← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.

стр. 11341

الشرح: تفسير مجاهد رواه الطبري عن الحارث: حدثني الحسن: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه به (١). قال الطبري: والدحور مصدر من قولك: دَحَرْتُهُ أَدْحَرُهُ دَحْرًا ودُحُورًا، والدَّحْرُ: الدفع والإبعاد، يقال منه: أدحر عنك الشيء، أي: أدفعه عنك وأبعده (٢). وفي "تفسير عبد بن حميد": عن قتادة: (﴿دُحُورًا﴾ [الصافات: ٩] قذفًا في النار. قوله: (بتَّكه: قطعه)، قال قتادة: يعني: البحيرة (٣)، وهي: التي نتجت خمسة أبطن، فكان آخرها ذكرًا شقوا أذنها ولم ينتفعوا بها، والتقدير: (ولآمرنهم) (٤) بتبتيك آذان الأنعام وليبتكنها. وقوله: (استخف) يريد بالغناء والمزامير. وقوله: ﴿بِخَيْلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]: الفرسان)، قال ابن عباس: كل خيل سارت في معصية، وكل رِجْل مَشَت فيها، وكل ما أصيب من حرام، وكل ولد غية، فهو للشيطان (٥). وقال غيره: مشاركته في الأموال: البحيرة والسائبة والأولاد، قولهم: عبد العزى وعبد الحارث. وقوله: (﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾ [الإسراء:٦٢]: لأستأصلن)، قيل: معنى أحتنك: مثل حنك الدابة، المعنى على هذا: لأسوقنهم حيث شئت. وقال الداودي: معناه: لأستنزلن.

стр. 11342

فصل يتعلق بإبليس لعنه الله: قال ابن جرير: كان الله قد حسن خلقه وشرفه وكرمه وملكه على سماء الدنيا والأرض وجعله مع ذلك من خزان الجنة، فاستكبر على ربه، وادعى الربوبية، ودعا من كان تحت يده إلى عبادته، فمسخه الله شيطانًا رجيمًا، وشوه خلقه، وسلبه ما كان خوَّله، ولعنه وطرده عن سماواته في العاجل، ثم جعل مسكنه ومسكن شيعته وتبَّاعه في الآخرة نار جهنم. ثم ساق من حديث حجاج، عن ابن جريج: قال ابن عباس: كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلةً، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض (١). وعن ابن جريج، عن صالح -مولى التوأمة- وشريك عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان إبليس منها (٢). وعن ابن صالح، عن ابن عباس، ومرة عن عبد الله وغيرهما من الصحابة: إنما سمي قبيلة الجن؛ لأنهم خزان الجنة (٣). وقال ابن جريج: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ [الأنبياء: ٢٩] لم يقل بهذا إلا إبليس وفيه نزلت هذِه الآية (٤). وكذا قاله قتادة (٥).

стр. 11343

وعن ابن عباس قال: إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الحن (١)، خلقوا من نار السموم، وكان اسمه الحارث. وخلقت الملائكة كلهم من النور، غير هذا الحي. ومارج النار: هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا لهبت. وأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضًا، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة وهم هذا الحي الذين يقال لهم الحن (٢)، فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقوهم بجزائر البحر وأطراف الجبال، فلما فعل ذلك اغتر في نفسه وقال: قد صنعت شيئًا لم يصنعه أحد. فأطلع الله على ذلك من قبله ولم يطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه (٣). وقال الربيع بن أنس: إن الله تعالى خلق الملائكة يوم الأربعاء وخلق الجن يوم الخميس (٤). وذكر ابن مسعود وغيره أنه لما ملكه سماء الدنيا وقع في صدره كبر وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة (٥). وعن ابن عباس: كان اسمه عزازيل، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا فارتد (٦).

стр. 11344

وقال ابن خالويه في كتاب "ليس": إبليس يكنى أبا الفردوس. ويقال: أبو مرة، ومن أسمائه أيضًا العلب والسعة والحارث (١). وأبلس من رحمة الله أي: يَئِس، والإبلاس أيضًا: الانكسار والحزن. يقال: أبلس فلان إذا سكت عما قال، وقال الماوردي في "تفسيره": هو شخص روحاني، خلق من نار السموم، وهو أبو الشياطين (٢)، وقد ركبت فيهم الشهوات، مشتق من الإبلاس: وهو الإياس من الخير (٣). فائدة أخرى: عن سعد بن مسعود قال: كانت الملائكة تقاتل الجن فسبي إبليس وكان من الجن الذين طردتهم الملائكة، وكان صغيرًا فتعبد مع الملائكة، فلما أمروا بالسجود لآدم أبى هو من ذلك (٤). قال الطبري: وقيل: إن سبب هلاكه كان من أجل أن الأرض كان فيها قبل آدم الجن، وبعث الله إبليس قاضيًا بينهم فلم يزل يقضي بينهم (بالحق) (٥) ألف سنة حتى سمي حكمًا، فسماه الله به، وأوحى إليه أسمه، فعند ذلك دخله الكبر فتعظم وألقى بين الذين كان بعثه إليهم حكمًا البأسَ والعداوةَ، فاقتتلوا في الأرض ألفي سنة حتى إن خيولهم كانت تخوض في دمائهم وذلك قوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ [ق: ١٥] فبعث الله عند ذلك إليهم نارًا فأحرقتهم، فلما رأى اللعين ما نزل

стр. 11345

بقومه عرج إلى السماء مجتهدًا في العبادة، حتى خلق آدم. وفي "تفسير الجوزي": قسم إبليس جنده فريقين، فبعث فريقًا منهم إلى الإنس، وفريقًا إلى الجن، فكلهم أعداء لرسول الله ﷺ . وفي "الديباج" للخُتَّلي عن مجاهد: كان إبليس على سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان مكتوب في الرفيع الأعلى أن الله حيث سيجعل في الأرض خليفة، وأنه ستكون دماء وأحداثًا، فوجده إبليس فرآه دون الملائكة، فلما ذكر الله أمر آدم للملائكة أخبرهم إبليس مما رأى، وأسر في نفسه أنه لا يسجد له أبدًا، فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ﴾ الآية [البقرة: ٣٠]. ثم ذكر البخاري في الباب ستة وعشرين حديثًا: أحدها: حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سُحِرَ رسول الله ﷺ . وَقَالَ اللَّيْثُ: كَتَبَ إِلَيَّ هِشَام أَنَّهُ سَمِعَهُ وَوَعَاهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: سحر .. الحديث. وقد سلف، ويأتي في الطب والدعوات. وأخرجه مسلم أيضًا (١). وذكره هنا للعلم بأن السحر من تعليم الشياطين، وهو دال على أن له حقيقة خلافًا لمن نفاه. وقوله: ("أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي؟ "). أي: أوحى إليَّ؛ لأن الفتيا هي إعلام حكم المسألة وبيانه.

стр. 11346

و"مَطْبُوبٌ": معناه: مسحور، والطب: السحر. ولبيد بن الأعصم، قال الداودي: كان يهوديًّا، وأراه كان ذلك منه قبل أن تكون لهم ذمة، ثم آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه، وكان منافقًا. وقوله: ("في مُشطٍ وَمُشَاقَةٍ") المشاقة: ما يخرج من الكتان حين يمشق، والمشق: جذب الشيء ليمتد ويطول. ("وَجُفَّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ") قشرها يسمى الكفري، وهو وعاء الطلع، وهو الغشاء الذي على الوليع. قال ابن فارس: جف الطلعة: وعاؤها، ويقال: إنه شيء ينقر من جذوع النخل (١). قال الهروي: ويروى: في مشط ومشاطة في جف طلعة. قال: والمشاط: الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط (٢). قال: "وجف طلعة": أي: في جوفها (٣). وقوله: ("ذَكَرٍ") الذكر من النخل: هو الذيَ يؤخذ طلعه طلعة فيجعل منه في طلع النخلة المثمرة فيصير بذلك ثمرًا، ولو لم يجعل فيه لكان شيصًا لا نوى فيه ولا يكاد يساغ. و"ذروان" موضع. وقوله: ("نَخْلُهَا كَأّنَّه رؤوش الشَّيَاطين") فيه قولان: أحدهما: أنها مشققة كرؤوس الشياطين، وهي الحيات. الآخر: أنها وحشة المنظر سمجة الأشكال كأنها كما يتصور استبشاعًا واستقباحًا لصورة الشياطين.

стр. 11347

فصل: منع قوم من الكلام على هذا الحديث وقالوا: لو جاز أن يعمل في نبي الله السحر أو يكون له فيه تأثير لم يؤمن أن يؤثر ذلك فيما يوحى إليه من أمور الشريعة، فيكون في ذلك ضلال الأمة، وقد سلف جوابه وأنهم معصومون في أمر الدين الذي أرصدهم الله له وبعثهم به، وليس يؤثر السحر في أبدانهم بأكثر من الموت الذي يعتريهم، وهم بشر يجوز عليهم الأمراض والعلل. فصل: قوله: ("خشيت أن يثير ذلك على الناس شرًّا") يريد في إظهاره. وقولها: (يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله). إنما كان ذلك خصوصًا في أمر النساء وفي إتيان أهله دون ما سواه من أمر النبوة، وهذا من جملة ما تضمنه قوله تعالى: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] وقيل: إنما امتنع أن يُعَيَّنَ الساحر؛ لئلا تقوم أنفس المسلمين فيقع بينهم وبين قبيل الساحر فتنة. الحديث الثاني: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ .. ". الحديث تقدم في الصلاة (١). والقافية: مؤخر الرأس، ومنه قافية الشِّعْرِ، هذا قول الأكثرين. ومعنى يعقد: يتكلم عليه حتى يصير كالعقد. الحديث الثالث: حديث عَبْدِ اللهِ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ،

стр. 11348

الحديث تقدم فيه أيضًا. الحديث الرابع: حديث ابن عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَمَا إِن أَحَدَكمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ". الحديث. وسلف في الطهارة (١)، وكرره بعد (٢)، وعبر فيه بـ (ما) عمن يعاقل فقال: "ما رزقتنا". وذلك (يصح) (٣) إذا كان بمعنى شيء. الحديث الخامس: حديث ابن عُمَرَ: "إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ". الحديث سلف في الصلاة (٤)، والبخاري رواه عن محمد وهو ابن سلام، كما قاله أبو نعيم وأبو علي (٥)، وأخرجه مسلم والنسائي (٦). الحديث السادس: حديث أبي سعيد (٧) في المرور وسلف في الصلاة أيضًا (٨).

стр. 11349

قال ابن فارس -في الحديث قبله-: حاجب الشمس: ناحيتها (١). وقال الهروي: الحاجب في شعر الغَنَوي ضوؤُها. وظاهر الحديث: أنه ناحيتها، كما قاله ابن فارس. وقوله: ("تطلع بين قرني شيطان") قال الداودي: له قرن على الحقيقة يظهر عند طلوعها وغروبها. وقيل: إنه ينتصب في محاذاة مطلعها حتى إذا طلعت كانت بين فَوْدَيْ رأسه. وهما قرناه، أي: جانبا رأسه، فتكون العبادة له إذا سجدت (له) (٢) عبدة الشمس لها، وقال الحربي: هُوَ مَثَلٌ؛ يَقُولُ حِينَئِذٍ يتحركُ الشيطانُ ويتسلَّطُ. وقيل القرن: القوة، أي: تطلع حين قوة الشيطان واستحواذه على عبدة الشمس، وقيل: المراد: اقترانه بها. ويرد على جميعهم بقوله: قرنيه لأنه تثنية قرن. فلا يصح المعنى بتثنيته إلا في قوله: بين فَوْدَيْهِ. فهو موافق له، وهو إن شاء الله أوجه الأقوال، كما قاله ابن التين. الحديث السابع: حديث أبي هُرَيْرَةَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، تقدم في الوكالة (٣). الحديث الثامن: حديثه أيضًا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ باللهِ، وَلْيَنْتَهِ".

стр. 11350

هذا الحديث خرجه مسلم أيضًا (١)، وأخرجه البخاري في الاعتصام (٢) ومسلم في الإيمان عن أنس (٣)، وعند مسلم: "لا يزال الناس يسألون، حتى يقولون (٤): هذا خلق الله، فمن خلق الله؟ ". وفي رواية "فليقل: آمنت بالله". ولأبي داود. "فإذا قالوا ذلك فقولوا: ﴿الله أَحَدٌ (١) الله الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] الآية، ثم ليتفل عن يساره ثلاثًا وليستعذ بالله من الشيطان" (٥). وفي رواية محمد بن سيرين عنه -كما قال الخطابي- زيادة لم يذكرها أبو عبد الله، لا يستغنى عنها في بيان معنى الحديث، ثم ساقها بإسناده بلفظ: "لا يزال الناس يسألون حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ ". قال أبو هريرة: فقد سئلت عنها مرتين. وفي آخر: "لا يزال الناس يسألون عن العلم حتى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟ ". فبينما أبو هريرة ذات يوم آخذ بيد رجل وهو يقول: صدق الله ورسوله، قال أبو هريرة: لقد سألني عنها رجلان وهذا الثالث (٦). ووجه الحديث: ترك التفكير فيما يخطر في القلب من وساوس الشيطان، والامتناع عن قبولها، والكف عن مجاراته في ذلك، وحسم المادة في ذلك بالإعراض عنه والاستعاذة بذكر الله، ولو أذن في مراجعته والرد عليه لكان الرد على كل موحد سهلاً؛ وذلك أن

стр. 11351

جوابه متلقى من سؤاله، وذلك أنه إذا قال ما تقدم، فقد نقض بأول كلامه آخره؛ لأنه يلزم منه أن يقال: ومن خلق ذلك الشيء. وامتد القول في ذلك إلى ما لا يتناهى، والقول مما لا يتناهى فاسد فسقط السؤال من أصله، وأشد من هذا الجواب وأحسن في موضع المطالبة أن تقول: دلنا المُحْدَثِ على مُحْدِث أَحْدَثَه ومريد أراده على الصفة التي وقع عليها حيًّا قادرًا، فإذا ثبت من هذِه صفاته فلا بد أن يكون قديمًا أو محدثًا، فإن قلنا: محدث صار من القسم الأول، وتسلسل القول فيه ولزم القول بالقدم، فإذا ثبت قدمه لم يبق إلا أن يقال: هو طبيعة، فيسأل الطبائعيين عن هذِه الطبيعة، فإن قالوا: قديمة، فيسألهم هل يوجب أثرها عند وجودها؟ فإن قالوا: نعم. كان باطلاً عيانًا؛ لأن سائر المخلوقات تلزم أن توجد كلها قديمة عند وجودها؛ إذ وجودها جملة من وجودهم، ولا يتراخى منه شيء عن شيء، وهذا مردود عيانًا، وإن قالوا: (هي تريده. يفصل بأسباب) (١)؛ فقد سلموا أن القديم مريد قادر. وعاد الخلاف بيننا في تسمية القديم، وإن قالوا: محدثة، أقمنا دليل الحدث ودلت على محدث ويسئل عنه ويتسلسل القول في ذلك. الحديث التاسع: حديث أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁: " إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ .. " الحديث سلف في الصيام (٢).

стр. 11352

و (ابن أبي أنس) المذكور في إسناده هو أبو سهيل بن مالك. الحديث العاشر: حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁: "أنَّ مُوسَى قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ " [الكهف: ٦٢] الحديث سلف أيضًا في العلم (١). الحديث الحادي عشر: حديث ابن عُمَرَ ﵄: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُشِيرُ إِلَى المَشْرِقِ فَقَالَ: "هَا إِنَّ الفِتْنَةَ هَا هُنَا، إِنَّ الفِتْنَةَ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ". ويأتي في الطلاق (٢). الحديث الثاني عشر: حديث جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ -أَوْ كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ- فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَة مِنَ العِشَاءِ فَحُلُّوهُمْ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَاذْكرِ اسْمَ اللهِ، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ، وَاذْكرِ اسْمَ اللهِ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ، وَاذْكرِ اسْمَ اللهِ، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا". هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (٣)، وسيأتي في البخاري، في حديث جابر: "فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا" (٤). وللترمذي: "فإن الشيطان لا يفتح غلقًا، ولا يحل وكاءً، ولا يكشف آنية، وإن الفويسقة تضرم على الناس بيتهم". وفي حديث ابن عمر عند البخاري:

стр. 11353

"لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون" (١)، وهذا من القدرة التي لا يؤمن بها إلا من وحد الله؛ وذاك أن الشياطين يتصرفون في الأمور الغريبة ويتولجون في المسام الخفية، فيعجزه الذكر عن حل الغلق وشبهه، نبه عليه ابن العربي (٢)، وفي رواية: "فإن النار عدوٌ لكم" (٣). فصل: جنح الليل. قال ابن سيدَهْ: جنح الليل يجنح جنوحًا: أقبل وَجْهه، وجُنْحُه: جَانِبُه قيل: قطعة منه نحو النصف (٤). وقال ابن التين: يريد إذا أقبلت ظلمته. وجنح الليل: بالكسر طائفة منه، ويقال بضمها، وقيل جنح الليل: أول ما يظلم، ويقال معنى جنح: مال، وتقدم في باب حسن مال المسلم (٥): أنه بكسر الجيم وضمها. وقوله: (أو كان جنح الليل) لكافتهم (٦): (قال) بدل (كان)، وعند النسفي وأبي الهيثم والحموي: (كان). وقوله: ("فَكُفّوا"). وفي رواية: "فاكفتوا". أي: ضموهم إليكم واقبضوهم، وكل شيء ضممته فقد كفته، ومعناه: امنعوهم من الخروج في ذلك الوقت. وإنما خيف عليهم؛ لأن النجاسة التي يلوذ بها الشيطان موجودة معهم؛ ولأن الذكر الذي يستعصم به معدوم عندهم، والشياطين عند

стр. 11354

انتشارهم يتعلقون مما يمكنهم التعلق به، فإذا ذهبت اشتغل كل منهم مما اكتسب، ومضى إلى ما قدر له التشاغل به، نبه عليه ابن الجوزي، وفي رواية: "لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس" (١). والفواشي: كل شيء منتشر من المال، كالإبل والبقر وسائر البهائم وغيرها، جمع فاشية؛ لأنها تفشوا، أي: تنتشر، قال ابن الأعرابي: أفشى وأمشى وأوشى بمعنى واحد، إذا كثرت مواشيه (٢). فصل: الشياطين تستعين بالظلمة، وتكره النور، وتتشاءم به، كما نبه عليه ابن العربي؛ لأن الله أظلم قلوبها (٣)، وفي رواية: "فإذا ذهب فحمة العشاء" (٤). بسكون الحاء المهملة وفتح الفاء، وهو شدة سوادها وظلمتها، وزعم بعضهم أنه أراد أول ظلامها، ويقال للظلمة التي بين المغرب والعشاء: فحمة، والتي بين العشاء والفجر: عسعسة. وقوله: ("فَحُلُّوهُمْ"). يريد كما قال الداودي: إذا ذهب بعض الظلمة وامتدادها أبصر الصبي حيث يذهب ولم يقع على شيء يصيب به بعض الشياطين، فيكون ذلك سببًا، كما أصيب قاتل الحية. فصل: ("أَغْلِقْ بَابَكَ"). رباعي، والباب مغلق لا مغلوق، وفي رواية: "أجيفوا" (٥) وهو بمعنى الأول.

стр. 11355

فصل: جاء في البخاري في باب: خمس من الدواب فواسق. قال: "الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت" (١)، وفي رواية: "تضرم" (٢). أي: تلهب وتحرق، يقال: ضَرِمت؛ بكسر الراء. وتضرَّمت وأَضْرَمَت وأضرَمْتُها أنا، وضرَّمتها: تشدد للمبالغة، وهو عام يدخل فيه نار السراج وغيره. فأما القناديل المعلقة فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء وإن أمن ذلك كما هو الغالب، فالظاهر أنه لا بأس بها؛ لانتفاء العلة. وسبب قوله هنا أنه ﵇ صلى على خمرة فجرت الفتيلة الفأرة. فأحرقت من الخمرة قدر الدرهم؛ فقال ﵇ ذلك، نبه عليه ابن العربي (٣). فصل: الإيكاء: الشَّد، والوِكَاء: اسم ما يشد به فم القربة، وهو ممدود مهموز، فلذلك يجب أن يكون رباعيًا. فصل: (تخمير الإِنَاء): تغطيته. و ("تعرض"): بضم الراء وكسرها، يقال: عرضت الشيء أعرضه، بكسر الراء على قول الأكثرين، والأصمعيُّ يضمه وكذا يعقوب قال ابن التين: عامة أهل اللغة على الكسر إلا الأصمعي وابن فارس (٤) فإنهما يضمانها في هذا خاصة.

стр. 11356

وقوله: ("شَيْئًا"). في رواية: "عودًا" (١). وذلك عند عدم ما يجد ما يغطيه به، وهو مطلق في الآنية التي فيها شراب أو طعام. روى الأعمش، عن أبي صالح وأبي سفيان؛ عن جابر قال: جاء أبو حميد بقدح لبن من النقيع، فقال ﵇: "ألا خمرته" (٢). وللتخمير فوائد: صيانة من الشيطان والنجاسات والحشرات وغيرها ومن الوباء الذي ينزل في ليلة من السنة. كما جاء في الحديث "إن في السنة ليلة -وفي رواية: يومًا- ينزل وباء فلا يمر بإناءٍ ليس عليه غطاء أو بسقاء ليس عليه وكاءٌ إلا نزل فيه ذلك الوباء" (٣)، قال الليث بن سعد: والأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول (٤). قال أبو حميد (٥): إنا أمرنا بالأسقية أن توكأ ليلاً وبالأبواب أن تغلق ليلاً (٦). وهذا التخصيص ليس في لفظ الحديث ما يدل عليه كما قاله النووي، والمختار عند الأصوليين، وهو مذهب الشافعي أن تفسير الصحابي إذا كان خلاف ظاهر اللفظ ليس بحجة ولا يلزم غيره من المجتهدين موافقته على تفسيره، وأما إذا كان في ظاهر الحديث ما يخالفه فإن كان مجملًا رجع إلى تأويله ويجب الحمل عليه؛ لأنه إذا كان مجملًا لا يحل له حمله على شيء إلا بتوقيف، وكذا لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي عندنا، والأمر بتغطية الإناء عام فلا يقبل

стр. 11357

تخصيصه بمذهب الراوي بل يتمسك بالعموم (١). وقد يقال: أبو حميد قال: أمرنا، وهذا رواية لا تفسير، وهو مرفوع على المختار ولا تنافي بين رواية أبي حميد والرواية الأخرى "في يوم"، إذ ليس في أحدهما نفي للآخر فهما ثابتان. فصل: جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وليس على الإيجاب وغايته أن يكون من باب الندب، بل قد جعله كثير من الأصوليين قسمًا منفردًا بنفسه عن الوجوب والندب، وينبغي للمرء امتثال أمره، فمن امتثل سلم من الضرر بحول الله وقوته، ومتى -والعياذ بالله- خالف إن كان عنادًا خلد فاعله في النار وإن كان عن خطأ أو غلط فلا يحرم شرب ما في الإناء أو أكله. وهذا يحقق لك أن المقصود الإرشاد. الحديث الثالث عشر: حديث صَفِيَّةَ بنت حيي في اعتكافه. سلف في الصوم (٢). الحديث الرابع عشر: حديث سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ، أحدهما احْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ. ذهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ". قَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "تَعَوَّذْ باللهِ

стр. 11358

مِنَ الشَّيْطَانِ". فَقَالَ: وَهَلْ بِي جُنُونٌ؟! هذا الحديث يأتي في الأدب، وأخرجه مسلم أيضًا (١). والاستعاذة من الشيطان تذهب الغضب، وذلك أنه المزين له الغضب، وكل ما لا تحمد عاقبته فهي من أقوى السلاح على دفع كيده، وقد قال ﵇ في حديث أبي ذر: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فيلجلس فإن ذهب عنه وإلا فليضجع" (٢). وفي حديث عطية: "الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفئ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" (٣). وعن أبي الدرداء: "أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب". وقال بكر بن عبد الله: أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم. وفي بعض الكتب: قال الله تعالى: "ابنَ آدم اذكرني إذا غضبتَ أذكرك إذا غضبتُ" (٤). وروى الجوزي في "ترغيبه": عن معاوية بن قرة قال: قال إبليس: أنا جمرة في جوف ابن آدم إذا غضب حميته، وإذا رضي منيته. ولما قال عثمان بن أبي العاصي: يا رسول الله، أوصني قال: "لا تغضب" فأعاد عليه فقال: "لا تغضب". قال عثمان: فنظرت فإذا رأس كل شر الغضب (٥).

стр. 11359

وقال الحسن: ابن آدم كلما غضبت وثبت أوشك أن تثب وثبة تقع منها في النار. و (الأَوْدَاجُ): جمع ودج، وإنما هما ودجان، وهما العرقان اللذان يقطعهما الذابح، وذكرهما بلفظ الجمع كقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أو لأن كل قطعة من الودج تسمى ودجا كما جاء في الحديث: (أَزْج الحواجب). وقول الرجل: أبي جنون؟ يحمل على أنه كان من جفاة العرب، أو ممن لم يتفقه في الدين أو من المنافقين. ذكره المنذري. الحديث الخامس عشر: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي، فَشَدَّ عَلَيَّ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ عَلَيَّ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ". فَذَكَرَهُ، وسلف في الصلاة (١). الحديث السادس عشر: حديثه أيضًا: "إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ". الحديث وسلف فيه أيضًا (٢). الحديث السابع عشر: حديثه أيضًا من حديث الأَعْرَجِ، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ، ذَهَبَ ليَطْعن فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ". هذا الحديث أخرجه في موضع آخر (٣)، من حديث جلاس عنه:

стр. 11360

"كل بني آدم قد طعن الشيطان فيه غير عيسى فإنه حين ولد جعل له دون طعنته حجابًا فأصاب الحجاب ولم يصبها". وفي موضع لفظ آخر: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها". ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وأخرجه مسلم أيضًا (١). فصل: "الْحِجَابِ" هنا: المشيمة، كما قاله ابن الجوزي. وفيه: فضيلة ظاهرة لسيدنا عيسى ﷺ ، قال القرطبي: يشعر الشيطان بالتسليط والتمكن فمنعها الله منه؛ ببركة دعوة أمها حنة بنت فاقود امرأة عمران بن حاثان حين قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ (٢). وروى عبد الرزاق في "تفسيره" عن المنذر بن النعمان الأفطس، سمع وهب بن منبه يقول: لما ولد عيسى أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام منكسة. فقال: هذا حادث مكانكم. وطار حتى بلغ خافقي الأرض فلم يجد شيئًا، ثم جاء البحار فلم يقدر على شيء ثم طار فوجد عيسى قد ولد عند مزود حمار، وإذ الملائكة قد حفت به، فرجع إليهم؛ فقال: إن نبيا قد ولد البارحة ولا حملت أنثى ولا وضعت قط إلا وأنا بحضرتها إلا هذِه، فأيسوا من أن تعبد الأصنام بهذِه الليلة. وفي لفظ: بعد هذِه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم بالخفة والعجلة (٣).

стр. 11361

وقوله: (إلا هذِه) يخالف ما سلف في الصحيح إلا أن يؤول. وروى عبد بن حميد في "تفسيره" عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لولا أنها قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾ إذن لم يكن لها ذرية (١). فصل: أشار القاضي إلى أن جميع الأنبياء يشاركون عيسى في ذلك ﷺ (٢). وقال القرطبي: إنه قول قتادة: لما أراد أن يطعن جعل بينهما حجاب فأصاب الطعنة الحجاب ولم يتعد لها منه شيء. قال علماؤنا: وإن لم يكن كذلك لبطلت الخصوصية ولا يلزم من نخسه إضلال الممسوس وإغواؤه، فإن ذلك ظن فاسد فلم يعرض الشيطان لخواص الأولياء بأنواع الإغواء والمفاسد ومع ذلك فقد عصمهم بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٣) [الحجر: ٤٢]. الحديث الثامن عشر: حديث عَلْقَمَةَ: قَدِمْتُ الشَّامَ فقال: أَفِيكُمُ الذِي أَجَارَهُ اللهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ؟ يعني، عمارًا؛ يجوز أن يكون قاله لقوله ﵇: "يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" (٤) أو يكونوا شهد له أن الله أجاره من الشيطان.

стр. 11362

الحديث التاسع عشر: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ أَخْبَرَهُ عن عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَلَائِكَةُ تَتَحَدَّثُ فِي العَنَانِ -وَالْعَنَانُ: الغَمَامُ- بِالأَمْرِ يَكُونُ فِي الأَرْضِ". الحديث وقد ساقه في ذكر الملائكة كما مضى مسندًا عن ابن أبي مريم: أنا الليث به، وقد أسلفنا الكلام عليه هناك، قال ابن الأعرابي: قَرَرْتُ الكلام في أذن الأبكم إذا وضعتَ فاك على سماخه فنفثته فيه (١). وقال الهروي: إنه ترديدك الكلام في أذن الأبكم حتى يفهمه. قال: ومن رواه: كقَرِّ الدجاجة أراد صوتها إذا قطعته (٢). وقوله: ("كما تقر القارورة"). يريد: تضييق رأس القارورة برأس الوعاء الذي يفرغ منه فيها. وقوله: ("يقرها في أُذُنِ الكَاهِنِ"). قاله الداودي: يلقها كما يستقر الشيء في قراره. وقال الشيخ أبو الحسن: ظاهره أن له حسًّا كحس القارورة عند تحريكها مع أخرى أي: على صفاه. كذا يفهم من قوله: كقر الدجاجة أي: كما يسمع صوتها.

стр. 11363

ويقال بالزاي وهو ما يسمع من حسيس الزجاجة حين يحرك بها على شيء؛ وقال ابن فارس: القر: صب الكلام في الأذن، والاستقرار: التمكن (١)، وضبط: فيقُرها في رواية بضم القاف وهو الصحيح. كما قال ابن التين، كما تقرر من أن فَعَّل متعد يضعف بالضم إلا أحرف بينوها ليس هذا منها. الحديث العشرون: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "التثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ". وقد سلف في الصلاة (٢)، والمعنى: فيه تحذير السبب الذي يتولد منه التثاؤب، وأضيف إلى الشيطان؛ لأنه الذي يعطي النفس شهوتها من الطعام ويزين له ذلك، فإذا قال: "ها" يعني إذا بلغ في التثاؤب ضحك الشيطان فرحًا بذلك. وقال الداودي: إن فتح فاه ولم يصله بَسَقَ فيه، وإن قال: "ها" ضحِك منه. الحادي والعشرون: حديث عَائِشَةَ ﵂: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ، فَصَاحَ إِبْلِيسُ: أي عِبَادَ اللهِ، أُخْرَاكُمْ .. الحديث ذكره في المغازي ويأتي هناك وفي الديات والمناقب (٣). ومعنى: (ما احتجزوا حتى قتلوه): ما تركوه، يقال لكل من ترك شيئًا: احتجز عنه. وقوله: (غفر الله لكم). عذرهم حين قتلوا أباه وهم يظنونه كافرًا.

стр. 11364

الحديث الثاني بعد العشرين: حديث عَائِشَة ﵂ في الالتفات. سلف في الصلاة (١). والبخاريُّ رواه عن شيخين: سليمان بن عبد الرحمن وأبي المغيرة، واسمه عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي، روى عنه البخاري هنا، وروي عن إسحاق -غير منسوب- عنه، ويقال: إنه إسحاق بن منصور الكوسج. وروى مسلم عن الكوسج، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين. وأما أبو بكر عبد القدوس بن محمد بن عبد الكبير بن شعيب بن الحبحابي البصري، روى عنه البخاري في الردة منفردًا به. ليس لهما ثالث في الصحيحين، قاله الدمياطي. ومعنى: ("هو اختلاس يختلس الشيطان من صلاة أحدكم") يعني: كأنه خطف شيئًا وظفر به. وفي بعض الأثر: إذا التفت في صلاة قال الله: "أنا خير لك مما التفت إليه" (٢). الحديث الثالث بعد العشرين: حديث أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ باللهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ". هذا الحديث سيأتي في التعبير والطب (٣)، وأخرجه مسلم بلفظ: " إذا رأى أحدكم ما يحب لا يحدث بها إلا من أحب، وإذا رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثًا وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها،

стр. 11365

ولا يحدث بها أحدًا؛ فإنها لا تضره" (١). وللنسائي: "إذا رأى أحدكم الذي يعجبه فليعرضه على ذي رأي ناصح فليتأول خيرًا (أو ليقل خيرًا) (٢) " (٣). وأخرجه البخاري أيضًا من حديث أبي سعيد بنحوه (٤)، وأخرجه مسلم من حديث جابر بلفظ: "إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاًثا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه" (٥). فصل: قوله: ("الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ") يريد أنها بشارة منه؛ ليشكره عليها. ويريد "بالْحُلُمُ": الرؤيا الكاذبة يريدها الشيطان؛ ليسيء ظنه ويحزنه ويقل حظه من شكر الله، ولذلك أمره بالبصق عن يساره. قال ابن الجوزي: والرؤيا والحلم بمعنى واحد؛ لأن الحلم ما يراه الإنسان في نومه، غير أن صاحب الشرع خص الخير باسم الرؤيا، والشر باسم الحلم، ولام الحلم ساكنة ومضمومة، وهو مصدر حلمت بفتحتين، وتجمع على أحلام في القلة، والكثير حلوم، وإنما جمع وإن كان مصدرًا لاختلاف أنواعه، وهو في الأصل عبارة عما يراه الرائي في منامه حسنًا كان أو مكروهًا، كما أسلفناه. وإضافته إلى الله إضافة اختصاص وإكرام؛ لسلامتها من التخليط وطهارتها عن حضور

стр. 11366

الشيطان؛ لكونها مكروهة. وقيل: لأنها لا توافق الشيطان ويستحسنها لما فيها من شغل بال المسلم لا أن الشيطان يفعل شيئًا، ولا خالق إلا الله. وقوله: ("فَإِذَا حَلَمَ") هو بفتح اللام، قال ابن التين: وبضمها في المنام، وحلم عنه إذا عفا عنه بضمها. وحلم الأديم -بكسرها- إذا نتنت قبل أن تدبغ. وقوله: ("فَلْيَبْصُقْ") يريد: زجر الشيطان بذلك كرمي الجمار، وكما يفعل عند الشيء القذر يراه؛ ولا (شيء) (١) أقذر من الشيطان. وذكر الشمال؛ لأن العرب عندها إتيان الشر كله من قبل الشمال، ولذلك سمتها الشؤمى، وكانوا يتشائمون مما جاء من قبلها من الطير. وأيضًا فليس فيها كبير عمل ولا بطش ولا أكل ولا شرب. فائدة: الرؤيا المكروهة هي التي تكون عن حديث النفس وشهواتها، وكذلك رؤيا التحزين والتهويل والتخويف يدخله الشيطان على الإنسان؛ ليهوش عليه في اليقظة. وقد يجمع هذان الشيئان، أعني: هموم النفس وتحزين الشيطان، وهذا النوع هو المأمور بالاستعاذة منه؛ لأنه من تخيلاته، فإذا فعل المأمور به صادقًا أذهب الله عنه ما أصابه من ذلك، وتحوله إلى الجانب الآخر؛ ليكمل استيقاظه وينقطع عن ذلك المنام المكروه. وسيأتي له تكملة في الرؤيا (٢).

стр. 11367

الحديث الرابع بعد العشرين: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: "مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ. فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابِ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأفضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا رجل عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والترمذي (١)، زادا -والنسائي أيضًا (٢) - "ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر". وجه إيراده للحرز من الشيطان بذلك. الحديث الخامس بعد العشرين: حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قال: استأذن عمر على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن، فلما اسْتَأْذَنَ عُمَرُ. قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "عَجِبْتُ مِن هؤلاء اللاَّتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الحِجَابَ". قَالَ عُمَر: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ. ثُمَّ قَالَ: أي عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟! قلْنَ نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ . قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيطَان قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيرَ فَجِّكَ". وهذا الحديث رواه البخاري، عن علي بن عبد الله، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الحميد بن

стр. 11368

عبد الرحمن بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، أخبرني عن أبيه: استأذن عمر. وهذا إسناد اجتمع فيه أربعةٌ تابعيون بعضهم عن بعض صالح بن كيسان فمن بعده، ورواه النسائي بنزول جدًّا رواه عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن أبيه، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح، به (١). وأخرجه أيضًا في الفضائل (٢). وأخرجه النسائي أيضًا في "يومه وليلته" (٣). فصل: معنى (يستكثرنه): يطلبن كثيرًا من كلامه وجوابه، ويحتمل أن يكون من العطاء، يؤيده أنه ورد في رواية أنهن يردن النفقة. وقوله: (أَصْوَاتُهُنَّ) هو الصواب، وأصواتهم لا وجه له، وكذلك أصواتها. وكذا قوله: ("التِي كُنَّ عِنْدِي"). إلا أنها قرينة بالذي يعبر بها عن الجميع مثل قوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]. وعلو أصواتهن يحمل على أنه قبل النهي عن رفع الصوت، أو يحمل على أنهن لاجتماعهن حصل لغط من كلامهن أو يكون فيهن من هي جهيرة الصوت كنعيم النحام أو يحمل على أنهن لما علمن عفوه وصفحه تسمحن في رفع الصوت.

стр. 11369

والفظاظة والغلظ: بمعنى واحد (١)، وهي عبارة عن شدة الخلق وخشونة الجانب، وأفظ وأغلظ ليسا للمفاضلة، بل بمعنى فظ غليظ. وقيل: يصح حملها على المفاضلة، وأن القدر الذي بينهما في رسول الله ﷺ هو ما كان من إغلاظه على الكفار والمنافقين قال تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]. وفيه: فضل لين الجانب والرفق. ومعنى: (ابتدرن الحجاب): استبقن إليه، والفج: الطريق الواسع، وقيل: هو الطريق بين الجبلين. قال عياض: يحتمل أنه ضرب مثلًا لبعد الشيطان وأعوانه عن عمر، وأنه لا سبيل لهم عليه (٢)، أي: أنك إذا سلكت في أمر بمعروف أو نهي عن منكر تنفذ فيه ولا تتركه، فيئس الشيطان من أن يوسوس فيه له بتركه ويسلك غيره، ليس المراد به الطريق على الحقيقة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ فلا مخافة أذى يصيبه في فج؛ لأنه لا يراه. الحديث السادس بعد العشرين: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْترْ ثَلَاثًا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ". والخَيْشُوم: الأنف. وقال الداودي: هما المنخران. وقوله: ("فَلْيَسْتَنْثِرْ"): يدخل فيه فليستنشق؛ لأن الاستنثار لا يكون إلا بعده.

стр. 11370

١٢ - باب ذِكْرِ الجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ لِقَوْلِهِ : ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٠ - ١٣٢]. ﴿بَخْسًا﴾ [الجن: ١٣]: نَقْصًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ. قَالَ اللهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]: ستُحْضَرُ لِلْحِسَابِ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٠]: عِنْدَ الحِسَابِ. ٣٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ لَهُ: «إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [انظر: ٦٠٩ - فتح ٦/ ٣٤٣] الشرح: قرأ الأعرج وابن أبي إسحاق: ﴿يَأْتِكُم﴾ بالتاء، (والباقون: بالياء) (١). واختُلف في الجن هل أرسل إليهم رسول أم لا؟ فقال عبيد بن سليمان: سئل الضحاك عن الجن هل كان فيهم مؤمن قبل أن يبعث النبي ﷺ ؟ فقال: ألم تسمع قول الله : ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ

стр. 11371

يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] يعني: رسلًا من الإنس ورسلًا من الجن (١). وفي "تفسير الضحاك الكبير": أرسل إلى الجن نبي اسمه يوسف. وروى البزار في مسنده: قال ﵇: "النبي يبعث إلى قومه، وأنا بعثت إلى الجن والإنس" (٢). وقال الكلبي: كانت الرسل قبل مبعث رسول الله يبعثون إلى الجن والإنس جميعًا (٣). وقال مجاهد: الرسل من الإنس والنذر من الجن. ثم قرأ: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٤). يعني أن الجن يستمعون دينهم من الرسل ويبلغونه إلى سائر الجن وهم النذر، كالذين استمعوا القرآن فتلقوه قومهم فهم رسل إلى قومهم. وقال أهل المعاني: لم يكن من الجن رسول وإنما هم من الإنس خاصة. وهذا كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من الملح دون العذب، ذكره الثعلبي، وذكر علي بن حمزة (٥) في كتاب "التنبيهات": أن المرجان يخرج أيضًا من العذب.

стр. 11372

وقال إسماعيل الجُوزي في "تفسيره" قال قوم: في الجن رسل. مستدلين بالآية الكريمة. وقال أكثر أهل العلم: الرسل من الإنس ومن أولئك النذر وقد سلف، وقيل: إن من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، فإذا عيي شيطان الجن من المؤمن استعان بشيطان الإنس عليه. يؤيده ما رواه أبو ذر قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شيطان الانس والجن؟ ". قلت: وهل للإنس شيطان؟ قال: "نعم، وهي شر من شياطين الجن" (١). وقال الزجاج: قوله: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾؛ لأن الجماعة تعقل وتخاطب، فالرسل هم بعض من يعقل. واختلف في مؤمنيهم: هل يدخل الجنة أم لا؟ فالشافعي وغيره يقولون: نعم، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] بعد ذكره الجن والإنس، وبقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦] وبقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] قالوا: فلو لم يدخلوا الجنة لما قال هذا. وأما أبو حنيفة: فعنه روايتان: الأولى: التردد. وقال: لا أدري مصيرهم. الثانية: قال: يصيرون يوم القيامة ترابًا؛ لقوله: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١].

стр. 11373

ونقل القرطبي؛ عن عمر بن عبد العزيز والزهري والكلبي ومجاهد: مؤمنو الجن في ربض ورياض جانب الجنة وليسوا فيها (١). واختلف فيهم هل يأكلون حقيقة أم لا؟ فزعم بعضهم أنهم يأكلون ويغتذون بالشم. ويرده ما في الحديث يصير العظم كأوفر ما كان لحمًا والروث لدوابهم (٢). ولا يصير كذلك إلا للآكل حقيقة، وهو المرجح عند جماعة العلماء. ومنهم من قال: هم طائفتان: طائفة تشم، وطائفة تأكل. وقال ابن التين: قوله: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ والرسل من الإنس خاصة، وعنه جوابان: أحدهما: أنه روي عن ابن عباس: الجن الذين لقوا قومهم فبلغوهم يعني: الذين ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ فهم بمنزلة الرسل إلى قومهم؛ لأنهم بلغوهم (٣). وكذا قال مجاهد: الرسل في الإنس، والنذارة في الجن (٤). ثانيهما: أنه لما كانت الجن والإنس مما يخاطب ويعقل قيل: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وإن كانت الرسل من الإنس خاصة. قال: والأكثرون على أنهم يدخلون الجنة. فصل: أثر مجاهد أخرجه ابن جرير من حديث ابن أبي نجيج عنه بزيادة: فقال أبو بكر: من أمهاتهن، فقالوا: بنات سروات الجن، يحسبون أنهم خلقوا مما خلق منه إبليس (٥).

стр. 11374

وفي "تفسير عبد بن حميد" عنه: الجنة بطن من بطون الملائكة. وروى ابن جرير، عن قتادة: قالت اليهود لعنهم الله: إن الله تزوج إلى الجن فخرج منها الملائكة (١). قوله: (سروات الجن): يعني خيرات نسائهم؛ لأنهن بنات ساداتهم؛ لأن سروات: جمع سراة، وسراة جمع سري، وهو نادر شاذ؛ لأن فعلات لا يجمع على فعلة. فصل: حديث أَبَي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ. سلف في الأذان (٢). ومالك رواه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة (٣)، كذا ذكره عنه هناك وهنا، وهو من أفراد البخاري، وكذا انفرد بأخيه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. وكذا انفرد بأبيهما عبد الله بن عبد الرحمن وقيس بن أبي صعصعة كان على الساقة يوم بدر، وإخوته: أبو كلاب وجابر والحارث بنو أبي صعصعة، شهدوا أحدًا، وقتل أبو كلاب وجابر يوم مؤتة مع جعفر بن أبي طالب، وقتل الحارث يوم اليمامة، وقتل ابن أخيهم الحارث بن سهم بن أبي صعصعة يوم الطائف شهيدًا، ومات شيخ مالك سنة تسع وثلاثين ومائة، وقولي: وقتل أبو كلاب وجابر يوم مؤتة هو ما ذكره الدمياطي هنا بخطه. وذكر في الأذان بخطه أن جابرًا قتل يوم اليمامة.

стр. 11375

١٣ - باب (١) قَوْلِ الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩: ٣٢] ﴿مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]: مَعْدِلًا ﴿صَرَّفْنَا﴾ أَيْ: وَجَّهْنَا. الشرح: قال زر بن حبيش فيما نقله ابن التين: كانوا تسعة (٢). و (النَفَر) في اللغة من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: ما بين الثلاثة إلى العشرة. فكأنه اختلف في الثلاثة هل يقال فيهم نفر. وقال السهيلي: يقال: هم جن نصيبين (٣). ويروى: جن الجزيرة. وروى ابن أبي الدنيا أنه ﵇ قال في هذا الحديث، وذكر فيه جن نصيبين فقال: "رفعت إليَّ حتى رأيتها فدعوت الله أن يكثر مطرها وينضر شجرها ويعذب نهرها" (٤). ويقال: كانوا سبعة وكانوا يهود فأسلموا.

стр. 11376

وكذلك قال: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ وهم: ماسر، ومامر، وميشا، وماشي، والأحقب (١). ذكر هؤلاء الخمسة ابن دريد. ومنهم: عمرو بن جابر. ذكره ابن سلام في تفسيره عن ابن مسعود (٢). ومنهم: زوبعة. ذكره ابن أبي الدنيا. ومنهم: سرق. وفي "تفسير عبد": كانوا من نينوى وافوه بنخلة وقيل: بشعب الحجون (٣).

стр. 11377

١٤ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] قَالَ ابن عَبَّاسٍ: الثُّعْبَانُ: الحَيَّةُ، الحية الذَّكَرُ مِنْهَا، يُقَالُ: الحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ: الجَانُّ، وَالأَفَاعِي، وَالأَسَاوِدُ. ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]: فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، يُقَالُ: ﴿صَافَّاتٍ﴾: بُسُطٌ أَجْنِحَتَهُنَّ. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ. ٣٢٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: «اقْتُلُوا الحَيَّاتِ، وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ، وَيَسْتَسْقِطَانِ الحَبَلَ». [٣٢٩٨، ٣٢٩٩، ٣٣١٠، ٣٣١١، ٣٣١٢، ٣٣١٣، ٤٠١٦، ٤٠١٧ - مسلم: ٢٢٣٣ - فتح ٦/ ٣٤٧] ٣٢٩٨ - قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لأَقْتُلَهَا، فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ: لَا تَقْتُلْهَا. فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الحَيَّاتِ. قَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ البُيُوتِ، وَهْيَ العَوَامِرُ. [انظر: ٣٢٩٧ - مسلم: ٢٢٣٣ - فتح ٦/ ٣٤٧] ٣٢٩٩ - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ: فَرَآنِي أَبُو لُبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بْنُ الخَطَّابِ. وَتَابَعَهُ يُونُسُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَإِسْحَاقُ الكَلْبِيُّ، وَالزُّبَيْدِيُّ. وَقَالَ صَالِحٌ وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ وَابْنُ مُجَمِّعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: رَآنِي أَبُو لُبَابَةَ وَزَيْدُ بْنُ الخَطَّابِ. [٣٢٩٧ - مسلم: ٢٢٣٣ - فتح ٦/ ٣٤٧] ذكر فيه حديث هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، أنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: "اقْتُلُوا الحَيَّاتِ، وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ البَصَرَ، وَيَسْتَسْقِطَانِ الحَبَلَ".

стр. 11378

قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لأَقْتُلَهَا، فَنَادَانِي أَبُو لُبَابةَ: لَا تَقْتُلْهَا. فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَد أَمَرَ بِقَتْلِ الحَيَّاتِ. قَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ البُيُوتِ. وَهْيَ العَوَامِرُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعمَرٍ: فَرَآنِي أَبُو لبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بْنُ الخَطَّابِ. وَتَابَعَهُ يُونُسُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَإِسْحَاقُ الكَلْبِيُّ، وَالزُّبَيْدِيُّ. وَقَالَ صالِحٌ وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ وابْنُ مُجَمِّعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنِ ابن عُمَرَ: رَآنِي أبو لُبَابَةَ وَزَيْدُ بْنُ الخَطَّابِ. الشرح: (الدَابَّة): ما كانت له نفس، يقال: في البحر ستمائة أمة وفي البر أربعمائة، وأول ما يهلك منها الجراد. وذكر أن عمر بن الخطاب أبطأ عليه الجراد سنة من السنين فخاف الساعة، فأرسل البرد في الآفاق حتى أتى بشيء منه فسكن جأشه. وأثر ابن عباس أخرجه ابن جرير في "تفسيره" من حديث شهر بن حوشب عنه في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. يقول مبين: له خلق حية (١). و (الْحَيَّاتُ): جمع حية يقع على الذكر والأنثى، وإنما دخلته الهاء؛ لأنه واحد كدجاجة. وقد روي عن العرب: رأيت حيًّا على حية. أي: ذكرًا على أنثى (٢). وقول البخاري: (يقال: الحَيات أَجْنَاسٌ .. ) إلى آخره قال ابن خالويه: ليس في كلام العرب أسماء الحيات وصفاتها، إلا ما أذكره،

стр. 11379

وعدد لها نحو سبعين اسمًا منها: الشجاع، الأرقم، الأسود، الأفعى، الأبتر، الأعيرج، الأصلة، الأصل، الجاث، والجنان، والجأن -بالهمز- والأصم، والجرارة، والرملا. وذكر الجاحظ أيضًا أنواعها، وبينها منها: المكللة الرأس طولها شبران أو ثلاثة، إن حاذى جُحْرها طائر سقط، ولا يحس بها حيوان إلا هرب، فإن قرب منه حذر ولم يتحرك، وتقتل بصفيرها، ومن وقع عليه نظرها مات، ومن نهشته ذاب في الحال، ومات كل من قرب من ذلك الميت من الحيوان، فإن مسها بعصا هلك بواسطة العصا، ولهذا قيل إن رجلاً طعنها برمح فمات هو ودابته في ساعة واحدة. قال: وهذا الجنس كثير ببلاد الترك وإنما تقتل من بعد ثم تنفصل من عينها في الهواء. وحديث ابن عمر قول عبد الرزاق فيه أخرجه مسلم من حديث عبد بن حميد عنه، ومتابعه يونس فمن بعده أخرجه مسلم أيضًا، وكذا من بعده من قول صالح فمن بعده أخرجه أيضًا (١). و (الزبيدي): هو محمد بن الوليد أبو الهذيل. و (ابن أبي حفصة)، اسمه محمد بن أبي حفصة ميسرة. و (ابن مجمع): هو إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن يزيد بن جارية -بالجيم- بن عامر بن مجمع بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس بن جارية. و (إسحاق الكلبي): هو ابن يحيى الحمصي، وعند الترمذي: "يلتمسان البصر ويسقطان الحبل" (٢).

стр. 11380

وقال ابن المبارك: إنما يكره من قتل الحيات الحية التي تكون دقيقة كأنها فضة ولا تلتوي في مشيها (١). وفي أبي داود من حديث عائشة: "اقتلوا الجنان كلهن، فمن تركهن خيفة ثأرهن فليس مني" (٢). وعن أبي هريرة: "ما سالمناهن منذ حاربناهن" (٣). فصل: وزيد بن الخطاب المذكور فيه هو أخو عمر بن الخطاب لأبيه، وله في الصحيح هذا الحديث، استشهد باليمامة. فصل: وأبو لبابة هو بشير بن عبد المنذر بن رفاعة بن زنبر بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، رده رسول الله من الروحاء حين خرج إلى بدر، واستعمله على المدينة. وضرب له بسهمه وأجره، وتوفي بعد قتل عثمان، وله عقب، وأخوه مبشر بن عبد المنذر، شهد بدرًا وقتل بها، وأخوهما رفاعة بن عبد المنذر، شهد العقبة وبدرًا وقتل بأحد، وليس له عقب، ذكره أجمع ابن سعد في "طبقاته" (٤). فصل: ذو الطفيتين ضرب من الحيات في ظهره خيطان أبيضان، وبهما عبر عنه بذي الطفيتين. والطفية: (بضم الطاء) (٥)، أصلها: خوص المقل،
следующие страницы →