين أصبح فقال: أيها الناس، إن من ترون قد حضروا عليهم أموالًا ونعمةً، وأنتم قد حضرتم الإسلام وصرتم بابًا للمسلمين، فإن أصبتم دُخل عليهم من الباب، فالله في الإسلام.
стр. 11071
فقام رجل منهم فقال: قد سمعنا مقالتك أيها الأمير، ولسنا برادين عليك ولا مخالفين لك، فانظر أي طرفي النهار؟ قال النعمان: إذا هبت الأرواح ونزل النصر من السماء وأنا هاز للراية، إذا رأيتم ذلك فأسبغوا الوضوء وصلّوا الظهر ثمّ أنا هازها، فإذا رأيتم ذلك فليسرج كل أحد منكم فرسه ويستوي عليه، ولينظر مواجهة عدوه، ثم إذا هززتها الثالثة، فاحملوا على بركة الله، فلما فاء الفيء صنع ما قال، ثم حمل في الثالثة وبيده الراية، فجعل يطعن بها، وتقاتلوا فكان أول قتيل، فمرّ به أخوه فألقى عليه ثوبه؛ لئلا يعرف فيفشل الناس، وأخذ الراية وحمل، ففتح الله للمسلمين.
ويذكر عن ابن المسيب أنه قال: إني لأذكر يومًا نعى لنا عمر النعمان بن مقرِّن على المنبر (١).
وقوله: (وَلَكِنِّي شَهِدْتُ القِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) هو ابتداء كلام واستئناف قصة أخرى: أعلمهم أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا لم يقاتل أول النهار، ترك حتى تهب الرياح، يعني: رياح النصر، وتحضر أوقات الصلوات، كما سلف في بابه؛ ولأن أفضل الأوقات أوقات الصلوات، وفيها الأذان، وقد جاء في الحديث أنَّ "الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد" (٢).
و (الأَرْوَاحُ) جمع ريح؛ لأن أصله: روح وسكنت الواو، وانكسر ما قبلها فقلبت ياءً، والجمع يرد الشيء إلى أصله.
стр. 11072
وقوله أولاً: (فَأَسْلَمَ الهُرْمُزَانُ)، وكان أسره أبو موسى الأشعري، كان سيدًا فبعث به مع أنس إلى عمر، لما قدم عليه استعجم، فقال له عمر: تكلم. فقال: أكلام حي أم ميت؟ فقال عمر: تكلم فلا بأس -وبدرت الكلمة من عمر من غير تأول- فقال: كنا وإياكم نستعبدكم ونملككم معاشر العرب فأخلى الله بيننا وبينكم، فلما كان الله معكم لم يكن لنا بكم يدان؛ فتغيظ عمر وقال: قاتل الله البراء بن مالك، وَهَمَّ بِهِ؛ فقال له أنس: يا أمير المؤمنين، تركت خلفي شوكة شديدة وعدوًّا كثيرًا، إن قتلته يئس القوم من الحياة، وكان أشد لشوكتهم، وإن استحييته، طمع القوم، فقال: يا (أنس) (١)، استحيي قاتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور، فلمّا خشيت أن يبسط عليه قلت له: لا سبيل لك عليه، فقال: ولم، أعطاك؟، أصبت منه؟ (قلت: لا) (٢)، ولكنك قلت له: تكلم فلا بأس. قال: لتأتينّ بمن يصدق ما تقول أو لا بد من عقوبتك، ولم يحفظ عمر ما قال، وكان الزبير قد حضر لمقالته فصدق أنَسًا، فأسلم الهرمزان (٣).
وكانت الروم قاتلت الفرس في أول الإسلام، فعلم من ذلك الهرمزان ما علم، فضرب له مثلًا وهو صحيح، عقله عمر وعمل عليه، وإنما جعل كسرى الرأس؛ لأنه أعظم ملكًا وأكثر أتباعًا وأوسع بلدًا، ومثل بالجناحين، ولم يذكر الرجلين، وأراد بهما من سوى هؤلاء الثلاثة للأمم، ومبادرة المغيرة بالكلام للترجمان، إما أن يكون
стр. 11073
أذن له أمير الجيش النعمان، أو بادره لما عنده من ذلك من العلم، وليطفئ النعمان المقالة ولا يكلف الأمير مخاطبة الترجمان.
وفيه: وصف المغيرة لما كانوا عليه.
стр. 11074
٢ - باب إِذَا وَادَعَ الإِمَامُ مَلِكَ القَرْيَةِ هَل يَكُونُ ذَلِكَ لِبَقِيَّتِهِمْ ؟
٣١٦١ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تَبُوكَ، وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ. [انظر: ١٤٨١ - مسلم: ١٣٩٢ - فتح ٦/ ٢٦٦]
ذكر فيه حديث أبي حميد الساعدي: غَزَوْنَا مَعَ رسول الله ﷺ تَبُوكَ، وَأَهْدى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ.
هذا الحديث سلف في الزكاة (١)، واسمه: يوحنا بن رؤبة، صالَحَهُ علَى الجزية، وعلى أهل جرباء وأذرح، بلدين بالشام، فأعطوه الجزية، وبخط الدمياطي اسمه: يحنة بن رؤبة وهو ما ذكره ابن إسحاق. قال: لما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالح رسول الله ﷺ وأعطى الجزية، وأتاه أهلُ الجَربَاء وأَذْرُح فأعطوه الجزية، وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا فهو عندهم، وكتب ليحنة بن رؤبة: "بسم الله الرحمن الرحيم: هذِه أمنة من الله ومحمدٍ النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة، وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله وذمة محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحرين، فإن أحدث منهم حدثًا، فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وأنه طيبة لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماءً يردونه ولا طريقًا يردونها من برِّ أو بحر" (٢).
стр. 11075
والعلماء مجمعون على أن الإمام إذا صالح ملك القرية أن يدخل في ذلك الصلح بقيتهم؛ لأنه إنما صالح على نفسه ورعيته، ومنْ يلي أمره، ويشتمل عليه بلده وعمله.
ألا ترى أن في كتاب رسول الله ﷺ تأمين أيلة وأهل بلده، واختلفوا إذا أمَّن طائفة منهم، هل يدخل في ذلك العاقد للأمان؟ فذكر الفزاري عن حميد الطويل، قال: حدثني حبيب أبو يحيى، وكان مولاه مع أبي موسى، قال: حاصر أبو موسى حصنًا بسوس -أو بالسوس- فقال صاحبهم: أتأمن لي مائة من أصحابي وأفتح لك الحصين؟ قال: نعم، فجعل يعزلهم ويعدهم، فقال أبو موسى: أرجو أن يمكن الله به، وينسى نفسه، فعدّ مائة وعزلهم ونسي نفسه، فأخذه، فقال: إنك قد أمنتني. فقال: لا، أما إذا أمكن الله منك من غير غدر، فضرب عنقه.
وذكر أبو عبيد، عن الفزاري، عن حميد الطويل، عن حبيب (أبي) (١) يحيى، عن خالد بن زيد قال: حاضرنا السوس فلقينا جهدًا، وأمير الجيش أبو موسى، فصالحه دهقانها، وذكر الحديث (٢).
وذكر عن النخعي قال: ارتد الأشعث بن قيس في زمن الصديق مع ناس، وتحصنوا في قصر، فطلب الأمان لسبعين رجلاً، فأعطاهم، فنزل فعد سبعين، ولم يدخل نفسه فيهم، فقال له أبو بكر: إنك لا أمان لك، إنا قاتلوك، فأسلم وتزوج أخت الصديق (٣).
وفي "تاريخ دمشق": لما أخذ الأمان للسبعين من أهل نجير عددهم، فلمَّا بقي هو قام رجل إليه فقال: أنا معك، قال: إن الشرط
стр. 11076
على سبعين، ولكن كن أنت فيهم، وأنا أتخلف أسيرًا معهم (١).
وقال أصبغ وسحنون: يدخل العلج الآخذ للأمان للعدو المصالح عليهم في الأمان وإن لم يعد نفسه فيهم، ولا يحتاج أن يعد نفسه فيهم ولا يذكرها؛ لأنه لم يأخذ الأمان لغيره، إلاَّ وقد صحّ الأمان لنفسه، ولم يريا فعل أبي موسى حجة؛ قال سحنون: وبأقل من هذا صح الأمان للهرمزان من عند عمر بن الخطاب.
فصل:
قوله: (وَكَسَاهُ بُرْدًا): الكاسي هو رسول الله ﷺ ، وبينته أن في رواية أبي ذر: (فكساه).
فرع:
إذا عقد الإمام مع ملك القوم ورئيسهم أمرًا كان ذلك عقدًا على جملتهم كما سلف، وله أن يصالح عنهم على شيء يأخذه كل عام من جملتهم.
فصل:
ليس في حديث ملك أيلة كيفية طلب الموادعة، هل كان لنفسه أو لهم أو للمجموع؟ لكنه نسب الهدنة إليه خاصة والموادعة للجميع. قال ابن المنير: فأخذ من ذلك أنّ مهادنة الملك لا تدخل فيها الرعية إلا بنص على التخصيص (٢).
وهذا خلاف ما قدمناه.
стр. 11077
فصل:
قد سلف حكم الهدايا للإمام، وقال أبو الخطاب الحنبلي: ما أهداه المشركون لأمير الجيش أو لبعض قواده، فهو غنيمة إن كان ذلك في حال الغزو، وإن كان من دار الحرب إلى دار الإسلام فهي لمن أهديت له سواء كان الإمام أو غيره؛ لأنّ الشارع قبلها فكانت له دون غيره، وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: هي للمهدى له على كلّ حال.
стр. 11078
٣ - باب الوَصَاة بِأَهْلِ ذِمَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ -
وَالذِّمَّةُ: العَهْدُ، وَالإِلُّ: القَرَابَةُ.
٣١٦٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جُوَيْرِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ التَّمِيمِىَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، قُلْنَا: أَوْصِنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: أُوصِيكُمْ بِذِمَّةِ اللهِ، فَإِنَّهُ ذِمَّةُ نَبِيِّكُمْ، وَرِزْقُ عِيَالِكُمْ. [انظر: ١٣٩٢ - فتح ٦/ ٢٦٧]
ذكر فيه حديث شعبة، عن أبي جمرة -بالجيم- سَمِعْتُ جُوَيْرِيَةَ -بالجيم أيضًا- بْنَ قُدَامَةَ التَّمِيمِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، قُلْنَا: أَوْصِنَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِذِمَّةِ اللهِ، فَإِنَّهُ ذِمَّةُ نَبِيِّكُمْ، وَرِزْقُ عِيَالِكُمْ.
الشرح:
يقال: أوصيت له بشيء وإليه: جعلته وصيّا، والاسم: الوصاية: بكسر الواو وفتحها، وأوصيته ووصيته أيضًا توصية، والاسم: الوصاة. والحديث من أفراده.
وفي موضع آخر لما ذكر الشورى: وأوصي الخليفة بعدي بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم، ولا يكلفوا إلاَّ طاقتهم (١).
وأخرجه صاحب "الجعديات" عن شعبة مطولاً: أخبرنا أبو جمرة، سمعت جويرية بن قدامة قال: حججت فمررت بالمدينة، فخطب عمر فقال: إني رأيت ديكًا نقرني نقرة أو نقرتين، فما كان جمعة أو نحوها حتى أصيب، قال: وأذن للصحابة ثمّ لأهل المدينة ثمّ لأهل الشام ثمّ
стр. 11079
لأهل العراق، قال: وكنا آخر من دخل فقلنا: أوصنا، ولم يسأله الوصية أحدٌ غيرنا، فقال: أوصيكم بكتاب الله الحديث. وفيه: وأوصيكم بذمتكم فإنها ذمة نبيكم ورزق عيالكم، قوموا عني. فما زاد على هؤلاء الكلمات (١).
فصل:
قوله: (وَالإِلُّ): القرابة. هو قول الضحاك (٢).
قوله: (وَالذِّمَّةُ: العهد): استحسنه بعض المفسرين، وقال: الأصل فيه أن يقال: أذن مؤللة أي: محددة، فإذا قيل للعهد (إل) فمعناه: أنه قد حدد، وإذا قيل: للقرابة، فمعناه: أن أحدها يحاد صاحبه ويقاربه (٣).
وقال قتادة: (الإِلُّ): الحلف (٤). وقال مجاهد: (الإِلُّ): الله (٥).
وروي عنه: العهد (٦). وذكر العزيزي: أن (الإِل) على خمسة أوجه، فذكر هذِه الأربعة، وزاد: إلُّ: جوار، وأنكر بعضهم أن يكون (الإِلُّ): الله؛ لأن أسماءه توقيفية.
فصل:
وقول عمر: (ورزق عيالكم): يريد ما يؤخذ من جزيتهم، وما ينال منهم في ترددهم بين أمصار المسلمين.
стр. 11080
فصل:
وفيه: كما قاله المهلب: الحض على الوفاء بالذمة، وما عوقدوا عليه من قبض الأيدي عن أنفسهم وأموالهم غير الجزية. وقد ذم الشارع من إذا عاهد غدر (١)، وجعل ذلك من أخلاق النفاق.
وفيه: حسن النظر في عواقب الأمور والإصلاح لمعاني المال وأصول الاكتساب.
فائدة:
روى ابن عبد الحكم في كتابه "فتوح مصر" أحاديث الوصاة بقبط مصر:
منها: حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن: أنه ﵇ أوصى عند وفاته: "الله الله في قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدة وأعوانًا في سبيل الله".
ومنها: حديث رجل من الربذة أن رسول الله ﷺ قال: "استوصوا بالأدم الجعد" ثلاثًا، فسئل فقال: "قبط مصر فإنهم أخوال وأصهار".
ومنها حديث أبي هانئ الخولاني عن الحبلي وعمرو بن حبيب وغيرهما: أن رسول الله ﷺ قال: "إنكم ستقدمون على قوم جعد رءوسهم فاستوصوا بهم خيرًا".
وفي أفراد مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا: "إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا فإن لهم ذمة ورحما" (٢).
стр. 11081
وروي من طريق عمر بإسناد فيه ابن لهيعة، ومن طريق كعب بن مالك، أخرجهما العسكري، وبإسناد فيه ضعف، عن رجل من الصحابة يرفعه: "اتقوا الله في القبط".
ومثله عن سليمان بن يسار مرفوعًا: "استوصوا بالقبط فإنكم ستجدونهم نعم الأعوان".
ومثله من حديث ابن لهيعة، عن عمر مولى عفرة أنه ﵇ قال: "الله الله في أهل الذمة أهل المدرة السوداء" الحديث.
ذكر فيه أحاديث:
أحدها: حديث أنس: دَعَا رسول الله ﷺ الأَنْصَارَ لِيَكْتُبَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ؛ فَقَالُوا: لَا والله حَتَّى تَكْتُبَ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ مِثْلَهَا. الحديث. سلف في (باب): كتابة القطائع من الشرب، معلقًا عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أنس، وهنا قد أسنده عن أحمد بن يونس، ثنا زهير، عن يحيى، به، ويأتي في فضائل الأنصار (١).
ثانيها: حديث جابر: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ لِي: "لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ البَحْرَيْنِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا" الحديث سلف (٢).
ثالثها: حديث أنس أيضًا علقه؛ فقال: وقال إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ فَقَالَ: "انْثُرُوهُ". وساق الحديث، وسلف في الصلاة (٣).
قال المهلب: إنما أراد النبي ﷺ أن يخص الأنصار بهذا الإقطاع، لما كانوا تفضلوا به على المهاجرين من مشاركتهم في أموالهم، فقالت الأنصار: لا والله حتى تكتب لإخواننا من قريش، يعني: المهاجرين بمثلها إمضاءً لما وصفهم الله به من الأثرة على أنفسهم، وحسن التمادي على الكرم.
وفيه: جواز التردد على الإنسان بالقول فيما يأباه المرة بعد المرة، وجواز الترداد بالإبانة عن الشيء؛ لما يكون في ذلك من الفخر والعز، كما أبت الأنصار أن تقبل مال البحرين دون المهاجرين، فكان في ذلك فخرهم وعزهم.
стр. 11084
وفيه: لزوم الوعد للأمراء وأشراف الناس، وأنه إنما يقضى عنهم على طريق التفضل لمشاكلة ذلك لأخلاقهم.
(وسلف) (١) في الهبات ما يلزم من العدة وما لا يلزم، فراجعه من ثمَّ.
وفيه: تأدية الإمام ديون من كان قبله من الأئمة والخلفاء.
وفيه: أن من كان أصله على سبيل التفضل أن يكون جزافًا بغير وزن، بخلاف البيوع وما فيه معنى التشاح.
وأمَّا الفيء والجزية والخراج فحكم ذلك واحد، وهو ما اجتبي من مال أهل الذمة مما صولحوا عليه من جزية رءوسهم التي بها حقنت دماؤهم وحرمت أموالهم، ومنها: وضيعة أرض الصلح التي منعها أهلها حيث صولحوا منها على خراج مسمى، ومنها: خراج الأرضين التي فتحت عنوة، ثم أقرها الإمام في أيدي أهل الذمة على الجزية يؤدونه، ومنها ما يأخذ العاشر من أموال أهل الذمة التي يمرون بها لتجارتهم، ومنها ما يؤخذ من أهل الحرب إذا دخلوا بلاد الإسلام للتجارة، فكل هذا من الفيء الذي يعم المسلمين غنيهم وفقيرهم فيكون في أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية، وما ينوب الإمام من (أموال) (٢) الناس بحسن النظر إلى الإسلام وأهله، قاله أبو عبيد (٣).
واختلف أصحابنا في قسم الفيء فروي عن الصديق: التسوية بين الحر والعبد، والشريف والوضيع، وروي عنه: أنه كُلِّم في أن يفضل بين الناس فقال: فضيلتهم عند الله، فأمَّا هذا المعاش فالتسوية فيه خير، وهو مذهب علي، وبه قال عطاء والشافعي.
стр. 11085
وأما عمر فإنه كان يفضل أهل السوابق ومن له من رسول الله قرابة في العطاء، وفضل أمهات المؤمنين فيه على الناس أجمعين، ففرض لكل واحدة اثني عشر ألفًا، ولم يلحق بهن أحدًا إلا (العباس) (١)، فإنه جعله في عشرة آلاف.
وذهب عثمان في ذلك إلى التفضيل أيضًا، وبه قال مالك، فلمّا جاء على سوى بين الناس، وقال: لم أعب تدوين عمر الدواوين ولا تفضيله، ولكني أفعل كما كان خليلي رسولُ الله ﷺ يفعل.
فكان يقسم ما جاءه بين المسلمين، ثم يأمر ببيت المال فينضح ويصلى فيه.
وأمَّا الكوفيون فالأمر عندهم في ذلك إلى اجتهاد الإمام، إن رأى التفضيل فضل، وإن رأى التسوية سوى.
وأحاديث الباب دالة على التفضيل، فهي حجة لمن قال به.
فصل:
في حديث أنس الثاني: في مال البحرين: (فكان أكثر مال أتى رسول الله ﷺ ). قال الشيخ أبو محمد: كان مائة ألف وثمانين ألفًا.
وقال الداودي: كان ثمانين ألفًا، ولعله سقط منه من الكاتب مائة ألف، كما نبه عليه ابن التين.
وقوله: (احْتَمَلَهُ عَلَى كَاهِلِهِ) الكاهل: ما بين الكتفين.
стр. 11086
٥ - باب إِثْمِ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا بِغَيْرِ جُرْمٍ
٣١٦٦ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا». [٦٩١٤ - فتح ٦/ ٢٦٩]
ذكر فيه حديث الحسن بن عمرو، ثَنَا مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا".
هذا الحديث ذكره في الديات مترجمًا أيضًا بهذِه الترجمة (١)، وهو منقطع فيما بين عمرو ومجاهد كما بينه البرذعي في كتابه "المتصل والمرسل" بقوله: مجاهد عن ابن عمرو، ولم يسمع منه، وقد رواه مروان بن معاوية الفزاري: ثنا الحسن بن عمرو، عن مجاهد، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبد الله بن عمرو.
قال الدارقطني: وهو الصواب (٢). وزعم الجياني أن في نسخة أبي محمد الأصيلي: (عن عبد الله بن عمر) يعني: ابن الخطاب ولم يذكر خلافًا عن أبي أحمد وأبي زيد (٣).
وعند الإسماعيلي: "وإن ريحها ليوجد من سبعين عامًا"، وأخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ألا منْ قتل نفسًا معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن
стр. 11087
ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا" (١) وللنسائي من حديث أبي بكرة بإسنادٍ صحيح نحوه (٢).
فائدة:
قال أحمد: أربعة أحاديث تدور على ألسنة الناس ولا أصل لها عن رسول الله ﷺ : "من آذى ذميًّا فأنا خصمه يوم القيامة"، و"من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة"، و"نحركم يوم فطركم"، و"للسائل حق وإن جاء على فرس" وقد ثبت في "المقنع": بعضها مروي بأصل (٣).
فصل:
هذا على طريق الوعيد، والربُّ تعالى فيه بالخيار.
فصل:
(يَرَحْ): بفتح أوله وثانيه، وبكسر ثانيه وهو قول أبي عمر، أي: لم يجد ريحها.
وروي بضم أوله وكسر ثانيه من: أراح يريح، وهو قول الكسائي، والأجود الأول وعليه أكثرهم، كما ذكره ابن التين.
وقال ابن الجوزي: هو اختيار أبي عبيد، وهي الصحيحة.
ويأتي أبسط من هذا في الديات.
فصل:
فيه كما قال المهلب: دلالة أن المسلم لا يقتل بالذمي؛ لأن الوعيد للمسلم في الآخرة لم يذكر قصاصًا في الدنيا، وسيأتي مشبعًا في موضعه.
стр. 11088
فصل:
اختلف في ألفاظ الحديث في مسافة ريح الجنة، فسبق أربعة وسبعون، وفي "الموطأ" خمسمائة عام (١)، فيحتمل والله أعلم كما قال ابن بطال أن الأربعين هي أقصى أشد العمر في قول الأكثرين، فإذا بلغها ابن آدم زاد عمله ويقينه، واستحكمت بصيرته في الخشوع لله والندم على ما سلف، فكأنه وجد ريح الجنة التي تعينه على الطاعة، وتمكن من قلبه الأفعال الموصلة إلى الجنة، فهذا وجد ريح الجنة على مسيرة أربعين عامًا، وأما السبعون فإنها آخر المعترك، ويعرض للمرء عندها من الخشية والندم؛ لاقتراب أجله ما لم يعرض له قبل ذلك، وتزداد طاعته بتوفيق الله تعالى فيجد ريح الجنة من مسيرة سبعين عامًا، وأما وجه الخمسمائة فهي فترة ما بين نبيٍّ ونبي فيكون من جاء في آخر الفترة، واهتدى باتباع النبي الذي كان قبل الفترة ولم يضره طولها فوجد ريح الجنة من خمسمائة عام (٢).
"أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لله وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هذِه الأَرْضِ، فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لله وَرَسُولِهِ". ويأتي في الاعتصام، والإكراه (١).
وأخرجه مسلم أيضًا (٢).
حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ، ثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: يَوْمُ الخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ! .. لحديث.
ويأتي في المغازي (٣) وأخرجه مسلم (٤)، وقد سلف في باب: جوائز الوفد (٥).
وقال في آخره: (وَالثَّالِثَةُ خَيْرٌ، إِمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا، وإمَّا أَنْ قَالَهَا فَنَسِيتُهَا. قَالَ سُفْيَانُ: هذا مِنْ قَوْلِ سُلَيْمَانَ) أي: ابن أبي مسلم المكي الأعرج خال ابن أبي نجيح.
قال الجياني: ومحمد هذا لم ينسبه أحد من الرواة، وقد ذكر البخاري في الوضوء: حدثنا ابن سلام، ثنا ابن عيينة (٦). وقال في عدة مواضع: عن محمد بن يوسف البيكندي، عن ابن عيينة.
стр. 11091
وروى الإسماعيلي حديث الباب، عن الحسن بن سفيان، عن محمد بن خلاد الباهلي، عن ابن عيينة.
فصل (١):
أما الحديث فمعناه: أنه كان يكره أن يكون بأرض العرب غير المسلمين؛ لأثه امتحن في استقبال القبلة حتى نزل: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]، وامتحن مع بني النضير حين أرادوا الغدر به وأن يلقوا عليه حجرًا، فأمره الله بإجلائهم وإخراجهم وترك سائر اليهود، وكان لا يتقدم في شيءٍ إلا بوحي الله، وكان يرجو أن يحقق الله رغبته في إبعاد اليهود عن جواره، فقال ليهود خيبر: "أُقِرُّكُمْ ما أَقَرَّكُمُ اللهُ" منتظرًا للقضاءِ فيهم، فلم يوح إليه في ذلك بشيءٍ إلى أن حضرته الوفاة، فأوحي إليه فيه فقال: "لا يبقين دينان بأرض العرب" وأوصى بذلك عند موته فلما كان في خلافة عمر، وعدوا على ابنه وفدعوه، فحَصَ عن قوله ﷺ فيهم، فأخبر أنه أوصى عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب فقال: من كان عنده عهد من رسول الله فليأت به وإلا فإني مجليكم، فأجلاهم.
قال المهلب: وإنما أمر بإخراجهم خوف التدليس منهم، وأنهم متى رأوا عدوًّا قويًّا صاروا معه كما فعلوا برسول الله ﷺ يوم الأحزاب.
قال الطبري: وفيه من الفقه: أن الشارع سنَّ لأمته المؤمنين إخراج كل من دان بغير دين الإسلام من كلِّ بلدة للمسلمين سواء كانت تلك البلدة من البلاد التي أسلم أهلها عليها، أو من بلاد العنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم، ولم يكن الإسلام يومئذٍ ظهر في غير
стр. 11092
جزيرة العرب ظهور قهر، فبان بذلك أن سبيل كل بلدة قهر فيها المسلمون أهل الكفر، ولم يكن تقدم قبل ذلك من إمام المسلمين لهم عقد صلح على إقرارهم فيها، أن على الإمام إخراجهم منها ومنعهم القرار بها، إلا أن يكون المسلمون إليهم ضرورة الإقرار مسافر ومقام ظعن، وأكثر ذلك ثلاثة أيام بلياليهم كالذي فعل الأئمة الأبرار عمر وغيره، فإن ظنَّ ظان أن فعل عمر في ذلك إنما هو خاصٌّ بمدينة رسول الله ﷺ وسائر جزيرة العرب؛ لأمره عليه بإخراجهم منها دون سائر بلاد الإسلام، وقال: لو كان حكم غير جزيرة العرب كحكمها في التسوية بينهما جميعًا في إخراج أهل الكفر منها، لما كان عمر يقر النصارى النبط في سواد العراق، وقد قهرهم الإسلام وعلاهم، ولكان قد أجلى نصارى الشام ويهودها عنها وقد غلب الإسلام على بلادهم، ولما ترك مجوس فارس في أرضهم وقد غلبهم الإسلام وأهله.
فإن الأمر (في ذلك) (١) بخلاف ما ظن، وذلك أن عمر لم يقر أحدًا من أهل الشرك في أرض قد قهر فيها الإسلام وغلب.
لم يتقدم قبل ذلك قهر إياهم منه لهم أو من المؤمنين عقد صلح على الترك فيها إلا لضرورة المسلمين إلى إقرارهم فيها، كإقراره نبط سواد العراق في السواد بعد غلبة المسلمين عليه، وكإقرار من أقر من نصارى الشام فيها بعد غلبتهم على أرضها دون حصونها، فإنه أقرهم للضرورة إليهم في عمارة الأرض؛ إذ كان المسلمون في الحرب مشاغيل، ولو أجلوا عنها لخربت الأرض وبقيت بغير عامر، فكان فعلهم في ذلك نظير فعله ﵇ وفعل الصديق في يهود خيبر ونصارى
стр. 11093
نجران، فإنه ﵇ أقرَّ يهود خيبر بعد قهر المسلمين لهم عمَّالًا وعمَّارًا؛ إذ كانت بالمسلمين ضرورة لعمارة أرضهم لانشغالهم بالحرب في مناوأة الأعداء، ثم أمر ﵇ بإجلائهم عند استغنائهم عنهم، وقد كانوا سألوه عند قهرهم على الأرض إقرارهم فيها عمالًا لأهلها، فأجابهم إلى إقرارهم فيها ما أقرهم الله، وإجلائهم منها إذا رأى ذلك، وأقرهم الصديق على نحو ذلك.
فأما إقرارهم مع المسلمين في مِصْر لم يكن تقدم في ذلك قبل غلبة المسلمين عليه عقد صلح بينهم وبين المسلمين، فيما لا نعلمه صح به عنه ولا عن غيره من أئمة الهدى خبر، ولا قامت بجواز ذلك حجة، بل الحجة في ذلك عن الأئمة ما قلنا.
ثم ساق بإسناده إلى قيس بن الربيع: حدثنا أبان بن تغلب، عن رجل قال: إن منادي علي ﵁ ينادي كل يوم: لا يبيتن بالكوفة يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، الحقوا بالحيرة.
وإلى ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: لا يساكنكم أهل الكتاب في أمصاركم.
قال يحيى بن آدم: هذا عندنا على كل مصرٍ اختطه المسلمون، ولم يكن لأهل كتاب، فنزل عليهم المسلمون.
قال الطبري: وهذا قول لا معنى له؛ لأن ابن عباس لم يخصص بقوله: لا يساكنكم أهل الكتاب مصرًا سكانه (أهل) (١) الإسلام دون غيرهم، بل عم ذلك بقوله: جميع أمصاركم، وأن دلالة أمره ﵇ بإخراج اليهود من جزيرة العرب، يوضح بصحة ما قال ابن عباس،
стр. 11094
وأن الواجب على الإمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه الإسلام إذا لم يكن بالمسلمين إليهم ضرورة، ولا كانت من بلاد الذمة التي صولحوا على الإقرار فيها؛ إلحاقًا لحكمه بجزيرة العرب، وذلك أن خيبر لم تكن من البلاد التي اختطها المسلمون، وكذلك نجران بل كانت لأهل الكتاب، وهم كانوا عمارها وسكانها، فأمر ﵇ بإخراجهم حين غلب عليها الإسلام، ولم يكن بهم إليهم ضرورة.
ثم ساق من حديث جرير، عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "لا تصلح قبلتان في أرض" فإذا صحَّ ما قلناه فالواجب على الإمام إذا أقر بعض أهل الكتاب في بعض بلاد المسلمين؛ لحاجتهم إليهم لعمارتها أو لغير ذلك ألا يدعهم في مصرِهم أكثر من ثلاث، وأن يسكنهم خارجًا من مصرهم كالذي فعل عمر وعلي، وأن يمنعهم من اتخاذ الدور والمساكن في أمصارهم، فإن اشترى منهم مشتر في مصر من أمصار المسلمين دارًا أو ابتنى به مسكنًا، فالواجب على إمام المسلمين أخذه ببيعها عليه، كما يجب عليه لو اشترى مملوكًا مسلمًا، أن يأخذه ببيعه؛ لأنه ليس من المسلمين إقرار مسلم في ملك كافر، فكذلك غير جائز إقرار أرض المسلمين في غير ملكهم، قال غيره: وكذلك الحكم في الرجل المسلم الفاسق إذا شهد عليه أنه مؤذٍ لجيرانه بالسفه والتسليط، ويشتكي منه جيرانه، وصحَّ ذلك عند الحاكم أن له أن يخرجه من بين أظهرهم، وإن كانت له دارٌ أكراها عليه، فإن لم يجد لها مكتريًا باعها عليه، ودفع الأذى عن جيرانه، وقال ابن القاسم: تكرى ولا تباع، وسيأتي هذا المعنى في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى (١).
стр. 11095
فصل:
في حديث ابن عباس كما قال المهلب: أن جوائز الوفود سنة.
فصل:
قد أسلفنا الكلام على حدِّ جزيرة العرب واضحًا، ونقل ابن بطال هنا عن أبي عبيد، عن الأصمعي: أن جزيرة العرب ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضًا (١). وعن إسماعيل بن إسحاق: عقبة تبوك هي الفرق بين جزيرة العرب وأهل الشام، وعن أبي عبيد، أن جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن طولاً، وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة عرضًا (٢). قال الطبري: وإنما قيل لها جزيرة العرب، وإنما هي: جزيرة البحر؛ تعريفًا لها وفرقًا بينهما وبين سائر الجزائر، كما قيل لأجا وسلمى -وهما جبلان من نجد-: جبلا طيّء، تعريفًا لهما بطيء؛ وفرقًا بينهما وبين سائر جبال نجد، وإنما قيل لها: جزيرة؛ لانقطاع ما كان فائضًا عليها من ماء البحر، وأصل الجزر في كلام العرب القطع، ومنه سمي الجزار: جزارًا؛ لقطعه أعضاء البهيمة (٣).
وأخرجه أبو داود من حديث ابن شهاب عن جابر، ولم يسمع عنه (١).
وفي آخر المغازي: قال البخاري: قال يونس: عن عروة: قالت عائشة: كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة مازلت أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم" (٢) وهو تعليق أسنده الإسماعيلي من حديث عنبسة، عن خالد، عن يونس به، والحاكم في "إكليله"، أخرجه من حديث عنبسة أيضًا.
وروى البخاري من حديث أنس، قال: (يا) (٣) رسول الله ألا نقتلها؟ يعني: التي سمته قال: "لا". قال: فمازلت أعرفها في لهوات النبي (٤).
ولابن إسحاق: فدعا بالتي سمته فاعترفت (٥).
ولأحمد من حديث ابن مسعود: كنا نرى أنه ﵇ سمَّ في ذراع الشاة، وأن اليهود سموه (٦).
وعن ابن عباس: أنه ﵇ احتجم وهو محرم من أكلة أكلها من شاة مسمومة (٧).
стр. 11098
وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك: أن أمَّ بشر دخلت على رسول الله في وجعه الذي قبض فيه فقالت: ما تتهم على نفسك؟ قال: "الطعام الذي أكله ابنك بخيبر وهذا أوان قطع أبهري" (١).
وللواقدي عن الزهري: أن زينب التي سمته، هي: ابنة أخي مرحب، وأنه ﵇ قال لها: "مَا حَمَلَكِ عَلَى هذا؟ " قالت: قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي. قال محمد: فسالت إبراهيم بن جعفر عن هذا قال: أبوها الحارث، وعمها يسار، وكان أجبن الناس، وهو الذي أنزل من الرفِّ، وأخوها زبير، وزوجها سلام بن مشكم.
وأما السهيلي فقال: هي أخت مرحب (٢). قال محمد بن عمر: والثبت عندنا: أن رسول الله ﷺ قتلها ببشر بن البراء بن معرور: يعني الآكل معه منها، وأمر بلحم الشاة فأحرق.
وهذِه المسألة سأل عنها مالك الإمام الواقدي، قال المنتجالي: وذلك أن مالكًا سئل عنها، ولم يكن عنده فيها شيء، فرأى الواقدي -وهو شاب إذ ذاك- فسأله عنها، فقال: الذي عندنا: أنه قتلها، فخرج مالك إلى الناس فقال: سألنا أهل العلم فأخبرونا أنه قتلها.
وعن الزهري قال: قال جابر: احتجم رسول الله يومئذٍ على الكاهل حجمه أبو طَيْبَة بالقَرْن والشَّفْرة، وقيل: بل حجمه أبو هند، واسمه: عبد الله.
стр. 11099
ولأبي نعيم في "طبه" عن عبد الرحمن بن عثمان: احتجم ﵇ تحت كتفه اليسرى من الشاة التي أكل يوم خيبر، وعن عبد الله بن جعفر: احتجم على قرنه بعد ما سُمَّ. وفي إسنادهما ضعف (١).
قال الواقدي: وألقي من شحم تلك الشاة لكلب، فما تبعت يد رجل حتى مات.
ولأبي داود: أمر بها فقتلت (٢)، وفي لفظ: قتلها وصلبها.
وفي "جامع معمر" عن الزهري: لما أسلمت تركها، قال معمر: كذا قال الزهري: أسلمت، والناس يقولون قتلها، وأنها لم تسلم (٣)، وكانت أهدت الشاة المصلية لصفية.
قال السهيلي: قيل: إنه صفح عنها، والجمع بين القولين: أنه ﵇ كانت عادته أنه لا ينتقم لنفسه، فلما مات بشر بن البراء بعد ذلك بحول (٤). فيما ذكره البيهقي، وعند القرطبي: لم يبرح من مكانه حتى مات- قتلها به.
وعن ابن عباس: دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها، ومن ذلك الحين لم يأكل ﵇ من هدية تهدى له حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها.
جاء ذلك في حديث أخرجه ابن مطير (٥) في "معجمه" عن أحمد بن حنبل: حدثنا سعيد بن أحمد، ثنا أبو تميلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا
стр. 11100
عبد الملك بن أبي بكر عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن ابن الحوتكية، يعني: يزيد عن عمار بن ياسر .. فذكره.
وأخرجه الطبراني في أكبر معاجمه عن عبد الله بن أحمد، ثنا سعيد بن محمد، فذكره إلى عمار قال: كان رسول الله لا يأكل من هدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها للشاة التي أهديت له (١).
وذكره ابن عساكر في "تاريخه" في ترجمة مسلم بن قتيبة: حدثني أبي، ثنا يحيى بن الحصين بن المنذر، عن أبيه: أن ساسان قال: سمعت عمارًا، به، ذكره عن أبي نصر القشيري، أنا البيهقي، أنا الحاكم، أنا على الحسيني، أنا خالد بن أحمد، حدثني أبي، حدثني سعيد بن سلم بن قتيبة به، ولفظه: كان رسول الله ﷺ لا يأكل الهدية حتى يأكل منها من أهداها إليه بعد ما أهدت إليه المرأة الشاة المسمومة بخيبر (٢).
فصل:
في هذا الحديث: أن القتل بالسم كالقتل بالسلاح الذي يوجب القصاص، وهو قول مالك.
وقال الكوفيون: لا قصاص فيه، وفيه الدية على العاقلة، قالوا: ولو دسه في طعام أو شراب لم يكن عليه شيء ولا عاقلته.
وقال الشافعي: إذا فعل ذلك وهو مكره، ففيه قولان في وجوب القَوَدِ، أصحهما: لا.