← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 11376–11415 · переход к 11381.

стр. 11376

وكذلك قال: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ وهم: ماسر، ومامر، وميشا، وماشي، والأحقب (١). ذكر هؤلاء الخمسة ابن دريد. ومنهم: عمرو بن جابر. ذكره ابن سلام في تفسيره عن ابن مسعود (٢). ومنهم: زوبعة. ذكره ابن أبي الدنيا. ومنهم: سرق. وفي "تفسير عبد": كانوا من نينوى وافوه بنخلة وقيل: بشعب الحجون (٣).

стр. 11377

١٤ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] قَالَ ابن عَبَّاسٍ: الثُّعْبَانُ: الحَيَّةُ، الحية الذَّكَرُ مِنْهَا، يُقَالُ: الحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ: الجَانُّ، وَالأَفَاعِي، وَالأَسَاوِدُ. ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]: فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، يُقَالُ: ﴿صَافَّاتٍ﴾: بُسُطٌ أَجْنِحَتَهُنَّ. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ. ٣٢٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: «اقْتُلُوا الحَيَّاتِ، وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ، وَيَسْتَسْقِطَانِ الحَبَلَ». [٣٢٩٨، ٣٢٩٩، ٣٣١٠، ٣٣١١، ٣٣١٢، ٣٣١٣، ٤٠١٦، ٤٠١٧ - مسلم: ٢٢٣٣ - فتح ٦/ ٣٤٧] ٣٢٩٨ - قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لأَقْتُلَهَا، فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ: لَا تَقْتُلْهَا. فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الحَيَّاتِ. قَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ البُيُوتِ، وَهْيَ العَوَامِرُ. [انظر: ٣٢٩٧ - مسلم: ٢٢٣٣ - فتح ٦/ ٣٤٧] ٣٢٩٩ - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ: فَرَآنِي أَبُو لُبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بْنُ الخَطَّابِ. وَتَابَعَهُ يُونُسُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَإِسْحَاقُ الكَلْبِيُّ، وَالزُّبَيْدِيُّ. وَقَالَ صَالِحٌ وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ وَابْنُ مُجَمِّعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: رَآنِي أَبُو لُبَابَةَ وَزَيْدُ بْنُ الخَطَّابِ. [٣٢٩٧ - مسلم: ٢٢٣٣ - فتح ٦/ ٣٤٧] ذكر فيه حديث هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، أنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: "اقْتُلُوا الحَيَّاتِ، وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ البَصَرَ، وَيَسْتَسْقِطَانِ الحَبَلَ".

стр. 11378

قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لأَقْتُلَهَا، فَنَادَانِي أَبُو لُبَابةَ: لَا تَقْتُلْهَا. فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَد أَمَرَ بِقَتْلِ الحَيَّاتِ. قَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ البُيُوتِ. وَهْيَ العَوَامِرُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعمَرٍ: فَرَآنِي أَبُو لبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بْنُ الخَطَّابِ. وَتَابَعَهُ يُونُسُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَإِسْحَاقُ الكَلْبِيُّ، وَالزُّبَيْدِيُّ. وَقَالَ صالِحٌ وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ وابْنُ مُجَمِّعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنِ ابن عُمَرَ: رَآنِي أبو لُبَابَةَ وَزَيْدُ بْنُ الخَطَّابِ. الشرح: (الدَابَّة): ما كانت له نفس، يقال: في البحر ستمائة أمة وفي البر أربعمائة، وأول ما يهلك منها الجراد. وذكر أن عمر بن الخطاب أبطأ عليه الجراد سنة من السنين فخاف الساعة، فأرسل البرد في الآفاق حتى أتى بشيء منه فسكن جأشه. وأثر ابن عباس أخرجه ابن جرير في "تفسيره" من حديث شهر بن حوشب عنه في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. يقول مبين: له خلق حية (١). و (الْحَيَّاتُ): جمع حية يقع على الذكر والأنثى، وإنما دخلته الهاء؛ لأنه واحد كدجاجة. وقد روي عن العرب: رأيت حيًّا على حية. أي: ذكرًا على أنثى (٢). وقول البخاري: (يقال: الحَيات أَجْنَاسٌ .. ) إلى آخره قال ابن خالويه: ليس في كلام العرب أسماء الحيات وصفاتها، إلا ما أذكره،

стр. 11379

وعدد لها نحو سبعين اسمًا منها: الشجاع، الأرقم، الأسود، الأفعى، الأبتر، الأعيرج، الأصلة، الأصل، الجاث، والجنان، والجأن -بالهمز- والأصم، والجرارة، والرملا. وذكر الجاحظ أيضًا أنواعها، وبينها منها: المكللة الرأس طولها شبران أو ثلاثة، إن حاذى جُحْرها طائر سقط، ولا يحس بها حيوان إلا هرب، فإن قرب منه حذر ولم يتحرك، وتقتل بصفيرها، ومن وقع عليه نظرها مات، ومن نهشته ذاب في الحال، ومات كل من قرب من ذلك الميت من الحيوان، فإن مسها بعصا هلك بواسطة العصا، ولهذا قيل إن رجلاً طعنها برمح فمات هو ودابته في ساعة واحدة. قال: وهذا الجنس كثير ببلاد الترك وإنما تقتل من بعد ثم تنفصل من عينها في الهواء. وحديث ابن عمر قول عبد الرزاق فيه أخرجه مسلم من حديث عبد بن حميد عنه، ومتابعه يونس فمن بعده أخرجه مسلم أيضًا، وكذا من بعده من قول صالح فمن بعده أخرجه أيضًا (١). و (الزبيدي): هو محمد بن الوليد أبو الهذيل. و (ابن أبي حفصة)، اسمه محمد بن أبي حفصة ميسرة. و (ابن مجمع): هو إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن يزيد بن جارية -بالجيم- بن عامر بن مجمع بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس بن جارية. و (إسحاق الكلبي): هو ابن يحيى الحمصي، وعند الترمذي: "يلتمسان البصر ويسقطان الحبل" (٢).

стр. 11380

وقال ابن المبارك: إنما يكره من قتل الحيات الحية التي تكون دقيقة كأنها فضة ولا تلتوي في مشيها (١). وفي أبي داود من حديث عائشة: "اقتلوا الجنان كلهن، فمن تركهن خيفة ثأرهن فليس مني" (٢). وعن أبي هريرة: "ما سالمناهن منذ حاربناهن" (٣). فصل: وزيد بن الخطاب المذكور فيه هو أخو عمر بن الخطاب لأبيه، وله في الصحيح هذا الحديث، استشهد باليمامة. فصل: وأبو لبابة هو بشير بن عبد المنذر بن رفاعة بن زنبر بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، رده رسول الله من الروحاء حين خرج إلى بدر، واستعمله على المدينة. وضرب له بسهمه وأجره، وتوفي بعد قتل عثمان، وله عقب، وأخوه مبشر بن عبد المنذر، شهد بدرًا وقتل بها، وأخوهما رفاعة بن عبد المنذر، شهد العقبة وبدرًا وقتل بأحد، وليس له عقب، ذكره أجمع ابن سعد في "طبقاته" (٤). فصل: ذو الطفيتين ضرب من الحيات في ظهره خيطان أبيضان، وبهما عبر عنه بذي الطفيتين. والطفية: (بضم الطاء) (٥)، أصلها: خوص المقل،

стр. 11381

فشبه الخيط الذي على ظهر هذِه الحية به، وربما قيل لهذِه الحية طفية على معنى ذات طفية؛ وقد يسمى الشيء باسم ما يجاوره، وقيل: هما نقطتان، حكاه القاضي؛ قال الخليل: وهي حية خبيثة (١)، وغلط؛ إنما الطفي: خوص المقل. كما أسلفناه ثم شبه الخط الذي على ظهرها. فصل: "والأَبْتَرَ" الناقص، ومنه خطبة زياد البتراء لنقص الحمد والصلاة. قيل: واسم الله. وهو من الدواب: من لا ذنب له. وقيل: هي حية قصيرة الذنب. والبتر: شرار الحيات. قال النضر بن شميل: وهي صنف أزرق مقطوع الذنب، ولا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها. وقيل: إنه الأفعى يفر من كل أحد، ولا يراه أحد إلا مات. فيما ذكره أبو الفرج، وقال الداودي: هي الأفعى التي تكون قدر الشبر أو أكثر شيئًا، وقلما يكون في البيوت. وذكر البخاري في الباب بعد من حديث ابن عمر "لا تقتلوا الجنان إلا كل أبتر ذي طفيتين". وظاهره أن الأبتر هو ذو الطفيتين والذي في أكثر الأحيان أنه غيره. والجنان -بكسر الجيم وتشديد النون-: جمع جان: الحيات الطوال البيض. وقلما يضر، فلذلك أمسك عن قتلها. وقال ابن فارس: حية بيضاء (٢). وقال ابن عرفة: صغيرة. قال: وقوله تعالى في العصا: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧].

стр. 11382

وقال مرة: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل: ١٠] المعنى أنها في خلق الثعبان العظيم، وخفة الحية الصغيرة. واختلف في البيوت: فقال مالك: يريد: بيوت المدينة. وقيل: يريد كل بيت في المدائن. فصل: وإنما أمر بقتلها؛ لأن الجن لا تتمثل بهما، ولهذا أدخل البخاري حديث ابن عمر في الباب. ونهي عن قتل ذوات البيوت؛ لأن الجن تتمثل بها، قاله الداودي. "ويطمسان البصر": أي: يخطفانه، ويروى: "يلتمعان ويخطفان". و"يسقطان الحبل". هو بفتح الباء: الجنين. وظاهره أن هذين النوعين لهما من الخاصية ما ذكره؛ فلا شك فيه؛ فلا ينطق عن الهوى، وأمر أن ينادى ثلاثًا، قال الداودي: يعني ثلاثة أيام. وقال غيره: ثلاث مرات. فحيات البيوت تنذر بخلاف النوعين السالفين. وفي مسلم من حديث أبي سعيد: "إن هذِه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئًا فحرجوا عليه ثلاثًا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه؛ فإنه كافر" (١). والمراد بالْعَوَامِرُ: الجن، يقال للجن عوامر البيوت وعمار، والمراد: طول لبثهن في البيوت، مأخوذ من العمر، وهو طول البقاء. والمراد بالتحريج: أن تقول لها: أنت في حرج. أي: ضيق إن عدت إلينا. فأما في الصحاري والأودية فيقتل من غير إنذار؛ لعموم قوله: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم" (٢)، وذكر منهن الحية.

стр. 11383

وفي لفظ: "من تركهن مخافة شرهن فليس منا" (١). فصل: الأمر بقتلها من باب الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات، فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله، كما أرشد إليه فيما مضى بقوله: "اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر" عمّ ثم خصّ منبهًا على سبب عظم ضررهما، وقد بين ابن عباس سبب العداوة بيننا وبين الحية فيما ذكره الطبري من حديث أبي صالح، وليث عن طاوس؛ عنه أن عدو الله إبليس عرض نفسه على دواب الأرض أيها يحمله حتى (يدخل) (٢) الجنة فكل الدواب أباه، حتى كلم الحية فقال لها: أمنعك من بني آدم وأنت في ذمتي، إن أنت أدخلتني الجنة. فأدخلته. قال ابن عباس: اقتلوها حيث وجدتموها، اخفروا ذمة عدو الله (٣).

стр. 11384

١٥ - باب خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ ٣٣٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ». [انظر: ١٩ - فتح ٦/ ٣٥٠] ٣٣٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رَأْسُ الكُفْرِ نَحْوَ المَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الخَيْلِ وَالإِبِلِ، وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ». [٣٤٩٩، ٤٣٨٨، ٤٣٨٩، ٤٣٩٠ - مسلم: ٥٢: (٨٥) - فتح ٦/ ٣٥٠] ٣٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ فَقَالَ: «الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلَا إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ». [٥٣٠٣،٤٣٨٧،٣٤٩٨ - مسلم: ٥١ - فتح ٦/ ٣٥] ٣٣٠٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا». [مسلم: ٢٧٢٩ - فتح ٦/ ٣٥٠] ٣٣٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ -أَوْ أَمْسَيْتُمْ- فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا».

стр. 11385

قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ نَحْوَ مَا أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ». [انظر: ٣٢٨٠ - مسلم: ٢٠١٢ - فتح ٦/ ٣٥٠] ٣٣٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَإِنِّي لَا أُرَاهَا إِلاَّ الْفَارَ إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ». فَحَدَّثْتُ كَعْبًا، فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ لِي مِرَارًا. فَقُلْتُ: أَفَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟! [مسلم: ٢٩٩٧ - فتح ٦/ ٣٥٠] ٣٣٠٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْوَزَغِ: "الْفُوَيْسِقُ". وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ. [مسلم: ٢٢٣٨] وَزَعَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ. [انظر: ١٨٣١ - مسلم: ٢٢٣٩ - فتح ٦/ ٣٥١] ٣٣٠٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ. [٣٣٥٩ - مسلم: ٢٢٣٧ - فتح ٦/ ٣٥١] ٣٣٠٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَلْتَمِسُ البَصَرَ، وَيُصِيبُ الحَبَلَ». [٣٣٠٩، مسلم: ٢٢٣٢ - فتح ٦/ ٣٥١] ٣٣٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ الأَبْتَرِ وَقَالَ: «إِنَّهُ يُصِيبُ البَصَرَ، وَيُذْهِبُ الحَبَلَ». [انظر: ٣٣٠٨ - مسلم: ٢٢٣٢ - فتح ٦/ ٣٥١] ٣٣١٠ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ أَبِي يُونُسَ الْقُشَيْرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْتُلُ الحَيَّاتِ ثُمَّ نَهَى، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَدَمَ حَائِطًا لَهُ، فَوَجَدَ فِيهِ سِلْخَ حَيَّةٍ فَقَالَ: «انْظُرُوا أَيْنَ هُوَ». فَنَظَرُوا، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ».

стр. 11386

فَكُنْتُ أَقْتُلُهَا لِذَلِكَ. [انظر: ٣٣٩٧، مسلم: ٢٢٣٣ - فتح ٦/ ٣٥١] ٣٣١١ - فَلَقِيتُ أَبَا لُبَابَةَ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقْتُلُوا الْجِنَّانَ، إِلاَّ كُلَّ أَبْتَرَ ذِي طُفْيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْوَلَدَ، وَيُذْهِبُ البَصَرَ، فَاقْتُلُوهُ». [انظر: ٣٢٩٧ - مسلم:٢٢٣٣ - فتح ٦/ ٣٥١] ٣٣١٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ الحَيَّاتِ. ٣٣١٣ - فَحَدَّثَهُ أَبُو لُبَابَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ البُيُوتِ، فَأَمْسَكَ عَنْهَا. [انظر: ٣٣٩٧ - مسلم: ٢٢٣٣ - فتح ٦/ ٣٥١] ذكر فيه عشرة أحاديث: أحدها: حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مرفوعًا: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المسلم .. ". الحديث، وسلف في الإيمان (١). و ("يُوشِكُ"): يسرع. و ("شعف الجِبَالِ"): أعلاها التي تنبت الكلأ. و ("يفر بدينه من الفتن") يعني: موت عثمان الذي قال حذيفة فيه: تموج كموج البحر، فحذر ﵇ من التبس عليه الأمر أن يدخل في ذلك، وكان ممن اعتزل سعد وسعيد ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد. الحديث الثاني: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَن رَسُولَ اللهِ ﵇ -قَالَ: "رَأْسُ الكُفْرِ نحوَ المَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الخَيْلِ وَالابِلِ، وَالْفَدَّادِينَ فِي أَهْلِ الوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ". ويأتي في المغازي، وأخرجه مسلم أيضًا (٢).

стр. 11387

الحديث الثالث: حديث أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو: أَشَارَ رَسُول اللهِ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ فَقَالَ: "الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلَا إِنَّ (الْقَسْوَةَ) (١) وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ". ويأتي في المغازي والطلاق وأخرجه مسلم أيضًا (٢). يريد أن رأس الكفر كان في عهده (حين) (٣) قال ذلك. وأن خروج الدجال من المشرق أيضًا. فصل: وخروجه من قرية تسمى رستقاباد فيما ذكره الطبراني (٤)، وهو (هنا) (٥) من ذلك منشأ الفتن العظيمة. والفخر: الافتخار وعد المآثر القديمة؛ تعظيمًا. والخيلاء: الكبر والإعجاب بالنفس، واحتقار الناس؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] والوبر: وإن كان من الإبل (دون الخيل) (٦) فلا يمتنع أن يكون وصفهم به؛ لكونهم جامعين بينهما، وكأنه إخبار عن أكثر حال أهل الغنم وأهل الإبل.

стр. 11388

فصل: الفدَّادون: بتشديد الدال، جمع فداد، وهو من بلغت إبله مائتين فأكثر إلى ألف، قاله القزاز. وقال أبو عبيد نحوه: هم المكثرون من الإبل، وهم جفاة وأهل خيلاء (١). وقال أبو العباس: هم الجمالون والرعيان والبقارون (والحمالون) (٢). وقال الأصمعي: هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم وأموالهم ومواشيهم. قال: والفديد: الصوت الشديد. وقال أبو عمرو الشيباني: هو بالتخفيف جمع فدَّاد بالتشديد، وهو عبارة عن البقر التي يحرث عليها، وأهلها أهل جفاء؛ لبعدهم عن الأمصار، حكاه أبو عبيد وأنكر عليه (٣)، وعلي هذا المراد بذلك أصحابها، بحذف مضاف، قال القرطبي: أما الحديث فليس فيه إلا رواية التشديد وهو الصحيح على ما قاله الأصمعي وغيره (٤)، وفي ابن فارس: في الحديث الجفاء والقسوة في الفدادين. قال: يريد: أصحاب الحروث والمواشي. قال: وفديدهم: أصواتهم وجلبتهم. قال: أنبئت أخوالي بني يزيد … ظلمًا علينا لهم فديد (٥) قال الخطابي: هو جمع الفداد؛ وهو الشديد الصوت، وذلك من دأب من يعالج الإبل من أصحابها. قال: وهذا إذا رويته بالتشديد،

стр. 11389

من قد يفد، إذا رفع صوته، فإن رويته بالتخفيف فهو جمع الفدان، وهو آلة الحرث السّكّة وأعواده. قال: وإنما ذم ذلك وكرهه؛ لأنه يشغل عن أمر الدين ويلهي عن الآخرة فيكون معها قساوة القلب (١). فصل: السكينة: السكون والطمأنينة والوقار والتواضع بخلاف ما ذكره في الفدادين، قال ابن خالويه: وهو مصدر سكن سكينة، وليس في المصادر له شبيه. إلا قولهم: عليه ضريبة. قلت: قال أبو علي الفارسي في "الحجة" وذكر قوله: شبيه هذا كثير جدًّا مثل النكير والنذير وغدير الحي، ولا اعتداد بالهاء. فصل: قوله: ("الإِيمَانُ يَمَانٍ") أثنى على أهل اليمن؛ لإسراعهم إلى الإيمان وحسن قبولهم إياه. وقد قبلوا البشرى حين لم يقبلها بنو تميم، وجعله يمانيًّا؛ لظهوره من اليمن، ولذلك قيل الركن اليماني، يراد: الركن الذي يلي اليمن، مثل قوله: وسهيل إذا استقل يماني (٢). وفي رواية أخرى: "أتاكم أهل اليمن ألين قلوبًا وأرق أفئدة" (٣) يريد بلين القلوب: سرعة خلوص الإيمان في قلوبهم. ويقال: الفؤاد غشاء

стр. 11390

القلب، حبته وسويداؤه فإذا رق الغشاء أسرع نفوذ الشيء إلى ما وراءه. وقال بعض العلماء: كان ﵇ حين قال: "الإيمان يمان" بأرض تبوك. وكانت المدينة ومكة والحجاز كله من جهة اليمين فقال ذلك في المدينة وما والاها إلى أرض اليمن. يؤيده قوله في حديث جابر: "والإيمان في أهل الحجاز" (١). فعلى هذا يكون المراد بأهل اليمن أهل المدينة، ومن عند يَلَمْلَم إلى أوائل اليمن. وقيل: كان بالمدينة؛ لأن كونها هو الغالب عليه، وعلى هذا فتكون الإشارة إلى سباق أهل اليمن وإلى القبائل اليمنية الذين وفدوا على الصديق بفتح الشام وأوائل العراق، وإليه الإشارة بقوله: "إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن" (٢). وقيل: أراد مكة والمدينة. قال النووي: فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريدهما ونسبهما إلى اليمن؛ لكونهما من ناحيته (٣). وقال أبو عبيد: إنما بدأ الإيمان من مكة لأنها مولده ومبعثه ثم هاجر إلى المدينة. ويقال: إن مكة من أرض تهامة، وتهامة من أرض اليمن، ولهذا تسمى مكة وما وليها من أرض اليمن التهائم. فمكة على هذا يمانية، وقيل: أراد بهذا القول الأنصار؛ لأنهم يمانون، وهم نصروا المؤمنين وآووهم، فنسب الإيمان إليهم. قاله أبو عبيد (٤). وأغرب منه قول الحكيم الترمذي أنه إشارة إلى أويس.

стр. 11391

قال ابن الصلاح: ولو جمع أبو عبيد ومن سلك سبيله طرق الحديث كما جمعها مسلم وغيره وتأملوها لصاروا إلى غير ما ذكروه، ولما تركوا الظاهر، ولقضوا بأن المراد اليمن وأهله وما هو مفهوم من إطلاق ذلك، إذ من ألفاظه: "أتاكم أهل اليمن" والأنصار من جملة المخاطبين بذلك. فهم إذًا غيرهم، وكذا قوله: "جاء أهل اليمن". وإنما جاء حينئذٍ غير الأنصار، ثم إنه وصفهم بما يقتضي بكمال إيمانهم ورتب عليه الإيمان" فكان ذلك إشارة للإيمان إلى من أتاه من أهل اليمن لا إلى مكة والمدينة، ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره، وحمله على أهل اليمن حقيقة؛ لأن من اتصف بشيء، وقوي إيمانه به، وتأكد اضطلاعه، نسب ذلك الشيء إليه؛ إشعارًا بتميزه به فكذا (حال) (١) أهل اليمن حينئذٍ في الإيمان وحال الوافدين منه في حياته وفي أعقابه كأويس القرني وأبي مسلم الخولاني وشبههما، ممن سلم قلبه وقوي إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم كذلك؛ إشعارًا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي له عن غيرهم؛ فلا منافاة بينه وبين قوله: "الإيمان في أهل الحجاز". ثم المراد بذلك الموجودون منهم حينئذٍ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه. وهذا هو الحق في ذلك (٢). فائدة: قوله: ("الإِيمَانُ يَمَانٍ"). أصله: يماني، فخففوا ياء النسبة، كما قالوا: تهامون، وأشعرون، وسعدون. وكذلك يقال: سيف يمان.

стр. 11392

فصل: قوله: ("الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ"). زعم السهيلي أنهما لمسمى واحد كقوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ [يوسف: ٨٦] والبث: هو الحزن، ويحتمل -كما قال القرطبي- أن يقال: القسوة: يراد بها أن تلك القلوب لا تلين ولا تخشع لموعظة، وغلظها؛ لعدم فهمها (١). وقوله: ("عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ"). أي: إنهم يبعدون عن الأمصار فيجهلون معالم دينهم، ذكره الداودي. وقوله: ("في رَبِيعَةَ وَمُضَرَ") هو بدل من ("الفدادين") أي: القسوة في ربيعة ومضر الفدادين، يعني: من بالعراق منهما، فمن مضر: العراق وبنو تميم وربيعة، وهم أهل بدو بنواحي البصرة. قال الأحنف لعمر أول ما قدم عليه وفد العراق: إنا نزلنا سبخة هشاشة طرف لنا (بالفلاة) (٢)، وطرف لنا بالماء الأجاج فيأتينا ما يأتي في مريء النعامة، وإن من إخواننا من أهل الأمصار نزلوا في مثل حدقة البعير من المياه العذب فتأتيهم فواكههم لم تخضد، فإن أنت لم ترفع خسيسنا وتجبر وكيسنا بعطاء تفضلنا به على سائر الأمصار نهلك (٣). فصل: قرنا الشيطان: جانبا رأسه، وقيل: هما جمعاه اللذان يغويهما الناس. وقيل: شيعتاه من الكفار. والمراد بذلك: اختصاص المشرق بمزيد تسلط الشيطان ومن الكفر. قال الخطابي: ضرب المثل بقرن

стр. 11393

الشيطان فيما لا يحمد من الأمور (١). وقيل: المراد به ما ظهر من العراق من الفتن كوقعة الجمل وصفين والخوارج، فإن أصل ذلك ومنبعه بالعراق ومشرق نجد، وهي مساكن ربيعة ومضر، إذ ذاك (٢). الحديث الرابع: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْألوا الله مِنْ فَضْلِهِ، فَإنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأى شَيْطَانًا". وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٣). و"الدِّيَكَة": جمع ديك -بكسر الدال وفتح الياء- على وزن قردة، جمع قرد وهو ذكر الدجاج، كما قاله ابن سيده، وقوله: وزقته الديك بصوت أزقًا (٤). إنما أنث على إرادة الدجاجة؛ لأن الديك دجاجة أيضًا، والجمع القليل: أدياك، والكثير: ديوك وديكة. وأرض مداكة: كثيرة الديكة (٥)، وعن الداودي: وقد يسمى الديك دجاجة؛ والدجاجة تقع على الذكر والأنثى. فصل: فيه دلالة أن الله جعل للديك إدراكًا، كما جعله للحمير، وأن كل نوع من الملائكة والشياطين موجودان، وهذا معلوم في الشرع قطعًا، والمنكر لشيء منها كافر، كما نبه عليه القرطبي قال: وكأنه إنما أمر

стр. 11394

بالدعاء عند صراخ الديكة؛ لتؤمن الملائكة على ذلك؛ ولتستغفر له وتشهد له بالتضرع والإخلاص فتتوافق الدعوتان، فتقع الإجابة (١). ومنه يؤخذ استحباب الدعاء عند حضور الصالحين. وأما التعوذ بعد نهيق الحمار؛ فلأن الشيطان إذا حضر يخاف شره فيتعوذ منه. وفي "صحيح ابن حبان" من حديث زيد بن أرقم مرفوعًا: "لا تسبوا الديك؛ فإنه يدعو إلى الصلاة" (٢). وعند البزار: صرخ الديك قريبًا من رسول الله ﷺ فقال رجل: اللهم العنه. فقال ﵇: "مه، كلا إنه يدعو إلى الصلاة" (٣). وعند أبي موسى الأصبهاني في "ترغيبه" من حديث مُعمَّر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع: حدثني أبي، عن أبيه أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينهق الحمار حتى يرى شيطانًا أو يتمثل له شيطان، فإذا كان كذلك فاذكروا الله تعالى، وصلوا (عليَّ) (٤) ". فائدة: ينبغي أن يتعلم من الديك خمسة -نبه عليها الداودي-: حسن الصوت، والقيام بالسحر، والسخاء، والغيرة، وكثرة النكاح. الحديث الخامس: حديث جَابِرٍ ﵁: "إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ -أَوْ أَمْسَيْتُمْ- فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ" الحديث، وقد سلف حكمه قريبًا في باب: صفة إبليس وجنوده، وفي

стр. 11395

رواية لم يذكر التسمية، وأغفله المزي في "أطرافه" تبعًا لخلف، واقتصرا على عزوه إلى صفة إبليس، وزعما أن البخاري رواه في الأشربة عن إسحاق بن منصور، عن روح (١)، ورواه هنا عن إسحاق غير منسوب، ونسبه أبو نعيم هنا في رواية: ابن إبراهيم. وقال الجياني: (قال البخاري) (٢) في باب: ذكر الجن وتفسير سورة البقرة والرقاق: ثنا إسحاق: حدثنا روح. ولم أجد إسحاق هذا منسوبًا عند أحد من شيوخنا في شيء من هذِه المواضع. وقد حدث البخاري في تفسير سورة الأحزاب وسورة ﴿ص﴾ عن إسحاق بن إبراهيم، عن روح، وحدث في الصلاة في موضعين، وفي الأشربة في غير موضع. عن إسحاق بن منصور عن روح. كذا قال (٣). الحديث السادس: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرى مَا فَعَلَتْ، وَإِنِّي لَا أُرَاهَا إِلَّا الفَارَ، إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ". فَحَدَّثْتُ بها كَعْبًا، فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَ هذا من رسول الله ﷺ يَقُولُهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ لِي مِرَارًا. فَقُلْتُ أَفَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟! الشرح: عند مسلم "الفأرة مسخ، وآية ذلك أنه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه". الحديث، والظاهر أنه قال هذا أولاً ثم أعلم بعد مما رواه مسلم من حديث ابن مسعود، وذكر عنده ﵇ القردة والخنازير أهنَّ

стр. 11396

مسخ؟ فقال: "إن الله لم يجعل لمسخ نسلًا ولا عقبًا" (١)، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك. وقال ابن قتيبة: أنا أظن أن القردة والخنازير هي المسوخ بأعيانها توالدت، إلا أن يصح هذا الحديث. قلت: قد صح. وقال ابن التين: قوله في الفأرة على ما ذكره من الظن لا يقطع فيه بشيء. فصل: سبب امتناع المسخ من شرب لبن الإبل؛ لأن شحومها وألبانها حرمت علي بني إسرائيل دون الغنم. فصل: قوله: (أَفَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟!). وفي نسخة: أقرأ التوراة وهذا بهمزة استفهام، وهو استفهام إنكار معناه: ما لي علم ولا عندي شيء إلا عن رسول الله ﷺ ولا أنقل من التوراة. الحديث السابع: حديث عَائِشَةَ ﵂ في قتل الأوزاغ. سلف في الحج (٢)، وحديث أُمِّ شَرِيكٍ مثله، وهو الحديث الثامن ويأتي في أحاديث الأنبياء (٣) وأخرجه مسلم أيضًا (٤). وقول أم شريك لا يضاد قول عائشة: لم أسمع ﵇ أمر بقتله؛ لأنها لم تسمع جميع مقالته، والزيادة من الثقة مقبولة. والأوزاغ: جمع وزغ، ووزغ: جمع وزغة.

стр. 11397

الحديث التاسع والعاشر: حديث عَائِشَةَ من طريقيه وكذا ابن عمر من طريقيه في قتل ذي الطفيتين. سلف قريبًا الكلام عليه في الباب قبله، وقوله أنه ﵇ هَدَمَ حَائِطًا لَهُ، فَوَجَدَ فِيهِ سِلْخَ حَيَّةٍ، فَقَالَ: "انْظُرُوا أَيْنَ هُوَ". فَنَظَرُوا، فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ". (سَلْخ): بنصب السين (١)، وكسرها أولى؛ لأنه اسم كما قاله ابن التين. و"جِنَّان": بكسر الجيم وتشديد النون الأولى، وهو جمع جان كما سلف. وقوله: (نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ البُيُوتِ). قال مالك: أراد بيوت المدينة، وقيل: أراد المدينة وغيرها. واستحسن مالك ذلك في غير المدينة، وقال فيما وجد في الصحراء: يقتل ولا يتقدم إليها. وقد سلف ذلك أيضًا.

стр. 11398

١٦ - باب خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ ٣٣١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْحُدَيَّا، وَالْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». [انظر: ١٨٢٩ - مسلم: ١١٩٨ - فتح ٦/ ٣٥٥] ٣٣١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهْوَ مُحْرِمٌ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ: العَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ». [انظر: ١٨٢٦ - مسلم: ١١٩٩ - فتح ٦/ ٣٥٥] ٣٣١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ كَثِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ رَفَعَهُ قَالَ: «خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا المَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ البَيْتِ». قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَحَبِيبٌ، عَنْ عَطَاءٍ: "فَإِنَّ لِلشَّيَاطِينِ". [انظر: ٣٢٨ - مسلم: ٢٠١٢ - فتح ٦/ ٣٥٥] ٣٣١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَارٍ فَنَزَلَتْ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ [المرسلات: ١] فَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ جُحْرِهَا فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا، فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وُقِيَتْ شَرَّكُمْ، كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا». وَعَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ مِثْلَهُ، قَالَ: وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً. وَتَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ. وَقَالَ حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ. [انظر: ١٨٣٠ - مسلم: ٢٢٣٤ - فتح ٦/ ٣٥٥]

стр. 11399

٣٣١٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خِشَاشِ الأَرْضِ». [انظر: ٢٣٦٥ - مسلم: ٢٢٤٢ - فتح ٦/ ٣٥٦] قَالَ: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. [مسلم: ٢٢٤٣] ٣٣١٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ فَهَلاَّ نَمْلَةً وَاحِدَةً». [انظر: ٣٠١٩ - مسلم: ٢٢٤١ - فتح ٦/ ٣٥٦] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ وابن عمر ﵁، في ذلك وسلفا في الحج. وحديث جَابِرٍ ﵁: "خَمِّرُوا الآنِيَةَ". وقد سلف في الباب قبله وغيره، حديث ابن مسعود ﵁ في الحية سلف في الحج (١)، وزاد البخاري هنا تعليقًا عن حفص أسنده البخاري عن ولده عمر في الحج عنه، وتعليقًا عن أبي معاوية، أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى وغيره، عنه. قال ابن مسعود: نزلت ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ على رسول الله ﷺ ليلة الجن، ونحن معه نسير حتى أوينا إلى غار بمنى، فنزلت (٢). وقوله: (فَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا رَطْبَةً مِنْ فِيهِ). أي: مستطابة سهلة كالثمرة الرطبة السهلة الجَنْيِ.

стр. 11400

وقيل معنى (لَنَتَلَقَّاهَا): لنسمعها منه لأول نزولها كالشيء الرطب في أول أحواله. وبه جزم ابن التين، والأول أوقع تشبيهًا، ويدل عليه قوله ﵇ في الخوارج: "يقرؤون القرآن رطبًا لا يجاوز حناجرهم" (١). أي: يستطيبون تلاوته ولا يفهمون معانيه. وقوله: ("وُقِيَتْ شَرَّكُمْ") أي: قتلكم إياها؛ فإنه شر بالنسبة إليها، وإن كان خيرًا بالنسبة إلينا. وفيه: دلالة على صحة قول من قال باستصحاب الحال في أصل الضرر في أنواع الحيات. وفيه: دلالة على قتل الحية في الحرم. والجحر: الكهف. فصل: في حديث جابر ﵁: "أَوْكوا الأَسْقِيَةَ " أي: شدوها بالوكاء: وهو الخيط. "وأَجِيفُوا الأَبْوَابَ" أي: أغلقوها، يقال: جفأت الباب: أغلقته، ذكره القزاز، وهذا خلاف رواية البخاري؛ لأن أجيفوا لامه فاء، وجفأت لامه همزة. قال ابن التين: وما رأيت أحدًا من أهل اللغة ذكر هذِه الكلمة غير القزاز. وقوله: ("واكفتوا صِبْيَانَكُمْ") أي: ضموهم، ومنه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)﴾ [المرسلات: ٢٥] أي: يمشون على ظهرها أحياء، وإذا ماتوا ضمتهم إليها، وكل من ضم شيئًا فقد كفته، وهو بكسر الفاء وهو ما في ابن فارس (٢). قال ابن التين: والأكثر بالضم، والفويسقة: الفأرة.

стр. 11401

فصل: ذكر فيه أيضًا حديث ابن عُمَرَ وأبي هريرة ﵄: "دَخَلَتِ امْرَأةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خِشَاشِ الأَرْضِ". وقد سلف في الشرب من حديث ابن عمر (١)، وهو دليل على جواز اتخاذها ومنع تضييعها وأنه من الكبائر. ذكره الداودي. وفيه: جواز رباطها إذا أطعمت. والخشاش مثلث الخاء. وقال ابن التين: هو بالفتح: دوابها. وعند ابن (عيينة) (٢) بكسرها، إلا الخشاش من صغار الطير، فهو وحده بالفتح. فصل: ساق البخاري هنا حديث الهرة من طريق ابن عمر وأبي هريرة، وسلف طريق أسماء في باب: ما يقرأ بعد التكبير (٣)، وسلف طريق ابن عمر في الشرب كما أسلفناه. وفي رواية للبخاري في حديث ابن عمر: "حتى ماتت جوعًا فدخلت فيها النار" (٤). وانفرد به مسلم من حديث جابر، ذكره في الكسوف، ولفظه: "وعرضت على النار فرأيت امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها" (٥) الحديث. وفي أخرى له: "رأيت في النار امرأة حميرية سوداء طويلة" (٦). ولم يقل: من بني إسرائيل.

стр. 11402

وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر (١)، (وأخرجه أحمد من حديث جابر) (٢) (٣). فصل: هذِه المرأة يجوز أن تكون كافرة، لكن ظاهر الحديث إسلامها، وعذبت على إصرارها على ذلك. وليس في الحديث تخليدها. نعم، روى الحافظ أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" أنها كانت كافرة، وكذا البيهقي في "البعث والنشور" عن عائشة (٤). فيكون من جملة استحقاقها النار حبس الهرة، وأبداه القاضي احتمالًا (٥)، وأنكره النووي (٦) فاستفده. (فصل) (٧): ذكر فيه أيضًا حديث أَبِي هُرَيْرَةَ في قتل النمل، وفيه: "فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً". وقد سلف في أثناء الجهاد (٨). وفيه: أنه لم يعب عليه قتل التي لدغته. وكره مالك قتله لمن آذاه، وقيل: إنما يقتلها من كان قاطنًا غير مسافر وعسر عليه الانتقال، ولم يجد ما يزيله به فيقتلها حينئذٍ بغير النار.

стр. 11403

١٧ - باب إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إناء أَحَدِكُمْ، فَإِنَّ فِي أحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَر شِفَاءً ٣٣٢٠ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً». [٥٧٨٢ - فتح ٦/ ٣٥٩] ٣٣٢١ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «غُفِرَ لاِمْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، قَالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ المَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ». [٣٤٦٧ - مسلم: ٢٢٤٥ - فتح ٦/ ٣٥٩] ٣٣٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْتُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ كَمَا أَنَّكَ هَا هُنَا، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ». [٣٢٢٥ - مسلم: ٢١٠٦ - فتح ٦/ ٣٥٩] ٣٣٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلَابِ. [مسلم: ١٥٧٠ - فتح ٦/ ٣٦٠] ٣٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا يَنْقُصْ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلاَّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ». [انظر: ٢٣٢٢ - مسلم: ١٥٧٥ - فتح ٦/ ٣٦٠] ٣٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنَئِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ

стр. 11404

رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ». فَقَالَ السَّائِبُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: إِيْ وَرَبِّ هَذِهِ القِبْلَةِ. [انظر: ٢٣٢٣ - مسلم: ١٥٧٦ - فتح ٦/ ٣٦٠] ترجم بنص الحديث الذي ساقه بعد من حديث عُبَيْدٍ بنِ حُنَيْنٍ عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أحد جَنَاحَيْهِ دَاءً وفي الآخَرِ شِفَاءً". وهو من أفراده، ورواه الدارمي في "مسنده" من هذا الوجه، ثم رواه من حديث حماد بن سلمة عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أبي هريرة ﵁، قال غير حماد: عن ثمامة، عن أنس مكان أبي هريرة، وقوم يقولون: عن القعقاع، عن أبي هريرة ﵁. وحديث عبيد بن حنين أصح (١). ولأبي داود وابن حبان في "صحيحه": وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء (٢). ولأبي نعيم في "الطب" من حديث أبي سعيد نحوه سواء، وأنه يقدم السم ويؤخر الشفاء (٣). وأخرجه أحمد (٤)، وابن ماجه (٥) وابن حبان (٦). وفي الدارقطني من حديث سعيد بن المسيب عن سلمان نحوه (٧). ومن حديث أنس بإسناد ضعيف (٨).

стр. 11405

ثم الكلام عليه من وجوه: أحدها: الشراب هنا يدخل فيه كل المائعات قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ [النحل: ٦٩] والجناح حقيقة للطائر، ويقال للآدمي استعارة؛ قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. ثانيها: قوله: ("وفي الآخَر شِفَاءً"). كذا هو ثابت في النسخ بإعادة حرف الجر، وجاء في رواية حذفها، وهو قال على من يجوز العطف على عاملين، وهو رأي الأخفش والكوفيين فيقرأ إذن بجر: "الآخر"؛ معلقًا على "أحد"، ونصب "شفاء"؛ عطفًا على "داء"، والعامل في "أحد" حرف الجر الذي هو "في"، والعامل في "داء" إن، فقد شركت الواو في العطف على العاملين الذين هما في "وإن". وسيبويه لا يجيز ذلك، يؤيده رواية "الكتاب" بإثبات حرف الجر، وقد أجازه في المثل: ما كل سوداء تمرةً ولا بيضاء شحمة (١). فتمرة بالنصب على إعمال (ما)، ولا بيضاء شحمة: بالرفع فيهما على الاستئناف، فإن كان روي في الحديث: "والآخر شفاء". بالرفع فيهما، فهو على هذا الوجه، ويخرج به عن العطف على عاملين، ولكنه يحتاج إلى حذف مضاف في قوله: "وَالآخر شِفَاءً" أي: ذو شفاء. وأيضًا ففي اللفظ مجاز وهو كون الداء في أحد الجناحين. ثالثها: اختلف العلماء فيما لا نفس لها سائلة تقع في الماء القليل أو المائع كالذباب ونحوه، هل ينجسه؟

стр. 11406

وأظهر قولي الشافعي: المنع، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه لهذا الحديث مع أن نفسه نجسة على الأصح خلافًا لأبي حنيفة. وفي روثها وجه بطهارته، والأصح النجاسة. ثالثها: الأمر بالغمس إنما هو لمقابلة الداء بالدواء، كما أخبر به الشارع، فحينئذٍ في إلحاق غير الذباب به نظر وقد جاء التثليث في غمسها على وجه المبالغة، رواه الضياء في "الأحاديث المختارة" من طريق يحيى بن صاعد، ثنا محمد بن معمر، ثنا أبو عتاب سهل بن حماد، ثنا عبد الله بن المثنى، حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس قال: كنا عند أنس بن مالك فوقع ذباب في إناء، فقال أنس بأصبعه فغمسه في ذلك الماء ثلاثًا وقال: بسم الله. وقال: إن رسول الله ﷺ أمرهم أن يفعلوا ذلك (١). وفيه: إباحة التداوي. ويحتمل أن يكون الداء: ما يعرض في نفس المترفهين من التكبر عن أكله، حتى ربما كان سببًا لترك ذلك الطعام وإتلافه. والدواء: ما يحصل مع قمع النفس وحملها على التواضع، لكنه مجاز والحقيقة أنه يتعلق بالأمراض وبرئها. وقد تعجب قوم من اجتماع داء ودواء في شيء واحد، وليس بعجب؛ فإن النحلة تعسل من أعلاها وتلقي السم من أسلفها؛ والحية القاتل سمها يدخل في لحمها في الترياق؛ والذباب يدخلونه في أدوية العين فيسحقونه مع الإثمد؛ ليقوي البصر، ويأمرون بستر وجه الذي يعضه الكلب من الذباب؟ ويقولون: إن وقع بصره عليه تعجل هلاكه. نبه عليه ابن الجوزي.

стр. 11407

رابعها: واحد الذُّبَابِ: ذبابة، كما قال ابن التين: قال (أبو المعاني) (١) في "المنتهى": الذب -بالضم-: الذباب، وجمع الذباب: ذبان، ولا تقل: ذبانة، والجمع القليل: أذبة، كغراب: أغربة وغربان. وقال أبو هلال العسكري: الذباب واحد، والجمع: ذبان، والعامة تقول: ذبانة للواحد. والذبان للجمع، وهو خطأ. وقال أبو حاتم السجستاني: تقول: هذا ذباب للواحد وذبابان في التثنية، ولا يقال: ذبانة ولا ذبابة. وقال ابن سيدَهْ في "محكمه": لا يقال ذبابة، إلا أن أبا عبيدة رواه عن الأحمر، والصواب: ذباب واحد، وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ فسروه بالواحد (٢). وحكى سيبويْهِ عن العرب: ذب في جمع ذباب. قال الجاحظ: عمر الذبان أربعون يومًا (٣) وهو في النار، وليس تعذيبًا له وإنما ليعذب به أهل النار؛ لوقوعه عليهم؛ فإنه لا شيء أضر على المكلوم من وقوعه على كلمه. وقال أبو محمد المالقي النباتي في "جامعه": ذباب الناس يتولد من الزبل، وإن أخذ الذباب الكثير فقطعت رءوسها، ويحك بجسدها الشعرة التي في الأجفان حكًّا شديدًا، فإنه يبرئه. وإن سحق الذباب بصفرة البيض سحقًا ناعمًا، وضمدت بها العين التي فيها اللحم الأحمر من داخل؛ فإنه يسكن من ساعته، وإدن حك بالذباب في موضع داء الثعلب حكًّا شديدًا فإنه يبرئه، وإن مسح لسعة الزنبور بالذباب سكن وجعه.

стр. 11408

قال الخطابي: قال بعض من لا خلاق له: كيف يجتمع الداء والشفاء في جناحيه؟ وكيف تعلم ذلك من نفسها حتى تقدم الداء وتؤخر الدواء؟ وما أداها إلى ذلك؟ وهو سؤال جاهل أو متجاهل؛ وذلك أن عامة الحيوان جمع فيها بين الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة (هي) (١) أشياء متضادة، إذا تلاقت تفاسدت، لولا تأليف الله لها، ويقال لهذا الجاهل: إن الذي ألهم النحلة -وشبهها من الدواب- إلى بناء البيوت وادخار القوت، هو الملهم للذباب ما تراه في الكتاب (٢). ثم ذكر البخاري في الباب خمسة أحاديث: أحدها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "غُفِرَ لاِمْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ قَد كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ المَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ". هذا الحديث سلف في الشرب من حديث أبي هريرة أن رجلاً فعل ذلك (٣)، وكذا ذكره في الطهارة في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان (٤)، فلعلهما قصتان، والمومسة: المرأة الفاجرة، ويأتي في ذكر بني إسرائيل، وأخرجه مسلم أيضًا (٥)، والركي: البئر.

стр. 11409

وفيه: دلالة على قبول عمل المرتكب الكبائر من المسلمين، وأن الله يتجاوز عن الكبيرة بالعمل اليسير من الخير؛ تفضلًا منه. الحديث الثاني: حديث أَبِي طَلْحَةَ: "لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ". وقد سلف قريبًا في باب إذا قال أحدكم آمين. الحديث الثالث: حديث ابن عُمَرَ ﵄ أنه ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلَابِ. وأخرجه مسلم أيضًا (١). الرابع: حديث أَبَي هُرَيْرَةَ ﵇: "مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا نقص مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ". وحديث سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ الشنوي أَنَّهُ سَمِعَ النبي ﷺ يَقُولُ: "مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَومٍ قِيرَاط". وحديث أبي هريرة ﵁ وسفيان سلفا في أثناء المزارعة (٢)، قال ابن التين: وما ذكره في الكلاب من الأحاديث هو في كلاب الدور. قال: وفيه دليل أن قاتلها مأجور لا قيمة عليه. قلت: وذكره لها في هذا الباب لما يأتي عن ابن عباس ﵄ وغيره أنهم من الجن، والترجمة قريبة من ذكر الجن. وحديث نافع عن ابن عمر هنا مطلق، وحديث عبد الله بن دينار عنه: "إلا كلب صيد وكلب غنم أو ماشية" ردها للأول، فإن القصة واحدة والراوي واحد، وما كان كذلك وجب فيه ذلك بالإجماع.

стр. 11410

فصل: وإلى الأخذ بهذا الحديث ذهب مالك وأصحابه وكثير من العلماء فقالوا: تقتل الكلاب إلا ما استثني منها ولم يروا الأمر بقتل ما عدا المستثنى منسوخًا بل محكمًا، وقام الإجماع على قتل العقور منها. واختلفوا في قتل ما لاضرر فيه؛ فقال إمام الحرمين: أمر الشارع أولاً بقتلها كلها ثم نسخ ذلك ونهى عن قتلها، إلا الأسود البهيم، ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميعها إلا الأسود من حديث ابن مغفل. ومعنى: (البهيم شيطان) بعيد عن المنافع، قريب من المضرة، وهذِه أمور لا تدرك بنظر ولا يتوصل إليها بقياس، وإنما ينتهى إلى ما جاء عن الشارع، كما نبه عليه ابن عبد البر قال: وقد روي عن ابن عباس أن الكلاب من الجن، وهي (بقعة) (١) الجن، فإذا غشيتكم عند طعامكم فألقوا إليها الشيء فإن لها أنفسًا. يعني: أعينَا (٢). وفي لفظ السود منها جن والبقع منها جن. قال صاحب "العين": الحن: حي من الجن منهم الكلاب البهم (٣). وفي "الباهر": الحن -بالكسر-: ضرب من الجن. قال ابن الأعرابي: هم سفلة الجن وضعفاؤهم. وأنشد: *مختلف نجواهم حن وجن* قال ابن عديس يقال كلب حني. وروى عن الحسن وإبراهيم أنهما يكرهان صيد الكلب الأسود البهيم، وإليه ذهب أحمد وبعض أصحابنا لا يحل الصيد إذا قتله، وقال الشافعي ومالك والجمهور بحله كغيره.

стр. 11411

وليس المراد بالحديث إخراج الأسود عن جنس الكلاب، ولهذا لو ولغ في الإناء وجب غسله كغيره من الأبيض. قال ابن عبد البر: والذي نختاره: ألا يقتل منها شيء إذا لم يضر؛ لنهيه أن يتخذ شيء فيه روح غرضًا (١)؛ ولحديث الذي سقى الكلب؛ ولقوله: "في كل كبد حرى أجر" (٢)، وترك قتلها في كل الأمصار وفيها العلماء، ومن لا يتسامح في شيء من المنكر والمعاصي الظاهرة. وما علمت فقيها من فقهاء المسلمين جعل اتخاذ الكلاب جرحة، ولا رد قاض شهادة متخذها. ومذهب الشافعي تحريم اقتناء الكلب بغير حاجة. فصل: قال أبو عمر: في الأمر بقتل الكلاب دلالة على عدم أكلها ألا ترى إلى الذي جاء عن عمر وعثمان في ذبح الحمام وقتل الكلاب (٣). وفيه: دلالة على افتراق حكم ما يؤكل وما لا يؤكل؛ لأنه ما جاز ذبحه وأكله لم يجز الأمر بقتله، ومن ذهب إلى قتل الأسود منها، بأنه شيطان، فلا حجة فيه؛ فلأن الله قد سمى من غلب عليه الشر من الإنس شيطانًا ولم يجب بذلك قتله. وقد جاء مرفوعًا في الحمام "شيطان يتبع شيطانة" (٤)، وليس في ذلك ما يدل على أنه مسخ من الجن، ولا أن الحمامة مسخت من الجن، ولا أن ذلك واجب قتله.

стр. 11412

فصل: لما ذكر ابن العربي حديث الذي سقى الكلب قال: يحتمل أن يكون قبل النهي عن قتلها، ويحتمل أن يكون بعد، فإن كان الأول فليس بناسخ له؛ لأنه لما أمر بقتل الكلاب لم يأمر إلا بقتل كلاب المدينة لا بقتل كلاب البوادي، وهو الذي نسخ. وكلاب البوادي لم يرد فيها قتل ولا نسخ؛ وظاهر الحديث يدل عليه؛ ولأنه لو وجب قتله لما وجب سقيه؛ ولا يجمع عليه حر العطش والموت كما يفعل بالكافر العاصي، فكيف بالكلب الذي لم يعص؟! وفي الحديث الصحيح أنه ﵇ لما أمر بقتل يهود شكوا العطش فقال: "لا تجمعوا عليهم حر السيف والعطش". فسقوا ثم قتلوا (١). فصل: والجمع بين رواية الكتاب: "ينقص من أجره قيراط". وبين الرواية الأخرى: "قيراطان". يحتمل أنه لما ذكر القيراط لم ينتبه الناس. فزاد في التغليظ، أو يكون راجعًا إلى كثرة الأذى من الكلب وقلته، أو يحمل على اختلاف المواضع فالقيراطان بالمدينة خاصة؛ لزيادة فضلها، والقيراط في غيرها، كما قاله أبو عمر قال: أو يكون القيراطان في المدن والقيراط بالوادي. وجاء في رواية أنه: "نقص من أجره قيراطين" (٢). وهو صحيح؛ لأن "نقص" جاء لازمًا ومتعديًا. وقال الروياني: اختلفوا في المراد بما ينقص منه فقيل: ينقص بما مضى من عمله. وقيل: من مستقبله. واختلفوا في

стр. 11413

محل نقصانهما فقيل: قيراط من عمل النهار وقيراط من عمل الليل وقيراط من النفل. وقال القرطبي: أقرب ما قيل في ذلك قولان: أحدهما: أن جميع ما عمله من عمل ينقص لمن اتخذ ما نهي عنه من الكلاب بإزاء كل يوم يمسكه جزءان من أجر ذلك اليوم الذي يمسكه فيه. الثاني: أن يحط من عمله عملان أو من عمل يوم إمساكه عقوبة له على ما اقتحم من النهي. والقِيرَاط: (أصل) (١) لمقدار معلوم عند الله تعالى لكن جرى العرف في بلاد يعرف فيها القيراط؛ لأنه جزء من أربعة وعشرين جزءًا ولم يكن هذا العرف عند العرب غالبًا (٢).

стр. 11414

٦٠ [كتاب الأنبياء]

стр. 11415

[٦٠ - كِتَابُ الأَنْبِيَاءِ] ١ - باب خَلْقِ آدَمَ ﷺ وَذُرِّيَّتِهِ (١) ﴿صَلْصَالٍ﴾ [الحجر: ٢٦]: طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ كَمَا يُصَلْصِلُ الفَخَّارُ، وَيُقَالُ: مُنْتِنٌ، يُرِيدُونَ بِهِ: صَلَّ، كَمَا تقَول: صَرَّ البَابُ وَصَرْصَرَ عِنْدَ الإِغْلَاقِ، مِثْلُ: كَبْكَبْتُهُ يَعْنِي: كَبَبْتُهُ. ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٩]: اسْتَمَرَّ بِهَا الحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ. ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] أَنْ تَسْجُدَ. الشرح: حقيقة الصلصال: الطين اليابس المصوت، واختلف العلماء في اسم آدم، فقال أبو جعفر النحاس في "اشتقاقه": قيل: إنه اسم سرياني. وقيل: هو أفعل من الأدمة. وقيل: أخذ من لفظ الأديم؛ لأنه خلق من أديم الأرض، قاله ابن عباس (٢). قال قطرب: لو كان
следующие страницы →