← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 11446–11485 · переход к 11451.

стр. 11446

- باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)﴾ [نوح: ١] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢] ٣٣٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَالِمٌ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِ النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: «إِنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ». [انظر: ٣٠٥٧ - مسلم: ١٦٩ - فتح ٦/ ٣٧٠] ٣٣٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثاً عَنِ الدَّجَّالِ مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ، إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثَالِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَالَّتِى يَقُولُ: إِنَّهَا الجَنَّةُ. هِيَ النَّارُ، وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ». [مسلم: ٢٩٣٦ - فتح ٦/ ٣٧٠] ٣٣٣٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ الله تَعَالَى: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَيْ رَبِّ. فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ. فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ، فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهْوَ قَوْلُهُ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَالْوَسَطُ: العَدْلُ». [٧٣٤٩،٤٤٨٧ - فتح ٦/ ٣٧١]

стр. 11447

٣٣٤٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَعْوَةٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً وَقَالَ: «أَنَا سَيِّدُ القَوْمِ يَوْمَ القِيَامَةِ، هَلْ تَدْرُونَ بِمَنْ يَجْمَعُ الله الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِى، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟ إِلَى مَا بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: أَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ الله بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الجَنَّةَ، أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ: رَبِّي غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَسَمَّاكَ الله عَبْدًا شَكُورًا، أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا؟ أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، نَفْسِي نَفْسِي، ائْتُوا النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَأْتُونِي، فَأَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهُ». قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ: لَا أَحْفَظُ سَائِرَهُ. [٣٣٦١، ٤٧١٢ - مسلم: ١٩٤ - فتح ٦/ ٣٧١] ٣٣٤١ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ: (﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾) [القمر: ١٥]: مِثْلَ قِرَاءَةِ العَامَّةِ. [٣٣٤٥، ٣٣٧٦، ٤٨٦٩، ٤٨٧١،٤٨٧٠، ٤٨٧٢، ٤٨٧٣، ٤٨٧٤ - مسلم: ٨٢٣ - فتح ٦/ ٣٧١]

стр. 11448

ثم ذكر فيه خمسة أحاديث: أحدها: الزُّهْرِيِّ، قَال سَالِمٌ: وَقَال ابن عُمَرَ: قَامَ رَسُول اللهِ ﷺ (في الحديث) (١)، ذكر الدَّجَّالِ. وأخرجه مسلم أيضًا، وسلف حديث سالم عن ابن عمر في قصة ابن صياد بطولها في أثناء الجنائز (٢). وذكر بعده: حديث أبي هريرة ﵁ في الدجال أيضًا، في الأول: "لقد أنذر نوح قومه" وفي الثاني: "وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه". الحديث الثالث: حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَيْ رَبِّ. فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ. فيَقُولُ لِنُوحِ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: محَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتُهُ. فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهْوَ قَوْلُهُ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَالْوَسَطُ: العَدْلُ. الشرح: قولهم: ("ما جاءنا من نبي") وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] فهي مواطن ينطقون مرة ويسكتون أخرى، وذكر غيره باقي الحديث قال: فيقولون: كيف تشهد علينا أمة محمد ونحن أول الأمم، وهم آخرهم؟ فيقولون: نشهد أن الله بعث إلينا رسولاً

стр. 11449

وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل إلينا خبركم (١). الحديث الرابع: حديث أبي حيان -بالمثناة تحت- يحيى بن سعيد بن حيان عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، هرم بن عمرو بن جرير عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَعْوَةٍ، فَرُفِعَت إِلَيْهِ الذِّرَاعُ -وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ- فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً وَقَالَ: "أَنَا سَيِّدُ الناس يَوْمَ القِيَامَةِ، هَلْ تَدْرُونَ .. " الحديث بطوله، ويأتي في التفسير أيضًا. والكلام عليه من وجوه: أحدها: قوله: (فرفعت). كذا في الأصول (٢)، وذكره ابن التين بلفظ: فرفع، ثم قال: والصواب رفعت إلا أنه جائز على ما تقدم في المؤنث الذي لا فرج له أنه يجوز تذكيره. والذراع: مؤنثة، ولذلك قال: وكانت تعجبه قال: وهذا على ما في بعض النسخ بضم الذراع، وأما بنصبها فهو بين، ويكون رسول الله ﷺ هو رافعها، وتقرأ: فرفع بنصب الراء وهذا لا يحتاج إليه؛ أما أولاً: فلأن الذي في أصولنا: فرفعت. وأما ثانيًا: فقد أسلفنا أن اللغويين جميعهم على تأنيث الذراع وتذكيره إلا سيبويه، فإنه لا يرى فيه إلا التأنيث. ثانيها: قوله: (وكانت تعجبه) إعجابه بها، ومحبته لها؛ لنضجها وسرعة استمرائها مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها وبعدها عن مواضع الأذى.

стр. 11450

وفي الترمذي: عن عائشة ﵂، ما كان الذراع أحب إلى رسول الله ﷺ ، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبًا. فكانت تعجل إليه؛ لأنها أسرعها نضجًا (١). ثالثها: قوله: (فنهس). أكثر الرواة على إهمالها، وفي رواية ابن ماهان وأبي ذر: بالإعجام. (٢) وكلاهما صحيح، فمعنى المهملة: الأخذ بأطراف الأسنان، والمعجمة: بالأضراس. قال القزاز: النهس: أخذ اللحم بالأسنان، وقيل: هو القبض على اللحم ونثره عند أكله. قال الأصمعي: هما واحد، وهو أخذ اللحم بالفم. وخالفه أبو زيد فقال ما أسلفناه، وقال الداودي: نهس منه نهسة: أخذ منها بفيه. رابعها: قوله: ("أنا سيد الناس يوم القيامة") أي: الذي يفوق قومه ويفزع إليه في الشدائد، وخص يوم القيامة؛ لارتفاع سؤدده فيه وتسليم جميعهم له، وليكون آدم وجميع ولده تحت لوائه، ذكره عياض (٣). وقد أسلفنا الجمع بين هذا وبين قوله: "لا تخيروا بين الأنبياء". وقوله: "لا تفضلوني على يونس". بأوجه: ومنها: أنه كان قبل إعلامه بسيادة ولد آدم والفضائل لا تنسخ إجماعًا فتعينت القبلية وبه جزم ابن التين هنا. وزعم بعضهم أن النهي عن تفضيله على يونس أن التفضيل لشخص يقتضي تنقيص الآخر، كأنه قال: قولوا ما قيل لكم ولا تفضلوا برأيكم،

стр. 11451

وليس المراد أنكم لا تعتقدوا تفضيل شخص على شخص، فقد قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. ومنها: أن تفضيله عليه في صبره ومعاناة قومه، فإن نبينا فضل الأنبياء بموهبة من الله. ومنها: أنه من باب التواضع، أو يقال أن السيادة: المتقدم، فكأنه أشار بتقدمه في القيامة بالشفاعة على الخلق ولم يتعرض لذكر فضل. ومنها: أن المنع في ذات النبوة والرسالة، فإن الأنبياء فيها على حد واحد؛ إذ هي شيء واحد لا يتفاضل، وإنما التفاضل في زيادة الأحوال والكرامات والرتب والألطاف. وقال بعضهم: التفضيل المراد لهم هنا في الدنيا، وذلك بثلاثة أحوال: أن تكون آياته ومعجزاته أبهر وأشهر، أو تكون أمته أزكى وأطهر، أو يكون في ذاته أفضل وأظهر. وفي أبي داود من حديث عبد الله بن جعفر: "ما ينبغي لنبي أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" (١). والضمير في أنا، هل هو عائد إلى رسول الله ﷺ أو إلى القائل؟ أي: لا يقول ذلك بعض الجاهلين من المتعبدين في عبادة أو علم، فإنه لو بلغ من الفضائل ما بلغ، لم يبلغ درجة من درجات النبوة. خامسها: قوله: ("فيبصرهم الناظر"). كذا هنا، وجاء: "فينفذهم البصر" (٢): بفتح الياء وبذال معجمة على الأكثر، وروي بضم الياء قال أبو عبيدة:

стр. 11452

معناه: ينفذهم بصر الرحمن حتى يأتي عليهم كلهم. قلت: هو كناية عن استيعابهم بالعلم، والله تعالى لا يخفى عليه شيء والصواب قول من قال: بصر الناظر من الخلق. وعن أبي حاتم: إنما هو بدال مهملة أي: يبلغ أولهم وآخرهم. قاله ابن الأثير (١). والصحيح فتح الياء مع الإعجام. والصعيد: وجه الأرض، وهي يومئذٍ مستوية لا عوج فيها ولا أمتا، ويجعل الله في أبصارهم ما ينفذون به أبصارهم، وفي أصواتهم ما يسمعون جميعهم. قوله: "إلى ما بلغنا" الصحيح فتح غينه؛ لأنه تقدم: "ما بلغكم". ولو كان بسكونها لقال: بلغهم. وضبطه بعض المتأخرين بالسكون، وله وجه. سادسها: فيه: بعث آدم إلى نوح، ونوح إلى نبينا، قال محمد بن عبيد: لا أحفظ سائره. قال ابن التين: وقول نوح "ائتوا النبي" وهم، إنما دلهم على إبراهيم، وإبراهيم على موسى، وموسى على عيسى، وعيسى على نبينا. وجاء أن إبراهيم ذكر ثلاث كذبات وفي مسلم رابعا وهو: قوله للكوكب (٢). ولم يعدها من أولئك؛ لأنه قالها حين الطفولية، وضعفه القرطبي؛ لأن الله خص الأنبياء بسلامة الفطرة والحماية عن الجهل بالله من أول نشأتهم وإلى تناهي أمرهم.

стр. 11453

وقيل: إنه قال ذلك لقوله على جهة الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ لهم والإنكار عليهم. وحذفت همزة الاستفهام اتساعًا. وقيل: إنه قال ذلك على طريق الاحتجاج على قومه تنبيهًا على أن ما يتغير لا يصلح للربوبية (١). ومعنى الحديث كما قال ابن الأنباري: قلت قولًا يشبه الكذب في ظاهر القول وهو صدق عند البحث؛ وذلك أنه لا يجوز ذلك على الأنبياء بحال، واستعير هنا ذكر الكذب؛ لأنه بصورته، فسماه كذبًا مجازًا. وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. أي: سأسقم، كقولك: إِنَّكَ مَيِّتٌ أي: ستموت، أو سقيم بما قدر عليه من الموت. ويحتمل -كما قال القرطبي- أنه يريد سقيم الحجة عن الخروج معكم؛ إذ لا يصح على ذلك حجة على جوازه (٢). فاعتذر عما دعوه إليه حتى يخلوا بالأصنام فيكسرها. وقيل: كانت تأخذه الحمى في ذلك الوقت ولو كان الذي قاله لا تورية فيه لكان جائزًا في دفع الظالم، وقد اتفق العلماء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنسانًا مختفيًا ليقتله، أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصبًا وسأل عن ذلك، وجب على من علم ذلك إخفاؤه وهو كذب جائز بل واجب. وفي حديث آخر عند البخاري: "اثنتين في ذات الله، وواحدة في شأن سارة" (٣) وهو أيضًا في ذات الله كما قال بعضهم؛ لأنها سبب دفع كافر

стр. 11454

عن مواقعة فاحشة وصيانة لقرابته. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ [الأنبياء: ٦٣] قال الكسائي: يقف عند قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ (١). قال ابن قتيبة: معناه إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم (٢). وقوله للجبار المجوسي: (أختي) لأن مذهبهم أن الأخت إذا كانت زوجة، كان أخوها الذي هو زوجها أحق بها من غيره، وقيل: كان من مذهب الجبار أن من له زوجة لا يجوز أن تتزوج إلا أن يقتل الزوج فاتقاه إبراهيم بهذا القول، وقد أسلفنا الكلام في ذلك وذكرناه هنا للبعد عنه. سابعها: قوله لنوح: ("أنت أول الرسل إلى أهل الأرض") قال الداودي: هذا هو الصحيح، قال: وروي أن آدم نبي مرسل، وروي في ذلك حديث عن النبي ﷺ (٣)، وقيل: هو نبي وليس برسول، وقيل: رسول وليس بنبي. قلت: ولا يصح؛ لأن من لازم الرسالة النبوة، وذكر أن شيث رسول الله. قال: والصحيح ما ههنا، والنساب يقولون: إن إدريس جد نوح

стр. 11455

أبو أبيه، وعن عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵁: إن إلياس هو إدريس. وفي حديث الإسراء أنه قال لرسول الله ﷺ : مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح (١)، فلو كان جد نوح لقال: مرحبًا بالولد الصالح. كقول آدم وإبراهيم. وقال ابن جرير في "تاريخه": من زعم أن الله تعالى ابتعث إدريس إلى جميع أهل الأرض في زمانه، وجمع له علم الماضين، وأن الله تعالى زاده مع ذلك ثلاثين صحيفة، وذلك قول الله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ قال: يعني بالصحف الأولى، الصحف التي أنزلت على ابن آدم شيث، وإدريس (٢). وذكر ابن عباس -فيما حكاه عياض-: إذا دخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة فيبقى آخر زمرة من الجنة وآخر زمرة من النار، فتقول زمرة النار لزمرة الجنة: ما نفعكم إيمانكم، فيدعون ربهم ويضجون، فيسمعهم أهل الجنة، فيسألون آدم وغيره بعده في الشفاعة لهم، فكل يعتذر حتى يأتوا محمدًا ﷺ فيشفع لهم، فذلك المقام المحمود، ونحوه أيضًا عن ابن مسعود ومجاهد، وذكره علي بن الحسين [عن] (٣) رسول الله ﷺ (٤). وذكر الغزالي أن من إتيانهم من آدم إلى نوح ألف سنة، وكذا بين كل نبي حتى يأتوا نبينا، قال: والرسل يوم القيامة على منابر، والعلماء العاملون على كراسي، وهؤلاء هم الذين يطلبون من آدم فمن بعده الشفاعة.

стр. 11456

وقال ابن برجان (١) في "إرشاده": يليهم رؤساء أهل المحشر طلب من يشفع لهم وهم العلماء وهم رؤساء أتباع الرسل. وأما حديث أبي الزعراء عن ابن مسعود: ويشفع نبيكم رابع أربعة جبريل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم (٢) فقال البخاري: أبو الزعراء لا يتابع عليه، والمشهور والمعروف أن نبينا أول شافع (٣). فائدة: قوله: ("إن ربي غضب غضبًا") ليس على الحقيقة وإنما هو عبارة عن المخاوف التي تحضر إليه وبرغبون بها (٤). الحديث الخامس: حديث أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم، عن سفيان، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ مثل قراءة العامة، ويأتي في أحاديث الأنبياء أيضأوالتفسير، وهذا قد بينه أبو داود فقال: بضم الميم وفتح الدال وكسر الكاف (٥). وقال الفراء في "معانيه" المعنى: مذتكر هاذا قلت مفتعل فيما أوله ذال صارت الذال وتاء الافتعال دالاً مشددة. قال: وبعض بني أسد

стр. 11457

يقولون: مذّكر. (يقلبون الدال) (١) فتصير ذالًا مشددة. وحدثني الكسائي عن إسرائيل، والعزرمي، عن أبي إسحاق، عن الأسود قال: قلت لعبد الله: فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ أو مدكر؟ فقال: أقرأني رسول الله ﷺ ﴿مُدَّكِرٍ﴾ بالدال (٢). وقال الداودي: أدغمت التاء في الدال. واعترضه ابن التين فقال: ليس كما ذكر، وإنما أصله مذَّكر بذال معجمة، فاجتمع حرفان متقاربان في المخرج والأول ساكن وألفينا الثاني حرفًا مهموسًا، فأبدلناه بحرف مجهور يقاربه في المخرج وهو الدال غير معجمة، ثم قلبت الذال دالًا وأدغمت في الدال التي هي غير معجمة.

стр. 11458

٤ - باب ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾ إلى قوله ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ [الصافات: ١٢٣ - ١٢٩] قَالَ ابن عَبَّاسٍ: يُذْكَرُ بِخَيْرٍ (﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾) [الصافات: ١٣٠ - ١٣٢]. يُذكَرُ عَنِ ابن مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَن إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ. الشرح: قال ابن إسحاق: هو إلياس بن تسبي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران. وقال بعض أهل العلم: بعثه الله إلى بني إسرائيل بعد مهلك حزقيل. وقال وهب: إن الله لما قبض حزقيل، وعظم في بني إسرائيل الأحداث، ونسوا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الأوثان وعبدوها فبعث الله إليهم إلياس رسولاً. وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى يبعثون بتجديد ما نسوا من التوراة، فكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل اسمه أحاب، وله امرأة اسمها إزبل، وكان يسمع منه ويصدقه، وكان بنو إسرائيل قد اتخذوا صنمًا يقال له بعل. قال ابن إسحاق: وسمعت بعض أهل العلم يقول: ما كان بعل إلا امرأة يعبدونها من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله، وهم لا يسمعون منه شيئًا إلا ما كان من ذلك الملك، ثم أنه قال يومًا

стр. 11459

لإلياس: والله ما أدري ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أدري فلانًا وفلانًا -فعدد ملوكًا مثله من ملوك بني إسرائيل متفرقين بالشام يعبدون الأوثان- إلا على مثل ما نحن عليه يأكلون ويشربون، ملوكًا ما نقص دنياهم. فيزعمون أن إلياس استرجع ثم رفضه وخرج عنه، وفعل ذلك الملك فعل أصحابه من عبادة الأوثان، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر، فُذكِرَ لي أنه أوحي إليه أنا جعلنا أمر أرزاقهم بيدك حتى تكون أنت الذي تأذن لهم في ذلك، فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم المطر، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت المواشي والهوام والشجر، ولما دعا عليهم استخفى شفقًا على نفسه منهم فكان حيثما كان وُضِع له رزق، فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في مكان قالوا: لقد دخل إلياس هذا المكان (فيطلبوه) (١)، ويلقى أهل ذلك المنزل منهم شرًا، ثم أنه استأذن الله في الدعاء لهم فأذن له، فجاءهم وقال: إن كنتم تجيبون، إن الذي أدعوكم إليه هو الحق وإنكم على باطل فأخرجوا أوثانكم وما تعبدون واجأروا إليهم فإن استجابوا لكم فهي كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ما أنتم عليه، ودعوت الله يفرج عنكم ما أنتم فيه، قالوا: أنصفت، فخرجوا بأوثانهم فدعوها فلم تستجب لهم فعرفوا ما هم عليه من الضلالة، ثم سألوا إلياس الدعاء فدعا ربه، قال: فمطروا لساعتهم فحيت بلادهم فلم ينزعوا ولم يرجعوا وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه، فدعى الله أن يقبضه فكساه الريش وألبسه النور، وقطع عليه لذة المطعم والمشرب، فكان إنسيًا ملكًا أرضيًا سمائيًا يطير مع الملائكة.

стр. 11460

وذكر الحاكم حديثًا صحح إسناده عن أنس أنه اجتمع مع سيدنا رسول الله ﷺ في بعض السفرات (١)، وخالفه ابن الجوزي في تصحيحه (٢). فصل: ما ذكره عن ابن مسعود وابن عباس روى الأول عبد بن حميد في "تفسيره" من حديث أبي إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عنه به، والثاني: ذكره جويبر عن الضحاك عنه. فصل: قال أبو جعفر: اختلف القراء في ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ فعامة قراء مكة والبصرة والكوفة (إلياسين) بكسر الألف (٣)، وكان بعضهم يقول: هو اسم إلياس ويقول: إنه كان يسمى باسمين إلياس وإلياسين مثل: إبراهيم إبراهام. ويستشهدون بأن جميع ما في السورة من قوله ﴿سَلَامٌ﴾ إنما هو سلام على النبي الذي ذكر دون آله، فكذلك إلياسين إنما هو سلام على إلياس دون آله.

стр. 11461

وكان بعض أهل العربية يقول: إلياس اسم عبراني والألف واللام منه، ويقول: لو جعلته عربيًا من [الإلسى] (١) فتجعله إفعالًا [مثل] (٢) الإخراج والإدخال، ويقول: قد: سلم على إلياسين، فجعله بالنون، والعجمي من الأسماء قد يفعل به العرب هذا، وهي في بني أسد تقول: هذا إسمعين قد جاء وسائر العرب باللام، وإن شئت ذهبت بإلياسين إلى أن تجعله جميعًا فتجعل أصحابه داخلين في اسمه كما تقول لقوم رئيسهم المهلب: جاءتكم المهالبة والمهلبون، فيكون بمنزلة قولهم الأشعرين بالتخفيف. وعامة قراء المدينة (آل ياسين) بقطع آل من ياسين، وعن بعضهم أنه كان يقرأ: (الياس) بترك الهمز في ألف إلياس ويجعل الألف واللام داخلين على ياس للتعريف، ويقولون إنما كان اسمه ياس أدخلت عليه ألف ولام. وقال السدي: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾. وفي قراءة عبد الله: (إدراسين)؛ لأن عبد الله كان يقول: إلياس هو إدريس. دلالة واضحة على خطأ من قال: عني بذلك سلام على آل محمد، وفساد قراءة من قرأ: (وإن الياس) بوصل النون من إن بإلياس (٣).

стр. 11462

٥ - باب ذِكْرِ إِدْرِيسَ ﵇: وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧] ٣٣٤٢ - قَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ ﵁ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِى، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جَاءَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ. قَالَ: مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: مَعِيَ مُحَمَّدٌ. قَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَافْتَحْ. فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ إِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ، حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ. فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ، فَفَتَحَ». قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ إِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يُثْبِتْ لِي كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ. وَقَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِإِدْرِيسَ. قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عِيسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ:

стр. 11463

هَذَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَيَّةَ (١) الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ صَرِيفَ الأَقْلَامِ». قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵄: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَفَرَضَ الله عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمُرَّ بِمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: مَا الذِي فُرِضَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: فَرَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهْيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى السِّدْرَةَ المُنْتَهَى، فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ ﴿الجَنَّةَ﴾ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ». [انظر: ٣٤٩ - مسلم: ١٦٣ - فتح ٦/ ٣٧٤] ثم ساق حديث ابن شِهَاب قَالَ: قَالَ أَنَس ﵁: كَانَ أَبُو ذَر ﵁ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ" .. الحديث بطوله، هذا الحديث سلف في كتاب الصلاة واضحًا، وسلف الكلام على الإسراء قريبًا، وذكر هنا أن إبراهيم في السادسة، وسلف قبل هذا أنه في السابعة من حديث أنس عن مالك بن صعصعة. وقوله: "ثم مررت بموسى ثم بعيسى" المشهور أن عيسى في الثانية وكذا يحيى كما سلف في الحديث المشار إليه وقد سلف تفسير (ورفعناه مكانًا عليًا)، وروى ابن وهب أنه كان يعمل مثل عمل جميع

стр. 11464

(أهل) (١) الأرض يعني يومئذٍ، وقد أسلفنا الكلام على إدريس في كتاب الصلاة. قال وهب فيما حكاه ابن قتيبة: كان طوالاً، ضخم البطن والصدر، قليل شعر الجسد، كثير شعر الرأس، وكانت إحدى أذنيه أكبر من الأخرى، وكانت في جسده نكتة بيضاء من غير برص، وكان رقيق الصوت والمنطق، قريب الخطو، واستجاب له (ألفا) (٢) إنسان ممن كان يدعوهم فلما رفعه الله اختلفوا بعده، وأحدثوا الأحداث، ورفع وهو ابن ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة (٣). وقد أسلفنا هذا أيضًا هناك. وقال ابن عباس ﵄ فيما حكاه الطبري في "تاريخه": كان بينه وبين نوح ألف سنة (٤). وخط بالقلم بعد آدم وتنبأ وقد مضى من عمر آدم ستمائة سنة واثنتان وعشرون سنة، وأنزلت عليه ثلاثون صحيفة. وهو أول من سبى من ولد قابيل واسترق منهم، ودعا خنوخ قومه وأمرهم بطاعة الله فلم يقبلوا منه. وحديث أبي ذر مرفوعًا: "أربعة من المرسلين سريانيون: آدم وشيث وخَنوَخ وهو أول من خط بالقلم" (٥). وسلف هناك.

стр. 11465

وروى ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: سألت كعبًا عن رفع إدريس فقال: كان عبدًا تقيًا يرفع له من العمل الصالح ما يرفع لأهل الأرض في زمانه، فعجب الملك الذي كان يصعد بعمله، فقال: رب ائذن لي أزوره، فلما جاءه قال: يا إدريس أبشر فإنه يرفع لك من العمل الصالح ما يرفع لأهل الأرض، فسأله أن يشفع له عند ملك الموت في تأخير أجله ليزداد عبادة، فقال الملك: إن الله لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، قال: قد علمت ولكنه أطيب لنفسي، فصعد به الملك وسأل ملك الموت في أمره، فنظر في كتاب معه فقال: والله ما بقي من أجل إدريس شيء، فمات مكانه وهو في السماء الرابعة (١). ولا يلزم من هذا كون غيره أرفع مكانًا منه؛ لأنه لم يذكر أنه أعلى من كل أحد. وادعى بعضهم أنه لم يرفع إلى السماء من هو حي غيره وينتقض بعيسى.

стр. 11466

٦ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] وَقَوْلِه: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢١ - ٢٥] فِيهِ: عَنْ عَطَاءٍ وَسُلَيْمَانَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . يريد بحديث عطاء ما قدمه عنه مسندًا في كتاب بدء الخلق (١)، وبحديث سليمان بن يسار ما ذكره في سورة الأحقاف مسندًا ويأتي (٢). قال ابن عرفة: كانت منازل قوم عاد في الرمال وهي: الأحقاف، ويقال للرمل إذا عظم واستدار: حقف. وقال الأزهري: هي رمال مستطيلة بناحية شحر (٣)، قال غيره: والحقف عند أهل اللغة: الرمل المنحني، وجمعه: أحقاف. فائدة: قال ابن هشام: هود اسمه عابر ويقال: عيبر بن أرفخشذ، ويقال: النخشد، ويقال: الفخشد بن سام بن نوح. وقال قتادة فيما ذكره عبد بن حميد: كانت عاد أحياء باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر. وقال ابن قتيبة: هود هو (ابن) (٤) عبد الله بن رياح بن محارب ابن

стр. 11467

عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وكان أشبه ولد (آدم بآدم) (١) خلا يوسف. وكانت عاد ثلاثة عشر قبيلة، ينزلون الرمل، وبلادهم أخصب بلاد وديارهم بالدو والدهناء وعالج وَيبرين ووَبار وعمان إلى حضرموت إلى اليمن، فلما سخط الله عليهم جعلها مفاوز وغيطانًا، فلما هلكوا ألحق هود بمكة حتى توفي بها (٢).

стр. 11468

- باب قَوْلِ الله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦] شَدِيدَةٍ ﴿عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]. قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: عَتَتْ عَلَى الخُزَّانِ. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]: مُتَتَابِعَةً ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] أُصُولُهَا ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة: ٨]: بَقِيَّةٍ. ٣٣٤٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ». [انظر: ١٠٣٥ - مسلم: ٩٠٠ - فتح ٦/ ٣٧٦] ٣٣٤٤ - قَالَ: وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَرْبَعَةِ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الحَنْظَلِيِّ ثُمَّ المُجَاشِعِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزَارِيِّ، وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ، قَالُوا يُعْطِى صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا! قَالَ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، نَاتِئُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقٌ، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ «مَنْ يُطِعِ اللهَ إِذَا عَصَيْتُ، أَيَأْمَنُنِي الله عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَلَا تَأْمَنُونِي؟!». فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ -أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ- فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا -أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا- قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ». [٣٦١٠، ٤٣٥١، ٤٦٦٧، ٥٠٥٨، ٦١٦٣، ٦٩٣١، ٧٤٣٢، ٧٤٣٢ - مسلم: ١٠٦٤ - فتح ٦/ ٣٧٦] ٣٣٤٥ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ

стр. 11469

قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأ: (﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾) [القمر: ١٥]. [انظر: ٣٣٤١ - مسلم: ٨٢٣ - فتح ٦/ ٣٧٩] ذكر فيه حديث ابن عباس: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ". وَقَالَ ابن كَثِيرٍ: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ ﵁ إلى رسول الله ﷺ بِذُهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أرْبَعَةِ: الأَقْرَعِ .. الحديث. وفي آخره: "لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لأقتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ". وحديث عبد الله: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. الشرح: تفسير ابن عيينة ذكره في تفسيره بإسناده، وحديث ابن مسعود سلف (قريبًا، وحديث ابن عباس سلف) (١) في الاستسقاء وغيره، وقوله: (وقال ابن كثير) إلى آخره: ادعى أصحاب الأطراف أن البخاري رواه هنا، وفي سورة براءة عن محمد بن كثير (٢). وكذا ذكره أبو نعيم في "مستخرجه"، ورواه البخاري أيضًا في موضع آخر، عن قبيصة، عن الثوري (٣). وفي آخر عن قتيبة، عن عبد الواحد بن زياد، عن عمارة بن القعقاع، عن عبد الرحمن بن أبي نعم (٤). وأخرجه مسلم أيضًا.

стр. 11470

وفي "الأوسط" من حديث عمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص: "يخرج قوم من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فيقتلهم علي بن أبي طالب" (١). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من وجوه: أحدها: أنث (ذهيبة) على نية القطعة من الذهب، وقد يؤنث الذهب في بعض اللغات، والمؤنث الثلاثي إذا صغر ألحق في تصغيره الهاء كفويسقة وشميسة وقيل: هو تصغير على اللفظ حكاه ابن الأثير (٢). وفي رواية: بذهبة. بفتح الذال. ثانيها: قوله: (فسأله رجل قتله -أحسبه خالد بن الوليد). كذا جاء هنا على الحسبان، وجاء في الصحيح أنه خالد من غير حسبان، وفي أخرى عمر (٣)، وكأنهما سألا ذلك. ثالثها: (الأقرع بن حابس) اسمه فراس، فيما ذكره ابن دريد، وبخط منصور بن عثمان الخابوري الصواب: حصين (٤). وقال أبو يوسف في كتاب "لطائف المعارف": كان أصم مع قرعه وعوره.

стр. 11471

وفي "الكامل" كان في صدر الإسلام سيد خندف، وكان محله فيها محل عيينة بن حصن في قيس (١). وقال (المرزبان) (٢): هو أول من حرم القمار وكان يحكم في كل موسم. ولما ذكره الكلبي في كتاب "أئمة العرب" قال: كان آخر من قضى من تميم وعليه قام الإسلام. وقال الجاحظ في كتاب "العرجان": إنه من أشرافهم وأحد الفرسان الأشراف، ساير رسول الله ﷺ مرجعه من فتح مكة. وقال أبو عبيدة: هو أول من جلد في الجاهلية؛ لأنه نَفَّرَ (٣) جريرًا على الفرافصة حين وجده أقرب إلى مضر، وكان سنوطًا (٤) أعرج الرجل اليسرى، قتل باليرموك سنة ثلاثة عشرة مع عشرة من بنيه. وذكر أبو عبيد في كتابه "أنساب العجم" أن المكعبر الضبي أدخل جماعة في المجوسية منهم الأقرع. وقال ابن دريد: استعمله عبد الله بن عامر بن كريز على جيش أنفذه إلى خراسان فأصيب بالجوزجان (٥).

стр. 11472

رابعها: (عيينة): اسمه حذيفة بن حصن بن حذيفة بن بدر، ولقب عيينة؛ لأنه طعن في عينه فشترت، وكنيته أبو مالك، أسلم قبل الفتح، وارتد مع طليحة بن خويلد، وقاتل معه، وكان من الجرارين، يقود عشرة آلاف، وتزوج عثمان بابنته، وهو عريق في الرئاسة ابنه وابن ابنه، وهو وأبوه وجده وجد أبيه: كلهم جرار ربع، وهو المقول فيه الأحمق المطاع. (١) و (علقمة بن علاثة): هو ابن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، كان من أشراف قومه، حليمًا عاقلًا، ولم يكن فيه ذاك الكرم، فتنافر هو وعامر (بن) (٢) الطفيل فنفر عليه عامر. وفيه يقول الأعشى: علقم ما أنت إلى عامر … الناقض الأوتار والواتر وهو من الشعر الذي نهي عن روايته، ارتد لما رجع رسول الله ﷺ إلى الطائف، ثم أسلم أيام الصديق وحسن إسلامه، واستعمله عمر ﵁ على حوارن فمات بها. (٣) خامسها: (زيد الخير) بهذا سماه رسول الله ﷺ وكان يعرف يزيد الخيل؛ لأنه لم يكن في العرب أكثر من خيله. قال أبو عُبيدٍ البكري في "فصل

стр. 11473

المقال": كانت له ستة أفراس، يكنى أبا مكنف، وكان له شعر وخطابة وشجاعة وكرم ولين، وكان بينه وبين كعب بن زهير مهاجرة. توفي لما انصرف من عند رسول الله ﷺ بالحُمَّى. وقيل: توفي في آخر خلافة عمر. يدل على ذلك ما ذكره الواقدي من ثلاثة في بني حنيفة هو وعدي بن حاتم، وفي "الردة" لوثيمة: أرسله رسول الله ﷺ هو وعدي ابن حاتم على صدقات بني أسد وطيء. وفي كتاب أبي الفرج: قال أبو عمرو: كانت لثعلب رئيس يقال له الجرار امتنع من الإسلام، يقال: أنه ﷺ بعث إليه زيدًا فقتله زيد، وذكر أيضًا أنه لما احتضر قال: والله لا أقاتل مسلمًا حتى ألقى الله. وتوفي بماء لجَرْم يقال له فَرْدَة. ولما جيء براحلته إلى زوجته وفيها كتاب رسول الله ﷺ ، وكانت على الشرك، أضرمتها بالنار فيقال: إن رسول الله ﷺ لما بلغه ذلك قال: "بؤسًا لبني نبهان". وكان زيد لما دخل على رسول الله ﷺ طرح له متكأ فأعظم أن يتكئ بين يدي رسول الله ﷺ فرده فأعاده عليه ثلاثًا، وعلمه دعوات كان يدعو بها فيعرف بها الإجابة ويستسقي فيسقى، وقال: يا رسول الله، أعطني مائة فارس أعبر بهم على الروم. فلم يلبث بعد انصرافه إلا قليلاً حتى حُمَّ ومات (١). وكان في الجاهلية أسر عامر بن الطفيل وجز ناصيته ثم أعتقه، وفي "الوشاح" لابن دريد: كان من الخطاطة، وكذا أبو زبيد الطائي، وعدي بن حاتم، ومالك الأشتر، وعامر بن الطفيل، وعيينة بن حصن،

стр. 11474

وقيس بن سلمة بن شراحيل، وقيس بن سعد بن عبادة. وكان زيد لا يدخل مكة إلا معتمًا من خيفة النساء عليه، وكذا قيس بن سلمة بن شراحيل، وامرؤ القيس بن حجر، وذو الكلاع، وجرير بن عبد الله، وسبيع، والطهوي، وأعيفر اليربوعي، وحنظلة بن فاتك الأسدي، وقيس بن حسان بن مرثد، والزبيرقان بن بدر. سادسها: الصناديد: الرؤساء، واحدهم: صنديد، و (غائر العينين) أي: غارت عيناه فدخلتا، وهو ضد الجاحظ، و (مشرف الوجنتين) أي: ليس بسهل الخد، وقد أشرفت وجنتاه أي: علتا، وأصله من الشرف، وهو العلو. والوجنتان: العظمان المشرفان على الخدين، وقيل: لحم الخد، وكل واحدة وجنة، فإذا عظمتا فهو موجن، والوجنة مثلثة الواو، حسماها يعقوب وبالألف بدل الواو. فهذِه أربع لغات. قال ابن جني: أرى الرابعة على البدل. وفي الجيم لغتان: فتحها وكسرها، حكاهما في "الباهر" عن كراع، والإسكان هو الشائع، فصار ثلاث لغات في الجيم، وقال ثابت: هما فوق الخدين والمَدْمَعِ، إذا وضعت يدك وجدت حجم العظم تحتها وحجمه نتوءه، وقال أبو حاتم: هو ما نتأ من لحم الخدين بين الصدغين وكنفي الأنف. ومعنى (ناتئ الجبين): مرتفع على ما حوله، و (كث اللحية): كثير شعرها غير مسبلة. وقوله: (محلوق) كانوا يفرقون رؤوسهم ولا يحلقون، والضئضئ هنا: النسل والعقب. وحكي إهمالهما عن بعض رواة مسلم فيما

стр. 11475

حكاه القاضي (١)، وهو سائغ في اللغة قال ابن سيده في "محكمه" في المعجمة الضئضئ، والضؤضؤ: الأصل والمعدن. وقيل: هو كثرة النسل (٢). وقال في المهملة: الصئصى والسئصئ كلاهما: الأصل. عن يعقوب، قال: والهمز أعرف (٣). وحكى بعضهم: صئصين بوزن قنديل. حكاه ابن الأثير (٤). سابعها: هذا الرجل من بني تميم يقال له: ذو الخويصرة، واسمه: حرقوص بن زهير. وفي "كامل المبرد": رجل مضطرب الخلق أسود، وفيه: "إنه يكون لهذا وأصحابه نبأ" (٥). وفي الحديث: أنه لا يدخل النار من شهد بدرًا والحديبية، حاشا رجلاً معروفًا منهم (٦).

стр. 11476

قيل: هو حرقوص بن زهير السعدي. ذكره شيخنا اليعمري، وفي الثعلبي: إنه أصول الخوارج. أعني: ذا الخويصرة قيل: ولقبه ذو الثدية، وسماه أبو داود: نافعًا (١). قال السهيلي: هو أصح (٢). ثامنها: اختلف في هذا الإعطاء على أقوال: أحدها: أنه من خمس الخمس وَرُدَّ بأنه ملكه. ثانيها: من رأس الغنيمة وأنه خاص به؛ لقوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وَرُدَّ بأن الآية منسوخة. واحتج له بأن الأنصار انهزموا يوم حنين فأيد الله رسوله ﷺ وأمده بالملائكة، فلم يرجعوا حتى كان الفتح، رد الله الغنائم إلى رسوله؛ من أجل ذلك، فلم يعطهم منها شيئًا، وطيب نفوسهم بقوله: "وترجعون برسول الله ﷺ إلى رحالكم" (٣) بعد ما فعل ما أمر به. ثالثها: وهو مختار أبي عبيد أنه كان من الخمس لا من خمس الخمس ولا من رأس الغنيمة. وأنه جائز للإمام أن يضرب للأصناف المذكورة في آية الخمس حيث يرى أن فيه مصلحة للمسلمين، لكن ينبغي أن يعلم أولاً أن هذا الذهب ليس من غنيمة حنين ولا خيبر ولا من الخمس؛ وقد فرقها كلها.

стр. 11477

تاسعها: قوله: ("لا يجاوز حناجرهم"). أي: لا يرفع في الأعمال الصالحة. قاله ابن التين، وقال عياض: يعني: لا تفقه قلوبهم ولا ينتفعون بما يتلون منه، ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم. قال: وقيل معناه: لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يتقبل. والحنجرة: (رأس) (١) الغلصمة حيث تراه بائنًا من خارج الحلق، والجمع: الحناجر. وقوله: ("يمرقون من الدين") وفي رواية: "من الإسلام" (٢) أي: يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ من الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق بالسهم من دمه شيء، وبهذا سميت طائفة الخوارج: المراق. و"الدين" هنا: الطاعة، يريد أنهم يخرجون من طاعة الأئمة كخروج السهم من الرمية. وهذا صفات الخوارج الذين لا يدينون الأئمة ويخرجون للناس يستعرضونهم بالسيف (٣). وقال الداودي: "لا يجاوز حناجرهم" يعني: أسفل الحلق، وهو المنحر، وليس في الصدر منه شيء، لا يعتبر معناه بقلبه إنما يتلوه بلسانه، والرمية: الصيد المرمي، فعيلة بمعنى مفعول. وقوله: ("يقتلون أهل الإسلام") كذلك فعلت الخوارج وهم على ذلك.

стр. 11478

وقوله: ("ويدعون أهل الأوثان") قيل لما خرج إليهم عبد الله بن خباب رسولاً من عند علي جعل يعظهم، فمر أحدهم بتمرة لمعاهد فوضعها في فيه، فقال له بعض أصحابه: تمرة معاهد استحللتها؟ قال لهم عبد الله بن خباب: أنا أدلكم على ما هو أعظم منها حرمةً، رجل مسلم، يعني: نفسه، فقتلوه، فأرسل إليهم علي أن (أقيدونا) به قالوا: وكيف (نقيدك) (١) به وكلنا قتله؟ فقاتلهم، فقتل أكثرهم. قيل: كانوا خمسة آلاف. وقيل: كانوا عشرة آلاف. ولما مات معاوية خرجوا فلم يزالوا على ذلك إلى أن قُتِل ابن الزبير، وأجمع الناس على عبد الملك، خرج إليهم المهلب بن أبي صفرة فشرَّد بهم وقتلهم، إلا أنهم كلما كانت فترة وثبوا إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز فخرجوا فأرسل إليهم عنبسة بن سعيد فقال لهم: كنتم تقاتلون الناس حتى يعملوا بعمل هذا الرجل، فلم خرجتم عليه؟ قالوا: لم يبرنا من عدونا. يعنون من ولي قبله. قال: وكيف يبركم؟ قالوا: لم يلعنهم. قال: فما عهدكم بلعن فرعون وهامان وقارون؟ قالوا: ما لنا بذلك من عهد. قال: أفتلومون من لم يلعن من هو على الإسلام وأنتم لا عهد لكم بلعن فرعون وهامان وقارون. فرجعوا. واختلف العلماء في تكفير الخوارج كما قال المازري، قال القرطبي: حكم بتكفيرهم جماعة من أئمتنا وتوقف في تكفيرهم كثير من العلماء (٢).

стр. 11479

فإن قلت: أليس قال: "لئن أنا أدركتهم" وكيف لم يدع خالدًا أن يقتله وقد أدركه؟ قيل: إنما أراد إدراك زمن خروجهم إذا كثروا وامتنعوا بالسلاح واعترضوا الناس بالسيف، ولم تكن هذِه المعاني مجتمعة إذ ذاك، فيوجد به الشرط الذي علق به الحكم، وإنما أقدر أن يكون ذلك في الزمان المستقبل وقد كان كما نبه عليه الخطابي (١). وقوله: ("قتل عاد") وفي رواية: "ثمود" (٢) يحتمل التعدد بحسب المجالس أو المجلس؛ إذ من شأنه التأكيد والتكرار، يريد: قتلهم قتلًا عامًا بحيث لا يبقى منهم أحد في وقت واحد كما فعل بهذين القبيلتين، حيث أهلك كل واحد منهم في وقت واحد. واستدل على كفرهم بهذا؛ لأن عادًا قُتلوا على الكفر. وسيأتي له مزيد إيضاح في قتل المرتدين إن شاء الله تعالى.

стр. 11480

٧ - باب قِصَّةِ يَأجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤] وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾ الآيات (سببًا): طريقًا ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] وَاحِدُهَا زُبْرَةٌ وَهْيَ: القِطَعُ ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [الكهف: ٩٦] يُقَالُ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: الجَبَلَيْنِ، وَالسُّدَّيْنِ: الجَبَلَيْنِ ﴿خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤]: أَجْرًا ﴿أُفْرِغْ﴾ [الكهف: ٩٦] أَصْبُّ. ﴿قِطْرًا﴾ رَصَاصًا، وَيُقَالُ: الحَدِيدُ. وَيُقَالُ: الصُّفْرُ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: النُّحَاسُ. ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧]: يَعْلُوهُ، اسْتَطَاعَ: اسْتَفْعَلَ مِنْ (أَطَعْتُ) (١) لَهُ، فَلِذَلِكَ فُتِحَ أَسْطَاعَ يَسْطِيعُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: اسْتَطَاعَ يَسْتَطِيعُ ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] أَلْزَقَهُ بِالأَرْضِ، وَنَاقَةٌ دَكَّاءُ لَا سَنَامَ لَهَا، وَالدَّكْدَاكُ مِنَ الأَرْضِ: مِثْلُهُ حَتَّى صَلُبَ أوَ تَلَبَّدَ. ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ [الأنبياء: ٩٦] قَالَ قَتَادَةُ ﴿حَدَبٍ﴾: أَكَمَةٍ. وقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : رَأَيْتُ السَّدَّ مِثْلَ البُرْدِ المُحَبَّرِ. فَقَالَ: "رَأَيْتَهُ". ٣٣٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ ﵅ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ

стр. 11481

الله، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِى تَلِيهَا. قَالَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخُبْثُ». [٣٥٩٨، ٥٢٩٣ (معلقًا)، ٧٠٥٩، ٧١٣٥ - مسلم: ٢٨٨٠ - فتح ٦/ ٣٨١] ٣٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَتَحَ الله مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذَا». وَعَقَدَ بِيَدِهِ تِسْعِينَ. [٧١٣٦ - مسلم: ٢٨٨١ - فتح ٦/ ٣٨٢] ٣٣٤٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ الله تَعَالَى: يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الوَاحِدُ؟ قَالَ: «أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلٌ، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ». ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ». فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: «أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ». فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: «أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ». فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلاَّ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ». [٤٧٤١، ٦٥٣٠، ٧٤٨٣ - مسلم: ٢٢٢ - فتح ٦/ ٣٨٢] الشرح: اختلف في ذي القرنين لم سمي بذلك؟ (١)

стр. 11482

فقال علي: لما دعا قومه ضربوه على قرنه الأيمن فمات ثم بعث ثم دعاهم فضربوه على الأيسر فمات ثم بعث، وفيكم مثله (١). نرى أنه عني نفسه وذلك أنه ضرب على رأسه يوم الخندق ثم ابن ملجم. وقيل: لأنه بلغ قطري الأرض المشرق والمغرب. وقيل: ملكهما. وقيل: لأنه ملك فارس والروم. وقيل: كان ذا ضفيرتين من شعر، والعرب تسمي الخصلة من الشعر قرنًا. وقيل: كان له ذؤابتان. وقال ابن وهب: كان له قرنان صغيران تواريهما العمامة (٢). وقيل: كان لتاجه قرنان. واختلف فيه هل كان عبدًا أو ملكًا أو نبيًا على أقوال: أحدها: وهو قول علي: كان عبدًا صالحًا أحب الله فأحبه ونصح الله فنصحه، ضرب على قرنه الأيمن، وذكر ما سلف، ذكره ابن مردويه من حديث عبيد الله بن موسى بن بسام الصيرفي عن أبي الطفيل قال: سأل ابن الكواء عليا. فذكره (٣)، وذكره أيضًا من حديث على مرفوعًا: "هو عبد ناصَحَ الله فنصحه" (٤).

стр. 11483

ثانيها: أنه ملك، روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "هو ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب" (١). ثالثها: أنه كان مَلَكًا. قاله عمر، وذلك أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين، فقال عمر: اللهم غفرًا، أما رضيتم أن تتسموا بالنبيين حتى أسميتوهم بالملائكة (٢). رابعها: أنه نبي، رواه جابر عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: كان نبيًا. وفي "صحيح الحاكم" من حديث أبي هريرة يرفعه: "ما أدري ذا القرنين كان نبيًا أم لا؟ " ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولا أعلم له علة (٣). وقد وقع الخُلف في نبوة الخضر ولقمان وعزير ومريم وأم موسى هل كانوا أنبياء أو عبادًا صالحين، ذكره ابن التين وغيره، ومن قال بنبوته احتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤]. وروى ابن مردويه من حديث سفيان، عن الفضل بن عطية، عن (عبد الرحمن) (٤) بن عبيد بن عمير أن ذا القرنين حج ماشيًا فسمع به إبراهيم الخليل فتلقاه. وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه": قيل لعلي: كيف بلغ ذو القرنين المشرق والمغرب؟

стр. 11484

قال: سخر له السحاب وبسط له النور ومد له الأسباب (١). واختلف في اسمه على قولين: أحدهما: عبد الله بن الضحاك بن معد رواه ابن مردويه من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. ثانيهما: الصعب بن ذي مراثد قاله عبد الملك بن هشام في "تيجانه" من حديث أبي إدريس عن وهب، عن ابن عباس أنه سئل: ممن كان ذو القرنين؟ فقال: من حمير، وهو الصعب بن ذي مراثد، وهو الذي مكن الله تعالى له، وآتاه من كل شيء سببًا، وبنى السد على يأجوج ومأجوج، قيل: فالإسكندر الرومي، قال: كان رجلاً صالحًا. وفي "المحبر" في ذكر ملوك الحيرة أنه الصعب بن قرين (٢). وفي "الوشاح" لابن دريد: (ابن) (٣) الهمال. فتحصلنا في أبيه على هذا القول على ثلاثة أقوال، وقال كعب الأحبار: الصحيح عندنا من علوم أحبارنا وأسلافنا أنه من حمير وأنه الصعيب بن ذي مراثد. والإسكندر رجل من بني ثوبان من ولد عيصو بن إسحاق، ورجاله أدركوا المسيح منهم: أرسطاطاليس ودانيال. وفي رواية وهب عن ابن عباس: أنشدني نافع بن الأزرق لأبي كرب أسعد فذكر بيت الله، وجده الصعب ذا القرنين: بيت له يوفي الحجيج نذورهم … و (يودعون) (٤) طوافه للموعد

стр. 11485

إلى أن قال: فلقد أذل الصعب صعب زمانه … وأناط عنوًا عزة بالفرقد وفي أبيات ذكرها وذكره أيضًا امرؤ القيس وقس بن ساعدة في شعرهما وسمياه الصعب، وذكره أيضًا الربيع بن ضبيع الفزاري المعمر في عدة أبيات له، وكذا طرفة بن العبد وأوس بن حجر السعدي. وفيه قول ثالث: أن اسمه مرزبان بن مردبه. ذكره ابن إسحاق، وقيل اسمه هرمس، وقيل هرديس، وقيل أفريدون بن أقفيان، وقيل قيصرة ذكره مقاتل في "تفسيره". وفي "غرر التبيان": اسمه الإسكندرنس، وهو من بني عيصو. وعند الطبري: الاسكندر وهو اسكندروس بن المقدس. وعند المسعودي: فيليش وكانت أمه زنجية أهديت لدارا الأكبر فوجد منها نكهة استثقلها فُولجت ببقلة يقال لها: أندروس فحملت منه بدارا الأصغر فلما وضعت ردها فتزوجها فيليش فحملت منه الإسكندر اشتق اسمه من تلك البقلة. قال ابن هشام: لما ولي الصعب ذو القرنين تحبر تحبرًا عظيمًا حتى أنه لم يكن في السابعة أشد تحبرًا منه، ولا أعظم سلطانًا، ولا أشد سطوة، وكان له عرش من ذهب مصمت، مرصع بالدر والياقوت، وكان عظيم الحجاب، فبينما هو ذات ليلة رأى رؤيا عظيمة وقومًا تخطفهم النيران، فسأل فقال: هؤلاء الجبارون ثم رأى الجنة وما أعد الله فيها لأوليائه. وقيل له: يا صعب اخلع عنك رداء الكبر وتواضع، فلما أصبح تواضع وبرز للناس وأمر بالعرش فهتك ونهب. ثم رأى في الليلة الثانية كأنه نصب له سلم إلى السماء فرقى إلى السماء ومعه سيف
следующие страницы →