وأخرجه أبو داود من حديث ابن شهاب عن جابر، ولم يسمع عنه (١).
وفي آخر المغازي: قال البخاري: قال يونس: عن عروة: قالت عائشة: كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة مازلت أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم" (٢) وهو تعليق أسنده الإسماعيلي من حديث عنبسة، عن خالد، عن يونس به، والحاكم في "إكليله"، أخرجه من حديث عنبسة أيضًا.
وروى البخاري من حديث أنس، قال: (يا) (٣) رسول الله ألا نقتلها؟ يعني: التي سمته قال: "لا". قال: فمازلت أعرفها في لهوات النبي (٤).
ولابن إسحاق: فدعا بالتي سمته فاعترفت (٥).
ولأحمد من حديث ابن مسعود: كنا نرى أنه ﵇ سمَّ في ذراع الشاة، وأن اليهود سموه (٦).
وعن ابن عباس: أنه ﵇ احتجم وهو محرم من أكلة أكلها من شاة مسمومة (٧).
стр. 11098
وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك: أن أمَّ بشر دخلت على رسول الله في وجعه الذي قبض فيه فقالت: ما تتهم على نفسك؟ قال: "الطعام الذي أكله ابنك بخيبر وهذا أوان قطع أبهري" (١).
وللواقدي عن الزهري: أن زينب التي سمته، هي: ابنة أخي مرحب، وأنه ﵇ قال لها: "مَا حَمَلَكِ عَلَى هذا؟ " قالت: قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي. قال محمد: فسالت إبراهيم بن جعفر عن هذا قال: أبوها الحارث، وعمها يسار، وكان أجبن الناس، وهو الذي أنزل من الرفِّ، وأخوها زبير، وزوجها سلام بن مشكم.
وأما السهيلي فقال: هي أخت مرحب (٢). قال محمد بن عمر: والثبت عندنا: أن رسول الله ﷺ قتلها ببشر بن البراء بن معرور: يعني الآكل معه منها، وأمر بلحم الشاة فأحرق.
وهذِه المسألة سأل عنها مالك الإمام الواقدي، قال المنتجالي: وذلك أن مالكًا سئل عنها، ولم يكن عنده فيها شيء، فرأى الواقدي -وهو شاب إذ ذاك- فسأله عنها، فقال: الذي عندنا: أنه قتلها، فخرج مالك إلى الناس فقال: سألنا أهل العلم فأخبرونا أنه قتلها.
وعن الزهري قال: قال جابر: احتجم رسول الله يومئذٍ على الكاهل حجمه أبو طَيْبَة بالقَرْن والشَّفْرة، وقيل: بل حجمه أبو هند، واسمه: عبد الله.
стр. 11099
ولأبي نعيم في "طبه" عن عبد الرحمن بن عثمان: احتجم ﵇ تحت كتفه اليسرى من الشاة التي أكل يوم خيبر، وعن عبد الله بن جعفر: احتجم على قرنه بعد ما سُمَّ. وفي إسنادهما ضعف (١).
قال الواقدي: وألقي من شحم تلك الشاة لكلب، فما تبعت يد رجل حتى مات.
ولأبي داود: أمر بها فقتلت (٢)، وفي لفظ: قتلها وصلبها.
وفي "جامع معمر" عن الزهري: لما أسلمت تركها، قال معمر: كذا قال الزهري: أسلمت، والناس يقولون قتلها، وأنها لم تسلم (٣)، وكانت أهدت الشاة المصلية لصفية.
قال السهيلي: قيل: إنه صفح عنها، والجمع بين القولين: أنه ﵇ كانت عادته أنه لا ينتقم لنفسه، فلما مات بشر بن البراء بعد ذلك بحول (٤). فيما ذكره البيهقي، وعند القرطبي: لم يبرح من مكانه حتى مات- قتلها به.
وعن ابن عباس: دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها، ومن ذلك الحين لم يأكل ﵇ من هدية تهدى له حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها.
جاء ذلك في حديث أخرجه ابن مطير (٥) في "معجمه" عن أحمد بن حنبل: حدثنا سعيد بن أحمد، ثنا أبو تميلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا
стр. 11100
عبد الملك بن أبي بكر عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن ابن الحوتكية، يعني: يزيد عن عمار بن ياسر .. فذكره.
وأخرجه الطبراني في أكبر معاجمه عن عبد الله بن أحمد، ثنا سعيد بن محمد، فذكره إلى عمار قال: كان رسول الله لا يأكل من هدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها للشاة التي أهديت له (١).
وذكره ابن عساكر في "تاريخه" في ترجمة مسلم بن قتيبة: حدثني أبي، ثنا يحيى بن الحصين بن المنذر، عن أبيه: أن ساسان قال: سمعت عمارًا، به، ذكره عن أبي نصر القشيري، أنا البيهقي، أنا الحاكم، أنا على الحسيني، أنا خالد بن أحمد، حدثني أبي، حدثني سعيد بن سلم بن قتيبة به، ولفظه: كان رسول الله ﷺ لا يأكل الهدية حتى يأكل منها من أهداها إليه بعد ما أهدت إليه المرأة الشاة المسمومة بخيبر (٢).
فصل:
في هذا الحديث: أن القتل بالسم كالقتل بالسلاح الذي يوجب القصاص، وهو قول مالك.
وقال الكوفيون: لا قصاص فيه، وفيه الدية على العاقلة، قالوا: ولو دسه في طعام أو شراب لم يكن عليه شيء ولا عاقلته.
وقال الشافعي: إذا فعل ذلك وهو مكره، ففيه قولان في وجوب القَوَدِ، أصحهما: لا.
стр. 11101
فصل:
وفيه أيضًا: من علامات النبوة ما هو ظاهر من كلام الجماد، وأنَّ السم لم يؤثر فيه حتى كان عند وفاته، لتجتمع له النبوة مع الشهادة؛ مبالغة في كرامته ورفع درجته.
وفيه: أن السموم لا تؤثر بذاتها بل بإذن الرب ﷻ ومشيئته، ألا ترى أن السم أثر في بشر ولم يؤثر في رسول الله ﷺ ، فلو كان يؤثر بذاته لأثر فيهما في الحال.
فصل:
فيه: العفو عن المشركين إذا غدروا لشيء يستدرك إصلاحه وجبره، ويعصم الله منه إذا رأى الإمام ذلك، وإن رأى عقوبتهم عاقبهم لما يؤديه إليه اجتهاده، وأما إذا غدروا بالقتل أو مما لا يستدرك جبره، وما لا يعتصم من شره، فلا سبيل إلى العفو كما فعل الشارع في العرنيين عاقبهم بالقتل (١)، وإن كان ﵇ قال لعائشة: "ما زالت أكلة خيبر لتعاهدني، فهذا أوان انقطاع أبهرى" لكنه عما عنهم حين لم يعلم أنه يقضي عليه؛ لأن الله تعالى دفع عنه ضر السم بعد أن أطلعه على المكيدة فيه بآية معجزة أظهرها له من كلام الذراع، ثم عصمه الله من ضره مدة حياته، حتى إذا دنا أجله بغى عليه السم، فوجد ألمه.
وأراد الله تعالى له الشهادة بتلك الأكلة ولذلك لم يعاقبهم، وأيضًا فإن اليهود قالوا: أردنا أن نختبر بذلك نبوتك وصدقك، فإن كنت نبيًّا لم يضرك، فقد يمكن أن يعذرهم بتأويلهم، وأيضًا فإنه كان لا ينتقم لنفسه؛ تواضعًا لله كما مرَّ، وكان لا يقتل أحدًا من المنافقين المناصبين له
стр. 11102
بالعداوة والغوائل؛ لأنه كان على خلق عظيم من الصلح والإغضاء والصبر، وأصل هذا كله أن الإمام فيه بالخيار، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه.
فصل:
ترجمة البخاري: هل يعفى عنهم؟ ولم يذكر في الحديث العفو ولا عدمه، وليس فيه أن ذلك كان بعد عهد، فإن يكن عما فهو بفضل منه لوجه يرجوه من إسلامهم أو لاستئلاف من حلفائهم من المسلمين وإن يكن عاقب بقتلٍ أو سبيٍ، فهو جزاؤه، قاله الداودي.
وقد أسلفنا رواية قتلها، ثم قال: والذي يدل عليه ظاهر الأمر أنه أبقاهم لحاجته إليهم في عمل الأرض.
قال: وفيه دليلٌ أنه أخبر بالسم، ولم يذكر قبل أن أكل ولا بعد، وفي الحديث الآخر: أن امرأة جعلت له سُمًّا في شاة، فإمَّا أن يكون الأمران جميعًا أو في إحدى الروايتين وهم.
وقوله: لم يذكر هل كان قبل أن يأكل أو بعده.
تنبيه:
الحديث: أنه كان بعد أن أكل؛ لأنه قال: "ما زالت أكلة خيبر تعادني، فهذا أوان انقطاع أبهري".
стр. 11103
٨ - باب دُعَاءِ الإِمَامِ عَلَى مَنْ نَكَثَ عَهْدًا
٣١٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁ عَنِ القُنُوتِ، قَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ. فَقُلْتُ: إِنَّ فُلَانًا يَزْعُمُ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: كَذَبَ. ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، قَالَ: بَعَثَ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ -يَشُكُّ فِيهِ- مِنَ الْقُرَّاءِ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَعَرَضَ لَهُمْ هَؤُلَاءِ فَقَتَلُوهُمْ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ، فَمَا رَأَيْتُهُ وَجَدَ عَلَى أَحَدٍ مَا وَجَدَ عَلَيْهِمْ. [انظر: ١٠٠١ - مسلم: ٦٧٧ - فتح ٦/ ٢٧٢]
ذكر فيه حديث عاصم: سَأَلْتُ أَنَسًا عَنِ القُنُوتِ .. الحديث.
وقد سلف في الصلاة في باب: القنوت قبل الركوع وبعده، وقال هناك في القراء: زهاء سبعين، وقال هنا: بعث أربعين أو سبعين -يشك فيه- من القراء.
وشيخ البخاري (أَبُو النُّعْمَانِ): هو عارم محمد بن الفضل السدوسي، مات بعد العشرين ومائتين، قيل: تغير بآخره، وشيخه: ثابت بن زيد، وقيل: ابن زيد، والأول: أصح، يكنى أبا زيد الأحول، بصري. وشيخه: عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن، بصري، مولى بني تميم، وقيل: مولى عثمان، مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومائة، وذكره البخاري أيضًا في الوتر (١) والجنائز (٢)، ويأتي في المغازي (٣) والدعوات (٤).
стр. 11104
فصل:
قد أسلفنا الجزم برواية (سبعين) فيما مضى، ولما ذكر ابن التين رواية الشك قال: هم سبعون كما تقدم، وأن المسلمين أصيبوا بثلاث مصائب، قتل في كل مصيبة منهم سبعون: يوم أحد ويوم القراء ويوم اليمامة في خلافة الصديق.
فصل:
وكان ﷺ لا يدعو بالشر على أحد من الكفار ما دام يرجو لهم الرجوع والإقلاع عمّا هم عليه، ألا ترى أنه ﵇ سئل أن يدعو على دوس فدعا لها بالهدى (١)، وإنما دعا علي بني سليم حين نكثوا العهد وغدروا ويئس من إنابتهم ورجوعهم عن ضلالتهم، فأجاب الله بذلك دعوته، وأظهر صدقه وبرهانه، وهذِه القصة أجل في جواز الدعاء في الصلاة، والخطبة على عدو المسلمين ومن خالفهم ومن نكث عهدًا وشبهه.
стр. 11105
٩ - باب أَمَانِ النِّسَاءِ [وَجِوَارِهِنَّ]
٣١٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ -أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ ابْنَةِ أَبِي طَالِبٍ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ ابْنَةَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟». فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ». فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ، فَصَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلاً قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ». قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَلِكَ ضُحًى. [انظر: ٢٨٠ - مسلم: ٣٣٦ - فتح ٦/ ٢٧٣]
ذكر فيه حديث أم هانئ السالف في الطهارة (١).
وفيه: أبو النضر، واسمه: سالم بن أبي أمية، مات في خلافة مروان بن محمد.
وفيه: أبو مرة يزيد بن مرة مولى عقيل، وقيل: مولى أم هانئ، وهو ما في البخاري.
قال الداودي: وهو واحد، وإنما كان عبدًا لهما، فأعتقاه، فنسب مرة لهذا، ومرة لعقيل، قال: وقوله: (عام الحديبية وفاطمة ابنته تستره) وَهَمٌ من عبد الله بن يوسف شيخ البخاري، وهو عجيب منه، فالذي في الروايات كلها: عام الفتح.
وقوله: (وَفَاطِمَةُ ابنتُهُ تَسْتُرُهُ)، صفته: أن تجعل الثوب أيمن عنها أو تجعله من وراء ظهرها.
стр. 11106
وقوله: (على) يحتمل أن يكون تهديدًا بالقتل ليستأمر النبي في قتله، ويحتمل عنده أن جوار المرأة لا ينفع كالابن.
قال ابن التين: والمؤَمَنون سَبْعَةٌ: إمامٌ، وحر، وحرة، وعبد، وصبيٌّ يعقل، ومجنون، وكافر. فأمان الإمام جائز قطعًا، وأمان المجنون والكافر غير جائز قطعًا، واختلف في الباقي، فمنع عبد الملك أمان الجميع، وخالفه ابن القاسم في العبد، وقال سحنون: إن أذن له سيده في القتال صحَّ أمانه وكذلك خالفه في الصبي والمرأة والحر.
وجه قول ابن القاسم قوله ﵇ بعد هذا: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله" (١).
قلت: عندنا لا يصح أمان الثلاثة الأخيرة.
فصل:
فيه من الفقه: جواز أمان المرأة، وأن من أمنته حرم قتله، وقد أجارت زينب بنت رسول الله ﷺ أبا العاص بن الربيع، وعلى هذا جماعة الفقهاء بالحجاز والعراق؛ منهم: مالك، والثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق.
وشذ عبد الملك وابن الماجشون وسُحْنون عن الجماعة فقالا: أمان المرأة موقوف على جواز الإمام، فإن أجازه جاز، وإن رده رد. واحتج من ذهب إلى ذلك بأمان أم هانئ لو كان جائزًا على كل حال دون إذن الإمام ما كان (علي) (٢) ليريد قتل منْ لا يجوز قتله بأمان من يجوز أمانه ولقال لها: من أمنت أنت وغيرك فلا يحلُّ قتله.
стр. 11107
فلما قال لها: "قد أجرنا من أجرت" كان دليلًا على أن أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام أو رده.
واحتج الآخرون بأنَّ عليًّا وغيره لا يعلم إلا ما علمه رسول الله، وإن أراد به لقتل ابن هبيرة كان قبل أن يعلم قوله: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم"، ولما وجدنا هذا الحديث من رواية علي ثبت ما قلناه، وكان من المحال أن يعلم على هذا من رسول الله ﷺ ويرويه عنه، ثم يريد قتل من أجارته أخته، وعلى هذا القول يكون تأويل قوله: "قد أجرنا من أجرت"، أي: أن سنتنا وحكمنا إجارة من أجرت أنت ومثلك، والدليل على صحة هذا التأويل قوله ﵇: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم" والمرأة من أدناهم (١).
وقد ذكر إسماعيل بن إسحاق من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه ﵇ خطب بها عام الفتح على درجات الكعبة، وقال: "يد المسلمين واحدة على من سواهم" وذكر الحديث (٢).
стр. 11108
١٠ - باب ذِمَّةُ المُسْلِمِيَن [وَجِوَارُهُمْ] وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ
٣١٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ فَقَالَ: مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلاَّ كِتَابُ اللهِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ فَقَالَ: فِيهَا الجِرَاحَاتُ وَأَسْنَانُ الإِبِلِ، وَالْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى فِيهَا مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ. [انظر: ١١١ - مسلم:. ١٣٧٠ - فتح ٦/ ٢٧٣]
ذكر فيه حديث علي ﵁: مَا عِنْدَنَا كِتَاث نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابُ اللهِ، وَمَا فِي هذِه الصَّحِيفَةِ، فَقَالَ: فِيهَا الجِرَاحَاتُ وَأَسْنَانُ الإبِلِ .. الحديث. سلف في الحج، في باب: ما جاء في حرم المدينة (١)، ويأتي في الفرائض والاعتصام (٢)، والبخاري هنا رواه عن محمد، ثنا وكيع عن الأعمش، قال الجياني: نسبه ابن السكن: ابن سلام، وقال الكلاباذي: محمد بن مقاتل، ومحمد بن سلام، ومحمد بن نمير رووا في "الجامع" عن وكيع بن الجراح (٣).
ورواه في الحج عن محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن الأعمش (٤).
стр. 11109
وسلف هناك الكلام على الصرف والعدل واضحًا.
فصل:
معنى: (فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا): نقض عهده، يقال: أخفرته: نقضت عهده، وخفرته: أجرته، وأخفرته أيضًا: جعلت له خفيرًا.
فصل:
معنى قوله: (ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ) أي: من انعقدت عليه ذمة من طائفة من المسلمين واجب مراعاتها من جماعاتهم إذا كان يجمعهم إمام واحد، كما نبه عليه المهلب، فإن اختلفوا، فالدية لكل سلطان لازمة لأهل عمله، وغير لازمة للخارجين عن طاعتهم؛ لأنه ﵇ إنما قال ذلك في وقت اجتماعهم في طاعته، ويدل على ذلك حديث أبي بصير حين كان شارط رسول الله ﷺ أهل مكة وقاضاهم على المهادنة بينهم وبين المسلمين (١)، فلما خرج أبو بصير من طاعة رسول الله ﷺ وامتنع لم يلتزم رسول الله ذمته، ولا طولب برد جنايته، ولا لزمه غرم ما انتهكه من المال.
وقال ابن المنذر: في قوله: "يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ" أن الذمة: الأمان، يقول: أن كل من أمن أحدًا من الحربيين جاز أمانه على (جميع المسلمين) (٢) ذميًّا كان أو شريفًا، عبدًا كان أو حرًّا، رجلاً كان أو امرأة، وليس لهم أن يحقروه.
واتفق مالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور على جواز أمان العبد قاتل أو لم يقاتل، واحتجوا بهذا الحديث.
стр. 11110
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يجوز أمانه إلا أن يقاتل. وقولهما خلاف مفهوم الحديث.
وأجاز مالك أمان الصبي إذا عقل الإسلام، ومنع ذلك أبو حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء.
واحتج الشافعي بأن الصبي لا يصح عقده، فكذلك أمانه.
وحجة مالك عموم قوله: "يجير على المسلمين أدناهم" فدخل فيه، وأيضًا فإن أمانه تطوع، وهو ممن يصح منه التطوع، ويفرض له سهمه إذا قاتل، وأما الأمان فمما اختص به من له حرمة الإسلام، فجعل لأدناهم كما جعل لأعلاهم، وعلى أن الصبي والعبد أحسن حالاً من المرأة؛ لأنها ليست من جنس من يقاتل.
وقد سلف في الباب قبله شيء من ذلك.
فصل:
وقوله: (فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا) يعني: فِيمَنْ أجاره، وهذا اللعن، وسائر لعن المسلمين إنما هو متوجه إلى الإغلاظ والترهيب عليهم عن المعاصي والإبعاد لهم من قبل مواقتعها، فإذا وقعوا فيها دعي لهم بالتوبة، يبينه حديث النعمان.
وقوله: (لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) أي: في هذِه الجناية، أي: لا كفارة لها؛ لأنه لم يشرع فيها كفارة، فهي إلى أمر الله، إن شاء عذب بها وإن شاء غفرها على مذهب أهل السنة في الوعيد.
стр. 11111
١١ - باب إِذَا قَالُوا: صبَأْنَا، وَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ».
وَقَالَ عُمَرُ ﵁: إِذَا قَالَ: مَتْرَسْ. فَقَدْ آمَنَهُ، إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ كُلَّهَا. وَقَالَ: تَكَلَّمْ لَا بَأْسَ. [انظر: ٣١٥٩ - فتح ٦/ ٢٧٤]
الشرح:
تعليق ابن عمر أسنده في المغازي، فقال: حدثني محمود، أنا عبد الرزاق: أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: بعث النبي ﷺ خالدًا إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، فلما قدمنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "اللَّهُمَّ إني أبرأ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ" مرتين (١)، ويأتي في الأحكام أيضًا (٢)، ومقصود البخاري منه لفظة: صبأنا، ولم يذكرها وكأنه أحال على أصله.
وأثر عمر أخرجه مالك في: "الموطأ" عن رجلٍ من أهل الكوفة عنه: أنه كتب إلى عامله حين كان بعثه: إنه بلغني أن رجالًا منكم يطلبون العلج حتى إذا أسند في الجبل وامتنع قال رجل: مترس - وفي رواية: "مطرس" يقول: لا تخف، فإذا أدركه قتله، وإني والذي
стр. 11112
نفسي بيده لا أعلم مكان أحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه.
قال مالك: وليس على هذا العمل، في قتل المسلم بالكافر (١). وعليه العمل في جواز التأمين. قاله ابن بطال (٢).
ورواه البيهقي من حديث الأعمش، عن أبي وائل قال: جاءنا كتاب عمرو: إذا قال الرجل للرجل: لا تخف، فقد آمنه، وإذا قال: مترس، فقد أمَّنه، فإن الله يعلم الألسنة، وفي رواية له: "وإذا قال: لا تذهل، فقد أمَّنه، فإن الله يعلم الألسنة" (٣).
فائدة:
(مترس) بفتح الميم والتاء وسكون الراء، كذا ضبطه الأصيلي، وضبطه غيره بفتح الراء، وضبطه أبو ذر بكسر الميم، وسكون الراء، وأهل خراسان كانوا يقولون ليحيى بن يحيى في "الموطأ": مترس (٤).
قال عياض: معناها في لسان العجم: لا بأس، وقال ابن الأثير: هي لفظة فارسية أي: لا تخف، وبخط الدمياطي في الأصل: مترس -بفتح الميم والتاء وسكون الراء-، وكتب في الحاشية: مترس ومترس.
فصل:
قوله: أو قال: تكلم لا بأس، هو من قول عمر، وقد أسلفناه في الجزية والموادعة قريبًا، وأخرجه ابن أبي شيبة عن مروان بن معاوية، عن حميد، عن أنس قال: حاضرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم
стр. 11113
عمر بن الخطاب، فلما قدم عليه استعجم فقال عمر: تكلم، لا بأس عليك، فكان ذلك عهدًا وتأمينًا من عمر (١).
فصل:
مقصود البخاري بالترجمة: أن المفاسد تعتبر بأدلتها كيف ما كانت الأدلة لفظية أو غيرها على وفق لغة العرب أو غيرها.
قال ابن بطال: غرض البخاري في الباب نحو ما تقدم ممن تكلم بالفارسية والرطانة، وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] فذكر ذلك عن رسول الله ﷺ أنه تكلم فيه بألفاظ الفارسية كانت متعارفة عندهم، خاطب بها أصحابه ففهموها عنه، فالمراد من هذين البابين أن العجم إذا قالوا: صبأنا وأرادوا بذلك الإسلام، فقد حقحْوا بها دماءهم ووجب لهم الأمان
ألا ترى قول عمر: مترس، فسواء خاطبنا العجم بلغتهم أو خاطبناهم بها على معنى الأمان، فقد لزم الأمان وحرم القتل.
ولا خلاف بين العلماء أن من أمن حربيًّا بأي كلام يفهم منه الأمان فقد تم له الأمان، وأكثرهم يجعلون الإشارة بالأمان أمانًا، وهو قول مالك والشافعي وجماعة؛ لأن التأمين إنما هو معنى في النفس فيظهر تارة بالكتابة، وتارة بالإشارة، وتارة بالنطق.
ولم يفهم خالد من قوله: صبأنا، أنهم يريدون به أسلمنا، ولكن حمل اللفظة على ظاهرها، وتأولها أنها في معنى الكفر، فلذلك قتلهم.
ثم تبين أنهم أرادوا بها أسلمنا فجهلوا فقالوا: صبأنا. وإنما قالوا ذلك؛ لأن قريشًا كانت تقول لمن أسلم مع رسول الله ﷺ : صبأ
стр. 11114
فلان، حتى صارت هذِه اللفظة معروفة عند الكفار وعادة جارية، فقالها هؤلاء القوم، فتأولها خالد على وجهها، فعذره الشارع بتأويله ولم يُقِد منه.
وستعرف اختلاف العلماء في الحاكم إذا أخطأ في اجتهاده فقتل من لا يجب عليه القتل من ضمان ذلك في الأحكام، في باب إذا قضى القاضي بجورٍ، وسيأتي نبذة منه (١).
فصل:
قال ابن حبيب في أثر عمر: إنه تشديد منه.
وذكر عن بعض العلماء أنه يجعل قيمته في المغنم.
فرع:
التأمين يصح بكل لسان عربي أو غيره كما سلف، سواء فهمه المؤمن أو لا. وكذلك إن ظن الحربي أنه آمنه وإن لم يؤمنه. قال محمد: إذا طلبوا مركبًا للعدو فقال: أرخ قلعك، فإنه أمان إن كان قبل الظفر بهم وهم على رجاء من النجاة.
فصل:
قال الخطابي: إنما نقم على خالد استعجاله؛ لأن الصبأ مقتضاه الخروج من دين إلى دين، يحتمل أن يكون خالد لم يكف عنهم؛ ظنًّا منه إنما عدلوا عن اسم الإسلام إلى صبأنا أنفة من الاستسلام والانقياد، فلم يره إقرارًا بالدين (٢).
стр. 11115
فصل:
لا خلاف كما قال ابن بطال أن القاضي إذا قضى بجور أو بخلاف أهل العلم فهو مردود، فإن كان على وجه الاجتهاد والتأويل كما صنع خالد فإن الإثم ساقط والضمان لازم عند عامة أهل العلم. إلا أنهم اختلفوا في ضمان ذلك. فإن كان في قتل أو جرح ففي بيت المال، وهذا قول الثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وقالت طائفة: هي على عاقلة الإمام أو الحاكم، وهذا قول الأوزاعي ومحمد وأبي يوسف والشافعي.
وقال ابن الماجشون: ليس على الحاكم شيء من الدية في ماله ولا على عاقلته ولا في بيت المال.
فصل:
الصابئ: من خرج من دين إلى دين، يقال: صبأ فهو صابئ وهم الصابئون، وذلك لأنهم خرجوا من اليهودية إلى النصرانية.
وقيل: إنما يقال: صبأ يصبو بغير همز فهو صابئ بالهمز. وقول عمر: ما صبوت، يدل على ترك الهمز. ويجوز أن يكون هذا على تخفيف الهمز، ذكره القزاز، وفي "المحكم": يزعمون أنهم على دين نوح ﵇، بكذبهم، وقبلتهم من مهب الشمال عند منتصف النهار (١).
وقال عياض: ومنهم من يعبد الملائكة الدراري (٢).
وقال ابن التين: مالوا. والسِّلم والسَّلم واحد وهو الصلح كما قال أبو عبيدة (١) - (قال أبو عمرو) (٢): السِّلم: الصلح. والسَّلم: الإسلام (٣).
ومعنى (يَتَشَحَّطُ): يضطرب في دمه، قاله الخطابي (٤). وقال الداودي: المتشحط: المتخضب.
وقوله: ("كَبِّرْ كَبِّرْ") فيه أدب وإرشاد إلى أن الأكبر أولى بالتقدمة في الكلام وفي الإكرام.
وقوله: ("تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ") فيه دلالة على أن مدعي الدم يبدءون باليمين وبه قال مالك والشافعي خلافًا لأبي حنيفة (٥)، وقد جاء في رواية: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (٦) إلا في القسامة (٧).
واختلف في إيجابها القود، فقال مالك بوجوبه، وخالف الشافعي، واختلف في ضابط اللوث، ومحله كتب الفروع (٨).
وعند الشافعي: لا بد من اشتهار العداوة على نحو ما في الحديث.
стр. 11118
قال أبو حنيفة: ويجب على من اختط المحلة لا على السكان.
وخالفه أبو يوسف. وقول الميت لوث عند مالك خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. وعن ابن القاسم وجماعة: القسامة ضعيفة.
فصل:
قوله: (فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ). قال الداودي: كانت إبل الصدقة؛ لأنهم كانوا ممن يحل لهم الصدقة. ففي رواية: خرجوا من جهد أصابهم. ويجوز أن يكون الشارع عقله من ماله من باب الائتلاف.
يقال: عقلته: أديت ديته، وعقلت عنه إذا لزمته دية فأديتها عنه. قال الأصمعي: كلمت أبا يوسف القاضي في ذلك بحضرة الرشيد فلم يفرق بين عقلته وعقلت عنه حتى فهمته.
فصل:
قال المهلب: لا بأس بالموادعة والمصالحة للمشركين بالمال إذا كان ذلك بمعنى الاستئلاف للكفار. لا إذا (كان) (١) الجزية؛ لأنها ذلة وصغار.
وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥] وقد أسلفنا أنه يحتمل أن يكون ﵇ وداه من عنده استئلافًا لليهود وطمعًا في دخولهم الإسلام، وليكف بذلك شرهم عن نفسه وعن المسلمين مع إشكال القضية بإبائة أولياء القتيل من اليمين وإبائتهم أيضًا من قبول أيمان اليهود فكان الحكم أن يكون مغلولاً، ولكن أراد النبي ﷺ أن يوادع اليهود بالغرم عنهم؛ لأن الدليل كان متوجهًا إلى اليهود في القتل لعبد الله.
стр. 11119
وأراد أن يذهب ما بنفوس أوليائه من العداوة لليهود بأن غرم لهم الدية، إذ كان العرف جاريًا أن من أخذ دية قتيله فقد انتصف.
وذكر الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي عن موادعة إمام المسلمين أهل الحرب على فدية أو هدنة يؤدونها المسلمون إليهم فقال: لا يصلح ذلك إلا عن ضرورة وشغل من المسلمين عن حربهم من قتال عدوهم، أو فتنة شملت المسلمين، فإذا كان ذلك فلا بأس به.
قال الوليد: وذكرت ذلك لسعيد بن عبد العزيز فقال: قد صالحهم معاوية أيام صفين، وصالحهم عبد الملك بن مروان؛ لشغله بقتال ابن الزبير، يؤدي عبد الملك إلى طاغية الروم في كل يوم ألف دينار وإلى تراجمة الروم وأنباط الشام في كل جمعة ألف (دينار) (١).
وقال الشافعي: لا يعطيهم المسلمون شيئًا بحال إلا أن يخافوا أن يصطلموا لكثرة العدو؛ لأنه من معاني الضرورات، أو يؤسر مسلم فلا يُخلَّى إلا بفدية، فلا بأس به؛ لأنه ﵇ قد فدى رجلاً برجلين (٢).
وقال ابن بطال: ولم أجد لمالك وأصحابه ولا الكوفيين نصًّا في هذِه المسألة (٣).
وقال الأوزاعي: لا بأس أن يصالحهم الإمام على غير خراج يؤدونه إليه ولا فدية إذا كان ذلك نظرًا للمسلمين وإبقاءً عليهم.
وقد صالح رسول الله ﷺ قريشًا عام الحديبية على غير خراج أدته قريش إلى رسول الله ﷺ ولا فدية.
стр. 11120
١٣ - باب فَضْلِ الوَفَاءِ بِالْعَهْدِ
٣١٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي المُدَّةِ الَّتِي مَادَّ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ. [انظر: ٧ - مسلم: ١٧٧٣ - فتح ٦/ ٢٧٦]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا تِجَارًا بِالشَّامِ فِي المُدَّةِ التِي مَادَّ فِيهَا النبي ﷺ أَبَا سُفْيَانَ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ.
هذا الحديث سبق في أوائل الكتاب بطوله (١).
وقد جاء في فضل ذلك وذم ضده في غير موضع من الكتاب والسنة.
وإنما أشار البخاري في هذا الحديث إلى سؤال هرقل لأبي سفيان عن النبي ﷺ هل يغدر (إذ كان الغدر عند كل أمة) (٢) مذمومًا قبيحًا، وليس هو من صفات رسل الله، فأراد أن يمتحن بذلك صدق رسول الله ﷺ ؛ لأن من غدر ولم يفِ بعهد لا يجوز أن يكون نبيًّا؛ لأن الأنبياء والرسل أخبرت عن الله بفضل من وفي بعهده، وذم من غدر وخفر، ألا ترى قوله في صفة المنافق: "وإذا عاهد غدر" (٣)، وقوله: "يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة، فيقال: هذِه غدرة فلان" (٤) وهذِه مبالغة في العقوبة وشدة الشهرة والفضيحة.
стр. 11121
١٤ - باب هَل يُعْفَى عَنِ الذِّمِّيِّ إِذَا سَحَرَ ؟
وَقَالَ ابن وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ سُئِلَ: أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ قَتْلٌ؟ قَالَ: بَلَغَنَا أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ.
٣١٧٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ. [٣٢٦٨، ٥٧٦٣، ٥٧٦٥، ٥٧٦٦، ٦٠٦٣، ٦٣٩١ - مسلم: ٢١٨٩ - فتح ٦/ ٢٧٦]
وهذا ذكره ابن وهب في "جامعه".
وذكر حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ. وذكره في موضع آخر مطولًا.
وفيه: حتى كان ذات يوم دعا ودعا، ثم قال: "أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان". فقالت: هلا استخرجته؟ فقال: "أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن (يثور) (١) ذلك على الناس شرًّا" (٢) ثم دفنت البئر.
стр. 11122
أما حكم الباب فلا يقتل ساحر أهل الكتاب (عند مالك لقول ابن شهاب ولكن يعاقب) (١) إلا أن يقتل بسحره فيقتل، أو يحدث حدثًا فيؤخذ منه بقدر ذلك، وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أيضًا أنه لا يُقتل ساحر أهل العهد إلا أن يدخل بسحره ضررًا على مسلم لم يعاهد عليه، فإذا فعلوا ذلك فقد نقضوا العهد، فحل بذلك قتلهم (٢).
وعلى هذا القول لا حجة لابن شهاب في أنه ﵇ لم يقتل اليهودي الذي سحره لوجوه منها: أنه قد ثبت عنه أنه كان لا ينتقم لنفسه، ولو عاقبه لكان حاكمًا لنفسه.
ومنها كما قال المهلب: أن ذلك السحر لم يضره؛ لأنه لم يفقده شيئًا من الوحي، ولا دخلت عليه داخلة في الشريعة، وإنما اعتراه شيء من التخيل والتوهم، ثم لم يتركه الله على ذلك، بل تداركه وعصمه، وأعلمه بموضع السحر وأمره باستخراجه وحل عنه، فعصمه الله من الناس ومن شرهم كما وعده، وكما دفع عنه أيضًا ضر السم بعد أن أطلعه على المكيدة فيه بآية أظهرها إليه معجزة من كلام الذراع.
وقد اعترض بعض الملحدين بحديث عائشة، وقالوا: وكيف يجوز السحر على رسول الله ﷺ والسحر كفر وعمل من أعمال الشياطين، فكيف يصل ضره إلى رسول الله ﷺ مع حياطة الله له وتسديده إياه بملائكته، وصون الوحي عن الشياطين؟
وهذا اعتراض فاسد قال على جهل قائله وغباوته وعنادٍ للقرآن؛ لأن
стр. 11123
الله قال لرسوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ إلى قوله: ﴿في الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ١]
و (النفاثات): السواحر تنفث في العقد كما ينفث الراقي في الرقية (١)، فإن كانوا أنكروا ذلك؛ لأن الله لا يجعل للشيطان سبيلًا على نبيه فقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] يريد إذا تلا ألقى الشيطان.
وقد روي عن رسول الله ﷺ أن عفريتًا تفلت عليه (ليلة) (٢) ليقطع عليه الصلاة حتى هم أن يربطه إلى سارية من سواري المسجد، فذكر قول سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ﴾ [ص: ٣٥] (فرده خاسئًا) (٣)(٤) وليس في جواز ذلك عليه ما يدل أن ذلك يلزمه أبدًا أو يدخل عليه داخلة في شيء من حاله أو شريعته، وإنما ناله من ضر السحر ما ينال المريض من ضر الحمى والبرسام بغير سحر من الضعف عن الكلام وسوء التخييل، ثم زال ذلك عنه، وأفاق منه، وأبطل الله كيد السحر. وقد قام الإجماع على عصمته في الرسالة، فسقط هذا الاعتراض.
قلت: أخبرني عاليًا جمال الدين يوسف (٥) الدلاصي، أنا ابن
стр. 11124
بامتيت أنا ابن الصائغ، أنبأنا القاضي عياض في "الشفا"
فإن قلت: فقد جاءت الأخبار الصحيحة أنه ﵇ سحر، وذكر حديث الباب، ثم قال: وفي رواية أخرى: حتى أنه كان يخيل إليه أنه كان يأتي النساء ولا يأتيهن. وإذا كان هذا من التباس الأمر على المسحور، فكيف حاله في ذلك؛ وكيف جاز عليه وهو معصوم؟ فاعلم أن هذا الحديث صحيح متفق عليه. وقد طعنت فيه الملحدة وتذرعت به؛ لسخف عقولها وتلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشرع.
وقد نزهه الله تعالى عما يدخل في أمره لبسًا. وإنما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته.
وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس هذا ما يدخل عليه داخله في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في شيء من صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا. وإنما هذا مما يجوز طرؤه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها، ولا فضل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان، وأيضًا فقد فسر هذا الفصل الحديث الآخر من قوله: حتى يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن.
وقد قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر، ولم يأت في خبر منها أنه نقل عنه في ذلك قول، بخلاف ما كان أخبر أنه فعله ولم يفعله، وإنما كانت خواطر وتخيلات.
وقد قيل: إن المراد بالحديث أنه كان يتخيل الشيء أنه فعله وما فعله، لكنه تخيل لا يعتقد صحته، فتكون اعتقاداته كلها على
стр. 11125
السداد وأقواله على الصحة. هذا ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث، وقد ظهر لي في الحديث تأويل أجلى وأبعد عن مطاعن ذوي الأضاليل يستفاد من نفس الحديث، وهو أن عبد الرزاق قد روى هذا الحديث عن ابن المسيب وعروة وقال فيه: سحر يهودي بني رزيق رسول الله ﷺ فجعلوه في بئر حتى كاد رسول الله ﷺ أن ينكر بصره، ثم دله الله على ما صنعوا فاستخرجه من البئر (١).
وذكر عن عطاء الخرساني، عن يحيى بن يعمر قال: حبس رسول الله ﷺ عن عائشة سنة، فبينما هو نائم أتاه ملكان قعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه .. الحديث (٢).
قال عبد الرزاق: حبس رسول الله ﷺ عن عائشة -خاصة- سنة حتى أنكر بصره، فقد استبان لك من مضمون هذِه الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه، لا على قلبه واعتقاده وعقله، وأنه إنما أثر في بصره وحبسه عن وطء نسائه، ويكون معنى قوله: يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن. أي: يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة على النساء، فإذا دنا منهن أصابته أخذة السحر، فلم يقدر على إتيانهن كما يعتري من أخذ واعترض، ولعله لمثل هذا أشار سفيان بقوله: وهذا أشد ما يكون من السحر، ويكون قول عائشة: إنه ليخيل إليه .. إلى آخره من باب ما اختل من بصره، كما ذكر في الحديث، فيظن أنه رأى شخصًا من بعض أزواجه أو شاهد فعلًا من غيره، ولكن على ما يخيل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره، لا لشيء
стр. 11126
طرأ عليه في مَيْزِه، وإذا كان [هذا] (١)، لم يكن فيما ذكر من إصابة السحر له، وتأثيره فيه ما يدخل لبسًا ولا يجد المعترض الملحد أنسًا (٢).
فصل:
قوله: ("مطبوب") فيما قدمناه أي: مسحور، يقال منه: طب الرجل، والاسم الطب بالكسر (٣)، وفي الحديث: فلعل طبًّا أصابه، ثم نشره بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ (٤) [الناس: ١].
والمشاطة: ما سقط من الشعر عند المشط.
فصل:
ذكر ابن قتيبة في "مختلف الحديث": أن عليًّا استخرج السحر، فكلما حل عقدة وجد ﵇ خفة، فلما انتهى قام كأنما نشط من عقال (٥).
فصل:
قولها في رواية: أفلا أحرقته. تعني: السحر أو لبيدًا.
وفيه: حجة لمالك، ومن قال بقوله أن الساحر يقتل إذا عمل بسحره (٦)، وإنما تركه؛ لأن اليهود كانوا في عهد منه وذمة.
قلت: أو تركه لما سلف في المنافقين.
стр. 11127
خاتمة:
قال ابن التين: قول ابن شهاب هذا خلاف مذهب الفقهاء أنه يقتل وإن كان مسلمًا، فكيف إذا كان من أهل الكتاب؟! واختلف هل تقبل توبته إذا قال: تبت؟
فقال مالك: لا تقبل. وقال الشافعي: تقبل (١).
وفيه: أن السحر له حقيقة خلافًا لمن نفاه، قال الداودي: وليس في الحديث أن الذي سحره كان من أهل العهد.
أبو نعيم في "مستخرجه" عن الطبراني بإسقاطه، وكذا الإسماعيلي.
و ﴿حَسْبُكَ الله﴾ [الأنفال: ٦٢] أي: كافيك (١).
وجميعًا: يقع على الجماعة وعلى الاثنين والواحد، قاله الداودي.
والموتان -بضم الميم وسكون الواو- قال القزاز: هو الموت، وضبطه غيره بفتح الميم أيضًا: موتان الفؤاد إذا كان بليدًا. قال ابن الجوزي: ويغلط بعض أصحاب الحديث فيه فيقول: موتان موات بفتح الميم والواو، وحكى اللحياني في "نوادره": وقع في المال موتات وموات.
قال ابن درستويه: وهما كثرة الموت والوباء.
قال عياض: وضم الميم لغة بني تميم، وغيرهم يفتحها وهو اسم للطاعون، ووقع لابن السكن: (مواتتان) (٢) ولا وجه له هنا (٣).
و"قُعَاس الغَنَمِ" -بقاف مضمومة، ثم عين مهملة، ثم ألف، ثم صاد مهملة- شيء يأخذها في رءوسها تسيل منه أنوفها، لا يلبسها أن تموت منه، ومنه أخذ الإقعاص وهو: القتل على المكان، وكذلك الدواب، والقعص: موتها بسرعة، وقد قعصت الدابة فهي مقعوصة.
قال في "الموعب": هو داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق.
وقال بعضهم: هو بالسين من القعس، وهو: انتصاب الصلب وانحناؤه نحو الصدر (٤).
стр. 11130
والهُدْنَةٌ: أصلها السكون. يقال: هدن أهدن، فسمي الصلح على ترك القتال هدنة ومهادنة؛ لأنه سكون عن القتال بعد التحرك فيه.
والغَاية: الراية كما سيأتي. قال الجواليقي: غاية وراية واحد؛ لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف وإذا مشت تبعها. ورواه بعضهم: غاية -بباء موحدة- وهي: الأجمة، شبه كثرة الرماح بالأجمة، ذكره القاسم بن سلام (١) قال الخطابي: هي (الغَيْضَة) (٢) واستعيرت للرايات ترفع لرؤساء الجيوش، وشبه ما يشرع معها من الرماح بالغابة (٣)، وحمله على ما ذكره من الحساب مع مائة ألف وستون ألفًا.
فصل:
في الحديث علامات النبوة وأن الغدر من أشراط الساعة، وفي الآية دلالة عصمة الشارع من مكر الخديعة طول أيامه وليس ذلك لغيره؛ لقوله ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقام الإجماع على عصمته في الرسالة، وقد عصم من مكر الناس وغدرهم له، وهذِه العلامات الذي أنذر بها قد ظهر كثير منها، والفتنة لم تزل في زمن عثمان -أعاذنا الله منها- وقد دعا ﵇ أن لا يجعل بأس أمته بينهم" فمنعها (٤)، فلم يزل الهرج إلى يوم القيامة.
стр. 11131
فصل:
قوله: (وهو في قبة من أدم). جاء في أبي داود: قال عوف: يا رسول الله أدخل كلي قال: "كلك" قال عثمان بن أبي العاتكة، إنما قال: أدخل كلي من صغر القبة (١)، وفي رواية عن عوف: وفسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها: الغوطة بمدينة يقال لها: دمشق (٢).
وفي أبي داود أيضًا من حديث ذي مخبر بيان سبب غدرهم، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ستصالحون الروم صلحًا امنًا، ثم تغزون أنتم وقد غزوا، فتنصرون وتغنمون، ثم تنصرفون حتى تنزلوا مرج ذي تلول، فيرفع رجل من (أهل) (٣) الصليبِ الصليبَ، فيقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدفعه، فعند ذلك تغدر الروم، ويجتمعون للملحمة فيأتون تحت ثمانين (راية) (٤) تحت كل راية اثنا عشر ألفًا، فيثور المسلمون إلى أسلحتهم فيكرم الله تلك العصابة
بالشهادة" (٥) وعن ابن بسر مرفوعًا: "بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج الدجال في السابعة".
قال أبو داود: وهو أصح (٦)، يعني: من حديث معاذ مرفوعًا:
стр. 11132
"الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر" (١).
ولابن دحية من حديث حذيفة مرفوعًا: "إن الله تعالى يرسل ملك الروم، وهو الخامس من آل هرقل يقال له: ضمارة، فيرغب إلى المهدي في الصلح، وذلك لظهور المسلمين على المشركين، فيصالحه إلى سبعة أعوام، فيضع عليهم الجزية عن يد وهم صاغرون، ولا يبقي لرومي حرمة، ويكسر لهم الصليب، ثم يرجع المسلمون إلى دمشق، فإذا هم كذلك إذا برجل من الروم قد التفت فرأى أبناء الروم وبناتهم في القيوفى، فرفع الصليب ورفع صوته، وقال: ألا من كان يعبد الصليب فلينصره، فيقوم إليه رجل من المسلمين فيكسر الصليب، ويقول: الله أغلب وأعز، فحينئذ يغدرون، وهم أولى بالغدر، يجتمع عند ذلك ملوك الروم خفية، فيأتون إلى بلاد المسلمين وهم على غفلة مقيمون على الصلح، فيأتون إلى أنطاكية في اثني عشر ألف راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفًا، فعند ذلك يبعث المهدي إلى أهل الشام والحجاز واليمن والكوفة والبصرة والعراق يستنصر بهم، فيبعث إليه أهل الشرق أنه قد جاءنا عدو من خراسان شغلنا عنك، فيأتي إليه بعض أهل الكوفة والبصرة، فيخرج بهم إلى دمشق، وقد مكث الروم فيها أربعين يومًا يفسدون ويقتلون، فينزل الله صبره على المسلمين" الحديث.
стр. 11133
وعند ابن مرجان بإسناد فيه ضعف عن حذيفة مرفوعًا: "إن دون أن تضع الحرب أوزارها خلالًا ستًّا: أولها: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم فئتان دعواهما واحدة يقتل بعضهم بعضًا، ثم يفيض المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيسخطها، وموت كقعاص الغنم، وغلام من بني الأصفر ينبت في اليوم كنبات الشهر، وفي الشهر كنبات السنة" قال ﵇: "فيرغب فيه قومه فيملكونه ويقولون: نرجو أن يرد بك علينا ملكنا" الحديث.
стр. 11134
١٦ - باب كَيْفَ يُنْبَذُ العهد إِلَى أَهْلِ العَهْدِ ؟
وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]
٣١٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. وَيَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا قِيلَ: الأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ الحَجُّ الأَصْغَرُ. فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ العَامِ، فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ الذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مُشْرِكٌ. [انظر: ٣٦٩ - مسلم: ١٣٤٧ - فتح ٦/ ٢٧٩]
ثم ساق حديث أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: أن لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ.
الحديث. سلف في الحج وفي آخره: فَنبذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ العَامِ، فَلَمْ يَحُجَّ مُشْرِكٌ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ.
ويأتي في المغازي والتفسير (١) وذكره أبو مسعود وابن عساكر في مسند أبي بكر، وخلف في مسند أبي هريرة (٢).
ومعنى الآية: فانبذ إليهم عهدهم الذي عاهدتهم عليه.
وقال الأزهري: معناه: إذا هادنت قومًا فعلمت بهم النقض فلا ترفع بهم سابقًا إلى النقض، حتى تلقي إليهم أنك نقضت العهد، فيكونوا في
стр. 11135
علم النقض مستوين، ثم أوقع بهم (١).
وقوله: (يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ)، هو قول مالك وجماعة من الفقهاء وقيل: يوم عرفة.
وقوله: (وإنما قيل الأكبر لأجل قول الناس: الحج الأصغر) قال الداودي: يعني العمرة. وقيل: إنما قيل له الأكبر؛ لأن الناس كانوا في الجاهلية يقفون بعرفة، وتقف قريش بالمزدلفة؛ لأنهم كانوا يقولون: لا نخرج من الحرم، فإذا كان صلاة الفجر يوم النحر وليلة النحر اجتمعوا كلهم بالمزدلفة، فقيل له: الحج الأكبر؛ لاجتماع الأكبر فيه.
قال ابن بطال: حجة الأول ما قصه أبو هريرة ونادى به في الموسم، عن الصديق، عن رسول الله ﷺ أن يوم الحج يوم النحر، وأما جهة النظر فيوم النحر يعظمه أهل الحج وسائر المسلمين بالتلبية. وفيه صلاة العيد والنحر بالتكبير، ألا ترى قوله: "أي يوم هذا؟ " فجعل له حرمة على سائر الأيام كحرمة الشهر على سائر المشهور، والبلد على سائر البلاد (٢).
فصل:
قام الإجماع على أن للإمام نبذ عهد من يخاف خيانته وغدره بالحرب بعد أن يعلمه بذلك، وقيل: إن هذِه الآية نزلت في قريظة؛ لأنهم ظاهروا المشركين على حرب رسول الله ﷺ ونقضوا العهد (٣).
وقال الكسائي: السواء: العدل. وقال ابن عباس: المثل. وقيل: أعلمهم أنك قد حاربتهم حتى يصيروا مثلك في العلم.