الحافظ: بقيت بعد رسول الله ﷺ دهرًا طويلاً، فهو متصل.
وأباه الخطيب وقال: العجب من الحربي كيف خفي عليه سؤال مسروق لها مع علو قدره في العلم.
وأحسب العلة التي دخلت عليهما اتصال السند وثقة رجاله فلم يفكر فيما وراء ذلك فهي العلة التي دخلت على البخاري حتى خرجه.
وأما مسلم فلم يخرجه ورجاله على شرطه وأحسبه فطن لاستحالته فتركه. وقول الحربي سألها وله خمس عشرة سنة.
فعلى هذا كان له وقت وفاة رسول الله ﷺ بضع عشرة سنة، فما الذي منعه أن يسمع من رسول الله ﷺ .
قلت: لكن البخاري لما ذكر رواية علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم: ماتت أم رومان زمن رسول الله ﷺ ، قال: فيه نظر -أي: لضعف علي وانقطاع حديث القاسم- وحديث مسروق أسند (١).
قال الخطيب: لم يزل حديث مسروق هذا يختلج في صدري وأستنكره سنين فلا أعرف له علة لثقته واتصال سنده حتى رأيت في رواية لحصين، عن مسروق، عن أم رومان فجوزت أن يكون مسروق أرسل الرواية عنها، وقد ذكر أن حصينًا اختلط في آخر عمره، فلعله روى الحديث في حال اختلاطه. وفي روايةٍ عن مسروق: سُئلت أم رومان. وهذا أشبه بالصحة؛ لأن من الناس من يكتب الهمزة ألفًا في جميع أحوالها: الرفع والنصب والخفض ولعل بعض النقلة كتب سُئلت بالألف فقرأه الراوي سَأَلتُ ودوَّن عليه ورواه. ووقع في كتابه:
стр. 11587
ورواه مسروق عن ابن مسعود عنها. قال: وهو الأشبه (١).
وقال ابن ناصر السلامي (٢): يكون كأنه روى عن ابن مسعود عنها. والذي قاله غير واحد أن الأولى مرسلة.
قال أبو عمر: رواية مسروق، عن أم رومان مرسلة (٣).
وقال الحميدي: كان بعض من لقينا من البغداديين الحفاظ يقول: الإرسال في هذا الحديث بَيِّن (٤).
وقال ابن العربي: العنعنة في رواته، إنه أصح.
وقال السهيلي: قيل: إنه وهم في الحديث (٥).
قال الداودي: رواه وائل عن أم رومان.
وفيه من الوهم أن أم مسطح من قريش وقالت: (ولجت علينا امرأة من الأنصار).
وفيه: (فانصرف رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا). خلاف قول عائشة: فما رام رسول الله ﷺ من مجلسه ولا خرج من البيت حتى نزلت براءتها (٦).
وقال ابن التين: هو أصح من هذا؛ لأنه رواه الزهري عن ابن المسيب وعروة وعبيد الله وعلقمة بن وقاص عنها.
стр. 11588
وإنما ذكره هنا لذكر يوسف حيث قالت: (فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه).
وفي أبي داود من حديث حميد الأعرج، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنه ﷺ لما كشف وجهه حين جاءه جبريل قال: "أعوذ بالله السميع من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ ثم قال: هذا حديث منكر، وقد روى هذا الحديث عن الزهري غير واحد، لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح، وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة فيه من كلام حميد (١).
الحديث الثامن:
حديث عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : أَرَأَيْتِ قَوْلَهُ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] أَوْ: ﴿كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠]. قَالَتْ: بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ. فَقُلْتُ: والله لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ. فَقَالَتْ: يَا عُرَيَّةُ، لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ. قُلْتُ: فَلَعَلَّهَا أَوْ ﴿كُذِبُوا﴾. قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ، لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، وَأَمَّا هذِه الآيَةُ. قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ .. الحديث.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿اسْتَيْأَسُوا﴾ [يوسف: ٨٠]: (استفعَلُوا) (٢) مِنْ يَئِسْتُ. وسيأتي في التفسير سورة البقرة ويوسف.
واخُتلف في معنى هذِه الآية فقيل: استيئسوا أن يأتي قومهم العذاب. وقيل: يئسوا من إيمان قومهم.
стр. 11589
قال ابن التين: ليس وزنه كما ذكر البخاري افتعلوا ولكن استفعلوا. وكذلك هو في بعض الروايات، وقد أسلفناه أولاً.
وقول عائشة ﵂: (والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم وما هو بالظن) هذا قول قتادة، وهو معروف في اللغة أنّ الظنّ بمعنى اليقين ومنه قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨].
وفي الآية قول آخر على قراءة التشديد أن الظن على بابه، ويتأول على عائشة هنا: طال على المؤمنين البلاء واستأخر عنهم النصر فظن الرسل أن أتباعهم كذبوهم، قيل وهو أحسن.
وقول ابن مسعود وابن عباس [كُذِبُوا] بضم الكاف والتخفيف.
واختلف قول ابن عباس في تأويله فقال: إنهم ضعفوا، وقال: إنهم كسروا (١).
والثاني: ظن قومهم أن الرسل كُذِبوا، فالضمير في (كذبوا) يعود على القوم على هذا. وقرأ مجاهد (كَذِبوا) بفتح الكاف والتخفيف، وفسره: وظن قومهم. أي: كذبوهم (٢)، وهو كالذي قبله في المعنى. وقال ابن عرفة: الكذب الانصراف عن الحق، يقال: حمل فما كذب. أي: ما انصرف عن القتال، فمعنى (كذبوا) أي: تكذيبًا لا تصديق بعده.
وقولها: (يا عرية) هو تصغير عروة وأصله عريوة إلا أنه اجتمع حرفا علة وسبق الأول بالسكون جعلوهما ياءين وأدغموا الأولى في الثانية.
стр. 11590
وقوله،: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾، معناه الرجاء أي لرحمته، تعالى.
الحديث التاسع:
حديث ابن عُمَرَ ﵄: "الْكَرِيمُ ابن الكَرِيمِ" إلى آخره.
سلف قريبًا (١)، والبخاري رواه ثَمَّ عن إسحاق بن منصور، أنا عبد الصمد، وهنا رواه عن عبدة، ثنا عبد الصمد، ورواه في التفسير عن عبد الله بن محمد، ثنا عبد الصمد (٢).
وعبدة هذا هو ابن عبد الله بن عبدة أبو سهل الصفار الخزاعي البصري مات بالأهواز سنة ثمان وخمسين ومائتين، انفرد به البخاري، وعنه الأربعة أيضًا. وفي الستة عبدة بن سليمان الكلابي سلف قريبًا.
وعبدة بن أبي لبابة لم يرو له أبو داود، وفي أبي داود عبدة بن سليمان المروزي. وفي النسائي عبدة بن عبد الرحيم المروزي، مات بدمشق سنة أربع وأربعين ومائتين.
стр. 11591
٢٠ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣]
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]: اضرِبْ. ﴿يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢]: يَعْدُونَ.
٣٣٩١ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِى فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَى رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ». [انظر: ٢٧٩ - فتح ٦/ ٤٢٠]
ثم ساق حديث أبي هريرة ﵁ في قصة أيوب، وقد سلفت في الغسل من الطهارة (١).
قيل: كانت خرجت من جسده خراجات كالحلم فإذا طفئت واحدة عادت أخرى.
وكان من صبره أنه كان تسقط منه الدودة فيردها من حيث سقطت فلبث سبعًا كذلك، زاد الحسن: وستة أشهر. وقال وهب: ثلاث سنين لم تزد يومًا واحدًا (٢).
وسنذكر حدث حديثًا: "ثماني عشرة سنة".
стр. 11592
قال ابن إسحاق في "المبتدأ": وكان رجلاً من بني إسرائيل ولم يرفع لنا في نسبه فوق أبيه شيئًا، وهو أيوب بن بازخ بن أموص زاد مقاتل: بن اليفور بن العيص بن إسحاق (١).
وأسقط ابن دريد في "وشاحه" بازخ وذكر بعد أموص رازح. زاد صاحب "التاريخ الغريب" (بعد) (٢) أموص رعويل. قبره مشهور (بحوران) (٣) بقرية بقرب نوى. وكان ينزل البثنية من الشام. وروى أحمد بن وهب عن عمه عبد الله، أنا نافع بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس مرفوعًا: "إن أيوب لبث في بلائه ثماني عشرة سنة" (٤) وعن خالد بن دريك: أصابه البلاء على رأس ثمانين سنة من عمره. وعن ابن عباس: مكث في البلاء سبع سنين، وكان أصابه بعد السبعين من عمره (٥).
وفي "التاريخ الغريب" زوج ليَّا بنت يعقوب وأم ابنه لوط، وعاش مائتي سنة وست عشرة سنة قال: وقبره بمصر، وقيل: بالشام.
стр. 11593
وقال ابن خالويه في "ليس": كنيته أبو عبد الله وامرأته أم زيد. وما ذكره عنه القُصّاص من تسلط إبليس عليه غير صحيح كما نبه عليه ابن العربي في "سراجه"؛ لأنه لا يتسلط على المخلَصين، فكيف من كبارهم؟!
واخْتُلف لم حلف ليضربن زوجته، فقال ابن عباس: لما أخذه البلاء أخذ إبليس تابوتًا وقعد على الطريق يداوي فجاءته امرأة أيوب فقالت: أتداوي رجلاً به علة كذا وكذا فقال: نعم بشرط أني إذا شفيته قال: أَنْتَ شفيتني، لا أطلب منه جزاءً غير هذا. فجاءت إلى أيوب فأخبرته فقال لها: ذاك الشيطان، والله لئن برئت لأضربنك مائة (١).
وقيل: إنها قالت له: لقد طال بك هذا لو كان لك عند ربك مكان لكشف ما بك، فحلف ليضرَبنّها مائة جلدة، فلما كشف ضره وقد ذهب عنها، نودي أن ارْكُض برجلك فاغتسل فذهب ما به فعاد خلقه أحسن ما كان، فأتاها فقالت: لعلك رأيت نبي الله أيوب، وإنه أشبه الناس بك قبل أن يبتلى فأخبرها أنه هو فأنزل الله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾، قال مجاهد ومالك وغيرهما: هذا خاص له. وقال عطاء: هو لجميع الناس (٢).
وقالت فرقة: أمران يضربها بقدر احتمالها فمن لم يحتمل إلا ذلك فُعل به كذلك.
قال ابن التين: والأبين قول مالك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ فأسقط عنه الحنث فدل أنه خاص. ولا نُسلّم له.
стр. 11594
فصل:
وقوله: ("خَرّ عليه رِجل جراد") يقال: هذا رِجل من جراد أي جماعة منهم، كما يقال: سرب من الظباء، وعانة من الحمير، وخيط من النعام، وذلك من أسماء الجماعات التي لا واحد لها من لفظها.
قال الخطابي: وفيه دلالة على أن من نُثِر عليه دراهم أو نحوها في إملاك ونحوه أنه أحق بما نثر عليه (١).
وتعقبه ابن التين فقال: ليس كما ذكره؛ لأنه شيء خَصّ الله به نبيه أيوب، وذلك شيء من فعل الآدمي فيكره فعله؛ لأنه من السرف. وينازع في كونه خاصًّا، وبأنه جاء عن الشارع فلا سرف فيه.
стр. 11595
٢١ - باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ في الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم: ٥١ - ٥٢]
كَلَّمَهُ. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ [مريم: ٥١ - ٥٣] يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَللاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ: نَجِيٌّ، وَيُقَالُ: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]: اعْتَزَلُوا نَجِيًّا، وَالْجَمِيعُ أَنْجِيَةٌ يَتَنَاجَوْنَ (١).
٣٣٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، سَمِعْتُ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ رَجُلاً تَنَصَّرَ يَقْرَأُ الإِنْجِيلَ بِالْعَرَبِيَّةِ. فَقَالَ وَرَقَةُ: مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الذِي أَنْزَلَ الله عَلَى مُوسَى، وَإِنْ أَدْرَكَنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. النَّامُوسُ: صَاحِبُ السِّرِّ الذِي يُطْلِعُهُ بِمَا يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. [انظر: ٣ - مسلم: ١٦٠ - فتح ٦/ ٤٢٢]
ذكر فيه حديث عروة قال: قالت عائشة ﵂: (فرجع النبي ﷺ إلى خديجة ترجف بوادره). وقد سلف أول الكتاب (٢).
و ﴿مُخْلَصًا﴾ قرئ بفتح اللام. أي: أخلصناه مختارًا خالصًا من الدنس، وبكسر اللام أي وَحَّدَ الله بطاعته وأَخْلَص نفسه من الدنس.
ومعنى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال ابن عباس: أدنيناه حتى سمع صريف الأقلام (٣).
стр. 11596
وقوله: (النجي .. ) إلى آخره، كذا قال ابن عرفة. وقال غيره: نَجِيّ جمع أنجية. وقيل: نَجِيّ جمع ناجٍ مثل غاز وغزي.
والناموس صاحب سر الرجل. وقال أبو عبيد: هو جبريل ﵇ وسمي بذلك؛ لأن الله خصه بالوحي والغيب الذي لا يطلع عليه غيرُهُ، وأصله من نمس ينمس نمسًا، ونامسته منامسة إذا سررته (١).
مَاسَّهُ مِسَاسًا. ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ [طه: ٩٧]: لَنُذْرِيَنَّهُ. الضَّحَاءُ: الحَرُّ. ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص:١١]: اتَّبِعِي أَثَرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ تَقُصَّ الكَلَامَ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [الكهف: ١٣]. ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]: عَنْ بُعْدٍ، وَعَنْ جَنَابَةٍ وَعَنِ اجْتِنَابٍ وَاحَدٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَلَى قَدَرٍ﴾ [طه:٤٠]: مَوْعِدٌ ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ [طه: ٤٢]: لَا تَضْعُفَا ﴿يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧]: يَابِسًا ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]: الحُلِيِّ الذِي اسْتَعَارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ أَلْقَيْتُهَا. ﴿أَلْقَى﴾ [طه: ٨٧]: صَنَعَ. ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] مُوسَى، هُمْ يَقُولُونَهُ: أَخْطَأَ الرَّبَّ ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩]: فِي العِجْلِ.
٣٣٩٣ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِىَ بِهِ: "حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الخَامِسَةَ، فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ". تَابَعَهُ ثَابِتٌ وَعَبَّادُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٣٢٠٧ - مسلم: ١٦٤ - فتح ٦/ ٤٢٣]
ذكر فيه حديث أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة أنه ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به "حتى أتى السماء الخامسة فإذا هارون، قال: هذا هارون سَلِّم عليه فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح" هذا الحديث سلف مطولاً غير مرة (١)، ثم قال: تابعه ثابت وعباد بن أبي علي، عن أنس، عن النبي ﷺ .
стр. 11599
متابعة ثابت أخرجها مسلم عن شيبان، عن حماد بن سلمة عنه (١).
ومالك بن صعصعة أخوه قيس بن صعصعة بن وهب بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار شهد أحدًا.
وفي الصحابة قيس بن صعصعة، روى حبان بن واسع عن أبيه [عنه] قلت: يا رسول الله (٢). وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد الخزرجي المازني عقبي بدري، أمير الساقة يوم بدر وهو الذي قبله وهذا أصح (٣).
وعباد بن أبي علي روى عنه هشام الدستوائي وحماد بن زيد وخليد بن حسان لم يذكروه.
ومعنى ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾: وجدتها وعلمت مكانها. والقبس: ما أخذ من صوف أو قصب أو فتيلة. وقال ابن فارس: القبس: قبس النار وهو الشعلة، يقال: أقبست الرجل علمًا وقبسته نارًا (٤).
стр. 11600
وقال ابن دريد: قبست من فلان نارًا واقتبست منه علمًا (١). وقيل: القبس الجذوة وهي النار التي تأخذها في طرف عود.
ومعنى (﴿سِيرَتَهَا﴾ حالتها) أي: سنعيدها عصًى كما كانت.
("النُّهى": التُّقى)، أو الورع، أو العقول، أو الرأي، وجزم البخاري بالأول وكلها متقاربة؛ لأنه مأخوذ من النهى وواحدها نهية.
وقوله: (﴿بِمَلْكِنَا﴾): أي (بأمرنا). والملك ما حوته اليد، وبالفتح المصدر، والمعنى واحد. وقال قتادة: بطاقتنا (٢) وتقرأ بمُلكنا بالضم، أي: بسلطاننا، وأُنكرت؛ لأنهم لم يكن لهم سلطان إنما كانوا مستضعفين تُذبَّح أبناؤهم وتُستحْيَى نساؤهم.
﴿رِدْءًا﴾، ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ (ويقال: معينًا ومغيثًا). (والجذوة: قطعة -بالتثليث- غليظة من الخشب ليس فيها لهب).
والعقدة التي كانت في لسان موسى؛ لأنه أخذ جمرة فجعلها في فيه غرًّا من امرأة فرعون لتدرأ عنه عقوبة فرعون؛ لأنه أخذ بلحيته فقال: هذا عدو لي، فقالت له: إنه لا يعقل.
و (كلما لم ينطق بحرف أو فيه تمتمة أو فأفأة عقدة).
و ("وأزري": ظهري) قاله ابن عباس (٣). وقيل له أزر؛ لأنه محل الإزار وهو تمثيل؛ لأن القوة في الظهر، أي: أشد قوتي به.
والصف: المصلى. قال البخاري: (يقال هل أتيت الصف اليوم، يعني: المصلى الذي يصلى فيه). وقال أبو عبيد: مصلى العيد.
стр. 11601
وقال أبو إسحاق: يجوز أن يكون المعنى: والناس مصطفون مجتمعون لهم؛ ليكون أعظم لأمركم وأشد لهيبتكم.
قال البخاري: (﴿مِسَاسَ﴾ (١) مصدر ماسه مساسًا) ومعنى ﴿ولَا مِسَاسَ﴾ أي: عقوبتك في الحياة الدنيا أن لا تخالط ولا تكلم. ﴿فَنسَيَ﴾ أي: لم يذكر لكم أنه إلاهه، قاله ابن عباس. وقال الضحاك: ضل عنه تركه ومضى. وقيل: المعنى فنسي السامري الإيمان أي فتركه وأنه لما عبر البحر نافق. وقوله: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ يروى أنه لما جاز مرة واحدة ولم يعاود الجواز. وفي بعض النسخ سوى ما سلف.
(﴿هوى﴾: شقي، قال ابن عباس: ﴿المقدس﴾: المبارك). قلت: والأرض المقدسة: الطور وما حوله، وقيل: أريحا، وقيل: دمشق، وقيل: فلسطين والأردن.
(﴿طوى﴾: اسم الوادي ﴿فَارِغًا﴾ إلا من ذكر موسى. يبطُش ويبطِش. ﴿يَأتَمِرُونَ﴾: يتشاورون. ﴿سَنشُدُّ﴾: سنعينك كلما عززت شيئًا فقد جعلت له عضدا. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: فيهلككم. ﴿المثلى﴾ تأنيث الأمثل يقول: بدينكم، يقال: خُذِ المُثْلى، خذ الأمثل).
وقوله: (﴿فَأَوْجَسَ﴾: أضمر خوفًا، فذهبت الواو من ﴿خِيفَةً﴾ بكسر الخاء ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: على جذوع. ﴿خَطْبُكْ﴾: بالك ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾: لنذرينه. الضحى: الحر. ﴿قُصِّيهِ﴾: اتبعي أثره، وقد يكون أن تقص الكلام ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾. ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾: عن بعد وعن جنابةٍ وعن اجتناب واحد. وقال مجاهد: ﴿عَلَى قَدَرٍ﴾: موعد.
стр. 11602
﴿وَلَا تَنِيَا﴾: لا تضعفا. ﴿مَكَانًا سُوَى﴾: منصف بينهم ﴿يَبَسًا﴾: يابسًا. ﴿زِينَةِ الْقَوْمِ﴾: الحلي الذي استعاروا من آل فرعون. ﴿فَقَذَفْتَهَا﴾: ألقيتها. ﴿أَلْقَى﴾: صنع. ﴿فَنَسِيَ﴾ موسى. هم يقولون: أخطأ الرب ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ العجل). وستأتي جملة من ذلك في تفسير سورة طه.
стр. 11603
٢٣ - باب ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ الآية [غافر: ٢٨]. [فتح ٦/ ٤٢٨]
في اسم هذا الرجل ستة أقوال:
أحدها: شمعان، قال الدارقطني: لا يعرف شمعان بالشين المعجمة إلا مؤمن آل فرعون (١).
قال السهيلي: وهو أصح ما قيل فيه (٢).
ثانيها وثالثها: قال الطبري: اسمه جبر، وقيل: جابوت، وهو الذي التقطه إذ كان في التابوت.
رابعها: حبيب ابن عم فرعون، قاله عبد بن حميد في "تفسيره" عن ابن إسحاق.
خامسها: خربيل بن بوحابيل، قاله ابن عباس وأبو القاسم الجوزي في "تفسيره".
سادسها: يوشع قاله ابن التين.
قال: وهو أحد الرجلين اللذين أنعم الله عليهما ونبئ بعد ذلك فأرسل، وهو الذي قال للشمس: إنك مأمورة (وأنا مأمور) (٣) فأمسكت عند الغروب حتى فتح عليه.
стр. 11604
قال مقاتل: وكان قبطيًا يكتم إيمانه مائة سنة من فرعون، وكان له الملك بعد فرعون. وقال ابن خالويه في كتاب "ليس": لم يؤمن من أهل مصر إلا أربعة: آسية، وخربيل مؤمن آل فرعون، ومريم بنت لابوس الملك التي دلت على عظام يوسف (١)، وقبة الماشطة.
الكلام صفة للرب ﷻ ، ومن أنكر كلامه لموسى فهو كافر.
ثم ساق في الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ: "رَأَيْتُ مُوسَى، وَإِذَا رَجُل ضَرْب رَجِل كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ" الحديث.
وقد سلف، ويأتي في أحاديث الأنبياء (١). وأخرجه مسلم في الإيمان والترمذي في التفسير (٢). ومعنى (ضرب): نحيف، وهو مدح. والرَّجِلُ: الدهين الشعر المسترسلة المسرحة.
وقوله: "من رجال شثوءة" قال الداودي: يعني: في الطول. وقال القزاز: ما أَدْرى البخاري بذلك، على أنه روى في صفته بعد هذا خلاف هذا فقال:، "وأما موسى فآدم جسيم كأنه من رجال الزط" (٣).
وقوله في عيسى: "كأنما خرج من ديماس" قيل: هو السرب، وقيل: الحمام، وأراد إشراق لونه ونضارته. وقيل: لم يكن لهم يومئذ ديماس وإنما هو من علامات نبوته.
الحديث الثاني:
حديث أبي العالية عن ابن عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى" الحديث.
стр. 11607
ويأتي في تفسير سورة النساء والأنعام (١)، وقد سلف تأويله.
وفي لفظ: "من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب" (٢)، أي: غيري.
وقيل: خص يونس؛ لأن الله تعالى لم يذكره في جملة أولى العزم من الرسل، وقال: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] وقال: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧] فخفض عن مراتب أولى العزم من الرسل، فالمعنى إذا لم آذن لكم أن تفضلوني على يونس فلا يجوز أن تفضلوني على غيره من جملة الأنبياء وليس بمخالف؟ لقوله: "أنا سيد ولد آدم" (٣) لأنه قال شكرًا لا فخرًا، وأراد بالسيادة ما يكرم به في القيامة من الشفاعة.
فائدة:
اسم أبي العالية: رفيع بن مهران الرياحي، أعتقته امرأة من بني رياح حي من تميم، يقال لها: أمية وقيل: أمينة، سائبة لوجه الله، وطافت به على حلق المسجد.
قيل: إنه أدرك الجاهلية وأسلم بعد موت رسول الله ﷺ بسنتين، كان ابن عباس يجلسه معه على السرير، وقريش تحته.
стр. 11608
الحديث الثالث:
حديث أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عَنِ ابن بسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا يَعْنِي عَاشُورَاءَ .. الحديث.
وقد سلف حكمه في الصوم، وأخرجه مسلم والنسائي وأيضا ابن ماجه (١) وأسقط ابن سعيد. وقال: عن سعيد. و (ابن سعيد) هو عبد الله، أسدي والبي مولاهم أخو عبد الملك، رويا عن أبيهما، قال أبو حاتم: لا بأس به.
وقوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال قتادة: دَكَّ بَعْضَهُ على بعض. وقيل: جعله مستويًا مع وجه الأرض، مثل ناقة دكاء لا سنام لها. وقال عكرمة: لما نظر الله إلى الجبل صار صحراء ترابًا. وقرئ (جعله دكاء) أي: صار أرضًا دكاء وهي الناتئة التي لا تبلغ أن تكون جبلًا.
وقوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال قتادة: مغشيًا عليه. وقيل: ميتًا (١).
وقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال مجاهد: أي من أن أسألك الرؤية (٢). وقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أول من آمن أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات؛ لأن سؤاله كان في الدنيا ﴿وَأُشْرِبُوا﴾ قال قتادة: أي حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم.
ثم ذكر حديث أبي هريرة: "لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم"، الحديث وقد سلف، وأخرجه مسلم (٣) أيضًا.
وحديث أبي سعيد: "الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور" وسلف في الإشخاص، ويأتي في سورة الأعراف (٤).
стр. 11611
وقال في رواية أخرى: "يصعق الناس فأكون أول من تنشق عنه الأرض" وهذا هو الصحيح (١)؛ لأن الإفاقة غير الانشقاق، والصعقة حين ينفخ في الصور النفخة الأولى، ألا ترى أنه قال هنا: "فأكون أول من يفيق". ثم قال: "لا أدري أفاق قبلي".
وكذا قال الداودي مرة قوله: "فأكون أول من يفيق" ليس بمحفوظ واضطربت الرواية في هذا الحديث، وقيل من يسلم معه منهم من الوهم.
والصحيح: "فأكون أول من تنشق عنه" والانشقاق غير الإفاقة.
وقال القاضي عياض: الصعق والصعقة والصاعقة: الموت والهلاك والغشي أيضًا. قال: فيجوز أن تكون الصعقة صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السموات والأرض جميعًا
قال: وأما قوله: "فلا أدري أفاق قبلي" فيحتمل أن يكون قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض، إن حملنا اللفظ على ظاهره وانفراده وتخصيصه، وإن حمل على أنه من الزمرة الذين هم أول من تنشق عنهم الأرض لا سيما على رواية من روى: "أو في أول من يبعث" فيكون موسى أيضًا من تلك الزمرة، وهي زمرة الأنبياء ﵈ (٢).
стр. 11612
٢٦ - باب طُوفَانٍ مِنَ السَّيْلِ
ويُقَالُ لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ: طُوفَانٌ. القُمَّلُ: الحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الحَلَمِ. ﴿حَقِيقٌ﴾ [الأعراف: ١٠٥]: حَقٌّ. ﴿سُقِطَ﴾ [الأعراف: ١٤٩]: كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ. [فتح ٦/ ٤٣١]
الشرح:
الطوفان في اللغة: ما كان هلكًا من موت أو سيل، أي ما يطيف بهم فيهلكهم.
وقوله: ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ إلى آخره. (الحمنان): هو الحلم بفتح الحاء والسلام، والحلم في اللغة: صغار القردان. وعبارة الدمياطي: ضرب من القردان يشبه الحلمة.
وقال مجاهد: القمل الدبا (١) قال: أرسل الله عليهم الجراد فأكل مسامير أبوابهم وثيابهم، وأرسل عليهم القمل وهو الدَّبَا فكان يدخل في ثيابهم وفرشهم. وقال حبيب بن أبي ثابت: القمل: الجعلان. وقيل: هي دواب صغار من جنس القردان، إلا أنها أصغر منها واحدها قملة. وقيل: هي صغار الدبا قاله ابن فارس (٢). وقيل: هي كبار القردان ذكره الهروي.
وقيل: هي دواب أصغر من القمل.
﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ واحدها ضفدع بكسر الضاد وفتح الدال وكسرها ﴿وَالدَّمَ﴾ قال مجاهد: كانوا يجدونه في ثيابهم وشرابهم وطعامهم.
стр. 11613
﴿مُفَصَّلَاتٍ﴾ بعضها منفصل من بعض، فقيل: كان بين الآية والآية ثمانية أيام. وقيل: أربعون ليلة. وكان الإسرائيلي يشرب مع الفرعوني في قدح فيكون للأول ماء وللثاني دم.
وقوله: ﴿حَقِيقٌ﴾ حق، أي: وجب، وهذا على قراءة من شد الياء ﴿عَلَيَّ﴾، ومن خفف قال أبو عبيدة: أي: حريص (١).
وقيل: معناه أنا حقيق بالصدق.
وقوله: (كل من ندم قيل: سقط) ويقال: أُسقِطَ وقرئ سقط، ومعناه: سقط الدم من أيديهم.
والبخاري رواه هنا عن (عمرو بن محمد) هو الناقد الرقي، و (علي بن عبد الله). و (نوف) هو بفتح النون (البكالي) بكسر الموحدة، ومنهم من فتحها وشدد الكاف، وهو من بكال بن دعمي بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة بن سبأ، وأوضحناه هناك.
وموسى ﵇ سلف ذكره هناك. وكان هارون أطول منه، وأكثر لحمًا، وأبيض جسمًا، وأغلظ ألواحًا، وأسن من موسى بثلاث سنين، وكان في جبهته شامة، وفي أرنبة أنف موسى شامة، وعلى طرف لسانه شامة وهي العقدة التي ذكرها الله، ولا يعرف قبله ولا بعده على لسانه شامة غيره.
قال وهب: وفرعون موسى هو فرعون يوسف، واسمه: الوليد بن مصعب. قال ابن قتيبة: قال غيره: الأمر بخلافه وأن فرعون موسى ليس فرعون يوسف (١).
قال ابن خالويه في كتاب "ليس": كان فرعون موسى على مصر خمسين سنة. والمساكين الذين كانوا يعملون في البحر كانوا سبعة بكل واحد منهم زمانة ليست بالآخر. وقيل: كانوا عشرة، خمسة زمنى وخمسة يعملون عليها، وكانت تساوي ألف دينار كما أفاده في "الغرر" (٢).
والملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا اسمه -فيما ضبطه عن أبي زيد المروزي عن البخاري-: جيسون، وفي غير هذِه الرواية بالحاء المهملة، وفيه رواية ثالثة -كما قال السهيلي-: حبنون (٣).
стр. 11618
وفيه (١) أقوال أخر (٢):
جلن"، قال ابن عسكر: وكان بقرطبة من جزيرة الأندلس (٣). أو هدد بن بدد، أو منولة بن الجلندي بن سعيد الأزدي، وسماه الرضي الشاطبي فلع بن سارق بن ظالم بن عمرو بن شهاب بن مرة بن الهلقام بن الجلندي بن المستكير بن الجلندي.
قال ابن خالويه: ليس أحد يقول بالثاني -أعني هدد بن بدد- إلا ابن مجاهد. وقال ابن دربد: هدد بن العمال ملك من ملوك حمير، زعم علماء اليمن أن سليمان زَوَّجه بلقيس.
وقوله: ("بينما موسى في ملإ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا") قال الداودي: أرى هذا المحفوظ؟ وليس فيه أنه عتب عليه.
ورواية سعيد بن جبير إثر هذا: (فسُئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) وهذا موضع العتاب.
وقد سلف الكلام عليه في كتاب العلم.
والسرب: المسلك والمذهب. ويقصان آثارهما: يتبعان ويجوز بالسين ومعناه: رجعا من الطريق الذي سلكاه.
стр. 11619
والنَول بفتح النون وسكون الواو: العطاء والأجر. ﴿إِمْرًا﴾: منكرًا قاله مجاهد (١).
وقد أخرجه ابن المنذر من حديث ابن جريج عنه.
وقال الكسائي: شديدًا من قولك: أمِرَ القوم، إذا كثروا واشتد أمرهم.
وقيل: الإمر: العجب، وقيل: الداهية.
وقوله: (وأومأ سفيان بأطراف أصابعه)، كذا في الأصل بالهمز.
وقال ابن التين: كتب بالياء وصوابه الهمز.
وقوله: (أقتلت نفسا زاكية) هي قراءة أهل الكوفة. قال الفراء والكسائي وأبو حاتم: زاكية وزكية بمعنى، مثل عالم عليم.
وفرق أبو عمرو بينهما فاختار زاكية، وزعم أن الزاكية التي لا ذنب لها والذي قتله الخضر كان طفلًا. وأنكر هذِه التفرقة أهل اللغة، وقال أبو عمرو: الصواب ﴿زَكِيَّةً﴾ في الحال و (زاكية) في غد.
وقيل ﴿زَكِيَّةً﴾ زنته فيعلة مثل ميتة، فاجتمع حرفا علة سبق أولهما بالسكون فقلبت ياء، وأدغمت الياء في الياء، ونقلت حركة الأولى إلى الكاف. وهذا غير صحيح؛ لأن ﴿زَكِيَّةً﴾ ليس وزنه فيعلة، وإنما وزنه فعيلة (٢).
وقوله: ("ووددنا أن موسى صبر حتى يقص علينا من خبرهما") استدل به بعضهم على وفاة الخضر، إذ لو كان حيًّا لمضى إليه واطلع على علمه. ولا يلزم.
стр. 11620
والخضر لم يمت على المختار (١).
وقوله: (ثم قال لي سفيان: سمعته مثله مرتين وحفظته منه. قيل لسفيان: أحفظته قبل أن تسمعه من عمرو أو تحفظته من إنسان؟ فقال: ممن أتحفظه؟ ورواه أحد عن عمرو غيري؟ سمعته منه مرتين أو ثلاثًا وحفظته منه).
وهذا رواه أبو ذر الهروي ثنا أبو إسحاق المستملي، ثنا الفربري، ثنا علي بن خشرم، عن سفيان فذكره.
فصل:
ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ("إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرُ؛ لأَّنهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ") وقد سلف الكلام عليه في العلم.
ذكر فيه ثلاثة أحاديث.
أحدها:
حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قِيلَ لِبَني إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا البَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا: حِطَّة. فَبَدَّلُوا، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ".
هذا الحديث رواه البخاري في التفسير في تفسير سورة البقرة عن محمد، ثنا ابن مهدي (١).
قال أبو علي: نسبه ابن السكن وحده ابن سلام، قال الجياني: والأشبه أن يكون ابن بشار أو ابن مثنى.
وقد ذكر (أبو أحمد) (٢) أن ابن بشار وابن مثنى من جملة من خرج عنهما البخاري في "الصحيح" عن ابن مهدي، ولم يذكر ابن سلام (٣).
وأخرجه في تفسير سورة الأعراف عن إسحاق، عن عبد الرزاق.
وأخرجه مسلم آخر الكتاب وصححه الترمذي وللنسائي: "فدخلوا يزحفون على أوراكهم" (٤) أي منحرفين. ولا خلاف كما قال ابن العربي: أن القرية في الآية بيت المقدس (٥). وقال السهيلي: هي أريحا، وقيل: مصر، وقيل: البلقاء، وقيل: الرملة.
стр. 11623
وفي "تفسير الجوزي": هي قرية الجبارين والباب الذي أمروا بدخوله هو باب المسجد الثامن وهو من جهة القبلة. وعن الضحاك يقال له: باب حطة. وقال مجاهد: من باب إيلياء باب بيت المقدس (١).
وكذا قال مقاتل: إيلياء. وحكى القرطبي قولًا أنه باب القرية، وآخر أنه باب قرية فيها موسى (٢).
وقوله: (سجدًا) قال ابن عباس: منحنين ركوعًا (٣)، وقيل: خضوعًا وشكرًا لتيسير الدخول.
وقوله: (حطة): أي مغفرة قاله ابن عباس، أو لا إله إلا الله قاله عكرمة، أو حط عنا ذنوبنا قاله الحسن، أو أخطأنا فاعترفنا.
وقال ابن الجوزي: فقالوا: حطا (سمعانًا) (٤): أي حنطة حمراء استخفافًا بأمر الله. قال الكلبي: تعبدوا بقولها. وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا وأمرنا حطة. وقال صاحب "المطالع": حطة بدل من حنطة.
قال ابن العربي: أخبرني بعض الأحبار أنهم قالوا بلغتهم: (سقنا) (٥) أزه هذبًا. تفسيره حبة مقلوة في شعرة مربوطة (٦).
стр. 11624
وقوله: "حبَّة في شعرة" روي عن ابن مسعود أنهم قالوا: حبة حمراء (١)، وهي معنى ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]. وروى المروزي: شعيرة.
فلما عصوا عاقبهم الله بالرجز وهو الطاعون، والظلمة، هلك منهم سبعون ألفًا في ساعة واحدة. وانظر الفرقان بين هذِه الأمة وتلك الأمة، أولئك أذنبوا ودلوا على طريق التوبة تلاعبوا، وهذِه الأمة تتدارك جهدها ولله الحمد.
الحديث الثاني:
حديث عوف، عن الحسن ومحمد وخلاس، عن أبي هريرة ﵁ في قصة موسى واغتساله.
وقد سلف في الطهارة (٢) قال الترمذي: الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ولا من علي (٣). والأدرة: بضم الهمزة وسكون الدال وبفتحها حكاه ابن فارس (٤).
وقوله: ("لندبا") هو بفتح النون والدال الأثر، أو أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد. وفي آخره فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية.
стр. 11625
وروى علي بن أبي طالب قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون فقالذينو إسرائيل: أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حبًا فأوذي من ذلك فأمر الله ملائكة فحملته فمروا به على مجالس بني إسرائيل فتكلمت الملائكة بموته حتى علمت بنو إسرائيل أنه قد مات فدفنوه فلم يعلم موضع قبره إلا الرخم، فإن الله جعله أصم أبكم (١).
وقوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾ كلمه تكليمًا، وقرئ شاذًا: عبدًا بالباء.
وروي أن قارون قال لامرأة وضيئة من بني إسرائيل: هل لك أن أمولك وأخلطك بأهلي وتأتيني إذا جلس عندي الملأ من بني إسرائيل فتقولي: اكفني موسى فإنه أرادني على نفسي، فلما جلس وعنده الملأ أتته فقلب الله قلبها، فقالت: أيها الملأ إن قارون قال لي: كذا وكذا، فنكس رأسه وعلم أنه هالك، وبلغ الخبر موسى وكان شديد الغضب فجعل يصلي ويبكي ويقول: يا رب أراد فضيحتي فأوحى الله إليه، أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت، فأقبل إلى قارون فلما رآه قال: يا موسى ارحمني، قال: يا أرض خذيهم، فخسف به وبمن معه وبداره الأرض إلى الكعبين، قال: يا موسى ارحمني، قال: يا أرض خذيهم فخسف به وبمن معه وبداره إلى الحقوين، قال: يا موسى ارحمني، قال: يا أرض خذيهم فخسف به وبمن معه وبداره فهو يتجلجل إلى يوم القيامة. وكان قارون ابن عم موسى وذلك قوله: ﴿كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص: ٧٦].