← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 11131–11170 · переход к 11136.

стр. 11131

فصل: قوله: (وهو في قبة من أدم). جاء في أبي داود: قال عوف: يا رسول الله أدخل كلي قال: "كلك" قال عثمان بن أبي العاتكة، إنما قال: أدخل كلي من صغر القبة (١)، وفي رواية عن عوف: وفسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها: الغوطة بمدينة يقال لها: دمشق (٢). وفي أبي داود أيضًا من حديث ذي مخبر بيان سبب غدرهم، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ستصالحون الروم صلحًا امنًا، ثم تغزون أنتم وقد غزوا، فتنصرون وتغنمون، ثم تنصرفون حتى تنزلوا مرج ذي تلول، فيرفع رجل من (أهل) (٣) الصليبِ الصليبَ، فيقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدفعه، فعند ذلك تغدر الروم، ويجتمعون للملحمة فيأتون تحت ثمانين (راية) (٤) تحت كل راية اثنا عشر ألفًا، فيثور المسلمون إلى أسلحتهم فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة" (٥) وعن ابن بسر مرفوعًا: "بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج الدجال في السابعة". قال أبو داود: وهو أصح (٦)، يعني: من حديث معاذ مرفوعًا:

стр. 11132

"الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر" (١). ولابن دحية من حديث حذيفة مرفوعًا: "إن الله تعالى يرسل ملك الروم، وهو الخامس من آل هرقل يقال له: ضمارة، فيرغب إلى المهدي في الصلح، وذلك لظهور المسلمين على المشركين، فيصالحه إلى سبعة أعوام، فيضع عليهم الجزية عن يد وهم صاغرون، ولا يبقي لرومي حرمة، ويكسر لهم الصليب، ثم يرجع المسلمون إلى دمشق، فإذا هم كذلك إذا برجل من الروم قد التفت فرأى أبناء الروم وبناتهم في القيوفى، فرفع الصليب ورفع صوته، وقال: ألا من كان يعبد الصليب فلينصره، فيقوم إليه رجل من المسلمين فيكسر الصليب، ويقول: الله أغلب وأعز، فحينئذ يغدرون، وهم أولى بالغدر، يجتمع عند ذلك ملوك الروم خفية، فيأتون إلى بلاد المسلمين وهم على غفلة مقيمون على الصلح، فيأتون إلى أنطاكية في اثني عشر ألف راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفًا، فعند ذلك يبعث المهدي إلى أهل الشام والحجاز واليمن والكوفة والبصرة والعراق يستنصر بهم، فيبعث إليه أهل الشرق أنه قد جاءنا عدو من خراسان شغلنا عنك، فيأتي إليه بعض أهل الكوفة والبصرة، فيخرج بهم إلى دمشق، وقد مكث الروم فيها أربعين يومًا يفسدون ويقتلون، فينزل الله صبره على المسلمين" الحديث.

стр. 11133

وعند ابن مرجان بإسناد فيه ضعف عن حذيفة مرفوعًا: "إن دون أن تضع الحرب أوزارها خلالًا ستًّا: أولها: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم فئتان دعواهما واحدة يقتل بعضهم بعضًا، ثم يفيض المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيسخطها، وموت كقعاص الغنم، وغلام من بني الأصفر ينبت في اليوم كنبات الشهر، وفي الشهر كنبات السنة" قال ﵇: "فيرغب فيه قومه فيملكونه ويقولون: نرجو أن يرد بك علينا ملكنا" الحديث.

стр. 11134

١٦ - باب كَيْفَ يُنْبَذُ العهد إِلَى أَهْلِ العَهْدِ ؟ وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] ٣١٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. وَيَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا قِيلَ: الأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ الحَجُّ الأَصْغَرُ. فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ العَامِ، فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ الذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مُشْرِكٌ. [انظر: ٣٦٩ - مسلم: ١٣٤٧ - فتح ٦/ ٢٧٩] ثم ساق حديث أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: أن لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ. الحديث. سلف في الحج وفي آخره: فَنبذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ العَامِ، فَلَمْ يَحُجَّ مُشْرِكٌ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ. ويأتي في المغازي والتفسير (١) وذكره أبو مسعود وابن عساكر في مسند أبي بكر، وخلف في مسند أبي هريرة (٢). ومعنى الآية: فانبذ إليهم عهدهم الذي عاهدتهم عليه. وقال الأزهري: معناه: إذا هادنت قومًا فعلمت بهم النقض فلا ترفع بهم سابقًا إلى النقض، حتى تلقي إليهم أنك نقضت العهد، فيكونوا في

стр. 11135

علم النقض مستوين، ثم أوقع بهم (١). وقوله: (يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ)، هو قول مالك وجماعة من الفقهاء وقيل: يوم عرفة. وقوله: (وإنما قيل الأكبر لأجل قول الناس: الحج الأصغر) قال الداودي: يعني العمرة. وقيل: إنما قيل له الأكبر؛ لأن الناس كانوا في الجاهلية يقفون بعرفة، وتقف قريش بالمزدلفة؛ لأنهم كانوا يقولون: لا نخرج من الحرم، فإذا كان صلاة الفجر يوم النحر وليلة النحر اجتمعوا كلهم بالمزدلفة، فقيل له: الحج الأكبر؛ لاجتماع الأكبر فيه. قال ابن بطال: حجة الأول ما قصه أبو هريرة ونادى به في الموسم، عن الصديق، عن رسول الله ﷺ أن يوم الحج يوم النحر، وأما جهة النظر فيوم النحر يعظمه أهل الحج وسائر المسلمين بالتلبية. وفيه صلاة العيد والنحر بالتكبير، ألا ترى قوله: "أي يوم هذا؟ " فجعل له حرمة على سائر الأيام كحرمة الشهر على سائر المشهور، والبلد على سائر البلاد (٢). فصل: قام الإجماع على أن للإمام نبذ عهد من يخاف خيانته وغدره بالحرب بعد أن يعلمه بذلك، وقيل: إن هذِه الآية نزلت في قريظة؛ لأنهم ظاهروا المشركين على حرب رسول الله ﷺ ونقضوا العهد (٣). وقال الكسائي: السواء: العدل. وقال ابن عباس: المثل. وقيل: أعلمهم أنك قد حاربتهم حتى يصيروا مثلك في العلم.

стр. 11136

قال المهلب: وإنما خشي ﵇ من المشركين عند الطواف بالبيت خيانتهم، ولم يأمن مكرهم، فأراد الله تعالى أن يطهر البيت من نجاستهم " لقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] وأراد تنظيف البيت ممن كان يطوف عريانًا. وفيه: دليل أن حجة الصديق أبي بكر بالناس كانت حجة الإسلام؛ - لأنه وقف بعرفة ووقف في ذي الحجة، والوقوف بعرفة بنص قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] يعني: طوائف العرب، وقد اتفق أهل السير أن العرب كانت تفترق فرقتين، فرقة تقف بعرفة، وكانت قريش تقف بالمشعر الحرام، وتقول: نحن الحمس ولا نعظم غير الحرم، فإذا كان يوم النحر اجتمعت القبائل كلها بمنى، وهو يوم الاجتماع الأكبر، وقد أسلفنا اجتماعهم بالمزدلفة أيضًا.

стр. 11137

١٧ - باب إِثْمِ مَنْ عَاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾ [الأنفال: ٥٦]. ٣١٧٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَرْبَعُ خِلَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا». [انظر: ٣٤ - مسلم: ٥٨ - فتح ٦/ ٢٧٩] ٣١٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: مَا كَتَبْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ الْقُرْآنَ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ، وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ. فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ». [انظر: ١١١ - مسلم: ١٣٧٠ - فتح ٦/ ٢٧٩] ٣١٨٠ - قَالَ أَبُو مُوسَى: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؟ فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِنًا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إِيْ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ. قَالُوا: عَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ ، فَيَشُدُّ الله قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. [فتح ٦/ ٢٨٠]

стр. 11138

فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: "أَرْبَعُ خِلَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا". وسلف في الإيمان (١). وحديث عَلِيٍّ: "الْمَدِينَةُ حَرَم مَا بَيْنَ عَائِرٍ .. ". إلى آخره، سلف في الحج. وقَالَ أَبُو مُوسَى: ثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتموا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؟ فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَرى ذَلِكَ كَائِنًا قَالَ: إِيْ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ. قَالُوا: عَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ ، فَيَشُدُّ اللهُ قُلُوبَ أَهْلِ الذّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. وهذا التعليق كذلك في أكثر نسخ الصحيح، وقاله أيضًا أصحاب الأطراف والإسماعيلي والحميدي في "جمعه" (٢) وأبو نعيم. وفي بعض النسخ: حدثنا أبو موسى. وهو من أفراده. فصل: (الخِلَال): الخصال جمع خلة، وفي فلان خلة حسنة أو قبيحة. قال المهلب: ويحتمل أن تكون هذِه الخلال إذا كانت في رجل اشتملت على معظم أحواله فسمي بالأغلب مما يظهر منه توبيخًا له وتقبيحًا بحاله، لا على أنه منافق كافر، وفي السنة نظائر لهذا كثيرة من الحكم بالأغلب. ومعنى: "إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ": مال عن الحق (٣). فصل: قوله في حديث علي: ("يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ") قال الداودي يعني:

стр. 11139

والأمر في ذلك إلى الإمام، وهذا قول مالك. وقوله: ("وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ") قال الداودي: قال: في غير هذا الموضع: "من تولى" (١) قال: وأراه هو المحفوظ؛ لأنه نهى عن بيع الولاء وهبته. فصل: قوله في حديث أبي هريرة: (تنتهك ذمة الله وذمة رسوله). أي (تتأول مما لا يحل) (٢) ويجار عليهم. فصل: والغدر حرام بالمؤمن وأهل الذمة، وفاعله مستحق لاسم النفاق واللعنة المذكورة من الله وملائكته والناس أجمعين. ودل حديث أبي هريرة على أن الغدر بالذمة ممتنع أيضًا؛ ألا ترى ما أوصى به ﵇ من الذمة والوفاء بها لأهلها من أجل أنها معاش المسلمين ورزق عيالهم، ثم أعلمهم بهذا الحديث أنهم متى ظلموا منعوا ما في أيديهم واشتدوا وحاربوا وأعادوا الفتنة وخلعوا ربقة الذمة، فلم يجد المسلمون درهمًا، فضاقت أحوالهم وساءت. وفيه: علامة من علامات النبوة. فصل: ولما ذكر الحميدي هذا الحديث في أفراد البخاري قال: قد أخرج مسلم معناه بلفظ آخر وجب تفريقه وإلا فهو في المعنى متفق عليه (٣).

стр. 11140

ثم ذكر حديث زهير بن معاوية، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم" وذكر أبو داود هذِه اللفظة الأخيرة ثم قال: قاله زهير ثلاث مرات (١). وفي معنى "منعت العراق" إلى آخره قولان: أحدهما: أن أهلها أسلموا فسقطت عنهم الجزية، وأنكره ابن الجوزي وقال: هذا إخبار عن اجتماع الكل في الإسلام قال: وليس هو بشيء؛ واستدل بحديث: "كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارًا ولا درهمًا" وأشهرهما أن معناه أن العجم والروم مستولون على البلاد في آخر الزمان، فيمنعون حصول ذلك للمسلمين (٢). ورواية مسلم عن جابر مبينة: "يوشك أهل العراق ألا يجيء إليهم قفيز ولا درهم" قلنا: من أين ذاك؟ قال: "من قبل العجم يمنعون ذلك" (٣).

стр. 11141

١٨ - باب ٣١٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ: شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلاَّ أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ، نَعْرِفُهُ غَيْرِ أَمْرِنَا هَذَا. [٤١٨٩، ٤٨٤٤، ٧٣٠٨ - مسلم: ١٧٨٥ - فتح ٦/ ٢٨١] ٣١٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ قَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ، فَقَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وَلَوْ نَرَى قِتَالاً لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ فَقَالَ: «بَلَى». فَقَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: «بَلَى». قَالَ: فَعَلَى مَا نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ أَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ الله بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: «ابْنَ الخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي الله أَبَدًا». فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ الله أَبَدًا. فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَفَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». [انظر: ٣١٨١ - مسلم: ١٧٨٥ - فتح ٦/ ٢٨١] ٣١٨٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهْيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمُدَّتِهِمْ، مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ، وَهْيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا قَالَ: «نَعَمْ، صِلِيهَا». [انظر: ٢٦٢٠ - مسلم: ١٠٠٣ - فتح ٦/ ٢٨١] حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، ثنا أَبُو حَمْزَةَ -أي: بالحاء والزاي- سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ: أشَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وسمعت

стр. 11142

سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ: اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ. ثم ساقه من حديث أبي وائل وفيه: اتهموا أنفسكم .. الحديث. ويأتي في التفسير في سورة الفتح (١). وحديث أَسْمَاءَ ابنةِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهْيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ. وفي آخره: "نَعَمْ، صِلِيهَا". وسلف في الهبة. وغرض البخاري بهذا الباب أن يعرفك أن الصبر على المفاتن والصلة للقاطع أقطع للفتنة وأحمد عاقبةً، فكأنه قال: باب الصبر على أذى الفاتنين وعاقبة الصابرين، ألا ترى أنه ﵇ أخذ يوم الحديبية في قتال المشركين بالصبر لهم والوقوع تحت الدنية التي ظنها عمر في الدين، وكان ذلك الصبر واللين الذي فهمه الشارع عن ربه في (بروك) (٢) الناقة على التوجه أفضل عاقبة في الدنيا والآخرة من القتال لهم وفتح مكة على ذلك الحنق الذي نال المسلمين من تحكمهم على رسول الله ﷺ ، فكان عاقبة صبره ولينه لهم أن أدخلهم الله في الإسلام، وأوجب لهم أجرهم في الآخرة، ألا ترى قوله: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم" (٣) فكيف بأهل مكة أجمعين، وهم الذين كانوا أئمة العرب وسادة الناس، وبدخولهم دخلت العرب في دين الله أفواجًا. ففيه: أن صلة المقاطع أنجع في سياسة النفوس وأحمد عاقبة. وعلى مثل هذا المعنى دل حديث أسماء في صلة أمها وهي مشركة.

стр. 11143

وفي حديث سهل بن حنيف الدلالة البينة أنه ﵇ كان يدير كثيرًا من حروبه بحسب ما يحضره من الرأي مما الأغلب عنده أنه من الصواب، وإن كان الله قد كان عهد إليه في جواز الصلح في مثل الحال التي صالحهم عليها عهدًا، فمن ذلك الرأي كان، لولا ذلك لما كان عمر وسهل بن حنيف ومن كان ينكر الصلح ويرى قتال القوم أصلح في التدبير والرأي لينكروا ذلك ويؤثروا آراءهم بالقتال على تركه لو كان عندهم أنه عن أمر الله تعالى نبيه، ولكنه كان عندهم أنه رأي من النبي ﷺ ، وإبقاء على من معه من الصحابة؛ لقلة عددهم وكثرة عدد المشركين. وكان عمر والذين يرون قتال القوم بحسن بصائرهم وجميل نياتهم في الإسلام، إذ كانوا أهل الحق والمشركون أهل الباطل، يرون أن الحق لا يعلوه باطل، لاسيما عددٌ الله ورسوله وليهم فأيدهم، فعظم لذلك عليهم الانحطاط إلى الصلح، ورأوه وهنًا في الدين. وكان ﵇ أعلم مما تؤدي إليه عاقبة ذلك الصلح منهم مما هو أجدى على الإسلام وأهله نفعًا، وأن الله أوحى إليه الأمر بترك قتال القوم؛ لأن ذلك أسد في الرأي. وفيه: الدلالة الواضحة على أن لأهل العلم الاجتهاد في النوازل في دينهم مما لا نص فيه من كتاب ولا سنة، وذلك أن الذين أنكروا الصلح يوم أبي جندل أنكروه اجتهادًا منهم، والشارع بحضرتهم يعلم ذلك من أمرهم، فلم ينههم عن القول بما أدى إليه اجتهادهم، وإن كان قد عرفهم خطأ رأيهم وصواب رأيه. ولو كان الاجتهاد خطأ كان حريًّا ﵇ أن يتقدم إليهم بالنهي عن القول عما أداه إليه اجتهادهم أشد النهي.

стр. 11144

وفيه أيضًا: أن المجتهد عند نفسه مما يدرك بالاستنباط لا تبعة عليه فيما بينه وبين الله (خطأ) (١) إن كان منه في اجتهاده إذا كان اجتهاده على أجل، وكان من أهله؛ لأنه ﵇ لم يؤثَّم عمر ومن أنكر الصلح، والمعاني التي جرت بينهم في كتاب الصلح مما كان خلافًا لرأي رسول الله ﷺ ، وإن كانوا في ذلك مذنبين لأمرهم بالتوبة، ولكنهم كانوا على اجتهادهم مأجورين، ولو كان الصواب فيما رآه ﵇، وذلك نظير قوله ﵇: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر" (٢) وسيأتي زيادة فيه في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى. وقول عمر: (أليس قتلانا في الجنة) إلى آخر هذِه المراجعة هي التي قال فيها عمر في حديث مالك: نزرت رسول الله ﷺ [ثلاث مرات] (٣) (كل ذلك) (٤) لا يجيبك (٥). فصل: قال المهلب: قوله: (اتَّهِمُوا رَأيَكُمْ). يعني: في هذا القتال يعظ الفريقين؛ لأن كل فريق منهما يقاتل على رأي يراه واجتهاد يجتهده، فقال لهم سهل: اتهموا رأيكم، وإنما تقاتلون في الإسلام إخوانكم برأي رأيتموه، فلو كان الرأي يقضى به لقضيت برد أبي جندل برد أمر رسول الله ﷺ يوم الحديبية حين قاضى أهل مكة ليرد إليهم من فرَّ عنهم إلى رسول الله ﷺ من المسلمين، فخرج أبو جندل يستغيث يجر

стр. 11145

قيوده، وكان قد عذب على الإسلام، فقال سهيل والد أبي جندل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه. فرد إليه أبا جندل وهو ينادي: أتردونني إلى المشركين (وأنا منكم) (١) (وترون) (٢) ما لقيته من العذاب في الله. وقام سهيل إلى ابنه بحجر فكسر فمه، فغارت نفوس المسلمين يومئذ، وقال عمر: ألسنا على الحق. وكذلك قال سهل: ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته. فصل: وقوله: (وَضَعْنَا سُيَوفَنَا) يعني: ما جردناها في الله لأمر فظيع علينا عظيم إلا أسهلت بنا سيوفنا وأفضت بنا إلى السهل من أمرنا من غير هذا الأمر. يعني: أمر الفتنة التي وقعت بين المسلمين في صدر الإسلام، فإنها مشكلة لم تتبين السيوف فيها الحقيقة، بل حلت المصيبة بقتل المسلمين، فنزع السيف أولى من سله في الفتنة (٣). فصل: قوله: (لأَمْرٍ يُفْظِعُنَا). قال ابن فارس فظع وأفظع لغتان (٤)، ومعناه لأمر شديد (٥). والحديبية: بئر، وفيها التخفيف والتشديد كما سلف (٦).

стр. 11146

وأنكر أبو جعفر النحاس التشديد، وقال: لم يقل به أحد من أهل اللغة (١). فصل: قول أسماء: قدمت أمي مع أبيها، قال الزبير: هو الحارث بن مدرك بن عبيد بن عمر بن (مخزوم) (٢).

стр. 11147

١٩ - باب المُصَالَحَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ وَقْتٍ مَعْلُومٍ ٣١٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي البَرَاءُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يَسْتَأْذِنُهُمْ لِيَدْخُلَ مَكَّةَ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُقِيمَ بِهَا إِلاَّ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلاَّ بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ، وَلَا يَدْعُوَ مِنْهُمْ أَحَدًا، قَالَ: فَأَخَذَ يَكْتُبُ الشَّرْطَ بَيْنَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَكَتَبَ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. فَقَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَمْ نَمْنَعْكَ وَلَبَايَعْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. فَقَالَ: «أَنَا وَاللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَأَنَا وَاللهِ رَسُولُ اللهِ». قَالَ: وَكَانَ لَا يَكْتُبُ قَالَ: فَقَالَ لِعَلِيٍّ: «امْحُ رَسُولَ اللهِ». فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللهِ لَا أَمْحَاهُ أَبَدًا. قَالَ: «فَأَرِنِيهِ». قَالَ: فَأَرَاهُ إِيَّاهُ، فَمَحَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ وَمَضَى الأَيَّامُ أَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا: مُرْ صَاحِبَكَ فَلْيَرْتَحِلْ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «نَعَمْ» ثُمَّ ارْتَحَلَ. [انظر: ١٧٨١ - مسلم: ١٧٨٣ - فتح ٦/ ٢٨٢] ذكر فيه حديث البَرَاءِ أَنه ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يَسْتَأْذِنُهُمْ .. الحديث. وسلف في الصلح أطول منه (١). وليس ما سقناه في أكثر الروايات، إنما مضى على أن يعتمر، فإن صده أحد قاتله فبركت ناقته .. الحديث. فأتاه عروة بن مسعود، ثم رجل من كنانة، ثم مكرز، ثم سهيل كما سلف، نبه عليه ابن التين.

стр. 11148

وقوله: (فاشترطوا عليه ألا يقيم بها إلا ثلاث ليال) هو ما ترجم له، والمراد (بأيامها) (١) وإنما قاضاهم على ذلك؛ لأنها ليست بمقام، وهي داخلة في حكم السفر وقصر الصلاة فيها. وفيه: الوفاء بالشرط والمطالبة مما وقع عليه العقود كما سلف في موضعه.

стр. 11149

٢٠ - باب المُوَادَعَةِ من غَيْرِ وَقْتٍ، وقوله ﵇: "أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ الله بِهِ " هذا الحديث سلف. وليس في أمر المهادنة حد عند أهل العلم لا يجوز غيره، وإنما ذلك على حسب الحاجة، والاجتهاد في ذلك (إلى الإمام) (١) وأهل الرأي.

стр. 11150

٣١ - باب طَرْحِ جِيَفِ المُشْرِكِيَن فِي البِئْرِ وَلَا يُؤخَذُ لَها ثَمَنٌ ٣١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ، فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ ﵍ فَأَخَذَتْ مِنْ ظَهْرِهِ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ المَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ -أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ». فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ، غَيْرَ أُمَيَّةَ -أَوْ أُبَيٍّ- فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلاً ضَخْمًا، فَلَمَّا جَرُّوهُ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُلْقَى فِي البِئْرِ. [انظر: ٢٤٠ - مسلم: ١٧٩٤ - فتح ٦/ ٢٨٢] ذكر فيه حديث عبد الله بن مسعود السالف في الطهارة بفوائده. وفي طرح جيفهم في البئر دلالة على جواز المثلة بهم إذا ماتوا، فإنهم جرروا أمية بن خلف -أو أبيًّا- كما في البخاري، والصحيح أمية. وأما أبي فقتله النبي ﷺ بيده يوم أحد. حتى تقطعت أوصاله، وهذا يدل على أن نهيه عن المثلة إنما هو في الأحياء، قاله ابن بطال، قال: والبئر التي ألقوا فيها يحتمل أن تكون للمشركين، فأراد النبي ﷺ إفسادها عليهم أو لا يكون لأحد عليها ملك، فكانت معطلة (١). وقوله: (وَلَا يُؤْخَذُ لَها ثَمَنٌ) أي: لا يجوز أخذ الفداء فيها من

стр. 11151

المشركين، إذ كان أصحاب القليب رؤساء مشركي مكة، ولو مكن أهلهم من إخراجهم من البئر ودفنهم لبذلوا في ذلك كثير المال. وإنما لا يجوز أخذ الثمن فيها؛ لأنها ميتة لا يجوز تملكها ولا أخذ عوض عنها. وقد حرم الشارع ثمنها وثمن الأصنام في حديث جابر (١). وفي الترمذي من حديث ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن هشيم، عن ابن عباس: أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى ﵇ أن يبيعهم إياه. قال: وقد رواه أيضًا الحجاج بن أرطأة، عن الحكم. قال أحمد: لا يحتج بحديث ابن أبي ليلى. وقال البخاري: هو صدوق، ولكن لا نعرف صحيح حديثه من سقيمه. قال الترمذي: إنما يهم في الإسناد. وقال الثوري: فقهاؤنا: ابن أبي ليلى وابن شبرمة (٢). وذكر (ابن إسحاق) (٣) قال: لما كان يوم الخندق اقتحم نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، فتورط فيه فقتل، فغلب المسلمون على جسده، فسألوا رسول الله ﷺ أن يبيعهم جسده، فقال: "لا حاجة لنا بجسده ولا ثمنهم" فخلى بينهم وبينه. قال ابن هشام: أعطوا رسول الله ﷺ في جسده عشرة آلاف درهم فيما بلغنا عن الزهري (٤).

стр. 11152

فصل: فيه: جواز ستر عورات المشركين وطرحهم في الآبار المعطلة، وهو من باب ستر الأذى ومواراة السوءة والعورة الظاهرة. وفيه: مواراة جيفة كل ميت من بني آدم عن العيون ما وجد السبيل إلى ذلك ولو كافرًا؛ لأمره ﵇ أن يُجعلوا في قليب بدر، ولم يتركهم مطرحين بالعراء، فالحق الاستنان به فيمن أصابه في معركة الحرب أو غيرها من المشركين، فيوارون جيفته إن لم يكن لهم مانع من ذلك ولا شيء يعجلهم عنه من خوف كثرة عدو. وإذا كان ذلك من سننه في مشركي أهل الحرب، فالذمي أولى إذا مات ولا أحد من أوليائه وأهل بيته بحضرته، وحضرة أهل الإسلام أولى أن تكون السنة فيهم سنته في أهل بدر في أن يواروا جيفته ويدفنوه. وقد أمر الشارع عليًّا في أبيه أبي طالب إذ مات فقال: "اذهب فواره" (١) فإن لم يفعلوا ذلك لشاغل أو مانع لهم من ذلك لم أرهم حرجين بترك ذلك؛ لأن أكثر مغازي رسول الله ﷺ التي كان فيها القتال لم يذكر عنه من ذلك ما ذكر عنه يوم بدر.

стр. 11153

فصل: قوله: (إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ، فقذفه على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد). عقبة هذا قتل يوم بدر صبرًا وحده. قال: أقتل من بين هؤلاء؟ قال: "نعم" قال: بم؟ قال: "بافترائك على الله وكفرك" قال: فمن للصبية؟ قال: "النار" (١). ولم يكن من أنفس قريش وإنما كان ملصقًا فيهم، وكان من أشد الناس على رسول الله ﷺ ، قاله الداودي: وتعقبه ابن التين فقال: ظاهر قوله ﵇: "عليك الملأ من قريش" أنه من أشرافهم؛ لأن الملأ: الأشراف، إلا أن يريد أكثر من ذكر (٢).

стр. 11154

٢٢ - باب إِثْمِ الغَادِرِ لِلْبِرِّ وَالْفَاجِرِ ٣١٨٦، ٣١٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. وَعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ أَحَدُهُمَا: يُنْصَبُ وَقَالَ الآخَرُ: "يُرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ". [مسلم: ١٧٣٦، ١٧٣٧ - فتح ٦/ ٢٨٣] ٣١٨٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ لِغَدْرَتِهِ». [٦١٧٧، ٦١٧٨، ٦٩٦٦، ٧١١١ - مسلم: ١٧٣٥ - فتح ٦/ ٢٨٣] ٣١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا». وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهْوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهْوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ». فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِلاَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ. قَالَ: «إِلاَّ الإِذْخِرَ». [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح ٦/ ٢٨٣] حَدَّثنَا أَبُو الوَلِيدِ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَش، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. وَعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لِكُل غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ" قَالَ أَحَدُهُمَا: "يُنْصَبُ" وَقَالَ الآخَرُ: "يُرى يَوْمَ القِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ".

стр. 11155

القائل: (وَعَنْ ثَابِتٍ): هو شعبة، وقد اتفقا عليه من حديث شعبة، عن ثابت، عن أنس (١). ومن حديث الأعمش عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود (٢). ثم ساق حديث نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ لِغَدْرَتِهِ". وقد مر. ثم ساق حديث ابن عَبَّاسٍ: "لَا هِجْرَةَ، ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"، بطوله. وقد سلف في الحج (٣). إذا عرفت ذلك: فالشارع أخبر بأن عقوبة الغادر يوم القيامة أن يرفع له لواء لتعرفه الناس بغدرته فينظرون منه بعين المعصية، وهذِه عقوبة من نوع ما، قال تعالى في عقوبة الكذابين على الله: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]. فصل: حديث: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ" ذكره البخاري من حديث ثلاثة من الصحابة: عبد الله، وأنس، وابن عمر. وأخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد، وقال: حسن (٤)، وابن عساكر من حديث علي مرفوعًا: "إن لكل غادر لواء يوم القيامة، ومن نكث بيعته لقي الله أجذم" (٥) فهؤلاء خمسة من الصحابة رووه.

стр. 11156

فصل: ووجه مطابقة الترجمة للحديث عموم: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ" يدخل فيه من غدر من بر أو فاجر. فالغدر حرام لجميع الناس برهم وفاجرهم؛ لأن الغدر ظلم، وظلم الفاجر حرام كظلم البر التقي. ووجه مطابقتها حديث ابن عباس أن الشارع نص على أن مكة -شرفها الله- اختصت بالحرمة إلا في الساعة المستثناة، وليس المراد حرمة قتل المؤمن البر فيها، إذ كل (تبعة) (١) كذلك، فالذي اختصت به حرمة قتل الفاجر المستأهل للقتل، فإذا استقر أن الفاجر قد حرم قتله؛ لعهد الله الذي خصها به، فإذا خص أحد فاجرًا بعهد في غيرها لزم نفوذ العهد له بثبوت الحرمة في حقه، فيقوى عموم الحديث في الغادر بالبر والفاجر، نبه عليه ابن المنير (٢). وجهه -والله أعلم- أن محارم الله عهوده إلى عباده، فمن انتهك شيئًا لم يف مما عاهد الله عليه، ومن لم يف فهو من الغادرين. وأيضًا فالشارع لما فتح مكة منَّ على أهلها كلهم مؤمنهم ومنافقهم، ومعلوم أنه كان فيهم منافقون، ثم أخبر أن مكة حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لا يحل قتال أحد فيها، وإذا كان كذلك فلا يجوز الغدر ببر منهم ولا فاجر، إذ شمل جميعهم أمانه وعفوه عنهم. فصل: قال القرطبي: هذا خطاب منه ﵇ للعرب بنحو ما كانت تفعل، وذلك أنهم يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء؛ ليعظموا

стр. 11157

الأول، ويذموا الثاني. قال: وقد شاهدنا هذا عادة مستمرة إلى اليوم (١) قلت: ومنه قول الشاعر (٢): أسمي ويحك هل سمعت بغدرة … نصب اللواء بها لنا في مجمع فمقتضى هذا الحديث أن الغادر يفعل به ذلك؛ ليشتهر بالخيانة والغدر فيذمه أهل الموقف- كما سلف. ولا يبعد أن يكون الوفي بالعهد يرفع له لواء يعرف به وفاؤه وبره فيمدحه أهل الموقف. فصل: اللواء لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب ويكون الناس تبعًا له، ذكره النووي (٣). قال: فمعنى: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ" أي: علامة يشتهر بها في الناس؛ لأن موضع اللواء شهرة مكان الرئيس، لكن ذكر الأصبهاني أن عمر (سئل) (٤): من أشعر العرب؟ فقال: زهير. فقيل: إن رسول الله ﷺ قال: "امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء" (٥) فقال عمر: اللواء لا يكون (إلا مع الأمير) (٦).

стр. 11158

قال: والغَادِر: هو الذي يواعد على أمر ولا يفي به. يقال: غدر يغِدر؛ بكسر الدال في المضارع (١). فصل: في الحديث بيان تحريم الغدر كما سلف لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير. وقيل: لأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء، كما في الحديث في تعظيم كذب الملوك. والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الإمام الغادر، إما لمن عاهده من المحاربين أو لرعيته إذ لم يقم (عليهم) (٢) ولم يحظهم، فمن فعل ذلك فقد غدر بعهده أو يكون نهي للرعية عن الغدر بالإمام. قال: وقد مال أكثر العلماء إلى أنه لا يقاتل مع الأمير الغادر بخلاف الخائن والفاسق. وذهب بعضهم إلى الجهاد معه، والقولان في مذهب مالك. فصل: دعاء الناس بإمامهم في الموقف، تقدم أظنه في الجنائز. (آخر الجزية والموادعة) (٣).

стр. 11159

٥٩ - بَدْءُ الخَلْقِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - باب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ وَالْحَسَنُ: كُلٌّ عَلَيْهِ هَيِّنٌ. هَيْنٌ وَهَيِّنٌ مِثْلُ: لَيْنٍ وَلَيِّنٍ، وَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ، وَضَيْقٍ وَضَيِّقٍ. ﴿أَفَعَيِينَا﴾ [ق: ١٥] أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ، اللُغُوبٌ: [فاطر:٣٥] النَّصَبُ. ﴿أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٤] طَوْرًا كَذَا، وَطَوْرًا كَذَا، عَدَا طَوْرَهُ أَيْ: قَدْرَهُ. ٣١٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا بَنِي تَمِيمٍ، أَبْشِرُوا». قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا. فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَجَاءَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ، فَقَالَ: «يَا أَهْلَ اليَمَنِ، اقْبَلُوا البُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ». قَالُوا: قَبِلْنَا. فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ بَدْءَ الخَلْقِ وَالْعَرْشِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ،

стр. 11160

رَاحِلَتُكَ تَفَلَّتَتْ، لَيْتَنِي لَمْ أَقُمْ. [٣١٩١، ٤٢٦٥، ٤٣٨٦، ٧٤١٨ - فتح ٦/ ٢٨٦] ٣١٩١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بِالْبَابِ، فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ». قَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا. مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ». قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالُوا: جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ قَالَ: «كَانَ الله وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيءٍ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ». فَنَادَى مُنَادٍ: ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الحُصَيْنِ. فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ، فَوَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا. [انظر: ٣١٩٠ - فتح ٦/ ٢٨٦] ٣١٩٢ - وَرَوَى عِيسَى، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ. [فتح ٦/ ٢٨٦] ٣١٩٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أُرَاهُ: «يَقُولُ الله: شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي، وَتَكَذَّبَنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِي وَلَدًا. وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي». [٤٩٧٤، ٤٩٧٥ - فتح ٦/ ٢٨٧] ٣١٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَمَّا قَضَى الله الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي». [٧٤٠٤، ٧٤٢٢،٧٤٥٣، ٧٥٥٣،٧٥٥٤ - مسلم: ٢٧٥١ - فتح ٦/ ٢٨٧]

стр. 11161

الشرح: هذا الكتاب وما بعده من ذكر الأنبياء والسير والتفسير إلى النكاح لم أره في كتاب ابن بطال رأسًا، وإنما عقب هذا بالعقيقة وما شاكلها. وما أدري لم فعل ذلك وقد حذف نحو ربع الصحيح. قال ابن الأعرابي: العرب تمدح بالهين اللين مخففًا، وتذم بهما مثقلًا. وفي معنى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أقوال: أحسنها -وهو قول قتادة- أن معنى ﴿أَهْوَنُ﴾ هين، ومنه الله أكبر أي: كبير (١). وقال ابن عباس: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: على المخلوق؛ لأنه ابتدأ جعله نطفة ثم علقة ثم مضغة، والإعادة، يقول له: كن فيكون، فهو أهون على المخلوق (٢)، وقال مجاهد وغيره: كل عليه هين، والإعادة أهون عليه (٣) أي: أهون عندكم فيما تعرفون على التمثيل وبعده ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ في قراءة عبد الله: (وهو عليه هين) (٤). وما ذكره في قوله: ﴿أَفَعَيِينَا﴾ اعترض ابن التين فقال: الذي قاله أهل اللغة والمفسرون ﴿أَفَعَيِينَا﴾: عييت بالأمر إذا لم أعرف وجهه.

стр. 11162

وقال الزجاج: في هذِه الآية الكريمة غير قول -أعني الأولى- فمنها أن الهاء تعود على الخلق. والمعنى: الإعادة والبعث أهون على الإنسان من إنشائه؛ لأنه يقاسي في النشئ ما لا يقاسي في البعث والإعادة. وقال أبو عبيدة وكثير من أهل اللغة: إن معناه: وهو هين عليه. أي: كله هين عليه، قال: ﴿أَهْوَنُ﴾ هنا ليس على بابها، وإنما معناه هين، وهذا سلف. قال: وأحسن منهما أنه خاطب عباده مما يعقلون، وأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل وأهون من الابتداء والإنشاء، وجعله مثلًا لهم فقال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] أي: قوله ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ فضربه لهم مثلًا فيما يصعب ويسهل (١). وقوله: (اللغوب: النصب) هو: الإعياء (٢)، وهذا كذب الله به اليهود لما قالوا: فرغ الله من الخلق يوم الجمعة واستراح يوم السبت، فأعلم الله أنه لم يمسه تعب (٣). قال الداودي: و (اللُغُوب) بالنصب والضم. قال ابن التين: وما رأيت من ذكر فيه نصب اللام، وإنما اللغوب الأحمق.

стр. 11163

وقوله: (﴿أَطْوَارًا﴾: طورًا كذا، وطورًا كذا) قال ابن عباس: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، وقاله مجاهد (١)، وقيل: اختلاف المناظر والصحة والسقم من قولهم: جاز فلان طوره. أي خالف ما يجب أن يستعمله. وقيل: أصنافا في ألوانكم ولغاتكم، وهو نحو الثاني، والأول أولى؛ لأن الطور في اللغة المرة، فالمعنى خلقكم مرارًا من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة (٢). ثم ساق البخاري أحاديث أربعة: أحدها: حديث عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنٍ قَالَ: جَاءَ نَفَر مِنْ بَنِي تَمِيمِ إِلَى رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: "يَا بَنِي تَمِيمٍ، أَبْشِرُوا". فقَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنًا. فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَجَاءَهُ أَهْلُ اليَمَنِ، فَقَالَ: "يَا أَهْلَ اليَمَنِ، اقْبَلُوا البُشْرى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمِ". قَالُوا: قَبِلْنَا. فَأَخَذَ رسول الله ﷺ يحَدِّثُ عن بَدْءِ الخَلْقِ وَالْعَرْشِ، فَجَاءً رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ، رَاحِلَتُكَ تَفَلَّتَتْ. لَيْتَنِي لَمْ أَقُمْ. ثم رواه من حديث عِمْرَانَ أيضًا وقال بعد قوله: "إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيم". قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالُوا: جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هذا الأَمْرِ. قَالَ: "كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كلَّ شَيء، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ". فَنَادى مُنَادٍ: ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابن الحُصَيْنِ. فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ، فَوَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا.

стр. 11164

الشرح: هذا الحديث يأتي في المغازي في ( … ) (١) وفي التوحيد (٢). وقوله: ("أَبْشِرُوا") يريد ما يجازى به المسلمون وما تصير إليهم عاقبتهم. وقوله: ("اقْبَلُوا البُشْرى") كذا روي عند الجماعة فيما حكاه عياض بباء موحدة ثم شين معجمة، إلا الأصيلي فإنه عنده بياء مثناة تحت ثم سين مهملة، والصواب الأول (٣). وجواب بني تميم يدل عليه. وكان قدوم بني تميم سنة تسع من الهجرة (٤). والقائل: (فأعطنا) قيل: الأقرع بن حابس، كان فيه بعض أخلاق البادية. وروي أنه حين رد النبي ﷺ سبي هوازن قال الأقرع وعيينة: لا يطيب ذلك، وأنهما أخذا حظهما من ذلك، فوقع لأحدهما جمل أجرب، ويقال: إنه كان فيمن نادى رسول الله ﷺ من وراء الحجرات. وفي كتاب المغازي: قال أبو موسى: كنت عند النبي ﷺ بالجعرانة ومعه بلال، فأتاه أعرابي فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟! فقال له: "أبشر" فقال: أكثرت عليَّ من البشرى [فأقبل] (٥) عليَّ وعلى بلال كهيئة الغضبان، فقال: "رد البشرى، فاقبلاها" فقالا: قبلنا (٦).

стр. 11165

وسبب غضبه لعله علم أولئك؛ لأنهم علقوا آمالهم بعاجل الدنيا دون الآخرة، نبه عليه ابن الجوزي. والقائل (نسألك عن هذا الأمر): الأشعريون. وقوله: (كان الله) إلى آخره، قال سعيد بن جبير: سألت ابن عباس على أي شيء كان الماء ولم يخلق سماء ولا أرضًا. فقال: على متن الريح (١). وذلك أن الله أول ما خلق اللوح والقلم والدواة، فقال للقلم: اكتب ما يكون، فكتب ذلك في الذكر، وهو اللوح المحفوظ. وقيل: أول ما خلق الله القلم. وقيل: الدواة، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق نون وبسط الأرض عليه فمادت، فخلق الجبال (٢). وقرأ ابن عباس: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ (٣) [القلم: ١] وكان خلق الأرض في يومين، ثم كان بين الدخان دخان، فخلق منه السماوات السبع في يومين، ثم دحى بعد ذلك الأرض وأنبت فيها أشجارها، وفجر أنهارها، وقدر معايشها، ووقت أقواتها فمادت. فقالت الملائكة: ما هي مستقرة لأهلها، فأصبحوا وقد أرست عليها الجبال، وكان ذلك كله في يومين، وذلك من قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [يونس: ٣] وقوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ الآية [النازعات: ٣٠].

стр. 11166

وروى الطبري (١) في "تاريخه" عن عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا: "أول ما خلق الله تعالى القلم" (٢). وعن ابن إسحاق: أول ما خلق الله النور والظلمة، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلمًا، وجعل النور نهارًا أبيض مبصرًا. قال أبو جعفر: وأولى ذلك بالصواب عندي قول من قال: القلم، ثم خلق سحابًا رقيقًا (٣) وهو الغمام، ثم العرش. وقيل: خلق الماء قبل العرش. فصل: عن المهلب: أن السؤل عن مبادئ الأشياء والبحث عنها جائز شرعًا، وللعالم أن يجيب عنها مما يعلم، فإن خشي من السائل اتهام شك أو تقصير فهم فلا يجبه، ولينهه عن ذلك ويزجره. الحديث الثاني: قال البخاري: وَرَوى عِيسَى، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِينَا مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ. هكذا في النسخ كلها كما قال الجياني (٤). وعيسى هذا هو ابن موسى البخاري غنجار لحمرة خديه، مات سنة

стр. 11167

ست أو سبع وثمانين ومائة (١)، سقط بينه وبين رقبة أبو حمزة السكري محمد بن ميمون عن رقبة بن مصقلة العبدي الكوفي أي: عبد الله، كذا بخط الدمياطي، وهو كما قال. وقال أبو مسعود الدمشقي: إنما رواه عيسى -يعني: ابن موسى غنجار- يحدث عن أبي حمزة، عن رقبة بن مصقلة. وفي "مستخرج أبي نعيم": حدثنا أبو إسحاق، حدثنا محمد بن المسيب، حدثنا النضر بن سلمة، ثنا أحمد بن أيوب الضبي، ثنا أبو حمزة، عن رقبة بلفظ: فأخبرنا بأهل الجنة وما يعملون، وبأهل النار وما يعملون. تم قال: ذكره البخاري بلا رواية عن أبي حمزة ولأبي حمزة، عن رقبة (نسخة) (٢) ولا يعرف لعيسى عن رقبة نفسه شيء، وقد روى إسحاق بن حمزة البخاري، عن غنجاز هذا عن أبي حمزة، عن رقبة بن مصقلة (نسخة) (٣). وقال خلف: قال ابن الفلكي: ينبغي أن يكون بين عيسى ورقبة أبو حمزة. وقال أبو العباس الطرقي: إنما يروي عيسى عن أبي حمزة، عن رقبة. وفيه: أعلام نبوته وإخباره المغيبات.

стр. 11168

الحديث الثالث: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أُرَاهُ: "يَقُولُ اللهُ: يشتمني ابن آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي، ويكَذِّبَنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، أَمَّا شَتْمُهُ إياي فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِي وَلَدًا. وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي". وهذا الحديث ذكره في تفسير سورة البقرة أيضًا (١) كما ستعلمه، وفي إسناده أبو أحمد واسمه محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأزدي، وقيل: الأسدي الزبيري نسبة إلى جده، مات بالأهواز في جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين (٢). عن سفيان بن سعيد، وهو الثوري. الحديث الرابع: عنه أيضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كتَابِهِ، فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي". وفيه: مغيرة بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن خالد بن حزام، كان عالمًا بالنسب ( … ) (٣) وابنه عبد الرحمن من فقهاء المدينة، وعمه المغيرة بن عبد الله عامل ابن الزبير على اليمن. قال الخطابي: يريد بقوله: "لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ" لما خلقهم. قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] أي: خلقهن. وكل صنعة وقعت في شيء على سبيل إتقان وإحكام قضاء (٤).

стр. 11169

وقال ابن عرفة: قضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، وبه سمي القاضي؛ لأنه إذا حكم فقد فرغ ما بين الخصمين. وقوله: ("فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ") قيل: معناه دون العرش استعطافًا أن يكون شيء من المخلوقات فوق العرش. واحتج قائله بقوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] أي: فما دونها (١). والذي قاله المحققون في تأويل الآية قولان: أنه أراد بـ ﴿مَا فَوْقَهَا﴾ في الصغر؛ لأن المطلوب هنا والغرض الصغر أي أن فوق تزاد في الكلام وتلغى كقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] وكقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. وأجمعوا أن الاثنتين كافية في ذلك، فلم يك بحرف (فوق) (٢) فيه أثر. وهذا أيضًا لا يتوجه في معنى الحديث؛ لأنك إذا نزعت منه هذا الحرف وألغيته لم يصح معنى الكلام؛ لأنه لا يجوز أن تقول: فهو عنده العرش، كما لا يصلح أن يقال: فإن كن نساءً اثنتين. والقول فيه -والله أعلم- أنه أراد بالكتاب أحد شيئين: إما اللفظ الذي قضاه وأوجبه كقوله: ﴿كَتَبَ الله لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ المجادلة: ٢١] أي: قضى الله وأوجب. ويكون معنى قوله: "فَوْقَ العَرْشِ" أي: علم ذلك عند الله فوق العرش لا ينسخ ولا يبدل كقوله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] وإما أن يراد بالكتاب:

стр. 11170

اللوح المحفوظ (١) الذي فيه ذكر أصناف الخلق والخليقة، وذكر آجالهم وأرزاقهم ومآل عواقب أمورهم، ويكون المعنى: فذكره عنده فوق العرش، ويضمر فيه الذكر أو العلم. وكل ذلك جائز في الكلام على أن العرش مخلوق، ولا يستحيل أن يمسه كتاب مخلوق، فإن الملائكة حملة العرش روي أن العرش على كواهلهم، وليس بمستحيل أن يمسوه إذا حملوه، وإن كان حامل العرش وحامل حملته الرب ﷻ . وليس معنى قولهم: الله على العرش أنه ماس له، ولا متحيز في جهة منه، وإنما هو خبر جاء به التوقيف فقلنا به ونفينا عنه التكييف، إذ ليس كمثله شيء، نبه على ذلك ابن التين، قال: وإنما اختص هذا بالذكر وإن كان القلم كتب كل شيء لما فيه من الرجاء، فمن علم أنه تقبل هداه دخل في هذا، ومن أبى عاقبه وختم على سمعه وقلبه.
следующие страницы →