← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 11481–11520 · переход к 11486.

стр. 11481

الله، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِى تَلِيهَا. قَالَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخُبْثُ». [٣٥٩٨، ٥٢٩٣ (معلقًا)، ٧٠٥٩، ٧١٣٥ - مسلم: ٢٨٨٠ - فتح ٦/ ٣٨١] ٣٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَتَحَ الله مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذَا». وَعَقَدَ بِيَدِهِ تِسْعِينَ. [٧١٣٦ - مسلم: ٢٨٨١ - فتح ٦/ ٣٨٢] ٣٣٤٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ الله تَعَالَى: يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الوَاحِدُ؟ قَالَ: «أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلٌ، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ». ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ». فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: «أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ». فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: «أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ». فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلاَّ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ». [٤٧٤١، ٦٥٣٠، ٧٤٨٣ - مسلم: ٢٢٢ - فتح ٦/ ٣٨٢] الشرح: اختلف في ذي القرنين لم سمي بذلك؟ (١)

стр. 11482

فقال علي: لما دعا قومه ضربوه على قرنه الأيمن فمات ثم بعث ثم دعاهم فضربوه على الأيسر فمات ثم بعث، وفيكم مثله (١). نرى أنه عني نفسه وذلك أنه ضرب على رأسه يوم الخندق ثم ابن ملجم. وقيل: لأنه بلغ قطري الأرض المشرق والمغرب. وقيل: ملكهما. وقيل: لأنه ملك فارس والروم. وقيل: كان ذا ضفيرتين من شعر، والعرب تسمي الخصلة من الشعر قرنًا. وقيل: كان له ذؤابتان. وقال ابن وهب: كان له قرنان صغيران تواريهما العمامة (٢). وقيل: كان لتاجه قرنان. واختلف فيه هل كان عبدًا أو ملكًا أو نبيًا على أقوال: أحدها: وهو قول علي: كان عبدًا صالحًا أحب الله فأحبه ونصح الله فنصحه، ضرب على قرنه الأيمن، وذكر ما سلف، ذكره ابن مردويه من حديث عبيد الله بن موسى بن بسام الصيرفي عن أبي الطفيل قال: سأل ابن الكواء عليا. فذكره (٣)، وذكره أيضًا من حديث على مرفوعًا: "هو عبد ناصَحَ الله فنصحه" (٤).

стр. 11483

ثانيها: أنه ملك، روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "هو ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب" (١). ثالثها: أنه كان مَلَكًا. قاله عمر، وذلك أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين، فقال عمر: اللهم غفرًا، أما رضيتم أن تتسموا بالنبيين حتى أسميتوهم بالملائكة (٢). رابعها: أنه نبي، رواه جابر عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: كان نبيًا. وفي "صحيح الحاكم" من حديث أبي هريرة يرفعه: "ما أدري ذا القرنين كان نبيًا أم لا؟ " ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولا أعلم له علة (٣). وقد وقع الخُلف في نبوة الخضر ولقمان وعزير ومريم وأم موسى هل كانوا أنبياء أو عبادًا صالحين، ذكره ابن التين وغيره، ومن قال بنبوته احتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤]. وروى ابن مردويه من حديث سفيان، عن الفضل بن عطية، عن (عبد الرحمن) (٤) بن عبيد بن عمير أن ذا القرنين حج ماشيًا فسمع به إبراهيم الخليل فتلقاه. وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه": قيل لعلي: كيف بلغ ذو القرنين المشرق والمغرب؟

стр. 11484

قال: سخر له السحاب وبسط له النور ومد له الأسباب (١). واختلف في اسمه على قولين: أحدهما: عبد الله بن الضحاك بن معد رواه ابن مردويه من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. ثانيهما: الصعب بن ذي مراثد قاله عبد الملك بن هشام في "تيجانه" من حديث أبي إدريس عن وهب، عن ابن عباس أنه سئل: ممن كان ذو القرنين؟ فقال: من حمير، وهو الصعب بن ذي مراثد، وهو الذي مكن الله تعالى له، وآتاه من كل شيء سببًا، وبنى السد على يأجوج ومأجوج، قيل: فالإسكندر الرومي، قال: كان رجلاً صالحًا. وفي "المحبر" في ذكر ملوك الحيرة أنه الصعب بن قرين (٢). وفي "الوشاح" لابن دريد: (ابن) (٣) الهمال. فتحصلنا في أبيه على هذا القول على ثلاثة أقوال، وقال كعب الأحبار: الصحيح عندنا من علوم أحبارنا وأسلافنا أنه من حمير وأنه الصعيب بن ذي مراثد. والإسكندر رجل من بني ثوبان من ولد عيصو بن إسحاق، ورجاله أدركوا المسيح منهم: أرسطاطاليس ودانيال. وفي رواية وهب عن ابن عباس: أنشدني نافع بن الأزرق لأبي كرب أسعد فذكر بيت الله، وجده الصعب ذا القرنين: بيت له يوفي الحجيج نذورهم … و (يودعون) (٤) طوافه للموعد

стр. 11485

إلى أن قال: فلقد أذل الصعب صعب زمانه … وأناط عنوًا عزة بالفرقد وفي أبيات ذكرها وذكره أيضًا امرؤ القيس وقس بن ساعدة في شعرهما وسمياه الصعب، وذكره أيضًا الربيع بن ضبيع الفزاري المعمر في عدة أبيات له، وكذا طرفة بن العبد وأوس بن حجر السعدي. وفيه قول ثالث: أن اسمه مرزبان بن مردبه. ذكره ابن إسحاق، وقيل اسمه هرمس، وقيل هرديس، وقيل أفريدون بن أقفيان، وقيل قيصرة ذكره مقاتل في "تفسيره". وفي "غرر التبيان": اسمه الإسكندرنس، وهو من بني عيصو. وعند الطبري: الاسكندر وهو اسكندروس بن المقدس. وعند المسعودي: فيليش وكانت أمه زنجية أهديت لدارا الأكبر فوجد منها نكهة استثقلها فُولجت ببقلة يقال لها: أندروس فحملت منه بدارا الأصغر فلما وضعت ردها فتزوجها فيليش فحملت منه الإسكندر اشتق اسمه من تلك البقلة. قال ابن هشام: لما ولي الصعب ذو القرنين تحبر تحبرًا عظيمًا حتى أنه لم يكن في السابعة أشد تحبرًا منه، ولا أعظم سلطانًا، ولا أشد سطوة، وكان له عرش من ذهب مصمت، مرصع بالدر والياقوت، وكان عظيم الحجاب، فبينما هو ذات ليلة رأى رؤيا عظيمة وقومًا تخطفهم النيران، فسأل فقال: هؤلاء الجبارون ثم رأى الجنة وما أعد الله فيها لأوليائه. وقيل له: يا صعب اخلع عنك رداء الكبر وتواضع، فلما أصبح تواضع وبرز للناس وأمر بالعرش فهتك ونهب. ثم رأى في الليلة الثانية كأنه نصب له سلم إلى السماء فرقى إلى السماء ومعه سيف

стр. 11486

صلت فعلقه بالثريا ثم أخذ القمر بيده اليسرى والشمس بيده اليمني ثم سار وتبعه الدراري والنجوم ونزل بهما إلى الأرض فلم يزل يمشي بهما والنجوم تتبعه. فلما كان في الليلة الثالثة: رأى كأنه جاع جوعًا شديدًا، فصارت له الأرض غذاءً، فأقبل عليها، يأكلها جبلًا جبلاً، وأرضًا أرضًا حتى أتى عليها كلها، ثم عطش عطشًا شديدًا، فأقبل على البحار، فشربها بحرًا بحرًا، حتى أتى على السبعة الأبحر، ثم أقبل على البحر المحيط يشربه، فلما أمعن فيه رأى طينًا وحمأة سوداء فلم يسغ له فتركه. ثم رأى في الليلة الرابعة كأن الإنس والجن أتوه من الأرض كلها، وكذلك البهائم والأنعام، وأقبلت الرياح فاستدارت فوقه، فأرسل أممًا من الجن والإنس مع ريح الصبا إلى المغرب، وأممًا منها مع الدثور إلى يمين الأرض، وأمر البهائم والأنعام فذهبت بهم الرياح في كل وجه، ثم أمر الهوام فذهبت في سبيل من مضى، فلما أصبح أرسل إلى أهل مشورته فقص عليهم ما رأى، فقالوا: أجمع العلماء بهذا الأمر فجمعهم، فقالوا: لم تدرك عقولنا هذِه الرؤيا فقال له شيخ منهم: ليس على وجه الأرض من يفسر (تأويل) (١) رؤياك إلا نبي ببيت المقدس، فأمر بالجنود فجمعت وجعل على مقدمته ألف ألف فارس، فلما انتهى إلى البيت الحرام طاف به حافيًا راجلاً، ثم سار إلى القدس يسأل عن النبي الذي وصف له، فلما رآه سأله عن اسمه فقال: الخضَر بن خضرون بن عموم بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق، فقال له الصعب: أيوحى إليك؟ قال: نعم يا ذا القرنين. فقال: وما هذا الذي دعوتني به؟ قال: أنت صاحب قرني الشمس.

стр. 11487

فكان أول من سماه بذلك وأخبره بمنامه فقال: تملك الأرض ومن عليها والبحر المحيط تبلغ به غاية، حتى يأتيك شيء لا تستطيعه فترجع، والإنس والجن تنقلهم من مكان إلى مكان، والأنعام والبهائم تسخرُ لك، والرياح كذلك تصرف ضرها عن أي بلد شئت، وتصرفها إلى أي بلد شئت، وتجاوز مغرب الشمس فانهض بأمر الله؛ فإنه يعينك. وسار معه الخضر فطاف الأرض كلها، وعمل السد، وعرضه خمسة آلاف ذراع، وطوله ألف ذراع، وبنى جسر أدونة إلى أرمينية مسيرة سبعة أشهر. وعن وهب: لما نزل الصعب حِنْوقراقر من أرض العراق مرض ثمانية أيام، فلما مات غاب الخضر فلم يظهر بعده إلا لموسى ورآه الأعشى وغيره. قال ابن هشام: فلما مات بعد تعميره ألفي سنة فيما ذكر قس بن ساعدة ولي مكانه ابنه أبرهة الوضاح. وكان سماه باسم إبراهيم الخليل. وهذِه فوائد متعلقة به: روى أبو العباس في "مقامات التنزيل" من حديث السدي، عن مجاهد، عن أبي مالك، عن ابن عباس، أن اليهود قالوا لرسول الله ﷺ : أخبرنا عن نبي لم يذكره الله في التوراة إلا في مكان واحد. قال: "ومن هو؟ " قالوا: ذو القرنين، الحديث. وفي "فضائل القدس" لأبي بكر الواسطي الخطيب: كان ذو القرنين أوسع أهل الأرض عدلاً، وكان آخر الملوك الخيرين، ومات ببيت المقدس.

стр. 11488

وزعم أهل العلم أنه بدومة الجندل، رجع إليها من القدس، ولم يكن له بالقدس كثير عمر، وكان عدد ما سار في البلاد منذ يوم بعثه الله إلى يوم قبض خمسمائة عام. وذكر حديثًا مرفوعًا من حديث إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه، عن جده: كان الفيلسوف من أهل الملك تزوج امرأة من غسان، وكانت على دين الروم، فولدت ذا القرنين فسماه أبوه الاسكندر، وإنما نسب إلى الروم؛ لأن أباه خلفه صغيرًا في حجر أمه يتيمًا، فلذلك جهل أبوه ونسبوه إلى أمه. وروي من طريق عقبة بن عامر الجهني بإسناد فيه جهالة: قال رسول الله ﷺ لطائفة جاءوه من اليهود: "جئتم تسألوني عن ذي القرنين، وكيف كان أول شأنه؟ وسأخبركم بما تجدونه في كتابكم: إنه كان غلامًا من الروم فأتى ساحلًا من سواحل مصر، فبنى بها مدينة تسمى الإسكندرية". وفيه: "وأتى السد، وهما جبلان زلقان، ينزل عنهما كل شيء، فبناهما .. " (١) الحديث. فصل: قوله: ﴿سَبَبًا﴾: طريقًا. وقال ابن عباس: علمًا يسير به في أقطار الأرض (٢). وقال مجاهد: منزلًا بين المشرق والمغرب (٣). وقوله: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: ذات حمأة. ومن قرأ (حامية) (٤)،

стр. 11489

فقيل: معناه مثله، وقيل: حارة، ويجوز أن تكون حارة وهي ذات حمأة. وتفسير ابن عباس الأول والثاني في النحاس ذكرهما جويبر عن الضحاك عنه. وأصل ﴿اسْطَاعُوا﴾: استطاعوا؛ فاجتمعت التاء والطاء وحقهما إدغام التاء في الطاء، إلا أنهم لو فعلوا ذلك لجمعوا بين الساكنين السين والتاء إذ لا سبيل إلى فتح سين الاستقبال. وقرأ حمزة: (﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾) (١) جمع بين الساكنين فرأوا أن حذف التاء أولى، ومن أجاز (أسطاع) بفتح الهمزة قال: هو أطاع وإنما عوضت السين في الحركة الساقطة من عينه. يريد: الواو. والزبر: القطع الكبار من الحديد. وقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ أي: ليس لهم بنيان ولا قمص قال الحسن: إذا طلعت الشمس نزلوا (الماء) (٢) حتى تغرب (٣). و ﴿السَّدَّيْنِ﴾ بالفتح والضم (٤) بمعنى، قاله الكسائي، وقال أبو عمرو وغيره: ما كان من صنع الله فبالضم، وما كان من صنع الآدمي فبالفتح، وقيل بالفتح ما رأيته، وبالضم ما استتر عن عينك (٥).

стр. 11490

وقوله: (﴿اسْتَطَاعُوا﴾ استفعل من طعت له، فلذلك فُتح) يريد فتح الفاء في مستقبله؛ لأنه لو قال كما قال بعض أهل اللغة: أسطاع بفتح الهمزة لكان مستقبله (يستطيع) (١) بضم الفاء. والحديث المعلق في رؤية السد أسنده ابن مردويه في "تفسيره" عن سليمان بن أحمد، ثنا أحمد بن محمد بن يحيى، ثنا أبو الجماهر، ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن رجلين، عن أبي بكرة الثقفي، أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد رأيته -يعني: السد- فقال: "كيف هو؟ " قال: كالبرد المحبر، قال: "قد رأيته". قال: وثنا قتادة أنه قال: طريقة حمراء من نحاس وطريقة سوداء من حديد. وقال نعيم بن حماد في "كتاب الفتن": حدثنا مسلمة بن علي، ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة: قال رجل: يا رسول الله قد رأيت الردم وإن الناس يكذبونني فقال: "كيف رأيته"؟ قال: رأيته كالبرد المحبر. قال: "صدقت والذي نفسي بيده لقد رأيته ليلة الإسراء لبنة من ذهب ولبنة من رصاص" (٢). وقوله: (كالبرد المحبر) أي: حسن الصنعة فيه رقم. وقال الحوفي في "تفسيره": بُعد ما بين الجبلين مائة فرسخ، فلما أخذ ذو القرنين في عمله حفر له أُسَّا، حتى بلغ الماء، وجعل عرضه خمسين فرسخًا، وجعل حشوه الصخور، وطينة النحاس المذاب، فبقي كأنه عرق من جبل تحت الأرض، ثم علاه وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلاله عرقًا من نحاس، فصار كأنه برد محبر. ومعنى (﴿حَدَبٍ﴾: أكمة) أي: موضع مرتفع.

стр. 11491

فصل: ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ ابنةَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ زينَبَ بنت جَحْشٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: "لَا إله إِلَّا اللهُ، وَيْل لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هذِه". وَحَلَّقَ بِإِصْبَعيِهِ الإِبْهَام وَالَّتِي تَلِيهَا. قَالَتْ زْينَبُ بنت جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفنهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخُبْتُ" .. وهذا الحديث يأتي في علامات النبوة وفي الفتن. وأخرجه مسلم من حديث ابن عيينة عن الزهري به ولكنه قال: عن زينب، عن حبيبة بنت أم حبيبة، عن أمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش. بزيادة حبيبة بنت أم حبيبة، قال الحميدي عن سفيان: حفظت من الزهري في هذا الإسناد أربع نسوة (١). قال الترمذي: جوده سفيان (٢). قال الدارقطني: وكذا رواه عن سفيان جماعة، فعدده أحد عشر. قال: وأما مسدد وسعيد بن نصر وعمرو فأسقطوا حبيبة في روايتهم عن سفيان، قال: وأظنه ربما أسقطها وربما ذكرها، يعني: ابن عيينة. وأما الجراح بن منهال، فإنه رواه عن الزهري، عن عروة، عن زينب .. الحديث. وروى ابن مردويه من حديث يزيد بن الأصم، عن ميمونة، عن زينب

стр. 11492

بنت جحش قالت: قام رسول الله ﷺ ليلة من نومه فزعًا فقال: "ويل للعرب من شر قد اقترب -ثلاث مرار- فرج الليلة من ردم يأجوج ومأجوج فرجة" قال: قلت يا رسول الله أيعذبنا وفينا الصالحون؟! قال: "نعم إذا ظهر الخبث". وروى نعيم بن حماد في كتابه، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت جحش، وفيه: وعقد ثنتي عشرة (١). الحديث الثاني: حديث ابن طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ "فَتَحَ اللهُ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هذا". وَعَقَدَ بِيَدهِ تِسْعِينَ. وهذا الحديث أخرجه مسلم من حديث سفيان عن ابن شهاب، قال: وعقد سفيان عشرة (٢). وفيه أيضًا أن وهيبًا عقد تسعين (٣) ويأتي في "الفتن". قال عياض: لعل حديث أبي هريرة متقدم فزاد قدر الفتح بعده أو يكون المراد تقريب التمثيل لا حقيقة التحديد (٤). قال ابن العربي: وهذا يدل على أن السد منذ بني لم يفتح منه شيء إلى يوم إخباره بمثل ثقب عشرة من العدد، وفقهه: أنه لم يقصد به العدد فيعارض قوله: "إنا أمة أمية". وإنما جاء لبيان صورة خاصة معينة (٥). وهذِه الإشارة مدرجة ليست من قوله ﵇، وإنما ذكر إشارة عبر

стр. 11493

عنها الراوي الذي لم يشاهد تلك الإشارة. الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرى النَّاسَ سُكَارى، وَمَا هُمْ بِسُكَارى، ولكن عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الوَاحِدُ؟ قَالَ: "أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلاً، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا". ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ". فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: "مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ (أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ) (١) أَسْوَدَ". هذا الحديث يأتي في تفسير سورة الحج، وقوله في الحديث الأول (حلق بالإبهام والتي تليها). وفي الثاني: (وعقد بيده تسعين) وليس عقد التسعين في الحساب مثل التحليق كما نبه عليه ابن التين. ومعنى (دخل عليها فزعًا) خشي أن يدركه وقتهم لما فيه من الهرج والهلاك للدين. وقوله: ("ويل للعرب من شر قد اقترب"). يحتمل أن يريد ما وقعوا فيه من قتل عثمان. وقيل: أراد يأجوج ومأجوج، وذلك أنهم يحفرون في كل يوم، حتى لا يبقى بينهم وبين أن يخرقوا النقب إلا يسيرًا فيقولون: غدًا نأتي فنفرغ منه فيأتون بعد الصباح فيجدونه عاد كهيئته

стр. 11494

فإذا جاء الوقت قالوا عند المساء غدًا إن شاء الله نأتي فنفرغ منه فينقبونه ويخرجون. أخرجه ابن مردويه في "تفسيره" من حديث أبي هريرة (١) وحذيفة. وفي "تفسير مقاتل": "يغدون إليه في كل يوم فيعالجونه، حتى يولد فيهم رجل مسلم، فإذا غدوا عليه قال لهم المسلم: قولوا بسم الله فيفاتحوه حتى يتركوه رقيقًا كقشر البيض، ويرى ضوء الشمس، فيقول المسلم: قولوا بسم الله غدًا نرجع إن شاء الله فنفتحه" .. الحديث. ففي هذا ثلاث آيات: منعهم موالات الحفر ليلاً ونهارًا، وأن يحاولوا الرقي عليه بآلة، أو سلم، ولا ألهمهم ذلك ولا علمهم إياه، وصدهم عن قول: إن شاء الله، فإذا خرجوا فيشرب أولهم دجلة والفرات، حتى يمر أحدهم فيقول: قد كان ههنا مرة ماءً، وينادي بهم أهل الأرض، ويدعو عليهم عيسى فيهلكون. وقيل أول زمرة منهم تأتي على بحيرة طبرية فتشرب ماءها، ثم تأتي أخرى فتلحس حمأها، ثم تأتي الأخرى فتقول: قد كان يقال أن ههنا ماء، ثم يموتون، وقيل: إنه لا يموت أحدهم حتى يولد له ألف ولد، وقيل: إنهم نحاف الأجسام يحمل العجيف منهم تسعة منهم فلا (ينقلونه) (٢)؛ وقيل إنهم عظام الأجسام. وقولها: (أنهلك وفينا الصالحون) موتهم بآجالهم لا بذنوبهم. كما نبه عليه أبو الفرج، قال ابن العربي: ويحشر كل واحد على نيته (٣).

стр. 11495

و (الخَبث) بفتح الخاء والباء فُسِرَ بالفجور والفسوق. وقيل: الربا خاصة. وقيل: أولاد الزنا ومطلق المعاصي. قال القرطبي: ويروى الخَبْث بسكون الباء، وهو مصدر (١). وقول آدم ("لبيك") على ما تقدم في تلبية الحاج. و ("سعديك"): أي: السعادة بيدك. وقوله: ("والخير في يديك") أي: ليس لأحد معك فيه شرك. وقوله: ("أخرج بعث النار") أي: حزبه، وهو إخبار أن ذلك العدد من ولده يصيرون إلى النار. وقوله: ("ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء")، يعني: هذِه الأمة. وفي حديث آخر: ("كالرقمة في جلد ثور") (٢). إما أن يكون أحدهما وهمًا، أو تكون هذِه الأمة كالشعرة، أو بين سائر المسلمين من الأمم السالفة كالرقمة، قاله ابن التين. وسيأتي أن هذِه الأمة ثلثا أهل الجنة وأكثر فتأمل ذلك، وتكثيرهم للسرور بما ذكره لهم، وإنما ذكر الربع أولاً ثم النصف؛ لأنه أوقع في النفس وأبلغ في الإكرام، فإن تكرار الإعطاء والتدريج دال على الملاحظة والاعتناء، ويجوز أن يكون أخبر أولاً بالربع ثم بالنصف ثم بأكثر وقوله: ("من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين") هو من العدد الذي تسامح فيه العرب عادة.

стр. 11496

ذكر يأجوج ومأجوج يأجوج رجل ومأجوج كذلك ابنا يافث بن نوح، كما ذكره عياض مشتقان من تأجج النار، وهي حرارتها، سموا بذلك لكثرتهم وشدتهم. وهذا على قراءة من همز. وقيل: من الأجاج: وهو الماء الشديد الملوحة. وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين. وفي "المنتهى": من همزهما جعل وزن يأجوج يفعولًا من تأجج النار أو الظليم أو غيره، ومأجوج مفعولاً، ومن لم يهمزهما جعلهما أعجميين، قال الأخفش: من همزهما جعل الهمزة أصلية ومن لا يهمز جعل الألفين زائدتين يجعل يأجوج فاعولًا من يججت، ومأجوج فاعولًا من مججت الشيء في فمي، والأول أشبه بالواجب، لاختلاف أصواتهم فشبهوا تأجيج النار وهما غير منصرفين؛ لأنهما اسمان لقبيلتين. وفي كتاب "الفتن": أنا نعيم، عن كعب أن التنين إذا أذى هل الأرض نقله الله إلى يأجوج ومأجوج فجعله رزقًا لهم يجتزرونها كما تجتزرون الإبل والبقر (١). قال نعيم: وحدثنا يحيى بن سعيد، حدثني سليمان بن عيسى قال: بلغني أنهم عشرون أمة: يأجوج ومأجوج وتأجيج وأجيج والغيلانيين والقشبين والقرانين والقوطين وهو الذي يلتحف أذنه والزرشتين والكنعانين والدفرانين والخاخونين والأنطارنين واليغاسنين وهم رؤوس الكلاب (٢). قلت: وما يحكى من أن آدم احتلم فاختلط ماؤه بالتراب فخلقوا من

стр. 11497

ذلك فلا أصل له، فالأشهر امتناع الاحتلام عليهم (١). وروى ابن مردويه في "تفسيره" عن أحمد بن كامل، ثنا محمد بن سعيد العوفي، ثنا أبي، ثنا عمي، ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، عن أبي سعيد الخدري، قال نبي الله ﷺ وذكر يأجوج ومأجوج: "لا يموت رجل منهم حتى يولد لصلبه ألف رجل". ومن حديث محمد بن مرثد: ثنا مجالد، عن أبي الوضيء، عن أبي سعيد مرفوعًا: "يخرج يأجوج ومأجوج فيقتلون الناس ويهلكونهم، إلا بقية يلحقون بالجبال، ثم يبعث الله عليهم النغف (٢) فيخرج في كواهلهم فيموتون أجمعون، وتأكل مواشي الناس جيفهم، كما تأكل الحشيش أو الخضر". وبإسناده الجيد عن حذيفة مرفوعًا: "يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه، كلهم قد حملوا السلاح". قلت: يا رسول الله صفهم لنا قال: "هم ثلاثة أصناف، لا يمرون على فيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير ولا إنسان إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم، تكون مقدمتهم بالشام، وساقتهم موضع كذا وكذا -يعني: المشرق- فيشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية". ومن حديث مقاتل بن حيان، عن عكرمة مرفوعًا: "بعثني الله ليلة أسري بي إلى يأجوج ومأجوج، فدعوتهم إلى دين الله فأبوا أن يجيبوا،

стр. 11498

فهم في النار، مع من عصى من ولد آدم وولد إبليس" (١) (٢). ومن حديث النعمان بن سالم، عن ابن عمر. وابن أوس، عن جده مرفوعًا: "إن يأجوج ومأجوج لهم نساء، يجامعون ما شاءوا، وشجر يلقحون ما شاءوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدا". وعن عبد الله بن عمرو بإسناد جيد: "الإنس عشرة أجزاء: تسعة أجزاء يأجوج ومأجوج، وسائر الناس جزء واحد" (٣). وروى نعيم بن حماد في كتاب "الفتن"، عن ابن وهب، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج حين يخرجون يمر أولهم ببحيرة طبرية فيشربونها، ثم يأتي آخرهم عليها، فيقولون: كأنه كان هنا ماء" (٤). وعن ابن عباس فيما ذكره ابن بطال: الأرض ستة أجزاء خمسة أجزاء يأجوج ومأجوج وجزء لسائر الخلق (٥). وحكاه علي بن معبد، عن الأوزاعي، عن ابن عباس. وقال ابن هشام في "تيجانه": في كلام الخضر مع ذي القرنين:

стр. 11499

وستلقى قومًا يرون أن أهل الأرض عبيد لهم، وأنهم شركاء الله في خلقه، وهم يأجوج ومأجوج، يقال لهم: الأحرار، وهم سود الوجوه، زرق العيون، طوال الوجوه والآنف، وجوههم كالخنازير، يختفون بالنهار من حر الشمس، ويظهرون في الليل. فدعاهم ذو القرنين إلى الله فآمنوا، ثم لجج في أرضهم فأنابت منهم أمة يقال لهم: بنو عجلان بن يافث إلى الله فتركهم في جزيرة أرمينية إلى ناحية جابرص فسموا الترك؛ لأن ذا القرنين تركهم، ثم بلغ جزائر الأرض الزوراء التي تزاور عنها الشمس، فوجد عندها قومًا، صغار الأعين، صغار الوجوه، مسفرة وجوههم كوجوه القرود، ولا يظهرون في النهار. وعن معاذ وواثلة بن الأسقع مرفوعًا، فيما رواه الضحاك: "يأجوج ومأجوج ثلاثة أصناف: صنف كالنخل طولاً، وصنف طول كل واحد منهم أربعة أذرع في عرض أربعة أذرع، يفترش إحدى أذنيه ويتجلل بالأخرى، وصنف في غاية القصر، لهم أرزاق غير أرزاقكم، ومعايش غير معايشكم، بمنزلة البهائم يتسافدون فيما بينهم خلق لا حاجة لله فيهم". وروى ابن أبي شيبة عن عمرو بن العاص: منهم من طوله شبر، ومنهم من طوله شبران وثلاثة. وعن (حسان بن عطية) (١): هم أمتان، في كل أمة أربعمائة ألف أمة، ليس منها أمة تشبه الأخرى (٢). وعند القرطبي مرفوعًا: "يأجوج أمة لها أربعمائة أمير، وكذلك مأجوج، صنف منهم طوله مائة وعشرون ذراعًا".

стр. 11500

قال: ويروى أنهم يأكلون جميع حشرات الأرض من الحيات والعقارب، وكل ذي روح من الطير وغيره، وليس لله خلق ينمي نماءهم في العام الواحد، يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الكلاب، ومنهم من له قرن وذنب وأنياب بارزة، يأكلون اللحوم نيئة (١). وقال ابن عبد البر في كتاب "القصد والأمم": هم أمة لا يقدر أحد على استقصاء ذكرهم؛ لكثرتهم. ومقدار الربع العامر من الأرض مائة وعشرون سنة، وأن تسعين منها ليأجوج ومأجوج، وهم أربعون أمة مختلفو الخلق والقدود، في كل أمة ملك ولغة، ومنهم من مشيه وثب، وبعضهم يغير على بعض، ومنهم من لا يتكلم إلا تمتمة، ومنهم مشوهون، وفيهم شدة وبأس وأكثر طعامهم الصيد، وربما أكل بعضهم بعضًا. وذكر الباجي عن عبد الرحمن بن ثابت قال: الأرض خمسمائة عام منها ثلاثمائة بحور ومائة وتسعون ليأجوج ومأجوج وسبع للحبشة، وثلاث لسائر الناس. (فصل) (٢): خروج يأجوج ومأجوج بعد خروج عيسى، جاء ذلك في حديث موثر بن عفارة (٣) عن ابن مسعود قال: لما كان ليلة أسري برسول الله ﷺ لقي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا أمر الساعة، فردوا الساعة إلى عيسى، فذكر خروج الدجال قال: فأهبط فأقتله ويرجع الناس

стр. 11501

إلى بلادهم، فيستقبلهم يأجوج ومأجوج فيجأر إلى الناس، فأدعو الله فيرسل السماء فتلقي أجسامهم في البحر. رواه الحاكم وصحح إسناده (١). وروى أبو محمد الهيثم بن خلف الدوري في كتابه "ذم اللواط" عن وهب بن منبه أنه سئل عن قوله فيهم ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤] ما كان ذلك الفساد؟ قال: كانوا يلاوطون الناس. قال: ورأى ابن عباس صبيانًا ينزو بعضهم على بعض يلعبون، فقال: هكذا تخرج يأجوج ومأجوج. فصل: سلف من حديث أبي سعيد: ("من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين")، وفي حديث أبي هريرة: "من كل مائة تسعة وتسعين" (٢)، وفي الترمذي مثله عن عمران وصححه، وعن أنس كذلك رواه ابن حبان في "صحيحه" (٣)، وقال الحاكم فيهما: صحيحا الإسناد (٤)، وأكثر أئمة البصرة على أن الحسن سمع من عمران. وعن أبي موسى نحوه، رواه ابن مردويه من حديث الأشعث، عن الحسن عنه، وعن جابر نحوه رواه أبو العباس في "مقامات التنزيل". وفي حديث عمران: "إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" ثم قال: "أرجو أن تكونوا أكثر أهل الجنة".

стр. 11502

فصل: في حديث عبد الله بن عمرو: "أخرجوا بعث النار" (١). خلاف ما في حديث أبي سعيد في الكتاب "يقول الله: يا آدم أخرج بعث النار". يحتمل أن آدم لما أمر أولاً بالإخراج أمر هو الملائكة أن يخرجوا ويميزوا أهل الجنة من النار. وروى ابن مردويه من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄: بينما رسول الله ﷺ في مسيره في غزوة بني المصطلق إذ نزل عليه ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ [الحج: ١] فوقف على دابته ورفع بها صوته وقال: "أتعلمون أي يوم ذاك؟ " قالوا الله ورسوله أعلم، قال "ذاك يوم يقول الله: يا آدم قم فأبعث بعث النار .. " الحديث. وفيه: "إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة" (٢). ومن حديث هلال بن خباب، عن عكرمة عنه بلفظ: "هل ترون أي يوم ذاك (يوم) (٣) يقول الله لآدم .. " الحديث، وفيه: "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، إنما أنتم في الناس أو الأمم كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإنما أمتي جزء من ألف جزء من سائر الناس" (٤). ولما ذكره الطبري في "تهذيبه" قال: قد يجب أن يكون هذا على مذهب الآخرين سقيمًا غير صحيح لعلتين:

стр. 11503

إحداهما: أنه خبر لا يعرف له مخرج عن عكرمة إلا من هذا الوجه. الثانية: أنه من نقل عكرمة، وفي نقل عكرمة عندهم نظر يجب التثبت فيه (١). وعند الطبري من حديث الحسن: لما قفل النبي ﷺ من غزوة العسرة قرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ .. الحديث. وفيه: "لم يكن رسولان إلا بينهما فترة من الجاهلية فهم أهل النار وإنكم بين ظهراني خليقتين لا يعادّهما أحد من أهل الأرض إلا كثروهم يأجوج ومأجوج، وهم أهل النار وتكمل العدة من المنافقين" (٢). فصل: روى الترمذي وقال: حسن من حديث بريدة، وابن أبي شيبة من حديث ابن مسعود رفعاه: "أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومائة صف أنتم منهم ثمانون صفًا" (٣). وفي "عيون الأخبار" للقتبي: عن النبي ﷺ أنه قال: "تكون الخلائق يوم القيامة عشرون ومائة صف طول كل صف مسيرة أربعين ألف سنة، وعرض كل صف (٤) ألف سنة" قيل: يا رسول الله، كم المؤمنون؟ قال: "ثلاثة صفوف والمشركون مائة وسبعة عشر صفًا". قال القرطبي: هذا غريب جدًا مخالف لصفوف المؤمنين الواردة في الأحاديث (٥).

стр. 11504

قلت: قد يحمل هذا على حالة الموقف، والأول على حالة الانفصال ودخول الجنة. فصل: اختلف العلماء في وقت كون الزلزلة، كما قاله الطبري، فقال عطاء وعامر وعلقمة: هي كائنة في الدنيا قبل القيامة، وروي مرفوعًا نحوه بإسناد فيه نظر، ثم ساقه من حديث أبي هريرة وفيه مجهولان، قال: والصواب في ذلك ما صح عن رسول الله ﷺ ، فذكر حديث أبي سعيد وأشباهه (١). وحكى الخلاف أيضًا الزجاج فقال: قيل هذِه الزلزلة في الدنيا وأنه يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها، وقيل: إنها الزلزلة التي تكون معها الساعة. فصل: ذكر البخاري في كتاب التفسير: وقال جرير وعيسى بن يونس وأبو معاوية يعني عن الأعمش: ﴿سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] (٢) وتعليق أبي معاوية وجرير أخرجهما ابن مردويه من حديثهما، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد به. ورواية المسيب بن شريك والنخعي عن الأعمش: (سَكْرى وَمَا هُمْ بِسَكْرى). قال الأعمش: وهي قراءتنا، وبها قرأ حمزة والكسائي (٣).

стр. 11505

وأخرج الطبري رواية أبي معاوية، عن الأعمش (١)، وكذا تعليق عيسى بن يونس، عن الأعمش أخرجه أيضًا (٢)، وقال الفراء: أجمعت القراء على: ﴿سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾، وقرأ ابن مسعود: (سكرى وما هم بسكرى) وهو وجه جيد في العربية؛ لأنه بمنزلة الهلكى والجرحى، وليس هو بمذهب النشوان والنشاوى، فاختير سكرى بطرح الألف من هول ذلك اليوم وفزعه، كما قيل موتى، ولو قيل: سكرى على أن الجمع يقع عليه التأنيث فيكون كالواحدة كان وجهًا كما قال: الأسماء الحسنى. وقد ذكر أن بعض القراء قرأ: (ويُرى الناس) وهو وجه جيد (٣). وعند الزجاج: (تذهل) ويجوز: تُذهل. ووجه لم يقرأ به: (ويرى الناس سكرى) المعنى: يرى الإنسان الناس، وتقرأ: (ويرى الناس سكرى وما هم بسكارى). ويجوز: (وَيَرى النَّاسَ سُكَارى وَمَا هُمْ بِسُكَارى) والقراءة الكثيرة: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ قال ثعلب: امرأة حامل إذا أردت حُبلى، فإذا أردت أنها تحمل شيئًا ظاهرًا قلت: حاملة، وحمل النخلة والشجرة يفتح ويكسر (٤)، فإن قلت: فهل تبقى حامل يوم القيامة؟ قلت: لو حضرت حامل يومئذٍ

стр. 11506

لوضعت ولو حضر مولود يعقل أهوال يوم القيامة لشاب قال تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] نبه عليه ابن الجوزي.

стр. 11507

٨ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ: الرَّحِيمُ بِلِسَانِ الحَبَشَةِ. ٣٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً -ثُمَّ قَرَأَ - ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: أَصْحَابِي أَصْحَابِي. فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ " [المائدة: ١١٧ - ١١٨]. [٣٤٤٧، ٤٦٢٥، ٤٦٢٦، ٤٧٤٠، ٦٥٢٤، ٦٥٢٥، ٦٥٢٦ - مسلم: ٢٨٦٠ - فتح ٦/ ٣٨٦] ٣٣٥٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَخِي عَبْدُ الحَمِيدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْىٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ الله تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ». [٤٧٦٨، ٤٧٦١ - فتح ٦/ ٣٨٧] ٣٣٥١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:

стр. 11508

دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ فَوَجَدَ فِيهِ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَصُورَةَ مَرْيَمَ فَقَالَ: «أَمَا لَهُمْ، فَقَدْ سَمِعُوا أَنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، هَذَا إِبْرَاهِيمُ مُصَوَّرٌ فَمَا لَهُ يَسْتَقْسِمُ». [انظر: ٣٩٨ - فتح ٦/ ٣٨٧] ٣٣٥٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي البَيْتِ لَمْ يَدْخُلْ، حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ بِأَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ فَقَالَ: «قَاتَلَهُمُ الله، وَاللهِ إِنِ اسْتَقْسَمَا بِالأَزْلَامِ قَطُّ». [انظر: ٣٩٨ - فتح ٦/ ٣٨٧] ٣٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: «أَتْقَاهُمْ». فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: «فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ خَلِيلِ اللهِ». قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: «فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأَلُونَ؟ خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا». قَالَ أَبُو أُسَامَةَ وَمُعْتَمِرٌ: عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [٣٣٨٣،٣٣٧٤، ٣٤٩٠، ٤٦٨٩ - مسلم: ٢٣٧٨ - فتح ٦/ ٣٨٧] ٣٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا سَمُرَةُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ طَوِيلٍ، لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولاً، وَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ». [انظر: ٨٤٥ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح ٦/ ٣٨٧] ٣٣٥٥ - حَدَّثَنِي بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ وَذَكَرُوا لَهُ الدَّجَّالَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ أَوْ ك ف ر. قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ: «أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى فَجَعْدٌ آدَمُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ انْحَدَرَ فِي الوَادِي». [انظر: ١٥٥٥ - فتح ٦/ ٣٨٨]

стр. 11509

٣٣٥٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَهْوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُّومِ». [٦٢٩٨ - مسلم: ٢٣٧٠ - فتح ٦/ ٣٨٨] حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ «بِالْقَدُومِ». مُخَفَّفَةً. تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ. تَابَعَهُ عَجْلَانُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. ٣٣٥٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ الرُّعَيْنِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلاَّ ثَلَاثًا». [انظر: ٢٢١٧ - مسلم: ٢٣٧١ - فتح ٦/ ٣٨٨] ٣٣٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلاَّ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللهِ : قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣] وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلاً مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا. فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ، لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي فَلَا تُكَذِّبِينِي. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ، فَأُخِذَ فَقَالَ: ادْعِي اللهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ. فَدَعَتِ اللهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ، فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ فَقَالَ: ادْعِي اللهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ. فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ. فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ. فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ فَأَتَتْهُ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا؟ قَالَتْ: رَدَّ الله كَيْدَ الكَافِرِ -أَوِ الْفَاجِرِ- فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ. [انظر: ٢٢١٧ - مسلم: ٢٣٧١ - فتح ٦/ ٣٨٨] ٣٣٥٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى -أَوِ ابْنُ سَلَامٍ عَنْهُ- أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ ﵂ أَنَّ رَسُولَ

стр. 11510

اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الوَزَغِ وَقَالَ: «كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇». [انظر: ٣٣٠٧ - مسلم: ٢٢٣٧ - فتح ٦/ ٣٨٩] ٣٣٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] بِشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لاِبْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ " [لقمان: ١٣]. [انظر: ٣٢ - مسلم: ١٢٤ - فتح ٦/ ٣٨٩] (وقال أبو ميسرة: الرحيم بلسان الحبشة). وهذا رواه ابن المنذر من حديث إبراهيم بن سعد عنه، يعني: الأواه، وقيل: الأواه: الدعّاء، وقيل: هو الكثير التأوه، أي: التوجع شفقًا وفرقا. وقيل: هو البكاء. وقيل: هو الموقن قاله ابن عباس (١). وقال (ابن) (٢) مجاهد: هو الفقيه (٣). وقال كعب: كان إذا ذكر البأس تأوه (٤). وحكى ابن فارس عن

стр. 11511

قومٍ: أنه المؤمن بلغة الحبشة (١). وقوله: (﴿كَانَ أُمَّةً﴾) قال ابن مسعود: هو الذي يعلم الناس الخير (٢). وقال مجاهد: كان مؤمنًا وحده والناس كلهم كفار (٣). ويقوي هذا حديث: "كان زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده" (٤). والقانت: المطيع، قاله ابن مسعود (٥)، والحنيف: المسلم وقيل: المختون والناسك، وسمي إبراهيم حنيفًا؛ لأنه حنف عما كان يعبد أبوه وقومه، أي: مال عنه إلى الإسلام. وأصل الحنف ميل من إبهام القدمين كل واحدة على صاحبتها. وقال ابن فارس: ويقال هو الذي يمشي على ظهور قدميه (٦). وقال الداودي، هو المعوج الساقين.

стр. 11512

فائدة: أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني الوادعي الكوفي، سمع ابن مسعود، وعنه أبو وائل شقيق بن سلمة، مات قبل أبي جحيفة في ولاية عبيد الله بن زياد، وقد أسلفنا الكلام على إبراهيم ﷺ في أول كتاب الصلاة. قال محمد بن أسعد الجواني: روي عن ابن عباس وعن علماء الإسلام وأهل الكتاب أن النسب فيما بين آدم وإسماعيل صحيح -على ما سنورده -وهو: إبراهيم بن تارح -وهو آزر- بن ناحور بن ساروغ بن راغو بن فالغ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن برد بن مهليل بن قتين بن يانش بن شيث بن آدم. قال: لا خلاف في هذا بينهم، ولا خلاف إلا في أسماء الآباء؛ لأجل ثقل الألسنة، وإنما الخلاف فيما بين إسماعيل وعدنان. قلت: فيما ذكره نظر، قال ابن حبان في "سيره": اختلفوا فيما فوق إبراهيم، فمنهم من قال: آزر بن الناحر بن سارع بن الراح بن القاسم -الذي قسم الأرض- بن بعبر بن السائخ بن الرافد بن البالخ -وهو سام- ومنهم من قال: آزر بن صاروخ بن أرغو بن فالخ بن أرفخشذ، ومنهم من ذكر شيخا بين عيبر وأرفخشد، ثم اختلفوا فيما تقدم نوح: فمنهم من قال: نوح بن ملكان بن متوشلخ بن إدريس بن الرافد بن مهليل بن قينان بن الطاهر بن شيث، ومنهم من قال: نوح بن لامك بن متوشلح بن خنوخ (١).

стр. 11513

فائدة: قال ابن الجواليقي: هو إبراهيم إبراهِم إبراهَم وإبراهام. وقال الزجاج في "تفسيره": أب راحم لرحمته الأطفال، وكذلك جعل هو وسارة كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون إلى يوم القيامة. وسيأتي في الحديث الثاني من الباب عن ابن دريد ما يتعلق بذلك. ثم ذكر البخاري في الباب اثني عشر حديثًا: أولها: حديث عن ابن عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا .. " الحديث. وفيه: "وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ". هذا الحديث ذكره البخاري في مواضع أخر في أحاديث الأنبياء في باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]. وفي التفسير في آخر المائدة، وفي آخر الأنبياء، وفي الرقاق. وفي بعض المواضع وقال "مشاة" وفيه قال سفيان: هذا مما نعد أن ابن عباس سمعه من رسول الله ﷺ (١)، زاد البيهقي في "بعثه" وصححه الترمذي، فقالت زوجة ابن عباس: أينظر بعضنا إلى عورة بعض؟ فقال: يا فلانة، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس: ٣٧] (٢). وللبخاري أيضًا عن عائشة: "تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلًا" فقلت: يا رسول الله، الرجال مع النساء؟ فقال: "يا عائشة الأمر يومئذ أشد من ذلك" (٣).

стр. 11514

وللبيهقي عن سودة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله ﷺ : "يبعث الناس حفاة عراة غرلًا قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان". قلت: يا رسول الله: واسوأتاه، ينظر بعضنا إلى بعض قال: "شغل الناس عن ذلك". وللترمذي من حديث معاوية بن حيدة: "تحشرون ركبانًا وتحشرون على وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفدام" (١). ولأبي داود من حديث أبي سعيد وصححه ابن حبان أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها" (٢). وجمع البيهقي بينهما بأنهم يكونون -أو بعضهم- عراة إلى موقف الحساب أو قبله، ثم يكسى إبراهيم ثم الأنبياء ثم الأولياء، فيكسون كسوة، كل إنسان من جنس ما يموت فيه حتى إذا دخلوا الجنة ألبسوا من ثيابها، ويبعثون من قبورهم في ثيابهم التي يموتون فيها ثم عند الحشر تتناثر عنهم ثيابهم فيحشرون -أو بعضهم- إلى موقف الحساب عراة، ثم يكسون من ثياب الجنة. وحمله بعض أهل العلم على العمل أي: في أعماله التي يموت فيها من خير أو شر قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] وقال: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] يقول: عملك أخلصه. قال: وفي مسلم عن جابر مرفوعًا: "يبعث كل عبد على ما مات

стр. 11515

عليه" (١). قال: وروينا عن فضالة بن عبيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من مات على مرتبة من هذِه المراتب بعث عليها يوم القيامة" (٢). قال: وهذان الخبران يؤكدان قول من حمل الخبر الأول على العمل. وقال ابن عبد البر: يحشر العبد غرًّا وله من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قطع منه عضو يرد في القيامة، حتى الختان. وقد احتج بحديث أبي سعيد من قال: إن الموتى يبعثون على هيئاتهم وحمله الأكثر من العلماء على الشهيد الذي أمر أن يزمل في ثيابه ويدفن بها ولا يغير شيء من حاله بدليل حديث ابن عباس وعائشة ﵄. قالوا: ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد فتأوله على العموم (٣). قلت: ومما يدل على قول الأكثرين مما يوافق حديث عائشة وابن عباس قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. والملابس يومئذ لا غناء فيها إلا ما كان من لباس الجنة. وأما الغزالي فذهب إلى حديث أبي سعيد وقوله ﵇: "بالغوا في أكفان موتاكم؛ فإن أمتي تحشر في أكفانها، وسائر الأمم عراة". رواه أبو سفيان مسندًا، وإن صح فيكون معناه، فيحمل على أمتي الشهداء. وحديث أبي الزبير عن جابر مرفوعًا: "أحسنوا أكفان موتاكم؛ فإنهم يتباهون بها، ويتزاورون في قبورهم" (٤). أخرجه

стр. 11516

أبو نصر الوايلي في "الإبانة" فمحمول على أن ذلك يكون في البرزخ كما في نفس الحديث، فإذا قاموا خرجوا كما في حديث ابن عباس إلا الشهداء. فصل: قوله: ("حفاة") أي: لا نعل في أرجلهم، ولا خف يقال منه: حفي يحفي حفية وحفاية، فأما من حفي من كثرة المشي فهو حف بين الحفأ مقصور. فصل: ("عراة") سلف ما فيه. و ("غُرلًا") بضم الغين المعجمة جمع أغرل وهو الأقلف، والأغرل والأغلف والأقلف، والأعرم -بالمهملة- كل واحد، والغرلة: ما يقطع الخاتن من ذكر الصبي، وهو القلفة وبطولها تعرف نجابة الصبي، وقال أبو هلال العسكري: لا تلتقي الراء مع اللام في العربية إلا في أربع كلمات: أرل اسم جبل، وورل دابة، وجرل وهو ضرب من الحجارة - والغرلة (١). قلت: أهمل أربع كلمات أخر برل الديك، وهو الذي يستدير بعنقه، عيش أغرل واسع، قاله أبو نصر، ورجل غرل: مسترخي الخلق، والهرل: ولد الزوجة، قاله القالي. فائدة: لذة جماع الأقلف تزيد على لذة جماع المختون، كما نبه عليه ابن الجوزي.

стр. 11517

قال ابن عقيل: بشرة حشفة الأقلف موقاة بالقلفة، فتكون بشرتها أرق، وموضع الحس كلما رق كان الحس أصدق كراحة الكف إذا كانت مرفهة من الأعمال صلحت للحس، وإذا كانت يد قصار أو نجار خفي فيها الحس، فلما أبانوا في الدنيا تلك البضعة لأجله، أعادها الله ليذيقها من لذة حلاوة فضله، قال: والسر في الختان مع أن القلفة معفو عما تحتها من النجس أنه سنة إبراهيم ﷺ حيث بلي بالترويع بذبح ولده، فأحب أن يجعل لكل واحد ترويعًا بقطع عضو وإراقة دم، وتبتلى أولادهم بالصبر على إيلام الآباء لهم، فتكون هذِه الحالة مظهرة للصبر والتسليم من الآباء والأولاد تأسيًا بإبراهيم ﷺ . فصل: وقوله: ("أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم") فيه منقبة ظاهرة له وفضيلة وخصوصية كما خص موسى بأنه يجده متعلقًا بساق العرش، مع أن سيد الأمة أول من تنشق عنه الأرض، ولا يلزم من هذا أن يكونا أفضل منه، بل هو أفضل من وافى القيامة. وروى ابن المبارك في رقائقه من حديث عبد الله بن الحارث، عن علي: أول من يكسى خليل الله قبطيتين ثم يكسى (محمد) (١) ﷺ حلة حبرة عن يمين العرش (٢). وفي "منهاج الحليمي" من حديث عباد بن كثير: عن الزبير، عن جابر ﵁: أول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم ثم محمد ثم النبيون، ثم قال: إذا أتى محمد أي: بحلة لا يقوم لها البشر لتحير الناظر بنفاسة الكسوة، فيكون كأنه كسي مع إبراهيم.

стр. 11518

وعند أبي نعيم، عن ابن مسعود قال: جاء ابنا مليكة (١) إلى رسول الله ﷺ فذكر حديثًا: "فيكون أول من يكسى إبراهيم يقول ربنا -جل وعز-: اكسوا خليلي فيؤتى بريطتين بيضاوين فيلبسهما ثم يقعد مستقبل العرش ثم أُوتى بكسوتي فألبسها فأقوم عن يمينه مقامًا يغبطني فيه الأولون والآخرون" (٢). وفي "الأسماء والصفات" للبيهقي من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "أول من يكسى إبراهيم حلة من الجنة ويؤتى بكرسيّ فيطرح على يمين العرش ويؤتى بي فأكسى حلة لا يقوم لها البشر". والحكمة في ذلك ما ذكره العلماء أنه لم يكن في الأولين والآخرين عبد أخوف لله منه (٣) فتعجل له كسوته أمانًا ليطمئن قلبه. ويحتمل أن يكون ذلك كما جاء في بعض الأحاديث أنه أول من أمر بلبس السراويل إذا صلى (٤)؛ مبالغة في الستر وحفظًا للفرج من مس المصلى. فلما فعل ما أمر به جوزي أن يكون أول من يستر يوم القيامة. ويحتمل أن يكون الذين ألقوه في النار جردوه من ثيابه كما يفعل بمن يراد قتله، وكان ذلك في ذات الله، فلما صبر وتوكل على الله دفع عنه شر النار وجزاه بذلك التجريد أنه أول من يدفع عنه العري يوم القيامة على رءوس الأشهاد.

стр. 11519

فصل: قوله: ("وإن ناسًا من أمتي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقال: إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم")، ظاهره الخروج عن الملة، وذهب الخطابي إلى أن الارتداد هنا التأخير عن الحقوق اللازمة والتقصير فيها (١). وهو مردود؛ فإن ظاهر الارتداد يقتضي الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أي: رجعتم إلى الكفر، والشارع قال: "بُعْدًا لهم وسحقًا" (٢)، وهذا لا يقال للمسلمين، فإن شفاعته للمذنبين، فإن قلت: كيف خفي عليه حالهم مع إخباره بعرض أمته عليه، قلت: ليسوا من أمته كما قلناه وإنما يعرض عليه أعمال الموحدين لا المرتدين والمنافقين، وقال ابن التين: يحتمل أن يكونوا منافقين أو مرتكبي الكبائر من أمته قال: ولم يرتد بحمد الله أحد من أمته ولذلك قال: ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾؛ لأن الذي يعقل من قوله "مرتدين": الكفر إذا أطلق من غير تقييد. وقيل: هم قوم من جفاة العرب دخلوا في الإسلام أيام حياته رغبة ورهبة كعيينة بن حصن جاء به أبو بكر أسيرًا والأشعث بن قيس فلم يقتلهما ولم يسترقهما فعاودا (٣) الإسلام. وقال النووي: المراد به المنافقون والمرتدون فيناديهم للسيما التي عليهم من غرة وتحجيل يقال: ليس هؤلاء ممن وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك أي: أنهم لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم. قلت: لكن

стр. 11520

السيما إنما تكون للمؤمنين، والمنافق وإن كان مؤمنًا في الظاهر فليس في الحقيقة مؤمنًا والمرتد لا سيما له؛ إذ عمله محبط، وقيل: المراد من كان في زمنه مسلمًا ثم ارتد بعده فيناديه لما كان يعرفه في حال حياته من إسلامهم فيقال: ارتدوا بعدك، ويشكل عليه عرض الأعمال، ويجاب بما سلف، ودعوى أنهم أهل الكبائر الذين ماتوا على التوحيد أو أصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام. فيه نظر؛ لأنه لا يدعي عليهم. قال صاحب هذِه المقالة: وعلى هذا لا يقطع لهؤلاء المذادين بالنار بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم ثم يرحموا ويدخلون الجنة (١). قال أبو عمر ابن عبد البر: كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج (والروافض) (٢) وسائر أصحاب الأهواء وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق والمعلنون بالكبائر (٣). فصل: قوله: ("أصحابي أصحابي") صيغة دالة على قلة عددهم. الحديث الثاني: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلمْ أقلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ،
следующие страницы →