← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 11516–11555 · переход к 11521.

стр. 11516

أبو نصر الوايلي في "الإبانة" فمحمول على أن ذلك يكون في البرزخ كما في نفس الحديث، فإذا قاموا خرجوا كما في حديث ابن عباس إلا الشهداء. فصل: قوله: ("حفاة") أي: لا نعل في أرجلهم، ولا خف يقال منه: حفي يحفي حفية وحفاية، فأما من حفي من كثرة المشي فهو حف بين الحفأ مقصور. فصل: ("عراة") سلف ما فيه. و ("غُرلًا") بضم الغين المعجمة جمع أغرل وهو الأقلف، والأغرل والأغلف والأقلف، والأعرم -بالمهملة- كل واحد، والغرلة: ما يقطع الخاتن من ذكر الصبي، وهو القلفة وبطولها تعرف نجابة الصبي، وقال أبو هلال العسكري: لا تلتقي الراء مع اللام في العربية إلا في أربع كلمات: أرل اسم جبل، وورل دابة، وجرل وهو ضرب من الحجارة - والغرلة (١). قلت: أهمل أربع كلمات أخر برل الديك، وهو الذي يستدير بعنقه، عيش أغرل واسع، قاله أبو نصر، ورجل غرل: مسترخي الخلق، والهرل: ولد الزوجة، قاله القالي. فائدة: لذة جماع الأقلف تزيد على لذة جماع المختون، كما نبه عليه ابن الجوزي.

стр. 11517

قال ابن عقيل: بشرة حشفة الأقلف موقاة بالقلفة، فتكون بشرتها أرق، وموضع الحس كلما رق كان الحس أصدق كراحة الكف إذا كانت مرفهة من الأعمال صلحت للحس، وإذا كانت يد قصار أو نجار خفي فيها الحس، فلما أبانوا في الدنيا تلك البضعة لأجله، أعادها الله ليذيقها من لذة حلاوة فضله، قال: والسر في الختان مع أن القلفة معفو عما تحتها من النجس أنه سنة إبراهيم ﷺ حيث بلي بالترويع بذبح ولده، فأحب أن يجعل لكل واحد ترويعًا بقطع عضو وإراقة دم، وتبتلى أولادهم بالصبر على إيلام الآباء لهم، فتكون هذِه الحالة مظهرة للصبر والتسليم من الآباء والأولاد تأسيًا بإبراهيم ﷺ . فصل: وقوله: ("أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم") فيه منقبة ظاهرة له وفضيلة وخصوصية كما خص موسى بأنه يجده متعلقًا بساق العرش، مع أن سيد الأمة أول من تنشق عنه الأرض، ولا يلزم من هذا أن يكونا أفضل منه، بل هو أفضل من وافى القيامة. وروى ابن المبارك في رقائقه من حديث عبد الله بن الحارث، عن علي: أول من يكسى خليل الله قبطيتين ثم يكسى (محمد) (١) ﷺ حلة حبرة عن يمين العرش (٢). وفي "منهاج الحليمي" من حديث عباد بن كثير: عن الزبير، عن جابر ﵁: أول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم ثم محمد ثم النبيون، ثم قال: إذا أتى محمد أي: بحلة لا يقوم لها البشر لتحير الناظر بنفاسة الكسوة، فيكون كأنه كسي مع إبراهيم.

стр. 11518

وعند أبي نعيم، عن ابن مسعود قال: جاء ابنا مليكة (١) إلى رسول الله ﷺ فذكر حديثًا: "فيكون أول من يكسى إبراهيم يقول ربنا -جل وعز-: اكسوا خليلي فيؤتى بريطتين بيضاوين فيلبسهما ثم يقعد مستقبل العرش ثم أُوتى بكسوتي فألبسها فأقوم عن يمينه مقامًا يغبطني فيه الأولون والآخرون" (٢). وفي "الأسماء والصفات" للبيهقي من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "أول من يكسى إبراهيم حلة من الجنة ويؤتى بكرسيّ فيطرح على يمين العرش ويؤتى بي فأكسى حلة لا يقوم لها البشر". والحكمة في ذلك ما ذكره العلماء أنه لم يكن في الأولين والآخرين عبد أخوف لله منه (٣) فتعجل له كسوته أمانًا ليطمئن قلبه. ويحتمل أن يكون ذلك كما جاء في بعض الأحاديث أنه أول من أمر بلبس السراويل إذا صلى (٤)؛ مبالغة في الستر وحفظًا للفرج من مس المصلى. فلما فعل ما أمر به جوزي أن يكون أول من يستر يوم القيامة. ويحتمل أن يكون الذين ألقوه في النار جردوه من ثيابه كما يفعل بمن يراد قتله، وكان ذلك في ذات الله، فلما صبر وتوكل على الله دفع عنه شر النار وجزاه بذلك التجريد أنه أول من يدفع عنه العري يوم القيامة على رءوس الأشهاد.

стр. 11519

فصل: قوله: ("وإن ناسًا من أمتي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقال: إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم")، ظاهره الخروج عن الملة، وذهب الخطابي إلى أن الارتداد هنا التأخير عن الحقوق اللازمة والتقصير فيها (١). وهو مردود؛ فإن ظاهر الارتداد يقتضي الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أي: رجعتم إلى الكفر، والشارع قال: "بُعْدًا لهم وسحقًا" (٢)، وهذا لا يقال للمسلمين، فإن شفاعته للمذنبين، فإن قلت: كيف خفي عليه حالهم مع إخباره بعرض أمته عليه، قلت: ليسوا من أمته كما قلناه وإنما يعرض عليه أعمال الموحدين لا المرتدين والمنافقين، وقال ابن التين: يحتمل أن يكونوا منافقين أو مرتكبي الكبائر من أمته قال: ولم يرتد بحمد الله أحد من أمته ولذلك قال: ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾؛ لأن الذي يعقل من قوله "مرتدين": الكفر إذا أطلق من غير تقييد. وقيل: هم قوم من جفاة العرب دخلوا في الإسلام أيام حياته رغبة ورهبة كعيينة بن حصن جاء به أبو بكر أسيرًا والأشعث بن قيس فلم يقتلهما ولم يسترقهما فعاودا (٣) الإسلام. وقال النووي: المراد به المنافقون والمرتدون فيناديهم للسيما التي عليهم من غرة وتحجيل يقال: ليس هؤلاء ممن وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك أي: أنهم لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم. قلت: لكن

стр. 11520

السيما إنما تكون للمؤمنين، والمنافق وإن كان مؤمنًا في الظاهر فليس في الحقيقة مؤمنًا والمرتد لا سيما له؛ إذ عمله محبط، وقيل: المراد من كان في زمنه مسلمًا ثم ارتد بعده فيناديه لما كان يعرفه في حال حياته من إسلامهم فيقال: ارتدوا بعدك، ويشكل عليه عرض الأعمال، ويجاب بما سلف، ودعوى أنهم أهل الكبائر الذين ماتوا على التوحيد أو أصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام. فيه نظر؛ لأنه لا يدعي عليهم. قال صاحب هذِه المقالة: وعلى هذا لا يقطع لهؤلاء المذادين بالنار بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم ثم يرحموا ويدخلون الجنة (١). قال أبو عمر ابن عبد البر: كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج (والروافض) (٢) وسائر أصحاب الأهواء وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق والمعلنون بالكبائر (٣). فصل: قوله: ("أصحابي أصحابي") صيغة دالة على قلة عددهم. الحديث الثاني: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلمْ أقلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ،

стр. 11521

إنَّكَ وَعَدْتَني أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟ فيَقُولُ اللهُ : إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ. ثُمَّ يُقَالُ لإبْرَاهِيمُ: مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ" .. هذا الحديث يأتي في سورة الشعراء. ومعنى (القترة): الظلمة، وفسرها ابن التين بالغبرة (١)، على هذا قوله: "قترة (و) (٢) غبرة" مترادف، ثم قال: وقيل القترة: ما يغشى الوجه من كرب، وقيل: القترة: الغبرة معها سواد كالدخان. قاله الزجاج، وعن مقاتل: سواد وكآبة. والذيخ: بذال معجمة مكسورة وخاء معجمة قبلها مثناة تحت، وهو ذكر الضباع، قال ابن سيده: وا لجمع: أذياخ وذيوخ وذيخة، والأنثى: ذيخة، والجمع: ذيخات، ولا يكسر (٣). وأراد بالمتلطخ (أي: متطلخ) (٤) بالرجيع أو بالطين، وحملت بإبراهيم الرأفة على أن يشفع فيه فرئي له على خلاف منظره؛ ليتبرأ منه، وفي رواية أخرى أنه يأخذ بحجزة إبراهيم فينزع منه إبراهيم. وقال ابن دريد في "وشاحه": أمه بوثا بنت كربنا بن بركوثا بن أرفخشذ بن سام. والنهر الذي يعرف بنهر كوثا حفره أبو أم إبراهيم قبل ولادة إبراهيم، وكان أهل إبراهيم بمنازلهم جيران فأصابهم السنة فجاءوا إلى كوثا فولد إبراهيم بقرية بها يقال لها: هرمز جرد قريبًا من حصل وبها أحرق وسمي إبراهيم؛ لأن أمه وضعته على نهر كوثا

стр. 11522

فسمي إبرا يعني: النهر، وهم يعني: الماء، فلما نجا من النار عبر الفرات. وكلامه السريانية فبعث نمروذ فقالوا: ردوا كل من تكلم بها فأدركوه وقد أقلب الله لسانه إلى العبرانية، وإنما سمي عبراني؛ لأنه عبر الفرات، فذهب إلى عمه تيويل بن ناحور فزوجه سارة، وسيأتي تمامها. فائدة: ذكر ابن عساكر في "تاريخه": إن سيدنا إبراهيم ولد بغوطة دمشق، بقرية يقال لها برزة في قاسيون، والصحيح ولادته بكوثا من إقليم بابل بالعراق (١). الحديث الثالث: حديث كُرَيْبٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ، فوَجَدَ فِيهِ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَصُورَةَ مَرْيَمَ فَقَالَ: "أَمَا لَهُمْ فَقَدْ سَمِعُوا أَنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، هذا إِبْرَاهِيمُ مُصَوَّرٌ فَمَا لَهُ يَسْتَقْسِمُ". ثم ذكره من حديث عكرمة عنه وهو الرابع. وقد سلف من هذا الوجه في الحج في باب: من كبر في نواحي الكعبة، ويأتي في المغازي (٢). وإنكاره استقسام إبراهيم وإسماعيل؛ لأن الأزلام إنما كانت في أيام الجاهلية بعد عيسى فأنى حين ذاك هما.

стр. 11523

الحديث الخامس: حديث يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، ثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: "أَتْقَاهُمْ". فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هذا نَسْأَلُكَ. قَالَ: "فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ ابن نَبِيِّ اللهِ ابن نَبِيِّ اللهِ ابن خَلِيلِ اللهِ". قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هذا نَسْأَلُكَ. قَالَ: "فَعَنْ مَعَادِنِ (الْعَرَبِ) (١) تَسْأَلُونَي؟ خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الاسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا". قَالَ أَبُو أُسَامَةَ وَمُعْتَمِرٌ: عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .. وهذا التعليق أسنده في موضع آخر: عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة حماد بن أسامة (٢). وقال في موضع آخر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن عبيد الله فذكره (٣)، وتابعهما أيضًا عبيد بن إسماعيل (٤) وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر (٥) والحسن بن عياش قال الدارقطني: والقول قول يحيى بن سعيد (٦).

стр. 11524

إذا تقرر ذلك فالكرم معناه هنا: الشرف؛ وذلك أن من اتقى ربه جل وعز شرف؛ لأن التقى يحمله على أسباب العز؛ لأنها تبعده عن الطمع في كثير من المباح فضلاً عن غيره من المآثم، وما ذاك إلا من أسره هواه. وادعى القرطبي أنه يخرج من هذا الحديث أن إخوة يوسف ليسوا أنبياء، إذ لو كانوا كذلك لشاركوه في هذِه المنقبة (١). وفيه نظر: فإنه ذكر؛ لكونه أفضلهم، لا سيما على من ادعى رسالته. الحديث السادس: حديث سَمُرَة: "أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فَأتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ طَوِيلٍ، لَا أَكَادُ أَرى رَأْسَهُ طُولاً، وَهو إِبْرَاهِيمُ". هذا الحديث سلف مطولًا في أواخر الجنائز (٢). الحديث السابع: حديث مُجَاهِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ ﵄، وَذكر لَهُ الدَّجَّالَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِر -أَوْ ك ف ر- قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ: "أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى فَجَعْدٌ آدَمُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ، كَأَنيَّ أَنْظُرُ إِلَيْهِ انْحَدَرَ فِي الوَادِي". هذا الحديث سلف في الحج في باب التلبية إذا انحدر في الوادي. والخلبة: الليف، قاله ابن فارس (٣)، وقدم عليه ابن التين أنها الخصلة من الليف، وجمعها: خلب.

стр. 11525

الحديث الثامن: حديث مُغِيرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَشِيَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَهْوَ ابن ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُّومِ". حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن أبي الزناد "بالقَدُوم" مخففة. تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد، وتابعه عجلان، عن أبي هريرة، ورواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، وفي غير نسخة من رواية أبي الوقت وغيره: تابعه عبد الرحمن إلى آخره تقدم على قوله: (حدثنا أبو اليمان) إلى قوله: (مخففة) ويأتي في الاستئذان وأخرجه مسلم. قال ابن التين: روي "بالقدوم" بضم القاف وتشديد الدال. وروي بفتح القاف مع التشديد، ومعناه ختن بمكان اسمه القدوم، ومن رواه بتخفيف الدال أراد الآلة القدوم الذي ينجر به الخشب، واسم المكان قدوم بغير ألف، وقيل: القدوم مقيل لإبراهيم. وقيل: هي قرية بالشام، وعكس ذلك الداودي فقال: من رواه بالتخفيف أراد الموضع، ومن رواه بالتشديد يريد الفأس الصغير. وقال النووي: رواة مسلم متفقون على التخفيف (١). قال القاضي عياض: هو بالتخفيف وفتح القاف وهي قرية بالشام، وقيل: هي آلة النجار المعروفة وهي مخففة لا غير. وحكى الباجي التشديد، وقال: هو موضع. وقال ابن دريد: ثنية بالسراة (٢). وضبطه القابسي،

стр. 11526

والأصيلي في حديث قتيبة عن مغيرة بالتشديد. قال الأصيلي: وكذا قرأه علينا أبو زيد المروزي، وأنكر يعقوب بن شيبة التشديد، وحكى البخاري عن شعيب -كما مضى- التخفيف (١). وقال القرطبي: الذي عليه أكثر الرواة التخفيف -يعني به: الآلة- وهو قول أكثر أهل اللغة في الآلة. وقال أبو جعفر: المكان مشدد (٢) لا يدخله الألف واللام. قال يعقوب: والآلة لا تشدد. قال القرطبي: وهو اسم لموضع مخفف. قال: ويحصل من أقوالهم أنه (إن) (٣) أريد به الآلة فهو مخفف، وإذا أريد به الموضع ففيه التشديد والتخفيف، ويحتمل أن يريد بالذي في الحديث الآلة والموضع (٤). قال الحازمي: المخفف قرية كانت عند حلب. وقيل: هو اسم مجلس إبراهيم بحلب. وفسر في الحديث بأنه الموضع، والقدوم: جبل بالحجاز. والمشدد الدال قال ثعلب: هو اسم موضع. قال الحازمي: إن أراد ثعلب أحد هذين الموضعين فلا يتابع عليه؛ لاتفاق أئمة النقل على خلاف ذلك، وإن أراد موضعًا ثالثًا صح ما قاله. وقال الجوهري (٥): القدوم الذي ينحت به مخفف، ولا تقول: قدوم بالتشديد. قاله ابن السكيت، والجمع قُدُم (٦).

стр. 11527

فائدة: فأما قوله: (فذكاه بقدوم) فهي الآلة ولا خلاف (١) في تخفيفها، وكذلك في قوله: حتى كان بطرف القدوم. روي بفتح القاف وضمها وتخفيف الدال وتشديدها، وبالفتح مع التشديد أكثر. وقوله: (تدلى علينا من قدوم ضأن .. ) الحديث السالف (٢)، بالتخفيف مع الفتح، وضم القاف بعضهم والفتح أكثر وهو موضع، وتأوله بعضهم قدوم ضأن، أي: المتقدم منه وهي رءوسها. وهو وهم بين، ثم أعاد عياض ذكرها في أسماء المواضع فقال في حديث إبراهيم: لم يختلف في فتح قافه، واختلف في شد داله. وأكثر الرواة على تشديدها، حكاه الباجي. وأنكر يعقوب أن تشد. وقال البكري: هو قول أكثر أهل اللغة (٣). وهو رواية شعيب في البخاري، وأما طرف القدوم بفتح القاف، وتشديد الدال في قول الأكثر، ومنهم من خفف الدال، ورواه أحمد الصدفي، ورواه "الموطأ" بالضم والتشديد (٤)، قال ابن وضاح: هو جبل بالمدينة. وقال ابن دريد: قدوم بالفتح والتخفيف ثنية بالسراة، وكذا قال البكري، وقال: المحدثون يشددونه. وأما الذي في حديث أبي هريرة ﵁: (قدوم ضأن) فبالفتح والتخفيف، وهي ثنية بجبل دوس. وضأن: اسم جبل، قاله الحربي وهو غير مهموز، وضبطه الأصيلي بالضم لا غير وبالفتح

стр. 11528

حكاه الحربي، وهي رواية الكافة، وحكى البكري عن محمد بن جعفر اللغوي أن المكان مشدد لا يدخله الألف واللام. ومن رواه في حديث إبراهيم بالتخفيف فإنما عنى الآلة (١)، واختلف على أبي الزناد في ضبطه في البخاري فروى قتيبة عنه التشديد، ورواه غيره بالتخفيف (٢). فصل: قوله: "وهو ابن ثمانين" قال القاضي عياض: جاء هذا الحديث من رواية مالك والأوزاعي: وهو ابن مائة وعشرين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، إلا أن مالكًا ومن تبعه وقفوه على أبي هريرة (٣). قال النووي: وهو متأول أو مردود (٤). قلت: قد أخرجه ابن حبان في "صحيحه" مرفوعًا، وكذا الحاكم في "مستدركه" (٥)، وحكى الماوردي أنه اختتن وهو ابن سبعين سنة، وقال ابن عقبة (٦): عاش مائة وسبعين سنة. فصل: كان إبراهيم أول من اختتن فصار سنة معمولًا بها في ذريته، وهو حكم التوراة علي بني إسرائيل كلهم، ولم يزالوا يختتنون إلى زمن

стр. 11529

عيسى، غيرت طائفة من النصارى ما جاء في التوراة من ذلك وقالوا: المقصود: قلفة القلب لا قلفة الذكر، فتركوا المشروع من الختان بضرب من الهذيان. وهو عند الشافعي واجب وعند أكثر العلماء سنة، وإنما يجب بعد البلوغ، ويستحب في السابع ومحل بسطه الفروع، وقد سلف قريبًا السرُّ في مشروعيته فراجعه. الحديث التاسع: حديث أبي هريرة ﵁ "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاًثا". وحديثه بعده وهو: العاشر: "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللهِ" إلى آخره. وقد سلف تأويله قريبًا، وأنها معاريض أو ﴿إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ فكبيرهم فعله على التقديم والتأخير، وقصة سارة مع الكافر سلفت أيضًا، وذكره أيضًا في النكاح في موضعين والهبة (١). قول أبي هريرة: (تلك أمكم يا بني ماء السماء). يريد: هاجر، والخطاب للعرب، قال الخطابي: سموا بذلك؛ لانتجاعهم المطر وماء السماء للرعي. ويقال: إنه أراد زمزم أنبطها الله لهاجر فعاشوا به فكأنهم أولادها (٢). وقال غيره: سموا بذلك لخلوص نسبهم وصفائه كماء السماء. قال عياض: والأظهر عندي أنه أراد بذلك الأنصار، نسبهم إلى جدهم عامر، وكان يعرف بماء السماء، والأنصار كلهم

стр. 11530

من ولده، وهو ابن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوعشرين نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قطحان (١). وما ذكره إنما يأتي على الشاذ؛ لأن العرب جميعها من ولد إسماعيل إلا قبائل استثنيت. أما الأنصار فليسوا من ولد إسماعيل ابن هاجر، ولا يعلم لها ولد غيره. الحديث الحادي عشر: حديث أم شريك في الأوزاغ. سلف قريبًا، وفي الحج أيضًا (٢). الحديث الثاني عشر: حديث عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لمَّا نَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ .. الحديث. سلف في الإيمان في باب: ظلم دون ظلم فراجعه وسياقته هنا أطول، واعترض الإسماعيلي فقال: لا أعلم في هذا الحديث شيئًا من قصة إبراهيم، إذ هو مذكور في الباب المترجم بإبراهيم. ولك أن تقول: له وجه بيِّن، وذلك أن هذِه الآية المذكورة في سورة الأنعام كلها فيه، وكذا ما بعدها لما حاجه قومه فقال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨٣]، ولهذا إن عليًّا روى عنه الحاكم أنه قرأ هذِه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال: هذِه في إبراهيم وأصحابه، ليس في هذِه الأمة. ثم قال صحيح الإسناد (٣).

стр. 11531

وقال الثعلبي في قَوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ قال: هم الذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ. قال الخطابي: إنما شق على الصحابة؛ لأن ظاهر الظلم ظلم النفس من ارتكاب المعاصي، وأخذ أموال الناس، ظن الصحابة أنه يراد بها ظاهرها. وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه (١).

стр. 11532

٩ - باب ﴿يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ١٩٤]: النَّسَلَانُ فِي المَشْي ٣٣٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ يَجْمَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيُنْفِدُهُمُ البَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ -فَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ- "فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنَ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ. فَيَقُولُ -فَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ-: نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى". تَابَعَهُ أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٣٣٤٠ - مسلم: ١٩٤ - فتح ٦/ ٣٩٥] ٣٣٦٢ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَرْحَمُ الله أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْلَا أَنَّهَا عَجِلَتْ لَكَانَ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا». [انظر: ٢٣٦٨ - فتح ٦/ ٣٩٥] ٣٣٦٣ - قَالَ الأَنْصَاريُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَمَّا كَثِيرُ بْنُ كَثِيرٍ فَحَدَّثَنِي قَالَ: إِنِّي وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ جُلُوسٌ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: مَا هَكَذَا حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ ﵈ وَهْيَ تُرْضِعُهُ، مَعَهَا شَنَّةٌ -لَمْ يَرْفَعْهُ- ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ. [انظر: ٢٣٦٨ - فتح ٦/ ٣٩٦] ٣٣٦٤ - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِي، وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّىَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ، وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهْيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ

стр. 11533

تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي الذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ: آللهُ الذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ حتَّى بَلَغَ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾. وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى -أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ- فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ، الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ المَجْهُودِ، حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ -قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَذَلِكَ سَعْي النَّاسِ بَيْنَهُمَا». - فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: صَهٍ. تُرِيدَ نَفْسَهَا، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ، إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ. فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ، عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ -أَوْ قَالَ: بِجَنَاحِهِ- حَتَّى ظَهَرَ المَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ المَاءِ في سِقَائِهَا، وَهْوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ -قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَرْحَمُ الله أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ -أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ- لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا». -قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ: لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللهِ، يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ، وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ. وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ، حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ -أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ- مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا. فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا -أَوْ جَرِيَّيْنِ- فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ،

стр. 11534

فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ، فَأَقْبَلُوا، قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ في الْمَاءِ. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، وَهْيَ تُحِبُّ الإِنْسَ» فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الغُلَامُ، وَتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ، بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ. فَشَكَتْ إِلَيْهِ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇، وَقُولِي لَهُ: يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ، كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ. قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ. فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ الله ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَسَأَلَهَا عَنْهُ. فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ، وَهَيْئَتِهِمْ. فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ. وَأَثْنَتْ عَلَى اللهِ. فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّحْمُ. قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ: المَاءُ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ». قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلاَّ لَمْ يُوَافِقَاهُ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِى ﵇، وَمُرِيهِ: يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ -وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ- فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ، أَنَّا بِخَيْرٍ. قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ. ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ الله، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلاً لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا

стр. 11535

إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ. قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ. قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ. قَالَ: فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِي هَا هُنَا بَيْتًا. وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا القَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ وَهْوَ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. [انظر: ٢٣٦٨ - فتح ٦/ ٣٩٦] ٣٣٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مَا كَانَ، خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّ إِسْمَاعِيلَ، وَمَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ فَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاتَّبَعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، حَتَّى لَمَّا بَلَغُوا كَدَاءً نَادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَنْ تَتْرُكُنَا؟ قَالَ: إِلَى اللهِ. قَالَتْ: رَضِيتُ بِاللهِ. قَالَ: فَرَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا، حَتَّى لَمَّا فَنِي المَاءُ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا. قَالَ: فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ هَلْ تُحِسُّ أَحَدًا فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا، فَلَمَّا بَلَغَتِ الوَادِيَ سَعَتْ وَأَتَتِ المَرْوَةَ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ أَشْوَاطًا، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ -تَعْنِي الصَّبِيَّ- فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ، فَإِذَا هُوَ عَلَى حَالِهِ كَأَنَّهُ يَنْشَغُ لِلْمَوْتِ، فَلَمْ تُقِرَّهَا نَفْسُهَا، فَقَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا، فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا، حَتَّى أَتَمَّتْ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ، فَإِذَا هِيَ بِصَوْتٍ فَقَالَتْ: أَغِثْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ. فَإِذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: فَقَالَ بِعَقِبِهِ هَكَذَا، وَغَمَزَ عَقِبَهُ عَلَى الأَرْضِ، قَالَ: فَانْبَثَقَ الْمَاءُ، فَدَهَشَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَجَعَلَتْ تَحْفِزُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : «لَوْ تَرَكَتْهُ كَانَ المَاءُ ظَاهِرًا». قَالَ: فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ المَاءِ، وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا -قَالَ: فَمَرَّ نَاسٌ مِنْ جُرْهُمَ بِبَطْنِ الوَادِي، فَإِذَا هُمْ بِطَيْرٍ،

стр. 11536

كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَاكَ، وَقَالُوا: مَا يَكُونُ الطَّيْرُ إِلاَّ عَلَى مَاءٍ. فَبَعَثُوا رَسُولَهُمْ، فَنَظَرَ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَأَتَاهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ فَأَتَوْا إِلَيْهَا، فَقَالُوا: يَا أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَكُونَ مَعَكِ أَوْ نَسْكُنَ مَعَكِ؟ فَبَلَغَ ابْنُهَا فَنَكَحَ فِيهِمُ امْرَأَةً، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي. قَالَ: فَجَاءَ فَسَلَّمَ فَقَالَ: أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: ذَهَبَ يَصِيدُ. قَالَ: قُولِى لَهُ إِذَا جَاءَ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ. فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ قَالَ: أَنْتِ ذَاكِ فَاذْهَبِي إِلَى أَهْلِكِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي. قَالَ: فَجَاءَ فَقَالَ: أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: ذَهَبَ يَصِيدُ، فَقَالَتْ: أَلَا تَنْزِلُ فَتَطْعَمَ وَتَشْرَبَ؟ فَقَالَ: وَمَا طَعَامُكُمْ؟ وَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ: طَعَامُنَا اللَّحْمُ، وَشَرَابُنَا المَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : «بَرَكَةٌ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ». قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي. فَجَاءَ فَوَافَقَ إِسْمَاعِيلَ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ، يُصْلِحُ نَبْلاً لَهُ، فَقَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ رَبَّكَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِي لَهُ بَيْتًا. قَالَ: أَطِعْ رَبَّكَ. قَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ. قَالَ: إِذًا أَفْعَلَ. أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: فَقَامَا فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قَالَ: حَتَّى ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَلَى نَقْلِ الحِجَارَةِ، فَقَامَ عَلَى حَجَرِ المَقَامِ، فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. [البقرة: ١٢٧]. [انظر: ٢٣٦٨ - فتح ٦/ ٣٩٨]

стр. 11537

١٠ - باب ٣٣٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ». قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى». قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ». [٣٤٢٥ - مسلم: ٥٢٠ - فتح ٧/ ٤٠٦] ٣٣٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى المُطَّلِبِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا». رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر:٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح ٦/ ٤٠٧] ٣٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابْنَ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵃ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ قَوْمَكِ بَنَوُا الكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟. فَقَالَ: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ». فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الحِجْرَ؛ إِلاَّ أَنَّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. [١٢٦ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح ٦/ ٤٠٧] وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. ٣٣٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ﵁ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». [٦٣٦٠ - مسلم: ٤٠٧ - فتح ٦/ ٤٠٧]

стр. 11538

٣٣٧٠ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو قُرَّةَ مُسْلِمُ بْنُ سَالِمٍ الهَمْدَانِي قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عِيسَى، سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي. فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ. قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». [٤٧٩٧، ٦٣٥٧ - مسلم: ٤٠٦ - ٦/ ٤٠٨] ٣٣٧١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ المِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ». [فتح ٦/ ٤٠٨] معنى يزفون: يسرعون. ذكر في الباب ثمانية أحاديث: أولها: حديث أَبِي حَيَّانَ -بالمثناة تحت- يحيى بن سعيد بن حيان التميمي، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ هرم بن عمرو بن جرير، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ فَقَالَ: "إِنَّ الله يَجْمَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ .. " الحديث. وفيه: فَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، وذكر إبراهيم "فيقولون اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى". وقد سلف، ثم قال: تَابَعَهُ أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قلت: أخرجها هو من حديث قتادة عنه، وروي أيضًا من حديث ابن عمر عند البخاري، ومن حديث أبي سعيد الخدري أخرجه الترمذي

стр. 11539

محسنًا، ومن حديث ابن عباس، أخرجه أبو داود الطيالسي من حديث علي بن زيد، عن أبي نضرة، عنه (١). الحديث الثاني: حديث أحمد بن سعيد أبي عبد الله شيخ البخاري المروزي المعروف بالرباطي، مات سنة ست أو ثلاث وأربعين ومائتين، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْلَا أَنَّهَا عَجِلَتْ لَكَانَت زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا". وقَالَ الأَنْصَارِيُّ. أي: محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس، مات سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائتين، ثَنَا ابن جُرَيْجٍ قال: أما كَثِيرُ بْنُ كَثِيرٍ فَحَدَّثَنِي قَالَ: إِنِّي وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ جُلُوسٌ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: مَا هَكَذَا حَدَّثَنِي ابن عَبَّاسٍ، ولكنه قَالَ: أَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ وَهْيَ تُرْضِعُهُ، مَعَهَا شَنَّةٌ. لَمْ يَرْفَعْه. وهذا التعليق رواه أبو نعيم الحافظ عن فاروق بن عبد الكبير: حدثنا أبو خالد عبد العزيز بن معاوية القرشي عنه به، وقال: ذكره البخاري عنه بلا رواية" وعثمان هذا هو ابن سليمان بن محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف. وفيهم من نسبه إلى أبي سليمان جبير بن مطعم.

стр. 11540

ثم قال البخاري: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ ابن عَبَّاسٍ: أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهْيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ. فذكر قصة زمزم بطولها وبناء البيت. ثم ساقه أيضًا من حديث إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد، عن ابن عباس مطولًا. وأخرجه النسائي عن أحمد بن سعيد شيخ البخاري، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب. ورواه أيضًا عن أبي داود سليمان بن سعيد، عن علي بن المديني، عن وهب به، وفيه: قلت لأبي: حماد لا يذكر أبي بن كعب، ولا يرفعه، قال: أنا أحفظه كذا، كذا حدثني به أيوب، قال وهب: وثنا حماد بن زيد، عن أيولب، عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن ابن عباس نحوه، ولم يذكر أبيًّا، ولم يرفعه. قال وهب: فأتيت سلام بن أبي مطيع فحدثني بهذا الحديث، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن سعيد فرد ذلك ردًّا شديدًا، ثم قال لي: فأبوك ما يقول؟ قلت: أبي يقول: أيوب عن سعيد، فقال: العجب، والله ما يزال الرجل من أصحابنا الحافظ قد غلط، إنما هو أيوب، عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير (١). وقال

стр. 11541

أبو مسعود: رأيت جماعة اختلفوا على وهب بن جرير في هذا الإسناد. قال الجياني: لم يذكر أبو مسعود إلا هذا، وأنا أذكر ما انتهى إليَّ من الخلاف على وهب وعلى غيره في هذا الإسناد: قد رواه عن حجاج، عن وهب (١) به بزيادة أبي بن كعب، ثم رواه من طريق البخاري بإسقاطه، ورواه علي بن المديني عنه بإثباته. ورواه حماد بن زيد عن أيوب فلم يذكره ولا رسول الله ﷺ ، ورواه ابن علية عن أيوب فقال: نبئت عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: [أول] (٢) من سعى بين الصفا والمروة .. الحديث بطوله نحوًا مما رواه معمر، عن أيوب، عن سعيد، وفيه قصة زمزم، ورواه سلام بن أبي مطيع، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، لم يذكر ابن جبير (٣). قال أبو علي: فكيف يصح هذا، وفيه من الخلاف ما عرفت، فنقول: إذا ميزه الناظر ميز منه ما ميزه البخاري، وحكم بصحته، وعلم أن الخلاف الظاهر فيه إنما يعود إلى وفاق، وأنه لا يدفع بعضه بعضًا، فأما من أوقفه فقليل، والذين أسندوه أئمة حفاظ، وكذلك من أسقط من سنده أُبيًّا لا يوهنه. والحديث إذا اتصل إلى ابن عباس، وكان محفوظًا، فلا نبالي من رواه عنه ابن عباس، ولا يعد مرسلاً، وأما من أسقط عبد الله بن سعيد فليس بشيء، قد صح أن أيوب رواه عنه، عن أبيه، وقد أتى به في الإسناد حماد بن زيد، وجرير بن حازم، قال ابن علية، عن أيوب: نبئت عن سعيد. فهذا يصح أن أيوب إنما أخذه من عبد الله بن سعيد عن أبيه، وإنما كان يسقط

стр. 11542

وهب في بعض الأحايين، ويسوقه معنعنًا على سبيل التخفيف وتقريب الإسناد، وكان أحمد بن سعيد يحدث به على الوجهين بسقوطه وإثباته، وأما إنكار سلام أن يكون مخرج الحديث عن سعيد رواية عن عكرمة فلا يلتفت إليه؛ لأنه ليس من جِمال (المحامِل) (١) (٢). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من وجوه: أحدها: (شنة): القربة البالية. ومعنى: (تعفي أثرها): تسحب (طرف) (٣) الثوب على التراب وذلك أن سارة أبطأها الولد، فوهبت هاجر لإبراهيم، فلما ولدت إسماعيل قالت: لا تساكني في بلد، فكانت هاجر أول من خفضت من النساء، كما أن زوجها أول من اختتن من الرجال وأول امرأة جرت ذيلها وأول امرأة ثقبت أذناها، وذلك أن سارة غضبت عليها، فحلفت أن تقطع ثلاثة أعضاء من أعضائها، فأمرها إبراهيم أن تبر قسمها بثقب أذنيها وخفاضها. قال ابن أبي زيد في "نوادره": فصارت سنة في النساء، فلما خفضت، ورأت الدم سترته بذيلها، فمن ثم أرخى النساء ذيولهن. والجراب: الأفصح كسر جيمه كما سلف، والدوحة: الشجرة العظيمة، والسقاء: إهاب فيه ماء، والقربة التي يستقى فيها، وفي رواية: (شنة) أي: حلقة.

стр. 11543

ومعنى (قفى إبراهيم): ولَّى، ذكره الهروي في تفسير قوله ﵇: "أنا المقفي " (١) أي: المولي (٢)، ومعنى: (نفد ما في السقاء): فرغ، و (عطشت): بكسر الطاء، وكذا (عطش ابنها)، ومعنى (يتلوى): يتمرغ ويتقلب. وقال ابن التين: يتقلب ظهرًا لبطن، واللوى: وجع في البطن، ومعنى: (يتلبط) -بالباء الموحدة قبل الطاء-: ينصرع، وقيل: تحير. وقال الداودي: هو أن يحرك شفتيه ولسانه كأنه يموت. قال الخليل: لبط فلان بفلان الأرض إذا صرعه صرعًا عنيفًا (٣). وقال ابن دريد: اللبط باليد والخبط بالرجل (٤). وقوله: (يتلوى أو قال: يتلبط) هو شك من الراوي في أيهما وقع. قال الدارقطني: والتبلط أكثر. وقال القزاز: معناهما واحد أي: يتضرب، (يتلوى) (٥) في الأرض. (فهبطت) بفتح الباء. وفيه أصل مشروعية السعي بين الصفا والمروة كما نطق به الشارع. و (صَه): -بفتح الصاد وسكون الهاء: من أسماء السكوت، (تريد نفسها) لتسمع ما فيه فَرَج. و (الغواث) بضم الغين، كذا ضبطه الدمياطي، وضبطه ابن التين بفتحها، قال: قيل: وليس من الأصوات ما يقال بفتح الفاء غيره،

стр. 11544

قال: ويجوز ضمه. وقال ابن الجوزي: قال لنا ابن الخشاب بالفتح، والغياث: بالكسر من الإغاثة (١). قال ابن الأثير: وروي غواث بالضم والكسر وهما أكثر ما يجيء في الأصوات كالنباح والنداء، والفتح فيهما شاذ (٢). وقال القاضي: الفتح للأصيلي والضم لأبي ذر (٣). والبحث: طلب الشيء في التراب، وكأنه حفر بطرف رجله. وقوله: (فبحث بعقبه أو قال: بجناحه) الظاهر أنه شك من الراوي وذكر في الحديث الآخر: (فانبثق الماء) أي: نبع وخرج. و (تحوضه): تجعله حوضًا؛ لئلا يذهب الماء. و (يفور): ينبع، مثل قوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] ولا شك أن إجراء زمزم كان إنعامًا محضًا لم يشبه كسب البشر، فلما دخل الحرص وقفت تلك النعمة ووكلت إلى تدبيرها. وأفاد الزمخشري في "ربيعه" (٤) أنها أنبطت قبل لآدم، حتى انقطعت زمن الطوفان أيضًا، ثم لإسماعيل. وقوله: ("يرحم الله أم إسماعيل"). إنما يبتدأ بالدعاء للمذكور أو المخاطب؛ إكرامًا له؛ لقوله: ﴿عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]. وقوله: ("لو تركته لكان عينا معينا") أي: يجري على وجه الأرض. وفيه جواز قول المرء: لو لم يكن كذا كان كذا، وسيأتي له باب (٥).

стр. 11545

و (الضيعة): الضياع، والرابية: المكان المرتفع. وقوله: (مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة) كذا ضبطه الدمياطي خطأ بالضم، وصرح به ابن الجوزي حيث قال: الفتح والمد: أعلى مكة، والضم والكسر: أسفلها (١)، وهو المراد هنا؛ لأنه قال: (فنزلوا أسفل مكة) وهو موضع يخرج منه من مكة إلى اليمن. الوجه الثاني: (جرهم): هو ابن قحطان بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح، والطير العائف -بالعين المهملة-: هو الذي يتردد ويحوم حول الماء ولا يبرح، قاله الخليل (٢)، ورجل عائف: يتكهن، والعائف: الذي يعرف مواضع الماء من الأرض. وقوله: (فأرسلوا جريا أو جريين). يريد: الرسول والوكيل، وقيل: الأجير. وقوله: (وأنفسهم) هو بفتح الفاء، مثل قوله عقبه: (وأعجبهم). فائدة: سارة هي ابنة عمه توبيل بن ناحور، وقيل: هي بنت هاران الأكبر بن ناحور، وقول ابن قتيبة وغيره أن سارة هي بنت هارن بن تارح (٣) فغير جيد؛ لأن الله تعالى حرم نكاح بنت الأخ على لسان نوح، وكان إسماعيل مرسلًا أرسل إلى أخواله من جرهم، وإلى العماليق الذين كانوا بأرض الحجاز، فآمن بعض وكفر آخرون. قال ابن قتيبة: عاش مائة وسبعة وثلاثين سنة، ودفن مع أمه بالحجر (٤).

стр. 11546

الثالث: قال السهيلي: التي أمره أبوه بطلاقها اسمها جداء بنت سعد، والتي أمره بإمساكها اسمها السيدة، وقيل: عاتكة، وقيل سامة بنت مهلهل (١). وعند ابن سعد: أم ولد إسماعيل رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي (٢). وعند الكلبي: رعلة بنت يعرب بن يشجب بن لوذان بن جرهم. وعند الجواني: هالة بنت الحارث بن مضاض، ويقال: سلمى، ويقال (الحنفاء) (٣). الرابع: أول من نطق بالعربية إسماعيل، أخرجه الحاكم في "مستدركه" وقال: صحيح الإسناد (٤). وذكر ابن إسحاق، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر مرفوعًا: أنه أول من كتب بالعربية. قال أبو عمر: هو أصح من رواية من روى أنه أول من تكلم بها. وفي "أدب الكاتب" للنحاس من حديث على بإسناده مرفوعًا: "أول من أنطق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة". وأثنى أبو عبيدة على إسناده، وذكر أبو عمر له متابعًا في كتاب "القصد والأمم". وقال ابن سعد: أخبرنا الأسلمي، عن غير واحد من أهل العلم أن إسماعيل ألهم من يوم ولد لسان العرب (٥).

стр. 11547

وقال هشام بن محمد: قال الشرقي: عربية إسماعيل أفصح من عربية يعرب بن قحطان. وقال النحاس: عربية إسماعيل هي التي نزل بها القرآن. وأما عربية حمير وبقايا جرهم فغير هذِه العربية المبينة وليست فصيحة. وعن أبي عمرو بن العلاء قال: أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل، قال أبو عمر: لا يصح غير هذا. وفي "الوشاح" لابن دريد: أول من تكلم بالعربية القديمة يعرب بن قحطان ثم إسماعيل. الخامس: العتبة -بفتح الباء-: أسكفة الباب، قاله ابن التين. وقوله: (فلما جاء إسماعيل) كأنه آنس شيئًا، أي: أحس، مثل: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]. أي: علمتم. وقوله: (في ضيق وشدة). وقال ابن التين فأخبرته: أنا في جهد قال: والجهد: بضم الجيم عند الشعبي؛ لأنه من الفتنة، وعند غيره هو بالفتح. وقوله: (كأنه ينشغ للموت) هو بنون ثم بشين معجمة، والنشغ -بإسكان الشين المعجمة وبالغين المعجمة-: الشهيق، وعلو النفَس الصُّعَداء حتى يكاد يبلغ به الغشي. قال ابن فارس: هو مثل الشهيق عند الشوق من شدة ما يرد عليه منه (١). وقيل: معناه: يمتص بفيه. من نشغت الصبي دواء انتشغه. وقال ابن التين: هو مثل الشهيق عند الموت، ويقال: الناشغ: الذي يحفى بعد جهد. وقيل: هو الشهيق من ناحية الصدر حتى يبلغ الغشي.

стр. 11548

وروى أبو أيوب عن الأصمعي: نشغه بالغين وبالعين، إذا أوجر الصبي. وعند ابن فارس: هو بالعين غير والمعجمة) (١) إذا أوجره. وفي الحديث: "لا تعجلوا بتغطية وجه الميت حتى ينشع" (٢). قال الأصمعي: النشغات عند الموت فوقات خفيات. السادس: قوله: (فقال: يا إسماعيل إن ربك أمرني أن أبني له بيتًا. قال: أطع ربك. قال: إنه أمرني أن تعينني عليه قال: إذًا أفعل أو كما قال). وقال في الحديث قبله: (يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك به ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك). لا مخالفة بين هذا وبين الأول، وقال ابن التين: انظر هل يحتمل أن يقال: أمره الله أن يعينه بعد ذلك، فيكون هذا الحديث الآخر متأخر بعد الأول؟ قلت: يجوز أن يكون طلب منه الإعانة أولاً فأجاب، ثم أخبره ثانيًا أن الله أمره بها. خاتمة: أول من بني البيت آدم أو شيث أو الملائكة، وقال ابن هشام في "تيجانه": معناه: نصب؛ لأن عليه نصبت الدنيا، ثم بناه إبراهيم، ثم قريش، ثم ابن الزبير، ثم الحجاج، وقيل: إن جرهمًا بنته مرة أو مرتين. وقيل: إنه لم يكن بناءً وإنما كان إصلاحًا.

стр. 11549

الحديث الثالث: حديث أبي ذر قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الحَرَامُ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الأقْصَى". قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ بَعْدُ الصَّلَاةُ فَصَلِّهْ، فَإِن الفَضْلَ فِيهِ" .. هذا الحديث يأتي قريبًا في باب: ووهبنا لداود سليمان، وأخرجه مسلم أيضًا، قال الخطابي: يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع، بناه بعض أولياء الله قبل داود وسليمان ثم بنياه وزادا فيه وسعاه فأضيف لهما بناؤه؛ لأن المسجد الحرام بناه إبراهيم، وبينه وبين داود وسليمان عدة من الأنبياء: ابنه إسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، ومدة أعمارهم أضعاف أربعين سنة، فوجه الحديث ما قلناه. وقد ينسب هذا المسجد إلى إيليا، فيحتمل أن يكون هو بانيه أو غيره، ولست أحقق لم أضيف إليه (١). قال ابن حبان في "صحيحه" لما أخرجه: هذا فيه دحض لقول من زعم أن بين إسماعيل وداود ألف سنة (٢). واعترضه الضياء الحافظ فقال: وجه هذا الحديث أن هذين المسجدين وضعا قريبًا ثم خربا ثم بنت. وقال القرطبي: يرتفع الإشكال بأن يقال: إن الآية الكريمة والحديث لا يدلان على أن إبراهيم وسليمان ابتدءا وضعهما، بل كان تجديدًا لما أسسه غيرهما (٣).

стр. 11550

وقد روي أن أول من بني البيت آدم، وعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده رفع بيت المقدس بعده بأربعين عامًا (١)، وبنحوه ذكره ابن الجوزي وغيره، ويوضحه ما ذكر ابن هشام في "تيجانه" أن آدم لما بنى البيت أمره جبريل بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه. ويؤيده أيضًا ما رواه خالد بن عرعرة قال: سأل رجل عليًّا ﵁ عن ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٦] أهو أول بيت بني في الأرض؟ قال: لا كان نوح قبله، وكان في البيوت، وكان إبراهيم قبله وكان في البيوت، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة والهدى، ومن دخله كان آمنًا (٢). وظاهره أن الوضع غير البناء. فصل: في "تاريخ بيت المقدس" للكنجي عن أبي عمرو الشيباني أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كانت الأرض ماء فبعث الله ريحًا فمسحت الأرض مسحًا فظهرت على الأرض زبدة، فقسمها الله أربع قطع، فخلق من قطعة مكة ومن الثانية المدينة ومن الثالثة بيت المقدس .. الحديث. وفي "فضائله" أيضًا للواسطي من حديث ابن لهيعة عن يزيد، عن عطاء، عن عائشة ﵂ أن مكة خلقها الله تعالى وحفها

стр. 11551

بالملائكة قبل أن يخلق شيئًا من الأرض كلها بألف عام، ووصلها بالمدينة، ووصل المدينة ببيت المقدس، ثم خلق الأرض كلها بعد بألف عام، فعلى هذا تكون الأيام التي خلقت فيها السموات والموجودات كل يوم منها ألف سنة، على ما رجحه واحتج له ابن حزم، فيكون بين خلق البيت وخلق المسجد الأقصى هذا المقدار من سني الدنيا. وقد يخدش فيه قول أبي ذر: (أي مسجد وضع في الأرض أول) وقد يراد موضع يوضع، وقول صاحب "التاريخ": روي عن كعب الحبر أن سليمان بني بيت المقدس على أساس قديم كان أسسه سام بن نوح لا يدفع ذلك. فصل: في النسائي بإسناد حسن عن عبد الله بن عمر مرفوعًا أن سليمان لما بني بيت المقدس سأل الله خلالًا ثلاثة: حكمًا يصادف حكمه فأوتيه، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، فلما فرغ من بنائه سأل الله ألا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطئيته كيوم ولدته أمه (١). فصل: وذكر أبو بكر محمد بن أحمد الواسطي في "تاريخ بيت المقدس" أن سليمان اشترى أرضه بسبعة قناطير ذهبًا. فصل: قيل له: الأقصى؛ لبعد المسافة بينه وبين الكعبة، وقيل: لأنه لم

стр. 11552

يكن وراءه موضع عبادة، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث فإنه مقدس أي: مطهر. فصل: قوله: (أي مسجد وضع أول) أي: للصلاة، وهو من خصائص هذِه الأمة؛ لأن من كان قبلها كانوا لا يصلون إلا في موضع تيقنوا طهارته، ونحن خصصنا بجوازها في كل الأرض إلا ما تيقنا نجاسته وباشرناها. الحديث الرابع: حديث أنس ﵁ في أحد وتحريم مكة والمدينة. سلف في الجهاد (١) وغيره، ورواه عبد الله بن زيد عن النبي ﷺ ، تقدم أيضًا في البيوع (٢). الحديث الخامس: حديث عائشة ﵂ في رد الكعبة على القواعد. سلف في الحج (٣)، وفيه: (ابن أبي بكر) وهو عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخو القاسم، قتل بالحرة. وقوله: آخره (وقال إسماعيل: عبد الله بن محمد بن أبي بكر)، وهذا أخرجه في التفسير عن إسماعيل بن أبي أويس متصلًا (٤).

стр. 11553

الحديث السادس والسابع: حديث أبي حميد وكعب بن عجرة. سلفا في الصلاة (١). وأبو حميد: اسمه عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج ابن عم سهل بن سعد بن مالك، وأبو أسيد مالك بن ربيعة بن بدر (٢) بن عمر وقيل: عامر بن عوف بن حارثة، مات أبو حميد في آخر خلافة معاوية قاله الواقدي. الحديث الثامن: حديث جَرِير، عَنْ مَنْصورٍ، عَنِ المِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: "إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ". هذا الحديث رواه الأربعة: أبو داود في السنة، والترمذي وابن ماجه في الطب.

стр. 11554

وقال الترمذي: حسن صحيح، والنسائي في النعوت و"اليوم والليلة" (١). رواه النسائي من حديث جرير (عن منصور) (٢) عن سليمان فقال: عن المنهال عن عبد الله بن الحارث مرسل (٣)، ورواه محمد بن فضيل عن الأعمش فقال: عن المنهال، عن محمد بن علي بن أبي طالب قال: كان النبي ﷺ مرسل (٤)، ورواه الإسماعيلي من حديث الأعمش ومنصور، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . فصل: (كلماته التامة) كلامه مطلقًا، وقال الهروي: القرآن. وقال ابن التين: التام فضلها وبركتها؛ لأنها تمضي وتستمر، لا يردها شيء، ولا يحقق معها طلبه، وقيل: أقضيته وعذابه يتضمنها كلامه كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٣٧] (وهي) (٥): ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ [القصص: ٥] وقيل: الكاملة أي: أنه لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل كلام الناس، وقيل: النافعة الكافية الشافية مما يتعوذ به. قال الخطابي: كان أحمد يستدل بقوله: "كلمات الله التامة" على أن القرآن غير مخلوق ويقول: إنه ﵇ لا يستعيذ بمخلوق (٦).

стр. 11555

وقوله: "من كل شيطان وهامة" وقال الداودي يعني: شياطين الإنس والجن. قال: والهامة: كل ذي نفس. وقال الخطابي: الهامة من الهوام ذوات السموم (١). وقال ابن فارس: الهوام حشرات الأرض (٢). وقال الهروي: الهوام: الحيات، وكل ذي سم يقتل، فأما ما لا يقتل وسم فهي السوام مثل: العقرب والزنبور، ومنها القيام مثل القنافذ والخنافس والفأر واليرابيع، قال: وقد تقع الهامة على ما يدب من الحيوان، ومنه قوله لكعب بن عجرة "أيؤذيك هوام رأسك؟ " (٣). أراد: القمل، سماها (هوامًا) (٤)؛ لأنها تهم في الرأس وتدب، وقيل الهامة: كل نسمة تهم بسوء. و (العين اللامة) قال أبو عبيد: أصلها من ألممت إلمامًا بالشيء نزلت به، ولم يقل: ملمة؛ كأنه أراد أنها ذات لمم (٥). وقال ابن الأنباري: اللامة: الملمة، وهي الآتية في الوقت بعد الوقت. وإنما قال: "لامة" وقياسها: ملمة؛ ليوافق لفظ هامة فيكون ذلك أخف على اللسان، وقال الخطابي: اللامة: ذات اللمم، وهي كل داء وآفة تلم بالإنسان من جنون وخبل ونحوه (٦). والعين اللامة ذات لمم بإصابتها وضرها، وقال الداودي: هي كل عين تصيب الإنسان إذا حلت به. وقاله ابن فارس أيضًا (٧).
следующие страницы →